← История

История · id 7331

نظم حكم الأمويين ورسومهم في الأندلس

سالم بن عبد الله الخلف

Полный текст (939 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

خاب أمله، إذ كان يطمع باستعادة مكانته في ظل الخليفة الضعيف، كما أدرك أن لا مجال له خيران. ثم اجتمعوا في مكان يعرف بالرياحين، وذلك في شهر ذي الحجة سنة (٤٠٨) هـ (إبريل (١٠١٨) م) ومعهم الفقهاء والعلماء، وبايعوا المرتضى على أن تكون الخلافة شورى وليست وراثة (١). وما أن علم الخليفة علي بن حمود بهذا التجمع، وأن أهل قرطبة يتطلعون للمرتضى حتى غير ابن حمود سياسته تجاههم، فبدل اللين شدة، وأذاقهم الذل وأراهم القهر بالظلم والطغيان، وألزمهم مغارم عسيرة، فضاقوا به، وابتهلوا إلى الله بالدعاء عليه، فسلط الله تعالى عليه ثلاثة

стр. 107

من صقالبة القصر (١)، فقتلوه وهو في الحمام، وذلك ليلة السبت أول ذي القعدة سنة (٤٠٨) هـ (٢) (٢١ مارس ١٠١٨). وقد شجع الموت المفاجئ لابن حمود الخليفة الأموي المرتضى على المسير إلى قرطبة إلا أنه عرَّج على غرناطة، فدعى زاوي بن زيري إلى الدخول في طاعته (٣)، فرفض طلبه (٤)، فنشبت معركة حامية بين المرتضى وقواته وبين زيري والصنهاجيين، إلا أن خيران والعبيد العامريين خانوا المرتضى، فتخلوا عنه في المعركة، وتركوه وحيدا، فغادر أرض المعركة،

стр. 108

فتمت مطاردته حيث قتل بقرب وادي آش (١) وذلك سنة (٤٠٩) هـ (٢) (١٠١٩ م). وقد أرسل زاوي بن زيري إلى القاسم بن حمود بخبر نتيجة المعركة، كما أرسل له نصيبه من الغنائم، ومن بينها سرادق المرتضى نفسه فضربه القاسم على شاطئ نهر قرطبة، مما أثار حزن أهلها على خليفة أموي طال انتظارهم له (٣). وهكذا أدى الصقالبة الذين يفترض أنهم الحريصون والأمناء على الخلافة الأموية، خدمة كبرى للحموديين، إذ أنهم بنتيجة هذه المعركة قد ساعدوهم من حيث لا يشعرون على تثبيت حكمهم في قرطبة، وفي الوقت نفسه قضوا على أي أمل في إعادة الدولة الأموية إلى سابق عهدها، كما أنهم حكموا بالتفوق للبربر على الجماعة الأندلسية الذين لم يعد

стр. 109

بالإمكان إقناعهم بالاجتماع على كلمة واحدة، وفي هذا يقول ابن حيان "فحل بهذه الواقعة على جماعة من الأندلس مصيبة سوداء أنست ما قبلها، ولم يجتمع لهم على البربر جمع بعد، وأقروا بالإدبار، وباءوا بالصغار" (١). كما كانت هذه المعركة سبباً في رحيل الزعيم الصنهاجي الشهير زاوي بن زيري، إذ أدرك أن انتصاره في تلك المعركة انتصار مصطنع، وأن الأندلسيين هم الذين أرادوا انتصاره، وهذا يعني أنه بإمكانهم الوقيعة به متى أرادوا ذلك، ولذا فقد كره المقام بالأندلس وغادرها إلى أفريقية (٢). ويمكن القول كذلك، أنه بسبب هذه المعركة اهتزت الثقة بالأمويين بصورة كبيرة، فلم يعد لهم في قلوب الناس مكان، حتى أن خيران زهد في

стр. 110

أخ للمرتضى يدعى هشام (١)، فطرده من مملكته، فغادر هشام واستقر في حصن البونت (٢). وبعد قتل علي بن حمود، عقد الزناتيون اجتماعاً، قرروا خلاله استدعاء القاسم بن حمود من إشبيلية ليتولى الخلافة، لكن القاسم حسب أن في الأمر خدعة، ولذا أرسل أحد ثقاته ليقف على حقيقة الأمر، فلما عاد إليه الرسول بالخبر، قدم إلى قرطبة، وصلى على أخيه، وأرسل جثمانه إلى سبته ليدفن هناك (٣).

