← Указатели

Указатели · id 7328

نشأة النحو وتاريخ أشهر النحاة

محمد الطنطاوي

Полный текст (256 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

بعد أخرى، وصنف كثيرا، من أنفس مصنفاته في النحو شرح "القواعد الكبرى" لابن هشام توفي بالقاهرة سنة ٨٧٩هـ١. ٤- الجامي: هو أبو ضياء الدين عبد الرحمن نور الدين بن أحمد نظام الدين، ولد في قرية خرجرد من قرى جام "ولاية بخراسان" وانتقل مع والده صغيرا إلى هراة، فشب معروفا بالجامي، وتلقى بالمدرسة النظامية في هراة عن السمرقندي وشهاب الدين الحاجري وغيرهم، ثم طمحت نفسه إلى الازدياد في العلم، فتوجه إلى سمرقند، وسمع من قاضي زاده الرومي الذي أطراه كثيرا، وتنبأ عن أمل فيه كبير، وهنا طارت شهرته في المشرق، فقفل إلى هراة، ودنا من قلب سلطانها أبي الغازي السلطان حسين مرزا آخر سلاطين بني تيمور المتوفى سنة ٩١١هـ، وطوفت سمعة الجامي حتى رغبت السلاطين في لقياه، ولهذا لما سافر إلى الحج أرسل له السلطان محمد الفاتح العثماني يستزيره بعد عودته من الحج غير أنه اعتذر رغبة في سرعة العودة إلى هراة كما كاتبه ابنه السلطان بايزيد الثاني، فقد آثر الإقامة الممتعة في هراة في ظلال السلطان حسين، ولقد خلف الجامي مؤلفات شتى في متنوع الفنون ومن آثاره النحوية شرحه على كافية ابن الحاجب وسماه "الفوائد الضيائية" "نسبة لولده ضياء الدين"، والشرح صغير الحجم كبير المادة، ومن أبسط المسائل فيه مسألة الكحل وباب "لو" ونقل فيه كثيرا عن شرح الرضي للكافية مع عزو النقل إليه، وللإقبال على شرح الجامي عني العلماء به، فعليه حاشية لمحرم مات قبل إكمالها إذ وصل فيها إلى بدل الكل من الكل فأكملها الأنصاري، وحاشية للبسنوي، وحاشية لعصام الدين، وحاشية لمحمد عصمة الله، توفي الجامي بهراة سنة ٨٩٨هـ٢.

стр. 212

الفصل الثاني: النحو والنحاة في الأندلس والمغرب إن بلاد الأندلس والمغرب في هذا الحين قد كثر فيهما علماء النحو الذين دوَّى ذكرهم في كتبه، لأنهم نشئوا بعد نضوجه واستكمال مذهبهم الخاص الذي تقدم شرحه وبعض مسائل منه، وقد خدموا هذا العلم بمصنفاتهم التي أعاضت النحو معظم ما فقده من كارثة بغداد الصماء لتوافر رغبتهم فيه وقدسية منزلته في نفوسهم، بل إن منهم من وقف بحثه ونشاطه عليه كابن عصفور وابن الضائع وغيرهما، فاكتسب النحو منهم قوة ساعدته على استطالة عمره بعد عوامل الفناء التي أصابته بإبادة كثير من كتبه وبفترة الخمول التي خيمت على علمائه من أعاصير اضطرابات المشرق وما تولد عنها مدة طويلة. ولقد سبق لك أن النحو أوفى على الغاية في هذه البلاد هذا العصر "القرن السابع"، وكان عندهم شارة النبغ والفوق، وأن عنوان عرفانه وسمة الرسوخ فيه استظهار كتاب سيبويه، لأن له المكانة السُّمْيا عندهم، فمن لم يشتهر به فعلمه مطروح مهما حصل، ولذا كانوا يقولون عن أحمد بن عبد النور النحوي المعروف المتوفى سنة ٧٠٢هـ، إنه لا يعرف شيئا، ولا دهشة من هذا الحال عندهم لأن النهضة الأندلسية في النحو هبت مصاحبة الكتاب عندهم، فللكتاب اليد الطولي في كونها وإنمائها والابقاء عليها، ولها فضل إكبارهم منزلة الكتاب عندهم والاحتفاظ به كأنفس ذخيرة لديهم. هذا؛ وعند الاعتبار والتبصر يجب أن يدرك أن ذلك إيذان بأفول نجمه من هذه البلاد، وهذا ما حدث فإنه ما تم أمر إلا بدا في النقصان، فقد اتفق أن شب ضرام الاضطرابات في البلاد وقد استولى على ملك الأندلس بنو الأحمر الذين يؤثرون الأدب على النحو والناس على دين ملوكهم، فدعا ذانك الأمران علماء النحو في البلاد إلى الاستشراف إلى القطرين "مصر والشام" وصاروا ينزحون إليهما زرافات ووحدانا إلى أن بلغ الشر أناه، وتفرق ملوك بني الأحمر شيعا

стр. 213

واستعدى بعضهم على بعض ملوك الإفرنج فقضوا عليهم القضاء الأخير في حادث تقشعر منه الجلود وسقطت آخرة حواضر الأندلس "غرناطة" على يد فرديناند سنة ٨٩٧هـ، ونكل الإفرنجة بالمسلمين، ومثلوا بتراثهم العلمي في غرناطة الصورة الكريهة التي ارتكبها المغول في بغداد "وما أشبه الليلة بالبارحة" ففر جل من بقي من العلماء إلى القطرين كما سبق. وفي الحق أنه لولا العلماء الذين جلوا إلى القطرين من بلاد المغرب ومعهم أغلب مؤلفاتهم لفات العالم العربي من هذا العلم قسط كبير، وهاك بعض المشهورين منهم مرتبين باعتبار سني وفياتهم: ١- الأندلسي: هو أبو محمد القاسم علم الدين اللورقي بن أحمد، ولد بمرسية وتردد إلى بلنسية، وفيهما أخذ النحو عن ابن شريك وابن نوح وغيرهما ولقي الجزولي، وورد مصر، ثم اتجه إلى دمشق فسمع من تاج الدين الكندري كتاب سيبويه وغيره، ودفعه طموحه إلى علماء بغداد فجلس في حلقة أبي البقاء العكبري، وعاد إلى حلب واستوطن الشام، والتف الناس حوله ينهلون من معارفه إذ كان موطأ الأكناف حسن البزة، كما انتفعوا بمؤلفاته الكثيرة، منها في النحو: شرح مقدمة الجزولي، وشرح المفصل، توفي بدمشق سنة ٦٦١هـ١. ٢- ابن عصفور: هو أبو الحسن علي بن مؤمن الإشبيلي، أخذ عن الدباج والشلوبيني، وكان أصبر الناس على المطالعة، بيد أنه وقف عنايته على النحو فما لبث أن توحد بحمل راية النحو في بلاد الأندلس التي تجول فيها كثيرا، وحدثت جفوة بينه وبين الشلوبيني، وله مصنفات منها: المقرب وشرحه لم يتم، ومختصر المحتسب لابن جني، وثلاثة شروح على الجمل الكبيرة للزجاجي، كان رقيق الدين، جلس آخر حياته في مجلس شراب رمي

стр. 214

بالنارنج إلى أن مات سنة ٦٦٣هـ١. ٣- ابن مالك: هو أبو عبد الله محمد جمال الدين بن عبد الله الطائي، ولد بجيان "بلد بالأندلس" وسمع من الشلوبيني أياما، ثم ورد المشرق حاجا، ثم استوطن الشام فسمع بدمشق من السخاوي، وبحلب من ابن يعيش الحلبي، ثم تصدر لإقراء العربية في حلب مدة فدمشق التي توطنها، فأتى بما أعجز الأوائل لقوة حافظته، فكان يستشهد بالقرآن، فإن لم يجد فالسنة، فإن لم يجد فأشعار العرب التي كان في استذكارها نسيج وحده، وصنف مؤلفات نظما ونثرا تشهد له بالتفوق على من تقدم، وجمع بعضهم أكثرها في نظم ذكره السيوطي في البغية، ولنقتصر هنا على النحوية، فمن النظم "الكافية الشافية" استوعب فيها كل ما سمعه وشرحها و"الألفية" وهي ملخص الكافية طبقت شهرتها الآفاق، وترجمت إلى لغات، وعليها شروح كثيرة استقرأها كشف الظنون، ومن شروحها شرح ابن الناظم، وشرح المرادي، وشرح ابن عقيل، وشرح الأشموني، وسنذكر عنهما نبذة عند الكلام على ترجمة مؤلفيها، ومن النثر "الفوائد" و"تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد"، ولا غرو أن طلاب اللغة العربية مدينون لهذا الإمام الذي أسدى هذه الذخائر، فما أحراه بكتاب منفرد، فيه التعريف بحياته ومؤلفاته وما فيها بالتفصيل، نعم إن المحسن لا يضيع عمله عند الله فقد جعل الله لابن مالك لسان صدق فيمن بعده، فمؤلفاته وأقواله تناقلتها العلماء في كتبهم مشارقة ومغاربة، فالرضي القريب منه زمنا وهو من المشارقة نقل عنه في شرحه الكثير من مقاله، والمغاربة ومن في القطرين اتبعوه واعتمدوا عليه فكان قطب دائرتهم. هذا؛ والغريب من ابن خلكان الذي كان يشيعه إلى بيته بعد صلاة كل يوم تعظيما له ألا يترجم له في وفيات الأعيان، توفي ﵀ بدمشق سنة ٦٧٢هـ.

