Полный текст (400 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
نجاةٌ يصلُّ المروُ تحتَ أظلَّها ... بلاحقةِ الآطالِ حامٍ هجيرُها
ألا ليتَ شعري عنْ سليطٍ ألمْ يجدْ ... سليطٌ سوى غسانَ جاراً يجيرُها
لقدْ ضمنّوا الأحسابَ صاحبَ سوأةٍ ... يناجي بها نفساً لئيماً ضميرها
ونبئتُ غسّانَ بن واهصةِ الخصى ... يلجلجُ منّي مضغةً لا يحيرُها
ستعلمُ ما يغنِي حكيمٌ ومنقعٌ ... إذا الحربُ لم يرجعْ بصلحٍ سفيرُها
ألا ساءَ ما تبلَى سليطٌ إذا ربتْ ... جواشنُها وازدادَ عرضاً ظهورُها
بأستاهِها ترمِي سليطٌ وتتَّقي ... ويرمِي نضالاً عن كليبٍ جريرُها
ولمّا علاكمْ صكُّ بازٍ جنحتُمُ ... بأستاهِ خربانٍ تصرُّ صقورُها
عضاريطُ يشوونَ الفراسنَ بالضُّحى ... إذا ما السَّرايا حثَّ ركضاً مغيرُها
فما في سليطٍ فارسٌ ذو حفيظةٍ ... ومعقلُها يومَ الهياجِ جعورُها
أضجُّوا الرَّوايا بالمزادِ فإنَّكمْ ... ستلقونَ كرَّ الخيلِ تدمَى نحورُها
عجبتُ من الدّاعِي جحيشاً وصائداً ... وعيساءُ يسعَى بالعلابِ نفيرُها
أساعيةٌ عيساءُ والضّأنُ حفَّلٌ ... فما حاولتْ عيساءُ أمّا عذيرُها
إذا ما تعاظمتمْ جعوراً فشرِّفوا ... جحيشاً إذا آبتْ من الصَّيفِ عيرُها
أناساً يخالونَ العباءَةَ فيهمِ ... قطيفةَ مرعزَّى يقلَّبُ نيرُها
كأنَّ سليطاً في جواشنها الخصَى ... إذا حلَّ بينَ الأملحينِ وقيرُها
إذا قيلَ ركبٌ من سليطٍ فقبِّحتْ ... ركاباً وركباناً لئيماً بشيرُها
نهيتكمُ أن تركبُوا ذاتَ ناطحٍ ... من الحربِ يلوي بالرِّداءِ نذيرُها
وما بكمُ صبرٌ على مشرفيَّةٍ ... تعضُّ فراخَ الهامِ أو تستطيرُها
تمنَّيتُمُ أنْ تسلُبُوا القاعَ أهلَهُ ... كذاكَ المُنى غرَّتْ جحيشاً غرورُها
وقد كانَ في بقعاءَ ريٌّ لشائكمْ ... وتلعةَ والجوفاءَ يجري غديرُها
تناهوا ولا تستورِدوا مشرفيَّةً ... تطيرُ شؤونَ الرأسِ منها ذكورُها
كأنَّ السَّلِيطيّينَ أنقاضُ كمأةٍ ... لأوَّلِ جانٍ بالعصَى يستثيرُها
غضبتُمْ علينا أو تغنَّيتُمُ بنا ... أن اخضرَّ من بطنِ التَّلاعِ غميرُها
ولو كانَ حلمٌ نافعٌ في مقلَّدٍ ... لما وغرتْ من غير جرمٍ صُدورها
بنو الخطفى والخيلُ أيامَ سوقَةٍ ... جلوا عنكمْ الظَّلماءَ وانشقَّ نورُها
وفي بئرِ حصنٍ أدركتنا حفيظةٌ ... وقدْ ردَّ فيها مرَّتينِ جفِيرُها
فجئنا وقدْ كانتْ مراغاً وبرّكتْ ... عليها مخاضٌ لم تجدْ من يثرُها
لئنْ ضلَّ يوماً بالمجشَّرِ رأيُهُ ... وكانَ لعوفٍ حاسداً لا يضيرُها
فأوْلَى وأولَى أنْ أصيبَ مقلداً ... بفاشيةِ العدوَى سريعٍ نشُورُها
لقدْ جردتْ يومَ الحدابِ نساؤُهمْ ... فساءتْ مجالِيها وقلّتْ مهورُها
وقال جريرٌ يهجو البعيث المجاشعيّ، وكان ضلعُ البعيث على بني سليطٍ:
لمنْ طللٌ هاجَ الفؤادَ المتيَّما ... وهمَّ بسلمانينَ أنْ يتكلَّما
أمنزلتَيْ هندٍ بناظرةَ اسلَما ... وما راجع العرفانَ إلاَّتوهُّما
كأنَّ ديارَ الحيِّ ريشُ حمامةٍ ... محاها البلَى واستجمعتْ أنْ تكلَّما
لقدْ آذنتْ هندٌ خليلٌ ليصرِما ... على طولِ ما بكَّى بهندٍ وهيَّما
طوى البينُ أسبابَ الوصالِ وحاولتْ ... بكنهلَ أقرانُ الهوَى أنْ تجذَّما
وقدْ كانَ منْ شأنِ الغويّ ظعائنٌ ... رفعنَ الرَّنا والعبقرِيَّ المرَقَّما
كأنَّ حمولَ الحيِّ زلنَ بيانعٍ ... من الواردِ البطحاءِ من نخلِ ملْهَما
سقيتُ دمَ الحيّاتِ ما ذنبُ زائرٍ ... يلمِّ فيعطِي نائلاً أن يكلّما
سقيتُ دمَ الحيّاتِ ما ذنبُ زائِرٍ ... يلمِّ فيعطِي نائلاً أنْ يكلّما
وأحدثُ عهدِي والشَّبابُ كأنَّه ... عسيبٌ نما في ريَّةٍ فتقوَّما
بهندٍ وهندٍ همُّهُ غيرَ أنَّها ... ترى البخلَ والعلاَّتِ في والوعدِ مغنما
لقدْ علقتْ بالنَّفسِ منها علائقٌ ... أبى طولُ هذا الدَّهرِ أن يتصرَّما
стр. 177
دعتكَ لها أسبابُ طولِ بليَّةٍ ... ووجدٌ بها هاجَ الحديثَ المكتَّما
على حينَ أنْ ولّى الشّبابُ لشأنهِ ... وأصبحَ بالشَّيبِ المحيل تعمَّما
ألا ليتَ هذا الجهلَ عنّا تصرَّما ... وأحدثَ حلماً قلبُهُ فتحلَّما
أنيختْ ركابي بالأحزَّةِ بعدَما ... خبطنَ بحورانَ السَّريحَ المخدَّما
وأدنِي وسادي من ذراعيْ شملّةٍ ... وأتركُ عاجاً قد علمتُ ومعصما
وعاوٍ عوى من غير شيءٍ رميتُهُ ... بقارعةٍ أنفاذُها تقطرُ الدَّما
خروجٍ بأفواهِ الرُّواةِ كأنَّها ... قرى هندُوانيٍّ إذا هزَّ صمَّما
فإنَّي لهاجيكمُ بكلِّ غريبةٍ ... شرودٍ إذا السَّاري بليلٍ ترنَّما
غرائبَ ألاَّفاً إذا حانَ وردُها ... أخذنَ طريقاً للقصائدِ معلما
لعمرِي لقدْ جارَى دعيُّ مجاشعٍ ... عذوماً على طولِ المجاراةِ مرجَما
ولاقيتَ منِّي مثلَ غارة داحسٍ ... وموقفهِ فاستأخرنْ أو تقدَّما
فإنَّي لهاجيكمْ وإنّي لراغبٌ ... بأحسابنا فضلاً بنا وتكرُّما
أرى سوأةً فخرَ البعيثِ وأمُّهُ ... تعارضُ خاليهِ يساراً ومقسَما
تبينُ إذا ألقَى العمامةَ لؤمُهُ ... وتعرفُ وجهَ العبدِ لمّا تعمَّما
فأينَ بنُو القعقاع عنْ أصلِ فرتنا ... وعن أصلِ ذاكَ القينِ أن يتقسَّما
فتؤخذُ من أمِّ البعيثِ ضريبةٌ ... ويتركُ نساجاً بدارينَ مسلما
فهلا سألتَ النّاسَ إنْ كنتَ جاهلاً ... بأيّامنا يا ابنَ الضروطِ فتعلّما
سأحمدُ يربوعاً على أنَّ وردهُمْ ... إذا ذيدَ لم يحكم وإن ذادَ أحكما
مصاليتُ يومَ الرَّوعِ تلقَى عصيَّنا ... سريجيَّةً يخلينَ هاماً ومعصما
نحوطُ حمى نجدٍ وتلقَى طريقنا ... إلى المجدِ عاديَّ المواردِ معلما
وما كان ذو شغبٍ يمارسُ عيصنا ... فينظرَ في كفَّيهِ إلاَّ تندَّما
وإنّا لقوّالونَ للخيلِ أقدمِي ... إذا لم يجدْ وغلُ الفوارسِ مقدمَا
ومنّا الذس ناجَى فلمْ يخزِ قومَهُ ... بأمرٍ قويٍّ محرزاً والمثلّما
ويومَ أبي قابوسَ لم يعطهِ المُنى ... ولكنْ صدعنا البيضَ حتّى تهزَّما
وقد أثكلتْ يومَ البحيرينِ خيلنا ... بوردٍ إذا ما استعلنَ الرَّوعَ سوَّما
وقالتْ بنو شيبانَ بالصَّمدِ إذا لقوا ... فوارسنا ينعونَ قيلاً وأزنما
أشبيانُ لو كان القتالُ صبرتُمُ ... ولكنَّ لفحاً من حريقٍ تضرَّما
وعضَّ ابن ذي الجدَّينِ وسطَ بيوتنا ... سلاسلنا والقدَّ حولاً مجرّما
وتكذبُ أستاهُ القيونِ مجاشعٌ ... متى لم نذدْ عن حوضنا أن يهدَّما
إذا عدَّ فضلُ السَّعي منَّا ومنكم ... فضلنا بني رغوانَ بؤسَى وأنعما
وقدْ لبستْ بعدَ الزُّبيرْ مجاشعٌ ... ثيابَ التّي حاضتْ ولم تغسلِ الدَّما
وقدْ علمِ الجيرانُ أنَّ مجاشعاً ... فروخَ البغايا لا يرى الجارَ محرَما
ولو علقتْ حبلَ الزُّبيرِ حبالنا ... لأضحَى كناجٍ في عطالةَ أعصما
ألم تر عوفاً لا تزالُ كلابهُ ... تجرُّ بأكماعِ السِّباقينُ ألحمُا
ولمّا قضى عوفٌ أشطٍّ عليكم ... فأقسمتمُ لا تفعلونَ وأقسما
ألم تر أولادَ القيونِ مجاشعاً ... يمدُّونَ ثدياً عندَ عوفٍ مصرَّما
فبتُّم خزايا والخزيرُ قراكمْ ... وباتَ الصَّدى يدعُو عقالاً وضمضَما
أبعدَ ابن ذيّالِ تقولُ مجاشعٌ ... وأصحابُ عوفٍ يحسنون التكلما
وتغضبُ من ذكرِ القيونِ مجاشعٌ ... وما كانَ ذكرُ القينِ سرّاً مكتَّما
لقدْ وجدتْ بالقينِ خورُ مجاشعٍ ... كوجدِ النَّصارَى بالمسيحِ ابن مريما
ترى الخورَ جلداً من بناتِ مجاشعٍ ... لدى القينِ لا يمنعنَ منهُ المخدَّما
إذا ما لوَى بالكلبتينِ كتيفةً ... رأينَ وراءَ الكيرِ أيراً محمَّما
وقال جرير يهجو البعيث:
ألا حيِّ بالبردينِ داراً ولا أرَى ... كدارٍ لهندٍ لا تحيّا رسومُها
لقدْ وكفتُ عيناهُ أنْ ظلَّ واقفاً ... على دمنةٍ لم يبقَ إلاَّ رميمُها
أبينا فلم نسمعْ لهندٍ ملامةً ... كما لم تطعْ هندٌ بنا من يلومُها
стр. 178
إذا ذكرتْ هندٌ له خفَّ حلمهُ ... وجادت دموعُ العينِ سحّاً سجومُها
وأنَّى له هندٌ وقد حالَ دونَها ... عيونٌ وأعداءٌ كثيرٌ رجومُها
إذا زرتُها حالَ الرَّقيبانِ دُونَها ... وإن غبتُ شفَّ النَّفسَ منها همومُها
أقولُ وقدْ طالتْ لذكراكِ ليلتِي ... أجدَّكَ ما تسري لما بي نجومُها
بنِي مالكٍ إنَّ البغالَ مجاشعاً ... مباحٌ بحمراءِ العجانِ حريمُها
له فرسٌ شقراُ لم تلقَ فارساً ... كريهاً ولم تعلقْ عناناً يقيمُها
لئنْ راهنتْ غدراً عليكَ مجاشعٌ ... لقد لقيتْ نقصاً وطاشتْ حلومُها
فأبقُوا عليكمْ واتّقوا نابَ حيَّةٍ ... أصابَ ابن حمراءِ العجانِ شكيمُها
إذا خفتُ من عرٍّ قرافاُ طليتهُ ... بصادقةِ الإشعالِ باقٍ عصيمُها
أنا الّذائدُ الحامِي إذا ما تخمَّطتْ ... عرانينُ يوبرعٍ وصالتْ قرومُها
دعوا الناس إنِّي سوف تكفي مخافتي ... شياطينُ يرمى بالنُّحاسِ رجيمُها
فما ناصفتنا في الحفاظِ قبيلةٌ ... ولا قايستنا المجدَ إلاَّ نضيمُها
ولا نعتصي الأرطَى ولكنْ عصيُّنا ... رقاقُ النَّواحي لا يبلُّ سليمُها
كسونا ذبابَ السَّيفِ هامةَ عارضٍ ... غداةَ اللِّوي والخيلُ تدمَى كلومُها
ويومَ عبيدِ اللهِ خضنا برايةٍ ... وزافرةٍ نصَّتْ إلينا تميمُها
لنا ذادةٌ عندَ الحفاظِ وسادةٌ ... مقاديمُ لم يذهبُ شعاعاً عزيمُها
إذا ركبوا لم يرهبِ الرَّوعَ خيلُهمْ ... ولكنْ نلاقي النّاسَ إنّا نسيمُها
إذا فزعُوا لم تعلفِ القتَّ خيلُهمْ ... ولكن صدورَ الأزأنيّ نسُومُها
عن المنبر الشَّرقي ذادتْ رماحُنا ... وعن حرمةِ الأركانِ يرمَى حطيمُها
يرى الموتَ منّا من يرومُ قتالَنا ... فعلَّ ابن حمراءِ العجانِ يرُومُها
سعرْنا عليكَ الحربَ تغلِي قدورُها ... فهلاَّ غداةَ الصِّمَّتينِ تديمُها
تركناكَ لا توفِي لجارٍ أجرتَهُ ... كأنَّكَ ذاتُ الودعِ أودى بريمُها
ألم تر أنّي قد رميتُ ابن فرتنا ... بصمّاءَ لا يرجو الحياةَ صديمُها
إذا ما هوى من صكَّةٍ وقعتْ بهِ ... أظلَّتْ حوامِي صكَّةٍ يستديمُها
فلمْ تدرِ يا هلبَ استِها كيفَ تتَّقي ... شموساً أبتْ إلاَّ لقاحاً عقيمُها
رجا العبدُ صلحي بعدما وقعتْ به ... صواعقُها ثم استهلَّتْ غيومُها
لقدْ سرَّني لحبُ القوافِي بأنفِهِ ... وعلبٌ بجلدِ الحاجبينِ وسومُها
لقدْ لاحَ وسمٌ في غواشٍ كأنَّها ... ثرَّيا تجلَّتْ عن نجومٍ غيومُها
سيخزي ويرضَى باللفاءِ ابنُ فرتنا ... وكانتْ غداةَ الغبِّ يُوفي غريمُها
إذا هبطتْ جوَّ المراغِ تكَّرستْ ... عروشاً وأطرافُ التَّوادي كرومُها
فكيف ترَى ظنَّ البعيثِ بأمِّهِ ... إذا باتَ علجُ الأقعسينِ يكومُها
إذا استنَّ أعلاجُ المصيفِ وجدتَها ... سريعاً إلى جنبِ المراغِ جثومُها
ضروطاً إذا لاقتْ علوجَ ابنِ عامرٍ ... وأينع كرّاثُ النِّباجِ وثومُها
لهُ أمُّ سوءٍ ساءَ ما قدَّمَتْ لهُ ... إذا فارطُ الأحسابِ عدَّ قديمُها
لقدْ أخذتْ عيناكَ من حمرةِ استِها ... فعيناكَ عيناها وخيمكَ خيمُها
فلمّا تغشَّى اللؤمُ ما حولَ أنفهِ ... تبوأ في الدّارِ التي لا يريمُها
يعدَّ ابنُ حمراءِ العجانِ لخبثهِ ... إذا عدَّ مولى مالكٍ وصميمُها
أتاركةٌ أكلَ الخزيرِ مجاشعٌ ... فقدْ خسَّ إلاَّ في الخزيرِ قسيمُها
وقال جرير يرد على البعيث ويهجو الفرزدق:
عوجي علينا واربعي ربةَ البغلِ ... ولا تقتليني لا يحلُّ لكم قتلي
خليليَّ هيجا عبرةً وقفا بنا ... على طللٍ بينَ النقيعةِ والحبلِ
وإني لباقي الدمعِ إنْ كنتُ باكياً ... على كلِّ دارٍ حلها مرةً أهلي
سقى الرملَ جونٌ مستهلٌّ ربابهُ ... وما ذاكَ إلاَّ حبُّ منْ حلَّ بالرملِ
لياليَ إذْ أهلي وأهلكِ جيرةٌ ... وإذْ لا نخافُ الصرمَ إلاّ علىَ رجلِ
وإذْ أنا لا مالٌ أريدُ اتباعهُ ... بمالي ولا أهلٌ أبيعُ بهمْ أهلي
стр. 179
أعاذلَ مهلاً بعضَ لومكِ في المطلِ ... وعقلكِ لا يذهبْ فإنَّ معي عقلي
تريدينَ أنْ أرضى وأنتِ بخيلةٌ ... ومنْ ذا الذي يرضى الأخلاءَ بالبخلِ
وجدتكِ لا ترضي إذا كنتِ عاتباً ... صديقكِ إلاَّ بالمودةِ والبذلِ
أحقاً رأيتَ الظاعنينَ تحملوا ... منَ الغيلِ أوْ وادي الوريعةِ ذي الأثلِ
متى تجمعي منا كثيراً ونائلاً ... قليلاً يقطعُ ذاكَ باقيةَ الوصلِ
ألا تبتغي حلماً فينهَى عنِ الجهلِ ... وتصرمُ جملاً راحةً لكَ منْ جملِ
لعمرك لولا اليأسُ ما انقطعَ الهوى ... ولولا الهوى ما حنَّ منْ والهٍ قبلي
فلا تعجبا منْ سورةِ الحبِّ وانظرا ... أينفعُ ذا الوجدِ الملامةُ أو يُسلي
ألا ربَّ يومٍ قدْ شربتُ بمشربٍ ... سقى الغيمَ لمْ يشربْ بهِ أحدٌ قبلي
وهزةِ أظعانٍ نظرتُ حمولها ... غداً واستقلتْ بالقرونِ ذرى النخلِ
طلبتُ وريعانُ الشبابِ يقودني ... وقدْ فتنَ عني أو توارينَ بالهجلِ
فلما لحقناهنَّ أبدينَ صبوةً ... وهنَّ يحاذرنَ العيونَ منَ الأهلِ
على ساعةٍ ليستْ بساعةِ منظرٍ ... رمينَ قلوبَ القومِ بالحدقِ النجلِ
وما زلنَ حتى كادَ يفطنُ كاشحٌ ... يزيدُ علينا في الحديثِ الذي يملي
فلمْ أرَ يوماً مثلَ يومٍ بذي الغضا ... أصبنا بهِ الصيدَ الغزيرَ على رجلِ
ألذَّ وأشفى للفؤادِ منَ الجوى ... وأغيظَ للواشينَ منا ذوي الخبلِ
وهاجدِ موماةٍ بعثتُ إلى السرى ... وللنومُ أحلى عندهُ من جنى النحلِ
تمنى رجالٌ منْ تميمٍ لي الردى ... وما ذادَ عنْ أحسابهمْ أحدٌ مثلي
كأنهمُ لا يعلمونَ مواطني ... وقدْ جربوا أني أنا السابقُ المبلي
وأوقدتُ ناري بالحديدِ فأصبحتْ ... لها رهجٌ يصلي بهِ اللهُ منْ يصلي
ولو شاءَ قومي كانَ حلمي فيهمِ ... وكانَ على جهالِ أعدائهم أبداً جهلي
تمنى ابنُ حمراءِ العجانِ علالتي ... وقدْ تمَّ نابا لا ظنونٍ ولا وغلِ
خروجٍ إذا اصطكَّ الأضاميمُ سابقٌ ... وما أحرزَ الغايات ِمنْ سابقٍ مثلي
ليَ الفضلُ في إحياء ِعمرٍو ومالكٍ ... وما زلتُ مذْ جاريتُ أجري على مهلِ
وتخطرُ يربوعٌ ورائي بالقنا ... وذاكَ مقامٌ لا تزلُّ بهِ نعلي
ونحنُ حماةُ الثغرِ يخشى بهِ الردى ... قديماً وجيرانُ المجاعةِ والأزلِ
وما أنتَ إلاَّ نخبةٌ منْ مجاشعٍ ... ترى لحيةً في غيرِ دينٍ ولا عقلِ
بني مالكٍ أخزى البعيثُ مجاشعاً ... وقالَ ذوو أحلامهمْ ساءَ ما يبلي
ألامَ ابنُ حمراءِ العجانِ وباستها ... جلوبُ القنا بعدَ الكلاليبِ والركلِ
يفيشُ ابنُ حمراءِ العجانِ كأنهُ ... خصيُّ براذينٍ تقاعسُ في الوحلِ
إذا قالَ قدْ أغنيتُ شيئاً رويدكمْ ... أتوهُ فقالوا لستَ بالحكم العدلِ
فأخزى ابنُ حمراءِ العجانِ مجاشعاً ... وما نالتِ المجدَ الدلاءُ التي يدلي
إذا سارَ في الركبِ البعيثُ رأيتمُ ... ترمزَ حمراءِ العجانِ على الرحلِ
لقدْ قوستْ أمُّ البعيثِ ولمْ يزلْ ... تزاحمُ علجاً صادرينَ على كفلِ
وفي العبسِ الحوليّ جوناً تسوفهُ ... لها مسكاً من غير عاجٍ ولا ذبلِ
إذا لقيتْ علجَ ابنِ ضبعاءَ بايعتْ ... بشقِّ استها أهلَ النباجِ وما تغلي
لياليَ تنتابُ النباجَ وتبتني ... مراعيها بينَ الجداولِ والنخلِ
أهلبَ استها فقعاً بشرِّ قرارةٍ ... على مدرجٍ بينَ الحزونةِ والسهلِ
جزعتَ إلى درجىْ نوارٍ وغسلها ... فأصبحتَ عبداً ما تمرُّ وما تحلي
لعمري لئنْ كانَ القيونُ تواكلوا ... نوارَ لقدْ آبتْ نوارُ إلى فحلِ
وإنَّ الذي يلقى البعيثَ ورهطهُ ... هوَ السمُّ لا درجا نوارَ معَ الغسلِ
بني مالكٍ لا صدقَ عندَ مجاشعٍ ... ولكنَّ حظاً منْ فياشٍ على دخلِ
وقدْ زعموا أنَّ الفرزدقَ حيةٌ ... وما مارسَ الحياتِ من حيةٍ مثلي
وما مارستْ من ذي ذبابٍ شكيمتي ... فيفلتَ فوتَ الموتِ إلا على خبلِ
стр. 180
ولمّا اتقى القينُ العراقيُّ باستهِ ... فزعتَ إلى القينِ المقيدِ في الحجلِ
رأيتكَ لا تحمي عقالاً ولمْ تردْ ... قتالاً فما لاقيتَ شراً من الذلِ
ولوْ كنتَ ذا رأيٍ لما لمتَ عاصماً ... وما كانَ كفؤاً ما لقيتَ منَ الفضلِ
ولمّا دعوتَ العنبريَّ ببلدةٍ ... إلى غيرِ ماءٍ لا قريبٍ ولا أهلِ
يكونُ نزولُ القومِ فيها كلا ولا ... غشاشاً ولا يدنونَ رحلاً إلى رحلِ
ضللتَ ضلالَ السامريّ وقومهُ ... دعاهمْ فضلوا عاكفينَ على عجلِ
فلمّا رأى أنَّ الصحاريَ دونهُ ... ومعتلجُ الأنقاءِ منْ ثبجِ الرملِ
ويوماً أتتْ دونَ الظلالِ سمومهُ ... تظلُّ المها صوراً جماجمها تغلي
بلغتَ نسيءَ العنبري كأنما ... ترى بنسيءِ العنبريِّ جنى النحلِ
فأوردكَ الأعدادَ ذو المالِ نازحٌ ... دليلُ امرئٍ أعطى المقادةَ بالدحلِ
ألمْ ترَ أني لا يبلُّ رميتي ... فمنْ أرمِ لا تخطئْ مقاتلهُ نبلي
فباتتْ نوارُ القينِ رخواً حقابها ... تنازعُ ساقيْ ساقها حلقُ الحجلِ
فقبحَ ريحُ القينِ لما تناولتْ ... مقذَّ هجانٍ إذ تساوفهُ فحلِ
أبا خالدٍ أبليتَ حزماً وسودداً ... وكلُّ امرئٍ مثنىً عليهِ بما يبلَى
أبا خالدٍ لا تشمتنَّ أعادياً ... يودونَ لوْ زلتْ بمهلكةٍ نعلي
وقال جرير:
ألا حيِّ رهبى ثمَّ حيِّ المطاليا ... لقدْ كانَ مأنوساً فأصبحَ خاليا
فلاَ عهدَ إلاَّ أنْ تذكرَ أو ترى ... ثماماً حواليْ منصبِ الخيمِ باليا
ألا أيها الوادي الذي ضمَّ سيلهُ ... إلينا نوى ظمياءَ حييتَ واديا
إذا ما أرادَ الحيُّ أن يتزملوا ... وحنتْ جمالُ البينِ حنتْ جماليا
فيا ليتَ أنَّ الحيَّ لمْ يتفرقوا ... وأمسى جميعاً جيرةً متدانيا
إذا الحيُّ في دارِ الجميع كأنما ... يكونُ علينا نصفَ حولٍ لياليا
إلى اللهِ أشكوُ أنَّ بالغورِ حاجةً ... وأخرى إذا أبصرتُ نجداً بدا ليا
نظرتُ برهبى والظعائنُ باللوى ... فطارتْ برهبى شعبةٌ منْ فؤاديا
وما أبصرَ النارَ التي وضحتْ لهُ ... وراءَ جفاف الطيرِ إلا تماريا
وكائنْ ترى في الحيّ من ذي صداقةٍ ... وغيرانَ يدعو ويله منْ حذاريا
إذا ذكرتْ ليلى أتيحَ ليَ الهوى ... على ما ترى منْ هجرتي واجتنابيا
خليليَّ لولا أن تظنا بيَ الهوى ... لقلتُ سمعنا منْ سكينةَ داعيا
قفا فاسمعا صوتَ المنادي لعلهُ ... قريبٌ وما دانيتُ بالظنِّ دانيا
إذا ما جعلتُ السيَّ بيني وبينها ... وحرةَ ليلى والعقيقَ اليمانيا
رغبتُ إلى ذي العرشِ ربِّ محمدٍ ... ليجمعَ شعباً أو يقربَ نائيا
أذا العرشِ إنيّ لستُ ما عشتُ تاركاً ... طلابَ سليمى فاقضِ ما كنتَ قاضيا
ولو أنها شاءتْ شفتني بهينٍ ... وإنْ كانَ قدْ أعيى الطبيبَ المداويا
سأتركُ للزوارِ هنداً وأبتغي ... طبيباً فيبغيني شفاءً لما بيا
فإنكِ إن تعطي قليلاً فطالما ... منعتِ وحلأتِ القلوبَ الصواديا
دنوَّ عتاقِ الطير للزجرِ بعدما ... شمسنَ وولينَ الخدودَ العواصيا
إذا اكتحلت ْعيني بعينكِ مسني ... بخيرٍ وجلى غمرةً عنْ فؤاديا
ويأمرني العذالُ أن أغلبَ الهوى ... وأنْ أكتمَ الوجدَ الذي ليسَ خافيا
فيا حسراتِ القلبِ في إثرِ من يرى ... قريباً ويلقى خيرهُ منكَ قاصيا
تعيرني الإخلافَ ليلى وأفضلتْ ... على وصلِ ليلى قوةٌ منْ حباليا
فقولا لواديها الذي نزلتْ بهِ ... أواديَ ذي القيصومِ أمرعتَ واديا
لقدْ خفتُ أن لا تجمعَ الدارُ بيننا ... ولا الدهرُ إلاَّ أنْ تجدَّ الأمانيا
ألاَ طرقتْ شعثاءُ والليلُ مظلمٌ ... أحمَّ عمانيا وأشعثَ ماضيا
لدى قطرياتٍ إذا ما تغولتْ ... بنا البيدُ غاولنَ الحزومَ القياقيا