стр. 111

وبويع القاسم بالخلافة يوم الثلاثاء الخامس من شهر ذي القعدة سنة (٤٠٨) هـ (٢٥ مارس (١٠١٨) م) وتلقب بالمأمون (١)، كان وادعاً (٢)، محباً للعافية (٣)، أحسن تلقي الناس وأجمل مواعيدهم (٤)، فأحبه أهل قرطبة وشعروا بالأمان في عهده. ويبدو أن القاسم أراد أن يتخلص من ثقل وطأة البربر والعرب على حكمه، ولذا اختط لنفسه سياسة جديدة، فقرب إليه السودان وولاهم دولته (٥)، الأمر الذي أغضب البربر والعرب معاً، مما أحدث هزة في حكمه، فحاول إصلاح الوضع، وقام بمراسلة بعض الزعماء أصحاب المطامع الذي كانوا مع المرتضى (٦)، لكنهم استثقلوه وازداد وضعه حرجاً بعد أن قام ضده ابن أخيه يحيى بن علي (٧) مطالباً بحقه في خلافة والده،

стр. 112

وعندما اشتكى القاسم للبربر سوء وضعه، قابلوا شكواه بعدم الاهتمام مفضلين توسيع الخلاف بين الاثنين (١)، الأمر الذي اضطره أخيراً إلى مغادرة قرطبة إلى اشبيلية وذلك ليلة السبت (٢٢) ربيع الآخر سنة (٤١٢) هـ (٢) (٧ أغسطس ١٠٢١) فدخل يحيى بن علي قرطبة بمساعدة خيران وصحبه الذين لاهم لهم إلا مصالحهم الخاصة، دون النظر لثمن تلك المصالح. وقد بويع يحيى بن علي بالخلافة يوم الاثنين مستهل جمادى الأولى سنة (٤١٢) هـ (١٣ أغسطس ١٠٢١) وتلقب بالمعتلي بالله (٣)، في الوقت الذي كان عمه القاسم يدعى له بالخلافة في اشبيلية (٤)، وعن هذا الوضع يقول ابن حزم "وهذا أمر لم يسمع في الدنيا بأشنع منه ولا بأدل على إدبار الأمور" (٥).

стр. 113

وفي بداية الأمر اختط يحيى سياسة حببته للجميع سواء أهل قرطبة أو البربر لكنه سرعان ماتركها فنفرت النفوس عنه (١)، فتم استدعاء عمه القاسم من اشبيلية، ففر يحيى عن قرطبة يوم الثلاثاء (١٨) من شهر ذي القعدة سنة (٤١٣) هـ (١٤ فبراير ١٠٢٣) وهو اليوم الذي دخل فيه القاسم قرطبة (٢)، وهذه هي دولته الثانية، إلا أن عهده في هذه المرة لم يطل، فقد كرهه القرطبيون بسبب تسلط البربر عليه، فثاروا ضده وطردوه وذلك يوم الثلاثاء (٢١) جمادى الآخرة سنة (٤١٤) هـ (٣) (٩ سبتمبر ١٠٢٣). وما أن تخلص القرطبيون من الحموديين، حتى قرروا إعادة الخلافة لبني أمية، فعقدوا اجتماعاً عاماً في جامع قرطبة لانتخاب أحد ثلاثة رشحوا لهذا الأمر، وهم سليمان (٤) بن المرتضى، ومحمد بن العراقي (٥)، وعبد الرحمن بن هشام بن عبد الجبار بن عبد الرحمن الناصر لدين الله (٦)،

стр. 114

وكان الترشيح القوي لصالح سليمان بن المرتضى حتى أن كتاب العهد كان مكتوباً باسمه، إلا أن الجميع فوجئ بالدخول القوي لعبد الرحمن بن هشام، فقد اقتحم المسجد وهو على رأس مجموعة مسلحة، فدخل المقصورة، فتمت مبايعته مباشرة، ولم يتخلف المرشحان الآخران للخلافة عن البيعة، وكشط اسم سليمان من كتاب العهد وكتب بدلاً منه اسم عبد الرحمن، الذي اتخذ لقب المستظهر بالله، وذلك في الرابع من شهر رمضان سنة (٤١٤) هـ (١) (٢١ نوفمبر ١٠٢٣). ونظراً لأن المستظهر بالله كان وصوله للخلافة عن طريق الغصب والمباغتة، وذلك بواسطة رجال الدائرة، الذين هم حرس الخليفة، لذا فقد كانت لهم دالة عليه، يضاف إلى هذا أن المستظهر رفع مقادير مشيخة الوزراء من بقايا موالي الأمويين، وهؤلاء لا همَّ لهم إلا مصالحهم، فعملوا على استغلال قربهم من الخليفة، لكنه كان فقيرا، فالمال الذي يقع في يده يسد به رمقه، وما فضل منه يفرقه على من تكنفه من رجال الدائرة.

стр. 115

ويبدو أن أولئك الوزراء قد زادوا من ضغوطهم على الخليفة المعدم، ولذا فقد زج بجماعة منهم في السجن، وطالبهم بما لديهم من أموال، كما سجن بعض أبناء الأمويين، الأمر الذي أسخط رجال الدائرة، فأثاروا العامة ضده، فاقتحموا عليه قصره وقتلوه بعد أن أمضى بالخلافة سبعة وأربعين يوماً (١). وفي اليوم الذي قتل فيه المستظهر بالله تولى الخلافة أبو عبد الرحمن محمد بن عبد الرحمن بن عبيد الله بن عبد الرحمن الناصر (٢)، وذلك يوم

