Полный текст (400 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
ولستُ ابنةَ الضّمريّ منكِ بناقمٍ ... ذنوبَ العدى إنّي إذن لظلومُ
وإنِّي لذُو وجدٍ لئنْ عادَ وصلُها ... وإنِّي على ربّي إذنْ لكرِيمُ
إذا برقتْ نحو البُويبِ سحابَةٌ ... لعينيكَ منها لا تجفُّ سجُومُ
ولستُ براءٍ نحو مصرَ سحابةٌ ... وإن بعدَتِ إلاَّ قعدتُّ أشيمُ
فقدْ يوجدُ النّكسُ الدّنيُّ عنِ الهوَى ... عزُوماً ويصبُو المرءُ وهوَ كريمُ
وقالَ خليلي ما لها إذ لقيتها ... غداةَ الشَّبا فيها عليكَ وجومُ
فقلتُ لهُ إنَّ المودَّةَ بيننا ... على غيرَ فحشٍ والصّفاءُ قديمُ
وإنِّي وإنْ أعرضتُ عنها تجلُّداً ... على العهدِ فيما بيننا لمقيمُ
وإنَّ زماناً فرّقَ الدَّهرُ بيننا ... وبينكُمُ في صرفِهِ لمشُومُ
أفي الدِّينِ هذا إنَّ قلبَكِ سالمٌ ... صحيحٌ وقلبي من هواكِ سقيمُ
وإنَّ بخوفي منكِ داءً مخامراً ... وخوفُكِ ممّا بي عليكِ سليمُ
لعمُركِ ما أنصفتني في مودَّتِي ... ولكنّني يا عزَّ عنكِ حلِيمُ
عليَّ دماءُ البدنِ إنْ كانَ حبُّها ... على النّأي أو طولُ الزَّمانِ يريمُ
وأقسمُ ما استبدلتُ بعدَكِ خلُّةً ... ولا لكِ عندي في الفؤادِ قسيمُ
وقال كثير يمدح يزيد بن عبد الملك:
لعزّةَ أطلالٌ أبتْ أنْ تكلَّما ... تهيجُ مغانيها الطَّروبَ المتيّما
كأنَّ الرّياحَ الذّارياتِ عشِيَّةً ... بأطلالِها ينسُجنَ ريطاً مسَهَّما
أبتْ وأبَى وجدِي بعزَّةَ إذْ نأتْ ... على عدواءِ الدّارِ أنْ تيصرَّما
ولكنْ سقَى صوبُ الرَّبيعِ إذا أتى ... على قلهيَّ الدّارِ والمتَخيَّما
بغادٍ منَ الوسمِيِّ لمّا تصوَّبتْ ... عثانينُ واديهِ على القعرِ ديَّما
سقَى الكُدْرَ فاللّعباءَ فالبُرقَ فالحمىَ ... فلوذَ الحصى منْ تغلمينِ فأظلما
فأروَى جنُوب الدّونكين فضاجعٍ ... فدرٍّ فأبلَى صادقَ الودقِ أسحما
تثجُّ رواياه إذا الرَّعدُ زجَّها ... بشابةَ فالقهبِ المزادَ المحذلِما
فأصبحَ منْ يرعَى الحمَى وجنوبَهُ ... بذِي أفقٍ مكّاؤهُ قد ترنَّما
ديارٌ عفتْ من عزَّةَ الصَّيفَ بعدما ... تجدُّ عليهنُّ الوشيعَ المنمنما
فإنْ أنجدتْ كان الهوى بكَ منجداً ... وإنْ أتهمتْ يوماً بها الدّارُ أتْهما
أجدَّ الصِّبا واللِّهو أنْ يتصرَّما ... وأن يعقِباكَ الشَّيبَ والحلمَ منهُما
لبستُ الصّبا واللهوَ حتّى إذا اتقضى ... جديدُ الصّبا واللهوِ أعرضتُ عنهُما
خليليَّ كانا صاحبيكَ فودَّعا ... فخذْ منهما ما نوَّلاكَ ودَعهُما
على إنَّ في قلبي لعزَّةَ وقرَةً ... منَ الحبِّ ما تزدادُ إلاَّ تيمُّما
يطالبُها مستَيقِناً لا تثيبُهُ ... ولكنْ يسلِّي النَّفسَ كي لا يلوَّما
يهابُ الّذي لم يؤتَ حلماً كلامَها ... وإنْ كانَ ذا حلمٍ لديها تحلّما
تروكٌ لسقطِ القولِ لا يهتدِي بهِ ... ولا هيَ تستوشِي الحديثَ المكتَّما
ويحسَبُ نسوانٌ لهنَّ وسيلةً ... من الحبِّ لا بلْ حبُّها كانَ أقدَما
وعلّقتُها وسطَ الجواري غريرةً ... وما قلّدتْ إلاّ التَّميمَ المُنظّما
عيوفُ القذَى تأبَى فلا تعرفُ الخنَا ... وترمِي بعينيها إلى منْ تكرَّما
إلى أنْ دعتْ بالدِّرعِ قبلَ لداتها ... وعادتْ تُرى منهنَّ أبهَى وأفخَما
وغالَ فضولَ الدّرعِ ذي العرضِ خلقُها ... وأتعبَتِ الحجلَينِ حتّى تقصّما
وكظّتْ سوارَيها فلا يألوانِها ... لدنْ جاورا الكفّينِ أنْ يتقدَّما
وتدْنِي على المتنينِ وحفاً كأنَّه ... عناقيدُ كرمٍ قد تدلّى فأنْعما
منَ الهيفِ لا تخزَى إذا الرِّيحُ الصقتْ ... على متنها ذا الطُّرّتينِ المنمنما
وكنتُ إذا ما جئتُها بعدَ هجرةٍ ... تقاصرَ يومئذٍ نهارِي وأغْيما
فأقسمتُ لا أنسَى لعزَّةَ نظرةً ... لها كدتُ أبدي الوجدَ منّي المجمجما
عشيّةَ أومَتْ والعيونُ حواضرٌ ... إليَّ برجعِ الكفِّ أنْ لا تكلَّما
стр. 142
فأعرضتُ عنها والفؤادُ كأنَّما ... يرى لو تناديه بذلكَ مغنما
فإنَّكِ عمرِي هلْ أريكِ ظعائناً ... بصحْنِ الشَّبا كالدَّومِ من بطنِ تريما
نظرتُ إليها وهيَ تنضُو وتكتسَي ... من القفرِ آلاً كلَّما زالَ أقتَما
وقد جعلتْ أشجانَ بركٍ يمينها ... وذاتَ الشِّمالِ منْ مريخةَ أشأما
مولّيةً أيسارَها قطنَ الحِمى ... تواعدْنَ شِرباً منْ حمامةَ معلما
نظرْتُ إليها وهي تحدْى عشيّةً ... فأتبعتهُمْ طرفيَّ حتىً تتمّما
تروعُ بأكنافِ الأفاهيدِ عيرُها ... نعاماً وحقْباً بالفدافدِ صيَّما
ظعائنُ يشفِينَ السَّقيمَ منَ الجوَى ... بهِ ويخبِّلنَ الصَّحيحَ المسلَّما
يهنَّ المنقىً عندهنَّ عنْ القذَى ... ويكرِ من ذا القاذورةِ المتكرِّما
وكنتُ إذا ما جئتُ أجللنَ مجلسِي ... وأظهرنَ منّي هيبةً لا تجهُّما
يحاذِرنَ منِّي غيرَةً قدْ علمنَها ... قديماً فما يضحكنَ إلا تبسّما
يكلّلن حدَّ الطَّرفِ عن ذي مهابةٍ ... أبانَ أولاتِ الدَّلِّ لمّا توسَّما
تراهنَّ إلاَّ أنْ يؤدِّينَ نظرَةً ... بمؤخرِ عينٍ أو يقلّبنَ معصما
كواظمَ لا ينطِقنَ إلاَّ محورةً ... رجيعةً قولٍ بعدَ أنْ يتفهَّما
وكنَّ إذا ما قلنَ شيئاً يسرُّهُ ... أسرَّ الرِّضا في نفسهِ وتجرَّما
فأقصَرَ عنْ ذاكَ الهوَى غيرَ أنَّه ... إذا ذكرتْ أسماءُ عاجَ مسلّما
وقال كثير:
عفتْ غيقةٌ من أهلِها فحريمها ... فبرقةُ حسمَي قاعُها فصريمُها
وهاجتْكَ أطلالٌ لعزَّةَ باللِّوى ... يلوحُ بأطرافِ البراقِ رسومُها
إلى المئبرِ الدّاني من الرَّملِ ذي الغضا ... تراها وقد أقوتْ حديثاً قديمُها
وكانَ خليلي يومَ رُحنْا وفتّحتْ ... من الصَّدرِ أشراجٌ وفضَّتْ ختومُها
أصابتْكَ نبلُ الحاجبيَّةِ إنَّها ... إذا ما رمتْ لا يستبلُّ كليمُها
كأنَّك مردُوعٌ منَ الشَّمسِ مطرَدٌ ... يقارفهُ من عقدةِ البقعِ هيمُها
أخو حيَّةٍ عطشَى بأرضٍ ظميَّةٍ ... تجلَّلَ غشياً بعدَ غشيٍ سليمُها
إذا شحطتِ يوماً بعزَّةَ دارُها ... عنْ الحيّ صفقاً فاستمرَّ مريرُها
فإنْ يمسِ قدْ شطَّت بعزَّةَ دارُها ... ولمْ يستقمْ والعهدُ منها زعيمُها
فقدْ غادرَتْ في القلبِ منِّي زمانةً ... وللعينِ عبراتٌ سريعاً سجومُها
فذوقي بما جشَّمتِ عيناً مشومةً ... قذاها وقد يأتي على العينِ شومُها
فلا تجزعِي لمّا نأتْ وتزحزحَتْ ... بعزَّة دوراتُ النَّوَى ورجُومُها
ولِي منْكِ أيّامٌ إذا شحطُ النَّوَى ... طوالٌ وليلاتٌ تزولُ نجومُها
قضى كلُّ ذي دينٍ فوفّى غريمَهُ ... وعزَّةُ ممطولٌ معنًّى غريمُها
إذا سمتُ نفسي هجرَها واجتنابَها ... رأتْ غمراتِ الموتِ فيما أسُومُها
إذا بنتِ بانَ العُرفُ إلاَّ أقلَّهُ ... منَ النَّاسِ واستعلى الحياةَ ذميمُها
وتخلِقُ أثوابَ الصِّبا وتنكَّرَتْ ... نواحٍ من المعروفِ كانتْ تقيمُها
فهل تجزينِّي عزَّةُ القرضَ بالهوى ... ثواباً لنفسٍ قد أصيبَ صميمُها
بأنّي لم تبلغْ لها ذا قرابةٍ ... أذاتي ولم أقررْ لواشٍ يذيمُها
متى ما تنالا بي الأولى يقصِبُونها ... إليَّ ولا يشْتَمْ لديَّ حميمُها
وقدْ علمتْ بالغيبِ أنْ لن أودَّها ... إذا هي لم يكرَمْ عليَّ كريمها
فإنْ وصلتْنا أمُّ عمروٍ فإنَّنا ... سنقبَلُ مِنها الودَّ أو لا نَلومُها
فلا تزجُرِ الغاوينَ عنْ تبعَ الصِّبا ... وأنتَ غويُّ النَّفسِ قدْماً سقيمُها
بعزَّةَ متبولٌ إذا هي فارقتْ ... معنىً بأسبابِ الهوى ما يريمُها
ولمَّا رأيتُ النَّفسَ نفساً مصابةً ... تداعَى عليها بنُّها وهمومُها
عزمتُ عليها أمرهَا فصرَمتُهُ ... وخيرُ بديعاتِ الأمورِ عزيمُها
وما جابَهُ المدرَى خذولٌ خلالَها ... أراكٌ بذي الرّيان دانٍ صريمها
بأحسنَ منها سنّةً ومقلّداً ... إذا ما بدتْ لبّاتُها ونظيمُها
стр. 143
وتفرُقُ بالمدرَى أثيثاً نباتُهُ ... كجنَّةِ غربيبٍ تدلَّتْ كرومُها
إذا ضحكتْ لم تنتهزْ وتبسّمتْ ... ثنايا لها كالمزْنِ غرٌّ ظلومُها
كأنَّ على أنيابها بعدَ رقدَةٍ ... إذا انتبهتْ وهناً لمنْ يستنيمُها
مجاجةُ نحلٍ في أباريق صفقةٍ ... بصهباءَ يجريَ في العظامِ هميمُها
ركودُ الحميّا وردةُ اللّونِ شابَها ... بماءِ الغوادِي غيرَ رنقٍ مديمُها
فإنْ تصدُفي يا عزَّ عنِّي وتصرمِي ... ولا تقبلِي منّي خلالاً أسُومُها
فقدْ أقطعُ الموماةَ يستنُّ آلُها ... بها جيفُ الحسرَى يلوحُ هشيمُها
على ظهرِ حرجوجٍ يقطّع بالفتى ... نعافَ الفيافي سبتُها ورسِيمها
وقدْ أزجرُ العوجاءَ أنقبَ خُفٌّها ... مناسِمُها لا يستبلُّ رثيمُها
وقد غيبتْ سمراً كأنَّ حروفَها ... مواثمُ مرضاخٍ يطيرُ جريمُها
وليلةِ إيجافٍ بأرضِ مخوفةٍ ... تقتنِي بجوناتِ الظّلامِ جهومُها
فبتُّ أساري ليلَها وضريبَها ... على ظهرِ حرجوجٍ نبيلٍ حزيمُها
تواهقُ أطلاحاً كأنَّ عيونَها ... وقيعٌ تعادتْ عن نطافٍ هزُومِها
أضَرَّ بها الإدلاجُ حتّى كأنَّها ... من الأينِ خرصانٌ نحاها مقيمُها
تنازعُ أشرافَ الإكامِ مطيّتي ... من اللّيلِ سيجاناً شديداً فحومُها
بمشرفةِ الأجداثِ خاشعةِ الصّوَى ... تداعَى إذا أمسَتْ صداها وبومُها
إذا استقبلتْها الرّيحُ حالَ رغامُها ... وحالفَ جولانَ السَّرابِ أرُومُها
يمشّي بحزّانِ الإكامِ والرُّبا ... كمستكبرٍ ذي موزجينِ ظليمُها
رأيتُ بها العوجَ اللَّهاميمَ تغتلِي ... وقدْ صقلتْ صقلاً وتلّتْ جسومُها
تراكلُ الأكوارِ في كلِّ صيهَبٍ ... منَ الحرِّ أثباجاً قليلاً لحومُها
ولو تسألينَ الرَّكبَ في كلِّ سربخٍ ... إذا العيسُ لم ينبسْ بليلٍ بغومُها
من الحجرة القصوَى وراءَ رحالِها ... إذا الأسدُ بالأكوارِ طافَ رزومُها
وجرَّبتُ إخوانَ الصَّفاءِ فمنهُمُ ... حيمدُ الوصالِ عندنا وذميمُها
وأعلمُ أنّي لن أسربلَ جنّةً ... منَ الموتِ معقوداً عليَّ تميمُها
ومن يبتدع ما ليسَ من سوسِ نفسِهِ ... يدعهُ وبغلبهُ على النَّفسِ خيمُها
وقال كثير أيضاً:
أشاقكَ برقٌ آخرَ اللّيلَ واصبُ ... تضمّنَهُ فرشُ الجبا فالمشاربُ
يجرُّ ويستأنِي نشاصاً كأنّهُ ... بغيقة حادٍ جلجلَ الصّوتَ جالبُ
تألّقَ واحمومَي وخيّمَ بالرُّيا ... أحمُّ الذُّرَى ذو هيدبٍ متراكبُ
إذا حرَّكتهُ الرِّيحُ أرزمَ جانبٌ ... بلا هرقٍ منهُ وأومضَ جانبُ
كما أومضتْ بالعينِ ثمَّ تبسَّمَتْ ... خريعٌ بدا منها جبينٌ وحاجبُ
يمجُّ النّدى لا يذكُرُ السّيرَ أهلَهُ ... ولا يرجعُ الماشِي بهِ وهوَ جادِبُ
وهبتُ لسُعدَى ماءَهُ ونباتَهُ ... وما كلَّ ودٍّ لمنْ ودَّ واهبُ
لتروى بهِ سعدَى ويروَى محلُّها ... وتغدقَ أعدادٌ بهِ ومشارِبُ
تذكّرتُ سعدَى والمطِيُّ كأنَّهُ ... بآكامِ ذي ريطٍ غطاطٌ قواربُ
فقدْ فتنَ ملْتجّاً كأنَّ نشيجهُ ... سعالُ جوٍ أعيتْ عليهِ الطَّبائبُ
فقلتُ ولم أملكْ سوابقَ عبرَةٍ ... سقى أهلَ بيسانَ الدُّجونُ الهواضبُ
وإنّي ولو صاحَ الوشاةُ وطرَّبوا ... لمتَّخذٌ سعدى شباباً فناسبُ
يقولونَ أجمعْ من عزيزةَ سلوةً ... وكيفَ وهل يسلُو اللّجوجُ المطالِبُ
أعزُّ أجدَّ الرَّكبُ أنْ يتزحزحوا ... ولم يعتبِ الزّاري عليك المعاتبُ
فأحيي هداكِ اللهُ منْ قدْ قتلتهِ ... وعاصِي كما يعصَى لديهِ الأقاربُ
وإن طلابي عانساً أمَّ ولدَةٍ ... لممّا تمنّيني النُّفوسُ الكواذبُ
ألا ليتَ شعرِي هلْ تغيّرَ بعدَنا ... أراكٌ فصرْما قادمِ فتناضبُ
فبرقُ الجبا أمْ لا فهنَّ كعهدنا ... تنزَّى على آرامِهنَّ الثَّعالِبُ
تقي اللهَ فيه أمَّ عمروٍ ونوّلي ... مودّتهُ لا يطلبنّكِ طالبُ
فمن لا يغمّض عينهُ عن صديقه ... وعن بعضِ ما فيه يمتْ وهوَ عاتبُ
стр. 144
ومن يتتبّع جاهداً كلَّ عثرةٍ ... يجدها ولا يسلمْ لهُ الدّهرَ صاحبُ
فلا تأمنيهِ أن يسرَّ شماتةً ... فيظهرُها إنْ أعقبتْهُ العواقبُ
كأنْ لم أقل واللّيلُ ناجٍ بريدُهُ ... وقد غالَ أميالَ الفجاجِ الرَّكائبُ
خليليَّ حثّا العيسَ نصبِحْ وقدْ بدتْ ... لنا من جبالِ الرّامتينِ مناكبُ
فو الله ما أدري أآتٍ على قلىً ... وبادِي هوانٍ منكمُ ومغاضبُ
سأملكُ نفسي عنكمُ إنْ ملكتُها ... وهلْ أغلبَنْ إلاَّ الذي أنا غالبُ
حليلةُ قذّافِ الدّيارِ كأنّهُ ... إذا ما تدانينا منَ الجيشِ هاربُ
إذا ما رأنِي بارِزاً حالَ دونَها ... بمخبطةٍ يا حسنَ من هو ضاربُ
ولو تنقبُ الأضلاعُ أُلفيَ تحتَها ... لسعدَى بأوساط الفؤادِ مطاربُ
بها نعمٌ من ماثلِ الحبِّ واضحٌ ... بمجتمع الأشراجِ ناءٍ وقاربُ
تضمَّنَ داءً منذُ عشرينَ حجَّةُ ... لكم ما تسليِّهِ السّنُونَ الكواذِبُ
وقال كثير:
عفا السَّفحُ من أمِّ الوليدِ فكبكبُ ... فنعمانُ وحشٌ فالرَّكيُّ المثقَّبُ
خلاءٌ إلى الأحواضِ عافٍ وقدْ يرَى ... سوامٌ بها فيه مراحٌ ومعزَبُ
على أنَّ بالأقوازِ أطلالَ دمنةٍ ... تجدُّ بها هوجُ الرِّياحِ وتلعَبُ
لعزَّةَ إذْ حبلُ المودَّةِ دائمٌ ... وإذ أنتَ متبولٌ بعزَّةَ معجَبُ
وإذ لا ترى في النّاسِ شيئاً يفوقُها ... وفيهنَّ حسنٌ لو تأمّلتِ مجنبُ
هضيمُ الحشا رودُ المطا بختريَّةٌ ... جميلٌ عليها الأتحميُّ المنشَّبُ
هي الحرَّةٌ الدَّلُّ الحصانُ ورهطُها ... إذا ذكرَ الحيُّ الصَّريحُ المهذّبُ
رأيتُ وأصحابي بأيلةَ موهِناً ... وقدْ لاحَ نجمُ الفرقدِ المتصوِّبُ
لعزَّةَ ناراً ما تبوخُ كأنَّها ... إذا ما رمقناها من البعُدِ كوكبُ
تعجَّبَ أصحابي لها حينَ أوقدَتْ ... وللمصطلُوها آخرَ اللّيلِ أعجَبُ
إذا ما خبتْ من آخرِ اللّيلِ خبوَةً ... أعيدَ لها بالمندَليِّ فتثقبُ
وقفنا فشبَّتْ شبَّةً فبدا لنا ... بأهضامِ واديها أراكٌ وتنضُبُ
ومنْ دونِ حيثُ استوقدَتْ منْ مجالخ ... مراحٌ ومغدىً للمطِيِّ وسبسبُ
أتتنا بريّاها وللعيسِ تحتنا ... وجيفٌ بصحراءِ الرّسيسِ مهذّبُ
جنوبٌ تسامي أوجُهَ الرّكبِ مسّها ... لذيذٌ ومسراها منَ الأرضِ طيّبُ
فيا طولَ ما شوقي إذا حالَ دونَها ... بصاقٌ ومن أعلام صندِدَ منكِبُ
كأنْ لم يوافقْ حجَّ عزَّةَ حجُّنا ... ولم يلقَ ركباً بالمحصَبَّ أركُبُ
حلفتُ لها بالرَاقصاتِ إلى منىً ... تغدُّ السّرَى كلبٌ بهنَّ وتغلِبُ
وربِّ الجيادِ السّابحاتِ عشيَّةً ... مع العصرِ إذ مرّتْ على الحبلِ تلحَبُ
لعزّةَ همُّ النَّفسِ منهنَّ لو ترَى ... إليها سبيلاً أو تلمُّ فتصقبُ
ألامُ على أمِّ الوليدِ وحبُّها ... جوىً داخلٌ تحتَ الشَّراسيفِ ملهبُ
ولو بذلتْ أمُّ الوليدِ حديثَها ... لعصمٍ برضوَى أصبحَتْ تتقرَّبُ
تهبَّطنَ من أكنافِ ضأسَ وأيلةٍ ... علينا ولو أغرَى بهنَّ المكلّبُ
تلعَّبُ بالعزهاةِ لم يدرِ ما الصّبا ... وييأسُ من أمِّ الوليدِ المجرِّبُ
ألا ليتنا يا عزَّ كنّا لذي غنىً ... بعيرين نرعى في الخلاء ونعزبُ
كلانا به عرٌّ فمن يرنا يقلْ ... على حسنِها جرباءَ تعدِي وأجربُ
إذا ما وردنا منهلاً صاحَ أهلُهُ ... علينا فما ننفكُّ نرمَي ونضرَبُ
نكونُ بعيريْ ذي غنىً فيضعُنا ... فلا هوَ يرعانا ولا نحنُ نطلبُ
يطرّدُنا الرِّعيانُ عنْ كلَّ تلعةٍ ... ويمنعُ منّا أنْ نرَى فيهِ نشرَبُ
وددتُّ وبيتِ اللهِ أنَّكِ بكرَةٌ ... هجانٌ وأنِّي مصعبٌ ثمَّ نهربُ
وقال كثير:
ألا طرقتْ بعدَ العشاءِ جنوبُ ... وذلكَ منها إنْ عجبتَ عجيبُ
تسدَّتْ ومرٌّ دونَنا وأراكُهُ ... ودونانُ أمسَى دونَها ونقيبُ
ونحنُ ببطحاءِ الحجُونِ كأنّنا ... مراضٌ لهمْ وسطَ الرّحالِ نحيبُ
стр. 145
فحيَّتْ نياماً لم يردُّوا تحيّةً ... إليها وفي بعضِ اللّمامِ شغوبُ
لقدْ طرقتنا في التّنائِي وإنّها ... على القربِ علمي للسُّرَى لهيوبُ
أحبُّكِ ما حنَّتْ بغورِ تهامَةٍ ... إلى البوِّ مقلاتُ النّتاجِ سلوبُ
وما سجعتْ من بطنِ وادٍ حمامةٌ ... يجاوبُها صاتُ العشِيِّ طروبُ
وإنّي ليثنيني الحياءُ فأنثني ... وأقعدُ والممشَى إليكِ قريبُ
وآتِي بيوتاً حولكُمْ لا أحبُّها ... وأكثرُ هجرَ البيتِ وهو حبيبُ
وأغضي على أشياءَ منكِ تريبُنِي ... وأدعَى إلى ما نابَكمْ فأجيبُ
وما زلتُ من ذكراكِ حتّى كأنني ... أميمٌ بأكنافِ الدِّيار سليبُ
وحتّى كأنِّي من جوى الحبِّ منكمُ ... سليبٌ بصحراءِ البريحِ غريبُ
أبثّكِ ما ألقَى وفي النَّفسِ حاجةٌ ... لها بين جلدِي والعظامٍ دبيبُ
أراكمْ إذا ما زرتُكُمْ وزيارتِي ... قليلٌ يرَى فيكُمْ إليَّ قطُوبُ
أبيني أتعويلٌ علينا بما أرَى ... منَ الحبِّ أم عندي إليكِ ذنوبُ
أبينِي فأمّا مستحيرٌ بعلّةٍ ... عليَّ وأمّا مذنبٌ فأتوبُ
حلفتُ وما بالصدِّقِ عيبٌ على امرئٍ ... يراهُ وبعضُ الحالفينَ كذوبَ
بربِّ المطايا السّابحاتِ وما بنتْ ... قريشٌ وأهدَتْ غافقٌ وتجيبُ
وملقَى الولايا من منىً حيثُ حلَّقَتْ ... إيادٌ وحلَّتْ غامدٌ وعتيبُ
يمينَ امرئٍ لم يغشَ فيها أثيمةً ... صدوقٍ وفوقَ الحالفينَ رقيبُ
لنعمَ أبو الأضياف يغشونَ نارهُ ... وملقى رحالِ العيس وهيَ لغوبُ
ومختبطُ الجادي إذا ما تتابعتَ ... على النّاسِ مثنى قرّةٍ وجدوبُ
وحامي ذمارِ القومِ فيما ينوبُهُمْ ... إذا ما اعترتْ بعدَ الخطوبِ خطوبُ
على كلِّ حالٍ إنْ ألمّتْ ملمّةٌ ... بنا عمرٌ والنّائباتُ تنوبُ
فتىً صمتُهُ حلمٌ وفصلٌ مقالُهُ ... وفي البأسِ محمودُ الثّناء صليبُ
خطيبٌ إذا ما قالَ يوماً بحكمةٍ ... من القولِ مغشِيُّ الّرواقِ مهيبُ
كثيرُ النّدَى يأتي النّدَى حيثُ ما أتى ... وإنْ غابَ غابَ العرفُ حيثُ يغيبُ
كريمُ كرامٍ لا يرى في ذوي النّدَى ... له في النّدى والمأثراتِ ضريبُ
أبيٌّ أبَى أنْ يعرفض الضّيمَ غالبٌ ... لأعدائهِ شهمُ الفؤادِ أريبُ
يقلّبُ عيني أزرقٍ فوقَ مرقبٍ ... يفاعٍ لهُ دونَ السَّماءِ لُصُوبُ
غدا في غداةٍ قرَّةٍ فانتحتْ لهُ ... على إثر ورّادِ الحمامِ جنوبُ
جنا لأبي حفصٍ ذرَى المجدِ والدٌ ... بنى دونَهُ للبانيينِ صعُوبُ
فهذا على بنيان هذاك يبتني ... بناهُ وكلٌّ منجبٌ ونجيبُ
وجدُّ أبيهِ قد ينافي على البنا ... بناهُ وكلٌّ شبَّ وهو أديبُ
فأنتَ على منهاجهمْ تقتدي بهمْ ... أمامَكَ ما سدُّوا وأنتَ عقيبُ
فأصبحتَ تحذُو من أبيكَ كما حذا ... أبوكَ أباهُ فعلهُ فتصيبُ
وأمسيتَ قلباً نابتاً في أرومةٍ ... كما في الأرومِ النّابتاتِ قلوبُ
أبوكَ أبو العاصي فمنْ أنتَ جاعلٌ ... إليهِ وبعضُ الوالدينِ نجيبُ
وأنتَ المنقّى منْ هنا ثمَّ منْ هنا ... ومنْ هاهُنا والسَّعدُ حينَ تؤوبُ
أقمتَ بهلكَي مالكٍ حين عضَّهُم ... زمانٌ يعرّ الواجدينَ عصيبُ
وأنتَ المرَجّى والمفدّى لمالكٍ ... وأنتَ حليمٌ نافعٌ ومصيبُ
وليتَ فلمْ تغفلْ صديقاً ولم تدعْ ... رفيقاً ولم يحرمْ لديكَ غريبُ
وأحييتَ من قدْ كان موّتَ مالهُ ... فإنْ متَّ من يدعى له فيجيبُ
مضيتَ لسوراتِ العلَى فاحتويتَها ... وأنتَ لسوراتِ العلاءِ كسُوبُ
وما النّاسُ أعطوكَ الخلافةَ والتّقى ... ولا أنتَ فاشكرْهُ يثبكَ مثيبُ
ولكنّما أعطاكَ ذلكَ عالمٌ ... بما فيك معطٍ للجزيلِ وهوبُ
وقال كثير:
أبائنةٌ سعدى نعمْ ستبينُ ... كما انبتَّ من حبلِ القرينِ قرينُ
أأن زمَّ أجمالٌ وفارقَ جيرَةٌ ... وصاحَ غرابُ البينِ أنتَ حزينُ