تخطى إلينا منْ بعيدٍ خيالها ... يخوضُ خداريا منَ الليلِ داجيا
فحييتَ منْ سارٍ تكلفَ موهناً ... مزاراً على ذي حاجةٍ متراخيا
стр. 181
يقولُ ليَ الأصحابُ هلْ أنتَ لاحقٌ ... بأهلكَ إنَّ الزاهريةَ لاهيا
لحقتُ وأصحابي على كلِّ حرةٍ ... وخودٍ تباري الأحبشيَّ المكاريا
ترامين بالأجوازِ في كلِّ صفصفٍ ... وأدنينَ منْ خلجِ البرينِ الذفاريا
إذا بلغتْ رحلي رجيعٌ أملها ... نزوليَ بالموماةِ ثمَّ ارتحاليا
مخففةً يسري على الهولِ ركبها ... عجالاً بها ما ينظرونَ التواليا
تخالُ بها ميتَ الشخاصِ كأنهُ ... قذى غرقٍ يضحي بهِ الماءُ طافيا
يشقُّ على ذي الحلم أنْ يتبعَ الهوى ... ويزجرُ منْ أدناهُ أن ليسَ لا قيا
وإني لعفُّ الفقرِ مشتركُ الغنى ... سريعٌ إذا لمْ أرضَ داري احتماليا
وإني لأستحييكَ والخرقُ بيننا ... منَ الأرضِ أنْ تلقى أخاً لي قاليا
وقائلةٍ والدمعُ يحدرُ كحلها ... أبعدَ جريرٍ تكرمونَ المواليا
فردي جمالَ الحيِّ ثمَّ تحملي ... فما لكِ فيهمْ من مقامٍ ولا ليا
فأنتَ أبي ما لمْ تكنْ ليَ حاجةٌ ... فإنْ عرضتْ فإنني لا أبا ليا
بأيِّ نجادٍ تحملُ السيفَ بعدما ... قطعتُ قوىً من محملٍ كانَ باقيا
بأيِّ سنانٍ تطعنُ القومَ بعدما ... نزعتَ سناناً من قناتكَ ماضيا
ألمْ أكُ ناراً يصطليها عدوكمْ ... وحرزاً لما ألجأتمُ من ورائيا
وباسطَ خيرٍ فيكمُ بيمينهِ ... وقابضَ شرٍّ عنكمُ بشماليا
ألا لاَ تخافا نبوتي في ملمةٍ ... وخافا المنايا أن تفوتكما بيا
إذا سركمُ أنْ تمسحوا وجهَ سابقٍ ... جوادٍ فمدوا وابسطوا منْ عنانيا
أنا ابنُ صريحيْ خندفٍ غيرَ دعوةٍ ... تكونُ مكانَ القلبِ منها مكانيا
وليسَ لسيفي في العظامِ بقيةٌ ... وللسيفُ أشوى وقعةٌ من لسانيا
جريءُ الجنانِ لا أهالُ منَ الردى ... إذا ما جعلتُ السيفَ منْ عنْ شماليا
أبالموتِ خشتني قيونُ مجاشعٍ ... وما زلتُ مجنياًّ عليّ وجانيا
وما مسحتْ عندَ الحفاظِ مجاشعٌ ... كريماً ولا منْ غايةِ المجدِ دانيا
دعوا المجدَ إلاَّ أن تسوقوا كزومكمْ ... وقيناً عراقياً وقيناً يمانيا
تراغيتمُ يومَ الزبيرِ كأنكمْ ... ضباعٌ بذي قارٍ تمنى الأمانيا
وقال جرير يجيب الفرزدق:
لمنِ الديارُ كأنها لمْ تحللِ ... بين الكناسِ وبينَ طلحِ الأعزلِ
ولقدْ أرى بكَ والجديدُ إلى بلى ... موتَ الهوى وشفاءَ عينِ المجتلي
نظرتْ إليكَ بمثلِ عينى مغزلٍ ... قطعتْ حبالتها بأعلى يليلِ
وإذا التمستَ نوالها بخلتْ بهِ ... وإذا عرضتَ بودها لمْ تبخلِ
ولقدْ ذكرتكِ والمطيُّ خواضعٌ ... وكأنهنَّ قطا فلاةٍ مجهلِ
يسقينَ بالأدمى فراخَ تنوفةٍ ... زغباً حواجبهنَّ حمرَ الحوصلِ
يا أمَّ ناجيةَ السلامُ عليكمُ ... قبلَ الرواحِ وقبلَ لومِ العذلِ
وإذا غدوتِ فباكرتكِ تحيةٌ ... سبقتْ سروحَ الشاحجاتِ الحجلِ
لو كنتُ أعلمُ أنَّ آخرَ عهدكمْ ... يومُ الرحيلِ فعلتُ ما لمْ أفعلِ
أو كنتُ أرهبُ وشكَ بينٍ عاجلٍ ... لقنعتُ أو لسألتُ ما لمْ أسالِ
أعددتُ للشعراءِ سمَّاً ناقعاً ... فسقيتُ آخرهمْ بكأسِ الأولِ
لما وضعتُ على الفرزدقِ ميسمي ... وعلى البعيثِ جدعتُ أنفَ الأخطلِ
أخزى الذي سمكَ السماءَ مجاشعاً ... وبنى بناءكَ بالحضضِ الأسفلِ
بيتاً يحممُ قينكمْ بفنائهِ ... دنساً مقاعدهُ خبيثَ المدخلِ
ولقدْ بنيتَ أذلَّ بيتٍ يبتنى ... فهدمتُ بيتكمُ بمثلي يذبلِ
إني بنى ليَ في المكارمِ أولي ... ونفختَ كيركَ في الزمانِ الأولِ
أعيتكَ مأثرةُ القيونِ مجاشعٍ ... فانظرْ لعلكَ تدعي منْ نهشلِ
وامدحْ سراةَ بني فقيمٍ إنهمْ ... قتلوا أباكَ وثأرهُ لمْ يقتلِ
ودعِ البراجمَ إنَّ شربكَ فيهمُ ... مرٌّ عواقبهُ كطعمِ الحنظلِ
إني انصببتُ منَ السماءِ عليكمُ ... حتى اختطفتكَ يا فرزدقُ منْ علِ
من بعدِ صكي للبعيثِ كأنهُ ... خربٌ تنفجَ من حذارِ الأجدلِ
ولقدْ وسمتكَ يا بعيثُ بميسمي ... وضغا الفرزدقُ تحتَ حدِّ الكلكلِ
стр. 182
حسبُ الفرزدقِ أنْ تسبَّ مجاشعٌ ... ويعدَّ شعرَ مرقشٍ ومهلهلِ
طلبتْ قيونُ بني قفيرةَ سابقاً ... غمرَ البديهةِ جامحاً في المسحلِ
قتلَ الزبير وأنتَ عاقدُ حبوةٍ ... تباً لحبوتك التي لمْ تحللِ
وافاكَ غدركَ بالزبيرِ على منى ... ومجرِّ جعثنكمْ بذاتِ الحرملِ
باتَ الفرزدقُ يستجيرُ لنفسهِ ... وعجانُ جعثنَ كالطريقِ المعملِ
أينَ الذينَ عددتَ أنْ لا يدركوا ... بمجرِّ جعثنَ يا بنَ ذاتِ الدملِ
أسلمتَ جعثنَ إذْ تجرُّ برجلها ... والمنقريُّ يدوسها بالمنشلِ
تهوي استها وتقولُ يالَ مجاشعٍ ... ومشقُّ ثقبتها كعينِ الأقبلِ
لا تذكروا حللَ الملوكِ وأنتمُ ... بعدَ الزبيرِ كحائضٍ لمْ تغسلِ
أبنيَّ شعرةَ لنْ تسدَّ طريقنا ... بالأعميينِ ولا قفيرةَ فازحلِ
ما كانَ ينكرُ في نديِّ مجاشعٍ ... أكلُ الخزيرِ ولا ارتضاعُ الفيشلِ
ولقدْ تبينَ في وجوهِ مجاشعٍ ... لؤمٌ يثورُ ضبابهُ لا ينجلي
ولقدْ تركتُ مجاشعاً وكأنهمْ ... فقعٌ بمدرجةِ الخميسِ الجحفلِ
إني إلى جبليْ تميمٍ معقلي ... ومحلُّ بيتيَ في اليفاعِ الأطولِ
أحلامنا تزنُ الجبالَ رزانةٌ ... ويفوقُ جاهلنا فعالَ الجهلِ
فاعجلْ إلى حكمي قريشٍ إنهمْ ... أهلُ النبوةِ والكتابِ المنزلِ
فاسألْ إذا خرجَ الخدامُ وأحمشتْ ... حربٌ تضرمُ كالحريقِ المشعلِ
والخيلُ تنحطُ بالكماةِ وقد رأوا ... لمعَ الربيئةِ بالنيافِ العيطلِ
أبني طهيةَ يعدلونَ فوارسي ... وبنو خضافِ وذاكَ ما لمْ يعدلِ
وإذا غضبتُ رمى ورائيَ بالحصى ... أبناءُ جندلتي كخيرِ الجندلِ
عمرٌو وسعدٌ يا فرزدقُ فيهمِ ... زهرُ النجومِ وباذخاتُ الأجبلِ
كانَ الفرزدقُ إذْ يعوذُ بخالهِ ... مثلَ الذليلِ يعوذُ تحتَ القرملِ
فافخرْ بضبةَ إنَّ أمكَ منهمُ ... ليسَ ابنُ ضبةَ بالمعمِّ المخولِ
وقضتْ لنا مضرٌ عليكَ بفضلنا ... وقضتْ ربيعةُ بالقضاءِ الفيصلِ
إن الذي سمكَ السماءَ بنى لنا ... عزاً علاكَ فما لهُ منْ منقلِ
أبلغْ بني وقبانَ أنَّ حلومهمْ ... خفتْ فما يزنونَ حبةَ خردلِ
أزرى بحكمكمُ الفياشُ فأنتمُ ... مثلُ الفراشِ غشينَ نارَ المصطلي
لوْ نكتَ أمكَ بعدَ أكلِ خزيرها ... لتعدَّ مثلَ فوارسي لمْ تفعلِ
في مزبدٍ غلقٍ كأنَّ مشقهُ ... خلُّ المجازةِ أو طريقُ العنصلِ
تصفُ السيوفَ وغيركمْ يعصى بها ... يا ابنَ القيونِ وذاكَ فعلُ الصيقلِ
وبرحرحانَ تخضخضتْ أصلاؤكمْ ... وفزعتمُ فزعَ البطانِ العزلِ
خصيَ الفرزدقُ والخصاءُ مذلةٌ ... يرجو مخاطرةَ القرومِ البزلِ
هابَ الخواتنُ منْ بناتِ مجاشعٍ ... مثلَ المحاجنِ أو قرونَ الأيلِ
وكأنَّ تحتَ ثيابِ خورِ مجاشعٍ ... بطاً يصوتُ في سراةِ الجدولِ
قعدتْ قفيرةُ بالفرزدقِ بعدما ... جهدَ الفرزدقُ جهدهُ لا يأتلي
ألهى أباكَ عنِ المكارمِ والعلى ... ليُّ الكتائفِ وارتفاعُ المرجلِ
ولدتْ قفيرةُ قدْ علمتمْ خبثةً ... بعدَ المشيبِ وبظرها كالمنجلِ
بزرودَ أرقصتِ القعودُ فراشها ... رعثاتِ عنبلها الغدفلِ الأرعلِ
أشركتِ إذْ حملتْ لأمكَ خبثةً ... حوضَ الحمارِ بليلةٍ منْ ثيتلِ
أبلغْ هديتيَ الفرزدقَ إنها ... ثقلٌ يزادُ على حسيرٍ مثقلِ
وقال جرير يجيب الفرزدق:
سمتْ ليَ نظرةٌ فرأيتُ برقاً ... تهامياً فراجعني ادكاري
يقولُ الناظرونَ إلى سناهُ ... نرى بلقاً شمسنَ على مهارِ
لقدْ كذبتْ عداتكِ أمَّ بشرٍ ... وقدْ طالتْ أناتي وانتظاري
عجلتِ إلى ملامتنا وتسري ... مطايانا وليلكِ غيرُ ساري
فهانَ عليكِ ما لقيتْ ركابي ... وسيري في الملمعةِ القفارِ
وأيامٌ أتينَ على المطايا ... كأنَّ سمومهنَّ أجيجُ نارِ
كأنَّ على مغابنهنَّ هجراً ... كحيلَ الليتِ أو نبعانَ قارِ
لقدْ أمسى البعيثُ بدارِ ذلٍّ ... وما أمسى الفرزدقُ بالخيارِ
стр. 183
جلاجلُ كرجٍ وسبالُ قردٍ ... وزندٌ من قفيرةَ غيرُ وارِ
عرفنا منْ قفيرةَ حاجبيها ... وجذاً في أناملها القصارِ
تدافعنا فقالَ بنو تميمٍ ... كأنَّ القردَ طوحَ منْ طمارِ
أطامعةٌ قيونُ بني عقالٍ ... بعقبي حينَ فاتهمُ حضاري
وقدْ علمتْ بنو وقبانَ أني ... ضبورُ الوعثِ معتزمُ الخبارِ
بيربوعٍ فخرتُ وآلِ سعدٍ ... فلاَ مجديَ بلغتَ ولا فخاري
ليربوعٍ فوارسُ كلّ يومٍ ... تواري شمسهُ رهجُ الغبارِ
عتيبةُ والأحيمرُ وابنُ قيسٍ ... وعتابٌ وفارسُ ذي الخمارِ
ويومَ بني جذيمةَ إذْ لحقنا ... ضحىً بينَ الشعيبةِ والعقارِ
وجوهُ مجاشعٍ طليتْ بلؤمٍ ... يبينُ في المقلدِ والعذارِ
وحالفَ كلَّ جلدِ مجاشعي ... قميصُ اللؤم ليسَ بمستعارِ
لهم أدرٌ يصوتُ في خصاهمْ ... كتصويتِ الجلاجلِ في القطارِ
أغركمُ الفرزدقُ منْ أبيكمْ ... وذكرُ مزادتينِ على حمارِ
وجدنا بيتَ ضبةَ في معدٍّ ... كبيتِ الضبِّ ليسَ لهُ سواري
إذا ما كنتَ ملتمساً نكاحاً ... فلاَ تعدلْ بجمعِ بني ضرارِ
فلاَ يمنعكَ منْ أربٍ لحاهمْ ... سوادٌ والعمامةِ والخمارِ
وإنْ لاقيتَ ضبياً فنكهُ ... فكلُّ رجالهمْ رخوُ الحتارِ
وقال جرير للفرزدق:
ألاَ حيِّ الديارَ بسعدَ أني ... أحبُّ لحبِّ فاطمةَ الديارا
أرادَ الظاعنونَ ليحزنوني ... فهاجوا صدعَ قلبي فاستطارا
لقدْ فاضتْ دموعكَ يومَ قوٍّ ... لبينٍ كانَ حاجتهُ ادكارا
أبيتُ الليلَ أرقبُ كلَّ نجمٍ ... تعرضَ ثمَّ أنجدَ ثمَّ غارا
يحنُّ فؤادهُ والعينُ تلقى ... منَ العبراتِ جولاً وانحدارا
إذا ما حلَّ أهلكِ يا سليمى ... بدارةِ صلصلٍ شحطوا المزارا
فتدلونا القلوبُ إلى هواها ... ويأبى أهلُ جهمةَ أنْ تزارا
كأنَّ مجاشعاً نخباتُ نيبٍ ... هبطنَ الهرمَ أسفلَ منْ سرارا
إذا حلوا زرودَ بنوا عليها ... بيوتَ الذلِّ والعمدَ القصارا
تسيلُ عليهمُ شعبُ المخازي ... وقدْ كانوا لسوأتها قرارا
وهلْ كانَ الفرزدقُ غيرَ قردٍ ... أصابتهُ الصواعقُ فاستدارا
وكنتَ إذا حللتَ بدارِ قومٍ ... ظعنتَ بخزيةٍ وتركتَ عارا
فهلاَّ غرتَ يومَ أرادَ قومٌ ... أصابوا عقرَ جعثنَ أنْ تغارا
أتذكرُ صوتَ جعثنَ إذْ تنادي ... وتنشدكَ القلائدَ والخمارا
ألمْ يخشوا إذا بلغَ المخازي ... على سوءاتِ جعثنَ أنْ تزارا
فإنَّ مجرَّ جعثنَ كانَ ليلاً ... وأعينَ كانَ مقلتهُ نهارا
فلوْ أيامَ جعثنَ كانَ قومي ... همُ قومَ الفرزدقِ ما استجارا
تزوجتمْ نوارَ ولمْ تريدوا ... ليدركَ ثائرٌ بأبي نوارا
فدينكَ يا فرزدقُ دينُ ليلى ... تزورُ القينَ حجاً واعتمارا
يظلُّ القينُ بعدَ نكاحِ ليلى ... يطيرُ على سبالكمُ الشرارا
نكحتُ على البعيثِ فلمْ أطلقْ ... فأجزأتُ التفردَ والضرارا
نشدتكَ يا بعيثُ لتخبرني ... أليلاً نكتَ أمكَ أو نهارا
مريتمْ حربنا لكمُ فدرتْ ... بذي علقٍ وأبطأتِ الغزارا
ألمْ أكُ قد نهيتُ على حفيرٍ ... بني قرطٍ وعلجهمُ شقارا
سأرهنُ يا ابن حاديةِ الروايا ... لكمْ مدَّ الأعنةِ والحضارا
يرى المتعبدونَ عليَّ دوني ... حياضَ الموتِ واللججَ الغمارا
ألسنا نحنُ قدْ علمتْ معدٌّ ... غداةَ الروعِ أجدرَ أنْ تغارا
فوارسنا عتيبةُ وابنُ سعدٍ ... وقوادُ المقانبِ حيثُ سارا
ومنا المعقلانِ وعبدُ قيسٍ ... وفارسنا الذي منعَ الذمارا
فما ترجو النجومَ بنو عقالٍ ... ولا القمرَ المنيرَ إذا استنارا
ونحن الموقدونَ بكلِّ ثغرٍ ... يخافُ بهِ العدوُّ عليكَ نارا
أتنسونَ الزبيرَ ورهنَ عوفٍ ... وعوفاً حينَ غركمُ فخارا
تركتُ القينَ أطوعَ من خصيٍّ ... يعضُّ بأيرهِ المسدَ المغارا
وقال جرير للفرزدق:
سرتِ الهمومُ فبتنَ غيرَ نيامِ ... وأخو الهمومِ يرومُ كلَّ مرامِ
стр. 184
ذمَّ المنازلَ بعدَ منزلةِ اللوى ... والعيشَ بعدَ أولئكَ الأقوامِ
ضربتْ معارفها الروامسُ بعدنا ... وسجالُ كلِّ مجلجلٍ سجامِ
ولقد أراكِ وأنتِ جامعةُ الهوى ... نثني بعهدك خيرَ دارِ مقامِ
فإذا وقفتُ على المنازلِ باللوى ... فاضتْ دموعي غيرَ ذاتِ سجامِ
طرقتكَ صائدةُ القلوبِ وليسَ ذا ... حينَ الزيارةِ فارجعي بسلامِ
تجري السواكَ على أغرَّ كأنهُ ... بردٌ تحدرَ من متونِ غمامِ
لو كانَ عهدكِ كالذي حدثتنا ... لوصلتِ ذاك فكانَ غيرَ رمامِ
إني أواصلُ منْ أردتُ وصالهُ ... بحبالِ لا صلفٍ ولا لوامِ
ولقد أراني والجديدُ إلى بلىً ... في فتيةٍ طرفِ الحديثِ كرامِ
طلبوا الحمولَ على خواضعَ كالبرى ... يحملنَ كلَّ معذلٍ بسامِ
لولا مراقبةُ العيونِ أريننا ... مقلَ المها وسوالفَ الأرآمِ
ونظرنَ حينَ سمعنَ رجعَ تحيتي ... نظرَ الجيادِ سمعنَ صوتَ لجامِ
كذبَ العواذلُ لو رأينَ مناخنا ... بحزيزِ رامةَ والمطيُّ سوامِ
والعيسُ جائلةُ الغروضُ كأنها ... بقرٌ جوافلُ أو رعيلُ نعامِ
نصي القلوصَ بكلِّ خرقٍ مهمهٍ ... عمقِ الفجاجِ مخرجٍ بقتامِ
يدمى على خدمِ السريحِ أظلها ... والمروُ من وهجْ الظهيرةِ حامِ
باتَ الوسادُ على ذراعِ شملةٍ ... وثنى أشاجعه بفضلِ زمامِ
إنَّ ابنَ آكلةِ النخالةِ قدْ جنى ... حرباً عليهِ ثقيلةَ الأجرامِ
خلقَ الفرزدقُ سوءةً في مالكٍ ... ولخلفُ ضبةَ كانَ شرَّ غلامِ
مهلاً فرزدقُ إنَّ قومكَ فيهمِ ... خورُ القلوبِ وخفةُ الأحلامِ
الظاعنونَ على العمى بجميعهمْ ... والنازلونَ بشرِّ دارِ مقامِ
لوْ غيركمْ علقَ الزبيرَ وحبلهُ ... أدى الجوارَ إلى بني العوامِ
كانَ العنانُ على أبيكَ محرماً ... والكيرُ كانَ عليهِ غيرَ حرامِ
عمداً أعرفُ بالهوانِ مجاشعاً ... إنَّ اللئامَ عليَّ غيرُ كرامِ
تلقى الضفنةَ من بناتِ مجاشعٍ ... تهذي استها بطوارقِ الأحلامِ
وقال جرير يجيب الفرزدق ويجمع معه البعيث والأخطل:
زارَ الفرزدقُ أهلَ الحجازِ ... فلمْ يحظَ فيهمْ ولمْ يحمدِ
وأخزيتَ قومكَ عندَ الحطيمٍ ... وبينَ البقيعينِ والغرقدِ
وجدنا الفرزدقَ بالموسمينِ ... خبيثَ المداخلِ والمشهدِ
نفاكَ الأغرُّ ابنُ عبدِ العزيزِ ... بحقكَ تنفى عنِ المسجدِ
وشبهتَ نفسكَ أشقى ثمودَ ... فقالوا ضللتَ ولمْ تهتدِ
وقد أجلوا حينَ حلَّ العذابُ ... ثلاثَ ليالٍ إلى الموعدِ
وشبهتَ نفسكَ حوقَ الحمارِ ... خبيثَ الأواريِّ والمرودِ
وجدنا جبيراً أبا غالبٍ ... بعيدَ القرابةِ منْ معبدِ
أتجعلُ ذاك الكيرِ منْ مالكٍ ... وأينَ سهيلٌ منَ الفرقدِ
وعرقُ الفرزدقِ شرُّ العروقِ ... خبيثُ الثرى كابيُ الأزندِ
وأوصى جبيرٌ إلى غالبٍ ... وصيةَ ذي الرحمِ المجهدِ
فقالَ ارفقنَّ بليِّ الكتيفِ ... وحكِّ المشاعبِ بالمبردِ
وجعثنُ حطَّ بها المنقريُّ ... كرجعِ يدِ الفالجِ الأحردِ
تثاءبُ منْ طولِ ما أبركتْ ... تثاؤبَ ذي الرقيةِ الأدردِ
فهلاَّ ثأرتَ ببنتِ القيون ... وتتركُ شوقاً إلى مهددِ
وهلاَّ ثأرتَ بحلِّ النطاقِ ... ودقِّ الخلاخلِ والمعضدِ
فأصبحتَ تفقرُ آثارهمْ ... ضحىً مشيةَ الجاذفِ الأعقدِ
كليلاً وجدتمْ بني منقرٍ ... سلاحَ قتيلكمُ المسندِ
تقولُ نوارُ فضحتَ القيونَ ... فليتَ الفرزدقَ لمْ يولدِ
وفاتَ الفرزدقُ بالكلبتينِ ... وعدلٍ منَ الحممِ الأسودِ
فرقعْ لجدكَ أكيارهُ ... وأصلحْ متاعكَ لا يفسدِ
وأدنِ العلاةَ وأدنِ القدومَ ... ووسعْ لكيركَ في المقعدِ
قرنتُ البعيثَ إلى ذي الصليبِ ... معَ القينِ في المرسِ المحصدِ
وقد قرنوا حين جدَّ الرهانُ ... بسامٍ إلى الأمدِ الأبعدِ
يقطعُ بالجري أنفاسهمْ ... بثنيِ العنانِ ولمْ يجهدِ
стр. 185
فإنا أناسٌ نحبُّ الوفاءَ ... حذارَ الأحاديثِ في المشهدِ
ولا نحتبي عند عقدِ الجوارِ ... بغيرِ النجادِ ولا نرتدي
شددتمْ حباكمْ على غدرةٍ ... بجيشانَ والسيفُ لمْ يغمدِ
فلما احتبيتَ وأنتَ الذليلُ ... قعدتَ على استٍ لدى قعددِ
فبعداً لقومٍ أجاروا الزبيرَ ... وأما الزبيرُ فلمْ يبعدِ
أعبتَ فوارسَ يومِ الغبيطِ ... وأيامَ بشرِ بني مرثدِ
ويوماً ببلقاءَ يا ابنَ القيونِ ... شهدنا الطعانَ ولمْ تشهدِ
فصبحنَ أبجرَ والحوفزانَ ... بوردٍ مشيحٍ على الذودِ
ويومَ البحيرينِ ألحقننا ... لهنَّ أخاديدُ في القرددِ
نعضُّ السيوفُ بهامِ الملوكِ ... ونشفي الطماحَ منَ الأصيدِ
وقال جرير للفرزدق لما تزوج حدراء بنت زيق بن بسطام بن قيس بن مسعود بن قيس بن خالد بن عبد الله بن عمرو بن الحارث بن همام بن مرة بن ذهل بن شيبان وكان أبوها نصرانيا، وأراد الفرزدق أن يغيظ النوار بنت عين بن صنيعة بن ناجية بن عقال وكان الفرزدق تزوجها أعني النوار فأخبرت النوار جريراً بذلك وشكت الفرزدق إليه، فقال: أنا أكفيكه وقال:
لستُ بمعطي الحكمَ منْ شفِّ منصبٍ ... ولا عنْ بناتِ الحنظلينَ راغبُ
أراهنَّ ماءَ المزنِ يشفى بهِ الصدى ... وكانتْ ملاحاً غيرهنَّ المشاربُ
لقدْ كنتَ أهلاً أن تسوقَ دياتكمْ ... إلى آلِ زيقٍ أنْ يعيبكَ عائبُ
وما عدلتْ ذاتُ الصليبِ ظعينةٌ ... عتيبةُ والردفانِ منها وحاجبُ
ألا ربما لمْ نعطِ زيقاً بحكمهِ ... وأدى إلينا الحكمَ والغلُّ لازبُ
حوينا أبا زيقٍ وزيقاً وعمهُ ... وجدةُ زيقٍ قد حوتها المقانبُ
ألمْ تعرفوا يا آلِ زيقٍ فوارسي ... إذا اغبرَّ منْ كرِّ الطرادِ الحواجبُ
حوتْ هانئاً يومَ الغبيطينِ خيلنا ... وأدركنَ بسطاماً وهنَّ شوازبُ
صبحناهمُ جرداً كأنَّ غبارها ... شآبيبُ صيفٍ يزدهينَّ حاصبُ
بكلِّ ردينيٍّ يطاردُ متنهُ ... كما اختبَّ سيدٌ بالمراضينِ لاغبُ
جزى اللهُ زيقاً وابنَ زيقٍ ملامةٌ ... على أنني في ودِّ شيبانَ راغبُ
أأهديتَ يا زيقَ بنَ زيقٍ غريبةٌ ... إلى شرِّ من تهدى إليه الغرائبُ
فأمثلُ ما في صهركمْ أنَّ صهركمْ ... مجيدٌ لكم ليَّ الكتيفِ وشاعبُ
عرفناكَ منْ حوقِ الحمارِ لخبثةٍ ... وكانَ لضماتٍ منَ القينِ غالبُ
بني مالكٍ أدوا إلى القينِ حقهُ ... وللقينِ حقٍّ في الفرزدقِ واجبُ
أثائرةٌ حدراءُ منْ جرَّ بالنقا ... وهلْ في بني حدراءَ للوترِ طالبُ
أتثأرُ بسطاماً إذا ابتلتِ استها ... وقد بولتْ في مسمعيهِ الثعالبُ
ذكرتَ بناتِ الشمسِ والشمسُ لمْ تلدْ ... وأيهاتَ من حوقِ الحمارِ الكواكبُ
ولو كنتَ حراً كانَ عشرٌ سياقةً ... إلى آلِ زيقٍ والوصيفُ المقاربُ
وقال يجيب الفرزدق:
أقمنا وربتنا الديارُ ولا أرى ... كمربعنا بين الحنيينِ مربعا
ألا حبَّ بالوادي الذي ربما نرى ... بهِ منْ جميعِ الحيِّ مرأى ومسمعا
ألا لا تلوما القلبَ أنْ يتخشعا ... فقدْ هاجتِ الأحزانُ قلباً مفزعا
وجودا لهندٍ بالكرامةِ منكما ... وما شئتما أنْ تمنعا بعدُ فامنعا
وما حفلتْ هندٌ تعرضَ حاجتي ... ولا نومَ عينيَّ الغشاشَ المروعا
بنفسي منْ جارٍ على غربةِ النوى ... أرادَ بسلمانينَ بيناً فودعا
كأنَّ غماماً في الخدورِ التي غدتْ ... دنا ثمَّ هزتهُ الصبا فترفعا
فليتَ ركابَ الحيّ يومَ تحملوا ... بحومانةِ الدراجِ أصبحنَ ظلعا
بني مالكٍ إنَّ الفرزدقَ لمْ يزلْ ... فلوَّ المخازي مذْ لدنْ أنْ تيفعا
رميتُ ابنَ ذي الكيرين حتى تركتهُ ... قعودَ القوافي ذا علوبٍ موقعا
وفقأتُ عينيْ غالبٍ عندَ كيرهِ ... وأقلعتُ عنْ أنفِ الفرزدقِ أجدعا
مددتُ لهُ الغاياتِ حتى نخستهُ ... جريحَ الذنابى قانيءَ السنِ مقطعا