стр. 116

السبت الرابع من ذي القعدة سنة (٤١٤) هـ (١٨ يناير ١٠٢٤) ولقب بالمستكفي بالله (١)، وكان الخليفة الجديد غفلاً عطلاً منقطعاً إلى البطالة، مجبولاً على الجهالة" (٢) في غاية السخف وركالة العقل وقلة التدبير (٣)، ولذا فلا عجب أن يسند تدبير أمور دولته لرجل حائك يدعى أحمد بن خالد (٤). وقد أجمعت الآراء على أنه لم يكن في خلفاء الفتنة أسقط من المستكفي ولا أنقص منه، فقد كان سقيم السر والعلانية، أسير الشهوة، عاهر الخلوة، مشابهاً للخليفة العباسي المستكفي في كل شيء (٥)، حتى

стр. 117

"أنهما اتفقا في الأخلاق والعهر واللعب وأن كل واحد منهما عاش اثنين وخمسين سنة، وكل واحد منهما ملك سنه ونحو خمسة أشهر، وكل واحد منهما تركه أبوه صغيراً، وتوافقا في اللقب وبالجملة فهما رذلي قومهما" (١). وقد ضاق الناس بالمستكفي ذرعاً، فأكثروا من الشكوى بشأنه إلى يحيى بن علي بن حمود، المقيم بمالقة، وطلبوا منه الحضور إلىقرطبة (٢)، فلما تحرك إليها، هرب المستكفي منها في زي غانية بين امرأتين (٣)، وذلك يوم الثلاثاء (٢٤) ربيع الأول سنة (٤١٦) هـ (٤) (٢٦ مايو ١٠٢٥) ولحق بالثغر، وكان معه القائد عبد الرحمن بن محمد بن السليم (٥)، الذي مل المسير معه، فسمه في طعامه، فلما مات غسله وكفنه وصلى عليه ودفنه في قرية في

стр. 118

الثغر تعرف بـ"شمنت" (١) لتنتهي بذلك حياة المستكفي بعد حكم دام سبعة عشر شهراً لم تتجاوز خلالها طاعته فرسخاً (٢). وقد بقيت قرطبة بعد رحيل المستكفي عنها، بدون خليفة مدة ستة أشهر تقريباً، حتى حضر إليها يحيى بن علي بن حمود (٣)، فدخلها يوم الخميس السادس عشر من شهر رمضان سنة (٤١٦) هـ (٩ نوفمبر ١٠٢٥) ومكث بها إلى نهاية السنة، ثم غادرها إلى مالقة يوم الثلاثاء (٨) من شهر محرم سنة (٤١٧) هـ (١ مارس ١٠٢٦) تاركاً فيها وزيره وكاتبه أبا جعفر أحمد بن موسى، فاستغل الفرصة العامريان مجاهد وخيران، وذلك بإيعاز من حبوس بن ماكسن (٤)، فقدما إلى قرطبة، فهرب عنها وزير المعتلي،

стр. 119

فبقي العامريان في قرطبة نحو شهر ثم خشي كل منهما غدر الآخر، فغادراها تباعاً (١). وبعد رحيل خيران ومجاهد، أجمع أهل قرطبة، برأي من الوزير جهور بن محمد بن جهور (٢) على "خلع العلويين لميلهم إلى البربر وإعادة الخلافة في الأندلس إلى بني أمية" (٣) فبايعوا هشام بن محمد بن عبد الملك بن عبد الرحمن الناصر، وهو مقيم بحصن البونت، وذلك في يوم الأحد (٢٥)

стр. 120

ربيع الآخر سنة (٤١٨) هـ (١) (٥ يونيو ١٠٢٧) فاتخذ لقب "المعتد بالله" (٢). وقد كان المعتد بالله في شبابه معروفاً بالشطارة، لكن تاب فرجي صلاحه (٣)، إلا أن الظن فيه خاب، إذ ما أن وصل قرطبة في يوم الخميس الثامن من شهر ذي الحجة سنة (٤٢٠) هـ (٤) (١٩ ديسمبر ١٠٢٩) حتى تبدلت أحواله، فقلد تدبير دولته لرجل حائك يدعى حكم بن سعيد ويعرف بالقزاز (٥)، الذي عندما بحث عن رجال يستعين بهم لمساعدته في تدبير أمور الدولة لم يهتد إلا "إلى نغل دغل وماجن سفيه أو سوقي رذل" (٦).

стр. 121

وقد تفرغ الخليفة المعتد بالله لملذاته، فعانى الناس منه ومن وزيره ومن سار في نهجهما الأمرين (١)، ثم اتفقوا على قتل الوزير، فقتله رجل من هم يعرف بابن الحصار (٢)، عند الركن الشرقي للجامع (٣). وقد حاول أمية بن عبد الرحمن بن هشام بن عبد الرحمن الناصر (٤) استغلال الموقف لصالحه، ويتولى الخلافة، بدلاً من المعتد بالله، وحرص على ذلك أشد الحرص، حتى أنه عندما قال له أهل قرطبة: إنا نخاف عليك القتل في هذا اليوم لشدة الفوضى، أجابهم قائلا "بايعوني اليوم

