← История

История · id 7331

نظم حكم الأمويين ورسومهم في الأندلس

سالم بن عبد الله الخلف

Полный текст (939 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

"إمام المسلمين (١) " و"الأمير (٢) " و"الخليفة سيدي (٣) " و"أمين الله (٤) " و"الخليفة (٥) " وأمير المسلمين (٦) " و"ولي الله (٧) ". وأما الخلفاء فكانوا يخاطبون بـ: "ابن الخلائف (٨) " و"الإمام (٩) " و"الإمام المؤيد (١٠) " و" الملك (١١) " و "سراج الله (١٢) " و"أمير المؤمنين (١٣) " و"الحكم المهدي (١٤) " و"أمير الله (١٥) "و"مولانا (١٦) " و"إمام المسلمين (١٧) " و"ظل الله (١٨) " و"سيدي (١٩) " و"سيدنا (٢٠) ".

стр. 177

وحدث مرة أن خوطب الخليفة بلفظ "يا ولي العهد" وذلك عندما جمع الخليفة المستكفي بالله أهل قرطبة، وخاطبهم بكلام مؤنث عاتبهم فيه على عصيانهم له، فرد عليه أحد العوام قائلاً: "يا ولي العهد، نفعل ذلك لأنكم تجورون ولا تعدلون وتفسدون ولا تصلحون (١) " إلا أن الكتب التي تصل إلى الأمير أو الخليفة لابد أن تكون مشتملة على الألقاب الرسمية، فمثلاً: الكتاب الذي بعثه عبد الكريم بن يحيى ومن معه من الأندلسيين من بني عمه من أهل فاس (٢) في عقب شهر رمضان المبارك سنة (٣٦٣) هـ (يونيو ٩٧٣) جاء فيه: "الإمام العدل الحكم المستنصر بالله أمير المؤمنين" (٣).

стр. 178

الخاتم: ومن مظاهر ممارسة الأمير أو الخليفة الأموي في الأندلس للسلطان، استخدام الخاتم "إذ هو من الخطط السلطانية والوظائف الملوكية (١) " وهو عبارة عن آلة تصنع بدقة تنقش عليها بعض الكلمات ويلبس بالإصبع ويختم به على الرسائل أو الأوامر الصادرة من الأمير أو الخليفة (٢). ولكل أمير أو خليفة أموي في الأندلس خاتم خاص به "فصه زمردة رفيعة القدر شريفة الجوهر منقوش عليها اسمه (٣) "، ويتولى أحد كبار رجالات الدولية عملية الإشراف على نقش الخاتم (٤). فالأمير عبد الرحمن الداخل كان نقش خاتمه "بالله يثق عبد الرحمن وبه يعتصم" (٥) وذكر ابن عذاري أن نقش الأمير الداخل "عبد الرحمن بقضاء الله راضٍ" (٦) ويدعم قوله هذا بما أورده عند استعراضه لإمارة الأمير عبد الرحمن الأوسط من أنه اتخذ خاتماً أعاد فيه العبارة التي كانت منقوشة على خاتم جده عبد الرحمن الداخل وهي "عبد الرحمن بقضاء الله راضٍ" (٧).

стр. 179

وباستعراض نقوش خواتم بني أمية أمراء وخلفاء نجدها على نمطين لا ثالث لهما، فالأميران هشام الرضا، وابنه الحكم الربضي كانا على نسق واحد من حيث العبارة المنقوشة على خاتميهما، "بالله يثق هشام وبه يعتصم (١) " و"بالله يثق الحكم وبه يعتصم" (٢). وقد أورد ابن عذاري قصة لنقش خاتم الأمير عبد الرحمن الأوسط، فقد ذكر أن الأمير كان له خاتم قبل ذلك باسمه ففقده، فلما أعياه العثور عليه، اتخذ عبارة "عبد الرحمن بقضاء الله راضٍ" وفي ذلك قال الشاعر ابن الشمر (٣): خاتم للملك أضحى … حكمه في الناس ماضي عابد الرحمن فيه … بقضاء الله راضي (٤) وقد ذكر المقري أن الأمير عبد الرحمن الأوسط هو أول من اتخذ نقش: "عبد الرحمن بقضاء الله راضٍ" وأنه بقي وراثة لمن بعده من ولده (٥).