ضغا قردكمْ لما اختطفتُ فؤادهُ ... ولابنِ وثيلٍ كان خدكَ أضرعا
стр. 186
وما غرَّ أولادَ القيونَ مجاشعا ... بذي صولةٍ يحمي العرينَ الممنعا
ويا ليت شعري ما تقولُ مجاشعٌ ... ولمْ تترك كفاكَ في القوسِ منزعا
وأيةُ أحلامٍ رددنَ مجاشعاً ... يعلونَ ذيفاناً منَ السمِّ منقعا
ألا ربما باتَ الفرزدقُ نائماً ... على حرِّ نارٍ تتركُ الوجهَ أسفعا
وكانَ المخازي طالما نزلتْ بهِ ... فيصبحُ منها قاصرَ الطرفِ أخضعا
وإنَّ ذيادَ الليلِ لا تستطيعهُ ... ولا الصبحَ حتى يستنيرَ فيسطعا
تركتُ لك القينين قينيْ مجاشعٍ ... ولا يأخذانِ النصفَ شتى ولا معا
وقدْ وجداني حينَ مدتْ حبالنا ... أشدَّ محاماةٌ وأبعدَ منزعا
وإني أخو الحربِ التي يصطلى بها ... إذا حملتهُ فوقَ حالٍ تشنعا
وأدركتُ منْ قدْ كانَ قبلي ولمْ أدعْ ... لمنْ كانَ بعدي في القصائدِ مصنعا
تفجعَ بسطامٌ وخبرهُ الصدى ... وما يمنعُ الأصداءَ ألاَّ تفجعا
وقالَ أقينٌ باشرَ الكيرَ باسته ... وأغرلَ ربتهُ قفيرةُ مسبعا
سيتركُ زيقٌ صهرَ آلِ مجاشعٍ ... ويمنعُ زيقٌ ما أرادَ ليمنعا
أتعدلُ مسعوداً وقيساً وخالداً ... بأقيانِ ليلى لا نرى ذاكَ مقنعا
ولما غررتمْ منْ أناسٍ كريمةً ... لؤمتمْ وضقتمْ بالكرائمِ أذرعا
فلولاَ تلاقوا يومَ حدراءَ قومها ... لوسدها كيرَ القيونِ المرقعا
رأى القينُ أختانَ الشناءةِ قدْ جنوا ... منَ الحربِ جرباءَ المساعرِ سلفعا
وإنكَ لو راجعتَ شيبانَ بعدها ... لأبتَ بمصلومِ الخياشيمِ أجدعا
إذا فوزتْ عن نهربينَ تقاذفتْ ... بحدراءَ دارٌ لا تريدُ لتجمعا
وأضحتْ ركابُ القينَ منْ خيبةِ السرى ... ونقلِ حديدِ القينِ حسرى وظلعا
وحدراءُ لوْ لمْ ينجها اللهُ برزتْ ... إلى شرِّ ذي حرثٍ دمالاً ومزرعا
وقدْ كانَ رجساً طهرتْ منْ جماعةٍ ... وآبَ إلى شرِّ المضاجعِ مضجعا
وآبَ إلى خوارةِ منْ مجاشعٍ ... هي الجفرُ بلْ كانتْ منَ الجفرِ أوسعا
متى تسمعِ الجيرانُ قبقبةَ استها ... طروقاً وضيفاها الدخيلانَ يفزعا
فإنَّ لكمْ في شأنِ حدراءَ ضيعةٌ ... وجارُ بني زغدِ استها كانَ أضيعا
حميدةُ كانتْ للفرزدقِ جارةً ... ينادمُ حوطاً عندها والمقطعا
سأذكرُ ما لمْ يذكروا عندَ منقرٍ ... وأثني بعارٍ منْ حميدةَ أشنعا
وجعثنُ نادتْ باستها يالَ دارمٍ ... فلمْ يلقَ حراً ذا شكيمٍ مشجعا
تناومتَ إذْ يسمُو أريبُ ابنُ عسعسٍ ... على سوأةٍ راءى بها ثمَّ سمعا
تعسفتِ السيدانَ تدعو مجاشعاً ... وجرتْ إلى قيسٍ خشاخشَ أجمعا
لقدْ ولدتْ أمُّ الفرزدقِ فخةٌ ... ترى بينَ رجليها مناحيَ أربعا
وقدْ جرجرتهُ الماءَ حتى كأنها ... تعالجُ في أقصى وجارينِ أضبعا
ولوْ حملتْ بالفيلِ ثمتَ طرقتْ ... بفيلينِ جاءا منْ مثابرها معا
ولوْ دخنتْ بعدَ العشاءِ بمجمرِ ... لما انصرفتْ حتى تبولَ وتضفعا
لقدْ أولعتْ بالقينِ خورُ مجاشعٍ ... وكانَ بها قينُ العديلةِ مولعا
تركتمْ جبيراً عندَ ليلى خليفةً ... أصعصعَ بئسَ القينُ قينكَ صعصعا
وما حفلتْ ليلى ملامةَ رهطها ... ولا حفظتْ سرَّ الحصانِ الممنعا
دعاكمْ حواريُّ الرسولِ فكنتمُ ... عضاريطَ يا خشبَ الخلافِ المصرعا
أبانَ لكمُ في غالبٍ قدْ علمتمُ ... نجارُ جبيرٍ قبلَ أنْ يتنفعا
أغركَ جارٌ ضلَّ قائمُ سيفهِ ... فلاَ رجعَ الكفانِ إلاَّ مكنعا
وآبَ ابنُ ذيالٍ جميعاً وأنتمُ ... تعدونَ غنماً رحلهُ المتمزعا
فلاَ تدعُ جاراً منْ عقالٍ ترى لهُ ... ضواغطَ يلثقنَ الإزارَ وأضرعا
فلاَ قينَ شرٌّ منْ أبي القينِ غالبٍ ... ولاَ لؤمَ إلاَّ دونَ لؤمكَ صعصعا
تعدونَ عقرَ النيبِ أفضلَ سعيكمْ ... بني ضوطرى هلاَّ الكميَّ المقنعا
وتبكي على ما فاتَ قبلكَ دارماً ... فإنْ تبكِ لا تتركْ لعينيكَ مدمعا
لعمركَ ما كانتْ حماةُ مجاشعٍ ... كراماً ولا حكامُ ضبةَ مقنعا
стр. 187
أتعدلُ يربوعاً خناثى مجاشعٍ ... إذا هزَّ بالأيدي القنا فتزعزعا
تلاقي ليربوعٍ إيادَ أرومةٍ ... وعزاً أبتْ أوتادهُ أنْ تنزعا
وجدتُ ليربوعٍ إذا ما عجمتهمْ ... منابتَ نبعٍ لمْ يخالطنَ خروعا
همُ القومُ لو باتَ الزبيرُ لديهمِ ... لما باتَ مفلولاً ولاَ متطلعا
وقدْ علمَ الأقوامُ أنَّ سيوفنا ... عجمنَ حديدَ البيضِ حتى تصدعا
ألاَ ربَّ جبارٍ عليهِ مهابةٌ ... سقيناهُ كأسَ الموتِ حتى تضلعا
نقودُ جياداً لمْ تقدها مجاشعٌ ... تكونُ منَ الأعداءِ مرأى ومسمعا
تداركنَ بسطاماً فأنزلَ في الوغى ... عناقاً ومالَ السرجُ حتى تقعقعا
دعا هانئٌ بكراً وقدْ عضَّ هانئاً ... عرى الكبلِ فينا الصيفَ والمتربعا
ونحنُ خضبنا لابنِ كبشةَ تاجهُ ... ولاقى امرأً في ضمةِ الخيلِ مصقعا
وقابوسُ أعضضنا الحديدَ ومنذراً ... وحسانَ إذْ لا يدفعُ الذلَّ مدفعا
وقدْ جعلتْ يوماً بطخفةَ خيلنا ... مجراً لذي التاجِ الهمامِ ومصرعا
وقدْ جربَ الهرماسُ أنَّ سيوفنا ... عضضنَ برأسِ الكبشِ حتى تصدعا
ونحنُ تداركنا بحيراً وقدْ حوى ... نهابَ العنابينِ الخميسُ ليربعا
فعاينَ بالمروتِ أمنعَ معشرٍ ... صريخَ رياحٍ واللواءَ المزعزعا
فوارسَ لا يدعونَ يالَ مجاشعٍ ... إذا كانَ يوماً ذا كواكبَ أشنعا
ومنا الذي أبلى صديَّ بنَ مالكٍ ... ونفرَ طيراً عنْ جعادةَ وقعا
فدعْ عنكَ لوماً في جعادةَ إنما ... وصلناهُ إذْ لاقى ابنَ بيبةَ أقطعا
ضربنا عميدَ الصمتينِ فأعولتْ ... جداعُ على صلتِ المفارقِ أنزعا
أخيلكَ إذْ خيلي ببلقاءَ أحرزتْ ... دعائمَ عرشِ الحيِّ أنَ يتضعضعا
ولوْ شهدتْ يومَ الوقيظينِ خيلنا ... لما قاظتِ الأسرى القطاطِ ولعلعا
ربعنا وأردفتا الملوكَ فظللوا ... وطابَ الأحاليبِ الثمامَ المنزعا
فتلكَ مساعٍ لمْ تنلها مجاشعٌ ... سبقتَ فلاَ تجزعْ منَ الحقِّ مجزعا
وقال جرير يرثي خالدة بنت سعيد بن أوس بن معاوية بن خلف بن بجاد بن معاوية بن أوس بن كليب، وهي أم حزرة وكان جرير يسمي هذه القصيدة الجوساء لذهابها في البلاد وقيل الحوساء بالحاء:
لولا الحياءُ لهاجني استعبارُ ... ولزرتُ قبركِ والحبيبُ يزارُ
ولقدْ نظرتُ وما تمتعُ نظرةٍ ... في اللحدِ حيثُ تمكنَ الحفارُ
ولهتِ نفسيَ إذْ علتني كبرةٌ ... وذوو التمائمِ منْ بنيكِ صغارُ
أرعى النجومَ وقدْ مضتْ غوريةً ... عصبُ النجومِ كأنهنَّ صوارُ
نعمَ القرينُ وكنتِ علقَ مضنةٍ ... وارى بنعفِ بليةَ الأحجارُ
عمرتْ مكرمةَ المساكِ وفارقتْ ... ما مسها صلفٌ ولا إقتارُ
فسقى صدى جدثٍ ببرقةِ ضاحكٍ ... هزمٌ أجشُّ وديمةٌ مدرارُ
هزمٌ أجشُّ إذا استحارَ ببلدةٍ ... فكأنما بجوائها الأنهارُ
متراكبٌ زجلٌ يضيءُ وميضهُ ... كالبلقِ تحتَ بطونها الأمهارُ
كانتْ مكرمةَ العشيرِ ولمْ يكنْ ... يخشى غوائلَ أمِّ حزرةَ جارُ
ولقدْ أراكِ كسيتِ أجملَ منظرٍ ... ومعَ الجمالِ سكينةٌ ووقارُ
والريحُ طيبةٌ إذا استقبلتها ... والعرضُ لا دنسٌ ولا خوارُ
وإذا سريتُ رأيتُ ناركِ نورتْ ... وجهاً أغرَّ تزينهُ الإسفارُ
صلى الملائكةُ الذينَ تخيروا ... والصالحونَ عليكِ والأبرارُ
وعليكِ منْ صلواتِ ربكِ كلما ... نصبَ الحجيجُ ملبئينَ وغاروا
يا نظرةً لكَ يومَ هاجتْ عبرةً ... في أمِّ حزرةَ بالنميرةِ دارُ
تحيي الروامسُ ربعها فتجدهُ ... بعدَ البلى وتميتهُ الأمطارُ
وكأنَّ منزلةً لها بجلاجلٍ ... وحيُ الزبورِ تخطهُ الأحبارُ
لا تكثرنَّ إذا جعلتَ تلومني ... لا يذهبنَّ بحلمكَ الإكثارُ
كانَ الخليطُ همُ الخليطُ فأصبحوا ... متبدلينَ وبالديارِ ديارُ
لا يلبثُ القرناءَ أنْ يتفرقوا ... ليلٌ يكرُّ عليهمِ ونهارُ
أفأمَّ حزرةَ يا فرزدقُ عبتمُ ... غضبَ المليكُ عليكمُ الجبارُ
стр. 188
كانتْ إذا هجرَ الحليلُ فراشها ... خزنَ الحديثُ وكتمَ الأسرارُ
ليستْ كأمكَ إذْ يعضُّ بقرطها ... قينٌ وليسَ على القرونِ خمارُ
سنبيرُ قينكمُ ولاَ يوفى بهِ ... قينٌ بقارعةِ المقرِّ مثارُ
وجدَ الكتيفُ ذخيرةٌ في قبرهِ ... والكلبتانِ جمعنَ والميشارُ
يبكي صداهُ إذا تهزمَ مرجلٌ ... أوْ إنْ تثلمَ برمةٌ أعشارُ
رجفَ المقرُّ وصاحَ في شرقيهِ ... قينٌ عليهِ دواخنٌ وشرارُ
قتلتْ أباكَ بنو فقيمٍ عنوةُ ... إذْ جرَّ ليسَ على أبيكَ إزارُ
عقروا رواحلهُ فليسَ كقتلهِ ... قتلٌ وليسَ كعقرهنَّ عقارُ
حدراءُ أنكرتِ القيونَ وريحهمْ ... والحرُّ يمنعُ ضيمهُ الإنكارُ
لما رأتْ صدأ الحديدِ بجلدهِ ... فاللونُ أورقُ والبنانُ قصارُ
قالَ الفرزدقُ رقعي أكيارنا ... قالتْ وكيفَ ترقعُ الأكيارُ
رقعْ متاعكَ إنَّ جدي خالدٌ ... والقينُ جدكَ لمْ يلدكَ نزارُ
وسمعتها اتصلتْ بذهلٍ إنهم ... ظلموا بصرهمِ القيونَ وجاروا
دعتِ المصورَ دعوةً مسموعةً ... ومعَ الدعاءِ تضرعٌ وجؤارُ
عاذتْ بربكَ أنْ يكونَ قرينها ... قيناً أحمَّ لفسوهِ إعصارُ
أوصتْ بلائمةٍ بزيقٍ وابنهِ ... إنَّ الكريمَ تشينهُ الأصهارُ
إنَّ الفضيحةَ لوْ بليتَ بقينهمْ ... ومعَ الفضيحةِ غربةٌ وضرارُ
شدوا الحبى وبشاركمُ عرقَ الخصى ... بعدَ الزبيرِ وبعدَ جعثنَ عارُ
هلاَّ الزبيرَ منعتَ يومَ تشمستْ ... حربٌ تضرمُ نارها مذكارُ
ودعا الزبيرُ فما تحركتِ الحبى ... لوْ سمتهمْ جخفَ الخزيرِ لثاروا
غروا بعقدهمِ الزبيرَ كأنهمْ ... أثوارُ محرثةٍ لهنَّ خوارُ
والصمتينِ أجرتمُ فغدرتمُ ... وابنُ الأصمِّ بحبلِ بيتكَ جارُ
إنَّ التي بعجتْ بفيشلِ منقرٍ ... يا شبَّ ليسَ لشأنها إسرارُ
وفتْ لجعثنَ دينَ جعثنَ منقرٌ ... لا علةٌ بهمِ ولا إعسارُ
قطعوا بجعثنَ ذا الحماطِ تقحماً ... وإلى خشاخشَ جريها أطوارُ
لقيتْ صحارَ بني سنانٍ فيهمِ ... حدباً كأعضلِ ما يكونُ صحارُ
طعنتْ بأيرِ مقاعسي مخلجٍ ... فأصيبَ عرقُ عجانها النعارُ
أخزاكَ رهطُ ابنِ الأشدِّ فأصبحتْ ... أكبادُ قومكِ ما لهنَّ مرارُ
باتتْ تكلفُ ما علمتَ ولمْ تكنَ ... عونٌ تكلفهُ ولاَ أبكارا
باتَ الفرزدقُ عابداً وكأنها ... قعوٌ تعاورهُ السقاةُ معارُ
دعيَ الطبيبُ طبيبُ جعثنَ بعدما ... عصتِ العروقُ أدبرَ المسبارُ
شبهتُ شعرتها إذا ما أبركتْ ... أذنيْ أزبَّ يفرهُ السمسارُ
سبوا الحمارَ فسوفَ أهجو ... نسوةً للكيرِ وسطَ بيوتهنَّ أوارُ
منْ كلِّ منسفةِ العجانِ كأنهُ ... جفرٌ تغضفَ منْ جويةَ هارُ
لخواءُ مزبدةٌ إذا ما قبقبتْ ... هدرتْ فألثقَ ثوبها التهدارُ
تغلي المشاقة تبتغي دسمَ استها ... فمنَ المشاقةِ عندها أكرارُ
تلقى بناتِ أبي الجلوبقِ نزعاً ... نحو القيونِ وما بهنَّ نفارُ
وتخيرتْ ليلى القيونَ وريحهمُ ... ما كانَ في صدإِ القيونِ خيارُ
حنتْ وحنَّ إلى جبيرٍ نسوةٌ ... خزرٌ يطفنَ بهِ وهنَّ ظؤارُ
تدعى لصعصعةِ الضلالِ وأحصنتْ ... للقينِ يا بنَ قفيرةَ الأطهارُ
وخضافِ قدْ ولدتْ أباكَ مجاشعاً ... وبنيهِ قدْ ولدتهمُ النخوارُ
يا شبَّ ويلكَ ما لقيتَ منَ التي ... أخزتكَ ليلةَ نجدَ الأستارُ
يا شبَّ ويحكَ إنها من نسوةٍ ... خورٍ لهنَّ إذا انتشينَ جؤارُ
نثلتْ عليكَ منَ الخزيرِ كأنها ... جفرٌ تخرمَ حافتيهِ جفارُ
إنَّ الفرزدقَ لنْ يزايلَ لؤمهُ ... حتى يزولَ عن الطريقِ صرارُ
فيمَ المراءُ وقدْ سبقتُ مجاشعاً ... سبقاً تقطعُ دونهُ الأبصارُ
قضتِ الغطارفُ منْ قريشٍ فاعترفْ ... يا بنَ القيونِ عليكَ والأنصارُ
هلْ في مئينَ وفي مئينَ سبقتها ... مدَّ الأعنةِ غايةٌ وحضارُ
كذبَ الفرزدقُ إنَّ عودَ مجاشعٍ ... قصفٌ وإنَّ صليبهمْ خوارُ
стр. 189
ما كانَ يخلفُ يا بني زبدِ استها ... منكمْ مخيلةُ باطلٍ وفخارُ
وإذا بطنتَ فأنتَ يا ابنَ مجاشعٍ ... عبدُ الهوانِ جنادفٌ نثارُ
سعدٌ أبوْا لكَ أنْ تفي بجوارهمْ ... أوْ أنْ يفي لكَ بالجوارِ جوارُ
تلكَ التي شدخوا بواطنَ كينها ... أضحى مخالطَ بولها الإمغارُ
قدْ طالَ قرعكَ قبلَ ذاكَ صفاتنا ... حتى صممتَ وفللَ المنقارُ
يا ابنَ القيونِ فطالَ ما جربتني ... والنزعُ حيثُ أمرتِ الأوتارُ
ما في معاودتي الفرزدقَ فاعلموا ... لمجاشعٍ ظفرٌ ولا استبشارُ
إنَّ القصائدَ قدْ جدعنَ مجاشعاً ... بالشتمِ يلحمُ نسجها وينارُ
ولقوا عواصي قدْ عييتَ بنقضها ... ولقدْ نقضتَ فما بكَ استمرارُ
قدْ كانَ قومكَ يحسبونكَ شاعراً ... حتى غرقتَ وضمكَ التيارُ
نزعَ الفرزدقُ ما يسرُّ مجاشعاً ... منهُ مراهنةٌ ولا مشوارُ
قصرتْ يداكَ عنِ السماءِ ولمْ يكنْ ... في الأرضِ للشجرِ الخبيثِ قرارُ
أثنتْ نوارُ على الفرزدقِ خزيةً ... صدقتْ وما كذبتْ عليكَ نوارُ
إنَّ الفرزدقَ لا يزالُ مقنعاً ... وإليهِ بالعملِ الخبيثِ يشارُ
لا يخفينَّ عليكَ أنَّ مجاشعاً ... لو ينفخونَ منَ الخؤورِ لطاروا
إذْ يوسرونَ فما يفكُّ أسيرهمْ ... ويقتلونَ فتسلمُ الأوتارُ
ويفايشونكَ والعظامُ ضعيفةٌ ... والمخُّ ممتخرُ الهنانةِ رارُ
شهدَ المهملُ أنَّ جيشَ مجاشعٍ ... رضعوا الأيورَ على الخزيرِ فخاروا
نظروا إليكَ وقدْ تقلبَ هامهمْ ... نظرَ الضباعِ أصابهنَّ دوارُ
لا تغلبنَّ على ارتضاعِ أيوركمْ ... أوصى بذاكَ أبوكمُ المهمارُ
يسرَ الدهيمَ بنو عقالٍ بعدما ... نكحوا الدهيمَ فقبحَ الأيسارُ
وبكى البعيثُ على الدهيمِ وقدْ رغا ... لأبي البعيثِ منَ الدهيمِ حوارُ
وإذا أرادَ مجاشعيٌّ سوأةً ... نكحَ الدهيمَ وفي استهِ استيخارُ
قرنَ الفرزدقُ والبعيثُ وأمهُ ... وأبو الفرزدقِ قبحَ الإستارُ
إنَّ البعيثَ عجانُ ثورٍ قادهُ ... وسطَ الحجيجِ لينحرَ البقارُ
أضحى يرمزُ حاجبيهِ كأنهُ ... ذيخٌ لهُ بقصيمتينِ وجارُ
أمُّ البعيثِ كأنَّ حمرةَ بظرها ... رئةُ المغدِّ يبينها الجزارُ
وتقولُ إذْ رضيتْ وأرضتْ سبعةٌ ... لا يغضبنَّ عليكمُ البيزارُ
إنْ يكفِ أمكَ يا بعيثُ فربما ... صدرتْ ومرنَ بظرها الإصدارُ
إذْ كانَ يلعبها وأنتَ حزورٌ ... عبداً ضبارةَ بغثرٌ وشقارُ
قدْ طالَ رعيتها العواشي بعدما ... سقطَ الجليدُ وهبتِ الأصرارُ
ذهبَ القعودُ بلحمِ مقعدةِ استها ... وكأنَّ سائرَ لحمها الأفهارُ
ليستْ لقومي بالكتيفِ تجارةٌ ... لكنَّ قوميَ بالطعانِ تجارُ
يحمي فوارسيَ الذينَ لخيلهمْ ... بالثغرِ قدْ علمَ العدوُّ مغارُ
تدمى شكائمها وخيلُ مجاشعٍ ... لمْ يندَ منْ عرقٍ لهنَّ عذارُ
إنا وقينكمُ يرقعُ كيرهُ ... سرنا لنغتصبَ الملوكَ وساروا
عضتْ سلاسلنا على ابنيْ منذرٍ ... حتى أقرَّ بحكمنا الجبارُ
وابني هجيمةَ قدْ تركنا عنوةً ... لابنيْ هجيمةَ في الرماحِ جؤارُ
ورئيسُ مملكةٍ وطئنَ جبينهُ ... يغشى حواجبهُ دمٌ وغبارُ
وإذا النساءُ خرجنَ غيرَ تبرزٍ ... غرنا وعندَ خروجهنَّ نغارُ
نحمي مخاطرةٌ على أحسابنا ... كرمَ الحماةُ وعزتِ الأخطارُ
ومجاشعٌ فضحوا فوارسَ مالكٍ ... فربا الخزيرُ وضيعَ الأذمارُ
أعمارُ لوْ شهدَ الوقيطَ فوارسي ... ما قيدَ يعتلُ عثجلٌ وضرارُ
يا ابنَ القيونِ وكيفَ تطلبُ مجدنا ... وعليكَ منْ سمةِ القيونِ نجارُ
وقال جرير يجيب الفرزدق، ويهجو محمد بن عمير بن عطارد والأخطل:
لمنِ الديارُ ببرقةِ الروحانِ ... إذْ لاَ نبيعُ زماننا بزمانِ
إنْ زرتُ أهلكِ لمْ يبالوا حاجتي ... وإذا هجرتكِ شفني هجراني
هلْ رامَ جوُّ سويقتينِ مكانهُ ... أوْ حلَّ بعدَ محلنا البردانِ
راجعتُ بعدَ سلوهنَّ صبابةٌ ... وعرفتُ رسمَ منازلٍ أبكاني
стр. 190
أصبحنَ بعدَ نعيمِ عيشٍ مؤنقٍ ... قفراً وبعدَ نواعمٍ أخدانِ
قدْ رابني نزعٌ وشيبٌ شاملٌ ... بعدَ الشبابَ وعصرهِ الفينانِ
نزلَ المشيبُ على الشبابِ فراعني ... وعرفتُ منزلهُ على إخواني
شعفَ القلوبَ وما تقضى حاجةٌ ... مثلُ المها بصرائمِ الحومانِ
حورُ العيونِ يمسنَ غيرَ جوادفٍ ... هزَّ الجنوبِ نواعمَ العيدانِ
وإذا وعدنكَ نائلاً أخلفنهُ ... وإذا غنيتَ فهنَّ عنكَ غوانِ
أصحا فؤادكَ أيَّ حينِ أوانِ ... أمْ لمْ يرعكَ تفرقُ الجيرانِ
بكرتْ حمامةُ أيكةٍ محزونةٍ ... تدعو الهديلَ فهيجتْ أحزاني
لا زلتِ في غللٍ يسركِ ناقعٍ ... وظلالِ أخضرَ ناعمِ الأغصانِ
ولقدْ أتيتُ ضجيعَ كلِّ مخضبٍ ... رخصِ الأناملِ طيبِ الأردانِ
عطرِ الثيابِ منَ العبيرِ مذيلٍ ... يمشي الهوينا مشيةَ السكرانِ
صدعَ الظعائنُ يومَ بنَّ فؤادهُ ... صدعَ الزجاجةِ ما لذاكَ تدانِ
هلْ تؤنسانِ وديرُ أروى دوننا ... بالأعزلينِ بواكرَ الأظعانِ
رفعتُ مائلةَ الدفوفِ أملها ... طولُ الوجيفِ على وجىَ الأمرانِ
حرفاً أضرَّ بها السفارُ كأنها ... جفنٌ طويتَ بهِ نجادَ يمانِ
وإذا لقيتَ على زرودَ مجاشعاً ... تركوا زرودَ خبيثةَ الأعطانِ
قتلوا الزبيرَ وقيلَ إنَّ مجاشعاً ... شهدوا بجمعِ ضياطرٍ عزلانِ
منْ كلِّ منتفخِ الوريدِ كأنهُ ... بغلٌ تقاعسَ فوقهُ خرجانِ
يا مستجيرَ مجاشعٍ يخشى الردى ... لا تأمننَّ مجاشعاً بأمانِ
إنَّ ابنَ شعرةَ والقرينَ وضوطرا ... بئسَ الفوارسُ ليلةَ الحدثانِ
تلقى ضفنَّ مجاشعٍ ذا لحيةٍ ... ولهُ إذا وضعَ الأزارَ حرانِ
أبنيَّ شعرةَ إنَّ سعداً لمْ يلدْ ... قيناً بليتيهِ عصيمُ دخانِ
أبنا عدلتَ بني خضافِ مجاشعاً ... وعدلتَ خالكَ بالأشدِّ سنانِ
شهدتْ عشيةَ رحرحانَ مجاشعٌ ... بمجارفٍ جحفَ الخزيرِ بطانِ
وطئتْ سنابكُ خيلِ قيسٍ منكمُ ... قتلى مصرعةٌ على الأعطانِ
أنسيتَ ويلَ أبيكَ غدرَ مجاشعٍ ... ومجرَّ جعثنَ ليلةَ السيدانِ
لما لقيتَ فوارساً منْ عامرٍ ... سلوا سيوفهمْ منَ الأجفانِ
ملأتمُ صففَ السروج كأنكمْ ... خورٌ صواحبُ قرملٍ وأفانِ
للهِ درُّ يزيدَ يومَ دعاكمُ ... والخيلُ مجلبةٌ على جلدانِ
لاقوا فوارسَ يطعنونَ ظهورهمْ ... نشطَ البزاةِ عواتقَ الخربانِ
لا يخفينَّ عليكَ أنَّ محمداً ... منْ نسلِ كلِّ ضفنةٍ مبطانِ
إنْ رمتَ عبدَ بني أسيدةَ عزنا ... فانقلْ قواعدَ يذبلٍ وذقانِ
إنا لنعرفُ ما أبوكَ لدارمٍ ... فالحقْ بأصلكَ منْ بني دهمانِ
لما انهزمتَ كفى الثغورَ مشيعٌ ... منا غداةَ جبنتَ غيرُ جبانِ
شبثٌ فخرتُ بهِ عليكَ ومعقلٌ ... وبمالكٍ وبفارسِ العلهانِ
هلاَّ طعنتَ الخيلَ يومَ لقيتها ... طعنَ الفوارسِ منْ بني عقفانِ
ألقوا السلاحَ إليَّ آلَ عطاردٍ ... وتعاظموا ضرطاً على الدكانِ
يا ذا العباءةِ إنَّ بشراً قدْ قضى ... ألاَّ تجوزَ حكومةُ النشوانِ
فدعوا الحكومةَ لستمُ منْ أهلها ... إنَّ الحكومةُ في بني شيبانِ
بكرٌ أحقُّ بأنْ تكونوا مقنعاً ... أوْ أنْ يفوا بحقيقةِ الجيرانِ
قتلوا كليبكمُ بلقحةِ جاركمْ ... يا خزرَ تغلبَ لستمُ بهجانِ
كذبَ الأخيطلُ إنَّ قوميَ فيهمِ ... تاجُ الملوكِ ورايةُ النعمانِ
منهمْ عتيبةُ والمحلُّ وقعنبٌ ... والحنتفانِ ومنهمُ الردفانِ
إني ليعرفُ في السرادقِ منزلي ... عندَ الملوكِ وعندَ كلِّ رهانِ
ما زالَ عيصُ بني كليبٍ في حمىً ... أشبٍ ألفِّ منابتِ العيصانِ
الضاربينَ إذا الكماةُ تنازلوا ... ضرباً يقدُّ عواتقَ الأبدانِ
وحمى الفوارسُ منْ غداتةَ إنهمْ ... نعمَ الحماةُ عشيةَ الإرنانِ
إنا لنستلبُ الجبابرَ تاجهمْ ... قابوسُ يعلمُ ذاكَ والجونانِ
ولقْد شفوكَ منَ المكوى جنبهُ ... واللهُ أنزلهُ بدارِ هوانِ
