← История

История · id 7331

نظم حكم الأمويين ورسومهم في الأندلس

سالم بن عبد الله الخلف

Полный текст (939 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وأقيمت الأحباس لأجل ذلك (١)، ويجري في بعض الأحيان أداء الديون عن المعسرين بالإضافة إلى فداء الأسرى المسلمين (٢). وهناك أعمال انفرد بها بعض من تولى رئاسة دولة بني أمية في الأندلس، ولعل ذلك يعود إلى الظروف السياسية والاجتماعية التي واكبت توليه الرئاسة. فالأمير عبد الرحمن الأوسط: ٢٠٦ - (٢٣٨) هـ (٧٩٦ - (٨٢٢) م) بادر فور توليه الإمارة إلى إخراج الأموال وتفريقها على من حضر معه مواراة جثمان والده، ثم أمر بإسقاط المكوس، وقتل القومس المشرف عليها، وتشريد أهل الفساد وهدم أوكارهم (٣). كل هذه الأعمال قام بها الأمير عبد الرحمن الأوسط في محاولة جادة منه لفتح صفحة جديدة مع رعيته، وذلك لإزالة ما علق في نفوسهم بسبب ما جرى لهم في عهد والده (٤). وأما الأمير محمد بن عبد الرحمن ٢٣٨ - (٢٧٣) هـ (٨٥٢ ـ (٨٨٦) م) فإنه بمجرد تلقيه البيعة الخاصة أصدر قراره بترقية وكيله محمد بن موسى

стр. 142

الإشبيلي (١)، وعبد الرؤوف بن عبد السلام (٢) إلى منصب الوزارة (٣)، مكافأة لهما على مناصرتهما له ليلة دخوله قصر الإمارة بقرطبة عقب وفاة والده الأمير عبد الرحمن الأوسط (٤). وبعد أن بويع المنذر بن محمد بالإمارة: ٢٧٣ - (٢٧٥) هـ (٨٨٦ ـ (٨٨٨) م) عمل على كسب ولاء الجند، ففرق فيهم العطاء، وتحبب إلى الناس فأسقط عشر السنة عنهم وما يلزمهم من خراج ومعونة كما أمر بإطلاق سراح أهل السجون (٥). والأمير المنذر اضطر إلى القيام بهذا التصرف، لأنه استلم دولة تعاني من اندلاع حركات التمرد والعصيان في كافة أرجائها، فإذا أراد

стр. 143

مواجهتها بقوة، فعليه كسب ولاء الجند ليضمن إخلاصهم، ويتحبب إلى أهل قرطبة فيأمن اضطرابهم عليه (١). وعندما تولى عبد الله بن محمد الإمارة: ٢٧٥ - (٣٠٠) هـ (٨٨٨ - (٩١٢) م) كان الانتقاض قد تحيَّف الدولة، ولذا فإن في أول قرار أصدره أن أرسل أحد رجاله ليأخذ له البيعة من عمر بن حفصون ومن حوله (٢)، وأما الأمير عبد الرحمن بن محمد: ٣٠٠ - (٣٥٠) هـ (٩١٢ - (٩٦١) م) فإنه بمجرد أن تولى الإمارة، وجه اهتمامه لمعالجة الخلل الإداري في الدولة، فبادر إلى حصر جميع السلطات في يده، وأحدث تغييرات وزارية شاملة، فقد أصدر عدة مراسيم تقضي بتعيينات جديدة في خطط الحجابة والوزارة والمدينة والشرطة العليا والخزانة والعرض وخزانة السلاح وخطة البيازرة (٣)، عله بذلك يتمكن من ضبط الإدارة العليا للدولة، فينجح

стр. 144

بالتالي في معالجة الوضع المتردي الذي كانت تعيشه الدولة ككل في عهد جده. وفي عصر الفتنة الممتد من سنة ٣٩٩ - (٤٢٢) هـ (١٠٠٩ ـ (١٠٢١) م) اختفت القرارات التي تهتم بشئون الرعية، فقد كان جل اهتمام الخلفاء في تلك الفترة ينحصر بمحاولة إحكام سيطرتهم على البلاد، فالخليفة المهدي ٣٩٩ - (٤٠٠) هـ (١٠٠٩ م) بعد أن استولى على قرطبة كانت أوائل أعماله أنه أجلس بكرسي الشرطة ابن عمه محمد بن المغيرة، واتخذ من ابن عمه الآخر عبد الجبار حاجباً، ثم أجبر الخليفة هشام المؤيد على خلع نفسه والاعتراف به خليفة بدلاً عنه (١). وأما الخليفة سليمان المستعين بالله الذي تولى الخلافة يوم الثلاثاء (١٧) ربيع الأول سنة (٤٠٠) هـ (٩ نوفمبر (١٠٠٩) م) فإنه بعد أن استولى على قرطبة أصدر الكتب إلى كافة أقطار الأندلس تعلن خبر استيلائه عليها، وتميزت تلك الكتب بعبارات مشحونة بمعاني القوة، وصف فيها كيفية دخوله لها ومن معه من البربر وكان هدفه من انتقاء تلك العبارات إدخال الرهبة في قلوب أهل النواحي ليسمعوا ويطيعوا (٢)، كما بادر إلى تعيين العمال وتفريقهم على أماكن أعمالهم وولى الولايات (٣)، وعندما دخل علي بن حمود قصر قرطبة بادر إلى قتل سليمان المستعين وأخيه