стр. 215

٤- ابن الضائع: هو أبو الحسن علي بن محمد الإشبيلي الكتامي، لازم الشلوبيني وأخذ عنه كتاب سيبويه بين قراءة وسماع، ثم فاق أترابه وأبدع في التصنيف، له شرح على سيبويه جمع فيه بين شرحي السيرافي وابن خروف مع الاختصار الحسن، وله مشكلات عجيبة أبداها في كتاب سيبويه سبق الإلماع إليها في الكلام على علم النحو وعلمائه في الأندلس والمغرب في المطلب الأول، وشرح على الجمل الكبيرة للزجاجي، وكان لا يعتمد في الاستشهاد على الحديث مخالفا سنة ابن خروف في التعويل عليه، توفي سنة ٦٨٠هـ. ٥- ابن أبي الربيع: هو أبو الحسين عبيد الله بن أحمد الإشبيلي، تلقى عن الدباج والشلوبيني ولم يكن في طلبة الشلوبيني أنجب منه، ثم هاجر من إشبيلية بعد استيلاء الإفرنجة عليها إلى سبتة وتوطنها، ووقعت مناظرة بينه وبين مالك بن المرحل هل يقال: "كان ماذا؟ " ونتج عنها مهاجاة بينهما مقذعة نال فيها ابن الربيع من ابن المرحل وصنف مؤلفا خاصا بمنعها، ولذا قال مالك: عاب قوم كان ماذا ... ليت شعري لما هذا وإذا عابوه جهلا ... دون علم كان ماذا١ ومن مؤلفات ابن أبي الربيع النحوية شرح سيبويه، وشرح الجمل للزجاجي، وقد رأيت في حاشية الشمني على المغني الباب الأول مبحث "لكن" أن كتاب "البسيط" من مؤلفاته مع أني لم أطلع على هذا الكتاب ضمن مؤلفاته في ترجمته، ومع أن ابن عقيل عند قول الناظم: وفعل امر ومضى بنيا ... وأعربوا مضارعا إن عريا قال: "ونقل ضياء الدين بن العلج في البسييط" وتابعه على ذلك

стр. 216

السيوطي في فهرس بغية الوعاة "باب الكنى والألقاب والأسماء والإضافات" عند حرف الباء ونصه: "صاحب البسيط ضياء الدين بن العلج أكثر أبو حيان وأتباعه من النقل عنه ولم أقف له على ترجمة"، والله أعلم بالحقيقة، توفي سنة ٦٨٨هـ. ٦- ابن آجروم: هو أبو عبد الله محمد بن محمد الصنهاجي "نسبة إلى صنهاجة قبيلة بالمغرب" المشهور بابن آجروم "الفقير الصوفي" بلغة البربر، ولد بفاس وذاع فضله في علوم كثيرة إلا أنه غلبت عليه القراءات والنحو ولم يؤثر عنه في النحو إلا مقدمته التي طبقت شهرتها الآفاق وترجمت إلى عدة لغات وتناولها بالتعليق عليها كثير من الأعلام، ومن أشهر شروحها بين أيدينا شرح الشيخ حسن الكفراوي المتوفى سنة ١٢٠٢هـ، قال السيوطي في بغية الوعاة: "وهنا شيء آخر وهو أنا استفدنا من مقدمته أنه كان على مذهب الكوفيين في الجو لأنه عبر بالخفض وهو عبارتهم، وقال: الأمر مجزوم وهو ظاهر في أنه معرب وهو رأيهم، وذكر في الجوازم كيفما والجزم بها رأيهم، وأنكره البصريون فتفطن" توفى بفاس سنة ٧٢٣هـ١. ٧- أبو حيان: هو محمد أثير الدين بن يوسف الغرناطي، ولد بمطخارش "من ضواحي غرناطة" وتلقى عن كثير منهم ابن الضائع ودرس بين ظهرانيهم، ثم هاجر وضرب في مغارب الأرض ومشارقها وأخذ عن كثير ممن لقيه، ثم انتهى به المطاف إلى القاهرة فأخذ عن ابن النحاس، وتصدر في الجامع الأقمر وصنف كثيرا، فمن مؤلفاته النحوية: "التذييل والتكميل في شرح التسهيل" وملخصه "ارتشاف الضرب من لسان العرب"، وكان على مذهب ابن الضائع في منع الاستشهاد بالحديث، لذا رد على ابن مالك في شرحه على التسهيل بكلام مسهب، توفي ﵀ بالقاهرة سنة

стр. 217

٧٤٥هـ١. ٨- الشاطبي: هو أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي، تلقى العربية وغيرها عن أئمة المغاربة، منهم أبو القاسم السبتي وأبو عبد الله التلمساني والمقري وابن لب فنبغ في فنون متنوعة وصنف فيها مؤلفات أعجب بها العلماء، منها "الموافقات" في أصول الفقه، ومن مؤلفاته النحوية: شرحه على الألفية لابن مالك فإنه المنهل العذب الذي اغترف منه النحاة بعده. ومن آرائه الصائبة تجويزه الاستشهاد بالحديث إذا علم أن المعني به فيه نقل الألفاظ لمقصود خاص بها كالأحاديث المنقولة في الاستدلال على فصاحته ﷺ خلافا لابن خروف وابن مالك المجيزين مطلقا وابن الضائع وأبي حيان المانعين مطلقا، وقد أوفى هذا المبحث حقه في باب الاستثناء، ونقله عنه بحذافيره البغدادي في مقدمة الخزانة، توفي الشاطبي بالأندلس سنة ٧٩٠هـ٢.

стр. 218

الفصل الثالث: النحو والنحاة في مصر والشام في العصرين "عصر المماليك وعصر الترك " مدخل ... الفصل الثالث: النحو والنحاة في مصر والشام في العصرين "عصر المماليك وعصر الترك" إن مصر والشام في هذه الآونة كانتا مستقلتين تخفق عليهما راية واحدة حملها المماليك الذين ولوا أمرهما بعد الأيوبيين منذ سنة ٦٤٨هـ واتخذوا القاهرة قاعدة ملكهم، وكان المماليك لشعورهم بنقص أحسابهم، ولأنهم دخلاء يحاولون استكمال مهابتهم بغرس ما يثمر النفع للبلاد، ثم كان حادث بغداد موحيا إليهم جسامة العبء الملقى على كاهلهم إذ لم يبق للإسلام بلاد

стр. 219

ذات شوكة تعقد عليها الآمال سوى القطرين والأندلس في دور احتضارها الأخير، فناصروا اللغة العربية لأنها لغة الدين والشعب، ولم تحل جنسيتهم التركية والجركسية دون اعتمادها لسان الدولة الرسمي، وتحبيب علمائها إلى نشرها، ورفع لوائها ليستعيدوا مجد العراق في بلادهم. وقد كان ذلك مستحكما في أدمغتهم حتى أن الظاهر بيبرس البندقداري استدعى أحد أولاد الخلفاء العباسيين الهاربين من أيدي التتر وعقد له بيعة الخلافة فألبسه تاجها بالقاهرة سنة ٦٥٨هـ ولقبه المستنصر بالله، واستمد منه سلطة الملك نائبا عنه ولما خرج الخليفة على رأس جيش لمحاربة التتر فقتل، بايع الظاهر بعده عباسيا آخر هو "أبو العباس أحمد" ولقبه الحاكم بأمر الله، وهو جد الخلفاء العباسيين بمصر. وهكذا استمرت الخلافة العباسية في القاهرة مدة ولاية المماليك للقطرين، وإن كانت صورية، فقوي بالاعتزاز بها شأنهم، واشتدت شوكتهم، فاستطاعوا مقاومة "تيمورلنك" الذي حاول بعد فتوحاته إلى سورية أن يستحوذ على القطرين فأرسل إلى السلطان "قلاوون" وكان يضطغن عليه؛ لكن الله أنقذه من شره، وتغلب عليه في موقعة "حمص" فنجا القطران من الوقوع في يده. مضت الحقبة الطويلة التي ولي فيها المماليك القطرين، وكأن الله أراد أن يعيد إلى المسلمين فيهما بعض ما رأوه في العراق إبان مجده الزاهي، فقامت القاهرة مقام بغداد؛ وكما ورثتها في الخلافة العباسية نابت عنها في النهوض بالثقافة العلمية، فلا غرو أن القطرين كانا آنئذ ملتقى علماء المسلمين من مشارق الأرض ومغاربها. وتوالت النهضة في القطرين إلى أن أدال الله لبني عثمان من المماليك، واستولى السلطان سليم على القطرين سنة ٩٢٣هـ، فضعفت النهضة وتغيرت الحال، وعلى هذا فينبغي الكلام على النحو وعلمائه في كل عصر من العصرين على حدة لاختلاف الشأن فيها.

стр. 220

النحو والنحاة في عصر المماليك: وضح مما فات أن المماليك قبضوا على زمام المقاليد في القطرين، والعراق في الاحتضار والأندلس في سبيل الزوال، وأن علماءهما لم يلفوا أمامهم موطنا يعيشون فيه ويجدون مبتغاهم من الهدوء ونشر العلوم والإفادة والاستفادة إلا القطرين، لا سيما وقد عرف عنهما حرب العلماء وإكبارهم، وأن العلماء بدورهم قد رأوا إقفار البلاد من الكتب العربية، يقول السيوطي وهو من علماء هذا العهد: "وقد ذهب جل الكتب في الفتن الكائنة من التتار وغيرهم بحيث إن الكتب الموجودة الآن في اللغة من تصانيف المتقدمين والمتأخرين لا تجيء حمل جمل واحد"١. وربما كان في هذا الكلام شيء من العلو إلا أنه أيا ما كان دليل على إحساسهم بالنقص والخسارة؛ وواجب الدين في أعناقهم يقضي عليهم بإحياء ما درس من علوم لغة الدين، وبينهم بعض المشارقة الذين فروا من وجه المغول والجم الغفير من المغاربة، والأندلسيين الذين وردوا القطرين من عهد بعيد، فهبت حركة طيبة في علومها وفي مقدمتها النحو. وفي الإنصاف أن نقول إن عماد هذه الحركة التي كانت فيها إمساك للحوباء٢ إنما هم جالية الأندلس والمغرب الذين سلف ذكرهم، فإنهم لما ألبوا٣ بالقطرين واتخذوهما مقرا لهم بثوا علمهم وأذاعوا مصنفاتهم فيهما بين الناس، فتخرج عليهم تلاميذ كانوا كواكب العصور المتأخرة وصارت مصنفاتهم نبراسا لمن صنف بعدهم من العلماء، ويرجع السبب في ذلك إلى أن رحلاتهم إلى القطرين كانت بعيدة العهد وطالت أيامها فاختلطوا بالعلماء قبل حادثهم بزمن غير قريب، ولا كذلك المشارقة الذين بغتوا بحادثهم