كأنّكَ لم تسمعْ ولم ترَ قبلَها ... تفرُّقَ ألاّفٍ لهنَّ حنينُ
стр. 146
حنينٌ إلى ألاّفهنّ وقدْ بدا ... لهنَّ من الشَّكِّ الغداةَ يقينُ
وهاجَ الهوى أظعانُ عزَّةَ عدَوةً ... وقدْ جعلتْ أقرانُهُنَّ تبينُ
فلمّا استقلَّتْ عنْ مناخٍ جمالُها ... وأسفرنَ بالأحمالِ قلتُ سفينُ
تأطّرنَ في الميثاءِ ثمَّ تركنَهُ ... وقدْ لاحَ منْ أثقالهنَّ شحونُ
كأنّي وقدْ نكّبنَ برقةَ واسطٍ ... وخلّفنَ أحواض النّجَيلٍ طعينُ
فأتبعتُهُمْ عينيَّ حتَّى تلاحمتْ ... عليهم قنانٌ منْ خفينن جونُ
فقدْ حالَ من حزمِ الحماتينِ دونَهُم ... وأعرضَ من وادِي البُليْدِ شجونُ
وفاتتكَ عير الحيِّ لمّا تقلّبتْ ... ظهورٌ بهمْ من ينبعٍ وبطونُ
وقد حالَ من رضوَى وضيبر دونهم ... شماريخُ للأروى بهنَّ حصونُ
على البختِ أو أشباهها غيرَ أنّها ... صهابيّةٌ حمرُ الدُّفوفِ وجونُ
وأعرضَ ركبٌ من عباثرَ دونهُمْ ... ومنْ خدِّ رضوَى المكفهِرِّ جبينُ
فأخلفنَ ميعادِي وخنَّ أمانتِي ... وليسَ لمنْ خانَ الأمانةَ دينُ
وأورثنهُ نأياً فأضحَى كأنَّهُ ... مخالطُهُ يومَ السّريرِ جنونُ
كذبنَ صفاءَ الودِّ يومَ شنوكةٍ ... وأدرَكَنِي من عهدِهِنَّ وهونُ
وإنَّ خليلاً يحدِثُ الصّرمَ كلّما ... نأيتَ وشطّتْ دارُهُ لظنُونُ
وطافَ خيالُ الحاجبيّةِ موهِناً ... ومرٌّ وقرنٌ دونَها ورنينُ
وعاذلةٍ ترجو ليالي نجهتُها ... بأنْ ليسَ عندِي للعواذلِ لينُ
تلومُ امرأً في عنفوانِ شبابِهِ ... وللتَّرْكِ أشياعُ الصَّبابَةِ حينُ
وما شعرتْ أنّ الصّبا إذْ تلومُني ... على عهدِ عادٍ للشَّبابِ خدينُ
وإنّي ولو داما لأعلمُ أنّني ... لحفرَةِ موتٍ مرَّةً لدفينُ
وإنّي لم أعلَم ولم أجدِ الصِّبا ... يلائمُهُ إلاَّ الشّبابَ قرينُ
وأنَّ بياضَ الرّأسِ يعقبُ بالنّهى ... ولكنَّ أطلالَ الشبابِ تزينُ
لعمري لقدْ شقّتْ عليَّ مريرةٌ ... ودارٌ أحلَّتْكِ البويبَ شطونُ
وقال كثير يرثي عمر بن عبد العزيز، وليست في المختار:
لقدْ كنتَ للمظلومِ عزاً وناصراً ... إذا ما تعيّا في الأمورِ حصونُها
كما كانّ حصناً لا يرامُ ممنَّعاً ... بأشبالِ أسدٍ لا يرامُ عرينُها
وليتَ فما شانتكَ فينا ولايةٌ ... ولا أنتَ فيها كنتَ ممّنْ يشينها
فعفّتْ عن الأموالِ نفسكَ رغبةً ... وأكرمْ بنفسٍ عندَ ذاكَ تصونُها
وعطلتَها من بعدِ ذلكِ كالّذي ... نهى نفسه أنْ خالفتهُ يهينُها
كدحتَ لها كدحَ امرئٍ متحرِّجٍ ... قد أيقنَ أنَّ اللهَ سوفَ يدينُها
فما عابَ من شيءٍ عليهِ فإنّهُ ... قد استيقنتْ فيهِ نفوسٌ يقينُها
فعشتَ حميداً في البريَّةِ مقسطاً ... تؤدِّي إليها حقَّها ما تخونُها
ومتَّ فقيداً فهي تبكي بعولةٍ ... عليكَ وحزنٍ ما تجفُّ عيونُها
إذا ما بدا شجواً حمامٌ مغرِّدٌ ... على أثلةٍ خضراءَ دانٍ غصونُها
بكتْ عمرَ الخيراتِ عيني بعبرةٍ ... على إثرِ أخرَى تستهلُّ شؤونُها
تذكرتُ أيّاماً خلتْ وليالِياً ... بها الأمنُ فيها العدلُ كانت تكونُها
فإنْ تصبحِ الدّنيا تغيّرَ صفوُها ... فحالتْ وأمستْ وهي غثِّ سمينُها
فقدْ غنيتْ إذ كنتَ فيها رخيَّةُ ... ولكنَّها قدماً كثيرٌ فنونُها
فلو كان ذاقَ الموتَ غيركَ لم تجدْ ... سخياً بها ما عشتَ فيها يمونُها
فمن لليتامى والمساكِينِ بعدَهُ ... وأرملةٍ باتتْ شديداً أنينُها
وليس بها سقمٌ سوى الجوعِ لم تجدْ ... على جوعِها من بعدِها من يعينُها
وكنتَ لها غيثاً مريعاً ومرتَعاً ... كما في غمارِ البحرِ أمرعَ نونُها
فإنْ كانَ للدُّنيا زوالٌ وأهلُها ... لعدلٍ إذا ولَّى فقد حانَ حينُها
أقامتْ لكمْ دنيا وزالَ رخاؤها ... فلا خيرَ في دنيا إذا زالَ لينُها
بكتهُ الضّواحي واقشعرَّتْ لفقدِهِ ... بحزنٍ عليها سهْلُها وحزونُها
فكلُّ بلادٍ نالَها عدلُ حكمهِ ... شديدٌ إليها شوقُها وحنينُها
стр. 147
فلمّا بكتْهُ الصّالحاتُ بعدلهِ ... وما فاتَها منهُ بكتهُ بطونُها
ولمّا اقشعرَّت حينَ ولَّى وأيقنتْ ... لقدْ زالَ منها أنسُها وأمينُها
وقالت لهُ أهلاً وسهلاً وأشرقَتْ ... بنورٍ له مستشرقاتٍ بطونُها
فإن أشرقتْ منها بطونٌ وأبشرتْ ... له إذ ثوى فيها مقيماً رهينُها
وقد زانَها زيناً لهُ وكرامةً ... كما كان في ظهرِ البلادِ يزينُها
لقدْ ضمّنتهُ حفرةٌ طابَ نشُرها ... وطابَ جنيناً ضمّنتهُ جنينُها
سقى ربُّنا من ديرِ سمعانَ حفرَةً ... بها عمرُ الخيراتِ رهناً دفينُها
صوابحَ من مزنٍ ثقالٍ غوادياً ... دوالحَ دُهماً ماخِضاتٍ دُجونها
وقال كثير:
لعزَّةَ هاجَ الشَّوقَ فالدّمعُ سافحُ ... مغانٍ ورسمٌ قد تقادمَ ماصحُ
بذي المرخِ والمسروحِ غيّرَ رسمَها ... ضروبُ النَّدى قد أعتقتْها البوارِحُ
لعينيكَ منها يومَ حزمِ مبرَّةٍ ... شريجانِ من دمعٍ نزيعٌ وسايحُ
أتيٌّ ومفعومٌ حثيثٌ كأنَّهُ ... غروبُ السواني أترعتها النواضحُ
إذا ماهرقْنَ الماءَ ثم استقينهُ ... سقاهنَّ جمٌّ من سميحةَ طافحُ
لياليَ مِتها الواديانِ مظنَّةٌ ... فبرقُ العنابِ دارُها فالأباطِحُ
ليالي لا أسماءُ قالٍ مودِّعٌ ... ولا مرهنٌ يوماً لكَ البذلَ جارحُ
صديقٌ إذا لاقيتهُ عن جنابَةٍ ... ألدُّ إذا ناشدتَهُ العهدَ بالحُ
وإذ يبرئُ القرحَى المراضَ حديثُها ... وتسمُو بأسماءَ القلوبُ الصَّحائحُ
فأقسمُ لا أنسَى ولو حالَ دونَها ... مع الصُّرمِ عرضُ السَّبسَبِ المتنازحُ
أمنّي صرمتِ الحبلَ لمّا رأيتنِي ... طريدَ حروبٍ طرَّحتهُ الطّوارحُ
فأسحقَ برداةُ ومحَّ قميصهُ ... فأثوابُهُ ليستْ لهنَّ مضارحُ
فأعرضتِ إنَّ الغدرَ منكنَّ شيمةٌ ... وفجعُ الأمينِ بغتةً وهو ناصحُ
فلا تجبهيهِ ويبَ غيركِ إنَّهُ ... فتى عن دنيَّاتِ الخلائقِ نازحُ
هو العسلُ الصّافي مراراً وتارَةً ... هوَ السَّمُّ تستدمي عليه الذَّرارِحُ
لعلّكِ يوماً أنْ تريهِ بغبطةٍ ... تودِّينَ لو يأتيكمُ وهو صافحُ
يروقُ العيونَ النَّاظراتِ كأنَّهُ ... هرقليُّ وزنٍ أحمرُ التِّبرِ راجحُ
وآخرُ عهدٍ منكِ يا عزَّ إنَّهُ ... بذي الرَّمثِ قولٌ قلتهِ وهوَ صالحُ
ملاحكِ بالبردِ اليَماني وقدْ بدا ... من الصّرمِ أشراطٌ لهُ وهو رائحُ
ولم أدرِ أنَّ الوصلَ منكِ خلابةٌ ... كجاري سرابٍ رقرقتهُ الصَّحاصحُ
أغرّكِ منّا أنَّ دلَّكِ عندنا ... وأسجادَ عينيكِ الصَّيودينِ رابحُ
وأنْ قدْ أصبتِ القلبَ منّي بلغّةٍ ... وحبٍّ لهُ في أسودِ القلبِ قادحُ
ولو أنَّ حبِّي أمَّ ذي الودعِ كلَّهُ ... لأهلكِ مالٌ لم تسعهُ المسارحُ
يهيمُ إلى أسماءِ شوقاً وقدْ أتَى ... لهُ دونَ أسماءَ الشّغُولُ السّوانحُ
وأقصرَ عن غربِ الشّبابِ لداتُهُ ... بعاقبةٍ وأبيضَّ منه المسائحُ
ولكنّه من حبِّ عزّةَ مضمرٌ ... خبالاً به قدْ بطّنتهُ الجوانحُ
تصرّدُنا أسماءُ دامَ جمالُها ... ويمنحُها منّي المودّةَ مانحُ
خليليّ هل أبصرتُما يومَ غيقةٍ ... لعزّةَ أظعاناً لهنَّ تمايحُ
ظعائنُ كالسَّلوى التي لا جوَى لَها ... أو المنَّ إذ فاحت بهنَّ الفوائحُ
كأنَّ قنا المرّانِ تحتَ خدورِها ... ظباءُ الملا نيطتْ عليها الوشائحُ
تحمَّلنَ في نحرِ الظَّهيرةِ بعدَما ... توقّدَ من صحنِ السُّريرِ الصَّرادحُ
على كلِّ عيهامٍ يبلُّ جديلهُ ... كحيلٌ بذفراهُ وبالِّيتِ ناتحُ
خليليَّ روحا وانظر ذا لبانَةٍ ... به باطنٌ من حبِّ عزَّةَ فادحُ
سبتكَ بعينَيْ ظبيةٍ يستنيصُها ... أغنُّ البغامِ أعيسُ اللَّونِ راشحُ
إلى أرُكٍ بالجزعِ من بطنٍ بيشَةٍ ... عليهنَّ صيّفنَ الحمامُ النّوائحُ
كأنَّ القماريَّ الهواتفَ بالضّحَى ... إذا أظهرَتْ قيناتُ شربٍ صوادحُ
وذي أشرٍ عذبِ الرُّضابِ كأنَّهُ ... إذا غارَ أردافُ الثُّريّا السَّوابحُ
стр. 148
مجاجةُ نحلٍ في أباريقَ صفِّقَتْ ... بصفوِ الغوادِي شعشعتهُ المجادحُ
تروقُ عيونَ اللائي لا يطمعونَها ... ويروى برياها الضّجيعُ المكافِحُ
وغرّ تغادي ظلمَهُ ببنانِها ... مع الفجرِ من نعمانَ أخضرُ مائحُ
قضى كلُّ ذي دينٍ وعزَّةُ خلَّةٌ ... لهُ لم تنلهُ فهو عطشانُ قامحُ
وإنَّي لأكمِي النّاسَ ما تعديننِي ... من البخلِ أنْ يثرِي بذلكَ كاشِحُ
وأرضى بغيرِ البذلِ منها لعلَّها ... تفارقنا أسماءُ والودُّ صالحُ
وأصبحتُ ودَّعتُ الصبِّا غير أنني ... لعزَّةَ مصفٍ بالمناسبِ مادحُ
أبائنةٌ يا عزَّ عدواً نواكمُ ... سقتكِ الغوادِي خلفهً والرَّوائحُ
من الشّمِّ مشراقٌ ينيف بقرطها ... أسيلٌ إذا ما قلّدَ الحليَ واضحُ
وقال كثير:
ألم يحزنكَ يومَ غدَت حدوجُ ... لعزَّةَ إذ أجدَّ بها الخروجُ
بضاحِي النَّقبِ حينَ خرجنَ منهُ ... وخلفَ متونِ ساقتِها الخليجُ
رأيتُ جمالَها تعلُو الثّنايا ... كأنَّ ذرى هوادِجها البرُوجُ
وقد مرَّتْ على تربانَ تحدَى ... لها بالنَّعفِ من مللٍ وسيجُ
رأيتُ حدوجَها فظللْتُ صبّا ... تهيّجنِي مع الحزنَ الحدوجُ
إذا بصرتْ بها العينانِ لجَّتْ ... بدمعِهما معَ النّظرِ اللّجوجُ
وبالسّرحاتِ من ودّانَ راحتْ ... عليها الرّقمُ والبلقُ البهيجُ
وهاجتني بحزمِ عفارياتٍ ... وقدْ يهتاجُ والطّربِ المهيجُ
على فضلِ الرَّواحِ تضمّنتْها ... خصيباتُ المعالفِ والمروجُ
يشجُّ بها ذؤابةَ كلِّ حزنٍ ... سبوتٌ أو مواكبَةٌ دروجُ
وفي الأحداجِ حينَ دنونَ قصراً ... بحزنِ سويقةٍ بقرٌ دموجُ
حسانُ السَّيرِ لا متواتِراتٌ ... ولا ميلٌ هوادجُها تموجُ
فكدتُّ وقد تغيّبتِ التّوالي ... وهنَّ خواضعُ الحكماتِ عوجُ
بذي جددٍ من الجوزاءِ موفٍ ... كأنَّ ضبابهُ القطنُ النَّسيجُ
فقدْ جاوزنَ هضبَ قتايداتٍ ... وعنَّ لهنَّ من رككٍ شروجُ
أموتُ ضمانةً وتجلَّلتنِي ... وقدْ أتهمنَ مردمةً ثليجُ
كأنَّ دموعَ عيني يوم بانتْ ... دلاةٌ بلّها فرطٌ مهيجُ
يريعُ بها غداةَ الوردِ ساقٍ ... سريحُ المتحِ بكرَتُهُ مريجُ
فلو أبديت ودَّكِ أمَّ عمروٍ ... لدى الإخوانِ ساءهمُ الوليجُ
لكانَ لحبَّكِ المكتومِ شأنٌ ... على زمنٍ ونحنُ بهِ نعيجُ
تؤمِّلُ أنْ تلاقي أمَّ عمرٍو ... بمكَّةَ حيثُ يجتمعُ الحجيجُ
وقال كثير يمدح أبا بكر بن عبد العزيز بن مروان:
ألا أنْ نأتْ سلمَى فأنتَ عميدُ ... ولمَّا يفدْ منها الغداةَ مفيدُ
ولستَ بممسٍ ليلةً ما بقيتُها ... ولا مصبحٍ إلاَّ صباكَ جديدُ
ديارٌ بأعناءِ السُّريرِ كأنَّما ... عليهنَّ في أكنافِ غيقةَ شيدُ
تمرُّ السَّنونَ الخالياتُ ولا أرى ... بصحنِ الشَّبا أطلالهنَّ تبيدُ
فغيقةُ فالأكفالُ ظبيةٍ ... نظلَّ بها أدمُ الظّباءِ ترودُ
وخطباءَ تبكي شجوها فكأنَّها ... لها بالتّلاعِ القاوياتِ فقيدُ
كما استعلبتْ رأد الضّحَى حميريَّةٌ ... ضروبٌ بكفَّيها الشّراعَ سمودُ
لياليَ سعدَى في الشَّبابِ الذي مضَى ... ونسوتُها بيضُ السَّوالفِ غيدُ
يباشرنَ فأرَ المسكِ في كلِّ مهجعٍ ... ويشرقُ جاديٌّ بهنَّ مفيدُ
فدع عنكَ سلمَى إذْ أتَى النَّأيُ دونَها ... وأنتَ امرؤٌ ماضٍ زعمتَ جليدُ
وسلِّ همومَ النَّفسِ إنَّ علاجَها ... إذا المرءُ لم ينبلْ بهنَّ شديدُ
بعيساءَ في دأياتِها ودفوفِها ... وحارِكها تحتَ الوليِّ نهودُ
وفي صدرها صبٌّ إذا ما تدافعَتْ ... وفي شعبِ بينَ المنكبَينِ سنودُ
وتحتَ قتودِ الرَّحلِ عنسٌ حريزةٍ ... علاةٌ يباريها سواهمُ قودُ
تراها إذا ما الرّكبُ أصبحَ ناهلاً ... ورجّيَ وردُ الماءِ وهو بعيدُ
نزيفُ كما زافتْ إلى سلفاتِها ... مباهيةٌ طيَّ الوشاحِ ميودُ
إليكَ أبا بكرٍ تخبُّ براكبٍ ... على الأينِ فتلاءُ اليدينِ وخودُ
стр. 149
يجوزُ ربا الأصرامِ أصرامِ غالبٍ ... أقولُ إذا ما قيلَ أينَ تريدُ
أريدُ أبا بكرٍ ولو حال دونَهُ ... أماعزُ تعتالُ المطِيَّ وبيدُ
لتعلمَ أنّي للمودَّةِ حافظٌ ... وما لليدِ الحسنَى لديَّ كنودُ
وإنّكَ عندي في النّوالِ وغيرهِ ... وفي كلِّ حالٍ ما بقيتَ حميدُ
فآلاءُ كفٍّ منكَ طلقٍ بنانُها ... ببذلكَ إذ في بعضهِنَّ جمودُ
وآلاءُ منْ قدْ حال بينِي وبينَهُ ... عدىً ونقاً للسَّافياتِ طريدُ
فلا تبعدنْ تحتَ الضّريحةِ أعظمٌ ... رميمٌ وأثوابٌ هناكَ جرودُ
بما قدْ أرى عبد العزيزِ نجمهُ ... إذا تلتقي طلقَ الطُّلُوعِ سعودُ
له من بنيهِ مجلسٌ وبنيهمُ ... كرامٌ كأطرافِ السُّيوفِ قعودُ
فما لامرئٍ حيٍّ وإنْ طالَ عمرُهُ ... ولا للجبالِ الرَّاسياتِ خلودُ
وأنتَ أبا بكرٍ صفيِّيَ بعدَهُ ... تحنّى على ذي ودِّهِ وتعودُ
وأنتَ امرُؤ ألهمتَ صدْقاً ونائلاً ... وأورثكَ المجدَ التّليدَ جدودُ
جدودٌ من الكعبينِ بيضٌ وجوهُها ... لهم مأثراتٌ مجدهنَّ تليدُ
وقال كثير:
نظرتُ وأعلامُ الشَّربَّة دوننا ... فهضبُ المروراةِ الدَّوانِي وسودُها
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم بتاريخ نهار الأحد عاشر جمادى الأول من شهور سنة ٩٩٨
يا ناظراً فيه العينين تنظره ... لا تنس صاحبه بالخير واذكره
وهبْ له دعوةً لله خالصة ... لعلّها في محل الضيق تنفعه
عمرو بن برّاقة
وقال عمرو بن برّاقة الهمداني:
تقولُ سليمَى لا تعَّرضْ لتلفةٍ ... وليلكَ عن ليلِ الصَّعاليكِ نائمُ
وكيفَ ينامُ اللّيلَ من جلُّ همّهِ ... حسامٌ كلونِ الملحِ أبيضُ صارمُ
غموضٌ إذا عضَّ الكريهةَ لم يدعْ ... لها طمعاً اليمين ملازمُ
ألمْ تعلمِي أنَّ الصَّعاليكَ نومُهمْ ... قليلٌ إذا نامَ الخلِّيُّ المسالِم
إذا اللّيلُ أدجَى واكفهرَّ ظلامهُ ... وصاحَ من الأفراطِ بومٌ جواثمُ
ومالَ بأصحابِ الكرَى غالباتُهُ ... فإنّي على أمر الغوايَةِ حازِمُ
كذبتُمْ وبيتِ الله لا تأخذونَها ... مراغمةً ما دامَ للسَّيفِ قائِمْ
تحالفَ أقوامٌ عليَّ ليسْلمُوا ... وجرُّوا عليَّ الحربَ إذْ أنا سالمُ
أفاليومَ أدعى للهوادةِ بعدَما ... أجيلَ على الحيِّ المذاكي الصَّلادِمُ
فإنَّ حريماً إذْ رجا أنْ أرُدَّها ... ويذهبَ مالِي يا ابنةَ القيلِ حالمُ
متى تجمع القلبَ الذّكيّ وصارماً ... وأنفاً حميّاً تجتنبكَ المظالِمُ
متى تطلبِ المالَ الممنّعَ بالقنا ... تعشْ ماجداً أو تخترِمكَ المخارِمُ
وكنتُ إذا قومٌ غزونِي غزوتُهُمْ ... فهلْ أنا في ذا يالهمدانَ ظالمُ
فلا صلحَ حتَّى تقرَعَ الخيلُ بالقَنا ... وتضربَ بالبيضِ الخفافِ الجماجمُ
ولا أمنَ حتّى تغشمَ الحربُ جهرةً ... عبيدةَ يوماً والحروبُ غواشمُ
أمستبطئ عمرو بن نعمانَ غارتِي ... وما يشبِهُ اليقظانَ من هو نائمُ
إذا جرَّ مولانا علينا جريرةً ... صبرنا لها إنَّا كِرامٌ دعائمُ
وننصرُ مولانا ونعلمُ أنّهُ ... كما النّاسُ مجرومٌ عليهِ وجارِمُ
وقال عمرو بن البراق، وهي إحدى المنصفات، هكذا يقول الأصمعي:
عرفتَ من الكنودِ ببطنِ ضيمٍ ... فجوِّ بشائمٍ طللاً محيلا
تعفَّى رسمُهُ إلاَّ خياماً ... مجلَّلةٌ جوانبُها جليلا
عدانِي أنْ أزورَكِ أنَّ قومِي ... وقومكِ ألقحُوا حرباً شمُولا
وأنّكِ لو رأيتِ النّاسَ يومَ ... الحيار عذرْتِ بالشغُلِ الخليلا
غداةَ تصارَختْ عبدُ بن عمرٍو ... وأهلُ تضاعَ فاحتملُوا قتيلا
غداةَ حبا لهمُ عمرُو بن عمرِو ... بشكّةٍ كاملٍ يدعُو جزيلا
فردُّوهُ بمشعلةٍ قلوسٍ ... تخالُ رداءهُ منْها طميلا
وقامَ مصوِّتٌ منّا ومنْهُم ... وكلٌّ ينتحِي حنقاً وبيلا
وقامَ مصوِّتانِ برأسِ عثٍّ ... أقامَ الحربَ والعيَّ الطَّويلا
وغودرَ في ديارهمِ حبيشٌ ... وعيلَ على الأركاسِ أنْ يؤولا
стр. 150
وعيلَ على الحمولِ ومنْ علْيها ... فلا سيراً يطيقُ ولا حلولا
ونسلكُهمْ مدارجَ بطنِ حرٍّ ... إلى قرنٍ كما سقتَ الحسِيلا
كأنَّ نساءهُمْ بقرٌ مراجٌ ... خلالَ شقائقٍ تطأُ الوحولا
لهنَّ صواعقٌ يعرفنَ فينا ... بني الأخواتِ والنَّسَبَ الدَّخيلا
بكلِ خبيبةٍ ومجازِ عرضٍ ... ترى نمطاً يطوحُ أو خميلا
فلمّا أنْ هبطنا القاعَ ردُّوا ... غواشينا فأدبرْنا جفولا
وقامَ لنا ببطنِ القاعِ صيقٌ ... فخلّى الوازعونَ لنا السّبيلا
فأدرَكنا دعاهُم من بعيدٍ ... نهزُّ البيضَ يشفِين الغليلا
فأيّاً ما رأيتَ نظرتَ طرفاً ... عليهِ الطّيرُ منعفِراً تليلا
فلمّا أنْ رأيتُ القومَ فلّوا ... فلا زنداً قبضتُ ولا فتيلا
حبكتُ ملاءتِي العلْيا كأنّي ... حبكتُ بها قطاميّاً هزيلا
كأنَّ ملاءتَيَّ على هجَّفٍّ ... أحسَّ عشيَّةً ريحاً بليلا
على حتَّ البرايةِ زمخريِّ ... السواعد ينبري رتكاً ذليلاً
وأدبَرَ عائذُ البُقميّ شدّاً ... يكدُّ الصمدَ والحزنَ الرَّجيلا
وغادرْنا وغادرَ موليانا ... بقاعِ أبيدةَ الوغمَ الطّويلا
عمر بن أبي ربيعة
المختار من شعر عمر بن أبي ربيعة قال عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة. وأمّ عمر مولدة من مولّدات اليمن، اسمها مجد:
أمنْ آل نعمٍ أنتَ غادٍ فمبكِرُ ... غداةَ غدٍ أو رائحٌ فمهجّرُ
بحاجةِ نفسٍ لم تقلْ في جوابها ... فتبلغَ عذراً والمقالةُ تعذرُ
نهيمُ إلى نعمٍ فلا الشَّملُ جامعٌ ... ولا الحبلُ موصولٌ ولا القلبٌ مقصرُ
ولا قربُ نعمٍ إنْ دنتْ لك نافعٌ ... ولا نأيُها يسلِي ولا أنتَ تصبِرُ
وأخرَى أتتْ من دونِ نعمٍ ومثْلها ... نهى ذا النُّهَى لو ترعوِي أو تفَكِّرُ
إذا زرتُ نعماً لم يزلْ ذو قرابةٍ ... لها كلّما لاقيتها يتنمّرُ
عزيزٌ عليهِ أنْ ألمَّ ببيتِها ... مسرُّ ليَ الشّحناءَ للبغضِ مظهِرُ
ألِكني إليْها بالسّلامِ فإنَّه ... يشهَّرُ إلمامي بها وينكَّرُ
على أنّها قالتْ غداةَ لقيتُها ... بمدفعِ أكنانٍ أهذا المشهّرُ
قفي فانظري يا أسمَ هلْ تعرفينَهُ ... أهذا المغيريُّ الذي كانَ يذكرُ
أهذا الّذي أطريتِ نعتاً فلمْ أكدْ ... وعيشكِ أنساهُ إلى يوم أقبَرُ
لئنْ كانَ إيّاهُ لقدْ حالَ بعدَنا ... عن العهدِ والإنسانُ قد يتغيّرُ
فقالتْ نعمْ لا شكَّ غيّرَ لونَهُ ... سُرى اللّيلِ يحيْي نصَّهُ والتَّهجّرُ
رأتْ رجلاً أمّا إذا الشَّمسُ عارضتْ ... فيضحَى وأمّا بالعشيِّ فيحضرُ
أخا سفرٍ جوّابَ أرضٍ تقاذفتْ ... به فلواتٌ فهوَ أشعثُ أغبرُ
قليلٌ على ظهرِ المطيّةِ ظلّهُ ... سوى ما نفى عنهُ الرّداءُ المحَبّرُ
وأعجبَها من عيشِها ظلُّ غرفةٍ ... وريّانُ ملتفُّ الحدائقِ أنضرُ
ووالٍ كفاها كلَّ شيءْ يهمُّها ... فليستْ لشيءْ آخرَ الليلِ تسهَرُ
وليلةِ ذي دوران جشّمني السُّرَى ... وقد يجشمُ الهولَ المحبُّ المغرِّرُ
فبتُّ رقيباً للرّفاقِ على شفا ... أراقبُ منهم من يطوفُ وأنظرُ
إليهمْ متى يستأخذِ النومُ فيهمِ ... ولي مجلسٌ لولا اللُّبانةُ وأوعرُ
وبانتْ قلوصي بالعراءِ ورحلُها ... لطارقِ ليلٍ أو لمنْ جاءَ معورُ
فبتُّ أناجِي النَّفسَ أينَ خباؤُها ... وإنّي لما تأتِي منَ الأمرِ مصدَرُ
فدلَّ عليها القلبَ ريّاً عرفتُها ... لها وهوَى الحبِّ الذي كانَ يظهَرُ
فلمّا فقدتُ الصَّوتَ منهُمْ وأطفئتْ ... مصابيحُ شبَّتْ بالعِشاءِ وأنؤرُ
وغابَ قميْرٌ كنتُ أهوَى غيوبَهُ ... وروّحَ رعيانٌ ونوَّمَ سمَّرُ
ونفّضتُ عنّي النّومَ أقبلتُ مشيةَ ... الحبابِ ولكنّي من القومِ أزورُ
فحيّيتُ إذْ فاجأتُها فتواءلتْ ... وكادتْ بمرفوعِ التّحيّةِ تجهرُ