стр. 145

وأبيهما (١) ثم استقبل المبايعين في باب السدة من قصر قرطبة واتخذ لقب الناصر لدين الله (٢) وذلك يوم الاثنين (٢٣) محرم (٤٠٧) هـ (يونيو (١٠١٦) م) وبعد قتل علي بن حمود بويع بالخلافة لأخيه القاسم يوم الثلاثاء الخامس من شهر ذي القعدة سنة (٤٠٨) هـ (٣) (٢٥ مارس (١٠١٨) م) فأصدر نداءاً أُعلن في أقطار البلد بأمان الأحمر والأسود وبراءة الذمة ممن تسوَّر على أحد (٤). وأما الخليفة الأموي الأخير هشام المعتد بالله ٤١٨ - (٤٢٢) هـ (١٠٢٧ - ١٠٣١) فإنه عندما دخل قصر قرطبة جلس في مجلس الخلافة بالقصر واستقبل المهنئين، ثم جلس للمظالم، وأصدر قراره بزيادة عدد قراء جامع قرطبة، كما زاد في رزق مشيخة الشورى (٥). ومن مظاهر ممارسة الأمير أو الخليفة الأموي في الأندلس للسلطان، موقفه من المكائد التي تقع داخل القصر أو خارجه، سواء وصل إليه الخبر بواسطة عيونه المبثوثة، أو تمكن من الوقوف على الأمر بنفسه ومن الأمثلة على ذلك:

стр. 146

أنه عندما فشلت طروب (١)، ومعها الفتى الكبير نصر الخصي (٢) مدبر دولة الأمير عبد الرحمن الأوسط في تقديم عبد الله بن الأمير عبد الرحمن الأوسط لتولي منصب ولاية العهد دون أخيه الأسن منه محمد (٣)، عمل نصر الخصي على اغتيال مولاه الأمير عبد الرحمن الأوسط بواسطة سم مركب أعده الطبيب يونس الحراني (٤) الذي أخبر بدوره

стр. 147

فجر (١) جارية الأمير عبد الرحمن الأوسط وضرة طروب، فكانت النتيجة هلاك الخصي بالسم الذي أعده الطبيب الحراني (٢). ومن المكائد والسعايات التي جرت خارج القصر، ماوقع من بعض فقهاء قرطبة ضد بقي بن مخلد (٣) في صدر دولة الأمير محمد بن عبد الرحمن، الذي ما إن رفعت القضية إليه حتى سارع إلى الجمع بين بقي وبين أولئك الفقهاء في مجلسه وسمع من الطرفين أقوالهما، وعندما أدرك أن الحق مع بقي منعهم من النيل منه، وأمره بنشر علمه وأن يكون ضمن الفقهاء الداخلين عليه (٤). وعندما حاول الوزير هاشم بن عبد العزيز الإيقاع من خلال السعايات والدسائس بأحد خدم الأمير محمد بن عبد الرحمن، بل إن

стр. 148

الأخير عندما استشار وزيره هاشماً بأمر ذلك الخادم طالبه بالتنكيل به وتشريده، فما كان من الأمير إلا أن أطلع وزيره على ضبارة كتب تحوي ما يقرب من مائة ورقة كلها ضد الوزير وكل واحد منها تكفي لسفك دمه، فأسقط في يد الوزير، وأخذ بالتنصل مما كتب ضده وقدم المعاذير ملقياً باللائمة على الحساد وطالب الأمير بالتثبت وعدم التسرع، فأخبره الأمير أن التسرع ليس من شيمته، وأنه قد اختبر تلك الكتب فوجد أكثرها كاذبة، ورغم ذلك فلهم مكافآت على ما يقدمونه من معلومات (١) ثم طالبه الأمير ببقاء أسماء أصحاب تلك الكتب سرية وتهدده بعقوبة شديدة إن خرج من تلك الأسماء شيء (٢). ومن المكائد التي فطن لها الأمير محمد بن عبد الرحمن ما قام به وزيره هاشم بن عبد العزيز عندما عمل على رد أموال الكاتب صاحب القلم الأعلى قومس بن أنتنيان (٣) إلى بيت مال المسلمين، وعدم تقسيمها بين ورثته، متهماً إياه بأنه قد مات على النصرانية، وقد وردت على القاضي

стр. 149

سليمان بن أسود (١) شهادات كثيرة كلها تذكر أن قومس قد مات على النصرانية وعندما رفع القاضي تلك الشهادات للأمير محمد، لم يتصفحها بل أرسل أحد فتيانه إلى القاضي ليسأله عما ثبت لديه في قضية ابن انتنيان، فأثنى القاضي على قومس وطعن في الشهادات المرفوعة ضده (٢)، " فخرج التوقيع إلى القاضي اقسم مال قومس بين ورثته" (٣). هذا وقد اهتم بنو أمية في الأندلس كثيراً بالتعرف على أحوال رعاياهم ووصول الأخبار إليهم أولاً بأول، بواسطة العيون والأرصاد، لوضع الحلول سرعة وصول خبر وفاة القاضي المصعب بن عمران (٤) للأمير الحكم

стр. 150

الربضي (١)، وكذلك موقف الأمير الحكم الربضي من القاضي محمد بن بشير (٢) عندما رفض استقبال العباس بن عبد الله المرواني القرشي (٣) في منزله (٤). وهذا الأمير محمد بن عبد الرحمن كان من بين عيونه الذين يكتمون السر ويثق بهم شرحبيل الزامر الذي بسببه اعترف الوزير هاشم بن عبد العزيز باغتصابه لضيعة أحدهم (٥). وأما الخليفة عبد الرحمن الناصر فإنه من شدة اهتمامه بشؤون دولته ومصالح رعيته كان له من يأتيه بخبر كل صغيرة وكبيرة مما يجري في مواطن اجتماع الناس، فقد جند أناس كثر، حازوا ثقة الآخرين وهم ينقلون إليه ما يدور في المجالس والأسواق، فكأن الخليفة بينهم (٦)، وهذا