стр. 221

ولجئوا إلى القطرين فإنهم وردوهما وقد تشبع العلماء من روح المغاربة، ومن هنا ندرك: السر في تغلب المذهب الأندلسي عند نحاة القطرين على البغدادي: من الحديث السالف الذي وقفت منه على تبكير المغاربة عن المشارقة في النزوح إلى القطرين واستيطانهما ومعهم مؤلفاتهم وقد تكون لديهم مذهبهم تدرك أن مذهبهم سبق المذهب البغدادي إلى علماء القطرين، فإن علماءهما قد تتلمذوا لهم فتشبعوا بروحهم وتغلب المذهب الأندلسي عليهم، فتغلغل في الدراسة والتصنيف والرأي أخيرا. فألفية ابن مالك الأندلسي التي كثرت الشروح عليها، وطاف المؤلفون في القطرين حولها هي التي توزعت دراستها على مراحل التعليم باعتبار شروحها سهولة وصعوبة، واختصارا واتساعا، وكذا "الكافية الشافية" له أيضا، وقد راجت أقوال ابن مالك حتى عند المشارقة، وقد نقل الرضي عنه كثيرا في شرحه على "الكافية" لابن الحاجب، وبالجملة فإن اتجاه النحاة بعد اقتفى المنهاج الأندلسي وما برح إلى عصرنا الحاضر في القطرين ففي هذا العصر فاضت دراسة النحو في أغلب مدن القطرين، وبخاصة في القاهرة ودمشق وحلب. وقد كانت الدراسة أول أمرها أشبه شيء بعلاج المريض الذي لم يبق فيه إلا الذماء١ ولكن اطرادها على طول الأيام محفوفة بالترغيب والتقدير قد أكسبها استعادة ما فقد النحو من الازدهار، فظهر في البلدين جهابذة العلام٢ الذين حفظوا وجود هذا العلم بعد نكبتي المشرق والمغرب ونقلوه كاملا غير منقوص لمن بعدهم ممن حدثوا في عصورهم الظلام، ونشطت حركة التأليف لتزايد الإقبال عليها، ومن مظاهر هذا النشاط أن توخى أغلب

стр. 222

المؤلفين في مؤلفاتهم المتعددة التدرج والتنويع فيها لاختلاف قدر الطالبين من مبتدئ وشاد ومنته، فجمعوا فيها بين وجيز ووسيط وبسيط حبا في تعميم النفع كما صنع ابن مالك وابن هشام والسيوطي، نعم إن التأليف على عمومه في خلال هذا العهد قد طرأ عليه اتجاه جديد، وذلك أن معظم المؤلفات السابقة كانت زعيمة بالإبانة عن نفسها بنفسها لا ترتقب تفسيرا ولا توضيحا مع النزوع إلى الوجهة النحوية، يستوي في هذا مطولها ومختصرها، إذ لم يقصد واضعو المختصرات سابقا إلا مجرد التسهيل على المبتدئ بذكر جزئيات من مسائل العلم تؤنسه إذ وجه فيه، فساوت عبارتها في التأدية ما فيها من المعاني، وممن ألف مختصرا على هذا النهج قديما الزجاجي في الجمل "الجمل الكبيرة" وعبد القاهر الجرجاني في "جمله" أيضا. أما في هذا العهد فقد طفق المؤلفون ينشئون المتون مع استيعابها لما في المطولات ويفتنون في سبيل إيجازها ما وسعته قدرتهم، ومن هنا مست الحاجة إلى الشروح وربما جللت بالحواشي، وأقرب الأمثلة لهذا شروح كافية ابن الحاجب وألفية ابن مالك وكافيته ومغني ابن هشام وتوضيحه وبعض حواشيها، وهذه المؤلفات التي كانت غزيرة المادة العلمية من الجهة النحوية لم يعبها إلا ما شابها في الشروح والحواشي من: " كثرة بيان اللهجات العربية لكثير من الكلمات مما يمت إلى فقه اللغة بسبب وثيق، ومن التعليل والتوجيه لمتضارب الآراء النحوية مما لا يعود بطائل على النحو، ومن محاولة أخذ القاعدة النحوية من مادة الكتاب المعلق عليه وكثيرا ما يكون في العبارة قصور في الدلالة، لكن هذه الهنات لم تذهب بمحاسن هذه المصنفات، وجلها ما يزال إلى يومنا عتاد طلاب النحو ومطمح أنظارهم، ويظهر أن الحامل لهم على الإكثار من المتون حبهم في سرعة تلافي ما ضاع من كتب النحو، والمتون كفيلة بجمع ما كثر من القواعد في موجز الكلام، فلكي يسهلوا على الراغبين جمع شتات هذا الفن في قبضة اليد صنفوها كعلاج بدا لهم، فلم يكن بعد هذا بد من شروح تكشف قناع هذه المخدرات المكنونة،

стр. 223

وبالتالى قد تقتضي الشروح تفصيلا لما أجمل فيه فكانت بعض الحواشي، فما أجدر عهد المماليك بتسميته عهد المتون والشروح، وسيتبين لك عند تراجم علمائه أن معظم مؤلفاتهم متون وشروح، فقلما ترى حاشية لمؤلف منهم، كل ذلك والأقطار الإسلامية الأخرى منصرفة عن هذا العلم وغيره، ترزح تحت نير الظلم من ملوك لا تحنو على اللغة وعلومها ولا تربطها بها أسباب، فإن المطالع لصفحات تاريخ النحويين لهذا العهد لا تكاد تقع عيناه عليهم إلا متوطنين بالقطرين إما نازحين إليهما أو مولودين بهما، فمما لا مرية فيه أنه لولا القطران في هذا الأمد لانقطعت الصلة بين النحو قديمه وحديثه، ولكان له نظام آخر -تلك هي حالة هذا العلم ورجاله- وهاك بعض مشهوريهم مع الترتيب الزمني في وفياتهم: ١- ابن الناظم: هو محمد بدر الدين بن محمد، ولد بدمشق فأخذ عن أبيه ونشأ حاد الذهن إلا أنه غلبت عليه معاشرة الشذاذ فأقصاه أبوه فأقام في "بعلبك" وانتفع الناس بعلمه، وكانت له مشاركة في علوم كثيرة، ومن مؤلفاته النحوية شرحه على "ألفية" والده. نبذة عن شرح ابن الناظم: يغلب على الظن أنه أول شرح على الألفية مهد السبيل لمن شرحوا الألفية بعده، نقلوا عنه وعنوا ببسط ما فيه حتى امتاز أن يصير علما بالغلبة "للشارح" إذا أطلق في هذه المصنفات، وقد تعقب ابن الناظم أباه كثيرا، دون هوادة، انظر باب "المفعول المطلق والتنازع والصفة المشبهة"، وربما حمله التعقب إلى الإتيان ببيت بدل بيت الناظم، ففي باب التنازع رأى أن قول أبيه: بل حذفه الزم إن يكن غير خبر ... وأخرنه إن يكن هو الخبر يفيد أن ضمير المتنازع فيه إن كان المفعول الأول في باب ظن يجب حذفه مع أنه لا فرق بين المفعولين، فاستصوب أن يقول بدله:

стр. 224

واحذفه إن لم يك مفعول حسب ... وإن يكن ذاك فأخره تصب إلا أن الشراح بعده من: ابن هشام وابن عقيل والأشموني وغيرهم تصدوا للرد عليه بما جعل حملاته على الناظم طائشة كما ترى فيها مبسوطا. وقد وردت فيه بعض شواهد محرفة نقلها عنه من بعده، ومن ذلك على سبيل المثال: استشهاد في أول باب "نعم، وبئس" للكوفيين على اسميتها بقول الراجز: صبحك الله بخير باكر ... بنعم طير وشباب فاخر وصحة الشطر الثاني "بنعم عين إلخ" كما في لسان العرب، وشرح القاموس، وعلى هذا ضاع الاستشهاد بالبيت، مع أنه اقتفاه في هذا الاستشهاد الأشموني. ويلاحظ عليه أنه ربما ساق بعض شعر المحدثين استدلالا، فقد جوز ذكر الخبر بعد لولا إن دل عليه دليل كقول أبي العلاء المعري: يذيب الرعب منه كل عضب ... فلولا الغمد يمسكه لسالا ثم الشارح في الواقع مغلق ولهذا كثرت الحواشي عليه: فكتب عليه ابن جماعة والعيني والسيوطي وزكريا الأنصاري وابن قاسم العبادي وغيرهم، ومنها شرحه على "كافيته" أيضا، ولما توفي أبوه استدعي إلى دمشق فولي وظيفة أبيه ومات بمرض القولنج شابا بدمشق سنة ٦٨٦هـ١. ٢- ابن النحاس: هو أبو عبد الله محمد بهاء الدين بن إبراهيم الحلبي، أخذ العربية عن ابن عمرون، والقراءات عن الضرير وسمع من غيرهما، ودخل مصر وتلقى عن مشايخها ثم صار إمام المصريين في العربية، وفي فوات الوفيات ترجمة "محمد بن رضوان" من شعره إلى الشيخ بهاء الدين: سلم على المولى البهاء وصف له ... شوقي إليه وإنني مملوكه

стр. 225

أبدا يحركني إليه تشوقي ... جسمي به مشطوره منهوكه لكن نحلت لبعده فكأنني ... ألف وليس بممكن تحريكه واستطرف ابن هشام الأبيات فذكرها للمناسبة في تقدير الحركات الإعرابية في المقصور "شرح شذور الذهب" ولم يصنف ابن النحاس إلا ما أملاه على "المقرب" لابن عصفور، توفي بمصر سنة ٦٩٨هـ١. ٣- المرادي: هو الحسن بن قاسم المصري، أخذ عن أبي حيان وغيره، وصنف وتفنن وأجاد، فمن مصنفاته شرح المفصل، وشرح التسهيل، والجنى الداني في حروف المعاني، وشرح الألفية، ومؤلفات المرادي مصادر لدى النحاة وثيقة، فالدماميني عول في شرح التسهيل على شرحه، والأشموني نقل في شرح "الألفية" كثيرا عن شرحه، وقالوا: إن ابن هشام، استفاد في "المغني" من الجنى الداني، توفي بالقاهرة سنة ٧٤٩هـ٢. ٤- ابن هشام: هو أبو محمد عبد الله جمال الدين بن يوسف الأنصاري، ولد بالقاهرة ولزم عبد اللطيف بن المرحل وسمع على أبي حيان ديوان زهير، وحضر دروس التاج التبريزي، ثم فاق أقرانه بل شيوخه وتخرج على يده الكثير، صنف المؤلفات المليئة بالفوائد الغريبة والمباحث الدقيقة والاستدراكات العجيبة مع التصرف في منهجها والتنويع في إفادتها مما يدل على الاطلاع الغريب، فمنها: شذور الذهب في معرفة كلام العرب وشرحه، وقطر الندى وبل الصدى وشرحه، وأوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك، وشرح التسهيل لابن مالك، والجامع الكبير، والجامع الصغير، والإعراب عن قواعد الأعراب، ومغني اللبيب عن كتب الأعاريب الذي طارت شهرته إلى المغرب، يقول ابن خلدون: "ووصل إلينا بالمغرب لهذه العصور ديوان من