стр. 151
فقالتْ وعضّتْ بالبنانِ فضحْتنِي ... وأنتَ امرؤٌ ميسور أمرِكَ أعسَرُ
أريتكَ إذْ هنَّا عليكَ ألم تخفْ ... رقيباً وحولِي من عدوِّكَ حضَّرُ
فقلتُ كذاكَ الحبُّ قد يحملُ الفتَى ... على الهولِ حتّى يستقادَ فينحرُ
فو اللهِ ما أدّري أتعجيلُ راحةٍ ... سرتْ بكَ أم قدْ نامَ منْ كنتَ تحذرُ
فقلتُ لها بل قادَني الحبُّ والهَوى ... إليكِ وما نفسٌ من النّاسِ يشعُرُ
فقالتْ وقدْ لانتْ وأفرخَ روعُها ... كلاكَ بحفظٍ ربُّكَ المتكَبِّرُ
فأنتَ أبا الخطّاب غيرُ منازعٍ ... عليَّ أميرٌ ما مكثتُ مؤمَّرُ
فبتُّ قريرَ العينِ أعطيتُ حاجتِي ... أقبِّلُ فاها في الخلاء فأكثرُ
فيا لك من ليلٍ تقاصرَ طولُهُ ... وما كانَ ليلِي قبلَ ذلكَ يقصرُ
ويالكَ من ملهىً هناكَ ومجلسٍ ... لنا لم يكدِّرْهُ علينا مكدِّرُ
يمجُّ ذكيَّ المسكِ منها مفلّجٌ ... نقيُّ الثنايا ذو غروبٍ مؤشَّرُ
يرفُّ إذا تفترُّ عنهُ كأنّهُ ... حصَى بردٍ أو أقحوانٍ منوّرُ
وترنو بعينيها إليَّ كما رَنا ... إلى ظبيةٍ وسطَ الخميلةِ جؤذَرُ
فلمّا تقضّى اللّيلُ إلاَّ أقلُّهُ ... وكادتْ توالِي نجمهِ تتغوَّرُ
أشارتْ بأنَّ الحيَّ قدْ حانَ منهمُ ... هبوبٌ ولكنْ موعدٌ لكَ عزورُ
فما راعني إلاَّ منادٍ تحمّلُوا ... وقدْ شُقَّ معروفٌ من الصُّبحِ أشقَرُ
فلمّا رأتْ من قدْ تئوَّر منهمُ ... وأيقاظهُم قالت أشرْ كيفَ تأمُرُ
فقلتُ أباديهمْ فأمّا أفوتُهمْ ... وأمّا ينالُ السّيفُ ثأراً فيثأرُ
فقالتْ أتحقيقٌ كما قال كاشحٌ ... علينا وتصديقٌ لما كان يؤثرُ
فإنْ كانَ ما لا بدَّ منهُ فغيرُهُ ... من الأمرِ أدنَى للخفاءِ وأستَرُ
أقصُّ على أختيَّ بدءَ حديثنا ... وما بي من أنْ تعلما متأخَّرُ
لعلَّهما أنْ تبغيا لكَ مخرَجاً ... وأنْ ترحُبا سِرباً بما كنتُ أحصرُ
فقامتْ كئيباً ليسَ في وجهِها دمٌ ... منَ الحزنِ تدنِي عبرةً تتحدَّرُ
فقالتْ لأختيْها أعينا على فتىً ... أتى زائراً والأمرُ للأمرِ يقدَرُ
فأقبلَتا فارتاعَتا ثمَّ قالَتا ... أقلّي عليكِ اللّومَ فالخطبُ أيسَرُ
فقالتْ لها الصغرَى سأعطيهِ مطرَفي ... ودرعِي وهذا البرْدَ إنْ كانَ يحذرُ
يقومُ فيمشي بينَنا متنكّراً ... فلا سُّرنا يفشُو ولا هوَ يظهَرُ
فكانَ مجنّي دونَ من كنتُ أتّقي ... ثلاثُ شخوصٍ كاعبانِ ومعصرُ
فلمّا أجزْنا ساحةَ الحيِّ قلنَ لِي ... أما تتّقِي الأعداءَ واللّيلُ مقمرُ
وقلنَ أهذا دأبكَ الدَّهرَ سادِراً ... أما تستحي أو ترعَوِي أو تفكِّرُ
إذا جئتَ فامنحْ طرفَ عينيكَ غيرَنا ... لكيْ يحسَبُوا أن الهوّى حيثُ تبصِرُ
على أنّني قدْ قلتُ يا نعمُ قولةً ... لها والعتاقُ الأرحبيَّةُ تزجَرُ
هنيئاً لبعلِ العامريّةِ نشرُها ... اللّذيذ وريّاها الّذي أتذكَّرُ
فقمتُ إلى حرفٍ تخوَّنَ نيَّها ... سرَى اللّيلِ حتّى لحمُها يتحسَّرُ
وحبسِي على الحاجاتِ حتّى كأنّها ... بليَّةُ لوحٍ أو شجارٌ ومؤسَّرُ
وماءٍ بموماةٍ قليلٍ أنيسُهُ ... بسابسُ لمْ يحدثْ بها الصَّيفُ محضرُ
به مبتنىً للعنكبوتِ كأنَّهُ ... على شرفِ الأرجاءِ خامٌ منشَّرُ
وردتُ وما أدرِي أما بعدَ موردِي ... من اللّيلِ أم ما قدْ مضَى منهُ أكثرُ
فطافتْ به مغلاةُ أرضٍ تخالُها ... إذا التفتتْ مجنونةً حينَ تنظُرُ
تنازعُنِي حرصاً على الماءِ رأسَها ... ومن دونِ ما تهوَى قليبٌ معوَّرُ
محاولةً للوردِ لولا زمامُها ... وجذبِي لها كانتْ مراراً تكسَّرُ
فلمّا رأيتُ الضرَّ منها وأنّني ... ببلدةِ أرضٍ ليسَ فيها معصَّرُ
قصرتُ لها من جانبِ الحوضِ منشأً ... صغيراً كقيدِ الشِّبر أو هوَ أصغرُ
إذا شرعَتْ فيهِ فليْسَ لمُلتقى ... مشافِرها منهُ قِدَى الكفِّ مسأرُ
ولا دلوَ إلاَّ القعبُ كانَ رشاءهُ ... إلى الماءِ نسعٌ والجديلُ المظفَّرُ
стр. 152
فسافتْ وما عافتْ وما صدَّ شُربَها ... عن الرِّيِّ مطروقٌ من الماءِ أكدَرُ
وقال عمر بن أبي ربيعة أيضاً: المتقارب
صحا القلبُ عن ذكرِ أمِّ البنِينَ ... بعدَ الذي قدْ مضى في العصُرْ
وأصبح طاوع عذاله ... وأقصر بعد الآباء المَبرْ
أخيراً وقدْ راعهُ لائحٌ ... من الشَّيْبِ من يعلُهُ ينزجَرْ
على أنَّ حبِّي ابنةَ المالكِي ... كالصّدعِ في الحجرِ المنفطِرْ
يهيمُ النّهارَ ويدنُو لهُ ... جنانُ الظّلامِ بليلٍ سهِرْ
وينمي لها حبُّها عندَنا ... فمنْ قالَ منْ كاشحٍ لم يضُرْ
من المسبغينَ رقاقَ الثّيابِ ... تكسَى النّعالُ فضولَ الأزُرْ
فإنْ تصرِمِي الحبلَ أو تصبِحي ... وصلتِ برثِّ القوَى منبتِرْ
فنحنُ المصاليتُ يومَ الهيا ... جِ والمانعونَ ذمارَ الدُبُرْ
ونحنُ المقيمُونَ يومَ الحفا ... ظِ والضَّاربونَ ببيضٍ بتُرْ
ونحنُ المغيرونَ تحتَ العجا ... جِ عندَ بدوءِ العذارَى الخفرْ
ونحنُ المتاريكُ ظلمَ الصَّدي ... قِ والسَّابقونَ بحسنِ العذُرْ
وننمِي إلى فرعِ جرثومَةٍ ... أقامتْ على قاهرٍ مشمخِرْ
أشمَّ منيفٍ يناغِي السَّما ... ء تنبُو قوادمُهُ بالغفرْ
وغيثٍ تبطَّنْتُ قريانهُ ... بأجردَ ذي ميعةٍ منهمرْ
مسحِّ الفضاء كسيدِ الآبا ... ء جمِّ الجراءِ شديدِ الحضُرْ
له ميعةٌ كاضطرامِ الحري ... قِ في العيصِ والأجَمِ المستعِرْ
ويهوِي كمثلِ هويَّ الدَّلا ... ةِ في قطعةِ الكربِ المنحَدِرْ
وتبقى سنابكهُ بالفلاةِ ... كمثلِ الدّوادي لدَى محتفرْ
وقال عمر أيضاً، وهي قطعة استحسنتها له فكتبتُها، وهي خارجة من الشَّرط في الاختيار إذ هي قطعة، وذكر الزبير بن بكّار قال أجمع من له علمٌ ببلدنا إنَّه أغرى ما سمعوا من الشعر هذه القطعة هي:
أألحقُّ إن الرَّبابِ تباعدَتْ ... أو انبتَّ حبلٌ أنَّ قلبكَ طائرُ
أفقْ قدْ أفاقَ الواجدونَ وفارَقوا ... الهوَى واستمرَّتْ بالرِّجالِ المرايرُ
زعِ القلبَ واستبقِ الحياءَ فإنَّما ... تبعِّدُ أو تدنِي الرّبابَ المقادِرُ
أمتْ حبَّها واجعَل رجاءَ وصالِها ... وعشرَتِها كبعضِ من لا تعاشِرُ
وهبْها كشيءٍ لمْ يكنْ أو كنازحٍ ... به الدّارُ أو منْ غيبتْهُ المقابرُ
فكالنّاسِ علّقتَ الرَّبابَ فلا تكنْ ... أحاديثَ من يبدو ومن هوَ حاضِرُ
فإنْ أنتَ لم تفعلْ ولستَ بفاعلٍ ... ولا سامعٍ قولَ الذي هو زاجرُ
فنفسكَ لم عينين حيثُ الّذي ترَى ... وطاوعتَ هذا الغيّ إذْ أنتَ سادرُ
وقال عمر أيضاً:
أأقامَ أمسِ خليطُنا أمْ سارا ... سائلْ بعمرِكَ أيُّ ذاكَ اختارا
وإخالُ أنَّ نواهمُ قذَّافةٌ ... كانتْ معاودَةَ الفراقِ مرارا
قامتْ تراءى بالصّفاحِ كأنَّها ... كانتْ تزيدُ لنا بذاكَ ضرارا
فبدتْ ترائبُ من ربيبٍ شادنٍ ... ذكرَ المليلَ إلى الكناسِ فصارا
رحلتْ عشيَّةَ بطنِ نخلةَ إذْ بدتْ ... وجهاً يضيءُ بياضُهُ الأستارا
كالشمسِ تعجبُ من يرى ويزينُها ... حسبٌ أغرُّ إذا تريدُ فخارا
سقيتْ بوجهكَ كلُّ أرضٍ جبتِها ... ولمثلِ وجهكَ أسقيَ الأمطارا
من ذا نواصلُ إذ صرمتِ حبالَنا ... أو من نحدِّثُ بعدَكِ الأسرارا
هيهاتَ منكَ قعيقهانُ وأهلُها ... بالحرَّتينِ فشطَّ ذاكَ مزارا
سكّنْ فؤادكَ لا يطيرُ به الهوَى ... ولو أنَّ قلبكَ يستطيعُ لطارا
لو يبصِرُ الثَّقفُ البصِيرُ جبينَها ... وصفاءَ خدَّيْها العتيقَ لحارا
وأرى جمالَكِ فوقَ كلِّ جميلةٍ ... وشعاعَ وجهكِ يخطفُ الأبصارا
إنّي رأيتُكِ غادةً خمصانةً ... ريَّا الرَّوادفِ لذَّةً مبشارا
محطوطةِ المتنينِ أكملَ خلقُها ... مثلُ السّبيكةِ بضّةً معطارا
تسقِي الصّديقَ بباردٍ ذي رونقٍ ... لو كانَ في غلسِ الظّلامِ أنارا
وسقتْهُ بشرةُ عنبراً وقرنفلاً ... والزَّنجبيلَ وخلطهنَّ عقارا
стр. 153
والذوبَ من عسلِ السَّراةِ كأنَّما ... غصبَ الأميرُ ببيعِها المشتارا
وكأنَّ نطفةَ بارقٍ وطبرزداً ... ومدامةً قدْ عتّقتْ أعصارا
تجري على أنيابِ بشرةَ كلَّما ... طرقتْ ولا تدري بذاكَ غرارا
يروى بها الظّمآنُ حينَ يسوفهُ ... لذّا المقبّل بارداً مخمارا
ويفوزُ منْ هو في الشّتاءِ شعارُهُ ... أكرمْ بها تحتَ اللّحافِ شعارا
جودِي لمحزونٍ ذهبتِ بعقلِهِ ... لم يقضِ منكِ بشيرَةُ الأوطارا
وإذا ذهبتُ أسومُ قلبيَ خطّةً ... من صرمها ألفيتُهُ خوّارا
واغرورقتْ عينايَ حينَ أسومُهُ ... والقلبُ هاجَ بذكرِها استعبارا
فبتلكَ أهذِي ما حييتُ صبابةً ... وبكِ الحياةَ أشبِّبُ الأشعارا
وقال عمر بن أبي ربيعة:
ألمْ تربعْ على الطّللِ المريبِ ... عفا بينَ المحصَّبِ فالطَّلُوبِ
بمكّةَ دارساً درجتْ عليهِ ... خلافَ الحيِّ ذيلُ صباً هبوبِ
وأقفرَ غير منتضدٍ ونؤيٍ ... أجدَّ الشَّوقَ للقلبِ الطَّروبِ
كأنَّ الرَّبعَ ألبسَ عبقريّاً ... من الجنديِّ أو بزِّ الجروبِ
كأنَّ مقصَّ رامسةٍ عليها ... مع الحدثانِ سطرٌ في عسيبِ
لنعمٍ إذ تعاودهُ هيامٌ ... به أعيا على الحاوي الطّبيبِ
لعمركَ إنّني منْ دينِ نعمٍ ... لكالدَّاعي إلى غيرِ المجيبِ
وما نعمٌ ولو علّقتَ نعماً ... بجازيةِ الثّوابِ ولا مثيبِ
إذا نعمٌ نأتْ بعدتْ وتعدُو ... عوادٍ أنْ تزارَ مع الرَّقيبِ
وإنْ شطّتْ بها دارٌ تعيَّا ... عليهِ أمرهُ بالُ الغريبِ
أسمِّيها لتكتم باسمِ نعمٍ ... ويبدي القلبُ عن شخصٍ حبيبِ
وأكتمُ ما أسمّيها وتبدو ... شواكلُهُ لذي اللَّبِّ الأريبِ
فإمّا تعرضِي عنَّا وتعدِي ... لقولِ ممازحٍ ملقٍ كذوبِ
فكمْ منْ ناصحٍ في آل نعمٍ ... عصيتُ وذي ملاطفةٍ نسيبِ
فهلاَّ تسألِي أفناءَ معدٍ ... وقدْ تبدُو التّجاربُ للّبيبِ
سبقنا بالمكارمِ فاستبحنا ... قرَى ما بينَ مأربَ فالدُّروبِ
بكلِّ قيادِ سلهبَةٍ سبوحٍ ... وسامِي الطّرفِ ذي حضرٍ نجيبِ
ونحنُ فوارسُ الهيجا إذا ما ... رئيسُ القومِ أجمعَ للهروبِ
نقيم على الحفاظ فلنْ ترانا ... نشلُّ نخافُ عاقبةَ الخطوبِ
ويمنعُ سربَنا في الحربِ شمُّ ... مصاليتٌ مساعرُ في الحروبِ
ويأمنُ جارُنا فينا ويلقَى ... فواضلَنا بمختبطٍ خصيبِ
ونعلمُ أنّنا سنبيدُ يوماً ... كما قدْ بادَ من عددِ الشُّعوبِ
فتجتنبُ المقاذعَ حيثَ كانتْ ... ونكتسبُ العلاءَ معَ الكسُوبِ
ولو سئلَتْ بنا البطحاءُ قالتْ ... هم أهلُ الفواضلِ والسّيوبِ
ويشرقُ بطنُ مكّةَ حينَ نضّحي ... به ومناخُ واجبةِ الجنوبِ
وأشعثَ إنْ دعوتُ أجابَ وهناً ... على طولِ الكرَى وعلى الدّؤوبِ
وكانَ وسادهُ أحناءَ رحلٍ ... على أصلابِ ذعلبةٍ هبوبِ
أقيمُ بها سوادَ اللّيلِ نصّاً ... إذا حبَّ الرُّقادُ إلى الهيوبِ
وقال عمر بن أبي ربيعة:
قالَ لي صاحبي ليعلمَ ما بي ... أتحبُّ القتولَ أختَ الرّبابِ
قلتُ وجدِي بها كوجدِكَ بالعذ ... بِ إذا ما منعْتَ بردَ الشَّرابِ
من رسولِي إلى الثّريّا بأنّي ... ضقتُ ذرعاً بهجرها والكتابِ
أزهقتْ أمُّ نوفلٍ إذْ دعتْها ... مهجتِي ما لقاتلي من متابِ
حينَ قالتْ قومِي أجيبي فقالتْ ... من دعانِي قالتْ أبو الخطّابِ
فأجابتْ عندَ الدُّعاءِ كما لبَّى ... رجالٌ يرجونَ حسنَ الثّوابِ
أبرزُوها مثلَ المهاةِ تهادَى ... بينَ خمسٍ كواعبٍ أترابِ
فتبدَّتْ حتّى إذا جنَّ قلبي ... حال دوني ولائدٌ بالثِّياب
وهي مكنونةٌ تحيَّرَ منها ... في أديمِ الخدَّينِ ماءُ الشّبابِ
حين شبَّ القتولُ والعتقُ منها ... حسنُ لونٍ يرفُّ كالزّريابِ
ذكّرتني من بهجةِ الشَّمسِ لمَّا ... طلعتْ منْ دجنّةٍ وسحابِ
دميةٌ عندَ راهبٍ قسِّيسٍ ... صوَّرُوها في مذبَحِ المحرابِ
стр. 154
فارجحنَّتْ في حسنِ خلقٍ عميمٍ ... تتهادَى في مشِيها كالحبُابِ
ثمَّ قالوا تحبُّها قلتُ بهراً ... عدد القطرِ والحصَى والتُّرابِ
سلبتنِي مجاجةُ المسكِ عقلِي ... فسلُوها بما يحلُّ اغتصابِي
وقال عمر بن أبي ربيعة:
خليليَّ مرّا بي على رسمِ منزِلٍ ... وربعٍ لشنباءَ ابنةِ الخيرِ محولِ
أتى دونَهُ عصرٌ فأخنَى برسمِهِ ... خلوجان من ريحٍ جنوبٍ وشمألِ
سرَى جلِّ ضاحِي جلدِهِ ملتقاهُما ... ومرُّ صباً بالمورِ هوجاءُ مجفَلِ
وبدِّلَ بعدَ الحيِّ عيناً سواكِناً ... وخيطَ نعامٍ بالأماعزِ همَّلِ
بما قدْ أرى شنباءَ حيناً تحلُّهُ ... وأترابُها في ناضرِ النّبتِ مبقِلِ
لياليَ تصطادُ القلوبَ بفاحمٍ ... وعيني خذولٍ مونقِ الجوِّ مطفلِ
وجونٍ يثنَّى في العقاصِ كأنَّهُ ... دوانِي قطوفٍ أو أنابيبُ عنصلِ
تضلُّ مداريها خلالَ فرُوعِها ... إذا أرسلَتْهُ أو كذا غيرَ مرسلِ
وتنكَلَّ عن غرٍّ شتيتٍ نباتُهُ ... عذابٍ ثناياهُ لذيذِ المقبَّلِ
كمثلِ أقاحِي الرَّملِ يجلو متونَهُ ... سقوطُ ندىً من آخرِ اللّيلِ مخضلِ
إذا ابتسمتْ قلتَ انكلالُ غمامةٍ ... خفا برقُها في عارضٍ متهلّلِ
كأنَّ سحيقَ المسكِ خالطَ طعمهُ ... وريحَ الخزامَى في جديدِ القرنفلِ
بصهباءَ درياقِ المدامِ كأنَّها ... إذا ما صفا راووقُها ماءُ مفصلِ
وتمشِي على برديَّتينِ غذاهُما ... همايمُ أنهارٍ بأبطحَ مسهلِ
من الحورِ مخماصٍ كأنَّ وشاحَها ... بعسلوجِ غابٍ بينَ غيلٍ وجدوَلِ
قليلةِ إزعاجِ الحديثِ يروعُها ... تعالِي الضّحَى لم تنتطقْ عنْ تفضّلِ
سؤومُ الضّحَى مكورةُ الخلْقِ غادةٌ ... هضيمُ الحشا حسّانةُ المتعطّلِ
فأمستْ أحاديثَ الفؤادِ وهمَّهُ ... وإنْ كانَ منها قدْ غدا لم ينوَّلِ
وقدْ هاجنِي منْها على النأي دمنَةٌ ... لها بقديدٍ دونَ نعفِ المشلّلِ
أرادتْ فلمْ تسطعْ كلاماً وأومأتْ ... إلينا ونصَّتْ جيدَ حوراءِ معزلِ
فقلتُ لأصحابي اربُعوا ساعةٍ ... عليَّ وعوجوا من سواهِمَ ذبلَّ
قليلاً فقالوا إنَّ أمركَ طاعةٌ ... لما تشتهي فاقضِ الهوَى وتأمَّلِ
لكَ اليومَ حتى الليلَ إنْ شئتَ فأتمرْ ... وصدرَ غدٍ أو كلُّهُ غيرَ معجلِ
وإنّا على أن تسعفَ النفسُ بالهوَى ... حراصٌ فما حاولتَ من ذاكَ فافعلِ
ونصُّ المطايا في رضاكَ وحبسُها ... لكَ اليومَ مبذولٌ ولكنْ تحمَّلِ
فلمّا رأيتُ الحبسَ في رسمِ منزلٍ ... سفاهاً وجهلاً بالفؤادِ الموكَّلِ
فقلتَ لهمْ سيُروا فإنَّ لقاءَها ... توافِي الحجيجَ بعدَ حولٍ مكمَّلِ
فما ذكرهُ شنباءَ والدّارُ غربَةٌ ... عنوجٌ وإنْ تجمعْ تضنَّ وتبخلِ
وإنْ تنأ تحدثْ للفؤادِ زمانةً ... وإنْ تقتربْ تعدُ العوادِي وتشغلِ
وإنْ تغدُ لا تحفلْ وإنْ تدنُ لا تصلْ ... وإنْ تنأ لا تصبرْ وإنْ تدنُ تجذَلِ
وإنْ تلتمسْ منّا المودَّةَ نعطِها ... وإنْ تلتمسْ ممّا لديْها تعلَّلِ
فقدْ طالَ لو تبكِي إلى متحوِّبٍ ... بكاكَ إلى شنباءَ يا قلبُ فاحتلِ
أفقْ إنَّما تبكِي إلى متمنّعٍ ... من البخلِ مألوسِ الخليقةِ حوَّلِ
فقدْ كادَ يسلُو القلبُ عنها ومن يطلْ ... عليهِ التَّنائي والتَّباعدُ يذهلِ
على إنَّهُ إنْ يلقَها بعدَ غيبةٍ ... يعدْ لكَ داءٌ عائدٌ غيرُ مرسلِ
فإنَّكِ لا تدرينَ أنْ ربَّ فتيةٍ ... عجالَى ولولا أنتَ لمْ أتعجَّلِ
منعتُهُمُ التَّعريسَ حتَّى بدا لهمْ ... قواربُ معروفٍ منَ الصّبْحِ منجلِي
ينصّونَ بالموماةِ خوصاً كأنَّها ... شرائجُ نبعٍ أو شريٍّ معطَّلِ
دقاقاً براها السَّيرُ منها منعَّلُ ... السَّريحِ وواقٍ من حفاً لمْ ينعَّلِ
فأضحوا جميعاً تعرفُ العينُ فيهمِ ... كرَى النَّومِ مسترْخي العمائمِ ميَّلِ
على هدمٍ جحدِ الثَّرى ذي مسافةٍ ... مخوفِ الرَّدى عاري السَّلائقِ مجهَلِ
стр. 155
ترى جيفَ الحفّانِ فيهِ كأنَّها ... خيامٌ على ماءِ حديثٍ بمنهلِ
إرداةَ أن ألقاكِ يا أثلَ والهوَى ... كذلكَ حمَّالُ الفتَى كلَّ محملِ
فبعضَ البعادِ يا أثيلَ فإنَّنِي ... تروكُ الهوَى عنِ الهوانِ بمعزلِ
أبى لِي ربِّي أنْ أضامَ وصارمٌ ... حسامٌ وعزٌّ من حديثٍ وأوَّلِ
مقيمٌ بإذنِ الله ليسَ ببارحٍ ... مكانَ الثُريّا قاهرٌ غيرُ منزلِ
أقرَّتْ معدٌّ إنَّنا نحنُ خيرُها جدّى ... لطالبِ عرفٍ أو لضيفٍ محّولِ
مقاويلُ بالمعروفِ خرسٌ عنِ الخَنا ... قضاةٌ بفصلِ الحقِّ في كلِّ محفلِ
أخوهمْ إلى حصنٍ منيعٍ وجارهمْ ... بعلياءِ عنٍّ ليسَ بالمتذلّلِ
وفينا إذا ما حادثُ الدَّهرِ أجحفتْ ... نوائبُهُ والدَّهرُ جمُّ التنقُّلِ
لذي الغرمِ أعوانٌ وبالحقِّ قائلٌ ... وللحقِّ تبَّاعٌ وللحربِ مصطلِي
وللخيرِ كسَّابٌ وللمجدِ رافعٌ ... وللحمدِ أعوانٌ وللخيرِ معتلِ
نبيحُ حصونَ من نعادِي وحصننا ... أشمُّ منيعٌ حزنُهُ لم يسهَّلِ
نقودُ ذلولاً من نعادي وقرمُنا ... أبيُّ القيادِ مصعبٌ لم يذلَّلِ
نفلِّلُ أنيابَ العدُوِّ ونابُنا ... حديدٌ شديدٌ ورقهُ لمْ نذلّلِ
أولئكَ آبائي وعزمِي ومعقِلي ... إليهمْ أثيلَ فاسألِي أيَّ معقلِ
وقال عمر أيضاً:
ألمْ تسألِ الأطلالَ والمترَبَّعا ... ببطنِ حليَّاتٍ دوارسَ بلقَعا
إلى السَّرحِ من وادي المغمَّسِ بدِّلتْ ... معالمهُ وبلاً ونكباءَ زعزَعا
فيبخلنَ أو يخبرنَ بالعلمِ بعدَما ... نكأنَ فؤاداً كان قدماً مفجَّعا
بهندٍ وأترابٍ لهند إذ الهوَى ... جميعٌ وإذ لم نخشَ أنْ نتصدَّعا
وإذا نحنُ مثلُ المزنِ كانَ مزاجُهُ ... كما صفقَ السّاقي الرَّحيقَ المشعشعا
وإذ لا نطيعُ العاذلينَ ولا نرَى ... لواشٍ لدينا يطلبُ الصّرْمَ موضعا
تنوعتنَ حتَّى عاودَ القلبَ سقمُهُ ... وحتّى تذكرتُ الحديثَ المودَّعا
فقلتُ لمطريهنَّ في الحسنِ إنَّما ... ضررتَ فهلْ تسطيعُ نفعاً فتنفعا
وشرَّيتَ فاستشرى وقدْ كانَ قد صَحا ... فؤادٌ بأمثالِ المَها كانَ موزَعا
وهيَّجتَ قلباً كانَ قدْ ودَّعَ الصِّبا ... وأشياعَهُ فاشفعْ عسَى أنْ تشفَّعا
فقالَ اكتفلْ ثمَّ التثمْ فأتِ باغياً ... نسلِّمْ ولا تكثرْ بأنْ تتورَّعا
فإنَّي سأخفِي العينَ عنكَ فلا ترَى ... مخافةَ أن يفشُو الحديثَ فيسمعَا
فأقبلتُ أهوِي مثلَ ما قالَ صاحِبي ... لموعدِهِ أزجي قعوداً موقعاً
فلمّا تواقفنا وسلّمتْ أشرقتْ ... وجوهٌ زهاها الحسنُ أنْ تتقنّعا
تبالهنَ بالعرفانِ لمّا عرفننِي ... وقلنَ امرؤٌ باغٍ أكلَّ وأوضعا
وقرّبنَ أسبابَ الهوى لمتيَّمٍ ... يقيسُ ذراعاً كلّما قسنَ إصبَعا
فلمّا تنازعْنا الأحاديثَ قلنَ لي ... أخفتَ علينا أنْ تغرَّ وتخدَعا
فبالأمسِ أرسلْنا بذلكَ خالداً ... إليكَ وبيّنّا لهُ الشّأنَ أجمَعا
فما جئتنا إلاّ على وفقِ موعدٍ ... على ملاءٍ مّنا خرجنا لهُ معا
رأينا خلاءً من عيونٍ ومجلِساً ... دميثَ الرُّبا سهلَ المحلَّةِ ممرِعا
وقلنَ كريمٌ نالَ وصلَ كرائمٍ ... فحقَّ بنا في اليومِ أنْ نتمتَّعا
وقال عمر أيضاً:
تشطُّ غداً دارُ جيرانِنا ... وللدّارُ بعدَ غدٍ أبعدُ
إذا جاوزَتْ غمرَ ذي كندَةٍ ... معَ الرَّكبِ قصدٌ لها الفرقدُ
يحثُّ الحداةُ بها عيرَها ... سراعاً إذا ماونتْ تطرَدُ
هنالكَ أمّا تعزِّي الهوَى ... وإمَّا على إثرهِمْ تكمدُ
ولستَ ببدعٍ لئنْ دارُها ... نأتْ والعزاءُ إذنْ أجلدُ
دعانِيَ منْ شيبِ القّذا ... ل رئمُ لهُ عنُقٌ أغيدُ
وعينٌ تصابي وتدعُو الفتَى ... لما تركُهُ للفتَى أرشَدُ
صرمتُ وواصلُتُ حتَّى علمتُ ... أينَ المصادرُ والموردُ
وجرَّبتُ من ذاكَ حتَّى عرفتُ ... ما أتوقَّى وما أعمِدُ
فإنَّ التي شيَّعتْها الفتاةُ ... في الخدرِ قلبي بها مقصَدُ