стр. 180

وبتتبع تراجم أمراء وخلفاء بني أمية في الأندلس، نجد أن كل الذين أتوا بعد الأمير عبد الرحمن الأوسط، قد اتخذوا لخواتمهم عبارة موحدة تنقش عليها (١). وقد وجد من بني أمية في الأندلس من اتخذ خاتمين، أحدهما عام والآخر خاص لإصبعه، فالأمير محمد بن عبد الرحمن كان نقش خاتمه الخاص "محمد بالله يثق وبه يعتصم" (٢)، والخليفة عبد الرحمن الناصر كان نقش خاتمه الخاص "بالله ينتصر عبد الرحمن الناصر" (٣). وبصفة عامة، فإن العبارات التي اختارها أمراء خلفاء بني أمية في الأندلس لتنقش على خواتمهم، سواء الخاصة منها أو العامة، كلها تحمل معاني التواضع لله جل وعلا، وطلب النصر والسداد منه، ومن تلك النقوش نخرج بصورة ربما لا تكون بعيدة عن الواقع وهي أن السمة الدينية كانت أبرز صفاتهم، فرغم ما بلغوه من سؤدد وقوة، إلا أن الاتصاف بالتواضع لم يفارقهم، ولا غرابة في ذلك، فهم حكام مسلمون، ومن موطن الإسلام "الحجاز" وهم سلالة الأمويين الفاتحين، سلالة شرف

стр. 181

ودين، وعلم، وفي وسط غالبيته إسلامي، يعج بالفقهاء الذين يشار إليهم بالبنان، وفضلاً عن ذلك فهم على ثغر من أهم ثغور الدولة الإسلامية. وأما خلفاء عصر الفتنة من المهدي إلى المعتد بالله ٣٩٩ - (٤٢٢) هـ (١٠٠٩ - (١٠٣١) م) فلم تذكر المصادر لأي منهم نقشاً لخاتمه إلا ما كان من الخليفة المستعين بالله، فقد كان نقش خاتمه "سليمان بن الحكم" (١). وقد يفوض الخليفة الأموي في الأندلس أحد ثقاته، باستخدام خاتم منقوش عليه اسم الخليفة ليستخدمه بالتصديق على ما ينفذ إليه من كتب، وهذا ما فعله الخليفة عبد الرحمن الناصر، عندما أهدى للخير بن محمد (٢) هدية حسنة سنة (٣٢٨) هـ (٩٤٠) "وأرسل إليه خاتماً من خواتمه الخاصة، فصه زمردة رفيعة القدر شريفة الجوهر، منقوش عليها اسمه، أمر أن يقتصر على الطبع به لما ينفذه من كتبه في أكثر أوقاته" (٣). الدعاء في الخطبة: ومن شارات حكام الدولة الأموية بالأندلس، الدعاء في الخطب، والمراد به أن الخطيب يدعو في خطبة الجمعة لولي الأمر من أمير أو خليفة ولولي عهده تنويها بذكرهما وتلمساً لساعة الإجابة (٤).

стр. 182

ودعاء الخطيب على المنبر لغير الحاكم القائم هو إعلان لفسخ حكمه وابتداء لحكم جديد، وهذا رأيناه في الأندلس، فالأمير عبد الرحمن الداخل وهو في طريقة للاستيلاء على قرطبة في بداية أمره، دخل أرشدونه (١) ARCHIDONA وكان دخوله لها يوم عيد الفطر سنة (١٣٨) هـ (٨ مارس (٧٥٦) م)، فأقبل زعيمها جدار بن عمرو القيسي (٢) على الإمام وأمره أن يخلع يوسف الفهري والي الأندلس ويخطب لعبد الرحمن بن معاوية، فخطب له وبايعوه بعد انقضاء الصلاة (٣). وفي بداية نشأة الدولة الأموية في الأندلس كان يدعى في الخطبة للخليفة العباسي أبي جعفر المنصور، ثم يدعى من بعده للأمير عبد الرحمن الداخل، واستمر هذا الوضع مدة عشرة أشهر فقط، وبعدها أصبح الدعاء للأمير الأموي وحده (٤).