стр. 191
جاريتَ مطلعَ الجراءِ بنابهِ ... روقٌ شبيبتهُ وعمركَ فانِ
ما زلتُ مذْ عظمَ الخطارُ معاوداً ... ضبرَ المئينَ وسبقَ كلِّ رهانِ
فاقبضْ يديكَ فإنني في مشرفٍ ... صعبِ الذرى متمنعِ الأركانِ
ولقدْ سبقتُ فما ورائي لاحقٌ ... بدءاً وخليَ في الجراءِ عناني
نزعَ الأخيطلُ حينَ جدَّ جراؤنا ... حطمَ الشوى متكسرَ الأسنانِ
قلْ للمعرضِ والمشورِ نفسهُ ... منْ شاءَ قاسَ عنانهُ بعناني
عمداً حززتُ أنوفَ تغلبَ مثلَ ... ما حزَّ المواسمُ آنفَ الأقيانِ
ولقدْ وسمتُ مجاشعاً ولتغلبٍ ... عندى محاضرةٌ وطولُ هوانِ
قيسٌ على وضحِ الطريقِ وتغلبٌ ... يتقاودونَ تقاودَ العميانِ
ليسَ ابنُ عابدةِ الصليبِ بمنتهٍ ... حتى يذوقَ بكأسِ منْ عاداني
إنَّ القصائدَ يا أخيطلُ فاعترفْ ... قصدتْ أباكَ مجرةَ الأرسانِ
وعلقتَ في قرنِ الثلاثةِ رابعاً ... مثلَ البكارِ لززنَ في الأقرانِ
ما نابَ منْ حدثٍ فليسَ بمسلمي ... عمري وحنظلتي ولا السعدانِ
وإذا بنوا أسدٍ عليّ تحدبوا ... نصبتْ بنو أسدٍ لمنْ راداني
والغرُّ منْ سلفيْ كنانةَ إنهمْ ... صيدُ الرؤوسِ أعزةُ السلطانِ
مالتْ عليكَ جبالُ غورِ تهامةٍ ... وغرقتَ حيثُ تناطحِ البحرانِ
فلقيتَ رايةَ آلَ قيسٍ دونها ... مثلُ الجمالِ طلينَ بالقطرانِ
هزوا السيوفَ فأشرعوها فيكم ... وذوابلاً يخطرنَ كالأشطانِ
فتركنكمْ جزرَ السباعِ وفلكمْ ... يتساقطونَ تساقطَ الحمنانِ
تركَ الهذيلُ هذيلُ قيسٍ منكمُ ... قتلى يقبحُ روحها الملكانِ
فأخسأ إليكَ فلا سليمٌ منكمُ ... والعامرانِ ولا بنو ذبيانِ
قومٌ لقيتَ قناتهمْ بسنانها ... فلقوا قناتكَ غيرَ ذاتِ سنانِ
يا عبدَ خندفَ لا تزالُ معبداً ... فاقعدْ بدارِ مذلةٍ وهوانِ
والزمْ بحلفكَ في قضاعةَ إنما ... قيسٌ عليكَ وخندفٌ أخوانِ
أحموا عليكَ فلاَ تجوزُ بمنهلٍ ... ما بينَ مصرَ إلى قصورِ عمانِ
والتغلبيُّ على الجوادِ غنيمةٌ ... بئسَ الحماةُ عشيةَ الإرنانِ
والتغلبيُّ مغلبُ قعدتْ بهِ ... مسعاتهُ عبدٌ بكلِّ مكانِ
سوقوا النقادَ فلاَ يحلُّ لتغلبٍ ... سهلُ الرمالِ ومنبتُ الضمرانِ
لعنَ الإلهُ منَ الصليبِ إلههُ ... واللابسينَ برانسَ الرهبانِ
والذابحينَ إذا تقاربَ فصحهمْ ... شهبَ الجلودِ خسيسةَ الأثمانِ
منْ كلِّ ساجي الطرفِ أعصلَ نابهُ ... في كلِّ قائمةٍ لهُ ظلفانِ
تغشى الملائكةُ الكرامُ وفاتنا ... والتغلبيُّ جنازةُ الشيطانِ
يعطى كتابَ حسابهِ بشمالهِ ... وكتابنا بأكفنا الأيمانِ
أيصدقونَ بمارِ سرجسَ وابنهِ ... وتكذبونَ محمدَ الفرقانِ
ما في ديارِ مقامِ تغلبَ مسجدٌ ... وترى مكاسرَ حنتمٍ ودنانِ
غرَّ الصليبُ ومارِ سرجسُ تغلباً ... حتى تقاذفَ تغلبَ الرجوانِ
تلقى الكرامَ إذا خطبنَ غوالياً ... والتغلبيةُ مهرها فلسانِ
تضعُ الصليبَ على مشقِّ عجانها ... والتغلبيةُ غيرُ جدِّ حصانِ
قبحَ الإلهُ سبالَ تغلبَ إنها ... ضربتْ بكلِّ مخفخفٍ خنانِ
وقال جرير، وقال يجيب الفرزدق:
سقياً لنهيِ حمامةٍ وحفيرِ ... بسجالِ مرتجزِ الربابِ مطيرِ
سقياً لتلكَ منازلاً هيجنني ... وكأنَّ باقيهنَّ وحيُ سطورِ
كمْ قدْ رأيتُ وليسَ شيءٌ باقياً ... منْ زائرٍ طرفِ الهوى ومزورِ
وجدَ الفرزدقُ في مساعي دارمٍ ... قصراً إذا افتخروا وطولَ أيورِ
لا يفخرنَّ وفي أديمِ مجاشعٍ ... حلمٌ فليسَ سيورهُ بسيورِ
أبنيَّ شعرةَ لمْ نجدْ لمجاشعٍ ... حلماً يوازنُ ريشةَ العصفورِ
إنا لنعلمُ ما غدا لمجاشعٍ ... وفدٌ ولا ملكوا وثاقَ أسيرِ
ماذا رجوتَ منَ العلالةِ بعدما ... نقضتْ حبالكَ واستمرَّ مريري
إنَّ الفرزدقَ حينَ يدخلُ مسجداً ... رجسٌ فليسَ طهورهُ بطهورِ
إنَّ الفرزدقَ لا يبالي محرماً ... ودمَ الهديِّ بأذرعٍ ونحورِ
стр. 192
أمسى الفرزدقُ في جلاجلِ كرجٍ ... بعدَ الأخيطلِ زوجةً لجريرِ
رهطُ الفرزدقِ منْ نصارى تغلبٍ ... أوْ تدعي كذباً دعاوةَ زورِ
حجوا الصليبَ وقربوا قربانكمْ ... وخذوا نصيبكمُ منَ الخنزيرِ
إني سأخبرُ عنْ بلاءِ مجاشعٍ ... منْ كانَ بالنخباتِ غيرَ خبيرِ
أخزى بني وقبانَ عقرُ فتاتهمْ ... واغترَّ جارهمُ بحبلِ غرورِ
لوْ كانَ يعلمُ ما استجارَ مجاشعاً ... أستاهَ مملحةٍ هوارمَ خورِ
قالَ الزبيرُ وأسلمتهُ مجاشعٌ ... لا خيرَ في دنسِ الثيابِ غدورِ
يا شبَّ قدْ ذكرتْ قريشٌ غدركمْ ... بينَ المحصبِ منْ منى وثبيرِ
وغدا الفرزدقُ يومَ فارقَ منقراً ... في غيرِ عافيةٍ وغيرِ سرورِ
غمزَ ابنُ مرةَ يا فرزدقُ كينها ... غمزَ الطبيبِ نغانغَ المعذورِ
خزيَ الفرزدقُ بعدَ وقعةِ سبعةٍ ... كالحصنِ منْ ولدِ الأشدِّ ذكورِ
ترضي الغرابَ وقدْ عقرتمْ نابهُ ... بنتُ الحتاتِ بمحبسٍ وسريرِ
قالتْ فدتكَ بروحها واستنشقتْ ... منْ منخريهِ عصارةَ القفورِ
ركبتْ ربابكمُ بعيراً دارساً ... في السوقِ أفضحَ راكبٍ وبعيرِ
أمتْ هنيدةُ خزيةٌ لمجاشعٍ ... إذْ أولمتْ لهمُ بشرِّ جزورِ
ودعتْ أمامةُ بالوقيظِ مجاشعاً ... فوجدتَ يا وقبانُ غيرَ غيورِ
كذبَ الفرزدقُ لنْ يجاريَ عامراً ... يومَ الرهانِ بمقرفٍ مبهورِ
فانهَ الفرزدقَ أنْ يعيبَ فوارساً ... حملوا أباهُ على أزبَّ نفورِ
ولقدْ جهلتَ بشتمِ قيسٍ بعدما ... ذهبوا بريشِ جناحكَ المكسورِ
قيسٌ وجدُّ أبيكَ في أكيارهِ ... قوادُ كلِّ كتيبةٍ جمهورِ
لنْ تدركوا غطفانَ لوْ أجريتمُ ... يا بنَ القيونِ ولا بني منصورِ
فخروا عليكَ بكلِّ سامٍ معلمٍ ... فافخرْ بصاحبِ كلبتينِ وكيرِ
كمْ أنجبوا بخليفةٍ وخليفةٍ ... وأميرِ صائفتينِ وابنِ أميرِ
ولدَ الحواصنُ في قريشٍ منهمُ ... يا ربَّ مكرمةٍ ولدنَ وخيرِ
فضلوا بيومِ مكارمٍ مشهورةٍ ... يومٍ أغرَّ محجلٍ مشهورِ
قيسٌ تبيتُ على الثغورِ جيادهمْ ... وتبيتُ عندَ صواحبِ الماخورِ
هلْ تذكرونَ بلاءكمْ يومَ الصفا ... أوْ تذكرونَ فوارسَ المأمورِ
أوْ دختنوسَ غداةَ جزَّ قرونها ... ودعتْ بدعوةِ ذلةٍ وثبورِ
إنَّ الضباعَ تباشرتْ بخصاكمُ ... يومَ الصفا وأماعزَ التسريرِ
حانَ القيونُ وقدموا يومَ الصفا ... ورداً فغورَ أسوأ التغويرِ
وسما لقيطٌ يومَ ذاكَ لعامرٍ ... فاستنزلوهُ بلهذمٍ مطرورِ
وبرحرحانَ غداةَ كبلَ معبدٌ ... نكحوا بناتكمُ بغيرِ مهورِ
فبما يسوءُ مجاشعاً زبدَ استها ... حتى المماتِ تروحي وبكوري
وقال جرير يرد على الفرزدق:
لقدْ سرني ألاَّ تعدُّ مجاشعٌ ... منَ الفخرِ إلاَّ عقرَ نابٍ بصوأرِ
أنابكَ أمْ قومٌ تفضُّ سيوفهمْ ... على الهامِ ثنييْ بيضةِ المتجبرِ
لعمري لنعمَ المستجارونَ نهشلٌ ... وحيُّ القرى للطارقِ المتنورِ
فوارسُ لا يدعونَ يالَ مجاشعٍ ... إذا برزتْ ذاتُ العريشِ المخدرِ
ويدعونَ سلمى يا بني زبدِ استها ... وضمرةَ لليومِ العماسِ المذكرِ
أولئكَ خيرٌ مصدقاً منْ مجاشعٍ ... إذا الخيلُ جالتْ في القنا المتكسرِ
لعمري لقدْ أدرى هلالَ بنَ عامرٍ ... بتنهيةِ المرباعِ رهطُ المجشرِ
وما زلتُ مذْ لمْ تستجبْ لكَ نهشلٌ ... تلاقي صراحياً منَ الذلِّ فاصبرِ
وعافتْ بنو شيبانَ حوضيْ مجاشعٍ ... وشيبانَ أهلُ الصفوِ غيرِ المكدرِ
ولوْ غضبتْ في شأنِ حدراءَ نهشلٌ ... سموها بدهمٍ أوْ غزوها بأنسرِ
معازيلُ أكفالٌ كأنَّ خصاكمُ ... قناديلُ قسِّ الحيرةِ المتنصرِ
وقال جرير يرد على الفرزدق:
بانَ الخليطُ برامتينِ فودعوا ... أوَ كلما رفعوا لبينٍ تجزعُ
ردوا الجمالَ بذي طلوحٍ بعدما ... هاجَ المصيفُ وقدْ تولى المربعُ
إنَّ الشواحجَ بالضحى هيجنني ... في دارِ زينبَ والحمامُ السجعُ
стр. 193
نعبَ الغرابُ فقلتُ بينٌ عاجلٌ ... وجرى بهِ الصردُ الغداةَ الألمعُ
إنَّ الجميعَ تفرقتْ أهواؤهمْ ... إنَّ النوى بهوىَ الأحبةِ تفجعُ
كيفَ العزاءُ ولمْ أجدْ مذْ بنتمُ ... قلباً يقرُّ ولا شراباً ينقعُ
ولقدْ صدقتكِ في الهوى وكذبتني ... وخلبتني بمواعدٍ لا تنفعُ
قدْ خفتُ عندكمُ الوشاةَ ولمْ يكنْ ... لينالَ عندي سركِ المستودعُ
كانتْ إذا أخذتْ لعيدٍ زينةً ... هشَّ الفؤادُ وليسَ فيها مطمعُ
تركتْ حوائمَ صادياتٍ هيماً ... منعَ الشفاءُ وطابَ هذا المشرعُ
أيامَ زبيبُ لا خفيفٌ حلمها ... همشىَ الحديثِ ولا روادٌ سلفعُ
بانَ الشبابُ حميدةً أيامهُ ... ولوَ أنَّ ذلكَ يشترى أوْ يرجعُ
رجفَ العظامُ منَ البلى وتقادمتْ ... سني وفيَّ لمصلحٍ مستمتعُ
وتقولُ بوزعُ قدْ دببتَ على العصا ... هلاَّ هزئتِ بغيرنا يا بوزعُ
ولقدْ رأيتكِ في العذارى مرةً ... ورأيتُ رأسكِ وهو داجٍ أفرعُ
كيفَ الزيارةُ والمخاوفُ دونكمْ ... ولكمْ أميرُ شناءةٍ لا يربعُ
يا أثلَ كابةَ لا حرمتِ ثرى الندى ... هلْ رامَ بعدي ساجرٌ والأجرعُ
وسقى الغمامُ منازلاً بعنيزةٍ ... إما تصافُ جدىً وإما تربعُ
حيوا الديارَ وسائلوا أطلالها ... هلْ ترجعُ الخبرَ الديارُ البلقعُ
ولقدْ حبستُ بها المطيَّ فلمْ يكنْ ... إلاَّ السلامُ ووكفُ عينٍ تدمعُ
لما رأى صحبي الدموعَ كأنها ... سحُّ الرذاذِ على الرداءِ استرجعوا
قالوا تعزَّ فقلتُ لستُ بكائنٍ ... مني العزاءُ وصدعُ قلبي يقرعُ
فسقاكِ حيثُ حللتِ غيرَ فقيدةٍ ... هزجُ الرواحِ وديمةٌ لا تقلعُ
فلقدْ يطاعُ بنا الشفيعُ لديكمُ ... ويطيعُ فيكِ مودةً منْ يشفعُ
هل تذكرينَ زماننا بعنيزةٍ ... والأبرقينِ وذاكَ ما لا يرجعُ
إنَّ الأعاديَ قدْ لقوا لي هضبةً ... تبني معاولهمُ إذا ما تقرعُ
ما كنتُ أقذفُ منْ عشيرةِ ظالمٍ ... إلاَّ تركتُ صفاتهمْ تتصدعُ
أعددتُ للشعراءِ كأساً مرةً ... عندي مخالطها السمامُ المنقعُ
هلاَّ نهاهمْ تسعةٌ قتلتهمْ ... أو أربعونَ حدوتهمْ فاستجمعوا
خصيتُ بعضهمُ وبعضٌ جدعوا ... فشكا الهوانَ إلى الخصيّ الأجدعُ
كانوا كمشتركينَ لما بايعوا ... خسروا وشفَّ عليهمُ فاستوضعوا
أفينتهونَ وقدْ قضيتُ قضاءهمْ ... أمْ يصطلونَ حريقَ نارٍ تسفعُ
ذاقَ الفرزدقُ والأخيطلُ حرها ... والبارقيُّ وذاقَ منها البلتعُ
ولقدْ قسمتُ لذي الرقاعِ هديةً ... وتركتُ فيها وهيةً لا ترقعُ
ولقدْ صككتُ بني الفدوكسِ صكةً ... فلقوا كما لقيَ القريدُ الأصلعُ
وهنَ الفرزدقُ يومَ جربَ سيفهُ ... قينٌ بهِ حممٌ وآمٍ أربعُ
أخزيتَ قومكَ في مقامٍ قمتهُ ... ووجدتَ سيفَ مجاشعٍ لا يقطعُ
لا يعجبنكَ أنْ ترى لمجاشعٍ ... جلدَ الرجالِ وفي القلوبِ الخولعُ
ويريبُ منْ رجعَ الفراسةَ فيهمُ ... رهلُ الطفاطفِ والعظامُ تخرعُ
بذرتْ خضافِ لهمْ بماءٍ مجاشعٍ ... خبثَ الحصادُ حصادهمْ والمزرعُ
إنا لنعرفُ منْ نجارِ مجاشعٍ ... هدَّ الحفيفِ كما يجفُّ الخروعُ
أيفايشونَ وقدْ رأوا حفاثهمُ ... قدْ عضهُ فقضى عليهِ الأشجعُ
هلاَّ سألتَ مجاشعاً زبدَ استها ... أينَ الزبيرُ ورحلهُ المتمزعُ
أجحفتمُ جحفَ الخزيرِ ونمتمُ ... وبنو صفيةَ ليلهمُ لا يهجعُ
وضعَ الخزيرُ فقيلَ أينَ مجاشعٌ ... فشحا جحافلهُ جرافٌ هبلعُ
ومجاشعٌ قصبٌ هوتْ أجوافهُ ... غروا الزبيرَ فأيُّ جارٍ ضيعوا
إنَّ الرزيةَ منْ تضمنَ قبرهُ ... وادي السباعِ لكلِّ حنبٍ مصرعُ
لما أتى خبرُ الزبيرِ تواضعتْ ... سورُ المدينةِ والجبالُ الخشعُ
وبكى الزبيرَ بناتهُ في مأتمٍ ... ماذا يردُّ بكاءُ منْ لا يسمعُ
قالَ النوائحُ منْ قريشٍ إنما ... غدرَ الحتاتُ ولينٌ والأقرعِ
تركَ الزبيرُ على منىً لمجاشعٍ ... سوءَ الثناءِ إذا تقضىَ المجمعُ
стр. 194
قتلَ الأجاربُ يا فرزدقُ جاركمْ ... فكلوا مزاودَ جاركمْ فتمتعوا
أحبارياتِ شقائقٍ موليةٍ ... بالصيفِّ صعصعهنَّ بازٍ أسفعُ
لوْ حلَّ جاركمُ إليَّ منعتهُ ... بالخيلِ تنحطُ والقنا يتزعزعُ
لحمى فوارسُ يحسرونَ درعهمْ ... خلفَ المرافقِ حينَ تدمى الأذرعُ
فاسألْ معاقلَ بالمدينةِ عندهمْ ... نورُ الحكومةِ والقضاءُ المقنعُ
منْ كانَ يذكرُ ما يقالُ ضحى غدٍ ... عندَ الأسنةِ والنفوسُ تطلعُ
كذبَ الفرزدقُ إنَّ قومي قبلهمْ ... ذادوا العدوَّ عنِ الحمى واستوسعوا
منعوا الثغورَ بعارضٍ ذي كوكبٍ ... لولاَ تقدمنا لضاقَ المطلعُ
إنَّ الفوارسَ يا فرزدقُ قدْ حموا ... حسباً أشمَّ ونبعةً لا تقطعُ
عمداً عمدتُ لما يسوءُ مجاشعاً ... وأقولُ ما علمتْ تميمٌ فاسمعوا
لا تتبعُ النخباتُ يومَ عظيمةٍ ... بلغتْ عزائمهُ ولكنْ تتبعُ
هلاَّ سألتَ بني تميمٍ أينا ... يحمي الذمارَ ويستجارُ فيمنعُ
منْ كانَ يستلبُ الجبابرَ تاجهمْ ... ويضرُّ إذْ رفعَ الحديثُ وينفعُ
الفايشونَ ولمْ تزنْ أيامهمْ ... أيامنا ولنا اليفاعُ الأرفعُ
منا فوارسُ قدْ علمتَ ورائسٌ ... تهدي قنابلهُ عقابٌ تلمعُ
ولنا عليكَ إذا الجباةُ تفارطوا ... جابٍ لهُ مددٌ وحوضٌ مترعُ
هلاَّ عددتَ فوارساً كفوارسي ... يومَ ابن كبشةَ في الحديدِ مقنعُ
خضبوا الأسنةَ والأعنةَ إنهمْ ... نالوا مكارمَ لمْ ينلها تبعُ
وابنَ الربابِ بذاتِ كهفٍ قارعوا ... إذْ فضَّ بيضتهُ حسامٌ مصدعُ
واستنزلوا حسانَ وابنيْ منذرٍ ... أيامَ طخفةَ والسروجُ تقعقعُ
تلكَ المكارمُ لمْ تجدْ أيامها ... لمجاشعٍ فقفوا ثعالةَ فارضعوا
لا تظمأونَ وفي نحيحٍ عمكمْ ... مروى وعندَ بني سويدٍ مشبعُ
نزفَ العروقَ إذا رضعتمْ عمكمْ ... أنفٌ بهِ خثمٌ ولحيٌ مقنعُ
قتلَ الخيارَ بنو المهلبِ عنوةً ... فخذوا القلائدَ بعدهُ وتقنعوا
وطئَ الخيارُ ولا تخافُ مجاشعٌ ... حتى تحطمَ في حشاهُ الأضلعُ
ودعا الخيارُ بني عقالٍ دعوةٌ ... جزعاً وليسَ إلى عقالٍ مجزعُ
لوْ كانَ فاعترفوا وكيعٌ منكمُ ... فزعتْ عمانُ فما لكمْ لمْ تفزعوا
هتفَ الخيارُ غداةَ أدركَ روحهُ ... بمجاشعٍ وأخو حتاتٍ يسمعُ
لا يفزعنَّ بنو المهلبِ إنهُ ... لا يدركُ الترةَ الذليلُ الأخضعُ
هذا كما تركوا مزاداً مسلماً ... فكأنما ذبحَ الخروفُ الأبقعُ
زعمَ الفرزدقُ أنْ سيقتلُ مربعاً ... فابشرْ بطولِ سلامةٍ يا مربعُ
إنَّ الفرزدقَ قدْ تبينَ لؤمهُ ... حيثُ التقتْ حششاؤهُ والأخدعُ
وزعمتَ أمكمُ حصاناً حرةً ... كذباً قفيرةُ أمكمْ والقوبعُ
وبنو قفيرةَ قدْ أجابوا نهشلاً ... باسمْ العبودةِ قبلَ أنْ يتضعضعوا
هذي الصحيفةُ منْ قفيرةَ فاقرؤوا ... عنوانها وبشرِّ طينٍ تطبعُ
كانتْ قفيرةُ بالقعودِ مربةً ... تبكي إذا أخذَ الفصيلَ الروبعُ
تلقى نساءَ مجاشعٍ منْ ريحهمْ ... مرضى وهنَّ إلى جبيرٍ نزعُ
ليلى التي زفرتْ وقالتْ حبذا ... عرقُ القيانةِ منْ جبيرٍ ينبعُ
كلُّ الذي عيرتمُ أنْ قلتمُ ... هذا لعمرُ أبيكَ قينٌ مولعُ
بئسَ الفوارسُ يا نوارُ مجاشعٌ ... خوراً إذا أكلوا خزيراً ضفدعوا
يغدونَ قدْ نفخَ الخزيرُ بطونهمْ ... رغداً وضيفُ بني عقالٍ يخفعُ
أينَ الذينَ بسيفِ عمرو قتلوا ... أمْ أينَ أسعدُ فيكمُ المسترضعُ
جربتمُ عمراً فلما استوقدتْ ... نارُ الحروبِ بغربٍ لمْ تمنعوا
وبأبرقي لحيانَ لاقوا خزيةً ... تلكَ المذلةُ والرقابُ الخضعُ
خورٌ لهمْ زبدٌ إذا ما استأمنوا ... وإذا تتابعَ في الزمانِ الأمرعُ
هلْ تعرفونَ على ثنيةِ أقرنٍ ... أنسَ الفوارسِ يومَ شلَّ الأسلعُ
وزعمتَ ويلَ أبيكَ أنَّ مجاشعاً ... لوْ يسمعونَ دعاءَ عمرٍو ورعوا
لمْ يخفَ غدركمُ بغورِ تهامةٍ ... ومجرُّ جعثنَ والسماعُ الأشنعُ
стр. 195
أختُ الفرزدقِ منْ أبيهِ وأمهِ ... باتتْ وسيرتها الوجيفُ الأرفعُ
قدْ تعلمُ النخباتُ أنَّ فتاتهمْ ... وطئتْ كما وطيءَ الطريقُ المهيعُ
هلاَّ غضبتَ على قرومِ مقاعسٍ ... إذْ عجلوا لكمُ الهوانَ فأسرعوا
نبئتُ جعثنَ دافعتهمْ باستها ... إذْ لمْ تجدْ لمجاشعٍ منْ يدفعُ
أمدحتَ ويحكَ منقراً أنْ ألزقوا ... بالحارقين فأرسلوها تظلعُ
باتتْ بكلِّ مجرفٍ حامي القفا ... حابي الضلوعُ مقاعسيٍّ تدفعُ
يا ليتَ جعثنَ عندَ حجرةِ أمها ... إذْ تستديرُ بها البلادُ فتصرعُ
قالَ الفرزدقُ وابنُ مرةَ جامحٌ ... كيفَ الحياةُ وفيكِ هذا أجمعُ
جرتْ قناةُ مجاشعٍ في منقرٍ ... غيرَ المراءِ كما يجرُّ المكنعُ
يبكي الفرزدقُ والدماءُ على استها ... قبحاً لتلكَ غروبُ عينٍ تدمعُ
أوقدتَ ناركَ وأستضأتَ بخزيةٍ ... ومنَ الشهودِ خشاخشٌ والأجرعُ
تباً لجعثنَ إذْ لقيتَ مقاعساً ... ولأيّ شكرٍ بعدَ ذلكَ تخشعُ
هذا الفرزدقُ ساجداً لمقاعسٍ ... والقينُ أجزلُ بالصفاحِ موقعُ
جدعتْ مسامعكَ التي لمْ تحمها ... قيسٌ فليسَ بنابتٍ لكَ مسمعُ
سعدُ بنُ زيدِ مناةَ عزٌّ فاضلٌ ... جمعَ السعودَ وكلَّ خيرٍ يجمعُ
يكفي بني سعدٍ إذا ما حاربوا ... عزٌّ قراسيةٌ وجدٌّ مدفعُ
الذائدونَ فلاَ يهدمُ حوضهمْ ... والواردونَ فوردهمْ لا يقدعُ
ما كانَ يضلعُ منْ أخي عميةٍ ... إلاَّ عليهِ دروءُ سعدٍ أضلعْ
فاعلمْ بأنَّ لآلِ سعدٍ عندنا ... عهداً وحبلَ وثيقةٍ لا يقطعُ
يعتادُ مخدعةَ الفرزدقِ زانياً ... أفلا يهدمُ يا نوارُ المخدعُ
عرفوا لنا السلفَ القديمَ وشاعراً ... تركَ القصائدَ ليسَ فيها مصنعُ
ورأيتَ نبلكَ يا فرزدقُ قصرتْ ... ورأيتَ قوسكَ ليسَ فيها منزعُ
وقال جرير يرد على الفرزدق، ويمدح خالد بن عبد الله:
لعلَّ فراقَ الحيّ بالبينِ عامدي ... عشيةَ قاراتِ الرحيلِ الفواردِ
لعمرُ الغواني ما جزينَ صبابتي ... بهنَّ ولا تحبيرَ نسجِ القصائدِ
رأيتُ الغواني مولعاتٍ بذي الهوى ... بحسنِ المنى والخلفِ عندَ المواعدِ
لقدْ طالَ ما صدنَ القلوبَ بأعينٍ ... إلى قصبٍ زينِ البرى والمعاضدِ
وكمْ منْ صديقٍ واصلٍ قدْ قطعنهُ ... وأفتنَّ منْ مستحكمِ الدينِ عابدِ
أتعذرُ إنْ أبديتُ بعدَ تجلدٍ ... شواكلَ منْ حبِّ طريفٍ وتالدِ
فإنَّ التي يومَ الحمامةِ قدْ صبا ... لها قلبُ توابٍ إلى اللهِ ساجدِ
ونطلبُ وداً منكِ لوْ نستفيدهُ ... لكانَ إلينا منْ أحبِّ الفوائدِ
فلاَ تجمعي ذكرَ الذنوبِ لتبخلي ... علينا وهجرانَ المدلِّ المباعدِ
إذا أنتَ زرتَ الغانياتِ على العصا ... تمنيتَ أنْ تسقى دماءَ الأساودِ
أعفُّ عنِ الجارِ القريبِ مزارهُ ... وأطلبُ أشطانَ الهمومِ الأباعدِ
لقدْ كانَ داءٌ بالعراقِ فما لقوا ... طبيباً شفى أدواءهمْ مثلَ خالدِ
شفاهمْ بحلمٍ خالطَ الدينَ والتقى ... ورأفةِ مهديٍّ إلى الحقَّ قاصدِ
فإنَّ أميرَ المؤمنينَ حباكمُ ... بمستبصرٍ في الدينِ زينِ المساجدِ
وإنَّ ابنَ عبدِ اللهِ قدْ عرفتْ لهُ ... مواطنُ لا تخزيهِ عندَ المشاهدِ
وأبلى أميرَ المؤمنينَ أمانةً ... وأبلاهُ صدقاً في الأمورِ الشدائدِ
إذا ما أرادَ الناسُ منا ظلامةً ... أبى الضيمَ واستعصىَ على كلِّ قائدِ
وكيفَ يرومُ الناسُ شيئاً منعتهُ ... لها بينَ أنيابِ الليوثِ الحواردِ
إذا ما لقيتَ القرنَ في حارةِ الوغى ... تنفسَ منْ جياشةٍ ذاتِ عاندِ
وإنْ فتنَ الشيطانُ أهلَ ضلالةٍ ... لقوا منكَ حرباً حميها غيرُ باردِ
إذا كانَ أمنٌ كانَ قلبكَ مؤمناً ... وإنْ كانَ خوفٌ كنتَ أحكمَ ذائدِ
حميتَ ثغورَ المسلمينَ فلمْ تضعْ ... وما زلتَ رأساً قائداً وابنَ قائدِ
تعدُّ سرابيلَ الحديدِ معَ القنا ... وشعثَ النواصي كالضراءِ الطواردِ
стр. 196