стр. 122

واقتلوني غداً" (١) إلا أن الوزراء بقيادة الوزير جهور بن محمد قرروا حرمان أمية من مراده، فقد طردوه من القصر (٢)، ثم خلعوا الخليفة المعتد بالله يوم الثلاثاء (١٢) من شهر ذي الحجة سنة (٤٢٢) هـ (٣) (٣٠ نوفمبر ١٠٣١) وأخرجوه إلى صخرة محمود بن الشرف (٤)، ثم نودي في أسواق قرطبة وأرباضها، بأن لا يبقى من بني أمية أحد، ولا يكنفهم أحد (٥). وهكذا أسدل الستار على تاريخ دولة من أعظم دول الإسلام، كانت على ثغر من ثغور الديار الإسلامية، جاهدت عنده بكل قوة، وسطر رجالاتها الأفذاذ بجهادهم أنصع الصفحات وخلفوا حضارة بنيت على أسس متينة. وعلى كل فإن كانت هذه الدولة المجيدة قد أزيلت لأسباب سوف نتعرض لها في ثنايا البحث إن شاء الله تعالى، فإن آثارها رغم ذلك، أبت

стр. 123

إلا أن تقف بكل إباء إلى عصرنا الحاضر رغم كر الدهور، لتعطي الدليل الذي لا يقبل النقاش على عظمتها وسؤددها، والملك لله تعالى يهبه لمن يشاء وينزعه ممن يشاء.

стр. 124

الفصل الأول: النظام السياسي ورسومه المبحث الأول: رئاسة الدولة المبحث الثاني: ولاية العهد

стр. 125

المبحث الأول: رئاسة الدولة يأتي الأمير أو الخليفة الأموي في الدولة الأموية بالأندلس على رأس جهاز الحكم، ونظراً لأخذ الأسرة الأموية بالأندلس بنظام الحكم الوراثي، فإن الأمير أو الخليفة يوصي بالحكم من بعده لأحد أبنائه، وليس بالضرورة أن يكون للابن الأكبر حق ملزم في تولي الحكم بعد أبيه، إذ أن منصب ولاية العهد يتم الاختيار له بعناية فائقة (١)، وبناءً على وصية يتركها الأمير أو الخليفة يبايع ولي العهد حاكماً جديداً للبلاد. وكان إذا توفي الأمير أو الخليفة الأموي يبادر ولي العهد إلى أخذ البيعة من كبار فتيان القصر الصقالبة المعروفين بالخلفاء الأكابر، وهم بدورهم يأخذونها على من تحت أيديهم (٢)، ثم يأمر بإحضار الكتَّاب والوصفاء والمقدمين والعرفاء فيبايعونه (٣)، بعد ذلك يتم إحضار الأخوة والأعمام وأولادهم بواسطة بعض الوزراء ومعهم الجند، بدون قبول عذر أي منهم (٤)، فإذا وصلوا جلسوا في مجالس خاصة مع رجالات الدولة وكبار أصحاب البيوتات الأندلسية، فإذا تمت الاستعدادات لتلقي البيعة، جلس الحاكم الجديد للبلاد على سرير الملك بمجلسه الضخم، فيكون

стр. 126

إخوته وعمومته وأولادهم أول الداخلين عليه، ولباسهم الأردية والظهائر البيض إعلاناً لحزنهم على الحاكم الراحل (١)، فيبايعونه بأن يصفقوا بأيديهم على يده على هيئة المصافحة (٢)، وبعد أن ينصتوا لسماع قراءة صحيفة البيعة بصوت أحد الوزراء (٣)، ويعلنون التزامهم لأيمان انعقادها، يقوم أحد أولئك الأمراء ويرتجل كلمة نيابة عن أبناء الأسرة الأموية يعزي فيها الحاكم بوفاة والده الفقيد ويهنئه بالمنصب الجديد (٤)، بعد ذلك يتقدم الوزراء وأولادهم وإخوانهم ويتلوهم أصحاب الشرطة وطبقات أهل

стр. 127

الخدمة، فإذا بايعوا قعدوا جميعاً عن يمين الأمير أو الخليفة وشماله، ثم يتولى أحد كبار رجالات الدولة أخذ البيعة على بقية الحضور (١). ويصف لنا المقري الحفل الذي أقيم في الزهراء عند مبايعة الحكم المستنصر بالخلافة في الثالث من رمضان سنة (٣٥٠) هـ (١٦ أكتوبر سنة (٩٦١) م) فيقول: "وقعد المستنصر بالله على سرير الملك في البهو الأوسط من الأبهاء المذهبة القبلية التي في السطح الممرد، فأول من وصل إليه الإخوة فبايعوه، وأنصتوا لصحيفة البيعة، والتزموا الأيمان المنصوصة بكل ما انعقد فيها، ثم بايع بعدهم الوزراء وأولادهم وإخوتهم، ثم أصحاب الشرطة وطبقات أهل الخدمة، وقعد الإخوة والوزراء والوجوه عن يمينه وشماله إلا عيسى بن فطيس (٢) فإنه كان قائماً يأخذ البيعة على الناس، وقام الترتيب على الرسم في مجالس الاحتفال المعروفة، فاصطف في المجلس الذي قعد فيه أكابر الفتيان يميناً وشمالاً إلى آخر البهو كل منهم على قدره في المنزلة، عليهم الظهائر البيض شعار الحزن، قد تقلدوا فوقها السيوف، ثم تلاهم الفتيان الوصفاء، عليهم الدروع السابغة والسيوف الحالية، صفين منتظين في