стр. 156
أقولُ وقدْ جدَّ من بينهمِ ... غداةَ إذٍ عاجلٌ موفدُ
ألستَ مشيّعنا ليلةً ... فتقضِي اللّبانةَ أو تعهدُ
فقلتُ بلَى قلَّ لِي عندَكمْ ... كلالُ المطِيِّ إذا تجهَدُ
فعودِي إليها فقولي لها ... مساءَ غدٍ لكمُ الموعِدْ
وآيةُ ذلكَ أنْ تسمعِي ... إذا جاءكُمُ ناشدٌ ينشدُ
فرُحنا سراعاً وراحَ الهوَى ... دليلاً إليكُمْ بنا يقصدُ
فلمّا دنوْنا ... لجرسِ النُّباحِ وللضوْءِ والحيُّ لم يرقدُوا
نأينا عنِ الحيِّ حتّى إذا ... تودَّعَ من نارِها الموقِدُ
بعثْنا لنا باغياً ناشداً ... وفي الحيِّ بغيةُ من أنشدُ
فقامتْ فقلتُ بدتْ صورةٌ ... من الشَّمسَ شيَّعَها الأسعدُ
فجاءتْ تهادَى على رقبَةٍ ... منَ والخوفِ أحشاؤُها ترعدُ
تقولُ وتظهِرُ وجداً بنا ... ووجدِي ولوْ أظهرتُ أوجدُ
ألا منْ شقائي تعلّقتُكُمْ ... وقدْ كانَ لي عنكُمُ مقعدُ
وكفَّتْ سوابقَ من عبرَةٍ ... على الخدِّ جالَ بها إثمدُ
عراقيَّةٌ وتهامِي الهَوى ... يغورُ بمكّةَ أو ينجدُ
وقال عمر أيضاً:
أفي رسمِ دارٍ أنتَ واقفُ ... بقاعٍ تعفَّتْهً الرِّياحُ العواصفِ
بما حازتِ الشَّعباءُ فالخيمَةُ التي ... قفا محرضٍ كأنَّهنَّ صحائفُ
سحا تُربَها أرواحُها فكأنَّما ... أحالَ عليها بالرَّغامِ النَّواسِف
وقفتُ بها لا منْ أسائلُ ناطقٌ ... ولا أنا إذْ لمْ ينطقِ الرَّسمَ صارفُ
ولا أنا عمَّنَ يألفُ الرَّبعَ ذاهلٌ ... ولا التَّبلُ مردودٌ ولا القلبُ عازفُ
ولا أنا ناسٍ مجلِساً زارَنا بهِ ... عشاءً ثلاثٌ كاعبانِ وناصفُ
أسيلاتُ أبدانٍ دقاقٌ خصورُها ... وثيراتُ ما التفّتْ عليهِ الملاحفُ
إذا قمنَ أو حاولنَ مشياً تأطُّراً ... إلى حاجةٍ مالتْ بهنَّ الرَّوادفُ
نواعمُ ما يدرِينَ ما عيشُ شقوةٍ ... ولا هنَّ نمّاتُ الحديثِ زعانفُ
إذا مسّهنَّ الرَّشحُ أو ساقطَ النَّدَى ... تضوَّعَ بالمسكِ السَّحيقِ المشارفُ
يقلنَ إذا ما كوكبٌ غارَ ليتَهُ ... بحيثُ رأيناهُ عشاءً يخالفُ
لثنا بهِ ليلَ التّمامِ بلذَّةٍ نعمناهُ ... حتَّى جلا الصّبحَ كاشفُ
فلمّا هممنا بالتفرُّقِ أعجلتْ بقايا ... اللّباناتِ الدُّموعُ الذّوارفُ
وأصعدنَ في وعثِ الكثيبِ تأوُّداً ... كما اجتازَ في الوحلِ النّعاجُ الخوارفُ
فأتبعتُهنَّ الطَّرفَ متَّبلَ الهَوى ... كأنّي يعانيني من الجنِّ طائفُ
تعفّي على الآثارِ أنْ تعرفَ الخُطا ... ذيولَ الثّيابِ يمنةٌ ومطارفُ
دعاهُ إلى هندٍ تصابٍ ونظرةٌ ... تدلِّي إلى أشياءَ فيها متالفُ
سبتْهُ بوحفٍ في العقاصِ كأنَّهُ ... عناقيدُ دلاَّها من الكرمِ قاطفُ
وجيدِ خذولٍ بالصَّريمةِ مغزلٍ ... ووجهٍ حمِيِّ أضرعتهُ المخاوِفُ
فكلُّ الذي قدْ قلتِ يومَ لقيتُكُمْ ... على حذرِ الأعداءِ للقلبِ شاعفُ
وحبُّكِ داءٌ للفؤادِ مهيِّجٌ ... سقاماً إذا ناحَ الحمامُ الهواتِفُ
ونشرُكِ شافٍ للذِي بي منَ الجَوى ... وذكركِ ملتذٌّ على النَّومْ طارفُ
وقربُكِ إنْ قاربتِ للشَّملِ جامعٌ ... وإنْ بنتِ يوماً بانَ منْ أنا آلفُ
وإن راجعتْهُ في التَّرسُّلِ لم يزلْ ... له من أعاجيب الحديثِ طرائفُ
فإنْ عاتبتُهُ مرَّةً كانَ قلبُهُ ... لها ضلعُهُ حتّى تعودَ العواطفُ
فكلُّ الذي قدْ قلتِ قدْ كانَ ذكرهُ ... على القلبِ قرْحاً ينكأ القرحَ قارفُ
بصيرٌ بممشاها وإنْ كانَ بينَنا ... وبينَهمُ بعدَ المحلِّ تنائفُ
أثيبي ابنة المكنِيِّ عنهُ بغيرهِ ... وعنكِ سقاكِ الغادياتُ الرَّوادِفُ
على أنَّها قالتْ لأسماءَ سلِّمي ... عليهِ وقولِي حقَّ ما أنتَ خائفُ
أرى الدَّهرَ قدْ شطَّتْ بنا عنْ نواكمُ ... نوىً غربَةٌ فانظُر لأيٍّ تساعفُ
فقلتُ أجلْ لا شكَّ قدْ نبَّأتْ بهِ ... ظباءٌ جرتْ فاعتافَ من هوَ عائفُ
стр. 157
فقالتْ لها قولِي ألستَ بزائرٍ ... بلادِي وإنْ قلّتْ هناكَ المعارفُ
كما لو ملكنْا أنْ نزورَ بلادكُمْ ... فعلْنا ولمْ يكبُرْ علينا التَّكاليفُ
فقلتُ لها قولِي لها قلَّ عندَنا ... لها جشمُ الظّلماءِ فيما يصادفُ
ونصِّي إليكِ العيسَ شاكيةَ الوَجا ... مناسِمها ممّا تلاقي رواعِفُ
براهنَّ نصِّي والتَّهجُّرُ كلَّما ... توقَّدَ مسمومٌ من اليومِ صائفُ
تحسَّرُ عنهنَّ العرائكُ بعدَما ... بدأنَ وهنَّ المفقراتُ العلائفُ
وإنّي زعيمٌ أنْ تقرِّبَ فتيَةٌ ... إليكِ معيداتُ السِّفارِ عواطفُ
وقال عمر أيضاً:
جرى ناصحٌ بالودِّ بينِي وبينَها ... فقرَّ بني يومَ الحصابِ إلى قتلِي
فطارتْ بحدٍّ من فؤادِي ونازعتْ ... قرينتَها حبلَ الصّفاءِ إلى حبلِي
فما أنسَ ملأشياءِ لا أنسَ موقفِي ... وموقفَها وهناً بقارعةٍ النخلِ
فلمّا تواقفنا عرفتُ الذي بها ... كمثلِ الّذي بي حذوكَ النعلَ بالنعلِ
فقلنَ لها هذا عشاءٌ وأهلُنا ... قريبٌ ألمّا تسأمِي مركبَ البغلِ
فقالتْ فما تهوينَ قلنَ لها انزلِي ... فللأرضُ خيرٌ من وقوفٍ على رجلِ
وقمنَ إليها كالدُّمَى فاكتنفنها ... وكلٌّ يفدِّي بالمودَّةِ لا يؤلِي
نجومٌ دراريُّ تكنَّفنَ صورةً ... من البدرِ وافتْ غيرُ هوجٍ ولا خجلِ
فسلّمتُ وأستأنستُ خيفةَ أنْ يرى ... عدوٌّ مكاني أو يرى كاشحٌ فعلِي
فقالتْ وأرختْ جانبَ السِّترِ إنَّما ... معِي فتحدَّثْ غيرَ ذي رقبةٍ أهلِي
فقلْتُ لها ما بي لهمْ من ترقّبٍ ... ولكن سرِّي ليس يحمله مثلي
فلمّا اقتصَرْنا دونهنَّ حديثنا ... وهنَّ طبيباتٌ بحاجةِ ذي الشَّكْلِ
عرفنَ الذي نهوَى فقُلْنَ لها ائذني ... نطفْ ساعةً في طيبِ رملٍ وفي سهلِ
فقالتْ فلا تلبثنَ قلنَ تحدَّثي ... بلغناكِ واستجمعنَ مورَ مها الرَّملِ
فقمنَ وقدْ أفهمنَ ذا اللُّبِّ إنَّما ... فعلنَ الذي يفعلنَ من ذاكَ من أجلِي
جرير بن عطية
قال جرير بن عطيّة بن الخطفى، وهو حذيقة بن بدر بن سلمه بن عوف بن كليب بن يربوع بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم يهجو عمرَ بن لجأ التيمي من تيم الرّباب، وقرأتُها على شيخي أبي محمّد بن الخشّاب حفظاً في جملةِ ديوان جرير، وقيلَ: خيرُ شعره:
حيِّ الهدملةَ من ذاتِ المواعيسِ ... فالحنوَ أصبحَ قفراً غيرَ مأنوسِ
بينَ المخيصرِ والعزّافِ منزلةٌ ... كالوحِي من عهدِ موسَى في القراطيسِ
حيِّ الدِّيارَ التي شبَّهتُها خللاً ... أو منهجاً من يمانٍ محَّ ملبُوسِ
لا وصلَ إذ صرمتْ هندٌ ولو وقفتْ ... لاستفتنتني وذا المسحينِ في القوسِ
لو لمْ تردْ قتلَنا جادتْ بمطرفٍ ... ممّا يخالطُ حبَّ القلبِ منفوسِ
قدْ كنتِ خدناً لنا يا هندُ فاعتبري ... ما غالكِ اليومَ من شيبي وتقويسي
لمّا تذكّرتُ بالديرينِ أرَّقني ... صوتُ الدَّجاجِ وقرعٌ بالنَّواقيسِ
فقلتُ للرّكبِ إذ جدَّ المسيرُ بنا ... يا بعدَ يبرينَ منْ بابِ الفراديسِ
علَّ الهوى من بعيدٍ أنْ تقرّبَهُ ... أمُّ النُّجومِ ومرُّ القومِ بالعيسِ
لو قدْ علونَ سماوياً مواردُهُ ... من نحوِ دومةِ خبتٍ قلَّ تعريسِي
هل دعوةٌ منْ جبالِ الثلجِ مسمعةٌ ... أهلَ الإيادِ وحيّاً بالنَّباريسِ
إنّي إذا الشّاعرُ المغرورُ حرَّبنِي ... جارٌ لقبرٍ على مرّانَ مرموسِ
قدْ كانَ أشوسَ أبّاءً فأورثنا ... شغباً على النَّاسِ في أبنائه الشُّوس
تحمِي ونغتصبُ الجبّارُ نجنُبُهُ ... في محصدٍ من حبالِ القدِّ محموسِ
يخزَى الوشيظُ إذا قالَ الصّميمُ لهمْ ... عدُّوا الحصى ثمَّ قيسُوا بالمقاييس
لا يستطيعُ امتناعاً فقعُ قرقرةٍ ... بينَ الطَّريقينِ بالبيدِ الأمالِيسِ
وابنُ اللّبون إذا ما لزَّ في قرنٍ ... لم يستطِعْ صولةَ البزلِ القناعيسِ
إنّا إذا معشرٌ كشَّتْ بكارتُهمْ ... صلنا بأصيدَ سامٍ غيرِ معكوسِ
стр. 158
هل منْ حلومٍ لأقوامٍ فينذرهمْ ... ما جرَّبَ القومُ من عضّي وتضريسِي
إنّي جعلتُ فما ترجَى معاسرَتِي ... نكلاً لسمتصعَبِ الشَّيطانِ عترِيسِ
أحمِي مواسمَ تشْفي كلَّ ذي خطلٍ ... مسترضعٍ بلبانِ الجنِّ مسلُوسِ
منْ يتّبعْ غيرَ متبوعٍ فإنَّ لنا ... في ابنيْ نزارٍ نصيباً غيرَ مخسوسِ
وابنا نزارٍ أحلاّني بمنزلةٍ ... في رأسِ أرعنَ عاديِّ القداميسِ
إنّي امرؤٌ من نزارٍ في أرومتهمْ ... مستحصدٌ أجمي فيهمْ وعرِّيسِي
لا تفخرنَّ على قومٍ عرفتَ لهمْ ... نورَ الهدَى وعرينَ العزِّ ذي الخيسِ
قومٌ لهمْ خصَّ إبراهيمُ دعوتَهُ ... إذ يرفعُ البيتَ سوراً فوقَ تأسِيسِ
نحنُ الّذينَ ضربْنا النّاسَ عنْ عرضٍ ... حتّى استقامُوا وهمْ أتباعُ إبليسِ
أقصرْ فإنَّ نزاراُ لنْ يفاضِلَها ... فرعٌ لئيمٌ وأصلٌ غيرُ مغروسِ
قدْ جرَّبتْ عركِي في كلِّ معتركٍ ... غلبُ الأسودِ فما بالُ الضّغابيسِ
يلقَى الزَّلازلَ أقوامٌ دلفتُ لهمْ ... بالمنجنيقِ وصكّاً بالملاطيسِ
لمّا جمعتُ غواةَ النَّاسِ في قرنٍ ... غادرتُهمْ بينَ محسورٍ ومفروس
كانوا كهاوٍ ردى منْ حالقي جبلٍ ... ومغرقٍ في حبابُ الماءِ مغموسِ
خيلي التي وردتْ نجرانَ ثمَّ ثنتْ ... يومَ الكلابِ بوردٍ غيرِ محبوسِ
قد أفعمتْ وادييْ نجرانَ معلمةً ... بالدَّارِ عينَ وبالخيلِ الكراديسِ
قد نكتسي بزَّةَ الجبّارِ نجنبُهُ ... والبيضَ نضرِبها فوقَ القوانيسِ
نحنُ الذينَ هزَمْنا جيشَ ذي نجبٍ ... والمنذرينِ اقتسرْنا يومَ قابُوسِ
تدعوكَ تيمٌ وتيمٌ في قرَى سبأٍ ... قدْ عضَّ أعناقَها جلدُ الجواميسِ
والتّيمُ ألأمُ منْ يمشِي وألأمهمْ ... أولادُ ذهلٍ بنو السُّودِ المدانيسِ
تدعى لشرِّ أبٍ يامرفقيْ جعلٍ ... في الصيفِ تدخلُ نقباً غيرَ مكنوسِ
وقال جرير بجيب الفرزدق، ويردُّ عليه، وهي في النقائض:
لمنِ الدِّيارُ رسومهنَّ بوالِ ... أقفرنَ بعدَ تأنُّسٍ وحلالِ
عفى المنازلَ بعدَ منزلنا بها ... مطرٌ وعاصفُ نيرجٍ مجفالِ
عادتْ تقايَ على هوايَ وربَّما ... حنَّتْ إذا ظعنَ الخليطُ جمالِي
إنّي إذا بسطَ الرّماةُ لغلوِهم ... عندَ الحفاظِ غلوتُ كلَّ مغالِي
رفعَ المطِيُّ بما وسمتُ مجاشعاً ... والزَّنبَرِيُّ يعومُ ذو الأجلالِ
في ليلتينِ إذا حذَوتُ قصيدَةً ... بلغتْ عمانَ وطيِّئَ الأجبالِ
هذا تقدُّمُنا وزجرِي مالِكاً ... لا يودينَّكَ حينُ قينِكَ مالِ
لمّا رأوا رجمَ العذابِ يصيبُهمْ ... كانَ القيونُ كساقةِ الأفيالِ
يا قرطُ إنَّكمُ قرينةُ خزيةٍ ... واللؤمُ معتقلٌ قيونُ عقالِ
أمسَى الفرزدقُ للبعيثِ جنيبةُ ... كابنِ اللّبونِ قرنتَهُ المشتالِ
أرداكَ قينكَ يا فرزدقُ محلِباً ... ما زادَ قومكَ ذاكَ غيرَ خبالِ
ولقدْ وسمتْ مجاشعاً بأنوفِها ... ولقدْ كفيتكَ مدحةَ ابن جعالِ
فانفخْ بكيركَ يا فرزدقُ إنّني ... في باذخٍ لمحلِّ بيتكَ عالِ
لمّا وليتُ لثغرِ قومِي مشهداً ... آثرتُ ذاكَ على بنِيَّ ومالِ
إنّي ندبتُ فوارسِي وفعالَهُمْ ... وندبتَ شرَّ فوارسٍ وفعالِ
نحنُ الولاةُ لكلِّ حربٍ تتقَى ... إذْ أنتَ محتضرٌ لكيركَ صالِ
من مثلُ فارسِ ذي الخمارِ وقعنبٍ ... والحنتفينِ لليلةِ البلبالِ
والرِّدفِ إذ ملكَ الملوكَ ومنْ لهُ ... عظمُ الدّسائعِ كلَّ يومِ فضالِ
الذّائدونَ إذا النّساءُ تبدّلتْ ... شهباءَ ذاتَ قوانسٍ ورعالِ
قومٌ همُ غمُّوا أباكَ وفيهمِ ... حسبٌ يفوتُ بني قفيرةَ عالِ
إنّي لتستلبُ الملوكَ فوارسِي ... وينازلونَ إذا يقالُ نزالِ
من كلِّ أبيضَ يستضاءُ بوجههِ ... نظرَ الجحيجِ إلى خروجِ هلالِ
تمضي اسنّتنا وتعلمُ مالكٌ ... أنْ قدْ منعتُ حزونتِي ورمالِي
فاسألُ بذي نجبٍ فوارِسَ عامرٍ ... واسألْ عيينةَ يومَ جزعِ ظلالِ
стр. 159
ولربَّ معضلةٍ دفعنا بعدَما ... عيَّ القيونُ بحيلةِ المحتالِ
إنَّ الجيادَ يبتنَ حولَ قبابنا ... من آل أعوجَ أو لذِي العقّالِ
منْ كلِّ مشترفٍ وإنْ بعدَ المدَى ... ضرمِ الرِّقاقِ مناقلِ الأجرالِ
متقاذفٍ تلعٍ كأنَّ عنانَهُ ... علقٌ بأجردَ من جذوعِ أوالِ
صافي الأديمِ إذا وضعتَ جلالَهُ ... ضافِي السَّبيبِ يبيتُ غيرَ مذالِ
والمقرباتُ نقودهنَّ على الوَجَى ... بحثَ السِّباعِ مدامِعَ الأوشالِ
تلكَ المكارمُ يا فرزدقُ فاعترفْ ... لا سوقُ بكركَ يومَ جوفِ أبالِ
أبنِي قفيرةَ من يوزِّعُ وردَنا ... أم منْ يقومُ لشدَّةِ الأحمالِ
أحسبتَ يومكَ بالوقيظِ كيومِنا ... يومَ الغبيطِ بقلّةِ الأدحالِ
ظلَّ اللهازمُ يلعبونَ بنسوةٍ ... بالجوِّ يومَ يفخنَ بالأبوالِ
يبكينَ من حذرِ السّباءِ عشيَّةَ ... ويملنَ بينَ حقائبٍ ورحالِ
لا يخفينَّ عليكَ أنَّ مجاشعاً ... شبهُ الرَّجالِ وما همُ برجالِ
مثلُ الضّباعِ يسفْنَ ذيخاً رائحاً ... ويخرنَ في كمرٍ ثلاثَ ليالِ
وإذا ضئينُ بني عقالٍ ولدّتْ ... عرفوا مناخرَ سخلِها الأطفالِ
أمّا سبابي فالعذابُ عليهمُ ... والموتُ للنَّخباتِ عندَ قِتالِي
كالنّيبِ خرَّمَها الغمائمُ بعدَما ... ثلَّطنَ عنْ حرضٍ بجوفِ أثالِ
جوفٌ مجارفُ للخزيرِ وقدْ أوَى ... سلبَ الزُّبيرِ إلى بنِي الذَّيّالِ
ودعا الزّبيرُ مجاشعاً فتزمزمَتْ ... للغدرِ ألأمُ آنفٍ وسبالِ
يا ليتَ جارَكمُ الزُّبيرَ وضيفكُمْ ... إيّاي لبَّسَ حبلَهُ بحبالِي
اللهُ يعلمُ لو تناولَ ذمَّةً ... منّا لجزِّعَ في النُّحُورِ عوالِي
وتقولُ جعثنِ إذ رأتكَ مقنعاً ... قبّحتَ منْ أسدٍ أبي أشبالِ
ألوى بها شذبُ العروقِ مشذّبٌ ... فكأنَّما وكنتْ على طربالِ
باتتْ تناطحُ بالحبوبِ جبينَها ... والرُّكبتينِ مدافعَ الأوعالِ
ما بالُ أمِّكَ إذْ تسربلَ درعَها ... ومنَ الحديدِ مفاضةٌ سربالِي
شابتْ قفيرَةُ وهي فائرةُ النَّسا ... في الشَّولِ بينَ أصرَّةٍ وفصالِ
بكرتْ معجِّلةً يشرشِرُ بظْرَها ... قتبٌ ألحَّ على أزبَّ ثفالِ
قبحَ الإلهُ بني خضافِ ونسوةً ... باتَ الخزيرُ لهنَّ كالأحقالِ
من كلِّ آلفةِ المواخِر تتَّقِي ... بمجرَّدٍ كمجرَّدِ البغّالِ
قامتْ سكينةُ للفجورِ ولمْ تقُمْ ... أختُ الحتاتِ لسورَةِ الأنفالِ
ودَّتْ سكينةُ أنَّ مسجدَ قومِها ... كانتْ سواريهِ أيورُ بغالِ
ولدَ الفرزدقَ والصَّعاصعَ كلَّهمْ ... علجٌ كأنَّ بظورهنَّ مقالِ
يا ضبَّ قد فرغتْ يمينِي فاعلمُوا ... خلواً وما شغلَ القيونُ شمالي
يا ضبَّ علّي أنْ تصيبَ مواسِمِي ... كوزاً على حنقِي ورهطَ بلالِ
يا ضبَّ إنِّ قدْ طبخْتُ مجاشعاً ... طبخاً يزيلُ مجامعَ الأوصالِ
يا ضبَّ لولا حينكُمْ ما كنتمُ ... غرضاً لنبلِي حينَ جدَّ نضالِي
يا ضبَّ إنَّكمُ البكارُ وإنَّني ... متخمّطٌ قطمٌ يخافُ صيالي
يا ضبَّ غيركمُ الصَّميمُ وأنتمُ ... تبعٌ إذا عدَّ الصَّميمُ موالِي
يا ضبَّ إنَّكمُ لسعدٍ حشوَةٌ ... مثلُ البكارُ ضممتَها الأغفالِ
يا ضبَّ إنَّ هوَى القيونِ أضلّكمْ ... كضلالِ شيعةِ أعورَ الدّجَّالِ
وقال جرير يردُّ على الفرزدق، وهي في النقائض:
ما هاجَ شوقكَ من رسومِ ديارِ ... بلوَى عنيقٍ أو بصلبِ مطارِ
أبقَى العواصفُ من بقيَّةِ رسمِها ... شذبَ الخيامِ ومربطَ الأمهارِ
أمنَ الفراقِ لقيتَ يومَ عنيزةٍ ... كهواكَ يومَ شقائقِ الأحفارِ
ورأيتُ نارَكِ إذا أضاءَ وقودُها ... فرأيتُ أحسنَ مصطلينَ ونارِ
أمّا البعيثُ فقدْ تبيَّنَ أنَّهُ ... عبدٌ فعلَّكَ في البعيثِ تمارِي
واللُّؤمُ قدْ خطبَ البعيثَ وأرزقت ... أم الفرزدق عند شرّ حوار
إن الفررذق والبعيث وأمَّهُ ... وأبا البعيثِ لشرُّ ما إستارِ
стр. 160
طاحَ الفرزدقُ في الرِّهانِ وغمَّهُ ... غمرُ البديهةِ صادقُ المضمارِ
ترجُو الهوادةَ يا فرزدقُ بعدَما ... أطفأتَ ناركَ واصطليتَ بنارِي
إنِّي ليحرقُ منْ قصدتُ لشتمهِ ... نارِي ويلحقُ بالغواةِ سعاري
تبّاً لفخركَ بالضَّلالِ ولمْ يزلْ ... ثوبا أبيكَ مدنَّسينِ بعارِ
ماذا تقولُ وقدْ علوتُ عليكمُ ... والمسلمُونَ لمِا أقولُ قوارِي
وإذا سألتَ قضَى القضاةُ عليكُمُ ... وإذا افتخرتَ علا عليكَ فخارِي
فأنا النّهارُ علا عليكَ بضوئهِ ... واللّيلُ يقبضُ بسطةَ الأبصارِ
إنَّا لنربَعُ بالخميسِ ترَى لهُ ... رهجاً ونضربُ قونسَ الجبّارِ
إذ لا تغارُ على النّساء مجاشعٌ ... يومَ الحفاظِ ولا يفونَ لجارِ
أنَّي لقومكَ مثلَ عدوَةِ خيلِنا ... بالشَّعبِ يومَ مجزَّلِ الأمرارِ
قومي الّذين يزيدُ سمعِي ذكرهمْ ... سمعاً وكانَ بضوئهِمْ إبصارِي
والمورِدونَ على الأسنَّةِ قرَّحاً ... حمراً مساحلهنَّ غيرَ مهارِ
هلْ تشكرونَ لمنْ تدارَكَ سبيكُمْ ... والمُرْدفاتُ يملنَ بالأكوارِ
إنّي لتعرَفُ في الثغورِ فوارِسِي ... ويفرِّجونَ قتامَ كلِّ غبارِ
نحنُ البناةُ دعائِماً وسوارياً ... يعلونَ كلَّ دعائمٍ وسوارِي
تدعُو ربيعةُ والقميصُ مفاضَةٌ ... تحتَ النِّجادِ تشدُّ بالأزرارِ
إنَّ البعيثَ وعبدَ آلِ مقاعسٍ ... لا يقرآنِ بسورةِ الأحبارِ
أبلغْ بني وقبانَ أنَّ نساءَهمْ ... خورٌ بناتُ موقّعٍ خوّارِ
كنتمْ بني أمةٍ فأغلقَ دونكمْ ... بابُ المكارمِ يا بني النَّخوارِ
أبنِي قفيرةَ قدْ أناخَ إليكمُ ... يومَ التَّقاسمِ لؤمُ آلِ نزارِ
إنَّ اللّئامِ بنِي اللّئامِ مجاشعٌ ... والأخبثينَ محلَّ كلِّ إزارِ
إنَّ المواجنَ منْ بناتِ مجاشعٍ ... مأوى اللّصوصِ وملعَبُ العهَّارِ
تبكِي المغيبةُ من بناتِ مجاشعٍ ... ولهَى إذا سمعتْ نهيقَ حمارِ
لا تبتغي كمراً بناتُ مجاشعٍ ... ويردنَ مثلَ بيازرِ القصّارِ
أبنيَّ شعرةَ ما أردتَ وحربُنا ... بعدَ المراسِ شديدةُ الإضرارِ
سارَ القصائدُ فاستبحنَ مجاشعاً ... ما بينَ مصرَ إلى جنوبِ وبارِ
يتلاومونَ وقدْ أباحَ حريمَهمْ ... قينٌ أحلَّهمُ بدارِ بوارِ
أعليَّ تغضبُ أنْ قفيرةُ أشبهتْ ... منهُ مكانَ مقلَّدٍ وعذارِ
نامَ الفرَزْدَقُ عنْ نوارَ كنومِهِ ... عنْ عقرِ جعثنَ ليلةَ الإخفارِ
قال الفرزدقُ إذ أتاهُ حديثُها ... ليستْ نوارُ مجاشعٍ بنوارِ
تدعُو ضريسَ بَني الحتاتِ إذا انتشتْ ... وتقولُ ويحكَ من أحسَّ سوارِي
إنَّ القصائدَ لنْ تزالَ سوانِحاً ... بحديثِ جعثنَ ما ترنَّمَ سارِي
لمّا بنَى الخطفَى رضيتُ بما بنَى ... وأبُو الفرَزدَقِ نافخُ الأكيارِ
ويبيتُ يشربُ عندَ كلِّ مقصِّصٍ ... خضلِ الأناملِ واكفَ المعصارِ
لا تفخرَنَّ فإنَّ دينَ مجاشعٍ ... دينُ المجوسِ تطوفُ حولَ دوارِ
وقال جرير أيضاً يجيبُ الفرزدق:
ألا حيِّ ربعَ المنزلِ المتقادمِ ... وما حلَّ مذ حلَّتْ بِهِ أمُّ سالمِ
تميميَّةٌ حلَّتْ بحومانةَ قساً ... حمَى الخيلِ ذادتْ عن قسىً فالصَّرائمِ
أبيتِ فما تقضينَ ديناً وطالَما ... بخلتِ بحاجاتِ الصَّديقِ المكارمِ
بنا كالجوَى ممّا نخافُ وقدْ نرَى ... شفاءَ القلُوبِ الصّادياتِ الحوائمِ
أعاذلَ هيجينِي لبينٍ مصارمٍ ... غداً أو ذرينِي من عتابِ الملاومِ
أغرَّكِ منّي أنَّما قادَنِي الهوَى ... إليكِ وما عهدٌ لكنَّ بدائمِ
ألا ربَّما هاجَ التَّذكُّرُ والهوَى ... بتعلةَ أعشاشٍ دموعِ السَّواجمِ
عفتْ قرقرَى والوشمُ حتَّى تنكَّرتْ ... معارفُها والخيمُ ميلُ الدَّعائمِ
وأقفرَ وادِي ثرمداءَ وربَّما ... تدانَى بذِي بهدَى حلولُ الأصارمِ
لقدْ ولدتْ أمُّ الفرزدقِ فاجراً ... فجاءتْ بوزوازٍ قصيرِ القوائمِ
стр. 161