стр. 183

ولعل أصعب مرحلة مرت بها الدولة الأموية في الأندلس، كانت في عهد الأمير عبد الله بن محمد، الذي قل أن تجد كورة من كور الأندلس لايوجد فيها عصيان على حكومة قرطبة (١)، بل إن الأمر استفحل لدرجة أنه لم يبق لتلك الحكومة سيطرة إلا على قرطبة وأحوازها (٢)، بالإضافة إلى بعض المناطق مثل طرطوشة (٣) وبجانة (٤) اللتين استمرتا على علاقتهما مع قرطبة فكان ولاتهما يعينون إما من قبل الأمير عبد الله أو بمباركته (٥).

стр. 184

وهذا يعني أن الدعاء للأمير عبد الله توقف في كافة أرجاء الأندلس إلا في قرطبة وما جاورها بالإضافة إلى طرطوشة وبجانه. وفي الخطبة أيضاً تم الإعلان عن تحول الدولة من إمارة إلى خلافة، وذلك في عهد الأمير عبد الرحمن بن محمد، ففي يوم الجمعة ثاني ذي الحجة سنة (٣١٦) هـ (١٦ يناير (٩٢٩) م) دعا قاضي الجماعة بقرطبة أحمد بن بقي بن مخلد لعبد الرحمن بن محمد بإمرة أمير المؤمنين (١). ارتقاب الأهلة: ومن مظاهر سلطان الأمير أو الخليفة الأموي، تكوين لجنة تتولى ارتقاب الأهلة، بالذات هلال شهري رمضان وشوال، ويكون قاضي الجماعة هو المسؤول عن هذه اللجنة، وبعد أن تتم رؤية الهلال، يكتب قاضي الجماعة كتاباً يرفعه للأمير أو الخليفة لإعلامه بدخول شهر رمضان أو برؤية هلال شهر شوال (٢).

стр. 185

المقصورة: ومن شارات الدولة الأموية في الأندلس المقصورة، وهي عبارة عن حجرة تقام بجانب المحراب، يصلي فيها الأمير أو الخليفة. ويعلق ابن خلدون على اتخاذها فيقول: "وصارت سنة في تمييز السلطان عن الناس في الصلاة، وهي إنما تحدث عند حصول الترف في الدول والاستفحال شأن أحوال الأبهة كلها" (١). وقد تم إنشاء المقصورة في جامع قرطبة سنة (٢٥٠) هـ (٨٦٤) بأمر من الأمير محمد بن عبد الرحمن، فهو أول من اتخذها في الأندلس (٢)، وأصبحت سنة لمن بعده، ولا يصلي في هذه المقصورة إلا الأمير أو الخليفة وعدد قليل من الخواص. الساباط: وهناك الساباط (٣) الموصل بين القصر وجامع قرطبة يعتبر من مظاهر السلطان في الأندلس وأول من أنشأه الأمير عبد الله بن محمد، ويمتد هذا

стр. 186

الساباط من باب سبق وأن فتحه الأمير محمد بن عبد الرحمن في جدار قصره إلى الباب المعروف بباب الأمير " La Puerta De San Migule" المفضي إلى المقصورة. وكان الأمير عبد الله يستخدم هذا الساباط المستور للوصول إلى المسجد الجامع ودخول المقصورة وأداء الصلاة دون أن يراه أحد ثم يعود أدراجه إلى القصر (١). السرير: ومن مظاهر سلطان الحاكم الأموي في الأندلس، الجلوس على السرير، وهو عبارة عن "أعواد منصوبة أو أرائك منضدة لجلوس السلطان عليها مترفعاً عن أهل مجلسه أن يساويهم في الصعيد" (٢). ويذكر ابن حيان أن الأمير عبد الرحمن الأوسط كان له سرير من خيزران لطيف الصنعة، ويوضع على السرير فراش وثير محشو بالريش ليجلس وهو براحة تامة (٣).

стр. 187

وعندما دخل الأمير محمد بن عبد الرحمن للقصر لاستلام الحكم بعد وفاة والده "احتشد الخدم المستدعون له يزفونه زفاً إلى سرير والده، فاستوى عليه وتم الملك له" (١). وفي الأعياد والاحتفالات العامة يكون الأمير أو الخليفة على سريره في المجلس، وعن يمينه وشماله الأخوة والأعمام، ومن ثم رجالات الدولة كل وفق مرتبته، ومثل هذا ما حدث في زمن الخليفة الحكم المستنصر بالله، ففي عيد الأضحى سنة (٣٦٠) هـ (أكتوبر (٩٧١) م) جلس الخليفة الحكم على السرير بقصر الزهراء في المجلس الشرقي للتهنئة، فكان إخوته أول المهنئين له فجلسوا على مراتبهم بعد السلام، ثم الوزراء وجلسوا عن يمين السرير بعد الإخوة، ثم سائر أهل طبقات الخدمة على منازلهم ومراتبهم (٢). القضيب: ونظراً للتطور الذي شهدته رسوم الدولة الأموية في الأندلس خلال عهد الخلافة بالذات، أصبح القضيب (٣) إحدى شارات الملك، يمسك به الخليفة بيده في أثناء مسيره بموكبه أو جلوسه في الاحتفالات الرسمية.