стр. 128

السطح، وفي الفصلان (١) المتصلة به ذوو الأسنان من الفتيان الصقالبة الخصيان لابسين البياض، بأيديهم السيوف، يتصل بهم من دونهم من طبقات الخصيان الصقالبة، ثم تلاهم الرماة متنكبين قسيهم وجبابهم، ثم وصلت صفوف هؤلاء الخصيان الصقالبة صفوف العبيد الفحول شاكين في الأسلحة الرائقة والعدة الكاملة، وقامت التعبية في دار الجند والترتيب من رجَّالة العبيد عليهم الجواشن والأقبية البيض، وعلى رؤوسهم البيضات الصَّقيلة، بأيديهم التراس الملوَّنة والأسلحة المزينة، انتظما صفين إلى آخر الفُصُل، وعلى باب السدة الأعظم البوابون وأعوانهم، ومن خارج باب السدة فرسان العبيد إلى باب الأقباء، واتصل بهم فرسان الحشم وطبقات الجند والعبيد والرماة موكباً إثر موكب إلى باب المدينة الشارع إلى الصحراء" (٢). وبعد أن تتم مراسم الاحتفال بالبيعة الخاصة التي تنتهي عادة في نفس اليوم (٣)، وبعد أن يسمع الأمير أو الخليفة لإنشاد الشعراء الذين يعزونه لفقد والده ويهنؤنه بالإمارة أو الخلافة (٤)، يتم توزيع الكساوي

стр. 129

والأموال على الحضور حسب مراتبهم وأقدارهم (١)، ثم يؤذن للجميع بالانصراف باستثناء الإخوة والأعمام والوزراء وأهل الخدمة، وذلك لحضور مراسم مواراة الأمير أو الخليفة الراحل في المقبرة الخاصة بأمراء وخلفاء بني أمية والمعروفة باسم روضة الخلفاء الموجودة داخل القصر بقرطبة (٢) وعادة ما يتولى الحاكم الجديد الصلاة على جثمان سلفه (٣). وجرت العادة في البيعة الخاصة المعروفة بالمشرق باسم "بيعة أهل الحل والعقد (٤) " أن تسجَّل شهادات الشهود في سجل خاص، وقد أورد لنا ابن الخطيب نقلاً عن ابن حيان أسماء الشهود الذين حضروا البيعة الخاصة التي جرت للخليفة هشام المؤيد بن الخليفة الحكم المستنصر والتي تمت في يوم الاثنين لثلاث خلون من صفر سنة (٣٦٦) هـ (أكتوبر ٩٧٧) وقد بلغ عدد أولئك الشهود مائة وتسعة وثلاثين شاهداً (٥).

стр. 130

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 131

ونظراً للاضطراب الذي كانت الخلافة الأموية بالأندلس قد مرت به في الربع الأول من القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي) والمسمى بعصر الفتنة من سنة ٣٩٩ - (٤٢٢) هـ (١٠٠٩ - (١٠٣١) م) فإن مراسم الاحتفال بالبيعة الخاصة للخليفة قد اختفت تماماً، حيث أصبح الأمر يقتصر على أن يقوم المبايعون بالصفق على يد الخليفة، إما في المسجد الجامع بقرطبة (١)، أو في داخل قصر الخلافة (٢)، وهناك من جرت بيعته على سطح القصر (٣)، وآخر بويع بباب السدة من قصر قرطبة (٤)، بل

стр. 132

إن هناك من كانت بيعته أولاً في الثغر ثم جددت بيعته عند دخوله قرطبة (١). وبعد أن تتم مراسم البيعة الخاصة يتولى قاضي الجماعة (٢) وصاحب المدينة وصاحب الشرطة العليا، وصاحب الشرطة الصغرى، وصاحب أحكام السوق (٣) أخذ البيعة العامة من الناس في المسجد الجامع بقرطبة لعدة أيام، كما يتم إرسال نسخ من كتاب البيعة للعمال في الكور، والقادة في الثغور لأخذ البيعة على من قبلهم، حيث ترد بعد أيام كتب من كافة أقطار الأندلس تخبر بإنجازها (٤)، كما أن وفوداً تحضر إلى القصر من تلك الكور والثغور يستقبلها الأمير أو الخليفة بمحضر من الوزراء وقاضي الجماعة ورجالات الدولة، حيث يتلقى مبايعة أعضاء هذه الوفود، وتسجل شهاداتهم بسجل خاص (٥)، كما يتم إرسال وفد من قبل الأمير أو الخليفة لأخذ البيعة في بعض الكور (٦).