стр. 226

مصر منسوب إلى جمال الدين بن هشام من علمائها إلى أن قال: فأتى من ذلك بشيء عجيب دال على قوة ملكته واطلاعه والله يزيد في الخلق ما يشاء"١. إن ابن هشام نسيج وحده، فما من كتاب له إلا وفيه شاهد على علو كعبه، ولتتبين ذلك فأمامك التوضيح والمغني. تعريف بكتابي التوضيح والمغني: ففي التوضيح توخى شرح الألفية مع الإلماع إلى ما فاتها: من استكمال لبعض الأقسام، ومن انسجام في ترتيب المعلومات، ومن تنسيق في ضم القواعد المتصلة بعضها ببعض كما يظهر جليا في باب التصريف، وذلك فوق التخطئة في الأحكام لمسائل كثيرة سأقتصر على قليل منها على سبيل التمثيل خوف التطويل، فقد عقب على البيت الأول في باب التمييز وهو: اسم بمعنى من مبين نكره ... ينصب تمييزا بما قد فسره بأن تمييز النسبة ناصبه المسند لا النسبة، وفي باب الإضافة عقب على البيت: قبل كغير بعد حسب أول ... ودون والجهات أيضا وعل بأن "حسب" لا تعرب نصبا إذا نكرت وأن "عل" لا تضاف ولا تنصب على الظرفية أو غيرها، وفي باب الوقف عقب على البيت: بأن المضارع المجزوم الباقى على حرفين لا تجب فيه هاء السكت بدليل إجماع المسلمين في الوقف على "ولم أك" بترك الهاء. وفي المغني نهج سبيلا لم يسبق إليه، أتاح له ألا يدع مسألة نحوية إلا

стр. 227

عرض لها بإبداع مع عدم تكرار، فأوفى على الغاية، وفي خلال تفصيلاته وازن كثيرا بين المذاهب النحوية وإن كان صغوه١ مع البصريين. فمما اختار من مذهب الكوفيين: ١- إنكارهم وجود أن المفسرة قال: "وعن الكوفيين إنكار أن التفسيرية ألبتة وهو متجه عندي إلخ"٢. ٢- اختيارهم شرطية "أن" المدغمة في "ما" نحو أما أنت منطلقا انطلقت، قال: "وإليه ذهب الكوفيون ويرجحه عندى أمور إلخ"٣. ومن الاتفاق والمصادفات أن هذا الترجيح سبق للرضي كما تقدم في ضمن المسائل التي فضل فيها رأي الكوفيين مستدلا في هذا الاختيار بعين ما استدل به ابن هشام، مع أن ابن هشام ولد بعد وفاة الرضي بنحو عشرين عاما، ولذلك قال البغدادي في خزانة الأدب الشاهد الخمسين بعد المائتين للاشتراك بين الرأيين ما نصه: "وهذا من توافق الخاطر كما يقال: قد يقع الحافر موضع الحافز". ٣- إعراب فعل الأمر بالجزم بلام الأمر المقدرة لأنه مقتطع من المضارع المجزوم بها، قال: "فحذفت اللام للتخفيف وتبعها حرف المضارعة، وبقولهم أقول لأن الأمر معنى إلخ"٤. ٤- عدم وجوب أن تكون أم المنقطعة بمعنى بل والهمزة جميعا، قال: "والذي يظهر لي قولهم إذ المعنى في نحو ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ﴾ ٥ ليس على الاستفهام إلخ"٦. هذا، وفي بعض شواهده عرض تحريف لا نحسبه عليه في هذا المؤلف الكبير ومن ذلك على سبيل المثال:

стр. 228

١- استشهاده في مبحث "التاء" للمناسبة على قلة تقدم الخبر جملة بقول الفرزدق: إلى ملك ما أمه من محارب ... أبوه ولا كانت كليب تصاهره١ والصواب "أبوها" كما يقتضيه البيت التالي وهو: ولكن أبوها من رواحة ترتقى ... بأيامه قيس على من تفاخره وبهذا صار البيت شاهدا على تقدم الخبر شبه جملة لا جملة كما هو ظاهر. ٢- استشهاده في مبحث "كل" على وجوب مراعاة معناها بحسب المضاف إليه النكرة، فهو مثنى في قول الفرزدق: وكل رفيقي كل رحل وإن هما ... تعاطي القنا قوما هما أخوان٢ وبالنظر إلى روايته "قوما" بالتنوين قال: "وهذا البيت من المشكلات لفظا وإعرابا ومعنى فلنشرحه إلخ"، ثم قال ما قال بناء على روايته الخاطئة، وسيأتي في ترجمة الدماميني شارح المغني تصحيحها بما يفيد أنه مثنى مرفوع مضاف لا مفرد منصوب منون. ومما يجدر التنويه به أن ابن هشام في المغني لم يقف عند المسائل النحوية، فتناول فيه بعض المسائل البلاغية، لا لتقليد السابقين من النحاة، ولذا يقول: "ولم أذكر بعض ذلك في كتابي جريا على عادتهم، وأنشد متمثلا: وهل أنا إلا من غزية إن غوت ... غويت وإن ترشد غزية أرشد بل لأني وضعت الكتاب لإفادة متعاطي التفسير والعربية جميعا"٣

стр. 229

يريد أن ما ذكره منها ليس اقتفاء لغيره حتى يحتاج إلى الاعتذار بإنشاد البيت وإنما لقصده أن المغني يجمع بين الأمرين، ويروى أنه قيل لابن هشام: هلا فسرت القرآن، أو أعربته، فقال أغناني المغني. كنت أود أن أذكر تعريفا خاصا بكتاب "المغني" أعرض فيه سبب التأليف له واتجاهه فيه ونقده للنحاة وانتحاءه منحى قويا في الاستشهاد بالقرآن الكريم، ومآخذه على العلماء في أعاريب مشتهرة، وما إلى أولئك من مزايا أخرى، ولكن لا يتسع هذا الكتاب لكل ما نود، وما يجدي التعريف إلا بسفر خاص به. غير أنه مما لا ينبغي التساهل فيه أن أنبه على أن المغني قد تبارى العلماء في التعليق عليه مذ ظهر فشرحه ابن الصائغ إلى أثناء الباء الموحدة وسمي شرحه "تنزيه السلف عن تمويه الخلف"، والدماميني بعد أن علق عليه في الديار المصرية ونزح إلى الهند شرحه بتوسع وسمى شرحه "تحفة الغريب بشرح مغني اللبيب"، وفي هذا الشرح اعتراضات على المغني كثيرة تعقبها الشمني في حاشيته عليه المسماه "المنصف من الكلام على مغني ابن هشام"، وللسيوطي حاشية على المغني وصل فيها إلى "حتى" وللأمير حاشية تامة، والدسوقى أيضا، وكذا الإبياري سماها "القصر المبني على حواشي المغني" وصل فيها إلى أول الباب الثاني، توفي ابن هشام بالقاهرة ودفن خارج باب النصر سنة ٧٦١هـ١. ٥- ابن عقيل: هو أبو عبد الرحمن عبد الله بهاء الدين بن عبد الرحمن الحلبى أصلا، تلقى عن الجلال القزويني وأبي حيان وغيرهما، واشتهر في العربية حتى تبوأ منزلة مشايخه، ودرس بالقطبية والخشبية والجامع الناصري بالقلعة والجامع الطولوني، وولي القضاء الأكبر لشهرته بالتدين، إلا أنه كان غير محمود التصرفات المالية على نفسه.

стр. 230

ومن مؤلفاته النحوية: شرحه على التسهيل "المساعد على تسهيل الفوائد، وتكميل المقاصد"، وشرحه على الألفية. كلمة عن شرحه على الألفية: يمتاز هذا الشرح بالسهولة، فلا يحتاج الطالب الشادي إلى تفهيمه من موقف، وليس من المبالغة أن يقال: إن هذا الشرح هو الذي أرشد المتعلمين إلى معرفة المراد من الألفية تماما، فإن عنايته متجهة إلى إيضاحها، وتبيان المقصود منها. وهو شرح حسن، متوسط في النصف الأول ومختصر في النصف الثاني، وتتجلى فيه مواءمة ابن عقيل للناظم، ولهذا دافع هجوم ابنه عليه في شرحه كثيرا، فيقول مثلا في باب المفعول المطلق: "وقول ابن المصنف إن قوله: وحذف عامل ... ليس بصحيح". وقد اهتم العلماء بهذا الشرح وكتبوا عليه الحواشي، فمنها: حاشية "إرشاد النبيل إلى ألفية ابن مالك وشرحها لابن عقيل" لابن الميت وحاشية لعطية الأجهوري، وحاشية للسجاعي، وحاشية للخضري، توفي ابن عقيل ودفن بالقرب من الإمام الشافعي سنة ٧٦٩هـ١. ٦- ابن الصائغ: هو محمد شمس الدين بن عبد الرحمن، أخذ عن ابن المرحل، ولازم أبا حيان، فمهر في العربية مع النشاط وحدة الذكاء ودماثة الأخلاق، فسرعان ما تبوأ المناصب العليا، فولي قضاء العسكر، وإفتاء دار العدل، ودرس بالجامع الطولوني، وصنف وأبدع فمن مؤلفاته النحوية: شرح الألفية، والتذكرة عدة مجلدات، والمرقاه في إعراب لا إله إلا الله وحاشية على المغني سلفت الإشارة إليها، والوضع الباهر في رفع أفعل الظاهر، وهذا الكتاب مسطور في "الفن السابع" من الأشباه والنظائر، توفي بالقاهرة سنة

стр. 231

٧٧٦هـ١. ٧- ناظر الجيش: هو محمد محب الدين بن يوسف، ولد بحلب واشتغل بها، ثم قدم إلى القاهرة، ولازم أبا حيان وغيره، ومهر في العربية، وولي ناظر الجيش وغيره فكان المثل الأعلى في الكياسة والجود والتدين ومن مؤلفاته النحوية: شرح التسهيل "تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد" توفي بالقاهرة سنة ٧٧٨هـ٢. ٨- ابن جماعة: هو محمد عز الدين بن أبي بكر بن عبد العزيز، ولد بينبع، أخذ عن ناظر الجيش والسيرامي وغيرهما، ثم صار المشار إليه في الديار المصرية في فنون شتى، ولم يتزوج وكان فيه ميل إلى السهولة والمزاح، وجاوزت مؤلفاته الألف، منها في النحو: حاشية على شرح ابن الناظم تسمى "المسعف والمعين في شرح ابن المصنف بدر الدين"، وحاشية على المغني، وحاشية على شرح التوضيح، توفي سنة ٨١٩هـ٣. ٩- الدماميني: هو محمد بدر الدين بن أبي بكر بن عمر المخزومي أصله من دمامين "قرية قريبة من الأقصر" ولد بالإسكندرية وتعلم بها ثم هبط مصر وارتفع قدره فيها فالتف حوله الطلاب بالأزهر، ثم اشتغل بالدنيا ولما نكب بالحريق هرب من الغرماء إلى الصعيد فاستقدموه مرغما، وبعد صلاح حاله غادر الديار المصرية فدرس في جامع زبيد باليمن وترك اليمن متجها إلى الهند، وهناك صعد نجمه وأقبلت الدنيا عليه فتفرغ للتعليم والتصنيف. فمن مؤلفاته النحوية: شرح التسهيل لابن مالك "تعليق الفرائد على تسهيل الفوائد" عول فيه كثيرا على شرح المرادي للتسهيل، وقد ألفه تلبية لطلب السلطان "أحمد شاه"، وفي مستهل الشرح بعد الإهداء كلمة عن ابن مالك ومؤلفاته.