وإنكَ قدْ أعطيتَ نصراً على العدا ... ولقيتَ صبراً واحتسابَ المجاهدِ
إذا جمعَ الأعداءُ أمرَ مكيدةٍ ... لغدرٍ كفاكَ اللهُ كيدَ المكايدِ
وإنا لنرجو أنْ ترافقَ عصبةً ... يكونونَ للفردوسِ أولَ واردِ
تمكنتَ منْ حييْ معدٍّ منَ الذرى ... وفي اليمنِ الأعلى كريمَ الموالدِ
وما زلتَ تسمو للمكارمِ والعلا ... وتعمرُ عزاً مستنيرَ المواردِ
إذْ عدَّ أيامُ المكارمِ فافتخرّ ... بأيامكَ الشمِّ الطوالِ السواعدِ
وكمْ لكَ منْ بانٍ رفيعٍ بناؤهُ ... وفي آلِ صعبٍ منْ خطيبٍ ووافدِ
يسركَ أيامَ المحصبِ ذكرهمْ ... ويومَ مقامِ الهدي ذاتِ القلائدِ
بنيتَ المنارَ المستنيرَ على الهدى ... فأصبحتَ نوراً ضوؤهُ غيرُ خامدِ
بنيتَ بناءً لمْ يرَ الناسُ مثلهُ ... يكادُ يوازى سورهُ بالفراقدِ
وأعطيتَ ما أعيى القرونَ التي مضتْ ... فنحمدُ مولانا وليَّ المحامدِ
لقدْ كانَ في أنهارِ دجلةَ نعمةٌ ... وحظوةُ جدٍّ للخليفةِ صاعدِ
عطاءَ الذي أعطى الخليفةَ ملكهُ ... ويكفيهِ تزفارَ النفوسِ الحواسدِ
فإنَّ الذي أنفقتَ حزماً وقوةً ... تجيءُ بأضعافٍ منَ الربحِ زائدِ
جرتْ لكَ أنهارٌ بيمنٍ وأسعدٍ ... إلى زينةٍ في صحصحانِ الأجالدِ
ينبتنَ أعناباً ونخلاً مباركاً ... وحباً حصيداً منْ كريمِ الحصائدِ
إذا ما بعثنا رائداً يطلبُ الندى ... أتانا بحمدِ اللهِ أحمدُ رائدِ
فهلْ لكَ في عانٍ وليسَ بشاكرٍ ... فتطلقهُ منْ طولِ عضِّ الحدائدِ
يعودُ وكانَ الحنثُ منهُ طبيعةً ... وإنْ قالَ إني معتبٌ غيرُ عائدِ
فلا تقبلوا ضربَ الفرزدقِ إنهُ ... هوَ الزيفُ ينفي ضربهُ كلُّ ناقدِ
ندمتَ وما تغني الندامةُ بعدما ... تطوحتَ منْ صكِّ البزاةِ الصوائدِ
فكيفَ نجاةٌ للفرزدقِ بعدما ... ضغا وهوَ في أشداقِ أغلبَ حاردِ
يلوي استهُ مما يخافُ ولمْ يزلْ ... بهِ الحينُ حتى صارَ في كفِّ صائدِ
بني مالكٍ إنَّ الفرزدقَ لمْ يزلْ ... كسوباً لعارِ المخزياتِ الخوالدِ
وإنا وجدنا إذْ وفدنا عليكمُ ... صدورَ القنا والخيلَ أنجحَ وافدِ
ألمْ ترَ يربوعاً إذا ما ذكرتها ... وأيامها شدوا متونَ القصائدِ
فمنْ لكَ إنْ عددتَ مثلَ فوارسي ... حووا حكماً والحضرميَّ بنَ خالدِ
وقال جرير يمدح هلال بن أحوز المازني، ويفخر بأبناء إسماعيل وإسحاق ﵉ ويهجو الفرزدق وبني طهية:
أمنْ ربعِ دارٍ همَّ أنْ يتغيرا ... تراوحهُ الأرواحُ والقطرُ أعصرا
وكنا عهدنا الدارَ والدارُ مرةً ... هي الدارُ إذْ حلتْ بها أمُّ يعمرا
ذكرنا بها عهداً على الهجرِ والبلى ... ولا بدَّ للمشعوفِ أنْ يتذكرا
أجنُّ الهوى ما أنسَ لا أنسَ موقفاً ... عشيةَ جرعاءِ الصريفِ ومنظرا
تباعدَ أهلُ الوصلِ مذْ حلَّ أهلنا ... بقوٍّ وحلتْ بطنَ غولٍ فعرعرا
عشيةَ تسبي القلبَ منْ غيرِ ريبةٍ ... إذا سفرتْ عنْ واضحِ اللونِ أزهرا
أتى دونَ هذا النومِ همُّ فأسهرا ... أراعي نجوماً تالياتٍ وغورا
أقولُ لها من ليلةٍ ليسَ طولها ... كطولِ الليالي ليتَ صبحكِ نورا
حذاراً على نفسِ ابن أحوزَ إنهُ ... جلا كلَّ وجهٍ منْ معدٍّ فأسفرا
أخافُ عليهِ أنهُ قدْ شفى جوىً ... وأبلى بلاءً ذا حجولٍ مشهرا
ألا ربَّ سامي الطرفِ منْ آلِ مازنٍ ... إذا شمرتْ عنْ ساقها الحربُ شمرا
أتنسونَ شداتِ بنْ أحوزَ معلماً ... إذا الموتُ بالموتِ ارتدى وتأزرا
فأدركَ ثأرَ المسمعينِ بسيفهِ ... وأغضبَ في يومِ الخيارِ فنكرا
جعلتَ بقبرٍ للخيارِ ومالكٍ ... وقبرِ عديٍّ في المقابرِ أقبرا
شفيتَ منَ الآثارِ خولةَ بعدما ... دعتْ لهفها واستعجلتْ أنْ تخمرا
وغرقتَ حيتانَ المزونِ وقدْ رأوا ... تميماً وعزاً مناكبَ مدسرا
فلمْ تبقِ منهمٍْ رايةً يرفعونها ... ولمْ تبقِ منْ آلِ المهلبِ عسكرا
стр. 197
وأطفأتَ نيرانَ النفاقِ وأهلهُ ... وقدْ سارعوا في فتنةٍ أنْ تسعرا
فإنَّ لأنصارِ الخليفةِ ناصراً ... عزيزاً إذا طاغٍ طغى وتجبرا
فذو العرشِ أعطانا على الكرهِ والرضا ... إمامَ الهدى والحكمةِ المتخيرا
وإنَّ الذي أعطى الخلافةَ أهلها ... بنى لي في قيسٍ وخندفَ مفخرا
فأمستْ رواسي الملكِ في مستقرها ... لمنتخبٍ منْ آلِ مروانَ أزهرا
منابرُ ملكٍ كلها خندفيةٌ ... يصلي عليها منْ أعرناهُ منبرا
أنا ابنُ الثرى أدعو قضاعةَ ناصراً ... وآلَ نزارٍ ما أعزَّ وأكثرا
عديداً معدياً لهُ ثروةُ الحصى ... وعزاً قضاعياً وعزاً تنزرا
نزارٌ إلى كلبٍ وكلبٌ إليهمِ ... أحقُّ وأدنى منْ صداءَ وحميرا
فأيُّ معديٍّ تخافُ وقدْ رأى ... جبالَ معدٍّ والعديدَ المجمهرا
أبونا خليلُ اللهِ واللهُ ربنا ... رضينا بما أعطى المليكُ وقدرا
بنى قبلةَ اللهِ التي يهتدى بها ... فأورثنا عزاً وملكاً معمرا
أبونا أبو إسحاقَ يجمعُ بيننا ... أبٌ كانَ مهدياً نبياً مطهرا
فيجمعنا والغرُّ أبناءَ سارةٍ ... أبٌ لا نبالي بعدهُ منْ تعذرا
ومنا سليمانُ النبيُّ الذي دعا ... فأعطي بنياناً وملكاً مسخرا
ويعقوبُ منا زادهُ اللهُ حكمةً ... وكانَ ابنُ يعقوبٍ نبياً مصورا
وعيسىَ وموسىَ والذي خرَّ ساجداً ... فأنبتَ زرعاً دمعُ عينيهِ أخضرا
وأبناءُ إسحاقَ الليوثُ إذا ارتدوا ... محاملَ موتٍ لابسينَ السنورا
ترى منهمْ مستبشرينَ إلى الهدى ... وذا التاجِ يضحي مرزباناً مسورا
أغرَّ شبيهاً بالفنيقِ إذا ارتدى ... على القبطريِّ الفارسيَّ المزررا
فيوماً سرابيلُ الحديدِ عليهمِ ... ويوماً ترى خزاً وعصباً منيرا
إذا افتخروا عدوا الصبهبذَ منهمُ ... وكانوا بإصطخرَ الملوكَ وتسترا
وقدْ جاهدَ الوضاحَ في الدينِ معلماً ... فأورثَ مجداً باقياً آل بربرا
لشتانَ منْ يحمي تميماً منَ العدى ... ومن يعمرُ الماخورَ في منْ تمخرا
فبؤْ بالمخازي يا فرزدقُ لمْ يبتْ ... أديمكَ إلاَّ واهياً غيرَ أوفرا
ألاّ قبحَ اللهُ الفرزدقَ كلما ... أهلَّ مهلٌّ بالصلاةِ وكبرا
فإنكَ لوْ تعطي الفرزدقَ درهماً ... على دينِ نصرانيةٍ لتنصرا
فلا تقربنَّ المروتينِ ولا الصفا ... ولا مسجدَ اللهِ الحرامَ المطهرا
يبينُ في وجهِ الفرزدقِ لؤمهُ ... وألأمُ منسوبٍ قفاً حينَ أدبرا
وتعرفُ منهُ لؤمهُ فوقَ أنفهِ ... فقبحَ ذاكَ الأنفُ أنفاً ومشفرا
لحا اللهُ ماءً منْ عروقٍ خبيثةٍ ... سقتْ سابياءً جاءَ فيها مخمرا
فما كانَ منْ فحلينِ شرٌّ عصارةٌ ... وألأمُ منْ حوقِ الحمارِ وكيمرا
قفيرةُ لمْ ترضعْ كريماً بثديها ... وما أحسنتْ منْ حيضةٍ أنْ تطهرا
وما حملتْ إلاَّ عراضاً لخبثةٍ ... وما سيقَ عنها منْ سياقٍ فتمهرا
أتعدلُ نجلاً منْ قفيرةَ مقرفاً ... بسامٍ إذا اصطكَّ الأضاميمُ أصدرا
عشيةَ لاقى القردُ قردُ مجاشعٍ ... هريتاً أبا شبلينِ في الغيلِ قسورا
منَ المحمياتِ الغينَ غينَ خفيةٍ ... ترى بينَ لحييهِ الفريسَ المعقرا
أشاعتْ قريشٌ للفرزدقِ خزيةً ... وتلكَ الوفودُ النازلونَ الموقرا
وقالتْ قريشٌ للحواريِّ جاركمْ ... أرغوانَ تدعو للوفاءِ وضوطرا
تراغيتمُ يومَ الزبيرِ كأنكمْ ... ضباعُ مغاراتٍ تعاظمنَ أجعرا
فإنَّ عقالاً والحتاتَ كلاهما ... تردى بثوبيْ غدرةٍ وتأزرا
وما كانَ جيرانُ الزبيرِ مجاشعٌ ... بألأمَ منْ جيرانِ وهبٍ وأغدرا
أتبغونَ وهباً يا بني زبدِ استها ... وقدْ كنتمُ جيرانَ وهبِ بنِ أبجرا
ألمْ تحسبوا وهباً تمنونهُ المنى ... وكانَ أخا همٍّ طريداً مسيرا
فلا يأمنُ الأعداءُ أسيافَ مازنٍ ... ولكنَّ رأي ابنيْ قفيرةَ قصرا
وإنكَ لو ضمنتَ منْ مازنٍ دماً ... لما كانَ لابنِ القينِ أنْ يتخيرا
ولوْ أنَّ وهباً كانَ جلَّ رحالهِ ... بحجرٍ للاقى ناصرينَ وعنصرا
стр. 198
ولوْ ضافَ أحياءً بحزمِ مليحةٍ ... للاقى جواراً صافياً غيرَ أكدرا
ولوْ حلَّ فينا عاينَ القومُ دونهُ ... عوابسَ يعلكنَ الشكائمَ ضمرا
إذنْ لسمعتَ الخيلَ والخيلُ تدعي ... رياحاً وتدعوا العاصمينِ وجعفرا
فوارسُ لا يدعونَ يالَ مجاشعٍ ... إذا كانَ ما يذري السنابكُ أغبرا
همُ ضربوا هامَ الملوكِ وعجلوا ... بوردٍ غداةَ الحوفزان فنكرا
وقدْ جربَ الهرماسُ وقعَ سيوفنا ... وقطعنَ عنَ رأسِ ابنِ كبشةَ مغفرا
وقدْ جعلتْ يوماً بطخفةَ خيلنا ... لآلِ أبي قابوسَ يوماً مذكرا
فنوردُ يومَ الروعِ خيلاً مغيرةً ... وتوردُ ناباً تحملُ الكيرَ صوءرا
سبقتَ بأيامِ الفعالِ فلمْ تجدْ ... لقومكَ إلاَّ عقرَ نابكَ مفخرا
لقيتَ القرومَ الخاطراتِ فلمْ يكنْ ... بكيركَ إلاَّ أنْ تكشَّ وتبعرا
ولاقيتَ خيراً منْ أبيكَ فوارساً ... وأكرمَ أياماً سحيماً وجحدرا
هما تركا عمراً وقيساً كلاهما ... يمجُّ نجيعاً منْ دمِ الجوفِ أحمرا
وسارَ لبكرٍ نخبةٌ منْ مجاشعٍ ... فلما رأى شيبانَ والخيلَ عفرا
وفي أيِّ يومٍ لمْ تكونوا غنيمةً ... وجاركمُ فقعٌ محالفُ قرقرا
فلا تتقونَ الشرَّ حتى يصيبكمْ ... ولا تعرفونَ الأمرَ إلا تدبرا
وعوفٌ يعافُ الضيمَ منْ آلِ مالكٍ ... وكنتمْ بني جوخى على الضيمِ أصبرا
لقدْ كنتُ يا ابنَ القينِ ذا خبرٍ بكمْ ... وعوفٌ أبو قيسٍ بكمْ كانَ أخبرا
تركتمْ مزاداً عندَ عوفٍ رهينةٌ ... فأطعمهُ عوفٌ سباعاً وأنسرا
وصالحتمُ عوفاً على ما يريبكمْ ... كما لمْ تقاضوا عقرَ جعثنَ منقرا
فما ظنكمْ بالقعسِ منْ آلِ منقرٍ ... وقدْ باتَ فيهمْ ليلها متسحرا
تناومتَ يا ابنَ القينِ إذْ يخلجونها ... كخلجِ الصراريِّ السفينَ المقيرا
وباتتْ تنادي غالباً وكأنما ... يشقونَ زقاً مسهُ القارُ أشعرا
وعمرانُ ألقى فوقَ جعثنَ كلكلاً ... وأوردَ أمَّ الغولِ فيها وأصدرا
رأى غالبٌ آثارَ فيشلِ منقرٍ ... فما زالَ منها غالبٌ بعدُ مهترا
بكى غالبٌ لما رأى نطفاً بها ... منَ الذلِّ إذْ ألقى على النارِ أيصرا
جزى اللهُ ليلى عنْ جبيرٍ ملامةً ... وقبحَ قيناً بالمقرينِ أعورا
إذا ذكرتْ ليلى جبيراً تعصرتْ ... وليسَ بشافٍ داؤها أنْ تعصرا
تزورُ جبيراً مرةً ويزورها ... وتتركَ أعمى ذا خميلٍ مدثرا
تسوفُ صنانَ القينِ منْ ربةٍ بهِ ... ليجعلَ في ثقبِ المحالةِ محورا
يزاولُ فيها القينُ محبوكةَ القفا ... كأنَّ بها لوناً منَ الورسِ أصفرا
فهلْ لكمُ في حنثرٍ يا بنَ حنثرٍ ... ولما تصبْ تلكَ الصواعقُ حنثرا
فإنَّ ربيعاً والمشيعَ فاعلموا على موطنٍ لمْ يدريا كيفَ قدرا
ألاَ ربَّ أعشى ظالمٍ متخمطٍ ... جعلتُ لعينيهِ جلاءً فأبصرا
وقدْ كنتُ ناراً يتقي الناسُ حرها ... وسماً على الأعداءِ أصبحَ ممقرا
ألمْ أكُ زادَ المرملينَ موالجاً ... إذا دفعَ البابُ الغريبَ المعورا
نعدُّ لأيامٍ نعدُّ لمثلها ... فوارسُ قيسٍ دارِعينَ وحسرا
وما كنتَ يا ابنَ القينِ تلقى جيادهمْ ... وقوفاً ولا مستنكراً أنْ تعقرا
أتنسونَ يوميْ رحرحانَ وقدْ بدا ... فوارسُ قيسٍ لابسينَ السنورا
تركتمْ بوادي رحرحانَ نساءكمْ ... ويومَ الصفا لاقيتمُ الشعبَ أوعرا
سمعتمْ بني مجدٍ دعوا يالَ عامرٍ ... فكنتمْ نعاماً بالحزيزِ منفرا
وأسلمتمُ لابنيْ أسيدةَ حاجباً ... ولاقى لقيطٌ حتفهُ فتقطرا
وأسلمتِ القلحاءُ للقومِ معبداً ... تجاوبُ مخموساً منَ القدِّ أسمرا
وقال جرير يجيب الفرزدق، ويهجو الأخطل والبعيث وسراقة النبهاني وعبد الله بن العباس الكندي:
عرفتُ الدارَ بعدَ بلى الخيامِ ... سقيتِ نجيَّ مرتجزٍ ركامِ
كأنَّ أخا اليهودِ يخطُّ وحياً ... بكافٍ في منازلها ولامِ
فأطلعتُ الغوانيَ بعدَ وصلٍ ... وقدْ نزعَ الغيورُ عنِ اتهامي
стр. 199
تنازعنا بجدتها حبالاً ... فنينَ بلاً وصرنَ إلى رمامِ
وقدْ خبرتهنَّ يقلنَ فانٍ ... ألا ينظرنَ منْ خللِ القرامِ
وقدْ حدثتهنَّ هزئنَ مني ... ولا يغشينَ رحلي في المنامِ
فقدْ أقصرتُ عن طلبِ الغواني ... وقدْ آذنَّ حبلي بانصرامِ
وعاوٍ قدْ تعرضَ لي متاحٍ ... ودقَّ جبينهُ حجرُ المرامي
ضغا الشعراءُ حينَ لقوا هزبراً ... إذا مدَّ الأعنةُ ذا اعتزامِ
فلما قتلَ الشعراءَ غماً ... أضرَّ بهمِ وأمسكَ بالكظامِ
قتلتُ التغلبيَّ وطاحَ قردٌ ... هوى بينَ الحوالقِ والحوامي
ولابنِ البارقيّ قدرتُ حتفاً ... وأقصدتُ البعيثَ بسهمِ رامِ
وأطلعتُ القصائدَ طوعَ سلمى ... وجدعَ صاحبي شعبى انتقامي
ستخزى ما حييتَ ولا يحيا ... إذا ما متَّ قبركَ بالسلامِ
ولوْ أني أموتُ لشدَّ قبري ... بمسمومٍ مضاربهُ حسامِ
لقدْ رحلَ ابنُ شعرةَ نابَ سوءٍ ... تعضُّ على المواركِ والزمامِ
تلفتُ أنها تحتَ ابنِ قينِ ... حليفِ الكيرِ والفأسِ الكهامِ
متى تردِ الرصافةَ تخزَ فيها ... كخزيكَ في المواسمِ كلَّ عامِ
لقدْ نزلَ الفرزدقُ دارَ سعدٍ ... ليالي لا يعفُّ ولا يحامي
إذا ما رمتَ ويبَ أبيكَ سعداً ... لقيتَ صيالَ مقرمةٍ سوامي
همُ جروا بناتِ أبيكَ غصباً ... وما تركوا لجاركَ منْ ذمامِ
وهمْ قتلوا الزبيرَ فلمْ تغيرْ ... ودقوا حوضَ جعثنَ في الزحامِ
وهمْ شدخوا بواطنَ أسكتيها ... بمثلِ فراسنِ الجملِ الشأمي
أضيؤوا للفرزدقِ نارَ ذلٍّ ... لينظرَ في أشاعرها الدوامي
وحجزةُ لوْ تبينَ ما رأيتمْ ... بعضرطها لماتَ منَ الفحامِ
وإنَّ صدى المقرِّ بهِ مقيمٌ ... ينادي الذلَّ بعدَ كرى النيامِ
لأعظمِ غدرةٍ نفشوا لحاهمْ ... غداةَ العرقِ أسفلَ منْ سنامِ
تلومكمُ العصاةُ وآلُ حربٍ ... ورهطُ محمدٍ وبنو هشامِ
ولوْ حلَّ الزبيرُ بنا لجلى ... وجوهَ فوارسي رهجُ القتامِ
لخافوا أنْ تلومهمُ قريشٌ ... فردوا الخيلَ داميةَ الكلامِ
سقى جدثَ الزبير ولا سقاكمْ ... نجيُّ الودقِ مرتجزُ الغمامِ
وإنكَ لوْ سألتَ بنا بحيراً ... وأصحابَ المحبةِ عنْ عصامِ
ونازلنا ابنَ كبشةَ قدْ علمتمْ ... وذا القرنينِ وابنَ أبي قطامِ
وللهرماسِ قدْ تركوا مجراً ... لطيرٍ يعتفينَ دمَ اللحامِ
وساقَ ابني هجيمةَ يومَ غولٍ ... إلى أسيافنا قدرُ الحمامِ
فقتلنا جبابرةً ملوكاً ... وأطلقنا الملوكَ على احتكامِ
وذا الجدينِ أرهقتِ العوالي ... بكلِّ مقلصٍ قلقِ الحزامِ
رجعنَ بهانئٍ وأصبنَ بشراً ... ويومَ الجمدِ يومَ لهىً عظامِ
ألسنا نحنُ قدْ علمتْ تميمٌ ... نمدُّ مقادةَ اللجبِ اللهامِ
نقيمُ على ثغورِ بني تميمٍ ... ونصدعُ بيضةَ الملكِ الهمامِ
وكنتمْ تأمنونَ إذا أقمنا ... وإنْ نظعنْ فما لكَ منْ مقامِ
وكنا الذائدينَ إذا جلوكمْ ... عنِ السبي المصبحِ والسوامِ
تفدينا نساؤكمُ إذا ما ... رقصنَ وقْد رفعنَ عنِ الخدامِ
تسوقونَ العلابَ ولمْ تعدوا ... ليومِ الروعِ صلصلةَ اللجامِ
فيومَ الشيطينِ حبارياتٌ ... وأشردُ في الوقيظِ منَ النعامِ
وخالي ابنُ الأشدِّ سما بسعدٍ ... فحازوا يومَ ثيتلَ وهوَ سامِ
فأوردهمْ مسلحتيْ تياسٍ ... حظيظٌ بالرياسةِ والزعامِ
أصعصعَ بعضَ لؤمكَ إنَّ ليلى ... روادُ الليلِ مطلقةُ الكمامِ
أصعصعَ قالَ قينكِ أردفيني ... وثوبي دونَ واسطةٍ أمامي
تفدي عامَ بيعَ لها جبيرٌ ... وتزعمُ أنَّ ذلكَ خيرُ عامِ
بها شبهُ الزبابةِ في بنيها ... وعرقٌ منْ قفيرةَ غيرُ نامي
قفيرةُ وهيَ ألأمُ أمِّ قومٍ ... توفى في الفرزدقِ سبعَ آمِ
فإنَّ مجاشعاً فتبينوهمْ ... بنو جوخى وجخجخَ والقذامِ
وأمهمُ خضافِ تداركتهمْ ... بذحلٍ في القلوبِ وفي العظامِ
وقال جرير يرد على الفرزدق، وهي آخر النقائض:
стр. 200
ألاَ حيّ المنازلَ بالجنابِ ... وقدْ ذكرنَ عهدكَ بالشبابِ
أجدكَ ما تذكرُ عهدَ دارٍ ... كأنَّ رسومها ورقُ الكتابِ
لعمرُ أبي الغواني ما سليمى ... بشملالٍ تراحُ إلى الشبابِ
لياليَ ترتميكَ بنبلِ جنٍّ ... صموتُ الحجلِ قانئةُ الخضابِ
فإنكَ تستعيرُ كلى شعيبٍ ... وهتْ منْ ناضحٍ سربِ الطبابِ
وما باليتُ يومَ أكفُّ دمعي ... مخافةَ أنْ يفندني صحابي
تباعدَ منْ مزاركَ أهلُ نجدِ ... إذا مرتْ بذي خشبٍ ركابي
غريباً عنْ ديارِ بني تميمٍ ... ولا يخزي عشيرتيَ اغترابي
لقدْ علمَ الفرزدقُ أنَّ قومي ... يعدونَ المكارمَ للسبابِ
يحشونَ الحروبَ بمقرباتٍ ... وداؤوديةٍ كأضا الحبابِ
إذا آباؤنا وأبوكَ عدوا ... بأنَّ المقرفاتِ منَ العرابِ
فأورثكَ العلاةَ وأورثونا ... رباطَ الخيلِ أفنيةَ القبابِ
وإنْ عدتْ مكارمها تميمٌ ... بحلقةِ مرجلٍ وبعقرِ نابِ
ألسنا بالمكارمِ نحنُ أولى ... وأكرمَ عندَ معتركِ الضرابِ
وأحمدَ حينَ يحمدُ بالمقاري ... وحالَ المربعاتُ منَ السحابِ
وأوفى للمجاورِ إنْ أجرنا ... وأعطى للنفيساتِ الرغابِ
صبرنا يومَ طخفةَ قدْ علمتمْ ... صدورَ الخيلِ تنحطُ في الحرابِ
وطئنَ مجاشعاً وأخذنَ غصباً ... بني الجبارِ في رهجِ الضبابِ
ويربوعٌ همُ أخذوا قديماً ... عليكَ منَ المكارمِ كلَّ بابِ
فلا تفخرْ فأنتَ مجاشعيُّ ... نخيبُ القلبِ منخرقُ الحجابِ
فلا صفوٌ جوازكَ عندَ سعدٍ ... ولا عفُّ الخليقةِ في الربابِ
وقدْ أخزاكَ في ندواتِ قيسٍ ... وفي سعدٍ عياذكَ منْ زبابِ
ألمْ ترَ منْ هجاني كيفَ يلقى ... إذا غبَّ الحديثُ منَ العذابِ
يسبهمُ بسبي كلُّ قومٍ ... إذا ابتدرتْ مجاوبةُ الجوابِ
فكلهمُ سقيتُ نقيعَ سمٍّ ... بنابيْ مخدرٍ ضرمِ اللعابِ
لقدْ جاريتني فعلمتَ أني ... على حظِّ المراهنِ غيرُ كابِ
سبقتُ فجاءَ وجهي لمْ يغبرْ ... وقدْ حطَّ الشكيمةَ عضُّ نابي
فما بلغَ الفرزدقُ في تميمٍ ... كمبلغِ عاصمٍ وبني شهابِ
ولا بلغَ الفرزدقُ في تميمٍ ... تخيريَ المضاربَ وانتخابي
أنا ابنُ الخالدينِ وآلِ صخرٍ ... أحلوني الفروعَ منَ الروابي
وسيفُ أبي الفرزدقِ قدْ علمتمْ ... قدومٌ غيرُ ثابتةِ النصابِ
أجيرانَ الزبيرِ غررتموهُ ... كما اغترَّ المشبهُ بالسرابِ
ولوْ سارَ الزبيرُ فحلَّ فينا ... لما يئسَ الزبيرُ منَ الإيابِ
لأصبحَ دونهُ رقماتُ فلجٍ ... وغبرُ اللامعاتِ منَ الحدابِ
وما باتَ النوائحُ منْ قريشٍ ... يراوحنَ التفجعَ بانتحابِ
على غيرِ السواءِ مدحتَ سعداً ... فزدهمْ ما اسطعتَ منَ الثوابِ
همْ قتلوا الزبيرَ فلمْ تنكرْ ... وعزوا عقرَ جعثنَ في الخطابِ
فداو كلومَ جعثنَ إنَّ سعداً ... ذوو عاديةٍ ولهىً رغابِ
سأذكرُ منْ قفيرةَ ما علمتمْ ... وأرفعُ شأنَ جعثنَ والربابِ
وعاراً منْ حميدةَ يومَ حوطٍ ... ورضخاً منْ جنادلها الصلابِ
فأصبحَ غالياً فتقسموهُ ... عليكمْ نحرُ راحلةِ الغرابِ
تحككْ بالعدانِ فإنَّ قيساً ... نفوكمْ عنْ ضريةَ والهضابِ
كجعثنَ حينَ أسهلَ ناطفاها ... عفرتمْ ثوبَ جعثنَ في الترابِ
فشدي منْ صلاكِ على الردافى ... ولا تدعي فإنكِ لنْ تجابي
لنا قيسٌ عليكَ وأيُّ يومٍ ... إذا ما احمرَّ أجنحةُ العقابِ
أتعدلُ في الشكيرِ أبا جبيرٍ ... إلى كعبٍ ورابيتي كلابِ
وجدتُ حصى هوازنَ ذا فضولٍ ... وبحراً يا بنَ شعرةَ ذا عبابِ
وفي غطفانَ فاجتنبوا حماهمْ ... ليوثُ الغابِ في أجمٍ وغابِ
ألمْ تسمعْ بخيلِ بني رياحٍ ... إذا ركبتْ وخيلِ بني الحبابِ
همُ جذوا بني جشمَ بنْ بكرٍ ... بلبيَ بعدَ يومِ قرى الزوابي
وحيُّ محاربِ الأبطالِ قدماً ... أولو بأسٍ وأحلامٍ رغابِ
стр. 201
خطاهمْ في الحروبِ إلى الأعادي ... يصلنَ سيوفهمْ يومَ الضرابِ
هذا جميع ما ذكر له في النقائض وهي خير شعره.