وما كانَ جارٌ للفرزدقِ مسلمٌ ... ليأمنَ قرداً ليلهُ غيرُ نائمِ
يوصّلُ حبليهِ إذا جنَّ ليلُهُ ... ليرقَى إلى جاراتِه بالسَّلالِمِ
أتيتَ حدودَ اللهِ مذْ كنتَ يافعاً ... وشبتَ فما ينهاكَ شيبُ اللهازمِ
تتبَّعُ في الماخورِ كلَّ مريبَةٍ ... ولستَ بأهلِ المحصناتِ الكرائمِ
رأيتكَ لا توفِي لجارٍ أجرتَهُ ... ولا مستعفٌّ عن لئامِ المطاعمِ
هوَ الرّجسُ يا أهلَ المدينةٍ فاحذرُوا ... مداخلَ رجسٍ بالخبيثاتِ عالمِ
لقدْ كانَ إخراجُ الفرزدَقِ عنكمُ ... طهوراً لما بينَ المصلَّى وواقمِ
أتمدَحُ يا ابنَ القينِ سعداً وقدْ جرتْ ... لجعثنَ فيهمْ طيرُها بالأشائمِ
وتمدَحْ يا ابنَ القينِ سعداً وقدْ ترَى ... أديمكَ فيهمْ واهياً غيرَ سالمِ
تبرِّئهُمُ من عقرِ جعثنَ بعدَما ... أتتكَ بمسلُوخِ البظارَةِ وارِمِ
تنادِي بنصفِ اللّيلِ يآلَ مجاشعٍ ... وقدْ جلدَ استِها بالعجارِمِ
فإنَّ مجرَّ الجعثنَ ابنةِ غالبٍ ... وكيريْ جبيرٍ كانَ ضربةَ لازمِ
تلاقِي بناتِ القينِ من خبثِ مائهِ ... ومنْ وهجانِ الكِيرِ سودَ المعاصمِ
وإنَّكَ يا ابنَ القينِ لستَ بنافِخِ ... بكيرِكَ إلا قاعداً غيرَ قائمِ
فما وجدَ الجيرانُ حبلَ مجاشعٍ ... وفيّاً ولا ذا مرَّةٍ في العزائمِ
ولامتْ قريشٌ في الزّبيرِ مجاشعاً ... ولم يعذرُوا من كان أهلَ الملاومِ
وقالتْ قريشٌ ليتَ جارَ مجاشعٍ ... أتى شبثاً أو كانَ جارَ ابن خازمِ
ولو حبلُ تيمِيٍّ تناولَ جاركُمْ ... لما كان عاراً ذكرهُ في المواسمِ
فغيركَ أدَّى للخليفةِ حقَّهُ ... وغيركَ جلَّى عنْ وجوهِ الأهاتمِ
وإنَّ وكيعاً حينَ خارتْ مجاشعٌ ... كفَى شعبَ صدعِ الفتنةِ المتفاقمِ
لقدْ كنتَ فيها يا فرزدقُ تابعاً ... وريشُ الذُّنابّي تابعٌ للقوادِم
ندافعُ عنكمُ كلَّ يومٍ عظيمةٍ ... وأنتَ قراحيٌّ بسيفِ الكواظمِ
أجبناً وفخراً يا بني زبد استُها ... ونحنُ نشبُّ الحربَ شيبَ المقادمِ
أباهلَ ما أحببتُ قتلَ ابن مسلمٍ ... ولا أن تروعوا قومكُمْ بالمظالمِ
أباهلَ قدْ أوفيتُمُ من دمائكمْ ... إذا ما قتلتُمْ رهطَ قيسِ بنْ عاصمِ
تحضّضُ يا ابنَ قيساً ليجعلوا ... لقومكَ يوماً مثلَ يومِ الأراقمِ
إذا ركبتْ قيسٌ خيولاً مغيرةً ... على القينِ يقرَعْ سنَّ خزيانَ نادِمِ
وقبلكَ ما أخزَى الأخيطلُ قومَهُ ... وأسلمهُمْ في المأزقِ المتلاحمِ
رويدكمُ مسحَ الصّليبِ إذا دنا ... هلالُ الجزا واستعجلُوا بالدَّراهمِ
وما زالَ في قيسٍ فوارسُ مصدقٍ ... حماةٌ وحمّالونَ ثقلَ المغارمِ
وقيسٌ همُ الكهفُ الّذي نستعدُّهُ ... لفضلِ المساعِي وابتناءِ المكارمِ
إذا حدبتْ قيسٌ عليَّ وخندفٌ ... أخذتُ بفضلِ الأكثرين الأكارمِ
فإنْ شئتَ من قيسٍ ذرَى متمَنِّعٍ ... وإنْ شئتَ طوداً خندفيَّ المخارِمِ
ألمْ ترنِي أردِي بأكنافِ خندفٍ ... وأكنافِ قيسٍ نعمَ كهفُ المراجمِ
وقيسٌ همُ الكهفُ الّذي نستعدُّهُ ... لدفعِ الأعادي أو لحملِ العظائمِ
بنو المجدِ قيسٌ والعواتكُ منهمُ ... ولدنَ بحوراً للبحُورِ الخضارمِ
لقدْ حدبتْ قيسٌ وأفناءُ خندفٍ ... على مرهبٍ حامِي ذمارَ المحارمِ
فما زادنِي بعدُ المدَى نقضَ مرَّةٍ ... ولا رقَّ عظمِي للفؤوسِ العواجمِ
ترانِي إذا ما النّاسُ عدُّوا قديمهمْ ... وفضلَ المساعِي مسفراً غيرَ واجمِ
بأيّامِ قومٍ ما لقومكَ مثلَها ... بها سهّلوا عنّي خبارَ الجراثمِ
إذا ألجمتْ قيسٌ عناجيجَ كالقَنا ... مججنَ دماً منْ طولِ علكِ الشَّكائمِ
سبوا نسوةَ النّعمانِ وابنيْ محرِّقٍ ... وعمرانَ قادُوا عنوةً بالخزائمِ
وهمْ أنزلُوا الجونينِ في حومةِ الوغَى ... ولم يمنَعِ الجونينِ عقدُ التّمائم
كأنَّكَ لم تشهدْ لقيطاً وحاجباً ... وعمرو بن عمرو إذ دعوا يا آل دارمِ
стр. 162
ولم تشهدِ الجونينِ والشّعبَ ذا الصّفا ... وشدّاتِ قيسٍ يومَ ديرِ الجماجمِ
أكلَّفتَ قيساً أن نبا سيفُ غالبٍ ... وشاعتْ لهُ أحدوثةٌ في المواسمِ
بسيفِ أبي رغوانَ سيفِ مجاشعٍ ... ضربتَ ولم تضربْ بسيفِ ابن ظالمِ
ضربتَ به عندَ الإمامِ فأرعشَتْ ... يداكَ وقالوا محدَثٌ غيرُ صارمِ
ضربتَ بهِ عرقوبُ نابٍ بصوأرٍ ... ولا يضربونَ البيضَ تحتَ العمائمِ
عنيفٌ بهزِّ السّيفِ قينُ مجاشعٍ ... رفيقٌ بأخراتِ الفؤوسِ الكرازمِ
ستخبرُ يا ابن القينِ إنَّ رماحَنا ... أباحتْ لنا ما بينَ فلجٍ وعاسمِ
ألا ربَّ قومٍ قدْ نكحنا بناتهمْ ... بصمِّ القنا والمقرباتِ الصّلادمِ
لقد حظيتْ قدماً سليمٌ وعامرٌ ... وعبسٌ بتجريدِ السّيوفِ الصّوارمِ
وعبسٌ همُ يومَ الفروقينِ طوّقوا ... بأسيافهمْ قدموسَ رأسٍ صلادمِ
وإنّي وقيساً يا ابن قينِ مجاشعٍ ... كريمٌ صفيُّ مدحتِي للأكارمِ
إذا عدَّتِ الأيامُ أخزيتَ دارماً ... ويخزيكَ يا ابنَ القينَ مسعاةُ دارمِ
ألم تعطِ عصباً ذا الرّقيبةِ حكمَهُ ... ومنيةَ قيسٍ في نصيبِ الزَّهادمِ
وأنتمْ فررتُم عنْ ضرارٍ وعثجَلٍ ... وأسلمَ مسعودٌ غداةَ الحناتمِ
وفي أيّ يومٍ واضحٍ لم تقرّنوا ... أسارَى كتقرينِ البكارٍ المقاحمِ
ويومَ الصّفا كنتمْ عبيداً لعامرٍ ... وبالحزنِ أصبحتُمْ عبيدَ اللهازمِ
وليلةَ وادِي رحرحانَ رفعتُمُ ... فراراً ولم تلوُوا زفيفَ النّعائمِ
تركتُمْ أبا القعقاعِ في الغلِّ معبداً ... وأيُّ أخٍ لمْ تسلِمُوا للأداهمِ
جلبتُم إلى عوفٍ مزاداً فقادهُ ... برمَّةِ مخذولٍ على الدَّينِ غارمِ
إذا نزلُوا يوماً سمعتُمْ ملامةً ... بجمعٍ منَ الأعياصِ أو آلِ هاشمِ
أحاديثُ ركبانِ المحجّةِ كلّما ... تأوّهنَ خوصاً دامياتِ المناسمِ
وجارتْ عليكمْ في الحكومةِ منقرٌ ... كما جارَ عرفٌ في قتيلِ الضّماضمِ
فأخزاكمُ عوفٌ كما قدْ خزيتُمُ ... وأدرَكَ عمّارٌ تراتَ البراجمِ
لقدْ ذقتُ منّي طعمَ حربٍ مريرةٍ ... وما أنتَ إنْ جاريتَ قيساً بسالِمِ
قفيرةٌ من قنٍّ لسلمى بن جندلٍ ... أبوكَ ابنُها بينَ الإماء الخوادمِ
وقال جرير يهجُو الرّاعي النُّميري:
أقلّي اللّومَ عاذلَ والعتابا ... وقولِي إنْ أصبْتُ لقدْ أصابا
أجدَّكَ لا تذكّرُ أهلَ نجدٍ ... وحيّاً طالَ وما انتظرُوا الإيابا
بلى فارفضَّ دمعكَ غيرَ نزرٍ ... كما عينتَ بالسّرَبِ الطّبابا
أيجمعُ قلبُهُ طرباً إليكُمْ ... وهجراً بيتَ أهلِك واجتِنابا
سألناها الشّفاءَ فما شفتْنا ... ومنَّتنا التّودّدَ والخلابا
وقلتُ بحاجةٍ وطلبتُ أخرَى ... وهاجَ عليَّ بينهمُ اكتئابا
أسيلَةُ معقدِ القرْطينِ منها ... وريّاً حيثُ تعتقدُ الحقابا
ولا يمشي اللّئيمُ لها بسبٍّ ... ولا تهدِي لجارَتِها السِّبابا
ووجدٍ قدْ طويتُ يكادُ منهُ ... ضميرُ القلبِ يلتهبُ التْهابا
متى أذكَرْ لخورِ بنِي عقالٍ ... تبيَّنَ في وجوههمُ اكتئابا
إذا لاقى بنُور وقبانَ غمّاً ... شددتُ على أنوفِهمِ العصابا
أبى لي ما مضى لي في تميمٍ ... وفي حتَّى خزيمةَ أنْ أعابا
سيعلمُ منْ يكونُ أبوهُ قيناً ... ومنْ عرفتْ قصائدهُ اجتلابا
أثعلبةَ الفوارِسِ أو رياحاً ... عدلتَ بهمْ طهيَّةَ والخشابا
رأيتَ سوادَهُ فدنونَ منهُ ... فيرميهنَّ أخطأ أو أصابا
فلا وأبيكَ ما لا قيتَ حيّاً ... كيربوعٍ إذا رفعُوا العقابا
وما وجدَ الملوكُ أعزَّ منّا ... وأسرَعَ من فوارِسِيَ استلابا
إذا حربٌ تلقَّحُ عنْ حيالٍ ... ودرَّتْ بعدَ مريتِها اعتصابا
ونحنُ الحاكمونَ على قلاخٍ ... كفينا االجريرةِ والمصابا
حمينا يومَ نجبٍ حمانا ... وأحرزْنا الصّنائعَ والنّهابا
لنا تحتَ الحمائلِ سابغاتٌ ... كنسجِ الرِّيحِ تطّردُ الحبابا
стр. 163
وذي تاجٍ لهُ خرزاتُ ملكٍ ... سلبناهُ السّرادقَ والحجابا
ألا قبحَ الإلهُ بني عقالٍ ... زادهُم بغدرِهِمِ ارتيابا
أجيرانَ الزّبيرِ برئتُ منكمْ ... فألقوا السّيفَ واتّخّذوا العيابا
لقدْ غرَّ القيونُ دماً كريماً ... ورحلاً ضاعَ وانتهبَ انتهابا
وقدْ قعستْ ظهورُهُمُ بخيلٍ ... تجاذبُهمْ أعنَّتها جذابا
علامَ تقاعسونَ وقدْ دعاكمْ ... أهانكُمُ الذي وضعَ الكتابا
تعشُّوا من خزيرهمِ فنامُوا ... ولمْ تهجَعْ قرائبُهُ انتحابا
أتنسونَ الزّبيرَ ورهنَ عوفٍ ... وجعثنَ بعدَ أعينَ والرَّبابا
ألمْ ترَ أنَّ جعثنَ سعدٍ ... تسمَّى بعدَ قضَّتِها الرُّحابا
تحزحزُ حينَ جاوزَ ركبتيها ... وهزَّ القزبريُّ بها فغابا
ترى برصاً بمجمعِ اسكتيْها ... كعنفقةِ الفرزدقِ حينَ شابا
وهلْ أمٌّ تكونُ أشدُّ رعياً ... وصرّاً من قفيرةَ واحتلابا
ومقرفةِ اللهازمِ من عقالٍ ... يغرِّقُ ماءُ نخبتِها الذُّبابا
تواجهُ بعلَها بعضارطيٍّ ... كأنَّ على مشافرهِ جُبابا
وخورُ مجاشعٍ تركُوا لقيطاً ... وقالوا حنوَ عينكَ والغُرابا
وأضبعُ ذي معاركَ قدْ علمتُمْ ... لقينَ بجنبهِ العجبُ العجابا
وليلةَ رحرحانَ تركتُ شيباً ... وشعثاً في بيوتكمُ سغابا
رضعتُمْ ثمَّ سالَ على لحاكُمْ ... ثعالهُ حينَ لمْ تجدُوا شرابا
وإنَّ مجاشعاً جمعوا فياشاً ... وأستاهاً إذا فزعُوا رطابا
فلا وأبيكَ ما لهمُ عقولٌ ... وما وجدتْ مكاسرهمْ صلابا
تركتمْ بالوقيطِ عضارطاتٍ ... تردَّفُ عندَ رحلتِها الرِّكابا
لقدْ خزي الفرزدقُ في معدٍّ ... فأمسَى جهدُ نصرَتهِ اغتِيابا
ولاقى القينُ والنَّخباتُ غمّاً ... ترى لوُكُوفِ عينيهِ انصبابا
أتوعدُنِي وأنتَ مجاشعيٌّ ... أرى في جنبِ لحيتكَ اضطرابا
فما خفتُ الفرزدقَ قدْ علمتُمْ ... وما حقُّ ابنُ بروعَ أنْ يهابا
أعدَّ اللهُ للشُّعراءِ منّي ... صواعقَ يخضعونَ لها الرِّقابا
قرنتُ العبدَ عبدَ بنِي نميرٍ ... مع القينينِ إذْ غلبا وخابا
أتاني عنْ عرادةَ قولَ سوءٍ ... فلا وأبي عرادةَ ما أصابا
وكمْ لكَ يا عرادُ من أمِّ سوءٍ ... بأرض الطّلحِ تحتبلُ الزَّبابا
عرادةُ منْ بقيّةِ قومٍ لوطٍ ... ألا تبّاً لما فعلُوا تبابا
لبئسَ الكسبُ تكسبُهُ نميرٌ ... إذا استأنوكَ وانتظروا الإيابا
أتلتمسُ السّبابَ بنو نميْرٍ ... فقدْ وأبيهمِ لاقوْا سبابا
أنا البازي المطلُّ على نميرٍ ... أتحتُ من السّماء لها انصبابا
إذا علقتْ مخالبُهُ بقرنٍ ... أصابَ القلبَ أو هتكَ الحجابا
ترَى الطَّيرَ العتاقَ تظلُّ منهُ ... جوانحَ للكلاكِلِ أنْ تصابا
فلو وضعتْ فقاحُ بني نميرٍ ... على خبثِ الحديد إذنْ لذابا
فلا صلّى المليكُ على نميرٍ ... ولا سقيتْ قبورهمُ السَّحابا
وخضراءِ المغابنِ من نميرٍ ... يشينُ سوادُ محجرها النّقابا
إذا قامتْ لغيرِ صلاةِ وترٍ ... بعيدَ النّومِ أنبحتِ الكلابا
تطلّى وهي سيئةُ المعرَّى ... بصنِّ الوبرِ تحسبُهُ ملابا
كأنَّ شكيرَ نابتِ اسكتيْها ... سبالُ الزُّطٌ عقَّلتِ الرّكابا
وقدْ جلّتْ نساءُ بني نميرٍ ... وما عرفتْ أناملُها الخضابا
إذا حلّتْ نساءُ بني نميرٍ ... على تبراكَ خبّثتِ التُّرابا
ولو وزنتْ حلومُ بنِي نميرٍ ... على الميزانِ ما وزنتْ ذبابا
فصبراً يا تيوس بني نميرٍ ... فإنَّ الحربَ موقدةٌ شهابا
لعمرُ أبي نساء بني نميرٍ ... لساءَ لها بمقصبتِي سبابا
سيهدمُ حائطيْ قرماءَ منّي ... قوافٍ لا أريدُ لها عتابا
دخلنَ قصورَ يثربَ معلماتٍ ... ولم يتركنَ من صنعاءَ بابا
تطولكمُ حبالُ بني تميمٍ ... ويحمي زأرُها أجماً وغابا
ألمْ نعتقْ نساءَ بني نميرٍ ... فلا شكراً جزيتَ ولا ثوابا
стр. 164
أجندَلُ ما تقولُ بنو نميرٍ ... إذا ما الأيرُ في استِ أبيكِ غابا
ألمْ ترنِي صببتُ على عبيدٍ ... وقدْ فارتْ أباجلُهُ وشابا
أعدُّ لهُ مواسمَ حامياتٍ ... فيشفي حرُّ شعلَتِها الجرابا
فغضَّ الطّرفَ إنّكَ من نميرٍ ... فلا كعباً بلغتَ ولا كلابا
أتعدلُ دمنةً خبثتْ وقلَّتْ ... إلى فرعينِ قدْ كثرا وطابا
وحقَّ لمنْ تكنّفهُ قريعٌ ... وضبّةُ لا أبا لكَ أنْ يعابا
فلولا الغرُّ منْ سلفى كلابٍ ... وكعبٍ لاغتصبتكمُ اغتصابا
وإنّكمُ قطينُ بني سليمٍ ... ترى برقُ العباءِ لكمْ ثيابا
إذنْ لنفيتُ عبدَ بنِي نميرٍ ... وعلّي أنْ أزيدهمُ ارتيابا
فيا عجباً أتوعدُني نميْرٌ ... براعِي الإبلِ يحترشُ الضِّبابا
لعلّكَ يا عبيدُ حسبتَ حربي ... تقلُّدكَ الأصرَّةَ والعلابا
إذا نهضَ الكرامُ إلى المعالِي ... نهضتَ بعلبةٍ وأثرتَ نابا
تبوءُ لها بمحينة وحيناً ... تبادرُ حدَّ درتها السِّقابا
تحنُّ له العفاسُ إذا أفاقتْ ... وتعرفُهُ الفصالُ إذا أهابا
فأوْلِع بالعفاسِ بني نميرٍ ... كما أولعتَ بالدَّبَرِ الغرابا
وبئسَ القرْضُ قرضكَ عندَ قيسٍ ... تهجّيها وتمتدحُ الوطابا
وتدعو خمشَ أمكَ أنْ ترانا ... نجوماً لا ترومُ لها طلابا
فلنْ تسطيعَ حنظلتِي وسعدِي ... وعمرِي إنْ دعوتُ ولا الرِّبابا
قرومٌ تحملُ الأعباءَ عنكُمْ ... إذا ما الأمرُ في الحدَثانِ نابا
همُ ملكُوا الملوكَ بذاتِ كهفٍ ... وهمْ منعوا من اليمنِ الكلابا
إذا غضبتْ عليكَ بنو تميمٍ ... وجدتَ النّاسَ كلَّهمُ غضابا
ألسنا أكثرَ الثّقلينِ رجلاً ... ببطنِ منىً وأعظمَهُ قبابا
وأجدرَ أنْ تجاسرَ ثمَّ نادَى ... بدعوَى يآلَ خندفَ أنْ يجابا
لنا البطحاءُ نفعمُها السّواقِي ... ولمْ يكُ سيلُ أوديتِي شعابا
فما أنتمْ إذا عدلتْ قرومِي ... شقاشقَها وهافتتِ اللُّعابا
تنحَّ فإنَّ بحريَ خندفيٌّ ... ترى لفحولِ جريتِهِ عُبابا
بموجٍ كالجبالِ فإنْ ترمهُ ... تغرّقْ ثمَّ يرمِ بكَ الجنابا
وما تلقَى محلّي في تميمٍ ... بذي زللٍ ولا نسبي انتسابا
علوتُ عليكَ ذروةَ خندفيٍّ ... ترى منْ دونِها رتباً صعابا
لنا حوضُ الرّسولِ وساقياهُ ... ومنْ ورثَ النبوّةَ والكتابا
ومنّا منْ يجيزُ حجيجَ جمعٍ ... وإنْ خاطبتَ عزّكمُ خطابا
ستعلمُ من أعزُّ حمىً بنجدٍ ... وأعظمُها بغائرةٍ هضابا
أعزُّكَ بالحجازِ فإنْ تسهَّلْ ... لغورِ الأرضِ تنتهبُ انتهابا
أتيعرُ يا ابن بروعَ منْ بعيدٍ ... فقدْ أسمعتَ فاستمعِ الجوابا
فلا تجزعْ فإنَّ بني نميرٍ ... كأقوامٍ نفحتَ لهمْ ذنابا
شياطينُ البلادِ يخفنَ زأرِي ... وحيَّةُ أريحيّا لي استجابا
تركتُ مجاشعاً وبنِي نميرٍ ... كدارِ السّوٍء أسرعتِ الخرابا
ألمْ ترَنِي وسمتُ بنِي نميرٍ ... وزدتُ على أنُوفهمُ العِلابا
وقال جرير:
أجدَّ رواحُ الحيّ أم لا تروَّحُ ... نعم كلُّ من يعنى بجملٍ مترَّحُ
إذا ابتسمتْ أبدتْ غروباً كأنّها ... عوارضُ مزنٍ تستهلُّ وتلمحُ
لقد هاجَ هذا الشَّوقُ عيناً مريضةً ... أجالتْ قذىً ظلّتْ به العينُ تمرحُ
بمقلةِ أقنَى ينقضُ الطّلَّ باكرٍ ... تجلَّى الدُّجى عن طرفهِ حينَ يصبحُ
فأعطيتُ عمراً منْ أُمامةَ حكمَهُ ... وللمشتري منهُ أمامةَ أربحُ
صحا القلبُ عن سلمَى وقد برّحتْ بهِ ... وما كانَ يلقَى من تماضرَ أبرحُ
رأيتُ سليمَى لا تبالي الذي بنا ... ولا عرضاً من حاجةٍ لا تسرِّحُ
إذا سايرتْ أسماءُ قوماً ظعائناً ... فأسماءُ من تلكَ الظّعائنِ أملحُ
ظللنَ حوالِي خدرَ أسماءَ وانتحَى ... بأسماءَ موّارُ الملاطينِ أروحُ
تقولُ سليمَى ليسَ في الصّرمِ راحةٌ ... بلى إنَّ بعضَ الصّرمِ أشفى وأروَحُ
أحبُّكِ إنَّ الحبُّ داعيةُ الهوَى ... وقدْ كادَ ما بينِي وبينكِ يبرَحُ
стр. 165
ألا تزجرينَ القائلينَ ليَ الجَفا ... كما أنا معنِيٌّ وراءكِ منفحُ
ألمّا على سلمَى ولمْ أرَ مثلَها ... خليلَ مصافاةٍ تزارُ وتمدَحُ
وقد كانَ قلبي من هواهُ وذكرةٍ ... ذكرنا بها سلمَى على النّأي يفرحُ
إذا جئتُها يوماً من الدّهرِ زائراً ... تغيَّرَ مغيارٌ من القومِ أكلحُ
فللهِ عينٌ لا تزالُ لذكرِها على ... كلِّ حالٍ تستهلُّ وتسفحُ
وما زالَ عنّي قائدُ الشّوقِ والهوَى ... إذا جئتُ حتّى كادَ يبدو فيفصحُ
أصونُ الهوَى من رهبةٍ أنْ تعزَّها ... عيونٌ وأعداءٌ من القومِ كشَّحُ
فما برحَ الوجدُ الذي قدْ تلبَّستْ ... به النَّفسُ حتّى كادَ لي الشّوقُ يذبحُ
لشتّانَ يومٌ بينَ سجفٍ وكلّةٍ ... ومرُّ المطايا تغتدي وتروَّحُ
أعائفنا ماذا تعيفُ وقدْ مضتْ ... بوارحُ قدّامَ المطِّي وسنَّحُ
نفيسُ بقيّاتِ النّطافِ على الحصى ... وهنَّ على طيِّ الحيازيم جنَّحُ
ويومٍ منَ الجوزاءِ مستوقدِ الحصَى ... تكادُ صياصي العينِ منهُ تصيّحُ
شديدِ اللّظَى حامي الوديقة ريحُه ... أشدُّ لظىً من شمسِهِ حينَ تصمَحُ
بأغبرَ وهّاجِ السّمومِ ترى بهِ ... دفوفُ المهارَى والذّفاريّ تنتحُ
نصبتُ لها وجهِي وعنساً كأنَّها ... من الجهدِ والإسادِ قرمٌ ملوَّحُ
ألمْ تعلمِي أنَّ النَّدى من خليقتي ... وكلُّ أريبٍ تاجرٍ يتربَّحُ
فلا تصرميني أن ترى ربَّ هجمَةٍ ... يريحُ بذمٍّ ما يريحُ ويسرحُ
يراها قليلاً لا تسدُّ قفورهُ ... على كلِّ بثٍّ حاضرٍ يتترَّحُ
رأتْ صرمةً للحنظلِيِّ كأنَّها ... شظيُّ القنا منها مناقٍ ورزَّحُ
سيكفيكِ والأضيافَ إن نزلُوا بنا ... إذا لمْ يكنُ رسلٌ شواءٌ ملوَّحُ
وجامعةٌ لا يجعلُ السّترُ دونها ... لأضيافنا والفائزُ المتمنّحُ
ركودٌ تسامى بالمحالِ كأنَّها ... شموسٌ تذبُّ القائدين وتضرحُ
إذا ما ترامى الغليُ في حجراتِها ... ترى الزَّوْرَ في أرجائها يترجَّحُ
ألمْ ينهَ عنّي أنْ لستُ ظالماً ... بريئاً وأنّي للمتاحينَ متيحُ
فمنهمْ رميٌّ قد أصيبَ فؤادهُ ... وآخرُ لاقى صكَّةً فمرنَّحُ
بني مالكٍ أمسَى الفرزدقُ جاحراً ... سكيتاً وبذَّتهْ خناذيذُ قرَّحُ
لقدْ أحرزَ الغاياتِ قبلَ مجاشعٍ ... فوارسُ غرٌّ وابنُ شعرةَ يكدَحُ
وما زالَ منّا سابقٌ قدْ علمتمُ ... يقلّدُ قبلَ السّابقينَ ويمدحُ
علتكَ أواذيٌّ من البحرِ فاقتبضْ ... بكفَّيكَ فانظرْ أيَّ لجَّيْهِ تقدَحُ
لقومِيَ أوفَى ذمَّةً منْ مجاشعٍ ... وخيرٌ إذا شلَّ السَّوامُ المصبَّحُ
تخفُّ موازينُ الخناثي مجاشعٍ ... ويثقلُ ميزانِي عليهمْ فيرجحُ
فخرتُ بقيسٍ وافتخرتَ بتغلِبٍ ... فسوفَ ترى أيُّ الفريقينِ أربَحُ
فأمّا النَّصارَى العابدونَ صليبهُمْ ... فخابُوا وأمّا المسلمونَ فأفلحُوا
ألمْ يأتهمْ أنَّ الأخيطلَ قد هوىَ ... وطوَّحَ في مهواةِ قومٍ فطوَّحُوا
تداركَ مسعاةَ الأخيطلِ لؤمُهُ ... وظهرٌ كظهرِ القاسطِيّةِ أفطحُ
لنا كلَّ عامٍ جزيةٌ تتَّقي بها ... عليكَ وما تلقَى من الذُّلِّ أترَحُ
ومازالَ ممنوعاً لقيسٍ وخندفٍ ... حمىً تتوطّاهُ الخنازيرُ أفيحُ
إذا أخذتْ قيسٌ عليكَ وخندفٌ ... بأقطارِها لم تدرِ من أينَ تسرَحُ
فما لكَ من نجدٍ حصاةٌ تعدُّها ... ومالكَ في غوريْ تهامةَ أبطحُ
لقدْ سلَّ أسيافُ الهذيلِ عليكمُ ... رقاقُ النّواحي ليسَ فيهنَّ مصفحُ
وخاضتْ حجولُ الوردِ بالمرجِ منكمُ ... دماءً وأفواهُ الخنازيرِ كلَّحُ
لقيتُمْ بأيدي عامرٍ مشرفيَّةً ... تغضُّ بهامِ الدّارعينَ وتجرحُ
بمعتركٍ تهوي لوقعِ ظباتِها ... خذاريفُ هامٍ أم معاصمُ تطرَحُ
سما لكمْ الجحافُ بالخيلِ عنوَةً ... وأنتَ بشطِّ الزّابيينِ تنوَّحُ
عليهمْ مفاضاتُ الحديدِ كأنّها ... أضّا يومَ دجنٍ في أجاليدَ صحصحُ
стр. 166
وظلَّ لكمْ يومٌ بسنجارَ فاضحٌ ... ويومٌ بأعطانِ الرَّحوبينِ أفضحُ
وضيّعتمُ بالبشرِ عوراتِ نسوةٍ ... تكشَّفْ عنهنَّ العباءُ المسيَّحُ