стр. 232

وله تعليق على المغني كتبه بالديار المصرية، وشرح مزيج على المغني ألفه بالهند سماه "تحفة الغريب في الكلام على مغني اللبيب" إجابة لرغبة السلطان محمد شاه، وفي هذا الشرح جلى عن غزارة مادة وعبقرية فذة، بيد أنه أسرف في تعقبه لابن هشام مما حمل الشمني على محاولة الرد عليه دائما في حاشيته "المنصف من الكلام على مغني ابن هشام" ففي التسمية ما يغني عن البيان. والحقيقة أن "الدماميني" في بعض الأحايين يكون متوخيا لإصابة الحق في اعتراضه، فمن هذا على نمط التمثيل تخريج ابن هشام في مبحث "كل" قول الفرزدق: وكل رفيقي كل رحل وإن هما ... تعاطي القنا قوما هما أخوان بناء على ظنه تنوين "قوما" إذ قال: "وهذا البيت من المشكلات لفظا وإعرابا ومعنى" فأبان الدماميني أن "قوما" مثنى، وطاح كلام ابن هشام من أساسه. كان الدماميني ﵀ أديبا جيد النظم فترى طلاوة أدبه في ألغازه النحوية المشهورة التي يستهلها بخطاب علماء الهند، فمنها ألغازه في مفرد جمع المذكر السالم فقد اشترطوا علميته إن لم يكن وصفا، ومع هذا فلا يجمع بعد إلا مقصودا تنكيره بأن يراد به واحد مسمى به، وذلك لأن العلم يدل على التشخص والجمع يدل على الشيوع والتعدد فيتنافيان، فيقول: أيا علماء الهند لا زال فضلكم ... مدى الدهر يبدو في منازل سعده ألم بكم شخص غريب لتحسنوا ... بإرشاده عند السؤال لقصده وها هو يبدي ما تعسر فهمه ... عليه لتهدوه إلى سبل رشده فيسأل ما أمر شرطتم وجوده ... لحكم فلم ترض النحاة برده فلما رأيتم ذلك الأمر حاصلا ... أبيتم ثبوت الحكم إلا بفقده وهذا لعمري في الغرابة غاية ... فهل من جواب تنعمون برده

стр. 233

وقد أجاب بعض الفضلاء عليه بشعر من بحر وروي السؤال كما في حاشية العطار على الأزهرية مبحث جمع المذكر السالم، ومنها ألغازه في جر الفاعل وقد ذكره في "تحفة الغريب بشرح مغني اللبيب" عند الكلام على الجملة الرابعة المضاف إليها من الجمل السبع التي لها محل من الإعراب في "الباب الثاني". وذلك أن ابن جني في الجزء الأول من الخصائص "باب في الفرق بين تقدير الإعراب وتفسير المعنى" للمناسبة قال في بيت طرفة العبدي: بجفان تعتري نادينا ... من سديف حين هاج الصنبرِ١ "يريد الصنبرُ فاحتاج للقافية إلى تحريك الباء، وكان يجب على هذا أن يضم الباء فيقول: الصنبرُ لأن الراء مضمومة إلا أنه تصور معنى إضافة الظرف إلى الفعل فصار إلى أنه كأنه قال حين هيْجِ الصنبرِ، فلما احتاج إلى حركة الباء تصور معنى الجر فكسر الباء، وكأنه قد نقل الكسرة عن الراء إليها إلخ". فقال الدماميني على هذا التقدير ملغزا: أيا علماء الهند إني سائل ... فمنوا بتحقيق به يظهر السر أرى فاعلا بالفعل أعرب لفظه ... بجر ولا حرف يكون به الجر وليس بمحكي ولا بمجاور ... لدى الخفض والإنسان للبحث يضطر فهل من جواب عندكم أستفيده ... فمن بحركم ما زال يستخرج الدر وأجاب عن هذا اللغز نظما أيضا من البحر والروي السجاعي فانظره في ترجمته في الجبرتي. قال الشمني تعليقا على الدماميني: "قد سبقه إلى الإلغاز بهذا فرج بن قاسم الأندلسي في منظومته النونية في الألغاز النحوية"، وهذا مبني على

стр. 234

القطع بسكون الباء في الصنبر، لكن في الصحاح ورودها بالكسر أيضا فلا إلغاز، وقد نقل ذلك كله تفصيلا البغدادي في الخزانة مكررا في شاهدي ٦٠٧ و٧٥٩، بل على السكون قد يكون الكسر للتخلص لا للنقل فلا إلغاز أيضا كما قال الخضري على ابن عقيل أول باب الفاعل، توفي الدماميني بالهند في كليرجا سنة ٨٢٧هـ١. ١٠- الشمني: هو أبو العباس أحمد تقي الدين بن محمد المشهور بالشمني "نسبة إلى مزرعة ببلاد المغرب" ولد بالإسكندرية وقدم مع أبيه القاهرة فتلقى النحو عن الشطنوفي وبقية الفنون عن أساتذتها، ثم صار واحد العصر في سائر الفنون، وتزاحم الناس في الأخذ عنه إذ كانت التلمذة له مفخرة، وولي المشيخة والخطابة بقايتباي، وطلب للقضاء فأبى، وله في النحو حاشية على المغني وشرح الدماميني سماها: "المنصف من الكلام على مغني ابن هشام" وسبقت الإشارة إليها، وقد وهبها الله القبول فحرص الناس على قراءتها، غير أنها في الحقيقة ليست من الحواشي الضافية التى أسبغت ثوبا جديدا على ما تعلق عليه، فليس من المبالغة قول الشوكاني عليها في أثناء الكلام على ترجمة الشمني في البدر الطالع: "وقد رأيت حاشية على المغني وحضرت عند قراءة الطلبة علي في الأصل فما وجدتها مما يرغب فيه لا بكثرة فوائده ولا بتوضيح خفي ولا بمباحثه مع المصنف، بل غايتها نقول من كلام الدماميني وإني لأعجب من تنافس الناس في مثلها"، توفي ﵀ بالقاهرة سنة ٨٧٢هـ٢. ١١- خالد الأزهري: هو خالد بن زين الدين بن عبد الله، ولد بجرجا "في الصعيد" وتحول وهو طفل مع أبيه إلى القاهرة، ثم حفظ القرآن وخدم

стр. 235

في الأزهر وقادا فسقطت منه يوما فتيلة على كراس أحد الطلبة فشتمه وعيره بالجهل فعز عليه شتمه، واشتغل بالعلم بعد أن جاوز العقد الثالث وقرأ في العربية على يعيش المغربي والسنهوري، وأخذ قليلا عن الشمني والمناوي وغيرهما، وقد بورك له في عمله فصنف مؤلفات انتفع بها لإخلاصه، منها في النحو: التصريح بمضمون التوضيح، والأزهرية وشرحها وشرح الآجرومية، وشرح قواعد الإعراب لابن هشام، وإعراب الألفية، توفي عائدا من الحج في "بركة الحج" قليوبية توفي سنة ٩٠٥هـ١. ١٢- السيوطي: هو أبو الفضل عبد الرحمن جلال الدين بن أبي بكر، نشأ يتيما وكان ذكيا حُفَظَةً فتلقف مشايخ العصر في كل فن، وأخص مشايخه في النحو الشمني والسيرامي والكافيجي، ونفر في سبيل العلم إلى الشام والحجاز واليمن والهند، فأعطاه ربه ما أرضاه، وصنف مؤلفات في متنوع العلوم تربو على الثلاثمائة فسبحان الوهاب، ومن أشهرها في النحو الأشباه والنظائر، وجمع الجوامع وشرحه همع الهوامع، والنكت تعليقا على "ألفية ابن مالك والكافية والشافية لابن الحاجب والشذور ونزهة الطرف لابن هشام"، والاقتراح في أصول النحو، ومن مؤلفاته الممتعة "المزهر" في علوم اللغة وأنواعها، و"بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة" وهذه الكتب من المراجع القيمة التى لجأنا إليها في هذا الكتاب، وبعد فلا أستطيع في هذه الكلمة الموجزة إيفاء المترجم حقه، وقد ترجم لنفسه في الجزء الأول من كتابه "حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة" فارجعْ إليه تَرَ العجب العجاب توفي بالقاهرة سنة ٩١١ هـ٢. ١٣- الأشموني: هو أبو الحسن علي نور الدين بن محمد بن عيسى الأشموني أصلا، ولد بقناطر السباع وتوطن القاهرة مكبا على العلم مع