стр. 151

الخليفة الحكم أوصلت له عيونه خبر تجاوزات جرت من بعض العمال، فأرسل إلى جميع عماله في كور الأندلس "يعنفهم على جرأتهم ويحذرهم من سطوته وعقوبته" (١). وأما الحركات التي كانت تدبر ضد الحكم الأموي، فقد قابلها أمراء وخلفاء بني أمية بالحزم والشدة. من ذلك أن مغيرة بن الوليد بن معاوية (٢)، عمل على تدبير حركة ضد الأمير عبد الرحمن الداخل، وساعده على ذلك هذيل بن الصميل بن حاتم وغيره، وعندما وصل الخبر إلى الأمير عبد الرحمن الداخل أمر بإلقاء القبض على مغيرة وهذيل ومن معهما، وبعد أن أوضح التحقيق صحة ما نُسب إليهم، قتلوا جميعاً، وذلك سنة ١٦٨ هـ (٧٨٤ - ٧٨٥ م) (٣). وأما الأمير الحكم الربضي فإنه عندما أبلغه أحدهم بأن حركة ستهب ضده في قرطبة لم يتسرع بقبول الخبر، بل اتهم المخبر فيما رفعه إليه، ثم توعده بضرب عنقه إن لم يقم دليلاً قاطعاً على ذلك (٤)، وتكررت حكمة التريث في قبول ما يخطط له من عصيان مع الأمير عبد الله بن محمد

стр. 152

في شان أخيه القاسم (١)، وكذلك مع الخليفة عبد الرحمن الناصر في شأن ولده عبد الله (٢). ومن أساليب ممارسة الأمير أو الخليفة الأموي في الأندلس للسلطان، تعامله مع بعض المناوئين، فقد وضع الأمير عبد الرحمن الداخل سياسة ذات أبعاد في التعامل مع من يشك في إخلاصه من رجال الدولة. وكانت هذه السياسة نبراساً لمن أتى بعده من سلالته أمراء وخلفاء، كانت هذه السياسة تقوم على إخضاع ذوي الشوكة ثم نقلهم ومعهم أهلهم وذووهم إلى العاصمة قرطبة، وقد بدأ الأمير عبد الرحمن الداخل العمل بهذه السياسة منذ الأيام الأولى لإمارته، فبعد أن صالحه يوسف الفهري والصميل على أن يمنحهما ومن سواهما الأمان لهم ولأموالهم، واستجاب الداخل لطلبهما

стр. 153

بعد أن قبلا بشروطه عليهما، أقبل إلى قرطبة وهما بصحبته وذلك سنة (١٣٩) هـ (١) (٧٥٧). ولعل الغرض من هذه السياسة، تسهيل مراقبة من يخشى جانبه، واتقاء شره عندما ينقل إلى قرطبة، وذلك للحيلولة دون اندلاع الفتن في المجتمع، ولكي تصبح الرعية أمة واحدة ومطمئنة (٢). وهناك هدف آخر تحرص حكومة قرطبة على تحقيقه، وهو عسى أن تكتشف تلك الفئات المنقولة إلى قرطبة مدى حرص الأمويين على حسن سير السياسة العامة للدولة، فتكف من تلقاء نفسها عن معاداتها، بالإضافة إلى أن تلك الفئات تصبح قريبة من العطاء المقدم من ديوان بيت المال الذي يهدف منه تأليف القلوب. كما أن حكومة قرطبة تسعى إلى إشعار أولئك المنقولين إلى العاصمة بمكانتهم، ولذا فإنهم يكونون في مقدمة المدعوين إلى الاحتفالات التي تقيمها السلطة المركزية، ولذلك يشعرون بإكرام الدولة لهم، هذا الوضع بصفة عامة يمكنِّ أولاد المنقولين إلى قرطبة من التقرب من أولاد الأمويين، فيذوب ما في نفوس أولئك

стр. 154

المناوئين، وبالتالي يصبح ذلك المناوئ سابقاً من بين ثقات الأمير (١) وحشم الخليفة (٢). ومما رسمه الأمير عبد الرحمن الداخل لأحفاده من بعده في التعامل مع المعارضين للبيت الأموي، فرض الإقامة الجبرية على بعضهم أياً كان محل إقامته دون نقله إلى قرطبة، فالأمير الداخل ألزم مولاه بدراً (٣) الإقامة في داره ومنعه من مغادرتها بعد أن أكثر من الدلال عليه (٤)، وكذلك الخليفة الحكم المستنصر فرض على أحمد بن هاشم الإقامة الجبرية في داره تأديباً له عندما بلغه عنه ما يسؤوه (٥). ومن الأساليب التي سار عليها بنو أمية في الأندلس عند التعامل مع بعض المعارضين الخارجين على الدولة، استخدام الإيقاع بين الأطراف المعارضة، وهذا ما سار عليه الأمير عبد الرحمن الداخل عند مواجهته

стр. 155

للبربر (١)، وأخذ بهذا الأسلوب أيضاً الأمير عبد الله بن محمد ضد إبراهيم بن حجاج وابن خلدون (٢)، وهناك عنصر المفاجأة، وهو ما استخدمه الأمير الحكم الربضي مع أحد العصاة (٣)، وفي أحيان أخرى يعمد الأمير الأموي إلى إقطاع المعارض مكاناً معيناً اتقاءاً لشره، ولنيل طاعته، ومثل ذلك ما فعله الأمير محمد بن عبد الرحمن مع ابن مروان عندما أقطعه بطليوس (٤)، وكذلك الأمير عبد الله بن محمد مع إبراهيم بن حجاج عند تغلبه على اشبيلية (٥). وعرفت حكومة قرطبة أسلوب الاغتيال، نجد ذلك عند الأمير عبد الله بن محمد الذي كتب سراً إلى أبي يحيى بن عبد الرحمن التجيبي

стр. 156

السرقسطي يأمره بالفتك بأحمد بن البراء (١)، كما استخدم طريق الاستمالة والمهادنة مع سوار بن حمدون المحاربي (٢)، وهذه السياسة سار عليها الخليفة عبد الرحمن الناصر مع محمد بن إبراهيم بن حجاج فقد رفعه إلى منصب الوزارة بعد نقله من قرمونة (٣) إلى قرطبة (٤). ومن هذا يتضح لنا المنهج الذي سار عليه الأمويون في الأندلس عند معالجة الأحداث الطارئة، فرغم استخدامهم العيون التي ترفع إليهم كل