بذلكَ أحمينا البلادَ عليكمُ ... فما لكَ في ساحاتها متزحزحُ
أبا مالكٍ مالتْ برأسكَ نشوةٌ ... وعرَّدتَ إذ كبشُ الكتيبةِ أملحُ
إذا ما رأيتَ اللّيتَ من تغلبيَّةٍ ... فقبِّحَ ذاكَ اللِّيتُ والمتوشَّحُ
ترى محجراً منها إذا ما تنقَّبتْ ... قبيحاً وما تحتَ النِّقابينِ أقبحُ
إذا جرِّدتْ لاحَ الصّليبُ على استها ... ومن جلدِها زهمُ الخنازيرِ تنفحُ
ولمْ تمسحِ البيتَ العتيقَ بكفِّها ... ولكنْ لقربانِ الصَّليبِ تمسَّحُ
يقينَ صباباتٍ من الخمرِ فوقها ... صهيرُ خنازيرِ السَّوادِ المُملّحُ
وقال جرير يهجو الفرزدق، ويمدح بني جعفر:
أزرْتَ ديارَ الحيِّ أمْ لا تزورُها ... وأنَّى من الحيِّ الجمادِ فدورُها
وهلْ تنفعُ الدّارُ المخيلةُ ذا الهوى ... إذا أسننَّ أعرافاً على الدّارِ مورُها
كأنَّ ديارَ الحيِّ من قدمِ البلَى ... قراطيسُ رهبانٍ أحالتْ سطورُها
كما ضربتْ في معصمٍ حارثيَّةٌ ... يمانيةٌ بالوشمِ باقٍ نؤورُها
تفوتُ الرُّماةَ الوحشَ وهي غريرَةٌ ... وتخشى نوارُ الوحشَ ما لا يضيرُها
لئنْ زلَّ يوماً بالفرزدقِ حلمُهُ ... وكانَ لقيسٍ حاسداً لا يضيرُها
من الحينِ سقتَ الخورَ خورَ مجاشعٍ ... إلى حربِ قيسٍ وهيَ حامٍ سعيرُها
كأنَّكَ يا ابنَ القينِ واهبُ سيفهِ ... لأعدائهِ والحربُ تغلي قدُورُها
فلا تأمننَّ الحيَّ قيساً فإنَّهمْ ... بنو محصناتٍ لم تدَنَّسْ حجورُها
ميامينُ خطّارونَ يحمونَ نسوةً ... مناجيبُ تغلو في قريشٍ مهورُها
ألا إنَّما قيسٌ نجومٌ مضيئةٌ ... يشقُّ دجى الظَّلماءِ باللّيلِ نورُها
تعدُّ لقيسٍ من قديمِ فعالِها ... بيوتٌ أواسيها طوالٌ وسورُها
فوارسُ قيسٍ يمنعونَ حماهمُ ... وفيهمْ جبالُ العزِّ صعباً وعورُها
وقيسٌ همُ قيسُ الأسنَّةِ والقَنا ... وقيسٌ حماةُ الحربِ تدمَى نحورُها
سليمٌ وذبيانٌ وعمروٌ وعامرٌ ... حصونٌ إلى عزٍّ طويلٌ عمورُها
ألمْ ترَ قيساً لا يضامُ لها حمىً ... ويقضي بسلطانٍ عليكَ أميرُها
ملوكٌ وأخوالُ الملوكِ ومنهمُ ... عيونُ الحيا يحيي البلادَ مطيرُها
وإنَّ جبالَ العزِّ من آلِ خندفٍ ... لقيسٍ فقدْ عزَّتْ وعزَّ نصيرُها
ألم ترَ قيساً حينَ خارتْ مجاشعٌ ... تجيرُ ولا تلقَى قبيلاً يجيرُها
بني دارمٍ من ردَّ خيلاً مغيرةً ... غداةَ الصَّفا لم ينجُ إلاَّ عشورُها
وردتُمْ على قيسٍ بخورِ مجاشعٍ ... فبؤتمْ على ساقٍ بطيءٌ جبورُها
كأنَّهمُ بالشِّعبِ مالتْ عليهمُ ... نضادٌ وأجبالُ السّتارِ ونيرُها
لقدْ نذرتْ جدعَ الفرزدقِ جعفرٌ ... إذا حزَّ أنفُ القينِ حلَّ نذورُها
ذوو الحجراتِ الشُّمُّ من آلِ جعفرٍ ... يسلَّمُ جانِيها ويعطى فقيرُها
حياتهمُ عزٌّ وتبنِي لجعفرٍ ... إذا ذكرتْ مجدَ الحياةِ قبورُها
وعردتُمُ عن جعفرٍ يومَ معبدٍ ... فأسلمَ والفلحاءُ عان أسيرُها
أتنسونَ يوميْ رحرحانَ وأمُّكمُ ... جنيبةُ أفراسٍ يحثُّ بعيرُها
وتذكرُ ما بينَ الضّباب وجعفرٍ ... وتنسونَ قتلَى لم تقتَّلْ ثؤورُها
لقد أكرهتْ زرقَ الأسنَّةِ فيكمُ ... قرا سمهريّاتٍ قليلٍ فطورُها
فقلَّ غناءً عنكَ في حربِ جعفرٍ ... تغنِّيكَ زرّاعاتُها وقصُورُها
إذا لم يكنْ إلاَّ قيونُ مجاشعٍ ... حماةً عن الأحسابِ ضاعتْ ثغورُها
ألمْ ترَ أنَّ اللهَ أخزَى مجاشعاً ... إذا ذكرتْ بعدَ البلاءِ أمورُها
بأنَّهمُ لا محرمٌ يتقونهُ ... وأنْ لا يفي يوماً بجارٍ مجيرُها
لقد بنيتْ قدماً بيوتُ مجاشعٍ ... على الحنثِ حتَّى قدْ أصلّتْ قعورُها
فكمْ فيهمِ منْ سوأةٍ ذاتِ أقرحٍ ... تدمَّى وأخرَى قدْ أُتمَّتْ شهورُها
стр. 167
إذا طرقتْ منخوبةٌ من مجاشعٍ ... أتى دونَ رأسِ السَّابياءِ خزيرُها
بنو نخباتٍ لا يفونَ بذمَّةٍ ... ولا جارةٌ فيهمْ تهابُ ستورُها
ولا تتّقي غبَّ الحديثِ مجاشعٍ ... إذا هيَ جاعتْ أو أمدَّتْ أيورُها
وخبثَ حوضَ الخور خورِ مجاشعٍ ... رواحُ المخازي نحوَها وبكورُها
أفخراً إذا رأيتْ وطابُ مجاشعٍ ... وجاءتْ بتمرٍ من حوارينَ عيرُها
بني عشرٍ لا نبعَ فيهِ وخروعٍ ... وزنداهُمُ أثلٌ تناوحَ خورُها
ويكفي خزيرُ المرجلينَ مجاشعاً ... إذا ما السَّرايا حثَّ ركضاً مغيرُها
لقد علمَ الأقوامُ أنَّ مجاشعاً ... إذا عرفتْ بالمخزي قلَّ نكيرُها
ولا يعصمُ الجيرانَ عقدُ مجاشعٍ ... إذا الحربُ لم يرجعْ بصلحٍ سفيرُها
أفي كلَّ يومٍ تستجيرُ مجاشعٌ ... تفرُّقَ نبلِ العبدِ قلَّ جفيرُها
تفلَّقَ عنْ أنفِ الفرزدقِ عاردٌ ... له فضلاتٌ لم تجدْ من يقورُها
وأبرأتُ من أمِّ الفرزدَقِ ناخساً ... وقردُ استِها بعدَ المنامِ تثيرُها
وفقّأ عينيْ غالبٍ عندَ كيرهِ ... نوادِي شرارِ القينِ حينَ يطيرُها
وداويتُ من عرِّ الفرزدقِ نقبةً ... بنفطٍ فأمستْ لا يخافُ نشورُها
وأنهلتُهُ بالسُّمِّ ثمَّ عللتُهُ ... بكأسٍ من الذّيفانِ مرٍّ عصيرُها
وآبَ إلى الأقيانِ ألأمُ وافدٍ ... إذا حلَّ عن ظهرِ النّجيبةِ كورُها
أيوماً لماخورِ الفرزدقِ خزيةٌ ... ويوماً زوانِي بابلٍ وخمورُها
إذا ما شربتَ البابليَّةَ لم تبلْ ... حياءً ولا يسقى عفيفاً عصيرُها
تشبِّه من عاداتِ أمِّكَ سيرَةً ... بحبليكَ والمرقاةُ صعبٌ حدورُها
ومازلتَ لم تعقدْ حفاظاً ولا حجىً ... ولكنْ مواخيراً تؤدَّى أجورُها
أثرتُ عليكَ المخزياتِ ولمْ يكنْ ... ليعدَمَ جاني سوأةٍ من يثيرُها
وتمدحُ سعداً لا عدمتَ ومنقراً ... لدى حرملِ السِّيدانِ يحبُو عقيُرها
وردَّتْ على عاسِي العروقِ ولمْ يكنْ ... ليسقيَ أفواهَ العروقِ درورُها
دعتْ أمّكَ العمياءُ ليلةَ منقرٍ ... ثبوراً لقدْ ذلَّتْ وذلَّ ثبورُها
أشاعتْ بنجدٍ للفرزدقِ خزيةً ... وغارتْ جبالَ الغورِ فيمنْ يغورُها
لعمركَ ما تنسَى فتاةُ مجاشعٍ ... ولا ذمَّةٌ غرَّ الزُّبيرَ غرورُها
يلجِّجُ أصحابُ السَّفينِ بغدرِكم ... وخوصٌ على مرّانَ يجري ضفورُها
تراغيتُمُ يومَ الزّبيرِ كأنكُمْ ... ضباعٌ أصلَّتْ في مغارٍ جعورُها
ولو كنتَ منّا ما تقسَّمَ جاركُمْ ... سباعٌ وطيرٌ لمْ تجدْ منْ يطيرُها
ولو نحنُ عاقدْنا الزٌّبيرَ لقيتهُ ... مكانَ أنوقٍ لا تنالُ وكورُها
تدافعُ يوماً عن تميمٍ فوارسِي ... إذا الحربُ أبدَى حدَّ نابٍ هريرُها
فمنْ مبلغٌ عنّي تميماً رسالةً ... علانيةً والنَّفسُ نصحٌ ضميرُها
عطفتُ عليكمْ ودَّ قيسٍ ولمْ يكنْ ... لهمْ بدلاً أقيانُ ليلى وكيرُها
وقال جريرٌ يجيب الفرزدق عن فائيته:
ألا أيُّها القلبُ الطَّرُوبُ المكلَّفُ ... أفقْ ربَّما ينأى هواكَ ويسعفُ
ظللتَ وقدْ خبّرتَ أنْ ليسَ جازعاً ... لربعٍ بسلمانينَ عينكَ تذرفُ
وتزعمُ أنَّ البينَ لا يشعفُ الفتَى ... بلى مثلُ بيني يومَ لبنانَ يشعفُ
وطالَ حذارِي غربةَ البينِ والنّوى ... وأحدوثةً من كاشحٍ يتقوَّفُ
ولو علمتْ علمِي أمامَهُ كذَّبتْ ... مقالةَ منْ يبغَى عليهِ ويعنفُ
بأهلِي أهلُ الدّارِ إذ يسكُنونَها ... وجادكَ من دارٍ ربيعٌ وصيِّفُ
سمعتُ الحمامَ الورقَ في رونقِ الضُّحى ... على السِّدرِ من وادِي المراضينِ تهتفُ
نظرتُ ورائِي نظرةً قادَها الهوَى ... وألحِي المهارى يومَ عسفانَ ترجفُ
ترى العرمسَ الوجناءَ يدمَى أظلُّها ... وتحذَى نعالاً والمناسمُ ترعفُ
مددْنا لذاتِ البغيِ حتّى تقطعتْ ... أزابيُّها والشَّدقميُّ المعلَّفُ
ذرحنَ حصَى المعزاءِ حتَّى عيونُها ... مهجَّجةٌ أحناؤهنَّ وذرَّفُ
стр. 168
كأنَّ دياراً بينَ أسنمَةِ النَّقا ... وبينَ هذاليلِ النحيزةِ مصحفُ
فلستُ بناسٍ ما تغنَّتْ حمامةٌ ... ولا ما ثوى بينَ الجناحينِ رفرفُ
دياراُ من الحيِّ الذينَ نحبُّهُمْ ... زمانَ القرَى والصَّارخُ المتلهِّفُ
همُ الحيُّ يربوعٌ تعادَى جيادُهمْ ... على الثَّغرِ والكافونَ ما يتخوَّفُ
عليهمْ من الماذيِّ كلُّ مفاضةٍ ... دلاصٍ لها ذيلٌ حصينٌ ورفرَفُ
ولا يستوي عقرُ الكزومِ بصوارٍ ... وذو التاج تحتَ الرّايةِ المتسّيفُ
ومولى تميمٍ حينَ يأوي إليهمِ ... وإنْ كانَ فيهمْ ثروةُ العزِّ منصفُ
وما شهدتْ يومَ الإيادِ مجاشعٌ ... وذا نجبٍ يومَ الأسنّةِ ترعفُ
فوارسُنا الحوّاطُ والسّرحُ دونهمْ ... وأردافُنا المحبوُّ والمتنصَّفُ
لقدْ مدَّ للقينِ الرِّهانِ فردَّهُ ... عنْ المجدِ عرقٌ من قفيرةَ مقرفُ
لحا اللهُ من ينبُو الحسامُ بكفِّهِ ... ومن هو للماخورِ في الحجلِ يرسفُ
ترفّقتَ بالكرينِ قينَ مجاشعٍ ... وأنتَ بهزِّ المشرفيّةِ أعنفُ
وتنكِرُ هزَّ المشرفِيَّ يمينُهُ ... ويعرفُ كفّيهِ الإناءُ المكتَّفُ
ولو كنتَ منّا يا ابنَ شعرةَ ما نبا ... بكفَّيكَ مصقولُ الحديدةِ مرهَفُ
عرفتمْ لنا الغرَّ السَّوابقَ قبلكُمْ ... وكانَ لقينيكَ السُّكيتُ المخلَّفُ
نعضّ الملوكَ الدّارعينَ سيوفَنا ... ودفُّكَ من نفاخةِ الكيرِ أجنفُ
ألمْ ترَ أنَّ الله أخزَى مجاشعاً ... إذا ضمَّ أفواجَ الحجيجِ المعرّفُ
فيومَ منىً نادتْ قريشٌ بغدرِهمْ ... ويومَ الهدايا في المشاعرِ عكَّفُ
ويبغضُ سترُ البيتِ آل مجاشعٍ ... وحجّابُهُ والعابدُ المتطوّفُ
فكانَ حديثُ الرّكبِ غدرَ مجاشعٍ ... إذا أنجدُوا من نخلتينِ وأوجفُوا
وإنَّ الحواريَّ الذي غرَّ حبلكُمْ ... له البدرُ كابٍ والكواكبُ كسَّفُ
ولو في بني سعدٍ نزلتَ لما عصتْ ... عواندُ من جوفِ الحواريِّ نزَّفُ
فهلاً نهيتمْ يا بني زبدِ استِها ... نسوراً رأتْ أوصالهُ فهيَ عكّفُ
فلستَ بوافٍ بالزُّبيرِ ورحلِهِ ... ولا أنتَ بالسّيدانِ بالحقِّ تنصفُ
بنو منقرٍ جرُّوا فتاةَ مجاشعٍ ... وشدَّ ابن ذيَّالٍ وخيلكَ وقَّفُ
وهمْ رجعُوها مسحرينَ كأنَّما ... بجعثنَ من حمَّى المدينةِ قفقفُ
وقد علم الأقوامُ أنَّ فتاتهمْ ... أذلَّتْ ردافاً كلَّ حالٍ تصرَّفُ
فباتتْ تنادي غالباً وكأنَّما ... على الرَّضفِ من جمرِ الكوانينِ ترضفُ
وتحلفُ ما أدموا لجعثنَ مثبراً ... ويشهدُ حوقُ المنقريِّ المجوَّفُ
وقد سلخُوا بالدّعسِ جلدَ عجانِها ... فما كادَ قرفٌ باستِها يتقرَّفُ
لجعثنَ بالسّيدانِ قدْ تعلمُونَه ... مساحجُ فيها لا تبيدُ ومزحفُ
على حفرِ السّيدانِ باتتْ كأنَّها ... سفينةُ ملاَّحٍ تقادُ وتجذفُ
وما قصدتْ في عقرِ جعثنَ منقرٌ ... ولكنْ تعدُّو في النّكاحِ وأسرفوا
وقدْ كانَ فيما سالَ من عرقِ استِها ... بيانٌ ورضفُ الرُّكبتينِ المجلَّفُ
وقدْ تركُوا بنتَ القيونِ كأنَّما ... بقيّةُ ما أبقَوا وجارٌ مجوَّفُ
بني مالكٍ أمسَى الفرزدقُ عابداً ... وجعثنُ باتتْ بالنآطلِ تدلفُ
وباتتْ ردافَى منقرٍ يركضونَها ... فضيَّعَ فيهمْ عقرَها المتردِّفُ
لحا اللهُ ليلى عرسَ صعصعةَ التِي ... تحبُّ بشارَ القينِ والقينُ أقلفُ
وإنّي لتبتزُّ الملوكَ فوارسي ... إذا غرَّكمُ ذو المرجلِ المتجخَّفُ
ألمْ ترَ تيمٌ كيفَ أرمِي مجاشِعاً ... شديدُ حبالُ المنجنيقينِ مقذفُ
عجبتُ لصهرٍ ساقكمُ آل درهمٍ ... إلى صهرِ أقوامٍ تلام وتصلفُ
لئيمانِ هذا يدَّعيها ابن درهمٍ ... وهذا ابن قينٍ جلدُهُ يتوسَّفُ
وما منعَ الأقيانُ عقرَ فتاتِهمِ ... ولا جارَهمْ والحرَّ من ذاكَ يأنفُ
أتمدحُ سعداً حينَ جرَّتْ مجاشعٌ ... عقيرةَ سعدٍ والخباءُ المكشَّفُ
نفاكَ حجيجُ البيتِ عن كلِّ مشعرٍ ... كما ردَّ ذو النوميّتينِ المزيَّفُ
стр. 169
وما زلتَ موقوفاً على كلِّ سوأةٍ ... وأنتَ بدارِ المخزياتِ موقَّفُ
ألؤماً وإقراراً على كلِّ سوأةٍ ... فما للمخازي عنْ قفيرةَ مصرَفُ
وما يحمدُ الأضيافُ رفدَ مجاشعٍ ... إذا روّحتْ حنّانةُ الرِّيح حرجفُ
إذا الشولُ راحتْ والقريعُ أمامَها ... وهنَّ ضئيلاتُ العرائكِ شسَّفُ
وأنتمْ بنو الخوّارِ يعرفُ ضربُهُ ... وأمُّكمُ فخٍّ قذامٌ وخيضفُ
وقائلةٍ ما للفرزدقِ لا يرى ... عن السِّن يستغنى ولا يتعفَّفُ
يقولونَ كلاَّ ليسَ للقينِ غالبٌ ... بلى إنَّ ضربَ القينِ للقينِ يعرفُ
ولمّا رأوا عينيْ جبيرٍ لغالبٍ ... أبانَ جبيرُ الرِّبيةَ المتقرِّفُ
أخو اللؤمِ ما دامَ الغضا عندَ عجلزٍ ... وما دامَ يسقى في رمادانَ أحقفُ
إذا ذقتَ منِّي طعمَ حربٍ مريرةٍ ... عطفتُ عليكَ الحربَ والحربُ تعطفُ
أتعدلُ كهفاً لا ترامُ حصونُهُ ... بهارِي المراقي جولهُ يتقصَّفُ
يحوطُ تميمٌ من يحوطُ حماهمُ ... ويحمي تميماً من لهُ ذاكَ يعرفُ
أنا ابنُ بني سعدٍ وعمروٍ ومالكٍ ... أنا ابنُ تميمٍ لا وشيظٍ تخلَّفوا
إذا خطرتْ عمروٌ ورائي وأصبحتْ ... قرومُ بنِي زيدٍ تسامَى وتصرفُ
ولمْ أنسَ من سعدٍ بقصوانَ مشهداً ... أو الأدمى ما دامتِ العينُ تطرِفُ
وسعدٌ إذا صاحَ العدوُّ بسرحِهمْ ... أبوا أنْ يهدُّوا للصّياحِ فأزحفُوا
ديارُ بني سعدٍ ولا سعدَ بعدهمْ ... عفتْ غيرَ أنقاءٍ بيبرين تعزفُ
إذا نزلتْ أسلافُ سعدٍ بلادَها ... وأثقالُ سعدٍ ظلَّتِ الأرضُ ترجفُ
وقال جريرٌ للفرزدق:
ألمْ ترَ أنَّ الجهلَ أقصرَ باطلُهْ ... وأمسَى عماءً قدْ تجلَّتْ مخايلُهْ
أجنُّ الهوى أمْ طائرُ البينِ شفِّني ... بجمدِ الصّفا تنعابه ومحاجلُهْ
لعلَّكَ محزونٌ لعرفانِ منزلٍ ... محيلٍ بوادي القريتينِ منازلُهْ
وإنَّ ولو لامَ العواذلُ مولعٌ ... بحبِّ الغضا من حبِّ منْ لا يزايلُهْ
وذا مرخٍ أحببتُ من حبِّ أهلِهِ ... وحيثُ انتهتْ في الرَّوضتينِ مسايلهْ
أتنسَى لطولِ العهدِ أمْ أنتَ ذاكرٌ ... خليلكَ ذا الوصلِ الكريمِ شمائلهْ
لحبَّ بنارٍ أوقدتْ بينَ محلبٍ ... وفردةَ لو يدنُو من الحبلِ واصلُهْ
وقدْ كانَ أحياناً بي الشَّوقُ مولعاً ... إذا الطَّرفُ الظّعّانُ ردّتْ حمائلُهْ
فلمّا التقى الحيّانِ ألقيتِ العصا ... وماتَ الهوى لمّا أصيبتْ مقاتلُهْ
لقد طالَ كتمانِي أمامةَ حبَّها ... فهذا أوانُ الحبِّ تبدو شواكلُهْ
إذا حلِّيتْ فالحليُ منها بمعقدٍ ... مليحٍ وإلاّ لم يشنْها معاطلُهْ
وقال اللّواتي كنَّ قبلُ يلمننِي ... لعلَّ الهوى يومَ المغيزلِ قاتلهْ
وقلنَ تروَّحْ لا تكنْ لكَ حاجةً ... وقلبكَ لا تشغلْ وهنَّ شواغلُهْ
ويومٍ كإبهامِ القطاةِ مزيَّنٍ ... إليَّ صباهُ غالبٍ ليَ باطلهْ
لهوتُ بجنّيِّ عليهِ سموطُهُ ... وإنسٌ مجاليهِ وأنسٌ شمائلُهْ
فما مغزلٌ أدماءُ تحنُو لشادنٍ ... كطوقِ الفتاةِ لم تشدّدْ مفاصلهْ
بأحسنَ منْها يومَ قالتْ أناظرٌ ... إلى الليلِ بعدَ النَّيلِ أمْ أنتَ عاجلهْ
فلو كانَ هذا الحبُّ حبّاً سلوتُه ... ولكنَّه داءٌ تعودُ عقابلُهْ
ولمْ أنسَ يوماً بالعقيقِ تخايلتْ ... ضحاهُ وطابتْ بالعشِيِّ أصائلُهْ
رُزِقنا به الصَّيدَ الغزيرَ ولم نكنْ ... كمنْ نبلهُ محرومةٌ وحبائلهْ
ثواني أجيادٍ ويودعنَ من صحا ... ومن بثه عن حاجةِ اللهوِ شاغلُهْ
فأيهاتَ أيهاتَ العقيقُ ومن بهِ ... وهيهاتَ وصلٌ بالعقيقِ نواصلهْ
لنا حاجةٌ فانظر وراءكَ هل ترَى ... بروضِ القطا الحيَّ المروّحَ جاملهْ
رعانُ أجاً مثلُ الفوالج دونهمْ ... ورملٌ خبتْ أنقاؤُهُ وخمائلُهْ
رددنا لشعثاءَ الرَّسولَ ولا أرى ... كشعثاءَ يومَ البينِ ردَّتْ رسائلُهْ
فلو كنتَ عندِي يومَ قوٍّ عذرتنِي ... بيومٍ زهتني جنُّهُ وأخابلُهُ
стр. 170
يقلنَ إذا ما حلَّ دينكَ عندَنا ... وخيرُ الذي يقضي من الدَّينِ عاجلهْ
لكَ الخيرُ لا نقضيكَ إلاَّ نسيئةً ... من الدَّينِ أو عرضاً فهلْ أنتَ قابلهْ
أمنْ ذكرِ ليلى والرُّسومِ التي خلتْ ... بنعفِ المنقّى راجعَ القلبَ خابلُهْ
عشيَّةَ بعنا الحلمَ بالجهلِ وانتحَى ... بنا أريحيّاتُ الصّبا وشمائلُهْ
وذلكَ يومٌ خيرهُ دونَ شرِّهِ ... تغيَّبَ واشيهِ وأقصرَ عاذلُهْ
وخرقٍ من الموماةِ أزور لا تُرى ... من البعدِ إلا بعدَ خمسٍ مناهلُهْ
قطعتُ بشجعاءِ الفؤادِ نجيبةٍ ... مروحٍ إذا ما النِّسعُ غرّزَ فاضلهْ
وقدْ قلَّصتْ عن منزلٍ غادرتْ بهِ ... من اللّيلِ جوناً لم تفرَجْ غياطلُهْ
وأجلادَ مضعوفٍ كأنَّ عظامَهُ ... عروقُ الرّخامى لم تشدَّدْ مفاصلهْ
ويدمَى أظلاَّها على كلِّ حرَّةٍ ... إذا استعرضتْ منها حزيزاً مناقلهْ
أنخنا فسبَّحنا ونوّرتِ السُّرَى ... بأعرافِ وردِ اللّونِ بلقٍ شواكلهْ
وأنصبُ وجهِي للسَّمومِ ودونَهُ ... شماطيطُ عرضيِّ تطيرُ رعابلُهْ
لنا إبلٌ لم تستجرْ غيرَ قومِها ... وغيرَ القنا صمّاً تهزُّ عواملهْ
رعتْ منبتَ الضمرانِ من سبلِ المعا ... إلى صلبِ أعيارٍ ترنُّ مساحلهْ
سقتْها الثُّريّا ديمةً واستقتْ بها ... غروبُ سماكيٍّ تهلَّلَ وابلهْ
ترى لحبيّيهِ رباباً كأنَّهُ غوادِي ... نعامٍ ينفضُ الزّفّ جافلهْ
تراعي مطافيلَ المها ويروعها ... ذبابُ النّدى تغريدهُ وصواهلُهْ
إذا حاولَ النّاسُ الشُّؤونَ وغادروا ... زلازلَ أمرٍ لم ترُعها زلازلُهْ
تبيحُ لنا عمروٌ وحنظلةُ الحمى ... ويدفعُ ركنُ الفزرِ عنها وكاهلُهْ
بني مالكٍ وكانَ للقومِ معقلاً ... إذا نظرَ المكروبُ أينَ معاقلُهْ
بذي نجبٍ ذُدنا وآكلَ مالكٌ ... أخاً لمْ يكنْ عندَ الطّعانِ يواكلهْ
أقمنا بما بينَ الشّرّبةِ فالملا ... يغنّي ابنَ ذي الجدَّينِ فينا سلاسلهْ
ونحنُ صبحنا الموتَ بشراً ورهطهُ ... صراحاً وجادَ ابني هجيمةَ وابُلهْ
ألا تسألونَ النّاسَ من ينهلُ القَنا ... ومنْ يمنعُ الثَّغرَ المخوفَ تلاتلُهْ
لنا كلُّ مشبوبٍ يروَّى بكفِّهِ ... جناحا سنانٍ ديلمِّيٍّ وعاملُهْ
يقلّصُ بالفضلينِ فضلِ مفاضةٍ ... وفضلِ نجادٍ لمْ تقطَّعْ حمائلُهْ
وعمّي رئيسُ الدّهمِ يومَ قراقرٍ ... فكان لنا مرباعهُ ونوافلُهْ
وكانَ لنا خرجٌ مقيمٌ عليهمِ ... وأسلابُ جبّارِ الملوكِ وجامِلُهْ
ودهمٍ كجنحُ اللّيلِ زرنا به العدَى ... لهُ عثيرٌ ممّا تثيرُ قنابلُهْ
إذا سوَّموا لم تمنعِ الأرضُ منهمُ ... حريداً ولم تحرزْ حريزاً معاقلُهْ
نحوطُ الحمَى والخيلُ عاديةٌ بنا ... كما ضربتْ في يوم طلٍّ أجادِلُهْ
أغرَّكَ أنْ قيلَ الفرزدقُ مرّةً ... وذو السَّنِّ يخصى بعدما شقَّ بازلُهْ
فإنَّكَ قدْ جاريتَ لا متكلّفاً ... ولا شنجاً يومَ الرِّهانِ أباجلُهْ
أنا البدرُ يغشَى طرفَ عينيكَ فالتمسْ ... بكفِّكَ يا ابنَ القينِ من أنتَ نائلهْ
لبستُ أداتِي والفرزدقُ لعبةٌ ... عليهِ وشاحا كرَّجٍ وخلاخلُهْ
أعدُّوا مع الحليٍ الملابَ فإنَّما ... جريرٌ لكمْ بعلٌ وأنتمْ حلائلُهْ
وأعطُوا كما أعطتْ عوان حليلَها ... أقرَّتْ لبعلٍ بعدَ بعلٍ تراسلُهْ
أنا الدّهرُ يفنِي الموتَ والموتُ خالدٌ ... فجئني بمثلِ الدَّهرِ شيئاً يطاولُهْ
أمنْ سفهِ الأحلامِ جاؤوا بقردهمْ ... إليَّ وما قردٌ لقرمٍ يصاولهْ
تغمَّدهُ آذيُّ بحري فغمَّهُ ... وألقاهُ في الحوتِ فالحوتُ آكلهْ
فإنْ كنتَ يا ابنَ القينِ رائمَ عزّنا ... فرمْ حضناً فانظر متى أنتَ ناقلهْ
بنى الخطفى حتَّى رضينا بما بنى ... فهل أنت إنْ لم يرضكَ القينُ قاتلُهْ
بنينا بناءً لن تنالوا فروعهُ ... وهدَّمَ أعلى ما بنيتمْ أسافلهْ
وما بكَ ردٌّ للأوابدِ بعدَما ... سبقنَ كسبقِ السيفِ ما قالَ عاذلُهْ
стр. 171
ستلقَى ذباباً طائفاً كانَ يتَّقَى ... ويقطعُ أضعافَ المنونِ أخائلُهْ
وما هجمَ الأقوامُ بيتاً ببيتهمْ ... ولا القينُ عن دارِ المذلَّةِ ناقلهْ