стр. 236

التقشف في مأكله وملبسه ومفرشه لا هم له إلا العلم والطاعة، أخذ عن الجلال المحلي والكافليجي والتقى الحصني وغيرهم، ومن أشهر مؤلفاته النحوية شرحه على الألفية المسمي "منهج السالك إلى ألفية ابن مالك". تعريف بشرح الأشموني: في الحق أنه أغزر شروح الألفية مادة على كثرتها واختلاف مشاربها، بل إنه من أوفى كتب النحو جمعا لمذاهب النحاة وتعليلاتهم وشواهدهم على نمط البسط والتفصيل، ولا غرابة أن يجمع في شرحه ما جمع، فأمامه من شروح الألفية شرح ابن الناظم والمرادي وابن عقيل والشاطبي والتوضيح وغيرها، ومن شروح الكافية شرح الناظم وغيره، ومن شروح التسهيل المرادي وغيره، وأمامه المغني وهذا كله عدا كتب السابقين، فما عليه وقد رام أن يكون شرحه موسوعة إلا أن يضم كل شيء إلى نظيره ويضعه في موطنه، وإذا أنعم النظر في شرح الأشموني وكانت الأصول السالفة بين يديه فإنه يسهل عليه أن يرجع المقال إلى مصدره. وقد يحسن الأشموني في بعض الأحيان فينسب القول إلى قائله فيصرح بالشاطبي في باب المعرب والمبني عند قول الناظم "في اسمي جئتنا". وبالمغني عند قول الناظم "وفعل أمر ومضي بنيا" وبالتوضيح في باب النكرة والمعرفة عند قول الناظم "كافعل أوفق نغتبط إذ تشكر" وفي الابتداء بعد قول الناظم "وأخبروا باثنين أو بأكثر إلخ"، وبالمرادي في التنازع عند قول الناظم، "وأخرنه إن يكن هو الخبر"، وكثيرا ما يصرح بلفظ الشارح يقصد ابن الناظم، ولكن ذلك كله من الأشموني قليل جدا بالنسبة لإغفاله النسبة إلى صاحب الكلام، فإذا قرأت المباحث فيه المتعلقة بالأدوات في باب "عطف النسق" مثلا أو "النواصب" أو "الجوازم" أو "لو" أو "أما ولولا ولوما" أو "كم وكأين وكذا" وأمثال هذا فإنك واجده قد نقل كلام المغني مع قليل من التغيير: إما بنقص لا يلمح أو زيد لا يذكر أو تقديم أو تأخير ربما أذهب شيئا من المطلوب، زيادة على أنه ربما دعا الكاتبين عليه

стр. 237

إلى تنكب الجادة، ولتهافته على تسطير ما حوته الكتب السابقة، فقد كتب بعض المعلومات في موطن غيره أنسب بالكتابة فيه، وحمله هذا الصنيع إلى تكرارها ثانيا وثالثا، والحيلة في التخلص عنده لجوؤه إلى "التنبيه" مفردا ومثنى وجمعا، هذا مع عدم الدقة في ترتيب التنبيهات من حيث رعاية ارتباطها بالمقصود، فلو اتسقت في الترتيب على المعنى المقصود من البيت المشروح لحسنت وضعا، وكانت الثمرة منها أشهى، ولا يتسع هذا الكتاب لضرب أمثلة لكل هذا، تلك حالة هذا الشرح من الناحيتين: العلمية والتأليفية. بقي علينا -إيفاء للمطلوب- أن نكتب كلمة عن شواهده لأهميتها لدى المستفيد. شواهده: سلك الأشموني في شواهده مَهْيَعَ السابقين عليه الذين دونوها في مصنفاتهم، سواء في ذلك الشعر أم النثر، وسواء في النثر القرآن الكريم أم الحديث الشريف أم كلام العرب "مثلا أو غير مثل". أما الشواهد النثرية فمحشودة في الشرح، فلسنا في حاجة إلى عرض شيء منها لأن النثر متفق على الاستشهاد به في غير الحديث أما فيه فتابع لابن مالك المجيز له على ما سبق في ترجمته، وأما الشعر فكثير أيضا ومقلد فيه من أخذه منهم، وقد ساعده تأخره الزمني على جمع مقدار كبير من مختلف المؤلفات قبله، فمما يمتاز به هذا الشرح زيادة الشواهد فيه عن المصنفات النحوية زيادة يئود الطالب حفظها والإحاطة بما تستوجبه المعرفة بها من قائليها ومن قصائدها، ومما قيلت فيه وغير هذا من مقتضيات الوقوف على جلية الحال في الشعر، وإن المتتبع لهذه الشواهد يعلم أنها للشعراء المعتد بهم إلا قليلا، غير أن قليلا من الشعر المعتد به قد ناله التحريف أو التصحيف، لهذا ناسب أن أذكر الأمرين: الشعر المحدث والشعر القديم الطارئ عليه التغيير.

стр. 238

من شواهد الشعراء المحدثين: ذكرت في الشواهد بعض أبيات الشعراء المحدثين الذين لا يعتد بهم النحاة وإن كان مقلدا من قبله، فمن أمثلة ذلك استشهاده في باب الابتداء مجاراة للرضي بقول أبي نواس: غير مأسوف على زمن ... ينقضي بالهم والحزن ومتابعة لابن الناظم بقول أبي العلاء المعري: يذيب الرعب منه كل عضب ... فلولا الغمد يمسكه لسالا واستشهاده في باب إعراب الفعل مجاراة للسيوطي في الهمع بقول المرتضي: أتبيت ريان الجفون من الكرى ... وأبيت منك بليلة الملسوع وعجب ابن هشام في المغني "الباب السابع" من استشكال بعض علماء العربية ضم التاء من "تبيت" وفتحها من "أبيت" مع الوضوح، ثم شرح الإعراب. من شواهد الشعراء القدامى المحرفة أو المصحفة: كثر ما وقع في شواهده الشعرية من تصحيف أو تحريف، ولا يجمل بي أن أعرض كل ما عثرت عليه من تلك الشواهد فإنه يقتضي مع التفصيل رسالة خاصة، فسأجتزئ بذكر بعض الشواهد، مع بيان أن ذلك التغيير العارض على الشواهد قد يجر عليها عدم صحة الاستشهاد بها في الحقيقة، وربما لا يستدعي ضررا في ناحية الاستشهاد بها، وهاك أمثلة للنوعيين: مما لم يجن التغيير الطارئ فيه على الشاهد: ١- استشهاده في باب أبنية المصادر بعد قول الناظم: "وغير ما مر السماع عادله" على ورود المصدر بزنة اسم المفعول كمعقول في قول الشاعر:

стр. 239

لم يتركوا لعظامه لحما ... ولا لفؤاده معقولا وصحة البيت هكذا: حتى إذا لم يتركوا لعظامه ... لحما ولا لفؤاده معقولا فإنه من قصيدة للراعي النميري مذكورة في جمهرة أشعار العرب "الملحمات" فالتغيير طمس وزن البيت فقط، ولم يستتبع ضررا في موطن الشاهد. ٢- استشهاده في باب عطف النسق بعد قول الناظم: "وحذف متبوع بدا هنا استبح" على تقدم المعطوف على المعطوف عليه بقول ذي الرمة: كأنا على أولاد أحقب لاحها ... ورمي السفي أنفاسها بسهام جنوب ذوت عنها التناهي وأنزلت ... بها يوم رباب السفير خيام وصحة البيت الثاني كما في "سيبويه جـ١ ص٢٦٦" هكذا: جنوب ذوت عنها التناهي وأنزلت ... بها يوم ذباب السبيب صيام فالتغيير جر إلى الإقواء والإبعاد عن مرمى الشاعر فقط. ٣- استشهاده في باب إعراب الفعل بعد قول الناظم "وبلن انصبه" على ورود "لن" للدعاء بقول الأعشى: لن تزالوا كذلكم ثم لازلـ ... ـت لهم خالد خلود الجبال وصحة البيت هكذا: لن يزالوا كذلكم ثم لازلـ ... ـت لهم خالد خلود الجبال فإنه من معلقة الأعشى في جمهرة أشعار العرب. مما جنى التغيير فيه على موطن الشاهد: ١- استشهاده في أول باب "نعم وبئس" للكوفيين على اسميتهما بقول الشاعر:

стр. 240

صبحك الله بخير باكر ... بنعم طير وشباب فاخر تبعا لاستشهاد ابن الناظم به، وتقدم في التعريف بشرح ابن الناظم تصحيح البيت بما يضيع الاستشهاد به. ٢- استشهاده في إعراب الفعل بعد قول الناظم: ...... كذا بأن ... لا بعد علم ... على أن المضارع نصب شذوذا بأن الواقعة بعد العلم بقول جرير: نرضي عن الله إن الناس قد علموا ... ألا يدانينا من خلقه بشر والرواية "أن لن يفاخرنا" بنصب المضارع بلن، فطاش الاستشهاد للنصب بأن بعد العلم، وبراعة التحريف في البيت ظاهرة في استبدال الفعل الناقص بالتصحيح، واستبدال لا بلن. ٣- استشهاده "في إعراب الفعل" أيضا بعد قول الناظم: "وبعد غير النفي جزما اعتمد إلخ" على مجيء المضارع مرفوعا بعد الأمر بقول الأخطل: كروا إلى حرتيكم تعمرونها ... كما تكر إلى أوطانها البقر والاستشهاد بالبيت مبني على فعل الأمر أول البيت، والحقيقة أنه فعل ماض "كروا" فانعدم الاستدلال بالبيت، وتقدم في الحديث عن أبيات سيبويه التي خطئوا فيها روايته ما يتعلق بهذا البيت تفصيلا، لأن سيبويه أول من استدل به. وكنت أحب أن أبسط القول في تحليل هذا الشرح لأنه الكتاب المقرر على الطلاب، وعسى أن تسنح فرصة أكتب فيها تعريفا خاصا به أتناول فيه عناصره تفصيلا ليكون مرشدا لمن يقرؤه عما فيه، وقد رزق هذا الشرح القبول بين العلماء فعلق عليه كثيرون، فمن حواشيه حاشية المدابغي "حسن بن علي"، وحاشية الأسقاطي "أحمد بن عمر"، وحاشية الحفني، وحاشية الصبان، وسأفرد حاشية الصبان بنبذة خاصة في ترجمته. توفي الأشموني سنة ٩٢٩هـ١.