وقال جرير يهجو الفرزدق والتيم تيم الرباب، وليست هي من النقائض، وهي إحدى الثلاث التي له:
ألا زارتْ وأهلُ منىً هجودُ ... وليتَ خيالها بمنىً يعودُ
حصانٌ لاَ المريبُ لها خدينٌ ... ولا تفشي الحديثَ ولاَ ترودُ
ونحسدُ أنْ نزوركمُ ونرضى ... بدونِ البذلِ لوْ رضيَ الحسودُ
أساءلتَ الوحيدَ ودمنتيهِ ... فما لكِ لا يكلمكَ الوحيدُ
أخالدَ قدْ علقتكِ بعدَ هندٍ ... فبلتني الخوالدُ والهنودُ
فلا بخلٌ فيوئسُ منكِ بخلٌ ... ولا جودٌ فينفعُ منكِ جودُ
شكونا ما علمتِ فما أويتمْ ... وباعدنا فما نفعَ الصدودُ
حسبتَ منازلاً بجمادِ رهبى ... كعهدكِ بلْ تغيرتِ العهودُ
فكيفَ رأيتَ منْ عمانَ ناراً ... يشبُّ لها بواقصةَ الوقودُ
هوىً بتهامةٍ وهوىً بنجدٍ ... فبلتني التهائمُ والنجودُ
فأنشدْ يا فرزدقُ غيرَ عالٍ ... فقبلَ اليومِ جدعكَ النشيدُ
خرجتَ منَ المدينةِ غيرَ عفٍّ ... وقامَ عليكَ بالحرمِ الشهودُ
خصيتكَ بعدما جدعتكَ قيسٌ ... فأيَّ عذابِ ربكَ تستزيدُ
تحبكَ يومَ عيدهمِ النصارى ... ويومَ السبتِ شيعتكَ اليهودُ
فإنْ ترجمْ فقدْ وجبتْ حدودٌ ... وحلَّ عليكَ ما لقيتْ ثمودُ
تتبعُ منْ علمتَ لهُ متاعاً ... كما تعطى للعبتها القرودُ
أبالكيرينِ تعدلُ ملجماتٍ ... عليهنَّ الرحائلُ واللبودُ
رجعنَ بهانئٍ وأصبنَ بشراً ... وبسطاماً يعضُّ بهِ الحديدُ
وبالحكميِّ ثمَّ بحضرميٍّ ... وما بالخيلِ إذْ لحقتْ صدودُ
وأحمينا الإيادَ وقلتيهِ ... وقدْ عرفتْ سنابكهنَّ أودُ
وسارَ الحوفزانُ وكانَ يسمو ... وأبجرُ لا ألفُّ ولا بليدُ
فصبحهمْ بأسفلِ ذي طلوحٍ ... قوافلَ ما تذلُّ وما ترودُ
فوارسيَ الذينَ لقوا بحيراً ... وذادوا الخيلَ يومَ دعا يزيدُ
تردينا المحاملَ قدْ علمتمْ ... بذي نجبٍ وكسوتنا الحديدُ
فقربْ للمراءِ مجاشعياً ... إذا ما فاشَ وانتفخَ الوريدُ
فما منعوا الثغورَ كما منعنا ... وما ذادوا الخميسَ كما نذودُ
أجيرانَ الزبيرِ غررتموهُ ... كأنكمُ الدلادلُ والقهودُ
فليسَ بصابرٍ لكمُ وقيظٌ ... كما صبرتْ لنسوتكمْ زرودُ
لقدْ أخزى الفرزدقُ رهطَ ليلى ... وتيمٌ قدْ أقادهمُ مقيدُ
قرنتُ الظالمينَ بمرمريسٍ ... يذلُّ لهُ العفاريةُ المديدُ
فلو كانَ الخلودُ لفضلِ قومٍ ... على قومٍ لكانَ لنا الخلودُ
خصيتُ مجاشعاً وجدعتُ تيماً ... وعندي فاعلموا لهمُ مزيدُ
وقالَ الناسُ ضلَّ ضلالُ تيمٍ ... ألمْ يكُ فيهمِ رجلٌ رشيدُ
تبينَ أينَ تكدحُ يا بنَ تيمٍ ... فقبلكَ أحرزَ الخطرَ المجيدُ
أترجو الصائداتِ بغاثُ تيمٍ ... وما تحمي البغاثُ ولا تصيدُ
لقيتَ لنا بوازيَ ضارياتٍ ... وطيركَ في مجاثمها لبودُ
أتيمٌ يجعلونَ إليَّ نداً ... وهلْ تيمٌ لذي حسبٍ نديدُ
أبونا مالكٌ وأبوكَ تيمٌ ... فهلْ تيمٌ لذي حسبٍ نديدُ
ولمْ تلدوا نوارَ ولمْ تلدكمْ ... مفداةُ المباركةُ الولودُ
أنا ابنُ الأكرمينَ تنخبتني ... قرومٌ بينَ زيدِ مناةَ صيدُ
أرامي منْ راموا ويحولُ دوني ... مجنُّ منْ صفاتهمِ صلودُ
أزيدَ مناةَ تدعوَ يا بنَ تيمٍ ... تبينْ أينَ تاهَ بكَ الوعيدُ
أتوعدنا وتمنعُ ما أردنا ... ونأخذُ منْ ورائكَ ما نريدُ
ويقضى الأمرُ حينَ تغيبُ تيمٌ ... ولا يستأذنونَ وهمْ شهودُ
فلا حسبْ فخرتَ بهِ كريمٌ ... ولا جدٌّ إذا ازدحمَ الجدودُ
لئامُ العالمينَ كرامُ تيمٍ ... وسيدهمْ وإنْ رغموا مسودُ
وإنكَ لوْ لقيتَ عبيدَ تيمٍ ... وتيماً قلتَ أيهما العبيدُ
أرى ليلاً يخالفهُ نهارٌ ... ولؤمُ التيمِ ما اختلفا جديدُ
بخبثِ البذرِ ينبتُ بذرُ تيمٍ ... فما طابَ النباتُ ولا الحصيدُ
стр. 202
تمنى التيمُ أنَّ أباهُ سعدٌ ... فلا سعدٌ أبوهُ ولا سعيدُ
وما لكمُ الفوارسُ يا بنَ تيمٍ ... ولا المستأذنونَ ولا الوفودُ
أهانكَ بالمدينةِ يا بنُ تيمٍ ... أبو حفصٍ وجدعكَ النشيدُ
وإنَّ الحاكمينَ لغيرِ تيمٍ ... وفينا العزُّ والحسبُ التليدُ
وإنَّ التيمَ قدْ خبثوا وقلوا ... فما طابوا ولا كثرَ العديدُ
ثلاثُ عجائزٍ لهمُ وكلبٌ ... وأشياخٌ على ثللٍ قعودُ
فقدْ سلبتْ عصاكَ بنو تميمٍ ... فما تدري بأيِّ عصاً تذودُ
إذا تيمٌ ثوتْ بصعيدِ أرضٍ ... بكا منْ خبثِ ريحهمِ الصعيدُ
شددتُ الوطءَ فوقَ رقابِ تيمٍ ... على مضضٍ فقدْ ضرعَ الخدودُ
أتيمٌ تجعلونَ إلى تميمٍ ... بعيدٌ فضلُ بينهما بعيدُ
كساكَ اللؤمُ لؤمُ أبيكَ تيمٍ ... سرابيلاً بنائقهنَّ سودُ
قدرنَ عليهمِ وخلقنَ منهمْ ... فما يبلينَ ما بقيَ الخلودُ
ترى الأعداءَ دوني منْ تميمٍ ... هزبراً لا تقاربهُ الأسودُ
لعمرُ أبيكَ ما سنحتْ لتيمٍ ... أيامنُ يزدجرنَ ولا سعودُ
وضعتُ مواسماً بأنوفِ تيمٍ ... وقدْ جدعتُ آنفَ منْ أريدُ
نقارعهمْ وتسألُ بنتُ تيمٍ ... أرخفٌ زبدُ أيسرَ أمْ لهيدُ
إذا ما قربَ الشهداءُ يوماً ... فما للتيمِ يومئذٍ شهيدُ
وفدنا حينَ أغلقَ دونَ تيمٍ ... شبا الأبوابِ وانقطعَ الوفودُ
وقدنا كلَّ أجردَ أعوجي ... يعارضهُ عذافرةٌ ورودُ
كما يختبُّ معتدلٌ مطاهُ ... إلى وشلٍ منَ الردهاتِ سيدُ
وقال جرير يهجو الفرزدق، وهي تمام الثلاث التي هي خير شعره، وأولهن كتبت في أول مختار شعره، وليست هذه في النقائض:
أهوى أراكَ برامتينِ وقودا ... أمْ بالجنينةِ من مدافع أودا
بانَ الشبابُ فودعاهُ حميدا ... هلْ ما ترى خلقاً يعودُ جديدا
يا صاحبيَّ دعا الملامةَ واقصدا ... طالَ الهوى وأطلتما التفنيدا
إنَّ الملامةَ فاعذلاني أوْ دعا ... بلغَ العزاءُ وأدركَ المجلودا
لا يستطيعُ أخو الصبابةِ أنْ يرى ... حجراً أصمَّ ولا يكونُ حديدا
أخلبتنا وصددتِ أمَّ محكمٍ ... أفتجمعينَ خلابةً وصدودا
إني وجدكِ لوْ أردتِ زيادةً ... في الحبِّ عندي ما وجدتِ مزيدا
يا ميَّ ويحكِ أنجزي الموعودا ... وأرعيْ بذاكَ أمانةً وعهودا
قالتْ نحاذرُ ذا شذاةٍ باسلاً ... غيرانَ يزعمُ في السلامِ حدودا
رمتِ الرماةُ فلمْ تصبكِ سهامهمْ ... ورأيتُ سهمكِ للرماةِ صيودا
راحوا منَ اجلكِ مقصدينَ وقدْ رأوا ... خللَ الحجالِ سوالفاً وخدودا
ورجا العواذلُ أنْ يطعنَ ولمْ أزلْ ... منْ حبكمْ كلفَ الفؤادِ عميدا
أصرمتِ إذْ طمعَ الوشاةُ بصرمنا ... صباً لعمركِ يا أميمَ ودودا
ونرى كلامكِ لوْ ينالُ بعزةٍ ... ودنوَّ داركِ فاعلمنَّ خلودا
إنْ كانَ دهركِ ما يقولُ حسودنا ... فلقدْ عصيتُ عواذلاً وحسودا
نامَ الخليُّ وما رقدتْ لحبكمْ ... ليلَ التمامِ تقلباً وسهودا
وإذا رجوتَ بأنْ يقربكَ الهوى ... كانَ القريبُ لما رجوتَ بعيدا
ما ضرَّ أهلكِ أنْ يقولَ أميرهمْ ... قولاً لزائركِ الملمِّ سديدا
حلأتِ ذا سقمٍ يرى لشفائهِ ... ورداً ويكرهُ أنْ ترومَ ورودا
أبنو قفيرةَ تبتغونَ سقاطنا ... حشرتْ وجوهُ بني قفيرةَ سودا
أخزى الإلهُ بني قفيرةَ إنهمْ ... لا يتقونَ منَ الحرامِ كؤودا
إني ابنُ حنظلةَ الحسانُ وجوههمْ ... والأعظمينَ مساعياً وجدودا
والأكرمينَ مركباً إنْ ركبوا ... والأطيبينَ منَ الترابِ صعيدا
ولهمْ مجالسُ لا مجالسَ مثلها ... حسباً تؤثلُ طارفاً وتليدا
إنا إذا قرعَ العدوُّ صفاتنا ... لاقوا لنا حجراً أصمَّ صلودا
ما مثلُ بيعتنا أعزَّ مركبا ... وأقلَّ قادحةً وأصلبَ عودا
إنا ليذعرنا قفيرُ عدونا ... بالخيلِ لاحقةَ الأياطلِ قودا
كسَّ السنابكِ شزباً أقرابها ... مما أطالَ غزاتها التقويدا
стр. 203
أجرى قلائدها وخددَ لحمها ... ألاَّ تذوقَ معَ الشكائمِ عودا
وطوى الطرادُ معَ القيادِ بطونها ... طيَّ التجارِ بحضرموتَ برودا
جرداً معاودةَ الغوارِ سوابحاً ... تدني إذا قذفَ الشتاءُ جليدا
تسقى الصريحَ فما تذوقُ كرامةً ... حدَّ الشتاءِ لذي القبابِ مديدا
نحنُ الملوكُ إذا أتوا في دارهمْ ... وإذا لقيتَ بنا رأيتَ أسودا
اللابسينَ لكلِّ يومِ حفيظةٍ ... حلقاً تداخلَ سكهُ مسودا
سائلْ ذوي يمنٍ وسائلهمْ بنا ... في الأزدِ إذْ ندبوا لنا مسعودا
فأتاهمُ سبعونَ ألفَ مدججٍ ... متلبسينَ يلامقاً وحديدا
قومٌ ترى صدأ الحديدِ عليهمِ ... والقبطريَّ منَ اليلامقِ سودا
أمسى الفرزدقُ يا نوارُ كأنهُ ... قردٌ يحثُّ على الزناءِ قرودا
ما كانَ يشهدُ في المجامعِ مشهداً ... فيهِ صلاةُ ذوي التقى مشهودا
ولقدْ تركتكَ يا فرزدقُ خاسئاً ... لما كبوتَ لدى الرهانِ لهيدا
إنا لنذكرُ ما يقالُ ضحى غدٍ ... عندَ الحفاظِ ونقتلُ الصنديدا
ونكرُّ محميةٌ ويمنعُ سرحنا ... جردٌ ترى لقيادها أخدودا
نبني على سننِ العدوِّ بيوتنا ... لا نستجيرُ ولا نحلُّ حريدا
منا فوارسُ منعجٍ وفوارسٌ ... شدوا وثاقَ الحوفزانِ بأودا
ولربَّ جبارٍ قصرنا عنوةٌ ... ملكٍ يجرُّ سلاسلاً وقيودا
ومنازلِ الهرماسِ تحتَ لوائهِ ... بحشاهُ معتدلَ القناةِ شديدا
ولقدْ جنبنا الخيلَ وهي شوازبٌ ... متسربلينَ مضاعفاً مسرودا
وردَ القطا زمراً تباري منعجاً ... أوْ منْ خوارجَ حائراً مورودا
ولقدْ عركنَ بآلِ كعبٍ عركةً ... بلوى جرادَ فلمْ يدعنَ عميدا
إلاَّ قتيلاً قدْ سلبناه بزهُ ... تقعُ النسورُ عليهِ أوْ مصفودا
وأبرنَ منَ بكرٍ قبائلَ جمةً ... ومنَ الأراقمِ قدْ أبرنَ جدودا
وبني أبي بكرٍ وطئنَ وجعفراً ... وبني الوحيدِ فما تركنَ وحيدا
ولقدْ جريتُ فجئتُ أولَ سابقٍ ... عندَ المواطنِ مبدئاً ومعيدا
وجهدتَ جهدكَ يا فرزدقُ كلهُ ... فنزعتَ لا ظفراً ولا محمودا
إنا وإنْ رغمتْ أنوفُ مجاشعٍ ... خيرٌ فوارسَ منهمُ ووفودا
نسري إذا سرتِ البحورُ وشبهتْ ... بقراً بقلةِ عالجٍ مطرودا
قبحَ الإلهُ مجاشعاً وقراهمْ ... والموجفاتِ إذا نزلنَ زرودا
الفرزدق
وقال الفرزدق، واسمه همام بن غالب بن صعصعة بن ناجية بن عقال بن محمد ابن سفيان بن مجاشع بن دارم، يجيب جريراً، رواية أبي عبيدة عن أعين بن لبطة ابن الفرزدق:
لا قومَ أكرمِ منْ تميمٍ إذْ غدتْ ... عوذُ النساءِ يسقنَ كالآجالِ
الضاربونَ إذا الكتيبةُ أحجمتْ ... والنازلونَ غداةَ كلِّ نزالِ
والضامنونَ على المنيةِ جارهمْ ... والمطعمونَ غداةَ كلِّ شمالِ
أبني غدانةَ إنني حررتكمْ ... فوهبتكمْ لعطيةَ بنِ جعالِ
فوهبتكمْ لأحقكمْ بقديمكمْ ... قدماً وأفعلهِ لكلِّ نوالِ
لولا عطيةُ لاجتدعتُ أنوفكمْ ... منْ بينِ ألأمِ أعينٍ وسبالِ
إني كذاكَ إذا هجرتُ قبيلةً ... جدعتهمْ بعوارمِ الأمثالِ
أبنو كليبٍ مثلُ آلِ مجاشعٍ ... أمْ هلْ أبوكَ مدعدعاً كعقالِ
دعدعْ بأعنقكَ التوائمِ إنني ... في باذخٍ يا بنَ المراغةِ عالِ
وابنُ المراغةِ قدْ تحولَ راهباً ... متبرنساً لتمسكنٍ وسؤالِ
ومكبلٍ تركَ الحديدُ بساقهِ ... أثراً منَ الرسفانِ في الأحجالِ
وفدتْ عليهِ شيوخُ آلِ مجاشعٍ ... منهمْ بكلِّ مسامحٍ مفضالِ
ففدوهُ لا لثوابهِ ولقدْ ترى ... بيمينهِ ندباً منَ الأغلالِ
ما كانَ يلبسُ تاجَ آلِ مجاشعٍ ... إلاَّ همُ ومقاولُ الأقيالِ
كانتْ منادمةُ الملوكِ وتاجهمْ ... لمجاشعٍ وسلافةُ الجريالِ
ولئنْ سألتَ بني سليمٍ أينا ... أدنى لكلِّ أرومةٍ وفعالِ
لينبئنكَ رهطُ معنٍ فأتهمْ ... بالعلمِ والأتقونَ منْ سمالِ
إنَّ السماءَ لنا عليكَ نجومها ... والشمسَ مشرقةً وكلَّ هلالِ
стр. 204
ولنا معاقلُ كلِّ أعيطَ باذخٍ ... صعبٍ وكلُّ مباءةِ محلالِ
إنَّ ابنَ أختِ بني كليبٍ خالهُ ... يومَ التفاضلِ ألأمُ الأخوالِ
بعلُ الغريبةِ منْ كليبٍ ممسكٌ ... منها بلا حسبٍ ولا بجمالِ
سودُ المحاجرِ سيئٌ لباتها ... منْ لؤمهنَّ ينكنَ غيرَ حلالِ
ككلابِ أعبدِ ثلةٍ تبعتهمُ ... حملتْ أجنتها بشرِّ فحالِ
يعوينَ مختلطَ الظلامِ كما عوتْ ... خلفَ البيوتِ كلابها لعضالِ
يرفعنَ أرجلهنَّ عنْ مفروكةٍ ... مقِّ الرفوغِ رحيبةِ الأجوالِ
تلقى الأيورَ بظهورهنَّ كأنها ... عصبُ الفراسنِ أوْ أيورُ بغالِ
يسلحنَ أنتنَ ما أكلنَ عليهمِ ... لما وجدنَ حرارةَ الإنزالِ
إني وجدتُ بني كليبٍ إنما ... خلقوا وأمكَ مذْ ثلاثُ ليالِ
يرويهمُ الثمدُ الذي لوْ حلهُ ... جرذانِ ما رواهما ببلالِ
لا ينعمونَ فيستثيبوا نعمةً ... لهمُ ولا يجزونَ بالإفضالِ
يتراهنونَ على جيادِ حميرهمْ ... منْ عانةِ الغذوانِ والصلصالِ
وكأنما مسحوا بوجهِ حمارهمْ ... ذي الرقمتينِ جبينَ ذي العقالِ
ومهورُ نسوتهمْ إذا ما أنكحوا ... غذويُّ كلِّ هبنقعٍ تنبالِ
يتبعنههمْ سلفاً على حمراتهمْ ... أعداءَ بطنِ شعيبةِ الأوشالِ
ويظلُّ منْ وهجِ الهجيرةِ عائذاً ... بالظلِّ حيثُ يزولُ كلَّ مزالِ
وحسبتَ حربي وهي تخطرُ بالقنا ... حلبَ الحمارةِ يا بنَ أمِّ رغالِ
كلاَّ وحيثُ مسحتُ أيمنَ بيتهِ ... وسعيتُ أشعثَ محرماً بحلالِ
تغلو جداءُ بني كليبٍ فيهمِ ... ودماؤهمْ وأبيكَ غيرُ غوالي
تبكي المراغةُ بالرغامِ على ابنها ... والناهقاتُ ينحنَ بالأعوالِ
سوقي النواهقَ مأتماً يبكينهُ ... وتعرضي لمصاعدِ القفالِ
سرباً مدامعها تنوحُ على ابنها ... بالرملِ قاعدةً على جلالِ
قالوا لها ائتجري جريراً إنهُ ... أودى الهزبرُ بهِ أبو الأشبالِ
ألقى عليهِ يديهِ ذو قوميةٍ ... وردٌ يدقُّ مجامعَ الأوصالَ
قدْ كنتُ لوْ نفعَ النذيرُ نهيتهُ ... أنْ لا يكونَ فريسةَ الرئبالِ
إني رأيتكَ إذْ أبقتَ فلمَ تئلْ ... خيرتَ نفسكَ منْ ثلاثِ خصالِ
بينَ الرجوعِ إليَّ وهيَ قطيعةٌ ... في فيكَ مدنيةٌ منَ الآجالِ
أوْ بينَ حيِّ أبي نعامةَ هارباً ... أوْ باللحاقِ بطيئِ الأجبالِ
ولقدْ هممتَ بقتلِ نفسكَ خالياً ... أوْ بالفرارِ إلى سفينِ أوالِ
فالآنَ يا ركبَ الجداءِ هجوتكمْ ... بهجائكمْ ومحاسبِ الأعمالِ
فأسألْ فإنكَ منْ كليبٍ والتمسْ ... بالعسكرينِ بقيةَ الأظلالِ
إنا لتوزنُ بالجبالِ حلومنا ... ويزيدُ جاهلنا على الجهالِ
فاجمعْ مساعيكَ القصارَ فوافني ... بعكاظَ يا بنَ مربقِ الأجمالِ
واسألْ بقومكَ ما جريرُ ودارمٌ ... ما ضمَّ بطنُ منىً منَ النزالِ
تجدِ المكارمَ والعديدَ كليهما ... في دارمٍ ورغائبَ الآكالِ
وإذا عددتَ بني كليبٍ لمْ تجدْ ... حسباً لهمْ يوفي بشسعِ قبالِ
لا يمنعونَ لهمْ خدامَ حليلةٍ ... بمهابةٍ منهمْ ولا بقتالِ
أجريرُ إنَّ أباكَ إذْ أتعبتهُ ... قصرتْ يداهُ ومدَّ شرَّ حبالِ
إنَّ الحجارةَ لوْ تكلمُ خبرتْ ... عنكمْ بألأمِ دقةٍ وسفالِ
هلْ تعلمونَ غداةَ يطردُ سيبكمْ ... بالسفحِ بينَ مليحةٍ وطحالِ
والحوفزانُ مسومٌ أفراسهُ ... والمحصناتُ يجلنَ كلَّ مجالِ
يحدرنَ منْ أملِ الكئيبِ عشيةً ... رقصَ اللقاحِ وهنَّ غيرُ أوالِ
حتى تداركها فوارسُ مالكٍ ... ركضاً بكلِّ طوالةٍ وطوالِ
لما عرفنَ وجوهنا وتحدرتْ ... عبراتُ أعينهنَّ بالإسبالِ
وذكرنَ منْ خفرِ الحياءِ بقيةً ... بقيتْ وكنَّ قبيلُ في أشغالِ
وأرينَ أسؤقهنَّ حينَ عرفننا ... ثقةً وكنَّ روافعَ الأذيالِ
بفوارسٍ لحقوا أبوهمْ دارمٌ ... بيضُ الوجوهِ على العدوِّ ثقالِ
كنا إذا نزلتْ بأرضكَ حيةٌ ... صماءُ تخرجُ منْ صدوعِ جبالِ
стр. 205
تخشى بوادرها شدخنا رأسها ... بمشدخاتٍ للرؤوسِ عوالِ
إنا لننزلُ ثغرَ كلِّ مخوفةٍ ... بالمقرباتِ كأنهنَّ سعالِ
قوداً ضوامرَ في الركوبِ كأنها ... عقبانُ يومِ تغيمٍ وطلالِ
شعثاً عوابسَ قدْ طوى أقرابها ... كرُّ الطرادِ لواحقَ الآطالِ
بأولاكَ تمنعُ أنْ تنفقَ بعدما ... قصعتَ بينَ حزونةٍ ورمالِ
وبهنَّ ندفعُ كربَ كلِّ مثوبٍ ... وترى لها جدداً بكلِّ مجالِ
إني بنى لي دارمٌ عاديةً ... في المجدِ ليسَ أرومها بمزالِ
وأبي الذي وردَ الكلابَ مسوماً ... بالخيلِ تحتَ عجاجها المنهالِ
قلقلاًُ قلائدها تساقُ إلى العدى ... رجعَ الغذيِّ كثيرةَ الأنفالِ
فكأنهنَّ إذا فزعنَ لصارخٍ ... وخرجنَ بينَ سوافلٍ وعوالِ
وهززنَ منْ فزعٍ أسنةَ صلبٍ ... كجذوعِ خيبرَ أوْ جذوعِ أوالِ
طيرٌ يبادرُ رائحاً ذا غبيةٍ ... برداً وتسحقهُ خريقُ شمالِ
علقتْ أعنتهنَّ في مجرومةٍ ... سحقٍ مشذبةِ الجذوعِ طوالِ
تغشى مكللةً عوابسها بنا ... يومَ اللقاءِ أسنةَ الأبطالِ
ترعى الزعانفُ حولنا لقيادها ... وغدوهنَّ مروحُ التشلالِ
يومَ الشعيبةِ يومَ أقدم عامرٌ ... إقدامَ مشعلةِ الركوبِ رعالِ
وترى لواحيها يثوبُ لحاقها ... وردَ الحمامِ حوائرَ الأوشالِ
شعثاً قدِ انتزعَ القيادُ بطونها ... منْ آلِ أعوجَ ضمرٍ وفحالِ
شمِّ السنابكِ مشرفٌ أقتادها ... وإذا انتضينَ غداةَ كلِّ صقالِ
في جحفلٍ لجبٍ كأنَّ زهاءهُ ... جبلُ الطراةِ مضعضعُ الأميالِ
يعذمنَ وهي مصرةٌ آذانها ... قصراتِ كلِّ نجيبةٍ شملالِ
وترى عطيةَ والأتانُ أمامه ... عجلاً يمرُّ بها على الأمثالِ
ويظلُّ يتبعهنَّ وهوَ مقرمدٌ ... منْ خلفهنَّ كأنهُ بشكالِ
تبعَ الحمارَ مكلماً فأصابهُ ... منْ خلفهِ بنهيقهِ بنكالِ
وترى على كتفيْ عطيةَ مائلاً ... أرباقهُ عدلتْ لهُ بسخالِ
يمشي بها حلماً يعارضُ ثلةً ... قبحاً لتلكَ عطيَّ منْ أعدالِ
نظروا إليَّ بأعينٍ ملعونةٍ ... نظرَ الرجالِ وما همُ برجالِ
إنَّ المكارمَ يا كليبُ لغيركمْ ... والخيلُ يومَ تنازلِ الأبطالِ
وقال الفرزدق لجرير:
يا بنَ المراغةِ إنما جاريتني ... بمسبقينَ لدى الفعال قصارِ
والحابسينَ إلى العشيّ ليشربوا ... نزحَ الركيِّ ودمنةَ الأسآرِ
يا بنَ المراغةِ كيفَ تطلبُ دارماً ... وأبوكَ بينَ حمارةٍ وحمارِ
وإذا كلابُ بني المراغةِ ربضتْ ... خطرتْ ورائي دارمي وجماري
ما أنتمُ متقلدي أرباقكمْ ... بفوارسِ الهيجا ولا الأيسارِ
مثلُ الكلابِ تبولُ فوقَ أنوفها ... يلحسنَ قاطرهنّ بالأسحارِ
لنْ تدركوا كرمي بلؤمِ أبيكمُ ... وأوابدي بتنحلِ الأشعارِ
هلاَّ غداةَ حسبتمُ أعياركمْ ... بجدودَ والخيلانِ في إعصارِ
والحوفزانُ مسومٌ أفراسهُ ... والمحصناتُ حواسرُ الأبكارِ
يدعونَ زيدَ مناةَ إذْ وليتمُ ... لا يتقونَ على قفاً بخمارِ
صبرتْ بنو سعدٍ لهمْ برماحهمْ ... وكشفتمُ لهمُ عنِ الأدبارِ
فلنحنُ أوثقُ في صدورِ نسائكمْ ... عندَ الطعانِ وقبةِ الجبارِ
منكمْ إذا لحقَ الركوبُ كأنها ... حزقُ الجرادِ يثورُ يومَ غبارِ
بالمردفاتِ إذا التقينَ عشيةً ... يبكينَ خلفَ أواخرِ الأكوارِ
فاسألْ هوازنَ إنَّ عندَ سراتهمْ ... علماً ومجتمعاً منَ الأخبارِ
فلنخبرنكَ أنَّ عزةَ دارمٍ ... سبقتكَ يا بنَ مسوقِ الأعيارِ
كيفَ التعذرُ بعدَ ما ذمرتمُ ... سقباً لمعضلةِ النتاجِ نوارِ
قبحَ الإلهُ بني كليبٍ إنهمْ ... لا يعذرونَ ولا يفونَ لجارِ
يستيقظونَ إلى نهاقِ حميرهمْ ... وتنامُ أعينهمْ عنِ الأوتارِ
يا حقَّ كلُّ بني كليبٍ فوقهُ ... لؤمٌ تسربلهُ إلى الأظفارِ
متبرقعي لؤمٍ كأنَّ وجوههمْ ... طليتْ حواجبها عنيةَ قارِ
كمْ منْ أبٍ لي يا جريرُ كأنهُ ... قمرُ المجرةِ أوْ سراجُ نهارِ
стр. 206
ورثَ المكارمَ كابراً عنْ كابرٍ ... ضخمِ الدسيعةِ يومَ كلِّ فخارِ
تلقى فوارسنا إذا أربقتمُ ... متلببينَ لكلِّ يومِ غوارِ
ولقدْ تركتُ بني كليبٍ كلهمْ ... صمَّ الرؤوسِ مفقئي الأبصارِ