وما نحنُ أعطينا أسيدةَ حكمَها ... لعانٍ أعضَّتْ في الحديدِ سلاسلُهْ
ولسنا بذبحِ الجيشِ يومَ أوارَةٍ ... ولمْ يستبحنا عامرٌ وقبائلُهْ
عرفتمْ بني عبسٍ عشيَّةَ أقرنٍ ... فخلِّيَ للجيشِ اللّواءُ وحاملُهْ
وعمرانُ يومَ الأقرعينِ كأنَّما ... أناخَ بذي قرطينِ خرسٍ جلاجلُهْ
ولم يبقَ في سيفِ الفرزدقِ محملٌ ... وفي سيفِ ذكوانِ بن عمروٍ حمائلُهْ
هو القينُ يدنِي الكيرَ من صدإ استهِ ... ويعرفُ مسَّ الكلبتينِ أناملُهْ
ويرضعُ من لاقى وإن يلقَ مقعداً ... يقودُ بأعمى فالفرزدقُ سائلهْ
إذا وضعَ السّربالَ قالتْ مجاشعٌ ... له منكبا حوضِ الحمارِ وكاهلُهْ
وأنت ابن منخوبيّةٍ منْ مجاشعٍ ... تخضخضُ من ماء القيونِ مفاصلُهْ
على حفرِ السّيدانِ لاقيتَ خزيةً ... ويومَ الرَّحا لمْ ينقِ ثوبكَ غاسلُهْ
وقدْ نوَّختْها منقرٌ قد علمتُمُ ... بمعتلجِ الدّأيينِ شعرٌ كلاكلُهْ
يفرّجُ عمرانُ بن مرّةَ كينها ... وينزو نزاءَ العيرِ أعلقَ حابلُهْ
أصعصعَ ما بالُ ادّعائكَ غالباً ... وقدْ عرفتْ عيني جبيرٍ قبائلهْ
أصعصعَ أينَ السَّيفُ عن متشمّسٍ ... غيورٍ أربَّتْ بالقيونِ حلائلُهْ
وتزعمُ ليلى من جبيرٍ بريئةٌ ... وقدْ ضهلتْ في رحمِ ليلى ضواهلهْ
وزاولَ فيها القينُ محبوكةَ القفا ... كما زاولَ الكردوسَ في القدرِ ناشلهْ
أحارثُ خذْ من شئتَ منّا ومنهمْ ... ودعنا نقسْ مجداً تعدُّ فواضلهْ
فما في كتابِ اللهِ تهديمُ دارِنا ... بتهديمِ ماخورٍ خبيثٍ مداخلُهْ
وفي مخدعٍ منهُ نوارُ وشربُها ... وفي مخدعٍ وأكيارُهُ ومراجلُهْ
يميل به شربُ الحوانيتِ رائحاً ... إذا حرّكتْ أوتارَ صنجٍ أناملُهْ
ولستَ بذي درءٍ ولا ذي أرومَةٍ ... وما تعطَ من ضيمٍ فإنَّكَ قابلُهْ
جزعتمْ إلى صنّاجةٍ هرويّةٍ ... على حينِ لا يأتي مع الجدِّ باطلهْ
إذا صقلُوا سيفاً ضربنا بنصلِهِ ... وعادَ إلينا جفنهُ وحمائلُهْ
وقال جرير للبعيث وللفرزدق:
ذكرتَ وصالَ البيضِ والشَّيبُ شائعُ ... ودارُ الصّبا من عهدهنَّ بلاقعُ
أشتَّتْ عمادَ البينِ واختلفَ الهوَى ... ليقطعَ ما بينَ القرينينِ قاطعُ
لعلّكَ يوماً أن تساعفكَ الهوَى ... فيجمعَ شعبي طيّةٍ لكَ جامعُ
أخالدُ ما من حاجةٍ ينبري لنا ... بذكراكِ إلاَّ ارفضَّ منّي المدامعُ
وأقرضتُ ليلى الودَّ ثمَّتَ لم تردْ ... لتجزيَ قرضِي والقروضُ ودائعُ
سمتْ لكَ منها حاجةٌ يومَ ثهمَدٍ ... ومذعا وأعناقُ المطِيّ خواضعُ
يسمنَ كما سامَ المنيحانِ أقدُحاً ... نحاهنَّ من شيبانَ سمحٌ مخالعُ
فهلاَّ اثقيت الله إذا رعت محرماً ... سرى ثم ألقى رحله فهو هاجعُ
ومن دونِهِ تيهٌ كأنَّ شخاصَها ... يحلنَ بأمثالٍ فهنَّ شوافعُ
تحنُّ قلوصي بعدَ هدءٍ وشاقَها ... وميضٌ على ذاتِ السَّلاسلِ لامعُ
فقلتُ لها حنّي رويداً فإنَّني ... إلى أهلِ نجدٍ من تهامةَ نازعُ
تفيّضُ فراها بجونٍ كأنَّهُ ... كحيلٌ جرى من قنفذ اللّيتِ نابعُ
ألا حييّا الأعرافَ من منبتِ الغضا ... وحيثُ حبا حولَ الصَّريفِ الأجارعُ
سلمتَ وجادتكَ الغيوثُ الرّوابعُ ... فإنَّكَ وادٍ للأحبَّةِ جامعُ
أتنسينَ ما نسرِي لحبِّ لقائكمْ ... وتهجيرنا والبيدُ غبرٌ خواضعُ
أتنسينَ ما نسري لحبِّ لقائكمْ ... وتهجيرَنا والبيدُ غبرٌ خواضعُ
بني القين لاقيتمْ شجاعاً بهضبةٍ ... ربيبَ جبالٍ تتَّقيهِ الأشاجعُ
ولمّا رأيتُ النّاسَ هرّتْ كلابهُمْ ... تشيّعتُ إذْ لم يحمِ إلاَّ المشايعُ
وجهّزتُ في الأفاقِ كلَّ قصيدَةٍ ... شرودٍ ورودٍ كلَّ ركبٍ تنازعُ
يجزنَ إلى نجرانَ من كانَ دونَهُ ... ويظهرنَ في نجدٍ وهنَّ صوادعُ
стр. 172
تعرَّضُ أمثالَ القوافِي كأنَّها ... نجائبُ تعلُو مربداً فتطالِعُ
أجئتمْ تبغَّونَ العرامَ فعندَنا ... عرامٌ لمن يبغِي العرامةَ واسعُ
تشمَّسُ يربُوعٌ ورائيَ بالقَنا ... وعادَتُنا الإقدامُ يومَ نقارعُ
لنا جبلٌ صعبٌ عليهِ مهابةٌ ... منيعُ الذرَى في الخندفيّينَ فارعُ
وفي الحيِّ يربوعٌ إذا ما تشمَّسوا ... وفي الهندُوانيّاتِ للضيمِ مانعُ
لنا في بني سعدٍ جبالٌ حصينةٌ ... ومنتفدٌ في باحةِ العزِّ واسعُ
وتبذخُ من سعدٍ قرومٌ بمفرعٍ ... لهمْ عندَ أبوابِ الملوك تدافعُ
لسعدٍ ذرَى عاديَّةٍ يهتدَي بها ... ودرءٌ على من يبتغي الدَّرءَ ضالعُ
وإنَّ حمىً لمْ يحمهِ غير فرتنا ... وغيرُ ابن ذي الكيرين خزيانُ ضائعُ
رأتْ مالكٌ نبلَ الفرزدق قصَّرتْ ... عن المجدِ إذ لا يأتلِي الغلوَ نازعُ
تعرَّضَ حتَّى أثبتتْ بينَ خطمِهِ ... وبينَ مخطِّ الحاجبينِ القوارعُ
أرى الشّيبَ في رأسِ الفرزدقِ قد علا ... لهازمَ قردٍ رنَّحتْهُ الصّواقعُ
وأنتَ ابنَ قينٍ يا فرزدقُ فازدهِرْ ... بكيركَ إنَّ الكيرَ للقينِ نافعُ
فإنْ تكُ إنْ تنفخْ بكيركَ تلقَنا ... نعدَّ القنا والخيلَ يومَ نقارعُ
وأمّا بنو سعدٍ فلوْ قلتَ أنصتُوا ... لتنشدَ فيهم حزَّ أنفكَ جادعُ
رأيتكَ إنْ لمْ يغنكَ اللهُ بالغنى ... لجأتَ إلى قيسٍ وخدُّكَ ضارعُ
وما ذاكَ إنْ أعطى الفرزدقُ باستهِ ... بأوَّلِ ثغرٍ ضيَّعتهُ مجاشعُ
ألا إنَّما مجدُ الفرزدقِ كيرهُ ... وذخرٌ لهُ في الجنبتين قعاقعُ
يقولُ لليلى قينُ صعصعةَ اشفعي ... وفيما وراءَ الكير للقينِ شافعُ
لعمرِي لقدْ كانتْ قفيرةُ بيَّنتْ ... وشعرةُ في عينيكَ إذ أنتَ يافعُ
يبيّنُ في عينيكَ من حمرةِ استِها ... بروقٌ ومصفرٌّ من اللَّونِ فاقعُ
إذا سفرتْ يوماً نساءُ مجاشعٍ ... بدتْ سوأةٌ ممّا تجنُّ البراقعُ
مناخرُ سافتْها القيونُ كأنَّها ... أنوفُ خنازيرِ السَّوادِ القوابعُ
مباشيمُ عن غبِّ الخزيرِ كأنَّما ... يصوِّتُ في أعفاجهنَّ الضَّفادعُ
لقدْ قوستْ أمُّ البعيثِ وأتعبتْ ... على الزَّفرِ حتّى شنَّجتْها الأخادعُ
صبورٍ على عضِّ الهوانِ إذا شتتْ ... وإنْ جاءَ صيفٌ تبتغي من تباضعُ
وقدْ علمتْ غيرَ الفياشِ مجاشعٌ ... إلى من تصيرُ الخافقاتُ اللّوامعُ
لنا جانبا مجدٍ فبانٍ لنا العلَى ... وحامٍ إذا احمرَّ القنا والأشاجعُ
أتعدَلُ أحسابٌ كرامٌ حماتُها ... بأحسابكُم إنِّي إلى اللهِ راجعُ
لقومِي أحمَى في الحقيقةِ منكمُ ... وأضربُ للجبّارِ والنَّقعُ ساطِعُ
وأوثقُ عندَ المردفاتِ عشيّةً ... لحاقاً إذا ما جرَّدَ السَّيفَ لامعُ
وأمنعُ جيراناً وأحمدُ للقرى ... إذا اغبرَّ في المحلِ النجومُ الطّوالعُ
وسامٍ بدهمٍ غيرِ منتقضِ القوى ... رئيسٍ سلبنا بزَّةُ وهو وادعُ
ندسْنا أبا مندوسةَ القينَ بالقنا ... ومارَ دمٌ من جارِ بيبةَ ناقعُ
ونحنُ نفرنا حاجباً مجدَ قومِهِ ... وما نالَ عمروٌ مجدَنا والأقارعُ
ونحنُ صدعْنا هامةَ ابنِ محرِّقٍ ... فما رقأتْ بعدَ العيونِ الدَّوامعُ
وما ماتَ قومٌ ضامنينَ لنا دماً ... فيوفينا إلاَّ دماءٌ شوافعُ
بمرهفةٍ بيضٍ إذا هي جرِّدَتْ ... تألَّقَ فيهنَّ المنايا الكوامعُ
لقدْ كانَ يا أولادَ جخجخ فيكمُ ... محوَّلُ رحلٍ للزُّبيرِ ومانعُ
وقد كانَ في يومٍ الحوارِي جاركمْ ... أحاديثُ صمَّتْ من ثناها المسامعُ
وبتُّمْ تعشّونَ الخزيرَ كأنَّكمْ ... مطلَّقةٌ حيناً وحيناً تراجعُ
يقبِّحُ جبريلٌ وجوهَ مجاشعٍ ... وتنعَى الحواريَّ النجومُ الطّوالعُ
إذا قيلَ أيُّ النّاسِ شرٌّ قبيلةً ... وأعظمُ عاراً قيلَ تلكَ مجاشعُ
بني ضمضمِ السوءاتِ لمّا أقادكُمْ ... نبيهُ استِها سدَّتْ عليكَ المطالعُ
فأصبحَ عوفٌ كالسِّنانِ وأصبحتْ ... تقيسُ جشاءاتِ الخزيرِ مجاشعُ
стр. 173
ولا سلمتْ منها حويَّ ولا نجتْ ... فروجُ البغايا ضمضمٌ والصّعاصعُ
ندمتَ على يومِ السِّباقينِ بعدَما ... وهيتَ فلم يوجدْ لوهيكَ راقعُ
فما أنتمُ بالقومِ يومَ افتديتمُ ... به عنوةً والسَّمهريُّ شوارعُ
وقال جرير يرد على الفرزدق، ويهجو آل الزبرقان بن بدرٍ ويخصُّ عياشاً وأخوته بني الزبرقان:
أمنْ عهدِ ذي عهدٍ تفيضُ مدامعي ... كأنَّ قذى العينينِ من حبِّ فلفلِ
فإن يرَ سلمَى الجنُّ يستأنسوا بها ... وإن يرَ سلمَى راهبُ الطُّورِ ينزلِ
من البيضِ لم تظعنْ بعيداً ولم تطأ ... على الأرض إلاَّ نيرَ مرطٍ مرحَّلِ
إذا ما مشتْ لمَّ تنتهزْ وتأوَّدتْ ... كما انآدَ من خيلٍ وجٍ غيرُ منعلِ
كما مالَ فضلُ الجلِّ عن متنِ عائذٍ ... أطافتْ بمهرٍ في رباطٍ مطوَّلِ
لها مثلُ لونِ البدرِ في ليلةِ الدُّجَى ... وريحُ الخزامَى في دماثٍ مسيَّلِ
أإنْ شبَّ قينٌ وابنُ قينٍ غضبتمُ ... أبهدلَ يا أفناءَ سعدٍ لبهدلِ
أعيّاشُ قد ذاقَ القيونُ مرارتِي ... وأوقدتُ ناري دونَ ناركَ فاصطلِي
سأذكرُ ما قالَ الحطيئةُ جارُكم ... وأحدثُ وسماً فوقَ وسمِ المخبَّلِ
أعياشُ ما تغنِي قفيرةُ بعدما ... سقيتكَ سماً في مرارةِ حنظلِ
أعيّاشُ قدْ آوتْ قفيرةُ نسلَها ... إلى بيتِ لؤمٍ ما له من محوّلِ
تذئرُ أبكارَ اللّقاحِ ولم تكنْ ... قفيرةُ تدرِي ما جناةُ القرنفلِ
فإنْ تدّعُوا للزبرقانِ فإنَّكمْ ... بنو بنتِ قينٍ ذي علاةٍ ومرجلِ
وما حافظتْ يومَ الزُّبير مجاشعٌ ... بنو ثيلِ خوّارٍ يداوَي بجرملِ
ولو باتَ فينا رحلُهُ قدْ علمتُمُ ... لآئبَ سليماً والضبَّابةُ تنجلِي
فشدُّوا الحبَى للغدرِ إنِّي مشمِّرٌ ... إذا ما علا متنَ المفاضةِ محملِي
فلا تطلبنْ يا ابني قفيرةَ سابقاً ... يدقُّ جماحاً كلَّ فأسٍ ومسحلِ
كما رامَ منّا القينُ أيّامَ صوأرٍ ... فلاقي جماحاً من حمامٍ معجَّلِ
ضغا القردُ لمّا مسَّهُ الجهدُ واشتكَى ... بنو القينِ منِّي حدَّ نابٍ وكلكلِ
أتمدحُ سعداً بعدَ أسلابِ جاركمُ ... وحرِّ فتاةٍ عقرُها لم نحلِّلِ
أجعثنُ قد لاقيتِ عمرانَ شارباً ... على الحبّةِ الخضراءِ ألبانَ أيَّلِ
فباتتْ تناكُ الشَّغزبيَّةَ بعدَما ... دعتْ بنتَ قينٍ باتَ لمْ يتوكَّلِ
توجَّعُ رصفَ الرُّكبتينِ وتشتكي ... مساحجَ من رضراضةٍ ذاتِ جندَلِ
لعلكَ ترجُو يا ابن نافخ كيرهِ ... قروماً شبا أنيابها لمْ تفلَّلِ
أتعدلُ يربوعاً وأيّامَ حيلها ... بأيّامِ مضفونينِ في الحربِ عزَّلِ
ألا تسألُونَ المردفاتِ عشيَّةً ... مع القومِ لا يخبأنَ ساقاً لمجتلِي
من المانعونَ السَّبْي لا يمنعونَهُ ... وأصحابُ أغلالِ الرَّئيسِ المكبَّلِ
وفي أيَّ يومٍ لم تسلَّلْ سيوفنا ... فنعلو بها هامَ الجبابرِ من علِ
فما لمتُ نفسِي في حديثٍ ولمتُهُ ... ولا لمتُ فيما قدَّر اللهُ أوَّلِي
وقال جريرُ يردُّ على الفرزدق:
لا خيرَ في مستعجلاتِ الملاومِ ... ولا في حبيبٍ وصلُهُ غيرُ دائمِ
ولا خيرَ في مالٍ عليهِ أليَّةٌ ... ولا في يمينٍ غيرِ ذاتِ مخارمِ
تركتُ الصّبا من رهبةٍ أن يهجنِي ... بتوضحَ رسمُ المنزلِ المتقادمِ
وقال صحابي مالهُ قلتُ حاجةٌ ... تهيجُ صدوعَ القلب بينَ الحيازمِ
تقولُ لنا سلمَى من القومُ أن رأتْ ... وجوهاً عتاقاً لوِّحتْ بالسَّمائمِ
لقدْ لُمتِنا يا أمَّ غيلانَ في السُّرَى ... ونمتِ وما ليلُ المطِيِّ بنائمِ
وأرفعُ صدرَ العِيسِ وهي شملَّةٌ ... إذا ما السُّرَى مالتْ بلوثِ العمائمِ
بأغبرَ خفّاقٍ كأنَّ قتامَهُ ... دخانُ الغضا يعلُو فروجَ المخارمِ
إذا العفرُ لاذّتْ بالكناسِ وهجَّجتْ ... عيون المهارِي من أجيج السَّمائمِ
وإنَّ سوادَ اللّيلِ لا يستفزُّني ... ولا الجاعلاتِ العاجَ فوقَ المعاصمِ
ظللنا بمستنِّ الحرورِ كأنَّنا ... لدى فرسٍ مستقبلِ الرِّيحِ صائمِ
стр. 174
أغرَّ من البلقِ العتاقِ يشفُّهُ ... أذى البقِّ إلاَّ ما احتمَى بالقوائمِ
وظلَّتْ قراقيرُ الفلاةِ مناخةً ... بأكوارِها معكوسةً بالخزائمِ
أنخنَ لتغويرٍ وقدْ وقدَ الحصَى ... وذابَ لعابُ الشَّمسِ فوقَ الجماجمِ
ومنقوشةٌ نقشَ الدَّنانيرِ عوليتْ ... على عجلٍ فوقَ العتاقِ العياهمِ
بنتْ لي يربوعٌ على الشَّرفِ العلَى ... دعائمَ زادتْ فوقَ ذرعِ الدَّعائمِ
فمنْ يستجرِنا لا يخفْ بعدَ عقدِنا ... ومنْ لا يصالحْنا يبتْ غير نائمِ
بنِي القينِ إنّا لن نفوتَ عدوَّنا ... بوترٍ ولا نعطيهمُ بالخزائمِ
وإنّي من القومِ الذينَ تعدُّهم ... تميمٌ حماةَ المأزقِ المتلاحمِ
ترى الصيِّدَ حولِي من عبيدٍ وجعفرٍ ... بناةٌ لعادِيٍّ رفيعِ الدَّعائمِ
تشمَّسُ يربوعٌ ورائي بالقنا ... وتلقَى حبالَى عرضةً للمراجمِ
إذا خطرتْ حولِي رياحٌ تضمَّنتْ ... بفوزِ المعالي والثّأيّ المتفاقمِ
وإنْ حلَّ بيتي في رقاشٍ وجدتني ... إلى تدرءٍ من حومِ عزٍّ قماقمِ
رأيتُ قرومي من قريبةُ أوطأتْ ... حماكَ وخيلي تدَّعي يآلَ عاصِمِ
وإنَّ ليربوعٍ من العزِّ باذخاً ... بعيدَ السَّواقي خندفَّيّ المخارِمِ
أخذنا يزيدَ وابنَ كبشةَ عنوةً ... وما لمْ ينالوا من لُهانا العظائمِ
ونحنُ قتلنا الحضرميَّ ابن عامرٍ ... ومروانُ من أنفالِنا في المقاسمِ
ونحنُ تدارَكنا بحِيراً ورهطَهُ ... ونحنُ منعنا السَّبيَ يومَ الأراقمِ
ونحنُ صدعنا هامةَ ابنِ خويلدٍ ... على حيثُ تستقِيهِ أمُّ الجواثمِ
ونحنُ تدارَكنا المجبَّةَ بعدَما ... تجاهدَ جريُ المبقياتِ الصَّلادِمِ
ونحنُ ضربنا هامةَ ابن محرِّقٍ ... كذلكَ نعصَى بالسُّيوفِ الصَّوارِمِ
ونحنُ ضربنا جارَ بيبةَ فانتهَى ... على خسفِ محكومٍ لهُ الضَّيمُ راغمِ
فوارسُ أبلوا في جعادةَ مصدقاً ... وأبكوْا عيوناً بالدُّموع السّواجمِ
علوتُ عليكمْ في الفروعِ وتستقي ... دلائيَ من حومِ البحورِ الخضارمِ
مددتُ رشاءً لا يمدُّ لريبةٍ ... ولا غدرةٍ في السَّالفِ المتقادمِ
تعالوا نحاكمكمْ وفي الحقِّ مقنعٌ ... إلى الغرِّ من آلِ البطاحِ الأركارمِ
وإنَّ قريشَ الحقِّ لو نفعَ الهوَى ... لن يقبلُوا في اللهِ لومةَ لائمِ
فإنّي لراضٍ عبدَ شمسٍ وما قضتْ ... وراضٍ بحكمِ الصِّيدِ من آلِ هاشمِ
وراضٍ بني تيمِ بن مرَّةَ إنّهمْ ... قرومٌ تسامَى للعُلَى والمكارمِ
وأرضَى المغيريّينَ في الحكمِ إنَّهُمْ ... بحورٌ وأخوالُ البحورِ القماقمِ
وراضٍ بحكمِ الحيِّ بكر بن وائلٍ ... إذا كانَ في الذُّهلينِ أوفى اللهازمِ
فإنْ شئتَ كانَ اليشكريُّونَ بيننا ... بحكمِ كريمٍ بالفريضةِ عالمِ
نذَكِّرُهمْ باللهِ من ينهلُ القَنا ... ويفرحُ ضيقَ المأزقِ المتلاحمِ
ومن يضربُ الجبّارَ والخيلُ ترتقي ... أعنَّتُها في ساطع النَّقعِ قاتمِ
ومن يدركُ المستردفاتِ عشيَّةً ... إذا ولِّهتْ عوذُ النِّساءِ الرَّوائمِ
أردنا غداةَ الغبِّ ألاَّ تلُومَنا ... تميمٌ وحاذرنا حديثَ المواسمِ
وكنتمْ لنا الأتباعَ في كلِّ معظمٍ ... وريشُ الذُّبابى تابعٌ للقوادمِ
وما زادَني بعدُ المدَى نقضَ مرَّةٍ ... وما رقَّ عظمِي للضُّروسِ العواجمِ
ترانِي إذا ما النَّاسُ عدُّوا قديمهمْ ... وفضلَ المساعِي مسفراً غيرَ واجمِ
وإن عدّتِ الأيّامِ أخزيت دراماً ... وتخزيك يا ابن القين أيام درام
فخرت بأيام الفوارسِ فافخرُوا ... بأيامِ قينيكمْ جبيرٍ وداسِمِ
بأيّامِ قومِي ما لقومكَ مثلهُمْ ... بها سهَّلوا عنّي خبارَ الجراثمِ
أقينَ بنَ قينٍ لا يسرُّ نساءَنا ... بذِي نجبٍ أنّا ادَّعينا لدارمِ
وفينا كما أدَّتْ ربيعةُ خالداً ... إلى قومهِ حرباً وإن لم يسالمِ
هو القينُ وابنُ القينِ لاقينَ مثلهُ ... لفطحِ المساحِي أو لجدلِ الأداهمِ
стр. 175
وفي مالكٌ للجارِ لمّا تحدَّبتْ ... عليهِ الذّرى من وائلٍ والغلاصمِ
ألا إنَّما كانَ الفرزدقُ ثعلباً ... ضغا وهو في أشداقِ ليثٍ ضبارِمِ
لقدْ ولدتْ أمُّ الفرزدقِ فاسقاً ... وجاءتْ بوزوازٍ قصيرِ القوائمِ
جريتَ بعرقٍ من قفيرةَ مقرفٍ ... وكبوةِ عرقٍ في شظىً غيرِ سالمِ
إذا قيلَ منْ أم الفرزدقِ بيّنتْ ... قفيرةُ منهُ في القفا واللهازمِ
قفيرةُ من قنٍّ لسلمَى بن جندَلٍ ... أبوكَ ابنُها وابنُ الإماءِ الخوادمِ
وأورثكَ القينُ العلاةَ ومرجلاً ... وأطلاحَ أخراتِ الفؤوسِ الكرازِمِ
وأرثنا آباؤُنا مشرفيَّةً ... تميتُ بأيدينا فروخَ الجماجمِ
أيحلمُ بالقتلَى هبيرُ بنُ ضمضمٍ ... إذا نمتَ أيرٌ في استِ أمّ الضَّماضمِ
وقال جرير يرد على الفرزدق، ويهجو الزبرقان بن بدر، وبني طهيّة:
تعلّلنا أمامةُ بالعداتِ ... وما يشفِي القلوبَ الصَّادياتِ
فلولا حبّها وإلهِ موسى ... لودَّعتُ الصِّبا والغانياتِ
وما صبري عن الذلفاء إلاَّ ... كصبرِ الحوتِ عن ماء الفراتِ
إذا رضيتْ رضيتُ وتعتريني ... إذا غضبتْ كهيضاتِ السُّباتِ
رجوتمْ يا بني وقبانَ موتِي ... وأرجوا أنْ تطولَ لكمْ حياتِي
إذا اجتمعُوا علّي فخلِّ عنهُمْ ... وعن بازٍ يصكُّ حبارياتِ
إذا طربَ الحمامُ حمامُ نجدٍ ... نعى جارَ الأقارع والحتاتِ
إذا ما اللّيلُ هاجَ صدىً حزيناً ... بكى جزعاً عليهِ إلى الممّاتِ
أتفخرُ بالمحمَّمِ قينُ ليلَى ... وبالكيرِ الموقَّعِ والعلاتِ
وأمُّكُمُ قفيرةُ ربَّبتكُمْ ... بدارِ اللُّؤمِ في دمنِ النَّباتِ
غدرتُمْ بالزُّبيرِ وخنتُموه ... فما ترجُوا طهيَّةُ من ثباتِ
ألمْ يكُ ذو الشَّداةِ يخافُ منِّي ... فما ترجُو طهيَّةُ من شذاتِي
كرامُ الحيِّ إنْ شهدُوا كفونِي ... وإنْ وصيتُهُمْ حفظُوا وصاتِي
وحانَ بنُو قفيرةَ إذ أتونِي ... بقينٍ مدمنٍ قرعَ العلاتِ
تركتُ القينَ أطوعَ من خصيٍّ ... ذلولٍ في خزامتهِ مؤاتِ
أبا لقينينِ والنَّخباتِ ترجُو ... ليربوعٍ شقاشقَ باذخاتِ
همُ حبسوا بذي نجبٍ حفاظاً ... وهمْ زادُوا الخميسَ بوارداتِ
وترفعنا عليكَ إذا افتخرنا ... ليربوعٍ بواذخُ شامخاتِ
وهم سلبُوا الجبابرَ تاجَ ملكٍ ... بطخفةَ عندَ معتركِ الكماتِ
فقدْ غرقَ الفرزدقُ إذ علتْهُ ... غواربُ يلتطمنَ من الفُراتِ
رأيتكَ يا فرزدقُ وسطَ سعدٍ ... إذا بيّتَّ بئسَ أخو البياتِ
وهلْ لاقيتَ ويلكَ من كريمٍ ... ينامُ كما تنامُ عن التراتِ
نسيتمْ عقرَ جعثنَ واحتبيتمْ ... ألا تبّاً لفخركَ بالحباتِ
وقدْ دميتْ مواقعُ ركبتيها ... من الأبراكِ ليسَ من الصَّلاتِ
تبيتُ الليلَ تسلقُ إسكتاها ... كدأبِ التركِ تلعبُ باكراتِ
وحطّ المنقريَّ بها فخرَّتْ ... على أمِّ القفا واللّيلُ عاتِ
تنادي غالباً وبنِي عقالٍ ... لقدْ أخزيتَ قومكَ في النَّداتِ
وجدنا نسوةً لبنِي عقالٍ ... بدارِ الخزي أغراضَ الرُّماتِ
غوانٍ هنَّ أخبثُ من حميرٍ ... وأمجنُ من نساءٍ مشرِكاتِ
وسوداءِ المجرَّدِ من عقالٍ ... تبايعُ من دنا خذ ذا وهاتِ
وأنتمْ تنفرونَ الزّبرقانِ أحقَّ عيرٍ ... برميسٍ إذْ تعرَّضَ للرُّماتِ
تضمَّنَ ما أضعتَ بنو قريعٍ ... لجاركَ أن تموتَ من الخفاتِ
تدلَّى يا ابنَ مرَّةَ قد علمتمْ ... تدلٍّ وهو ينهزُ بالدَّلاتِ
وقال جرير يهجو غسانَ بن دهبلٍ السَّليطيَّ:
ألا بكرتْ سلمَى فجدَّ بكورُها ... وشقَّ العصا اجتماعٍ أميرُها
إذا نحنُ قلنا قدْ تباينتِ النّوى ... ترقرقُ سلمَى عبرةً أو تميرُها
لها قصبٌ ريّانُ قد شجيتْ به ... خلاخلُ سلمَى المصمتاتُ وسورُها
إذا نحنُ لم نملكْ لسلمَى زيارَةً ... نفسنا جدى سلمَى على من يزورُها
فهلْ تبلغنّي الحاجَ مضبورةَ القرَى ... بطيءٌ بمورِ النَّاعجاتِ فتورُها
стр. 176