стр. 241

النحو والنحاة في عصر الترك: حان حين دولة المماليك فقضت عليها دولة بني عثمان على يد السلطان سليم الذي فتح بلاد القطرين عنوة بعد قتل السلطان "قانصوه الغوري" فدخل القاهرة عاصمة القطرين سنة ٩٢٣هـ، وجد في طلب "طومان باي" آخر المماليك، ثم صلبه عند "بوابة زويلة" فتم القضاء على المماليك، وأسر الخليفة العباسي "المتوكل على الله" الذي ما انفك سجينا في الآستانة حتى تنازل عن الخلافة للسلطان "سليمان القانوني" بعد توليه. وبذلك انتهى عصر المماليك وبدأ العصر التركي في القطرين، فانتقلت الخلافة من العباسيين إلى العثمانيين، ومن القاهرة إلى "الآستانة" عاصمة المملكة التركية فاندمج القطران في البلاد التابعة للترك وامحى استقلالهما، واضطرب حبل الهدوء والأمن فيهما، وانتكث فتلهما المبرم ثلاثة قرون، فلا استقلال ولا خلافة، ولا استقرار نظام، وتفشت فيهما أوبئة الضعف من كل النواحي. وكان من هذا أن فرضت اللغة التركية على البلاد، فركدت ريح هذا العلم وانحط شأنه بين الناس، فقل نتاج العلماء فيه، وكان أغلب مؤلفاتهم تلخيص مطولات أو حواشي على الشروح، فلو تقريت مؤلفات النحاة في القطرين لم تقع عيناك إلا على الحواشي المترادفة على الشروح، وناهيك بحواشي شروح "متون ابن مالك" وحواشي شروح "متون ابن هشام". وقد امتدت تلك الخطة إلى المشرق، فتوالت الحواشي على شروح "كافية ابن الحاجب" ولا سيما "الفوائد الضيائية للجامي" فقد جاوز الأمر فيها حده فكتبت على حواشيها حواش أخرى، وإن الثبت أمامك في كشف

стр. 242

الظنون والفهارس العامة، فستقف منه على ما لا يدور بخلدك من كثرة الحواشي كثرة تفضي إلى الاستغراب والدهش، وسترى عين اليقين الدليل ماثلا في يدك عند سرد علماء هذا العصر مع ذكر مؤلفاتهم فإنك واجد أنها حواش على شروح السابقين، وهذه الحواشي على البسط فيها مشوبة بالنقول المضطربة المتخالفة، ولعل ذلك منشؤه عدم السهولة في الوصول للمراجع المسند إليها النقول، ومليئة بالاعتراضات والردود عليها ثم الردود على الردود. هذا كله مع كثرة التعقيد والالتواء في العبارات والتهافت عليها دون الغرض الحقيقي من النحو، ومع كثرة حشوها بالمصطلحات الأخرى من الفنون عربية وعقلية، ومن التعلق بالاستطرد لأوهى الأسباب وعدم ملاحظة من وضع لمستواهم الكتاب، ففي حواشي كتب المبتدئين كالكفراوي والأزهرية والقطر من المسائل ما لا يهضمها إلا من قد تزود من هذا العلم. وقد ترتب على هذا أن نفر بعض الطلبة الذين لم يتحلوا بفضيلة الجلد والصبر حين صدموا في مطلع حياتهم العلمية بهذه الكتب وعيوا بأمرها، وانطمست عليهم مسالكها، لكنه حرص العلماء على صالح العلم دون انتباه إلى ما سواه. والخلاصة أن النهضة التأليفية في هذا العهد الغاشم إن صح لنا اعتبارها كانت في الحواشي، ولم تمنع هذه الحال العامة في التصنيف أن يظهر بين الفينة والفينة بعض أفراد لا تنطبق عليهم أحكام هذا العصر، غير أنهم تقسمتهم الأزمنة المتطاولة جدا، فأجادوا في التصنيف ترتيبا وتقريبا، وإن لم تكن لهم آثار من ناحية ابتداع وتجديد، إذ كان غرضهم الأول إنما هو فهم أو تفهيم عبارات السابقين إذا كانت مغلقة وبسطها إن كانت موجزة فقدموا بعملهم هذا صنعا جميلا، وكانوا منحا في أيام كلها محن، كابن قاسم، والشنواني، والدنوشري، ويس، والحفني، والصبان، ولقد تغالى العلماء بعد هؤلاء وكتبوا تقارير على الحواشي، كتقارير الأنبابي المعروفة.

стр. 243

والواقع أن هذه السلسلة في التأليف الواحد ينوء بحملها الطالب عندما ينتقل نظره مرات مترادفة من متن إلى شرح إلى حاشية إلى تقرير، وإذا ضم إلى هذا ما قلما تسلم منه هذه الخطوات في عرض التفسير والإيضاح من انتقادات شائكة إما على ضعف العبارة أو خطأ الفكرة أو مجانفة الاصطلاح الفني أو غلط الرواية المعزوة، إلى غير ذلك، تضاعف الصوارف التي تصرف الذهن عن لب المقصود إلى القشور اللفظية والفلسفة التأليفية. وليس بخاف أن هذا اللون من التأليف وعر المسلك على المؤلف ويقتضيه مجهودا جبارا يبذله في الوئام بين العلم وبين الكتاب الذي يعلق عليه، فالفرق جلي بين من ينظر إلى العلم للعلم يدون فيه الفكرة الناضجة متوخيا في تصويرها أسلوبه المفطور عليه غير ملتزم محاذاة مؤلف آخر ربما كان متعسفا في منهجه أو متنكبا جادة الصواب أو مشتت المادة، وما إلى ذلك، وبين من ينظر إلى العلم لبيان دواخل الكتاب الذي يعلق عليه باذلا همه في توجيه المراد من العبارة، أو تكميل نقص فيها، أو تمشيها مع عبارة لكتاب آخر، وأمثال هذا مما لم يحل العلم منه بطائل. فهذه المؤلفات النحوية المتراكمة التي يخطئها العدو التي لم يقيض لفن آخر غير النحو مثلها، لو أنها كلها أو معظمها تفردت في طرقها وتوحدت في هدفها وقل منها القيل والقال وأصاب فلان وأخطأ علان واعتمدت في الخلافات النحوية على الأساليب العربية لا غير، لو كان هذا لأضفت هذه المؤلفات على النحو حلل البهجة والرواء. نعم، لا نستطيع أن ننكر أن هذا الأسلوب من التأليف يربي فضيلة البحث والتمحيص في الطالب ويكون فيه حلية الاعتماد على النفس ويعوده دقة الملاحظة. إلا أنه يفوت عليه العناية بتعرف أطراف المسألة وتكوين صورة لها متضامة الأجزاء وفي ذلك نوع من التضييع للفائدة المنشودة، فإن لم يكن الطالب لقنا حاضر البديهة قوي النظر فربما أذهب عليه اللاحق من التعليقات السابق، وانتهى من حيث ابتدأ، وثمة تدهش كثيرا من الطالب

стр. 244

القارئ معظم كتب النحاة المتزود بما فيها من الأقاويل المستظهر للآراء في الأوابد من المسائل النحوية حينما تعرض عليه النصوص العربية، فلست بواحد منه خبرة في التطبيق على معلوماته المكنوزة عنده وذلك الداء العقام والمرض العياء. ومن المعروف أن الشعور بالنقص مبدأ الكمال، ومن ابتغى العرفان سما إليه وإن طال السفر، وإن هذه المحاولات الثقافية منذ انقضاء العصر التركي سنة ١٢٢٠هـ، في سبيل استعادة النهضة العربية المكللة بالنجاح إن شاء الله تعالى، لأن الثروة العلمية المخلفة لعصرنا الحاضر إنما تتطلب منا تثميرها، والانتفاع بها موكول للرشد وحسن القوام، ودراسة النحو الآن -فيما نعتقد ويصدقه الواقع- يسرته على طالبيه وأدنته إلى راغبيه. ولو أنه تهيأ للأزهر الشريف، وهو ينبوع الدين واللغة تلك الأعصر الغابرة أن يسترد نهضته مرة أخرى ويعيدها جذعة لكانت له الأخرى كما كانت له الأولى، أبقاه الله للغة والدين معقلا، ووقاه كيد الشانئين. ودونك أعلام هذا العهد مرتبين بحسب سني وفياتهم. ١- ابن قاسم العبادي: هو أحمد شهاب الدين الصباغ، أخذ عن ناصر الدين اللقاني وغيره ثم اشتهر بالتحقيق، وله مصنفات في مختلف الفنون غاية في الدقة، منها في النحو حاشية على شرح ابن الناظم، توفي بالمدينة المنورة عائدا من الحج سنة ٩٩٤هـ١. ٢- الشنواني: هو أبو بكر شهاب الدين، ولد بشنوان "من المنوفية" وتلقى بالأزهر عن ابن قاسم العبادي وغيره مع شغف بالاطلاع ورغبة في حفظ الشعر وميل لتتبع مذاهب النحاة وشواهدهم، ومن مؤلفاته النحوية حاشية "قطر الندى وبل الصدى" لابن هشام وحاشية على شرح القطر للفاكهي سماها "هداية مجيب النداء إلى شرح قطر الندى وبل الصدى"

стр. 245

وحاشية على شرح خالد لقواعد الإعراب لابن هشام سماها "هداية أولى الألباب إلى موصل الطلاب إلى قواعد الإعراب"، توفي بالقاهرة سنة ١٠١٩هـ١. ٣- الدنوشري: هو عبد الله بن عبد الرحمن أصله من دنوشر "قرية قريبة من المحلة الكبرى" ولد بالقاهرة وتلقى عن الشمس الرملي ومحمد العلقمي وابن قاسم العبادي وغيرهم، ثم ارتحل إلى بلاد الروم وأقام فيها مدة ثم عاد إلى القاهرة وانتفع الناس به في الأزهر وصنف كتبا قيمة في النحو منها "حاشية" على التصريح، وكان يقول النظم وأكثر شعره في مسائل نحوية وهي مسرودة في كتب النحو بكثرة توفي بالقاهرة سنة ١٠٢٥هـ٢. ٤- يس: هو يس بن زين الدين ولد بحمص وارتحل مع أبيه إلى مصر، فتلقى عن الشهاب الغنيمي والدنوشوي وغيرهما، ثم برع في علوم متنوعة وألف فيها، ومن مصنفاته النحوية حاشية "قطر الندى وبل الصدى" لابن هشام، وحاشية "مجيب الندا إلى شرح قطر الندى وبل الصدى" للفاكهي، وحاشية "التصريح" لخالد، توفي بالقاهرة سنة ١٠٦١هـ٣. ٥- الحفني: هو يوسف بن سالم ولد بحفنا "قرية بجوار بلبيس" وتلقى بالأزهر عن مشايخ عصره وعنه أخيه محمد، ثم نبغ واشتهر بالأدب والشعر، ومن أبدع مصنفاته النحوية "حاشية" على شرح الأشموني تنافس فيها الفضلاء ولكن الصبان تتبعها في حاشيته هو على الأشموني وفند كثيرا منها، توفي سنة ١١٧٨هـ٤. ٦- الصبان: هو أبو العرفان محمد بن علي، ولد بالقاهرة ونشأ فقيرا متواكلا مستجديا الخلق مع العفة، ولم ينشب أن حفظ القرآن والمتون واجتهد في طلب العلوم وحضر على أشياخ العصر كالمدابغي والبليدي