стр. 133

رسوم الخلع من الخلافة: وكما أن للبيعة بالإمارة أو الخلافة رسوم متبعة، فإن للخلع من ذلك المنصب رسوماً مشهودة، فالخليفة هشام المؤيد عندما قام ضده محمد بن هشام بن عبد الجبار الملقب بالمهدي طالب المؤيد بخلع نفسه عن منصب الخلافة، فاستجاب لطلبه، فدخل اثنان من كبار فقهاء قرطبة على الخليفة هشام المؤيد في مجلسه، وسمعا منه خلع نفسه، وأخذا منه البيعة للمهدي فأداها وهو يقرأ ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾ (١) فبشهادة هذين الفقيهين، خُلع المؤيد ونودي بالمهدي خليفة بدلاً منه، وذلك يوم الثلاثاء ليلة الأربعاء السابع والعشرين من جمادى الآخرة سنة (٣٩٩) هـ (٢) (١٨ مارس (١٠٠٩) م). وعندما بدأت دولة المهدي للمرة الثانية ودخل قصر الخلافة بقرطبة في شهر شوال سنة أربعمائة (٣) (يونيو (١٠١٠) م) بادر إلى إحضار الخليفة هشام المؤيد إلى مجلسه، وطالبه بخلع نفسه من الخلافة، فاستجاب لطلبه "وكتب خلعه بيده (٤) ". وعلى هذا فإننا نجد أن رسوم الخلع من الخلافة تقتضي حضور الشهود من قضاة وفقهاء ووزراء ونحوهم، وأن يكتب الخليفة المخلوع

стр. 134

كتاباً بيده، يعترف فيه بعجزه عن تدبير أمور الخلافة، ويُحل الرعية من البيعة التي له في أعناقهم (١)، ويشهد الحضور على ذلك الكتاب، ثم يبايع الخليفة المخلوع للخليفة الجديد. إلا أن هذه الرسوم لم تُتبع عندما أجمع "وزراء ومشيخة الرأي (٢) " في قرطبة على إنهاء الخلافة الأموية في عهد هشام المعتد بالله، فقد اكتفوا بإصدار قرارهم دون أن يأخذوا من الخليفة هشام المعتد بالله كتاباً يقر فيه بعجزه عن إدارة شؤون الخلافة، ويحل الأمة من بيعته، وذلك يوم الثلاثاء الثاني عشر من شهر ذي الحجة من سنة (٤٢٢) هـ (٣) (٣٠ نوفمبر (١٠٣١) م). وهذه الحالة تكررت من قبل، فعندما اتفق أعيان قرطبة على خلع الخليفة المستكفي بالله يوم الثلاثاء الرابع والعشرين من شهر ربيع الأول سنة (٤١٦) هـ (٤) (٢٦ مايو ١٠٢٥) دخلوا عليه وقالوا له: "قد علم الله اجتهادنا في تثبيتك، فاعتاص ذلك علينا، واضطررنا إلى مقارعة عدونا، وهانحن خارجون إليه ولا ندري ما يحدث عليك بعدنا، فإن تك لك الكرة

стр. 135

فلا تيأس فمع اليوم غد، فأجمل الرد وانقاد للدنية (١) " ولم يؤخذ منه كتاباً يعترف فيه بالخلع ويحل الأمة من بيعته. ممارسة الأمير أو الخليفة للسلطان: بدراسة المصادر الأندلسية، نلاحظ أنه كان إلى جانب صاحب السلطة السياسية في البلاد، هناك أصحاب البيوتات الأندلسية الموالية لبني أمية كانوا مشاورين وناصحين ومساعدين للأمير أو الخليفة في ممارسته للسلطان، إذ أنهم يتميزون بالخبرة الواسعة، وذلك لتوارثهم المناصب في كافة شئون الدولة. ويبدأ الأمير أو الخليفة بممارسة سلطاته في الحكم، بمجرد تلقيه البيعة الخاصة، وتستمر هذه الصلاحيات طيلة توليه رئاسة الدولة، ويتخلل تلك الفترة إصداره قرارات عديدة، لإحكام سيطرته على أجهزة الدولة. ويمكن تقسيم تلك القرارات إلى مجموعات، منها: قرارات تتعلق بترسيخ سلطة الدولة، ومن الأمثلة على ذلك، أن الأمير عبد الرحمن الداخل بعد أن استولى على قصر الإمارة بقرطبة، بلغه أن هناك مخططاً لاغتياله، بعد هزيمته للوالي الأندلسي يوسف الفهري ووزيره الصميل (٢)، ولذا عمد

стр. 136

الأمير الأموي إلى تولية عبد الرحمن بن نعيم قيادة شرطته، واتخذ من مواليه حرساً، وضم إليه موالي بني أمية في قرطبة (١). ومن القرارات التي يمكن إدراجها في هذا الإطار: التصدي للمناوئين والمعارضين للبيعة من أبناء الأسرة الأموية (٢)، وبما أنه هو القائد الأعلى للجيش، فهو الذي يصدر القرار بخروج الجيش للغزو، سواء تولى هو القيادة أو أناب عنه أحد رجاله (٣)، وهو الذي يعلن الحرب والسلم (٤)، وباسمه ترد كتب الفتوح (٥)، وهو الذي يصدر قرارات القضاء على حركات التمرد والعصيان (٦)، وهدم بعض مواطن أصحابها (٧)، وبناء القلاع وإحكام أسوارها وشحنها بالرجال والعتاد (٨)، وإحكام السيطرة على بعض الكور التي دبت فيها الفتن حتى قبل تلقيه البيعة الخاصة (٩).