стр. 157

ما يجري في المجتمع، إلا أنهم امتازوا بعدم التسرع، فكل خبر يرفع إليهم يعملون على كشفه والتأكد منه، فإذا ثبتت صحته عالجوا ما يمكن معالجته بالصفح والمصالحة أو التأديب الذي لايتلف الروح، هذا إذا كان الأمر لايتعلق بالتآمر على السلطة وأمن الرعية، أما إذا وصل الحال إلى هذه الدرجة، فالموت مصير من يعبث بهذا الجانب. الألقاب من مظاهر سلطان حاكم الدولة الأموية في الأندلس اتخاذ الألقاب ومنحها (١)، وبما أن دولة بني أمية في الأندلس قد مرت بعصري الإمارة والخلافة، لذا فإن الألقاب ارتبطت بالحالة السياسية للدولة. ففي عصر الإمارة نجد أن الأمير عبد الرحمن بن معاوية قد أُطلقت عليه عدة ألقاب، أشهرها: الداخل (٢)، لأنه أول من دخل الأندلس حاكماً

стр. 158

من بني أمية، كما لقب بـ" الإمام" (١) و"ابن الخلائف" (٢) ونودي بـ"سلطان الأندلس" (٣) و"الأول" (٤) لأنه أول من حمل اسم عبد الرحمن من حكام بني أمية في الأندلس. ومن الألقاب التي أطلقت على الأمير عبد الرحمن بن معاوية "صقر قريش" (٥)، و"صقر بني أمية" (٦)، ولُقِّب بـ"الأمير الكريم والملك العظيم" (٧). كما عرف ابنه الأمير هشام بـ"الرضا" وقد ذكر ابن حزم أنه لم يتلقب من بني أمية في الأندلس بهذا اللقب إلا هشام بن عبد الرحمن الداخل، فقد كان يقال له: هشام الرضا (٨)، وذكر ابن الآبار أن هشاماً

стр. 159

سمي بـ"الرضا لعدله وفضله (١) " ويبدو أن هذا اللقب قد أطلق عليه في فترة لاحقة، إذ أن المصادر المتقدمة لم تورده إطلاقاً (٢). وكان الأمير الحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل معروفاً بلقب "الربضي (٣) " وهذا اللقب لم يطلق عليه إلا في أواخر عهده وذلك بسبب ما فعله بأهل الربض عند قيامهم ضده في يوم الأربعاء الثالث عشر من شهر رمضان سنة (٢٠٢) هـ (٤) (٢٦ مارس (٨١٨) م). ولم يُعرف الأمير عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بلقب معين، والمصادر التاريخية المبكرة خلت من ذكر لما يمكن أن يكون لقباً له، إلا أن المصادر التاريخية التالية أطلقت عليه لقب "الأوسط" ومن الطبيعي أن هذا اللقب لا يمكن أن يتم إطلاقه إلا بعد القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي) أي بعد زوال دولة بني أمية. ولعل هذا الرأي يوضحه بعض المؤرخين أثناء حديثه عن الأمير عبد الرحمن حيث قال: "ويعرف الأمير

стр. 160

عبد الرحمن بالأوسط، لأن الأول عبد الرحمن الداخل والثالث عبد الرحمن الناصر (١) ". لكن إذا كان الأمير عبد الرحمن بن الحكم لم يُعرف بلقب على المستوى الرسمي فإن العامة أطلقت عليه لقباً استوحته من كلفه بصيد الغرانيق فقد أطلقوا مثلاً أصبح شائعاً فقالوا: "أيام أبو الغرانيق" (٢). وقد عُرف الأمير محمد بن عبد الرحمن بلقب "الأمين" (٣) في حين أن ابنيه المنذر وعبد الله لم يعُرفا بلقب معين. هذه هي ألقاب بني أمية في الأندلس فمنذ قيام دولتهم سنة (١٣٨) هـ (٧٥٥ م) إلى سنة (٣١٦) هـ (٩٢٨ م) كان كل حاكم منهم يطلق عليه لقب "أمير" الذي يعني في اللغة الأمر والتسلط (٤)، كما كان يطلق عليه لقب "الإمام" (٥) الذي يعني القدوة (٦).

стр. 161

وقد شهد عصر عبد الرحمن بن محمد ٣٠٠ - (٣٥٠) هـ (٩٦١ ـ (٩٧٦) م) تغيراً جذرياً في سياسة الدولة الأموية، حيث تم في عهده إعلان قيام الخلافة الأموية في الأندلس، ففي يوم الخميس مستهل ذي الحجة سنة (٣١٦) هـ (١٥ يناير (٩٢٩) م) أصدر الأمير عبد الرحمن بن محمد كتاباً وزعت نسخه على عمال الكور وقادة الثغور في الأندلس ليعتمد الجميع مخاطبته بأمير المؤمنين، جاء فيه: - "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد، فإنَّا أحقُ من استوفى حقه، وأجدر من استكمل حظه، ولبس من كرامة الله ما ألبسه، للذي فضلنا الله به وأظهر أثرتنا فيه، ورفع سلطاننا إليه، ويسَّر على أيدينا إدراكه، وسهَّل بدولتنا مرامه، وللذي أشاد في الآفاق من ذكرنا وعلوّ أمرنا، وأعلن من رجاء العاملين بنا، وأعاد انحرافهم إلينا، واستبشارهم بدولتنا، والحمد لله ولي النعمة والإنعام بما أنعم به، وأهل الفضل بما تفضل علينا فيه، وقد رأينا أن تكون الدعوة لنا بأمير المؤمنين وخروج الكتب عنا، وورودها علينا بذلك، إذ كل مدعو بهذا اللقب غيرنا منتحل له، ودخيل فيه، ومتسم بما لا يستحقه، وعلمنا أن التمادي على ترك الواجب لنا من ذلك حق أضعناه، واسم ثابت أسقطناه، فأمر الخطيب بموضعك أن يقول به، وأجر مخاطباتك لنا عليه، إن شاء الله والله المستعان" (١).