نجاةٌ يصلُّ المروُ تحتَ أظلَّها ... بلاحقةِ الآطالِ حامٍ هجيرُها
ألا ليتَ شعري عنْ سليطٍ ألمْ يجدْ ... سليطٌ سوى غسانَ جاراً يجيرُها
لقدْ ضمنّوا الأحسابَ صاحبَ سوأةٍ ... يناجي بها نفساً لئيماً ضميرها
ونبئتُ غسّانَ بن واهصةِ الخصى ... يلجلجُ منّي مضغةً لا يحيرُها
ستعلمُ ما يغنِي حكيمٌ ومنقعٌ ... إذا الحربُ لم يرجعْ بصلحٍ سفيرُها
ألا ساءَ ما تبلَى سليطٌ إذا ربتْ ... جواشنُها وازدادَ عرضاً ظهورُها
بأستاهِها ترمِي سليطٌ وتتَّقي ... ويرمِي نضالاً عن كليبٍ جريرُها
ولمّا علاكمْ صكُّ بازٍ جنحتُمُ ... بأستاهِ خربانٍ تصرُّ صقورُها
عضاريطُ يشوونَ الفراسنَ بالضُّحى ... إذا ما السَّرايا حثَّ ركضاً مغيرُها
فما في سليطٍ فارسٌ ذو حفيظةٍ ... ومعقلُها يومَ الهياجِ جعورُها
أضجُّوا الرَّوايا بالمزادِ فإنَّكمْ ... ستلقونَ كرَّ الخيلِ تدمَى نحورُها
عجبتُ من الدّاعِي جحيشاً وصائداً ... وعيساءُ يسعَى بالعلابِ نفيرُها
أساعيةٌ عيساءُ والضّأنُ حفَّلٌ ... فما حاولتْ عيساءُ أمّا عذيرُها
إذا ما تعاظمتمْ جعوراً فشرِّفوا ... جحيشاً إذا آبتْ من الصَّيفِ عيرُها
أناساً يخالونَ العباءَةَ فيهمِ ... قطيفةَ مرعزَّى يقلَّبُ نيرُها
كأنَّ سليطاً في جواشنها الخصَى ... إذا حلَّ بينَ الأملحينِ وقيرُها
إذا قيلَ ركبٌ من سليطٍ فقبِّحتْ ... ركاباً وركباناً لئيماً بشيرُها
نهيتكمُ أن تركبُوا ذاتَ ناطحٍ ... من الحربِ يلوي بالرِّداءِ نذيرُها
وما بكمُ صبرٌ على مشرفيَّةٍ ... تعضُّ فراخَ الهامِ أو تستطيرُها
تمنَّيتُمُ أنْ تسلُبُوا القاعَ أهلَهُ ... كذاكَ المُنى غرَّتْ جحيشاً غرورُها
وقد كانَ في بقعاءَ ريٌّ لشائكمْ ... وتلعةَ والجوفاءَ يجري غديرُها
تناهوا ولا تستورِدوا مشرفيَّةً ... تطيرُ شؤونَ الرأسِ منها ذكورُها
كأنَّ السَّلِيطيّينَ أنقاضُ كمأةٍ ... لأوَّلِ جانٍ بالعصَى يستثيرُها
غضبتُمْ علينا أو تغنَّيتُمُ بنا ... أن اخضرَّ من بطنِ التَّلاعِ غميرُها
ولو كانَ حلمٌ نافعٌ في مقلَّدٍ ... لما وغرتْ من غير جرمٍ صُدورها
بنو الخطفى والخيلُ أيامَ سوقَةٍ ... جلوا عنكمْ الظَّلماءَ وانشقَّ نورُها
وفي بئرِ حصنٍ أدركتنا حفيظةٌ ... وقدْ ردَّ فيها مرَّتينِ جفِيرُها
فجئنا وقدْ كانتْ مراغاً وبرّكتْ ... عليها مخاضٌ لم تجدْ من يثرُها
لئنْ ضلَّ يوماً بالمجشَّرِ رأيُهُ ... وكانَ لعوفٍ حاسداً لا يضيرُها
فأوْلَى وأولَى أنْ أصيبَ مقلداً ... بفاشيةِ العدوَى سريعٍ نشُورُها
لقدْ جردتْ يومَ الحدابِ نساؤُهمْ ... فساءتْ مجالِيها وقلّتْ مهورُها
وقال جريرٌ يهجو البعيث المجاشعيّ، وكان ضلعُ البعيث على بني سليطٍ:
لمنْ طللٌ هاجَ الفؤادَ المتيَّما ... وهمَّ بسلمانينَ أنْ يتكلَّما
أمنزلتَيْ هندٍ بناظرةَ اسلَما ... وما راجع العرفانَ إلاَّتوهُّما
كأنَّ ديارَ الحيِّ ريشُ حمامةٍ ... محاها البلَى واستجمعتْ أنْ تكلَّما
لقدْ آذنتْ هندٌ خليلٌ ليصرِما ... على طولِ ما بكَّى بهندٍ وهيَّما
طوى البينُ أسبابَ الوصالِ وحاولتْ ... بكنهلَ أقرانُ الهوَى أنْ تجذَّما
وقدْ كانَ منْ شأنِ الغويّ ظعائنٌ ... رفعنَ الرَّنا والعبقرِيَّ المرَقَّما
كأنَّ حمولَ الحيِّ زلنَ بيانعٍ ... من الواردِ البطحاءِ من نخلِ ملْهَما
سقيتُ دمَ الحيّاتِ ما ذنبُ زائرٍ ... يلمِّ فيعطِي نائلاً أن يكلّما
سقيتُ دمَ الحيّاتِ ما ذنبُ زائِرٍ ... يلمِّ فيعطِي نائلاً أنْ يكلّما
وأحدثُ عهدِي والشَّبابُ كأنَّه ... عسيبٌ نما في ريَّةٍ فتقوَّما
بهندٍ وهندٍ همُّهُ غيرَ أنَّها ... ترى البخلَ والعلاَّتِ في والوعدِ مغنما
لقدْ علقتْ بالنَّفسِ منها علائقٌ ... أبى طولُ هذا الدَّهرِ أن يتصرَّما
стр. 177
دعتكَ لها أسبابُ طولِ بليَّةٍ ... ووجدٌ بها هاجَ الحديثَ المكتَّما
على حينَ أنْ ولّى الشّبابُ لشأنهِ ... وأصبحَ بالشَّيبِ المحيل تعمَّما
ألا ليتَ هذا الجهلَ عنّا تصرَّما ... وأحدثَ حلماً قلبُهُ فتحلَّما
أنيختْ ركابي بالأحزَّةِ بعدَما ... خبطنَ بحورانَ السَّريحَ المخدَّما
وأدنِي وسادي من ذراعيْ شملّةٍ ... وأتركُ عاجاً قد علمتُ ومعصما
وعاوٍ عوى من غير شيءٍ رميتُهُ ... بقارعةٍ أنفاذُها تقطرُ الدَّما
خروجٍ بأفواهِ الرُّواةِ كأنَّها ... قرى هندُوانيٍّ إذا هزَّ صمَّما
فإنَّي لهاجيكمُ بكلِّ غريبةٍ ... شرودٍ إذا السَّاري بليلٍ ترنَّما
غرائبَ ألاَّفاً إذا حانَ وردُها ... أخذنَ طريقاً للقصائدِ معلما
لعمرِي لقدْ جارَى دعيُّ مجاشعٍ ... عذوماً على طولِ المجاراةِ مرجَما
ولاقيتَ منِّي مثلَ غارة داحسٍ ... وموقفهِ فاستأخرنْ أو تقدَّما
فإنَّي لهاجيكمْ وإنّي لراغبٌ ... بأحسابنا فضلاً بنا وتكرُّما
أرى سوأةً فخرَ البعيثِ وأمُّهُ ... تعارضُ خاليهِ يساراً ومقسَما
تبينُ إذا ألقَى العمامةَ لؤمُهُ ... وتعرفُ وجهَ العبدِ لمّا تعمَّما
فأينَ بنُو القعقاع عنْ أصلِ فرتنا ... وعن أصلِ ذاكَ القينِ أن يتقسَّما
فتؤخذُ من أمِّ البعيثِ ضريبةٌ ... ويتركُ نساجاً بدارينَ مسلما
فهلا سألتَ النّاسَ إنْ كنتَ جاهلاً ... بأيّامنا يا ابنَ الضروطِ فتعلّما
سأحمدُ يربوعاً على أنَّ وردهُمْ ... إذا ذيدَ لم يحكم وإن ذادَ أحكما
مصاليتُ يومَ الرَّوعِ تلقَى عصيَّنا ... سريجيَّةً يخلينَ هاماً ومعصما
نحوطُ حمى نجدٍ وتلقَى طريقنا ... إلى المجدِ عاديَّ المواردِ معلما
وما كان ذو شغبٍ يمارسُ عيصنا ... فينظرَ في كفَّيهِ إلاَّ تندَّما
وإنّا لقوّالونَ للخيلِ أقدمِي ... إذا لم يجدْ وغلُ الفوارسِ مقدمَا
ومنّا الذس ناجَى فلمْ يخزِ قومَهُ ... بأمرٍ قويٍّ محرزاً والمثلّما
ويومَ أبي قابوسَ لم يعطهِ المُنى ... ولكنْ صدعنا البيضَ حتّى تهزَّما
وقد أثكلتْ يومَ البحيرينِ خيلنا ... بوردٍ إذا ما استعلنَ الرَّوعَ سوَّما
وقالتْ بنو شيبانَ بالصَّمدِ إذا لقوا ... فوارسنا ينعونَ قيلاً وأزنما
أشبيانُ لو كان القتالُ صبرتُمُ ... ولكنَّ لفحاً من حريقٍ تضرَّما
وعضَّ ابن ذي الجدَّينِ وسطَ بيوتنا ... سلاسلنا والقدَّ حولاً مجرّما
وتكذبُ أستاهُ القيونِ مجاشعٌ ... متى لم نذدْ عن حوضنا أن يهدَّما
إذا عدَّ فضلُ السَّعي منَّا ومنكم ... فضلنا بني رغوانَ بؤسَى وأنعما
وقدْ لبستْ بعدَ الزُّبيرْ مجاشعٌ ... ثيابَ التّي حاضتْ ولم تغسلِ الدَّما
وقدْ علمِ الجيرانُ أنَّ مجاشعاً ... فروخَ البغايا لا يرى الجارَ محرَما
ولو علقتْ حبلَ الزُّبيرِ حبالنا ... لأضحَى كناجٍ في عطالةَ أعصما
ألم تر عوفاً لا تزالُ كلابهُ ... تجرُّ بأكماعِ السِّباقينُ ألحمُا
ولمّا قضى عوفٌ أشطٍّ عليكم ... فأقسمتمُ لا تفعلونَ وأقسما
ألم تر أولادَ القيونِ مجاشعاً ... يمدُّونَ ثدياً عندَ عوفٍ مصرَّما
فبتُّم خزايا والخزيرُ قراكمْ ... وباتَ الصَّدى يدعُو عقالاً وضمضَما
أبعدَ ابن ذيّالِ تقولُ مجاشعٌ ... وأصحابُ عوفٍ يحسنون التكلما
وتغضبُ من ذكرِ القيونِ مجاشعٌ ... وما كانَ ذكرُ القينِ سرّاً مكتَّما
لقدْ وجدتْ بالقينِ خورُ مجاشعٍ ... كوجدِ النَّصارَى بالمسيحِ ابن مريما
ترى الخورَ جلداً من بناتِ مجاشعٍ ... لدى القينِ لا يمنعنَ منهُ المخدَّما
إذا ما لوَى بالكلبتينِ كتيفةً ... رأينَ وراءَ الكيرِ أيراً محمَّما
وقال جرير يهجو البعيث:
ألا حيِّ بالبردينِ داراً ولا أرَى ... كدارٍ لهندٍ لا تحيّا رسومُها
لقدْ وكفتُ عيناهُ أنْ ظلَّ واقفاً ... على دمنةٍ لم يبقَ إلاَّ رميمُها
أبينا فلم نسمعْ لهندٍ ملامةً ... كما لم تطعْ هندٌ بنا من يلومُها
стр. 178
إذا ذكرتْ هندٌ له خفَّ حلمهُ ... وجادت دموعُ العينِ سحّاً سجومُها
وأنَّى له هندٌ وقد حالَ دونَها ... عيونٌ وأعداءٌ كثيرٌ رجومُها
إذا زرتُها حالَ الرَّقيبانِ دُونَها ... وإن غبتُ شفَّ النَّفسَ منها همومُها
أقولُ وقدْ طالتْ لذكراكِ ليلتِي ... أجدَّكَ ما تسري لما بي نجومُها
بنِي مالكٍ إنَّ البغالَ مجاشعاً ... مباحٌ بحمراءِ العجانِ حريمُها
له فرسٌ شقراُ لم تلقَ فارساً ... كريهاً ولم تعلقْ عناناً يقيمُها
لئنْ راهنتْ غدراً عليكَ مجاشعٌ ... لقد لقيتْ نقصاً وطاشتْ حلومُها
فأبقُوا عليكمْ واتّقوا نابَ حيَّةٍ ... أصابَ ابن حمراءِ العجانِ شكيمُها
إذا خفتُ من عرٍّ قرافاُ طليتهُ ... بصادقةِ الإشعالِ باقٍ عصيمُها
أنا الّذائدُ الحامِي إذا ما تخمَّطتْ ... عرانينُ يوبرعٍ وصالتْ قرومُها
دعوا الناس إنِّي سوف تكفي مخافتي ... شياطينُ يرمى بالنُّحاسِ رجيمُها
فما ناصفتنا في الحفاظِ قبيلةٌ ... ولا قايستنا المجدَ إلاَّ نضيمُها
ولا نعتصي الأرطَى ولكنْ عصيُّنا ... رقاقُ النَّواحي لا يبلُّ سليمُها
كسونا ذبابَ السَّيفِ هامةَ عارضٍ ... غداةَ اللِّوي والخيلُ تدمَى كلومُها
ويومَ عبيدِ اللهِ خضنا برايةٍ ... وزافرةٍ نصَّتْ إلينا تميمُها
لنا ذادةٌ عندَ الحفاظِ وسادةٌ ... مقاديمُ لم يذهبُ شعاعاً عزيمُها
إذا ركبوا لم يرهبِ الرَّوعَ خيلُهمْ ... ولكنْ نلاقي النّاسَ إنّا نسيمُها
إذا فزعُوا لم تعلفِ القتَّ خيلُهمْ ... ولكن صدورَ الأزأنيّ نسُومُها
عن المنبر الشَّرقي ذادتْ رماحُنا ... وعن حرمةِ الأركانِ يرمَى حطيمُها
يرى الموتَ منّا من يرومُ قتالَنا ... فعلَّ ابن حمراءِ العجانِ يرُومُها
سعرْنا عليكَ الحربَ تغلِي قدورُها ... فهلاَّ غداةَ الصِّمَّتينِ تديمُها
تركناكَ لا توفِي لجارٍ أجرتَهُ ... كأنَّكَ ذاتُ الودعِ أودى بريمُها
ألم تر أنّي قد رميتُ ابن فرتنا ... بصمّاءَ لا يرجو الحياةَ صديمُها
إذا ما هوى من صكَّةٍ وقعتْ بهِ ... أظلَّتْ حوامِي صكَّةٍ يستديمُها
فلمْ تدرِ يا هلبَ استِها كيفَ تتَّقي ... شموساً أبتْ إلاَّ لقاحاً عقيمُها
رجا العبدُ صلحي بعدما وقعتْ به ... صواعقُها ثم استهلَّتْ غيومُها
لقدْ سرَّني لحبُ القوافِي بأنفِهِ ... وعلبٌ بجلدِ الحاجبينِ وسومُها
لقدْ لاحَ وسمٌ في غواشٍ كأنَّها ... ثرَّيا تجلَّتْ عن نجومٍ غيومُها
سيخزي ويرضَى باللفاءِ ابنُ فرتنا ... وكانتْ غداةَ الغبِّ يُوفي غريمُها
إذا هبطتْ جوَّ المراغِ تكَّرستْ ... عروشاً وأطرافُ التَّوادي كرومُها
فكيف ترَى ظنَّ البعيثِ بأمِّهِ ... إذا باتَ علجُ الأقعسينِ يكومُها
إذا استنَّ أعلاجُ المصيفِ وجدتَها ... سريعاً إلى جنبِ المراغِ جثومُها
ضروطاً إذا لاقتْ علوجَ ابنِ عامرٍ ... وأينع كرّاثُ النِّباجِ وثومُها
لهُ أمُّ سوءٍ ساءَ ما قدَّمَتْ لهُ ... إذا فارطُ الأحسابِ عدَّ قديمُها
لقدْ أخذتْ عيناكَ من حمرةِ استِها ... فعيناكَ عيناها وخيمكَ خيمُها
فلمّا تغشَّى اللؤمُ ما حولَ أنفهِ ... تبوأ في الدّارِ التي لا يريمُها
يعدَّ ابنُ حمراءِ العجانِ لخبثهِ ... إذا عدَّ مولى مالكٍ وصميمُها
أتاركةٌ أكلَ الخزيرِ مجاشعٌ ... فقدْ خسَّ إلاَّ في الخزيرِ قسيمُها
وقال جرير يرد على البعيث ويهجو الفرزدق:
عوجي علينا واربعي ربةَ البغلِ ... ولا تقتليني لا يحلُّ لكم قتلي
خليليَّ هيجا عبرةً وقفا بنا ... على طللٍ بينَ النقيعةِ والحبلِ
وإني لباقي الدمعِ إنْ كنتُ باكياً ... على كلِّ دارٍ حلها مرةً أهلي
سقى الرملَ جونٌ مستهلٌّ ربابهُ ... وما ذاكَ إلاَّ حبُّ منْ حلَّ بالرملِ
لياليَ إذْ أهلي وأهلكِ جيرةٌ ... وإذْ لا نخافُ الصرمَ إلاّ علىَ رجلِ
وإذْ أنا لا مالٌ أريدُ اتباعهُ ... بمالي ولا أهلٌ أبيعُ بهمْ أهلي
стр. 179
أعاذلَ مهلاً بعضَ لومكِ في المطلِ ... وعقلكِ لا يذهبْ فإنَّ معي عقلي
تريدينَ أنْ أرضى وأنتِ بخيلةٌ ... ومنْ ذا الذي يرضى الأخلاءَ بالبخلِ
وجدتكِ لا ترضي إذا كنتِ عاتباً ... صديقكِ إلاَّ بالمودةِ والبذلِ
أحقاً رأيتَ الظاعنينَ تحملوا ... منَ الغيلِ أوْ وادي الوريعةِ ذي الأثلِ
متى تجمعي منا كثيراً ونائلاً ... قليلاً يقطعُ ذاكَ باقيةَ الوصلِ
ألا تبتغي حلماً فينهَى عنِ الجهلِ ... وتصرمُ جملاً راحةً لكَ منْ جملِ
لعمرك لولا اليأسُ ما انقطعَ الهوى ... ولولا الهوى ما حنَّ منْ والهٍ قبلي
فلا تعجبا منْ سورةِ الحبِّ وانظرا ... أينفعُ ذا الوجدِ الملامةُ أو يُسلي
ألا ربَّ يومٍ قدْ شربتُ بمشربٍ ... سقى الغيمَ لمْ يشربْ بهِ أحدٌ قبلي
وهزةِ أظعانٍ نظرتُ حمولها ... غداً واستقلتْ بالقرونِ ذرى النخلِ
طلبتُ وريعانُ الشبابِ يقودني ... وقدْ فتنَ عني أو توارينَ بالهجلِ
فلما لحقناهنَّ أبدينَ صبوةً ... وهنَّ يحاذرنَ العيونَ منَ الأهلِ
على ساعةٍ ليستْ بساعةِ منظرٍ ... رمينَ قلوبَ القومِ بالحدقِ النجلِ
وما زلنَ حتى كادَ يفطنُ كاشحٌ ... يزيدُ علينا في الحديثِ الذي يملي
فلمْ أرَ يوماً مثلَ يومٍ بذي الغضا ... أصبنا بهِ الصيدَ الغزيرَ على رجلِ
ألذَّ وأشفى للفؤادِ منَ الجوى ... وأغيظَ للواشينَ منا ذوي الخبلِ
وهاجدِ موماةٍ بعثتُ إلى السرى ... وللنومُ أحلى عندهُ من جنى النحلِ
تمنى رجالٌ منْ تميمٍ لي الردى ... وما ذادَ عنْ أحسابهمْ أحدٌ مثلي
كأنهمُ لا يعلمونَ مواطني ... وقدْ جربوا أني أنا السابقُ المبلي
وأوقدتُ ناري بالحديدِ فأصبحتْ ... لها رهجٌ يصلي بهِ اللهُ منْ يصلي
ولو شاءَ قومي كانَ حلمي فيهمِ ... وكانَ على جهالِ أعدائهم أبداً جهلي
تمنى ابنُ حمراءِ العجانِ علالتي ... وقدْ تمَّ نابا لا ظنونٍ ولا وغلِ
خروجٍ إذا اصطكَّ الأضاميمُ سابقٌ ... وما أحرزَ الغايات ِمنْ سابقٍ مثلي
ليَ الفضلُ في إحياء ِعمرٍو ومالكٍ ... وما زلتُ مذْ جاريتُ أجري على مهلِ
وتخطرُ يربوعٌ ورائي بالقنا ... وذاكَ مقامٌ لا تزلُّ بهِ نعلي
ونحنُ حماةُ الثغرِ يخشى بهِ الردى ... قديماً وجيرانُ المجاعةِ والأزلِ
وما أنتَ إلاَّ نخبةٌ منْ مجاشعٍ ... ترى لحيةً في غيرِ دينٍ ولا عقلِ
بني مالكٍ أخزى البعيثُ مجاشعاً ... وقالَ ذوو أحلامهمْ ساءَ ما يبلي
ألامَ ابنُ حمراءِ العجانِ وباستها ... جلوبُ القنا بعدَ الكلاليبِ والركلِ
يفيشُ ابنُ حمراءِ العجانِ كأنهُ ... خصيُّ براذينٍ تقاعسُ في الوحلِ
إذا قالَ قدْ أغنيتُ شيئاً رويدكمْ ... أتوهُ فقالوا لستَ بالحكم العدلِ
فأخزى ابنُ حمراءِ العجانِ مجاشعاً ... وما نالتِ المجدَ الدلاءُ التي يدلي
إذا سارَ في الركبِ البعيثُ رأيتمُ ... ترمزَ حمراءِ العجانِ على الرحلِ
لقدْ قوستْ أمُّ البعيثِ ولمْ يزلْ ... تزاحمُ علجاً صادرينَ على كفلِ
وفي العبسِ الحوليّ جوناً تسوفهُ ... لها مسكاً من غير عاجٍ ولا ذبلِ
إذا لقيتْ علجَ ابنِ ضبعاءَ بايعتْ ... بشقِّ استها أهلَ النباجِ وما تغلي
لياليَ تنتابُ النباجَ وتبتني ... مراعيها بينَ الجداولِ والنخلِ
أهلبَ استها فقعاً بشرِّ قرارةٍ ... على مدرجٍ بينَ الحزونةِ والسهلِ
جزعتَ إلى درجىْ نوارٍ وغسلها ... فأصبحتَ عبداً ما تمرُّ وما تحلي
لعمري لئنْ كانَ القيونُ تواكلوا ... نوارَ لقدْ آبتْ نوارُ إلى فحلِ
وإنَّ الذي يلقى البعيثَ ورهطهُ ... هوَ السمُّ لا درجا نوارَ معَ الغسلِ
بني مالكٍ لا صدقَ عندَ مجاشعٍ ... ولكنَّ حظاً منْ فياشٍ على دخلِ
وقدْ زعموا أنَّ الفرزدقَ حيةٌ ... وما مارسَ الحياتِ من حيةٍ مثلي
وما مارستْ من ذي ذبابٍ شكيمتي ... فيفلتَ فوتَ الموتِ إلا على خبلِ
стр. 180
ولمّا اتقى القينُ العراقيُّ باستهِ ... فزعتَ إلى القينِ المقيدِ في الحجلِ
رأيتكَ لا تحمي عقالاً ولمْ تردْ ... قتالاً فما لاقيتَ شراً من الذلِ
ولوْ كنتَ ذا رأيٍ لما لمتَ عاصماً ... وما كانَ كفؤاً ما لقيتَ منَ الفضلِ
ولمّا دعوتَ العنبريَّ ببلدةٍ ... إلى غيرِ ماءٍ لا قريبٍ ولا أهلِ
يكونُ نزولُ القومِ فيها كلا ولا ... غشاشاً ولا يدنونَ رحلاً إلى رحلِ
ضللتَ ضلالَ السامريّ وقومهُ ... دعاهمْ فضلوا عاكفينَ على عجلِ
فلمّا رأى أنَّ الصحاريَ دونهُ ... ومعتلجُ الأنقاءِ منْ ثبجِ الرملِ
ويوماً أتتْ دونَ الظلالِ سمومهُ ... تظلُّ المها صوراً جماجمها تغلي
بلغتَ نسيءَ العنبري كأنما ... ترى بنسيءِ العنبريِّ جنى النحلِ
فأوردكَ الأعدادَ ذو المالِ نازحٌ ... دليلُ امرئٍ أعطى المقادةَ بالدحلِ
ألمْ ترَ أني لا يبلُّ رميتي ... فمنْ أرمِ لا تخطئْ مقاتلهُ نبلي
فباتتْ نوارُ القينِ رخواً حقابها ... تنازعُ ساقيْ ساقها حلقُ الحجلِ
فقبحَ ريحُ القينِ لما تناولتْ ... مقذَّ هجانٍ إذ تساوفهُ فحلِ
أبا خالدٍ أبليتَ حزماً وسودداً ... وكلُّ امرئٍ مثنىً عليهِ بما يبلَى
أبا خالدٍ لا تشمتنَّ أعادياً ... يودونَ لوْ زلتْ بمهلكةٍ نعلي
وقال جرير:
ألا حيِّ رهبى ثمَّ حيِّ المطاليا ... لقدْ كانَ مأنوساً فأصبحَ خاليا
فلاَ عهدَ إلاَّ أنْ تذكرَ أو ترى ... ثماماً حواليْ منصبِ الخيمِ باليا
ألا أيها الوادي الذي ضمَّ سيلهُ ... إلينا نوى ظمياءَ حييتَ واديا
إذا ما أرادَ الحيُّ أن يتزملوا ... وحنتْ جمالُ البينِ حنتْ جماليا
فيا ليتَ أنَّ الحيَّ لمْ يتفرقوا ... وأمسى جميعاً جيرةً متدانيا
إذا الحيُّ في دارِ الجميع كأنما ... يكونُ علينا نصفَ حولٍ لياليا
إلى اللهِ أشكوُ أنَّ بالغورِ حاجةً ... وأخرى إذا أبصرتُ نجداً بدا ليا
نظرتُ برهبى والظعائنُ باللوى ... فطارتْ برهبى شعبةٌ منْ فؤاديا
وما أبصرَ النارَ التي وضحتْ لهُ ... وراءَ جفاف الطيرِ إلا تماريا
وكائنْ ترى في الحيّ من ذي صداقةٍ ... وغيرانَ يدعو ويله منْ حذاريا
إذا ذكرتْ ليلى أتيحَ ليَ الهوى ... على ما ترى منْ هجرتي واجتنابيا
خليليَّ لولا أن تظنا بيَ الهوى ... لقلتُ سمعنا منْ سكينةَ داعيا
قفا فاسمعا صوتَ المنادي لعلهُ ... قريبٌ وما دانيتُ بالظنِّ دانيا
إذا ما جعلتُ السيَّ بيني وبينها ... وحرةَ ليلى والعقيقَ اليمانيا
رغبتُ إلى ذي العرشِ ربِّ محمدٍ ... ليجمعَ شعباً أو يقربَ نائيا
أذا العرشِ إنيّ لستُ ما عشتُ تاركاً ... طلابَ سليمى فاقضِ ما كنتَ قاضيا
ولو أنها شاءتْ شفتني بهينٍ ... وإنْ كانَ قدْ أعيى الطبيبَ المداويا
سأتركُ للزوارِ هنداً وأبتغي ... طبيباً فيبغيني شفاءً لما بيا
فإنكِ إن تعطي قليلاً فطالما ... منعتِ وحلأتِ القلوبَ الصواديا
دنوَّ عتاقِ الطير للزجرِ بعدما ... شمسنَ وولينَ الخدودَ العواصيا
إذا اكتحلت ْعيني بعينكِ مسني ... بخيرٍ وجلى غمرةً عنْ فؤاديا
ويأمرني العذالُ أن أغلبَ الهوى ... وأنْ أكتمَ الوجدَ الذي ليسَ خافيا
فيا حسراتِ القلبِ في إثرِ من يرى ... قريباً ويلقى خيرهُ منكَ قاصيا
تعيرني الإخلافَ ليلى وأفضلتْ ... على وصلِ ليلى قوةٌ منْ حباليا
فقولا لواديها الذي نزلتْ بهِ ... أواديَ ذي القيصومِ أمرعتَ واديا
لقدْ خفتُ أن لا تجمعَ الدارُ بيننا ... ولا الدهرُ إلاَّ أنْ تجدَّ الأمانيا
ألاَ طرقتْ شعثاءُ والليلُ مظلمٌ ... أحمَّ عمانيا وأشعثَ ماضيا
لدى قطرياتٍ إذا ما تغولتْ ... بنا البيدُ غاولنَ الحزومَ القياقيا
تخطى إلينا منْ بعيدٍ خيالها ... يخوضُ خداريا منَ الليلِ داجيا
فحييتَ منْ سارٍ تكلفَ موهناً ... مزاراً على ذي حاجةٍ متراخيا
следующие страницы →