ولقدْ ضللتَ أباكَ تطلبُ دارماً ... كضلالِ ملتمسٍ طريقَ وبارِ
لا يهتدي أبداً ولوْ بعثتْ لهُ ... بسبيلِ واردةٍ ولا آثارِ
قالوا عليكَ الشمسَ فاعمدْ نحوها ... والشمسُ نائيةٌ عنِ السفارِ
لما تسكعَ في الرمالِ هدتْ لهُ ... عرفاءُ هاديةٌ بكلِّ وجارِ
كالسامريِّ يقولُ إنْ حركتهُ ... دعني فليسَ عليَّ غيرُ إزارِ
لولا لساني حيثُ كنتُ رفعتهُ ... لرميتُ فاقرةً أبا سيارِ
بينَ الحواجبِ والعيونِ كأنها ... نارٌ تلوحُ على شفيرِ قتارِ
إنَّ البكارةَ لا ترى لصغارها ... بزحامِ أصيدَ رأسهُ هدارِ
قرمٌ إذا سمعَ القرومُ هديرهُ ... ولينهُ ورمينَ بالأبعارِ
كمْ عمةٍ لكَ يا جريرُ وخالةٍ ... فدعاءَ قدْ حلبتْ عليَّ عشارِ
كنا نحاذرُ أنْ تضيعَ لقاحنا ... ولهاً إذا سمعتْ دعاءَ يسارِ
شغارةٌ تقذُ الفصيلَ برجلها ... فطارةٌ لقوادمِ الأبكارِ
كانتْ تراوحُ عاتقيها علبةً ... خلفَ اللقاحِ سريعةَ الإدرارِ
وقال الفرزدق في قتل مسلم بن قتيبة بن مسلم بن عمرو بن الحصين بن ربيعة ابن خالد بن أسيد بن كعب بن قضاعي بن هلال بن عمرو بن سلامان بن ثعلبة بن وائل بن معن بن مالك بن أعصر بن سعد بن قيس بن عيلان بن مضر، وقتله وكيع بن حسان بن قيس بن أبي سود بن كليب بن عوف بن مالك بن غدانة بن يربوع بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم، ويمدح سليمان بن عبد الملك ويهجو جريراً:
تحنُّ بزوراءِ المدينةِ ناقتي ... حنينَ عجولٍ تبتغي البوَّ رائمِ
فيا ليتَ زوراءَ المدينةِ أصبحتْ ... بزوراءِ فلجٍ أوْ بسيفِ الكواظمِ
وكمْ نامَ عني بالمدينةِ لمْ يبلْ ... إليَّ اطلاعَ النفسِ فوقَ الحيازمِ
إذا جشأتْ نفسي أقولُ لها ارجعي ... وراءكِ واستحيي بياضَ اللهازمِ
فإنَّ التي ضرتكَ لوْ ذقتَ طعمها ... عليكَ منَ الأعباءِ يومَ التخاصمِ
فلستَ بمأخوذٍ بقولٍ تقولهُ ... إذا لمْ تعمدْ عاقداتِ العزائمِ
ولما أبوا إلاَّ الرواحَ وأعلقوا ... عرىً في برىً مخشوشةٍ بالخزائمِ
وراحوا بجسماني وأمسكَ قلبهُ ... حشاشتهُ بينَ المصلى وواقمِ
أقولُ لمغلوبٍ أماتَ عظامهُ ... تعاقبُ أدراجِ النجومِ العواتمِ
إذا إذا نحنُ نادينا أبى أنْ يجيبنا ... وإنْ نحنُ فديناهُ غيرَ الغماغمِ
سيدنيكَ منْ خيرِ البريةِ فاعتدلْ ... تناقلُ نصِّ اليعملاتِ الرواسمِ
إلى المؤمنِ الفكاكِ كلَّ مقيدٍ ... يداهُ وملقي الثقلَ عنْ كلِّ غارمِ
بكفينِ بيضاوينِ في راحتيهما ... حيا كلِّ شيءٍ بالغيوثِ السواجمِ
بخيرِ ندى منْ كانَ بعدَ محمدٍ ... وجاريهِ والمظلومِ للهِ صائمِ
فلما حبا وادي القرى منْ ورائنا ... وأشرفنَ أقتارَ الفجاجِ القواتمِ
لوى كلُّ مشتاقٍ منَ الركبِ رأسهُ ... بمغرورقاتٍ كالشنانِ الهزائمِ
وأيقنَّ أنا إنْ رددنا صدورها ... ولما تواجهها جبالُ الجراجمِ
أكنتمْ ظنتمْ رحلتي تنثني بكمْ ... ولمْ ينقضِ الإدلاجُ طيَّ العمائمِ
وماءٍ كأنَّ الدمنَ فوقَ جمامهِ ... عباءٌ كستهُ منْ فروجِ المخارمِ
رياحٌ على أعطانهِ حيثُ تلتقي ... عفا وخلا منَ عهدهِ المتقادمِ
وردتُ وأعجازُ النجومِ كأنها ... وقدْ غارَ تاليها هجائنُ هاجمِ
بغيدٍ وأطلاحٍ كأنَّ عيونها ... نطافٌ أظلتها قلاتُ الجماجمِ
كأنَّ رحالَ الميسِ ضمتْ حبالها ... قناطرَ طيِّ الجندلِ المتلاحمِ
إليكَ وليَّ العهدِ لاقى غروضها ... وأخفافها إدراجها بالمناسمِ
نواهضُ يحملنَ الهمومَ التي جفتْ ... بنا عنْ حشايا المحصناتِ الكرائمِ
ليبلغنَ ملءَ الأرضِ عدلاً ورحمةً ... وبرءاً لآثارِ الجروحِ الكواتمِ
كما بعثَ اللهُ النبيَّ محمدا ... على فترةٍ والناسُ مثلُ البهائمِ
стр. 207
ورثتمْ قناةَ الملكِ غيرَ كلالةٍ ... عنْ ابنيْ منافٍ عبدِ شمسٍ وهاشمِ
ترى التاجَ معقوداً عليهمْ كأنهمْ ... نجومٌ حواليْ بدرِ ملكٍ قماقمِ
عجبتُ منَ الجحادِ أيَّ إمارةٍ ... أرادَ لأنَّ يزدادها والدراهمِ
وكانَ على ما بينَ عمانَ واقفاً ... إلى الصينِ قدْ التقوا لهُ بالخزائمِ
فلما عتا الجحادُ حين طغى بهِ ... غنىً قالَ إني مرتقٍ بالسلالمِ
فكانَ كما قالَ ابنُ نوحٍ سأرتقي ... إلى جبلٍ منْ خشيةِ الماءِ عاصمِ
رمى الله في جثمانهِ مثلَ ما رمى ... عنِ القبلةِ البيضاءِ ذاتِ المحارمِ
جنوداً تسوقُ الفيلَ حتى أعادهمْ ... هباءً وكانوا مطرخميّ الطراخمِ
نصرتَ كنصرِ البيتِ إذْ ساقَ فيلهُ ... إليهِ حشودُ المشركينَ الأعاجمِ
وما نصرَ الحجاجُ إلاَّ بغيرهِ ... إذا كلُّ يومٍ مستحرِّ الملاحمِ
بقومٍ أبو العاصي أبوهمْ توارثوا ... خلافةَ مهديٍّ وخيرِ الخواتمِ
وما ردَّ مذْ خطَّ الصحيفةَ ناكثاً ... كلاماً ولا نامتْ لهُ عينُ نائمِ
ولا رجعوا حتى رأى في شماله ... كتاباً لمغلولٍ إلى النارِ نادمٍ
أتاني ورحلي في المدينةِ وقعةٌ ... لآلِ تميمٍ أقعدتْ كلَّ قائمِ
كأنَّ رؤوسَ القومِ إذْ سمعوا بها ... مدمغةً منْ هازماتٍ أمائمِ
فدىً لسيوفٍ منْ تميمٍ وقى بها ... ردائي وجلتْ عنْ وجوهِ الأهاتمِ
شفينَ حزازاتِ النفوسِ ولمْ تدعْ ... علينا مقالا في وفاءٍ للائمِ
أبأنا بهمْ قتلى وما في دمائهمْ ... بواءٌ وهنَّ الشافياتُ الحوائمِ
جزى الله قومي إذْ أرادوا خفارتي ... قتيبةُ سعيَ الأفضلينَ الأكارمِ
همُ سمعوا يومَ المحصبِ منْ منىً ... ندائيْ إذا التفتْ رفاقُ المواسمِ
وهمْ طلبوها بالسيوفِ وبالقنا ... وجردٍ شجٍ أفواهها بالشكائمِ
تقادُ وما ردتْ إذا ما توهستْ ... إلى البأسِ بالمستلئمينَ الضراغمِ
كأنكَ لمْ تسمعْ تميماً إذا دعتْ ... تميمٌ ولمْ تسمعْ بموتِ ابنِ خازمِ
وقبلكَ عجلنا ابنَ عجلى حمامهُ ... بأسيافنا تصدعنَ هامَ الجماجمِ
وما لقيتْ قيسُ بنْ عيلانَ وقعةً ... ولا حرَّ يومٍ مثلَ يومِ الأراقمِ
عشيةَ لاقى ابنُ الحبابِ حسابهُ ... بسنجارَ أنضاءَ السيوفِ الصوارمِ
نبحتَ لقيسٍ نبحةً لمْ تدعْ لها ... أنوفا ومرتْ طيرها بالأشائمِ
ندمتَ على العصيانِ لما رأيتنا ... كأنا ذرى الأطوادِ ذاتِ المخارمِ
على طاعةٍ لوْ أنَّ أجبالَ طيئٍ ... عمدنَ لها والهضبَ هضبَ التهائمِ
لينقلها لوْ يستطعنَ الذي رسا ... لها عندَ عالٍ فوقَ سبعينَ دائمِ
وألقيتَ منَ كفيكَ حبلَ جماعةٍ ... وطاعةَ مهديٍّ شديدِ النقائمِ
فإنْ تكُ قيسٌ في قتيبةَ أغضبتْ ... فلا عطستْ إلاَّ بأجدعَ راغمِ
وهلْ كانَ إلاَّ باهلياً مجدعاً ... طغى فسقيناهُ بكأسِ ابنِ خازمِ
لقدْ شهدتْ قيسٌ فما كانَ نصرها ... قتيبةَ إلاَّ عضها بالأباهمِ
فإنْ تقعدوا تقعدْ لئامٌ أذلةٌ ... وإنْ عدتمُ عدنا بأبيضَ صارمِ
أتغضبُ إنْ أذنا قتيبةَ حزتا ... جهاراً ولمْ تغضبِ لقتلِ ابنِ خازمِ
فما منهما إلاَّ بعثنا برأسهِ ... إلى الشأمِ فوقَ الشاحجاتِ الرواسمِ
تذبذبُ في المخلاةِ تحتَ بطونها ... محذفةَ الأذنابِ جلحَ المقادمِ
ستعلمُ أيُّ الواديينِ لهُ الثرى ... قديماً وأولى بالبحورِ الخضارمِ
فما بينَ منْ لمْ يعطِ سمعاً وطاعةٌ ... وبينَ تميمٍ غيرُ حزِّ الحلاقمِ
وكانا لهمْ يومينِ كانا عليهمُ ... كأيامِ عادٍ بالنحوسِ الأشائمِ
ويومٍ لهمْ منا بفرغانةَ التقتْ ... عليهمْ ذرى حوماتِ بحرٍ قماقمِ
تخلى عنِ الدنيا قتيبةُ إذْ رأى ... تميماً عليها البيضُ تحتَ العمائمِ
غداةَ اضمحلتْ قيسُ عيلانَ إذْ دعا ... كما يضمحلُّ الآلُ فوقَ المخارمِ
لتمنعهُ قيسٌ ولا قيسَ عندهُ ... إذا ما دعا أوْ يرتقي في السلالمِ
تحركُ قيسٌ في رؤوسٍ لئيمةٍ ... أنوفاً وآذاناً لئامَ المصالمِ
стр. 208
ولما رأينا المشركينَ يقودهمْ ... قتيبةُ زحفاً في جنودِ الزمازمِ
ضربنا بسيفٍ في يمينكَ لمْ تدعْ ... بهِ دونَ بابِ الصينِ عيناً لظالمِ
بهِ ضربَ اللهُ الذينَ تحزبوا ... ببدرٍ على أعناقهمْ بالمعاصمِ
وإنَّ تميماً لمْ تكنْ أمهُ ابتغتْ ... لهُ صحةً في مهدهِ بالتمائمِ
تأزرَ بينَ القابلاتِ لأمهِ ... رمينَ بعادٍ منْ شبولِ الضراغمِ
وضبةُ أخوالي همُ الهامةُ التي ... بها مضرٌ دماغةٌ للجماجمِ
إذا هي ماستْ في الحديدِ وأعلمتْ ... تميمٌ وجاشتْ بالبحورِ الخضارمِ
فما الناسُ في جميعهمُ غيرُ حشوةٍ ... إذا خمدَ الأصواتُ غيرَ الغماغمِ
كذبتُ ابنَ دمنِ الأرضِ وابنَ مراغها ... لآلُ تميمٍ بالسيوفِ الصوارمِ
جلوا حمماً فوقَ الوجوهِ وأنزلوا ... بعيلانَ أياماً عظامَ الملاحمِ
تعيرنا أيامَ قيسٍ ولمْ ندعْ ... لعيلانَ أنفاً مستقيمَ الخياشمِ
فما أنتَ منْ قيسٍ فتنبحَ دونها ... ولا منْ تميمٍ في الرؤوسِ الأعاظمِ
وإنكَ إذْ تهجو تميماً وترتشي ... بنا بينَ قيسٍ أوْ سحوقِ العمائمِ
كمهريقِ ماءٍ بالفلاةِ وغرهُ ... سرابٌ أثارتهُ رياحُ السمائمِ
لعمري لئنْ قيسٌ أمصتْ أيورها ... جريراً فأعطتهُ زيوفَ الدراهمِ
لكمْ طلقتْ منْ قيسِ عيلانَ منْ حرٍ ... وقدْ كانَ قبقاباً رماحُ الأراقمِ
فمنهنَّ عرسُ ابنُ الحبابِ الذي ارتمتْ ... بأوصالهِ عرجُ الضباعِ القشاعمِ
بكلِّ النصارى مبركينَ بناتهمْ ... على ركبٍ مقِّ الفروغِ الخلاجمِ
إذا غابَ نصرانيهُ في جنينها ... أهلتْ بحجٍّ فوقَ ظهرِ العجارمِ
وهلْ يا بنَ ثفرِ الكلبِ مثلُ سيوفنا ... سيوفٌ ولا فيضُ العديدِ القماقمِ
فلوْ كنتَ منهمْ لمْ تعبْ مدحتي لهمْ ... ولكنْ حمارٌ وشيهُ بالقوائمِ
منعتُ تميماً منكَ إني أنا ابنها ... ووافدها المعروفُ عندَ المواسمِ
أنا ابنُ تميمٍ والمحامي وراءها ... إذا أسلمَ الجاني ذمارَ المحارمِ
إذا ما وجوهُ سالتْ وجوهها ... منْ العرقِ المعبوطِ تحتَ العمائمِ
إلى منْ إذا قيلَ منْ نأنتَ معتزٍ ... إذا قيلَ ممنْ قومُ هذا المراجمِ
أدرسانُ قيسٍ لا أبا لكَ تشتري ... بأعراضِ قومٍ همْ بناةُ المكارمِ
وما علمَ الأقوامُ مثلَ أسيرنا ... أسيراً ولا أجداثنا بالكواظمِ
إذا عجزَ الأقوامُ أنْ يحقنوا دماً ... أناخَ إلى أجداثنا كلُّ غارمِ
ترى كلَّ مظلومٍ إلينا فرارهُ ... ويهربُ منا جهدهُ كلُّ ظالمِ
أبتْ عامرٌ أنْ يأخذوا بأسيرهمْ ... مئينَ من الأسرى لهمْ عندَ دارمِ
وقالوا لنا زيدٌ عليهمْ فإنهمْ ... لفاءُ وإنْ كانوا ثغامَ اللهازمِ
رأوا حاجباً أغلى فداءً وقومهُ ... أحقُّ بأيامِ العلى والمكارمِ
فلا نقتلُ الأسرى ولكنْ نفكهمْ ... إذا أثقلَ الأعناقِ حملُ المغارمِ
فهلْ ضربةُ الروميِّ جاعلةٌ لكمْ ... أباً عنْ كليبٍ أو أباً مثلَ دارمِ
ويومَ جعلنا الظلَّ منهُ لعامرٍ ... مصممةً تفأى شؤونَ الجماجمِ
فمنهنَّ يومٌ للبريكينِ إذْ ترى ... بنو عامرٍ أنْ غانمٌ كلُّ سالمِ
ومنهنَّ إذْ أرخى طفيلُ بنُ مالكٍ ... على قرزلٍ رجلي ركوضِ الهزائمِ
ونحنُ ضربنا منْ شتيرِ بنِ خالدٍ ... على حيثُ تستسقيهِ أمُّ الجماجمِ
ويومَ ابنِ ذي سيدانَ إذْ فوزتْ بهِ ... إلى الموتِ أعجازُ الرماحِ الغواشمِ
ونحنُ ضربنا هامةَ ابنِ خويلدٍ ... يزيدَ على أمِّ الفراخِ الجواثمِ
ونحنُ قتلنا ابني هتيمٍ وأدركتْ ... بحيراً بنا ركضُ الذكورِ الصلادمِ
ونحنُ قسمنا منْ قدامةَ رأسهُ ... بصدعٍ على يافوخهِ متفاقمِ
وعمراً أخا عوفٍ تركنا بملتقىً ... منَ الخيلِ في سامٍ منَ النقعِ قاتمِ
ونحنُ تركنا منْ هلالَ بنِ عامرٍ ... ثمانينَ كهلاً للنسورِ القشاعمِ
بدهنا تميمٍ حيثُ سدتْ عليهمُ ... بمعتركٍ منْ رملها المتراكمِ
ونحنُ سقينا منْ مصادٍ رماحنا ... وكنَّ إذا أسقينَ غيرَ حوائمِ
стр. 209
ردينيةً صمَّ الكعوبِ كأنها ... مصابيحُ في تركيبها المتلاحمِ
ونحنُ جدعنا أنفَ عيلانَ بالقنا ... وبالراسباتِ البيضِ ذاتِ القوائمِ
ولوْ أنَّ قيساً قيسَ عيلانَ أصبحتْ ... بمستنِّ أبوابِ الربابِ ودارمِ
لكانوا كأقذاءٍ طفتْ في غطامطٍ ... منَ البحرِ في آذيها المتلاطمِ
ألسنا أحقَّ الناسِ يومَ تقايسوا ... إلى المجدِ والمستأثراتِ الجسائمِ
ملوكاً إذا طمتْ عليكَ بحورها ... تطحطحتَ في آذيها المتصادمِ
إذا ما وزنا بالجبالِ رأيتنا ... نميلُ بأطوادِ الجبالِ الأضاخمِ
ترانا إذا صعدتَ طرفكَ مشرفاً ... عليكَ بأطوادٍ طوالِ المخارمِ
ولو سئلتْ منْ كفؤنا الشمسُ أوْمأتْ ... إلى ابنيْ منافٍ عبدِ شمسٍ وهاشمِ
وكيفَ تلاقي دارماً حيثُ تلتقي ... ذراها إلى سقفِ النجومِ التوائمِ
لقدْ تركتْ قيساً ظباتُ سيوفنا ... وأيدٍ بأعجازِ الرماحِ الغواشمِ
وقائعَ أيامٍ أرينَ نساءهمْ ... نهاراً صغيراتِ النجومِ العوائمِ
بذي نجبٍ يومٌ لقيسٍ شديدةٌ ... كثيرَ اليتامى في ظلالِ المآتمِ
ونحنُ تركنا بالدفينةِ حاضراً ... لآلِ سليمٍ هامهمْ غيرُ نائمِ
حلفتُ بربِّ الراقصاتِ إلى منىً ... يقينَ حوامي دامياتِ المناسمِ
عليهنَّ شعثٌ ما اتقوا منْ وديقةٍ ... إذا ما التظتْ شهباؤها بالعمائمِ
لتحتلبنْ قيسُ بنُ عيلانَ لقحةً ... صرى ثرةٍ أخلافها غيرُ رائمِ
لعمري لئنْ لامتْ هوازنُ أمرها ... لقدْ أصبحتْ حلتْ بدارِ الملاومِ
ولولا ارتفاعي منْ سليمٍ سقيتها ... كئاسَ سمامٍ مرةٍ وعلاقمِ
فما أنتمُ منْ قيسِ عيلانَ في الذرى ... ولا منْ أثافيها العظامِ الجماجمِ
إذا حصلتْ قيسٌ فأنتمْ قليلها ... وأبعدها منْ صلبِ قيسٍ لعالمِ
وأنتمْ أذلُّ قيسِ بن عيلانَ حبوةً ... وأعجزها عندَ الأمورِ العوازمِ
وما كانَ هذا الناسُ حتى هداهمُ ... بنا اللهُ إلاَّ مثلَ شاءِ البهائمِ
فما منهمُ إلاَّ يقادُ بأنفهِ ... إلى ملكٍ منْ خندفٍ بالخزائمِ
عجبتُ إلى قيسٍ وما قدْ تكلفتْ ... منْ الشهوةِ الحمقاءِ ذاتِ النقائمِ
يلوذونَ مني بالمراغةِ وابنها ... وما منهما مني لقيسٍ بعاصمِ
ستخبرُ خصيا ابنِ الحبابِ ورأسهُ ... عميرٍ ما كانَ يومَ الأراقمِ
عشيةَ ألقوا في الخريطةِ رأسهُ ... وخصييهِ مشدوخاً سليبَ القوائمِ
تركنا أيورَ الباهليينَ منهمُ ... معلقةً تحتَ اللحى كالتمائمِ
وقال الفرزدق لجرير:
أنا ابنُ العاصمينَ بنو تميمٍ ... إذا ما أعظمُ الحدثانِ نابا
نماني كلُّ أصيدَ دارميٍّ ... أغرَّ ترى لقبتهِ حجابا
منَ المستأذنينَ ترى معداً ... جنوحاً خاضعينَ لهُ الرقابا
ملوكاً يبتنونَ توارثوها ... سرادقها المقاولَ والقبابا
شيوخٌ منهمُ عدسُ بنُ زيدٍ ... وسفيانُ الذي وردَ الكلابا
نقودُ الخيلَ تركبُ منْ وجاها ... نواصيها وتغتصبُ النهابا
تفرعُ في ذرى عوفِ بنْ كعبٍ ... وتأبى دارمٌ لي أنْ أعابا
وضمرةُ والمخفرُ كانَ منهمْ ... وذو القوسِ الذي ركزَ الحرابا
يردونَ الحلومَ إلى جبالٍ ... وإنْ شاغبتهمْ وجدوا شغابا
أولاكَ وعيرِ أمكَ لوْ تراهمْ ... بعينكِ ما استطعتَ لهمْ خطابا
رأيتَ مهابةً وأسودَ غابٍ ... وتاجَ الملكِ يلتهبُ التهابا
بني شمسِ النهارِ وكلِّ بدرٍ ... إذا انجابتْ دجنتهُ انجيابا
وكيفَ تكلمُ الظربى عليها ... فراءُ اللؤمِ أرباباً غضابا
لنا حسبُ السماءِ على الثريا ... ونحنُ الأكثرونَ حصىً وعابا
ولستُ بنائلٍ قمرَ الثريا ... ولا جبلي الذي فرع الهضابا
أتطلبُ يا حمارَ بني كليبٍ ... بعانتكَ اللهاميمَ الرغابا
وتعدلُ دارماً ببني كليبٍ ... وتعدلُ بالمفقئةِ السبابا
فقبحَ شرُّ حيينا قديماً ... وأصغرنا إذا اغترفا ذنابا
ولمْ يرثِ الفوارسَ منْ عبيدٍ ... ولا شبثاً ورثتَ ولا شهابا
стр. 210
وطاحَ ابنُ المراغةِ حينَ مدتْ ... أعنتنا إلى الحسبِ النسابا
وأسلمهمْ وكانَ كأمِّ حلسٍ ... أقرتْ بعدَ نزوتها فغابا
ولما مدَّ بينَ بني كليبٍ ... وبيني غايةٌ كرهوا النصابا
رأوا أنا أحقُّ بآلِ سعدٍ ... وأنَّ لنا الحناظلَ والربابا
وإنَّ لنا بني عمرٍو وعليهمْ ... إذا عدوا منَ الأثرينَ بابا
ذبابٌ طارَ في لهواتِ ليثٍ ... كذاكَ الليثُ يلتهمُ الذبابا
هزبرٍ يرفثُ القصراتِ رفثاً ... أبى لعداتهٍ إلاَّ اغتصابا
منَ اللائي إذا أرهبنَ زجراً ... دنونَ وزادهنَّ لهُ اقترابا
أتعدلُ حومتي ببني كليبٍ ... إذا بحتري رأيتَ لهُ اضطرابا
ترومُ لتركبَ الصعداءَ منهُ ... ولوْ لقمانُ ساورها لهابا
أتتْ منْ فوقهِ الغمراتُ منهُ ... بموجٍ كانَ يجتفلُ السحابا
تقاصرتِ الجبالُ لهُ وطمتْ ... بهِ غمراتُ آخرَ قدْ أنابا
بأيةِ زنمتيكَ تنالُ قومي ... إذا بحري رأيتَ لهُ عبابا
ترى أمواجهُ كجبالِ لبنى ... وطودِ الخيفِ إذْ بلغَ الجبابا
إذا جاشتْ ذراهُ بجنحِ ليلٍ ... حسبتَ عليهِ حراتٍ ولابا
محيطاً بالبلادِ لهُ ظلالٌ ... معَ الجرباءِ إذْ بلغَ الطبابا
فإنكَ منْ هجاءِ بني نميرٍ ... كأهلِ النارِ إذْ خافوا العقابا
رجوا منْ حرقها أنْ يستريحوا ... وقدْ كانَ الصديدُ لهمْ شرابا
فإنْ تكُ عامرٌ أثرتْ وطابتْ ... فما أثرى أبوكَ ولا أطابا
ولمْ ترثِ الفوارسَ منْ نميرٍ ... ولا كعباً ورثتَ ولا كلابا
ولكنْ قدْ ورثتَ بني كليبٍ ... حظائرها الخبيثةَ والزرابا
ومنْ يخبرْ هوازنَ ثمَّ يخبرْ ... نميراً يخترِ الحسبَ اللبابا
ويمسكُ منْ ذراها بالنواصي ... وخيرُ فوارسٍ علموا نصابا
همُ ضربوا الصنائعَ واستباحوا ... بمذحجَ يومَ ذي كلعٍ ضرابا
وإنكَ قدْ تركتَ بني كليبٍ ... لكلِّ مناضلٍ غرضاً مصابا
كليبٌ دمنةٌ خبثتْ وقلتْ ... أبى الآبي لها إلاَّ تبابا
فأغلقَ منْ وراءِ بني كليبٍ ... عطيةَ منْ مخازي اللؤمِ بابا
بهيم اللونِ أرضعَ بالمخازي ... وأورثكَ الملائمَ حينَ شابا
وهلْ شيءٌ يكونُ أذلَّ بيتاً ... منَ اليربوعِ يحتقرُ الثرابا
لقدْ تركَ الهذيلُ لكمْ قديماً ... مخازيَ لا تبدنَ على إرابا
سما برجالِ تغلبَ منْ بعيدٍ ... يقودونَ المسومةَ العرابا
نزائعَ بينَ حلابٍ وقيدْ ... تجاذبهمْ أعنتها جذابا
وكانَ إذا أناخَ بدارِ قومٍ ... أبو حسانَ أورثها خرابا
فلمْ يبرحْ بها حتى احتواهمْ ... وحلَّ لهُ الشرابُ بها وطابا
عوانٌ في بني جشمِ بنِ بكرٍ ... تقسمهنَّ إذْ بلغَ الإيابا
وقالَ لكلِّ عضروطٍ تبوأ ... رديفةَ رحلكَ الوقبى الرحابا
نساءٌ كنَّ يومَ إرابَ خلتْ ... بعولتهنَّ تبتدرُ الشعابا
مددنَ إليهمِ بثديِّ آمٍ ... وأيدٍ قدْ روينَ بها احتلابا
خواقُ حياضهنَّ يسيلُ سيلاً ... على الأعقابِ تحسبهُ خضابا
يناطحنَ الأواخرَ مردفاتٍ ... وتسمعُ منْ أسافلها ضغابا
لبئسَ اللاحقونَ غداةَ تدعى ... نساءُ الحيِّ ترتدفُ الركابا
وأنتمْ تنظرونَ إلى المطايا ... تشلُّ بهنَّ أعراءً سغابا
فلوْ كانتْ رماحكمُ طوالاً ... لغرتمْ حينَ ألقينَ الثيابا
يئسنَ منَ اللحاقِ بهنَّ منكمْ ... وقدْ قطعوا بهنَّ معاً جدابا
وكمْ منْ خائفٍ لي لمْ أضرهُ ... وآخرَ قدْ نفحتُ لهُ ذنابا
وغرٍّ قدْ وسقتُ مشهراتٍ ... طوالعَ لا تطيقُ لها جوابا
بلغنَ الشمسَ حيثَ تكونُ شرقاً ... ومسقطُ قرنها منْ حيثُ غابا
بكلِّ ثنيةٍ وبكلِّ ثغرٍ ... غرائبهنَّ تنتسبُ انتسابا
وخالي بالنقا تركَ ابنَ ليلى ... أبا الصهباءِ محتضراً لهابا
كفاكَ التبلَ تبلَ بني تميمٍ ... وأجزرهُ الثعالبَ والذئابا
تمت وهو آخر المختار من الثاني من النقائض وقال الفرزدق يهجو جريراً وبني جعفر:
стр. 211
عرفتَ بأعلى رائسِ الفأوِ بعدما ... مضتْ سنةٌ أيامها وشهورها