стр. 162

وفي يوم الجمعة ثاني ذي الحجة دعا قاضي الجماعة بقرطبة الفقيه أحمد بن بقي بن مخلد (١) لعبد الرحمن بن محمد بإمرة المؤمنين (٢)، ولأجل إظهار الفرق بينه وبين من دونه واستكمالاً لمظاهر الفخامة، أصدر الخليفة عبد الرحمن الناصر سنة (٣١٧) هـ (٩٢٩ م) أمراً يقضي "بأن يكون الخطاب الموجه إليه كله جواباً بالكتابة عنه بالهاء دون الكاف وأن تخرج كتبه بالخبر عن مخاطبته تعظيماً لقدره" (٣). وقبل أن ننتقل من هذه المسألة إلى غيرها، لابد من مناقشة الدوافع التي كانت وراء إعلان عبد الرحمن الناصر عن قيام الخلافة الأموية في الأندلس، فابن عذاري ذكر أنه كان يرى في نفسه أنه أحق بهذا الاسم "من كل منتخب في المشرق والمغرب" (٤). فهو سليل خلفاء، حقيق بحمل ما كان لهم من الألقاب.

стр. 163

بينما يرى ابن الأثير (١) وابن الآبار (٢) وابن خلدون (٣) أن ضعف الخلافة العباسية في المشرق، وتسلط الأتراك على خلفائها (٤) وقيام الخلافة العبيدية في القيروان (٥)، كان سبباً في إعلان الأمير عبد الرحمن بن محمد للخلافة في الأندلس، ويضيف ابن الخطيب إلى ما سبق قيام عدد من الدويلات في مشرق الدولة العباسية (٦)، ولعل صاحب "الحلل الموشية" قد

стр. 164

انفرد بتعليل ربما لم يذكره مؤرخ قبله، فقد أشار إلى أن الأندلسيين هم الذين أطلقوا على الأمير عبد الرحمن بن محمد لقب "أمير المؤمنين والناصر لدين الله" فكأن إعلانه للخلافة كان استجابة لهم، وفي هذا يقول المؤرخ المجهول: "وربما كان بعض أولي التحصيل والتأمل من الناس سموه بهذا الاسم قبل أن يتسمى به هو، وخاطبه به كثير من خاصتهم في كتبهم وأشعارهم، فكثر ذلك عليه، ووافاه من كل ثنية، وجاءه من كل ناحية، حتى اضطره إلى حمله، وحاجوه أن يكون باخساً لنفسه في رفضه، وهونوا عليه مخالفة آبائه في اقتصارهم على سواه، واستشهدوا بما فهمه الله سليمان في الحكمة دون والده، عليهما الصلاة والسلام" (١). وإذا استعرضنا الأقوال السابقة، نجد أنها تحمل عدة آراء، هي: ضعف الخلافة العباسية، وظهور الدويلات في المشرق، وقيام الدولة العبيدية، وأخيراً استجابة الأمير عبد الرحمن بن محمد لطلب الأندلسيين بإعلان الخلافة.

стр. 165

ولعل بالإمكان تجاوز كل هذه الآراء، إلا ما يتعلق بالدولة العبيدية، فالخلافة العباسية كانت واقعة تحت تسلط الأتراك قبل الإعلان عن القيام الخلافة الأموية في الأندلس بأكثر من ثلثي قرن، حيث كان الأتراك يتدخلون في تعيين الخلفاء، وأصبحت إدارة الدولة في أيديهم منذ أواسط القرن الثالث وحتى أوائل القرن الرابع الهجري (التاسع والعاشر الميلاديين (١)). وأما ظهور الدويلات في المشرق فقد ابتدأ منذ مطلع القرن الثالث الهجري (٢)، في حين أن المغرب والشمال الأفريقي شهدا انفصالاً مبكراً عن الخلافة العباسية، وذلك عندما تمكن عدد من الزعماء من إنشاء إمارات خاصة بهم استقلوا بها عن العباسين (٣).

стр. 166

وأما مسألة استجابة الأمير الأموي عبد الرحمن بن محمد لطلب الأندلسين باتخاذ لقب الخلافة، فأمر يحتاج إلى وقفة، إذ من الممكن أن يكون عبد الرحمن هو الذي بث في أوساط الناس من يناديه بالخلافة ويطالبه باتخاذ ألقابها، وبالتالي يصبح تسميه بالخلافة كأنه استجابة لطلب رعيته. وإذا صح ما ذهبنا إليه، فإنه لا يصمد أمام البحث إلا ما يتعلق بالدولة العبيدية وبناء عليه: يمكن القول بأن هذه التغيرات التي شهدتها البلاد الإسلامية، إضافة إلى رؤية العبيدين للشمال الأفريقي قاطبة وما يليه من بلاد الأندلس على أنه مجال حيوي لدولتهم، فضلاً عن حملهم للواء التشيع، وإذا وضعنا في الحسبان ما كانت عليه الإمارة الأموية في الأندلس في أواخر القرن الثالث الهجري، ومن ثم سيطرة عبد الرحمن الناصر على كافة العصاة والخارجين على دولته، وحده من نفوذ النصارى في الشمال وإرهاقهم بالغزوات المتتالية. كل هذه الأمور مجتمعة دفعت عبد الرحمن الناصر إلى التفكير في إحداث نقلة معنوية كبيرة لدولته، وذلك لأهمية