стр. 137

وهناك قرارات تتعلق بإدارة الدولة مثل إقرار أصحاب المناصب على مناصبهم أو عزلهم عنها (١)، وإسناد المناصب المهمة للأكفاء (٢)، إنشاء الخطط الجديدة في الدولة (٣)، وإنشاء بيت الوزراء وإلزامهم التجمع فيه (٤)، ومناقشتهم في أمور البلاد (٥)، ومراجعة حسابات الخزينة، (٦) وتكريس الخطط في أبناء أسر معينة (٧)، والإشراف على السياسة الخارجية للدولة، فباسمه تبرم المعاهدات الخاصة بالتحالفات التي تعقد مع الدول الأخرى (٨)، وهو الذي يختار مبعوثيه لإجراء المفاوضات إذا استلزم الأمر (٩)، كما أنه

стр. 138

يقوم بالجلوس لاستقبال الوفود الزائرة (١)، وكذلك يتفقد المنشآت العمرانية (٢)، ويمنح الألقاب (٣)، ويهتم بالبريد (٤). كما أن هناك قرارات تتعلق بالمرافق الدينية مثل: - توسيع جامع قرطبة، فقد حظي هذا الجامع باهتمام أمراء وخلفاء بني أمية، منذ أن أنشأه الأمير عبد الرحمن الداخل سنة (١٦٨) هـ (٧٨٥ م) حيث استمرت عملية الإضافة إليه طيلة عهدي الإمارة والخلافة وكانت آخر زيادة شهدها الجامع سنة (٣٧٧) هـ (٩٨٧ م) على يد الحاجب المنصور بن أبي عامر (٥)، ولم يقتصر الأمر على الاهتمام بجامع قرطبة، فقد أُنشأت الجوامع في كافة كور الأندلس (٦)، وتم إجراء الزيادة فيها (٧)، وإعمار ما تهدم منها (٨)، ولعل جامع العدبَّس بإشبيلية هو أشهر تلك الجوامع بعد جامع قرطبة (٩)، وقد بلغ من اهتمام الأمير هشام الرضا: ١٧٢ - (١٨٠) هـ

стр. 139

(٧٨٨ - (٧٩٦) م) بالمساجد وترغيب الناس في ارتيادها أنه كان "يصرِّر الصرر بالأموال في ليالي المطر والظلمة ويبعث بها إلى المساجد فيعطي من وجد فيها، يريد بذلك عمارة المساجد" (١). وهناك قرارات تدور حول الاهتمام بالرعية: منها إشاعة العدل في المجتمع، وذلك عندما ينصاع الأمير أو الخليفة لحكم القاضي وإن كان ضد رغبته (٢)، وإرسال أناس عدول يطوفون الكور والثغور يسألون الناس عن سير عمالهم وقضاتهم فيهم (٣)، وإقامة الحق علنا على من استوجبه منهم (٤)، وكذلك إنشاء مرافق الخدمة العامة مثل: بنيان قنطرة قرطبة (٥)، وقنطرة أخرى على نهر إستجه (٦)، وبناء المدن (٧)، وإذا استلزم الأمر إجراء

стр. 140

توسعة لإحدى الشوارع أو الأسواق وترتب على ذلك نزع بعض الأملاك، من حوانيت أو دور، فإن الحكومة تدفع لأربابها ما يرضيهم (١). وقد كان الفقراء والمحتاجون في قائمة اهتمامات أمراء وخلفاء بني أمية لذلك أنشئت دار للصدقة (٢)، وعادة ما يتم الإكثار من الصدقات على الفقراء والمحتاجين أوقات القحط (٣)، وعند دخول شهر رمضان (٤)، وتكون هذه الأموال من المال الخاص بالأمير أو الخليفة، كما تم اتخاذ المؤدبين لتعليم أولاد الضعفاء وإنشاء بعض المكاتب التي يتعلمون بها (٥)،

стр. 141

وأقيمت الأحباس لأجل ذلك (١)، ويجري في بعض الأحيان أداء الديون عن المعسرين بالإضافة إلى فداء الأسرى المسلمين (٢). وهناك أعمال انفرد بها بعض من تولى رئاسة دولة بني أمية في الأندلس، ولعل ذلك يعود إلى الظروف السياسية والاجتماعية التي واكبت توليه الرئاسة. فالأمير عبد الرحمن الأوسط: ٢٠٦ - (٢٣٨) هـ (٧٩٦ - (٨٢٢) م) بادر فور توليه الإمارة إلى إخراج الأموال وتفريقها على من حضر معه مواراة جثمان والده، ثم أمر بإسقاط المكوس، وقتل القومس المشرف عليها، وتشريد أهل الفساد وهدم أوكارهم (٣). كل هذه الأعمال قام بها الأمير عبد الرحمن الأوسط في محاولة جادة منه لفتح صفحة جديدة مع رعيته، وذلك لإزالة ما علق في نفوسهم بسبب ما جرى لهم في عهد والده (٤). وأما الأمير محمد بن عبد الرحمن ٢٣٨ - (٢٧٣) هـ (٨٥٢ ـ (٨٨٦) م) فإنه بمجرد تلقيه البيعة الخاصة أصدر قراره بترقية وكيله محمد بن موسى