منازلَ أعرتها جبيرةُ والتقتْ ... بها الريحُ شرقياتها ودبورها
كأنْ لمْ يخوضْ أهلها الثورَ يجتنى ... بحافتها الخطميَّ غضاً نضيرها
أناةٌ كرئمِ الرملِ نوامةُ الضحى ... بطيءٌ على لوثِ النطاقِ بكورها
إذا حسرتْ عنها الجلابيبَ وارتدتْ ... إلى الزوجِ ميالاً يكادُ يصورها
ومرتجةِ الأعطافِ منْ آلِ جعفرٍ ... مخضبةِ الأطرافِ بيضٍ نحورها
كأنَّ نقاً منْ عالجٍ أزرتْ بهِ ... بحيثُ التقتْ أوراكها وصدورها
فقدْ خفتُ منْ تذرافِ عينيَّ إثرها ... على بصري والعينُ يعمى بصيرها
تفجرَ ماءُ العينِ كلَّ عشيةٍ ... وللشوقِ ساعاتٌ يهيجُ ذكورها
وما زلتُ أزجي الطرفَ منْ حيثُ يممتْ ... منَ الأرضِ حتى ردَّ عيني حسيرها
فردَّ عليَّ العينَ وهيَ مريضةٌ ... هذاليلُ بطنِ الراحتينِ وقورها
فربَّ ربيعٍ بالبلاليقِ قدْ رعتْ ... بمستنِّ أغياثٍ بعاق ذكورها
تحدرَ قبلَ النجمِ مما أمامهُ ... من الدلوِ والأشراطُ يجري غديرها
تحيرَ ذاريها إذا اطردَ السفا ... وهاجتْ لأيامِ الثريا حرورها
أتصرفُ أجمالَ النوى شاجنيةً ... أمِ الحفرُ الأعلى بفلجٍ مصيرها
وما منهما إلاَّ بهِ منْ ديارها ... منازلُ أمستْ ما تبيدُ سطورها
وكائنْ بها منْ عينِ باكٍ وعبرةٍ ... إذا امتريتْ كانتْ سريعاً درورها
يرى قطنٌ أهلَ الأصاريمِ أنهُ ... غنيٌّ إذا ما كلمتهُ فقيرها
تهادى إلى بيتِ الصلاةِ كأنها ... على الوعثِ ذو ساقٍ مهيضٍ كسيرها
كدرةِ غواصٍ رمى في مهيبةٍ ... بأجرامهِ والنفسُ يخشى ضميرها
موكلةً بالدرِّ خرساءُ قدْ بدا ... إليهِ منَ الغواصِ منهُ نذيرها
فقالَ ألاقي الموتَ أوْ أدركُ الغنى ... لنفسيَ والآجالُ جاءٍ دهورها
ولما رأى ما دونها خاطرتْ بهِ ... على الموتِ نفسٌ لا ينامُ فقيرها
فأهوى وناباها حواليْ يتيمةٍ ... هيَ الموتُ أوْ دنيا ينادي بشيرها
فألوتْ بكفيهِ المنيةُ إذْ دنا ... بعضةِ أنيابٍ سريعٍ سؤورها
فحركَ أعلا حبلهِ بحشاشةٍ ... ومنْ فوقهِ خضراءُ طامٍ بحورها
فما جاءَ حتى مجَّ والماءُ فوقهُ ... منَ النفسِ ألواناً عبيطاً نحيرها
إذا ما أرادوا أنْ تحيرَ مدوفةً ... أبى منْ تقضي نفسهِ لا يحيرها
فلما أروها أمهُ هانَ وجدها ... رجاةَ الغنى لما أضاءَ منيرها
وظلتْ تغالاها التجارُ فلا ترى ... لها سيمةً إلاَّ قليلاً كثيرها
ألمْ تعلمي إذا القدرُ حجلتْ ... وألقيَ عنْ وجهِ الفتاةِ ستورها
وراحتْ تشلُ الشولُ والفحلُ خلفها ... زفيفاً إلى نيرانها زمهريرها
شآميةٌ تغشى الخفائرَ نارها ... ونبحُ كلابِ الحيِّ فيها هريرها
إذا الأفقُ الغربيُّ أمسى كأنهُ ... سدى أرجوانٍ واستقلتْ عبورها
ترى النيبَ منْ ضيفي إذا ما رأينهُ ... ضموزاً على جراتها ما تحيرها
يحاذرنَ منْ سيفي إذا ما رأينهُ ... معي قائماً حتى يكوسَ عقيرها
وقدْ علمتْ أنَّ القرى لابنِ غالبٍ ... ذراها إذا لمْ يقرِ ضيفاً درورها
شققنا عنِ الأفلاذِ بالسيفِ بطنها ... ولما تجلدْ وهيَ يحبو بقيرها
ونبئتُ ذا الأهدامِ يعوي ودونهُ ... منَ الشأمِ زراعاتها وقصورها
إليَّ ولمْ أتركْ على الأرضِ نابحاً ... ولا حيةً إلا استسرَّ عقيرها
كلاباً نبحنَ الليثَ منْ كلِّ جانبٍ ... فعادَ عواءً بعدَ نبحٍ هريرها
عوى بشقاً لابنيْ بحيرٍ ودوننا ... نضادٌ فأعلامُ الستارِ فنيرها
ونبئتَ كلبَ ابني حميضةَ قدْ عوى ... إليَّ ونارُ الحربِ تغلي قدورها
فودتْ بأذنيْ رأسهِ أمُّ نافعٍ ... بجاريةٍ عفلاءَ كانَ زحيرها
وودتْ مكانَ الأنفِ لوْ كانَ نافعٌ ... لها حيضةً أوْ أجهضتهُ شهورها
مكانَ ابنها إذْ هاجني بعوائهِ ... عليها منَ الجربِ البطيءِ طرورها
دوامغَ قدْ يعدي الصحاحَ قرافها ... إذا هنئتْ يزدادُ عراً نشورها
стр. 212
وكانَ نفيعٌ إذْ هجاني لأمهِ ... كباحثةٍ عنْ مديةٍ تستثيرها
لئنْ نافعٌ لمْ يرعَ أرحامَ أمهِ ... وكانتْ كدلوٍ لا يزالُ يعيرها
لبئسَ دمُ المولودِ مسَّ ثيابها ... عشيةَ نادى بالغلامِ بشيرها
وإني على إشفاقها من مخافتي ... وإنْ عقها بي نافعٌ لمجيرها
ولوْ أنَّ أمَّ الناسِ حواءَ حاربتْ ... تميمَ بنَ مرٍّ لمْ تجدْ منْ يجيرها
عجوزٌ تصلي الخمسَ عاذتْ بغالبٍ ... فلا والذي عاذتْ بهِ لا أضيرها
ولمْ تأتِ عيرٌ أهلها بالذي أتتْ ... بهِ جعفراً يومَ الهضيباتِ عيرها
أتتهمْ بعيرٍ لمْ تكنْ هجريةً ... ولا حنطةَ الشأمِ المزيت خميرها
أتتهمْ بعمرو والدهيمِ وستةٍ ... وعشرينَ أعدالاً يميلُ أيورها
إذا ذكرتْ زوجاً لها جعفريةٌ ... ومصرعَ قتلى لمْ تقتلْ ثؤورها
وقدْ أنكرتْ أزواجها إذْ رأتهمُ ... عراءً نساءٌ قدْ أحرتْ صدورها
رأتْ كمراً مثلَ الجلاميدِ فتحتْ ... أحاليلها لما اتمارتْ جذورها
فقلنَ عهدناكمْ رجالاً وهذهِ ... أيورُ بغالٍ خالطتها حميرها
فليستْ لزوجٍ منهمُ جعفريةٍ ... معاداً بكفيها إليه ظهورها
إذا ذكرتْ أيامهمْ يومَ لمْ تقمْ ... لسلةِ أسيافِ الضبابِ نفيرها
عشيةَ يحدوهمْ هريمٌ كأنهمْ ... رئالُ نعامٍ مستخفٌّ نفورها
عشيةَ لاقتهمْ بأسيافِ جعفرٍ ... صوارمُ في أيدي الضبابِ ذكورها
كأنهمُ للخيلِ يومَ لقيتهمْ ... بطخفةَ خربانٌ علتها صقورها
ولمْ تكُ تخشى جعفرٌ أنْ يصيبها ... بأعظمَ مني منْ شقاها فجورها
ولا يومَ بالريانِ تكسعُ بالقنا ... ولا النارَ إذ يلقى عليهم سعيرها
أتصبرُ للعادي ضغابيسُ جعفرٍ ... وسورةِ ذي الأشبالِ حينَ يسورها
ستبلغُ من لاقتْ منَ الشرِّ جعفرٌ ... تهامةَ من ركبانها ن يغورها
إذا جعفرٌ مرتْ على هضبةِ السرى ... تقنعُ إذْ صارتْ إليها قبورها
لنا مسجدا اللهِ الحرامانِ والهدى ... وأصبحتِ الأسماءُ منا كبيرها
سوى اللهِ إنَّ اللهَ لا شيءَ مثلهُ ... لهُ الأممُ الأولى يقومُ نشورها
إمامُ الهدى كمْ منْ أبٍ أوْ أخٍ لهُ ... وقدْ كانَ للأرضِ العريضةِ نورها
إذا اجتمعَ الأفاقُ من كلِّ جانبٍ ... إلى منسكٍ كانتْ إلينا أمورها
بنى لنا باني السماءِ فنالها ... وفي الأرضِ من يجري بفيضٍ بحورها
ونبئتُ أشقى جعفرٍ هاجَ شتوةً ... عليها كما أشقى ثمودُ مبيرها
يصيحونَ يستسقونهمْ حينَ أنضجتْ ... عليهم منَ الشعرى الترابَ حرورها
تصدُّ عنِ الأزواجِ إذْ عدلتهمُ ... عيونٌ حزيناتٌ سريعُ درورها
يبينُ أنْ لمْ يبقَ منْ آلِ جعفرٍ ... محامٍ ولا دونَ النساءِ غيورها
ولكنَّ خرباناً تنوسُ لحاهمُ ... على قصبٍ جوفٍ تناوحُ خورها
منعنَ ويستحيينَ بعدَ فرارهمْ ... إلى حيثُ للأولادِ يطوى صغيرها
لعمري لقدْ لاقتْ من الشرِّ جعفرٌ ... بطخفةَ أياماً طويلاً قصيرها
بطخفةَ والريانِ حيثُ تصوبتْ ... على جعفرٍ عقبانها ونسورها
وقدْ علمتْ أفناءُ جعفرَ إنهُ ... يقي جعفراً وقعَ العوالي ظهورها
تضاغا وقدْ ضمتْ ضغابيسُ جعفرٍ ... شباً بينَ أشداقٍ رحابٍ شجورها
إذا هدرَ الهدار خلفَ استِ أمهِ ... تلقاهُ بالماءِ الحميمِ حضيرها
شقاً شقيتهُ جعفرٌ بي وقدْ أتتْ ... عليَّ لهمْ سبعونَ تمتْ شهورها
كما نضحتْ غرفيةٌ أعصمتْ لها ... بأخرى إلى بادٍ يخبُّ بعيرها
بني جعفرٍ هلْ تذكرونَ وأنتمُ ... تساقونَ إذْ يعلو القليلَ كثيرها
وإذْ لا طعامٌ غيرَ ما أطعمتكمْ ... بطونُ جواري جعفرٍ وظهورها
وقدْ علمتْ ميسونُ أنَّ رماحكمْ ... تهابُ أبا بكرٍ جهاراً صدورها
عشيةَ أعطيتمْ سوادةَ جحوشاً ... ولما يدقّ بالعوالي نصيرها
أقامتْ على الأجبابِ حاضرةً بها ... ضبينةُ لمْ تهتكْ لطعنٍ ستورها
تريحُ المخاذي جعفرٌ كلَّ ليلةٍ ... عليها ويغدو حينَ يغدو بكورها
стр. 213
وما ماتَ زوجُ الجعفريةِ ما غدا ... عليها ابنها عندَ احتلامٍ يزورها
وقدْ علمتْ أجسادنا أنَّ جعفراً ... مجوسيةٌ أجسادها وأيورها
وما منعتْ فرجاً لها جعفريةٌ ... وما أخصبتْ عنها البنينَ حجورها
فإنْ تكُ قيسٌ قدمتكَ لنصرها ... فقدْ خزيتْ قيسٌ وذلَّ نصيرها
وقال الفرزدق لجرير:
عزفتَ بأعشاشٍ وما كدتَ تعزفُ ... وأنكرتَ منْ حدراءَ ما كنتَ تعرفُ
ولجَّ بكَ الهجرانُ حتى كأنما ... ترى الموتَ في البيتِ الذي كنتَ تألفُ
لجاجةُ صرمٍ ليسَ بالوصلِ إنما ... أخو الوصلِ منْ يدنو ومنْ يتلطفُ
إذا نبهتْ حدراءُ منْ نومةِ الضحى ... دعتْ وعليها درعُ خزٍّ ومطرفُ
بأخضرَ منْ نعمانَ ثمَّ جلتْ بهِ ... عذابَ الثنايا طيباً حينَ يرشفُ
ومستنفراتٍ للقلوبِ كأنها ... مهاً حولَ منتوجاتهِ يتصرفُ
يشبهنَ من حلوِ الحياءِ كأنها ... مراضُ سلالٍ أوْ هوالكُ نزفُ
إذا هنَّ ساقطنَ الحديثَ كأنهُ ... جنى النحلِ أوْ أبكارُ كرمٍ تقطفُ
موانعُ للأسرارِ إلاَّ لأهلها ... ويخلفنَ ما ظنَّ الغيورُ المشفشفُ
يحدثنَ بعدَ اليأسِ منْ غيرِ ريبةٍ ... أحاديثَ تشفي المدنفينَ وتشعفُ
إذا القنبضاتُ السودُ طوفنَ بالضحى ... رقدنَ عليهنَّ الحجالُ المسجفُ
وإنْ نبهتهنَّ الولائدُ بعدما ... تصعدَ يومُ الصيفِ أو كادَ ينصفُ
دعونَ بقضبانِ الأراكِ التي جنى ... لها الركبُ منْ نعمانَ أيامَ عرفوا
فمحنَ بهِ عذباً رضاباً غروبهُ ... رقاقٌ وأعلى حيثُ ركينَ أعجفُ
لبسنَ الفرندَ الخسروانيَّ دونهُ ... مشاعرُ منْ خزِّ العراقِ المفوفُ
فكيفَ بمحبوسٍ دعاني ودونهُ ... دروبٌ وأبوابٌ وقصرٌ مشرفُ
وصهبٌ لحاهمْ راكزونَ رماحهمْ ... لهمْ درقٌ تحتَ العوالي مصففُ
وضاريةٌ ما مرَّ إلاَّ اقتسمنهُ ... عليهنَّ خواضٌ إلى الطنئِ مخشفُ
يبلغنا عنها بغيرِ كلامها ... إلينا منَ القصرِ البنانُ المطرفُ
دعوتُ الذي سوى السمواتِ أيدهُ ... وللهُ أدنى منْ وريدي وألطفُ
ليشغلَ عني بعلها بزمانةٍ ... تدلههُ عني وعنها فتسعفُ
بما في فؤادينا منَ الشوقِ والهوى ... ويجبرُ منهاضُ الفؤادِ المسقفُ
فأرسلَ في عينيهِ ماءً علاهما ... وقدْ علموا أني أطبُّ وأعرفُ
فداويتهُ عامينِ وهيَ قريبةٌ ... أراها وتدنو لي مراراً فأرشفُ
سلافةَ جفنٍ خالطتها تريكةٌ ... على شفتيها والذكيُّ المسوفُ
فيا ليتنا كنا بعيرينِ لا نرى ... على منهلٍ إلاَّ نشلُّ ونقذفُ
كلانا بهِ عرُّ يخافُ قرافهُ ... على الناس مطليُّ المساعرِ أخشفُ
بأرضٍ خلاءٍ وحدنا وثيابنا ... منَ الريطِ والديباجِ درعٌ وملحفُ
ولا زادَ إلاَّ فضلتانِ سلافةً ... وأبيضُ منْ ماءِ الغمامةِ قرقفُ
وأشلاءُ لحمٍ منْ حبارى يصيدها ... إذا نحنُ شئنا صاحبٌ متألفُ
لنا ما تمنينا منَ العيشِ ما دعا ... هديلا حماماتٌ بنعمانَ هتفُ
إليكَ أميرَ المؤمنينَ رمتْ بنا ... همومُ المنى والهوجلُ المتعسفُ
وعضُّ زمانٍ يا بنَ مروانَ لمْ يدعْ ... منَ المالِ إلا مسحتاً أو مجلفُ
ومائرةُ الأعضادِ صهبٌ كأنما ... عليها منَ الأينِ الجسادُ المذوفُ
بدأنا بها منْ سيفِ رملِ كهيلةٍ ... وفيها نشاطٌ منْ مراحٍ وعجرفُ
فما بلغتْ حتى تقاربَ خطوها ... وبادتْ ذراها والمناسمُ ترعفُ
وحتى قتلنا الجهلَ عنها وغودرتُ ... إذا ما أنيختْ والمدامعُ ذرفُ
وحتى مشى الحادي البطيءُ يسوقها ... لها بخصٌ دامٍ ودأيٌ مجلفُ
وحتى بعثناها وما في يدٍ لها ... إذا حلَّ عنها رمةٌ وهيَ رسفُ
إذا ما نزلنا قاتلتْ عنْ ظهورها ... حراجيجُ أمثالُ الأهلةِ شسفُ
إذا ما أريناها الأزمةَ أقبلتْ ... إلينا بحراتِ الحدودِ تصدفُ
ذرعنَ بنا ما بينَ يبرينَ عرضهُ ... إلى الشأم تلقاها رعانٌ وصفصفُ
فأفنى مراحَ الداعريةِ خوضها ... بنا الليلَ إذْ نامَ الدثورُ الملففُ
стр. 214
إذا اغبرَّ آفاقُ السماءِ وكشفتْ ... كسورَ بيوتِ الحيِّ حمراءُ حرجفُ
وهتكتِ الأطنابَ كلُّ غليظةٍ ... لها تامكٌ منْ صادقِ النيِّ أعرفُ
وجاء قريعُ الشولِ قبلَ إفالها ... يزفُّ وجاءتْ خلفهُ وهيَ زففُ
وباشرَ راعيها الصلى بلبانهِ ... وكفيهِ حرَّ النارِ ما يتحرفُ
وأوقدتِ الشعرى معَ الليلِ نارها ... وأمستْ محولاً جلدها يتوسفُ
فأصبحَ مبيضُّ الصقيعِ كأنهُ ... على سرواتِ النيبِ قطنٌ مندفُ
وقاتلَ كلبُ الحيِّ عنْ نارِ أهلهِ ... ليربضَ فيها والصلا متكنفُ
وجدتُ الثرى فينا إذا يبسَ الثرى ... ومنْ هوَ يرجو فضلهُ المتضيفُ
ترى جارنا فينا يجيرُ وإنْ جنى ... فلا هوَ مما ينطفُ الجارَ ينطفُ
ويمنعُ مولانا وإنْ كانَ نائياً ... بنا جارهُ مما يخافُ ويأنفُ
وقدْ علمَ الجيرانُ أنَّ قدورنا ... ضوامنُ للأرزاقِ والريحُ زفرفُ
نعجلُ للضيفانِ في المحلِ بالقرى ... قدوراً بمعبوطٍ تمدُّ وتغرفُ
تفرغُ في شيزى كأنَّ جفانها ... حياضُ جبى منها ملاءٌ ونصفُ
ترى حولهنَّ المعتفينَ كأنهمْ ... على صنمٍ في الجاهليةِ عكفُ
قعوداً وخلفَ القاعدينَ شطورهمْ ... جنوحٌ وأيديهمْ حمودٌ ونطفُ
وما حلَّ منْ جهلٍ حبى حلمائنا ... ولا قائلُ المعروفِ فينا يعنفُ
وما قامَ منا قائمٌ في ندينا ... فينطقَ إلاَّ بالتي هيَ أعرفُ
وإني لمنْ قومٍ بهمْ يتقى العدى ... ورأبُ الثأى والجانبُ المتخوفُ
وأضيافِ ليلٍ قدْ نقلنا قراهمُ ... إلينا فأتلفنا المنايا وأتلفوا
قريناهمُ المأثورةَ البيضَ قبلها ... تثجُّ العروقَ الأيزنيُّ المثقفُ
ومسروحةٍ مثلِ الجرادِ يسوقها ... ممرٌّ قواهُ والسراءُ المعطفُ
فأصبحَ في حيثُ التقينا شريدهمْ ... طليقٌ ومكتوفُ اليدينِ ومزعفُ
ولا نستجمُّ الخيلَ حتى نعيدها ... غوانمَ منْ أعدائنا وهيَ زحفُ
كذلكَ كانتْ خيلنا مرةً ترى ... سماناً وأحياناً تقادُ فتعجفُ
عليهنَّ منا الناقضونَ ذحولهمْ ... فهنَّ بأعباءِ المنيةِ كتفُ
مداليقُ حتى يأتيَ الصارخُ الذي ... دعا وهوَ بالثغرِ الذي هوَ أخوفُ
وكنا إذا نامتْ كليبٌ عنِ القرى ... إلى الضيفِ نمشي بالعبيطِ ونلحفُ
وقدرٍ فثأنا غليها بعدما غلتْ ... وأخرى حششنا بالعوالي تؤثفُ
فكلُّ قرى الأضيافِ نقري منَ القنا ... ومعتبطٍ فيهِ السنامُ المسدفُ
ولوْ تشربُ الكلبى المراضُ دماءنا ... شفتها وذو الداءِ الذي هوَ أدنفُ
من الفائقِ المحبوسِ عنهُ لسانهُ ... يفوقُ وفيهِ الميتُ المتكنفُ
وجدنا أعزَّ الناسِ أكثرهمْ حصىً ... وأكرمهمْ منْ بالمكارمِ يعرفُ
وكلتاهما فيهِ إلى حيثُ تلتقي ... عصائبُ لاقى بينهنَّ المعرفُ
منازيلُ عنْ ظهر القليلِ كثيرنا ... إذا ما دعا في المجلسِ المتردفُ
فلقنا الحصى عنهُ الذي فوقَ ظهرهِ ... بأحلامِ جهالٍ إذا ما تغضفوا
على سورةٍ حتى كأنَّ عزيزها ... يرى ما بهِ منْ بينِ نيقينِ نفنفُ
وجهلٍ بحلمٍ قدْ دفعنا جنونهُ ... وما كانَ لولا حلمنا يتزحلفُ
رجحنا بهمْ حتى استثابوا حلومهمْ ... بنا بعدما كانَ القنا يتقصفُ
ومدتْ بأيدينا النساءُ ولمْ يكنْ ... لذي حسبٍ عنْ قومهِ متخلفُ
كفيناهمُ ما نابهمْ بحلومنا ... وأموالنا والقومُ بالنبلِ دلفُ
وقدْ أرشدوا الأوتارَ أفواقَ نبلهمْ ... وأنيابُ نوكاهمْ منَ الحردِ تصرفُ
فلا أحدٌ في الناسِ يعدلُ دارنا ... بعزٍّ ولا قومٌ لهُ حينَ يجنفُ
تثاقلُ أركانٌ عليهِ ثقيلةٌ ... كأركانِ سلمى أوْ أعزُّ وأكثفُ
لنا العزةُ الغلباءُ والعددُ الذي ... عليهِ إذا عدَّ الحصى يتحلفُ
ولا عزَّ إلاَّ عزنا قاهرٌ لهُ ... ويسألنا النصفَ الذليلَ فينصفُ
ومنا الذي لا ينطقُ الناسُ عندهُ ... ولكنْ هوَ المستأذنُ المتنصفُ
تراهمْ قعوداً حولهُ وعيونهمْ ... مكسرةٌ أبصارها ما تصرفُ
стр. 215
وبيتانِ بيتُ اللهِ نحنُ ولاتهُ ... وبيتٌ بأعلى إيلياءَ مشرفُ
لنا حيثُ آفاقُ البريةِ يلتقي ... عميدُ الحصى والقسوريُّ المخندفُ
إذا هبطَ الناسُ المعرفَ من منى ... عشيةَ يومِ النحرِ منْ حيثُ عرفوا
ترى الناسَ ما سرنا يسيرونَ خلفنا ... وإنْ نحنُ أوبأنا إلى الناسِ وقفوا
ألوفُ ألوفٍ منْ دروعٍ ومن قناً ... وخيلٌ كريعانِ الجرادِ وحرشفُ
وإنْ نكثوا يوماً ضربنا رقابهمْ ... على الدينِ حتى يقبلَ المتألفُ
فإنكَ إذْ تسعى لتدركَ دارماً ... لأنتَ المعنى يا جريرُ المكلفُ
أتطلبُ منْ عندَ النجومِ وفوقها ... بربقٍ وعيرٍ ظهرهُ متقرفُ
وشيخينِ قدْ ناكا ثمانينَ حجةً ... أتانيهما هذا ملحٌّ ويجرفُ
أرى لجريرٍ رهطَ سوءٍ أذلةً ... وعرضٌ لئيمٌ للمخازي موقفُ
وأما أقرتْ منْ عطيةَ رحمها ... بأخبثِ ما كانتْ لهُ الرحمُ تنشفُ
إذا سلختْ عنها أمامةُ درعها ... وأعجبها رابٍ إلى البطنِ مهدفُ
قصيرٌ كأنَّ التركَ منهُ جباهها ... خنوقٌ لأعناقِ الجرادينِ أكشفُ
تقولُ وصكتْ خدَّ حرى مغيظةٍ ... على البعلِ غيرى ما تزالُ تلهفُ
أما منْ كليبيٍّ إذا لمْ تكنْ لهُ ... أتانانِ يستغني ولا يتعففُ
إذا ذهبتْ مني بزوجي حمارةٌ ... فليسَ على ريح الكليبيِّ مأسفُ
على مثلِ عبدٍ ما أتى مثلَ ما أتى ... مصلٍّ ولا منْ أهلِ ميسانَ أقلفُ
إذا ما احتبتْ لي دارمٌ عندَ غايةٍ ... جريتُ إليها جريَ منْ يتغطرفُ
كلانا لهُ قومٌ همُ يحلبونهُ ... بأحسابهمْ حتى يرى منْ يخلفُ
إلى أمدٍ حتى يزايلَ بينهمْ ... ويوجعَ بالنخسِ الذي هوَ أقرفُ
عطفتُ عليكَ الحربَ إني إذا ونى ... أخو الحربِ كرارٌ على القرنِ معطفُ
تبكي على سعدٍ وسعدٌ مقيمةٌ ... بيبرينَ منهمْ منْ يزيدُ ويضعفُ
على من وراءَ المرجِ لوْ دكَّ عنهمُ ... لماجوا كما ماجَ الجرادُ وطوفوا
فهمْ يعدلونَ الأرضَ لولاهمُ استوتْ ... على الناسِ أوْ كادتْ تسيرُ فتنسفُ
ولوْ أنَّ سعداً أقبلتْ منْ بلادها ... لجاءتْ بيبرينَ الليالي تزحفُ
وقال الفرزدق لجرير:
سمونا لنجرانَ اليماني وأهلهِ ... ونجرانُ أرضٌ لم تديثْ مقاولهْ
بمختلفِ الأصواتِ تسمعُ وسطهُ ... كرزِّ القطا لا يفقهُ الصوتَ قائلهْ
لنا أمرهُ لا تعرفُ البلقُ وسطهُ ... كثيرُ الوغا منْ كلِّ حيٍّ قبائلهْ
كأنَّ بناتِ الحارثيينَ وسطهمْ ... ظباءُ صريمٍ لمْ تفرجْ غياطلهْ
إذا حانَ منهُ منزلُ الليلِ أوقدتْ ... لأخراهُ في أعلى اليفاعِ أوائلهْ
يظلُّ بهِ الأرضُ الفضاءُ معضلاً ... وتجهرُ أسدامَ المياهِ قنابلهْ
ترى عافياتِ الطيرِ قدْ وثقتْ لها ... قديماً منَ النخلِ العتاقِ منازلهْ
وأهلُ حنونا منْ مرادٍ قد أدركتْ ... وجرماً بوادٍ خالطَ البحرَ ساحلهْ
صبحناهمُ الجردَ الجيادَ كأنها ... قطاً أفزعتهُ يومَ دجنٍ أجادلهْ
ألا إنَّ ميراثَ الكليبيِّ لابنهِ ... إذا ماتَ ربقاً ثلةٍ وحبائلهْ
فأقبلْ على ربقيْ أبيكَ فإنما ... لكلِّ امرئٍ ما أورثتهُ أوائلهْ
تسربلَ ثوبَ اللؤمِ في بطنِ أمهِ ... ذراعاهُ منْ أشهادهِ وأناملهْ
كما شهدتْ أيدي المجوسِ عليهمُ ... بأعمالهمْ والحقُّ تبدو محاصلهْ
عجبتُ لقومٍ يدعونَ إلى أبي ويهجونني والدهرُ جمٌّ مجاهلهْ
أتاني على القعساءِ عادلَ وطبهِ ... برجليْ هجينٍ واستِ عبدٍ يعادلهْ
فقلتُ لهُ ردِّ الحمارَ فإنهُ ... أبوكَ لئيمٌ رأسهُ وجحافلهْ
يسيلُ على شدقيْ جريرٍ لعابهُ ... بشلشالِ وطبٍ ما تجفُّ شلاشلهْ
ليغمزَ عزاً قدْ عسا عظمُ رأسهِ ... قراسيةً كالفحلِ يصرفُ بازلهْ
بناهُ لنا الأعلى وطالتْ فروعهُ ... فأعياكَ واشتدتْ عليكَ أسافلهْ
فلا أنتَ مسطيعٌ أبوكَ ارتقاءهُ ... ولا أنتَ عما قدْ بنى اللهُ عادلهْ
فإنْ كنتَ ترجو أنْ توازنَ دارماً ... فرمْ حضناً فانظرْ متى أنتَ ناقلهْ
следующие страницы →