стр. 167

الخلافة في نفوس المسلمين، التي تستوجب الطاعة من الرعية لما لها من شرف وارتباط بخلافة رسول الله ﷺ ، فأعلن عن قيام الخلافة في بلاده، وتسمى بأمير المؤمنين وتلقب بالناصر لدين الله. واهتمام الخليفة عبد الرحمن الناصر ببناء مدينة الزهراء، كان نتاجاً طبيعياً لإعلانه عن قيام الخلافة، وذلك لأن قصر الخلافة بقرطبة كان قديم البناء، رغم التجديدات والإضافات التي أدخلها أمراء بني أمية عليه (١)، إذ لم يعد يتسع لحاشية الخليفة ولا يتناسب مع الرقي المادي الذي كانت تعيشه الدولة آنذاك. وفضلاً عن ذلك كله، فإن موقع القصر أصبح في وسط المدينة تقريباً، وفي أكثر مناطقها ازدحاماً، إذ لا يفصله عن المسجد الجامع إلا بضع خطوات، كما أنه قريب من الحي التجاري، ومجاور لباب القنطرة القائمة على الوادي الكبير، وهو أكبر أبواب قرطبة (٢). وهذه الأماكن شديدة الازدحام بطبيعتها، لأنها ملتقي الجميع، فالخليفة في هذه الحالة يعتبر معايشاً للعامة، ومن هناك أصبح بناء مدينة الزهراء أمراً ضرورياً، لاكتمال الفخامة من جهة، وللبعد عن ضوضاء العامة من جهة أخرى، وكذلك لعدم مضايقته للناس بموكبه الضخم عند

стр. 168

خروجه من القصر أو الدخول إليه، فضلاً عن تأمين أقصى درجات السلامة له وللوفود الزائرة. وأما من ناحية الألقاب، فلم يقتصر الخليفة عبد الرحمن الناصر على لقب "الناصر لدين الله" فقد اتخذ لقباً آخر كما يذكر ابن حزم هو "القائم لله (١) " وهناك نسخة أخرى أشار إليها محقق كتاب نقط العروس تفيد بأن الخليفة عبد الرحمن الناصر قد أغفل استخدام لقب القائم (٢)، ولم يجمع بينهما إلا في رسالة قد بعث بها إلى قسطنطين ملك الروم، إلا أن ابن حزم عاد في موضع آخر وذكر أنه اطلع على أكثر من خمسين كتاباً كتبها الخليفة عبد الرحمن الناصر كلها تحمل اللقبين معاً (٣). وأما طريقة ترتيب ألقاب عبد الرحمن الناصر فقد كانت تأتي على التسلسل التالي" عبد الله (٤) " متبوعاً باسمه الشخصي ومن ثم لقبه وأخيراً

стр. 169

لقب أمير المؤمنين، فأصبحت الكتب الصادرة منه معنونة "من عبد الله عبد الرحمن الناصر لدين الله القائم لله أمير المؤمنين إلى فلان بن فلان" (١). وقد جرى من أتى بعد الخليفة عبد الرحمن الناصر على اتخاذ اللقب المركب المكون من مقطعين، المقطع الثاني اسم الجلالة "الله" فالخليفة الحكم بن عبد الرحمن الناصر اتخذ لقب "المستنصر بالله" في حين أن ابنه هشام تلقب بـ"المؤيد بالله" وعندما فرض سليمان بن الحكم سلطة على قرطبة اتخذ لقب "المستعين بالله". وفي الفترة التي تولى فيها الحموديون الخلافة في قرطبة، تلقب أولهم على بن حمود الحسيني بـ"الناصر لدين الله" وابنه يحيى بـ"المعتلي بالله (٢) " وعندما استعاد الأمويون سلطتهم على الخلافة مرة أخرى تلقب عبد الرحمن بن هشام بـ"المستظهر بالله" وجاء بعده محمد بن عبد الرحمن فتلقب بـ"المستكفي بالله" وآخر خليفة أموي وهو هشام بن محمد كان لقبه "المعتد بالله" (٣). ولعل لكل واحد من هذه الألقاب دلالة خاصة، فالمستنصر والمستعين والمعتلي والمستظهر والمستكفي والمعتد بالله كلها ذات دلالة واحدة وهي أن حاملها يطلب التأييد والعزة من الله تعالى، وأنه جل وعلا

стр. 170

كافيه عمن سواه، وأما "المؤيد بالله" فهو من الألقاب التي تشير إلى تقوى الملقب إذ أنه مؤيد من السماء يأتيه النصر من عند الله تعالى (١). وهنا لابد من القول أن هذه الألقاب ماعدا لقبي الخليفتين عبد الرحمن الناصر وابنه الحكم المستنصر، كلها لا أثر لها في الدولة الأموية في الأندلس، يدل على هذا أنه منذ أن توفي الخليفة الحكم المستنصر بالله سنة (٣٦٦) هـ (٩٧٦ م) يمكن القول بأن دور الخليفة قد انتهى، فمنذ ذلك التاريخ إلى سنة (٣٩٩) هـ (١٠٠٩) كانت الخلافة التي يمثلها الخليفة هشام المؤيد تحت سيطرة العامريين المنصور وولديه عبد الملك وعبد الرحمن، ومن بعد ذلك بدأت الفتنة التي استمرت حتى سقوط الدولة الأموية سنة (٤٢٢) هـ (١٠٣١ م) وطيلة هذه الفترة التي استمرت قرابة ثلاثة وعشرين عاماً، تعاقب على الخلافة تسعة خلفاء وبعضهم تولى أكثر من مرة، الأمر الذي يعطي دلالة أكيدة على مدى الاضطراب الذي كانت تعانيه الخلافة الأموية في آخر عمرها في الأندلس، والفوضى السائدة في البلاد بصورة عامة مما أدى إلى سقوطها وقيام حكم دويلات الطوائف. هذا، وقد استخدم أمراء بني أمية في الأندلس لقب "أمير" في النقش على المنشآت العامة، فعندما أتم الأمير عبد الرحمن بن الحكم زيادته في جامع قرطبة في جمادى الأولى سنة (٢٣٤) هـ (ديسمبر ٨٤٨) (٢) نقش على أحد التيجان عبارة "بسم الله بركة للأمير عبد الرحمن بن الحكم أعزه