стр. 142

الإشبيلي (١)، وعبد الرؤوف بن عبد السلام (٢) إلى منصب الوزارة (٣)، مكافأة لهما على مناصرتهما له ليلة دخوله قصر الإمارة بقرطبة عقب وفاة والده الأمير عبد الرحمن الأوسط (٤). وبعد أن بويع المنذر بن محمد بالإمارة: ٢٧٣ - (٢٧٥) هـ (٨٨٦ ـ (٨٨٨) م) عمل على كسب ولاء الجند، ففرق فيهم العطاء، وتحبب إلى الناس فأسقط عشر السنة عنهم وما يلزمهم من خراج ومعونة كما أمر بإطلاق سراح أهل السجون (٥). والأمير المنذر اضطر إلى القيام بهذا التصرف، لأنه استلم دولة تعاني من اندلاع حركات التمرد والعصيان في كافة أرجائها، فإذا أراد

стр. 143

مواجهتها بقوة، فعليه كسب ولاء الجند ليضمن إخلاصهم، ويتحبب إلى أهل قرطبة فيأمن اضطرابهم عليه (١). وعندما تولى عبد الله بن محمد الإمارة: ٢٧٥ - (٣٠٠) هـ (٨٨٨ - (٩١٢) م) كان الانتقاض قد تحيَّف الدولة، ولذا فإن في أول قرار أصدره أن أرسل أحد رجاله ليأخذ له البيعة من عمر بن حفصون ومن حوله (٢)، وأما الأمير عبد الرحمن بن محمد: ٣٠٠ - (٣٥٠) هـ (٩١٢ - (٩٦١) م) فإنه بمجرد أن تولى الإمارة، وجه اهتمامه لمعالجة الخلل الإداري في الدولة، فبادر إلى حصر جميع السلطات في يده، وأحدث تغييرات وزارية شاملة، فقد أصدر عدة مراسيم تقضي بتعيينات جديدة في خطط الحجابة والوزارة والمدينة والشرطة العليا والخزانة والعرض وخزانة السلاح وخطة البيازرة (٣)، عله بذلك يتمكن من ضبط الإدارة العليا للدولة، فينجح

стр. 144

بالتالي في معالجة الوضع المتردي الذي كانت تعيشه الدولة ككل في عهد جده. وفي عصر الفتنة الممتد من سنة ٣٩٩ - (٤٢٢) هـ (١٠٠٩ ـ (١٠٢١) م) اختفت القرارات التي تهتم بشئون الرعية، فقد كان جل اهتمام الخلفاء في تلك الفترة ينحصر بمحاولة إحكام سيطرتهم على البلاد، فالخليفة المهدي ٣٩٩ - (٤٠٠) هـ (١٠٠٩ م) بعد أن استولى على قرطبة كانت أوائل أعماله أنه أجلس بكرسي الشرطة ابن عمه محمد بن المغيرة، واتخذ من ابن عمه الآخر عبد الجبار حاجباً، ثم أجبر الخليفة هشام المؤيد على خلع نفسه والاعتراف به خليفة بدلاً عنه (١). وأما الخليفة سليمان المستعين بالله الذي تولى الخلافة يوم الثلاثاء (١٧) ربيع الأول سنة (٤٠٠) هـ (٩ نوفمبر (١٠٠٩) م) فإنه بعد أن استولى على قرطبة أصدر الكتب إلى كافة أقطار الأندلس تعلن خبر استيلائه عليها، وتميزت تلك الكتب بعبارات مشحونة بمعاني القوة، وصف فيها كيفية دخوله لها ومن معه من البربر وكان هدفه من انتقاء تلك العبارات إدخال الرهبة في قلوب أهل النواحي ليسمعوا ويطيعوا (٢)، كما بادر إلى تعيين العمال وتفريقهم على أماكن أعمالهم وولى الولايات (٣)، وعندما دخل علي بن حمود قصر قرطبة بادر إلى قتل سليمان المستعين وأخيه

стр. 145

وأبيهما (١) ثم استقبل المبايعين في باب السدة من قصر قرطبة واتخذ لقب الناصر لدين الله (٢) وذلك يوم الاثنين (٢٣) محرم (٤٠٧) هـ (يونيو (١٠١٦) م) وبعد قتل علي بن حمود بويع بالخلافة لأخيه القاسم يوم الثلاثاء الخامس من شهر ذي القعدة سنة (٤٠٨) هـ (٣) (٢٥ مارس (١٠١٨) م) فأصدر نداءاً أُعلن في أقطار البلد بأمان الأحمر والأسود وبراءة الذمة ممن تسوَّر على أحد (٤). وأما الخليفة الأموي الأخير هشام المعتد بالله ٤١٨ - (٤٢٢) هـ (١٠٢٧ - ١٠٣١) فإنه عندما دخل قصر قرطبة جلس في مجلس الخلافة بالقصر واستقبل المهنئين، ثم جلس للمظالم، وأصدر قراره بزيادة عدد قراء جامع قرطبة، كما زاد في رزق مشيخة الشورى (٥). ومن مظاهر ممارسة الأمير أو الخليفة الأموي في الأندلس للسلطان، موقفه من المكائد التي تقع داخل القصر أو خارجه، سواء وصل إليه الخبر بواسطة عيونه المبثوثة، أو تمكن من الوقوف على الأمر بنفسه ومن الأمثلة على ذلك:
следующие страницы →