стр. 246

والأجهوري والعدوي، فنبغ في العلوم عقليها ونقليها، ودرس الكتب القيمة في حياة أشياخه، واعترف العلماء بفضله في مصر والشام فالتف حوله الخلائق الكثيرون، وصنف مؤلفات في مختلف العلوم، ومن أشهرها في النحو "حاشيته" على الأشموني التي سارت بها الركبان، فاحتفى بها العلماء وعلقوا عليها تقارير كالأنبابي والحامدي والرفاعي، وتلك كلمة خاصة بها: حاشية الصبان: رسم الصبان في مقدمة الحاشية الخطة التي سيتبعها فيها وأنها تقوم على ثلاثة عناصر: تلخيصه زبدة ما كتبه السابقون قبله على شرح الأشموني، وتنبيهه على ما وقع لهم من أسقام الأفهام، وتعليقه مما فتح به الله عليه فاهتدى إليه، كما رسم اصطلاحا خاصا في الإشارة إلى أسماء السابقين ومنهم الحفني الذي التزم التعبير عن اسمه بلفظ "البعض". - أما العنصر الأول فالصبان فيه مواتٍ موفق. - وأما العنصر الثاني فإنه فيه عادل رائده تبيان الحقيقة العلمية مع غير الحفني، فإنه تحامل على الحفني في شدة وعنف لا سجاجة معهما، وأسرف في التشهير به متجاوز العرف التقليدي في رد العلماء بعضهم على بعض حتى في الهنات الهينات، ولهذا كثر ما تندر به وبكتابته، ولو أردنا إحصاء لما وافق فيه الصبان الحفني، ولما خالف فيه لتبين لنا موافقته له في النزر اليسير مما لم يستطع الصبان فيه مجابهة الصحيح المسلم به، وهاك عشرة أمثلة للنوعين: ما وافق فيه الصبان وما خالف فيه على ترتيب الكتاب، مع ذكر العبارات النابية من الصبان فيما خالف فيه: مما وافق فيه الصبان الحفني: ١- ما كتبه في باب "النداء" على قول الأشموني "والمثنى والمجموع" في شرح قول الناظم: "وابن المعرف المنادى المفردا إلخ". ٢- ما كتبه في باب "ما لا ينصرف" على قول الأشموني: "ما فيه من

стр. 247

الصيغة إلخ" في شرح قول الناظم: "وإن به سمي أو بما لحق إلخ". ٣- ما كتبه في باب "ما لا ينصرف" على قوله "لضعف سبب البناء إلخ" في شرح قول الناظم: "والعدل والتعريف مانعا سحر إلخ". ٤- ما كتبه في باب "إعراب الفعل" على قوله: "وبمعنى ما تأتيا فأنت تحدثنا" في شرح قول الناظم: "وبعد فا جواب نفي أو طلب إلخ". ٥- ما كتبه في باب "لو" على قوله "إذ لو قدر حصوله" في شرح قول الناظم: "لو حرف شرط في مضي إلخ". مما خالف فيه: ١- ما كتبه في باب "ما لا ينصرف" على قول الأشموني: "يعني ما كان من الجمع إلخ" في شرح قول الناظم: "وذا اعتلال منه كالجواري إلخ"، ثم قال معلقا: "ولغفلة البعض إلخ". ٢- ما كتبه في باب "ما لا ينصرف" على قول الأشموني: "وذكر الأخفش إلخ" في شرح قول الناظم: "ولسراويل بهذا الجمع إلخ"، ثم قال معلقا ما نصه: "وأن تبجحه هنا مما لا ينبغي على من لولاه ما راح ولا جاء لم يتم، نسأل الله العافية إلخ". ٣- ما كتبه في باب "إعراب الفعل" على قوله: "ولا يطرد إلا بتجوز وتكلف" في شرح قول الناظم "وبعد غير النفي جزما إلخ"، ثم قال معلقا ما لفظه: "ولقد ظهر لك إن كان عندك أدنى تنبه أنه لم يخطئ إلا ابن أخت خالته". ٤- ما كتب في باب "العدد" على قوله: "وإن ترد بالوصف المذكور إلخ" في شرح قول الناظم: "وإن ترد بعض الذي منه بني إلخ"، ثم قال معلقا "وللبعض هنا كلام حقيقي بالطرح". ٥- ما كتب في باب "التصريف" على قوله: "من الحواية" في شرح قول الناظم: "كذاك همز آخر بعد ألف إلخ"، ثم قال معقبا ما حروفه

стр. 248

"وقول البعض بفتح الحاء لا يعتمد عليه وحده، لكثرة تساهله كما لا يخفى على ممارس حاشيتنا" وما كنت أبغي تسطير هذا التعقيب اللاذع فيما خالف فيه الصبان لكنه مسطور في الحاشية، وليس على الراوي تبعه، وستقف على ما تعرف منه أن الصبان كان متجنيا في بعض الأحيان. وأما العنصر الثالث: فالصبان فيه بحق السابق المجلي في الكثير، إذ لم يسلم في القليل من التثريب واللوم في أمور تتصل بالناحية العلمية، وبالاستطراد إلى غير النحو، وبالخطأ في شرح الشواهد- وسأذكر عن كل من الثلاثة كلمة خاصة به غير مسترسل في التفصيل. التعقيب عليه في أمور ثلاثة: الأمر الأول: وقعت منه مسائل: منها عدم معرفته اصطلاح المذهب الكوفي في تسميته "المنصرف" بالمجرى "وغير المنصرف" بغير المجرى وذلك أنه كتب على قول الأشموني في بيان مذهب الفراء "الأمثلة التي تكون للأسماء والأفعال إن غلبت للأفعال فلا تجره في المعرفة إلخ" في شرح قول الناظم: "كذلك ذو وزن يخص الفعلا إلخ". إن المنفي هو الجر بالكسرة معتقدا أن الفعل "تجره" مفتوح التاء، والواقع أنه مضمومها، والمنفي هو الصرف. الأمر الثاني: من أمثلته الظاهرة ما كتبه في باب عطف النسق عند الكلام على "أم" فقد سطر قوله ضافية فيما تستعار له الهمزة، ثم انجر الحديث إلى غيرها من الأدوات. الأمر الثالث: وهو خليق بالعناية لأن شواهد الأشموني مستفيضة في الأبواب كلها، والصبان كثير الحدس والتخمين فيها، فقد يفسر البيت بما يبدو له دون تنقيب عن أصله، وقد يقف دون بيانه معتذرا، وقد يردد الاحتمالات التي يستغرب التعرض لها ودونك مقدارا كنموذج للباقي على ترتيب الكتاب: ١- في باب "المعرب والمبني" مبحث المثنى شرح قول الفرزدق:

стр. 249

كلاهما حين جد الجري بينهما ... قد أقلعا وكلا أنفيهما رابي بما يفيد أنه في وصف فرسين، والحقيقة أنه للتندر في ابنة جرير وبعلها. ٢- في باب "كان وأخواتها" مبحث الأفعال الموافقة "صار" معنى وعملا، ومنها "آض" شرح قول فرعان بن الأعرف: وبالمخض حتى آض جعدا عنطنطا ... إذا قام ساوى غارب الفحل غاربه بما يفيد أنه في وصف بعير، والحقيقة أنه في وصف "منازل" ابن الشاعر كما في الحماسة "باب الهجاء". ٣- في باب "المفعول المطلق" مبحث ما حذف عامله وجوبا وكان مفيدا التشبيه، شرح قول أبي كبير الهذلي: ما إن يمس الأرض إلا منكب ... منه وحرف الساق طي المحمل بما يفيد أنه في وصف فرس، والواقع أنه وصف ربيب الشاعر "تأبط شرا". ٤- في باب "أبنية المصادر" مبحث ورود المصدر بزنة اسم المفعول كتب على قول الراعي: لم يتركوا لعظامه لحما ... ولا لفؤاده معقولا ما يؤخذ منه عدم الاطلاع على أصل البيت، فظن أنه كامل مخمس شذوذا، وتبعة الخطأ على الأشموني، وقد نبهنا على ذلك في ترجمته. ٥- في باب "عطف النسق" مبحث تقدم المعطوف شرح بيتي ذي الرمة المذكورين سابقا على شواهد الأشموني التي طرأ عليها التغيير، مع التهافت في الرد على بعض في فهمه، وخفيت معالم الحقيقة في غبار النقاش. ٦- في باب "أسماء الأفعال" مبحث "رويد" كتب على قول الهذلي:

стр. 250

رويد عليا جد ماثدي أمهم ... إلينا ولكن بغضهم متماين ما نصه "لم أر من تكلم على هذا البيت" مع أن البيت من شواهد سيبويه جـ١، ص١٢٤، ومن شواهد المفصل في الجزء الرابع ص٤٠. ٧- في باب "ما لا ينصرف" منتهى الجموع شرح قول ابن ميادة: يحدو ثماني مولعا بلقاحها ... حتى هممن بزيغة الإرتاج بما يفيد أن النياق طربت من الحداء، والحقيقة أن البيت في وصف حمار اشتد شبقه على الأتن. ٨- في باب "النسب"مبحث المركب الإضافى شرح قول ذي الرمة: ويسقط بينها المرئي لغوا ... كما ألغيت في الدية الحوارا بما يضحك بعد تغيير الشطر الثاني من البيت بما لا قرابة بينه وبين الأول والواقع أن البيت لجرير من أبيات أسعف بها ذا الرمة في ذمة المرئي. كما في الأمالي للقالي جـ٢ ص١٤١، والأغاني الجزء السادس عشر "ساسي". وما قدمناه من الشواهد فإنه قليل من كثير، ويضم إليها الشواهد التي عقبنا على الأشموني فيها، فإن التحري على سلامتها من مستلزمات الكتابة عليها. وصفوة المقال أن حاشية الصبان مفيدة علميا فحسب، ولا يعتمد عليها في شواهد النحو، نعم وكانت الإفادة العلمية أقوى وأقوم لو صرف الصبان النظر عن تتبع عثرات الحفني، فإن النقاش يغيب في عجاجه الأبيض الأزهر، ورحمة الله على الجميع، وقد بسط الجبرتي ترجمة الصبان في الجزء الثاني من تاريخه، توفي وصلي عليه بالأزهر في حفل مهيب سنة ١٢٠٦هـ.
следующие страницы →