стр. 171

الله" (١). وعندما أنجز الأمير محمد بن عبد الرحمن إتمام الزيادة التي بدأها والده في جامع قرطبة (٢)، وُجد نقش على عقد أحد أبوابه جاء فيه "أمر الأمير أكرمه الله محمد بن عبد الرحمن ببنيان ما حكم به من هذا المسجد وإتقانه رجاء ثواب الله عليه وذخره به، فتم ذلك سنة إحدى وأربعين ومائتين على بركة الله وعونه" (٣). وكذلك فعل الخليفة عبد الرحمن الناصر فقد نقش اسمه ولقب أمير المؤمنين ولقبه الخاص على لوحة تذكارية عند إقامته لجدار جديد دعَّم به الواجهة القديمة التي أنشأها جده الأمير عبد الرحمن الداخل، فقد نقشت لوحة بهذه المناسبة وذلك في شهر ذي الحجة سنة (٣٤٦) هـ (مارس (٩٥٨) م) جاء فيها: "بسم الله الرحمن الرحيم، أمر عبد الله عبد الرحمن أمير المؤمنين الناصر لدين الله، أطال الله بقاه، ببنيان هذا الوجه وإحكام إتقانه، تعظيماً لشعائر الله، ومحافظة على حرمة بيوته، التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، ولما دعاه على ذلك من تقبل عظيم الأجر وجزيل الذخر، مع بقا شرف الأثر وحسن الذكر، فتم ذلك بعون الله، في شهر

стр. 172

ذي الحجة سنة ست وأربعين وثلث مائة، على يد مولاه ووزيره وصاحب مبانيه عبد الله بن بدر، عمل سعيد بن أيوب" (١). وهناك نقش في عهد الخليفة الحكم المستنصر بالله، جاء مفتتحاً بلقب الإمام، ثم اللقب الخاص بالخليفة الحكم، ثم لقب عبد الله، ومن بعده الاسم الشخصي للخليفة، وأخيراً لقب أمير المؤمنين، ففي أحد النقوش في المسجد الجامع بقرطبة، نص جاء فيه: "أمر الإمام المستنصر بالله الحكم أمير المؤمنين أصلحه الله، فيما شيَّد من هذا المحراب بكسوته بالرخام داخله، في جزيل النور وكريم المنار، فتم ذلك على يدي مولاه وحاجبه جعفر بن عبد الرحمن ﵁ بنظر محمد بن تمليخ وأحمد بن ناصر وخالد بن هاشم أصحاب شرطته ومطرف بن عبد الرحمن الكاتب، في شهر ذي الحجة من سنة أربع وخمسين وثلث ماية ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ (٢). كما كانت أسماء الأمراء والخلفاء الأمويين تنقش على الدراهم الفضية والدنانير الذهبية (٣).

стр. 173

كذلك حرص أمراء وخلفاء بني أمية على إثبات بعض ألقابهم في الكتب الرسمية الصادرة من قبلهم، فالخليفة عبد الرحمن الناصر عندما عقد الأمان لمحمد بن هاشم التجيبي (١) ومن معه من أهل سرقسطة في أواخر شهر ذي الحجة سنة (٣٢٥) هـ (أكتوبر (٩٣٧) م) استخدم اللقب الخاص به، الناصر لدين الله، بالإضافة إلى لقب أمير المؤمنين (٢). وعندما بعث برسالته إلى الإمبراطور البيزنطي قسطنطين (٣)، كان الكتاب يحمل اسم عبد الله قبل الاسم الشخصي للخليفة، ثم اللقبين الخاصين به معاً، وأخيراً لقب أمير المؤمنين، جاء فيه: "من عبد الله الناصر لدين الله القائم لله أمير المؤمنين" (٤).

стр. 174

وعلى نفس الصورة كتب الخليفة الحكم المستنصر بالله السجل الذي عقده لأبي العيش بن أيوب على قومه جاء فيه: "بسم الله الرحمن الرحيم كتاب من عبد الله الحكم المستنصر بالله أمير المؤمنين لأبي العيش بن أيوب" (١). ومن بعد هذين الخليفتين نشهد اختصاراً في الألقاب، فالخليفة هشام المؤيد عندما أصدر أمره بتلقيب الحاجب عبد الملك بن المنصور بن أبي عامر بـ"المظفر" جاء في كتابه "من الخليفة هشام المؤيد بالله" (٢). ثم عندما أصدر هشام المؤيد أمره بتعيين الحاجب عبد الرحمن بن المنصور أبي عامر ولياً للعهد جاء كتابه مصدراً بـ: "هذا ما عهد به أمير المؤمنين هشام المؤيد" (٣). وبعد الخليفة هشام المؤيد زاد اختصار الألقاب، فالخليفة سليمان المستعين عندما أصدر كتاباً أعلن فيه تعيين ولده محمداً ولياً للعهد، لم يحمل ذلك الكتاب سوى لقب "أمير المؤمنين" (٤). وتجدر الإشارة إلى أن جميع الكتب التي تصدر عن الخلفاء الأمويين بالأندلس إن لم يخاطب بها ملوك دول أخرى، تأتي مقتصرة على لقب

стр. 175

أمير المؤمنين (١)، بل إنه في عهد الإمارة نجد أن كتاب الأمان الذي بعثه الأمير الحكم الربضي للفقيه عيسى بن دينار (٢) قد خلى من الألقاب بالجملة حيث اقتصر على ذكر اسم الأمير، فقد جاء فيه "من الحكم بن هشام لعيسى بن دينار … (٣) ". وأما الألفاظ التي تتم بها مخاطبة الأمير أو الخليفة الأموى في الأندلس من قبل أبناء الرعية، فإن الأمر فيها لا يقتصر على نمط معين، فالأمير -مثلاً- كان يخاطب بـ"الأمير سيدي (٤) " و "مولاي (٥) " و "ابن الخلائف (٦) " و"الإمام (٧) " و"سيدي (٨) " و "إمام الهدى (٩) " و "الملك (١٠) " و

стр. 176

"إمام المسلمين (١) " و"الأمير (٢) " و"الخليفة سيدي (٣) " و"أمين الله (٤) " و"الخليفة (٥) " وأمير المسلمين (٦) " و"ولي الله (٧) ". وأما الخلفاء فكانوا يخاطبون بـ: "ابن الخلائف (٨) " و"الإمام (٩) " و"الإمام المؤيد (١٠) " و" الملك (١١) " و "سراج الله (١٢) " و"أمير المؤمنين (١٣) " و"الحكم المهدي (١٤) " و"أمير الله (١٥) "و"مولانا (١٦) " و"إمام المسلمين (١٧) " و"ظل الله (١٨) " و"سيدي (١٩) " و"سيدنا (٢٠) ".

стр. 177

وحدث مرة أن خوطب الخليفة بلفظ "يا ولي العهد" وذلك عندما جمع الخليفة المستكفي بالله أهل قرطبة، وخاطبهم بكلام مؤنث عاتبهم فيه على عصيانهم له، فرد عليه أحد العوام قائلاً: "يا ولي العهد، نفعل ذلك لأنكم تجورون ولا تعدلون وتفسدون ولا تصلحون (١) " إلا أن الكتب التي تصل إلى الأمير أو الخليفة لابد أن تكون مشتملة على الألقاب الرسمية، فمثلاً: الكتاب الذي بعثه عبد الكريم بن يحيى ومن معه من الأندلسيين من بني عمه من أهل فاس (٢) في عقب شهر رمضان المبارك سنة (٣٦٣) هـ (يونيو ٩٧٣) جاء فيه: "الإمام العدل الحكم المستنصر بالله أمير المؤمنين" (٣).

стр. 178

الخاتم: ومن مظاهر ممارسة الأمير أو الخليفة الأموي في الأندلس للسلطان، استخدام الخاتم "إذ هو من الخطط السلطانية والوظائف الملوكية (١) " وهو عبارة عن آلة تصنع بدقة تنقش عليها بعض الكلمات ويلبس بالإصبع ويختم به على الرسائل أو الأوامر الصادرة من الأمير أو الخليفة (٢). ولكل أمير أو خليفة أموي في الأندلس خاتم خاص به "فصه زمردة رفيعة القدر شريفة الجوهر منقوش عليها اسمه (٣) "، ويتولى أحد كبار رجالات الدولية عملية الإشراف على نقش الخاتم (٤). فالأمير عبد الرحمن الداخل كان نقش خاتمه "بالله يثق عبد الرحمن وبه يعتصم" (٥) وذكر ابن عذاري أن نقش الأمير الداخل "عبد الرحمن بقضاء الله راضٍ" (٦) ويدعم قوله هذا بما أورده عند استعراضه لإمارة الأمير عبد الرحمن الأوسط من أنه اتخذ خاتماً أعاد فيه العبارة التي كانت منقوشة على خاتم جده عبد الرحمن الداخل وهي "عبد الرحمن بقضاء الله راضٍ" (٧).

стр. 179

وباستعراض نقوش خواتم بني أمية أمراء وخلفاء نجدها على نمطين لا ثالث لهما، فالأميران هشام الرضا، وابنه الحكم الربضي كانا على نسق واحد من حيث العبارة المنقوشة على خاتميهما، "بالله يثق هشام وبه يعتصم (١) " و"بالله يثق الحكم وبه يعتصم" (٢). وقد أورد ابن عذاري قصة لنقش خاتم الأمير عبد الرحمن الأوسط، فقد ذكر أن الأمير كان له خاتم قبل ذلك باسمه ففقده، فلما أعياه العثور عليه، اتخذ عبارة "عبد الرحمن بقضاء الله راضٍ" وفي ذلك قال الشاعر ابن الشمر (٣): خاتم للملك أضحى … حكمه في الناس ماضي عابد الرحمن فيه … بقضاء الله راضي (٤) وقد ذكر المقري أن الأمير عبد الرحمن الأوسط هو أول من اتخذ نقش: "عبد الرحمن بقضاء الله راضٍ" وأنه بقي وراثة لمن بعده من ولده (٥).

стр. 180

وبتتبع تراجم أمراء وخلفاء بني أمية في الأندلس، نجد أن كل الذين أتوا بعد الأمير عبد الرحمن الأوسط، قد اتخذوا لخواتمهم عبارة موحدة تنقش عليها (١). وقد وجد من بني أمية في الأندلس من اتخذ خاتمين، أحدهما عام والآخر خاص لإصبعه، فالأمير محمد بن عبد الرحمن كان نقش خاتمه الخاص "محمد بالله يثق وبه يعتصم" (٢)، والخليفة عبد الرحمن الناصر كان نقش خاتمه الخاص "بالله ينتصر عبد الرحمن الناصر" (٣). وبصفة عامة، فإن العبارات التي اختارها أمراء خلفاء بني أمية في الأندلس لتنقش على خواتمهم، سواء الخاصة منها أو العامة، كلها تحمل معاني التواضع لله جل وعلا، وطلب النصر والسداد منه، ومن تلك النقوش نخرج بصورة ربما لا تكون بعيدة عن الواقع وهي أن السمة الدينية كانت أبرز صفاتهم، فرغم ما بلغوه من سؤدد وقوة، إلا أن الاتصاف بالتواضع لم يفارقهم، ولا غرابة في ذلك، فهم حكام مسلمون، ومن موطن الإسلام "الحجاز" وهم سلالة الأمويين الفاتحين، سلالة شرف
следующие страницы →