стр. 188

ويذكر ابن حيان أن الخليفة هشاماً المؤيد عندما أخرجه الحاجب المنصور ابن أبي عامر للناس ليروه برز "معمماً على الطويلة سادلاً للذؤابة، والقضيب في يده زي الخلافة" (١). المظل: - ويمكن اعتبار المظل أحد مظاهر سلطان ولي الأمر الأموي في الأندلس، وبالذات في عصر الخلافة إذ أن المظل هو عبارة عن خيمة ميدانية خاصة بالخليفة. فقد ذكر ابن حيان أنه في سنة (٣٠٨) هـ (٩٢٠ م) قام الخليفة عبد الرحمن الناصر بغزوة ضد نصارى الشمال، وفي إحدى مواطن القتال، التجأ حوالي خمسمائة رجل من أولئك النصارى إلى أحد الحصون للاحتماء به، إلا أن الخليفة أمر بتقديم المظل وأبنية العسكر إلى ساحة الحصن لمحاصرته (٢). وتجدر الإشارة إلى أن المظل كان في عهد الخليفة الحكم المستنصر بالله يقدم هدية لمن يراد تكريمه وتشريفه على من سواه، فقد ذكر ابن حيان أنه في شهر رمضان سنة (٣٦٢) هـ (يونيو ٩٧٣) صدرت أوامر الخليفة المستنصر بالله بمنح زعيم البربر رئيس كتامه، الوافد إليه من العدوة

стр. 189

المغربية أبي العيش بن أيوب بن بلال مظلاً فخماً بفرشه وآلته لنزوله فيه إكراماً له (١). حجر الأعزة: ويوجد في القصر مكان يعرف بحجر الأعزة، لا يركب من عنده إلا الأمير أو الخليفة ولا يسمح لغيرهما بالركوب منه إلا من أذن له من قبلهما تنويها بذكره وإكراماً له، كما فعل الخليفة المستنصر بالله عندما جعل ركوب الوزير القائد الأعلى غالب بن عبد الرحمن الناصري من عند ذلك الحجر، عندما قلده سيفين وسماه بذي السيفين وذلك يوم الخميس السابع من شهر شعبان سنة (٣٦٤) هـ (٢) (٢٢ إبريل (٩٧٥) م) تقديراً له على جهوده في العدوة المغربية. الطراز: ومن مظاهر سلطان الأمير أو الخليفة الأموي في الأندلس اتخاذ الطراز (٣)، الذي يعتبر من العلامات الدالة على عظم الدولة، وهو عبارة

стр. 190

عن ثياب تصنع بطريقة خاصة، يتميز بها الأمير أو الخليفة أو من ينعم عليه قبلهما (١). وطبيعي أن أي دولة تكون منصرفة عن الأمور الكمالية في بداية أمرها، فإذا استقرت وقهرت سواها، بدأ قادتها يفكرون بقطف ثمار ملكهم، فتظهر حينئذ علامات الرفه النعيم (٢). وهذا ما حصل لبني أمية في الأندلس، فمنذ قيام دولتهم هناك سنة (١٣٨) هـ (٧٥٥ م) لم نسمع للطراز أي ذكر حتى كان عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط، ٢٠٦ - (٢٣٨) هـ (٨٢٢ - (٨٥٢) م) الذي كانت أيامه تسمى "أيام العروس (٣) " ذلك لأنه "وجد ملكاً ممهداً ورعية مؤدبة وهيبة مغلظة (٤) " وهذا ثمرة طبيعية للجهد الذي بذله من سبقه من آبائه، مما كان سبباً رئيسياً في رخاء إقتصادي نعمت به الأندلس، فأصبحت خزائن الدولة ملأى بالأموال، وجاء الاتصال بالمشرق ليفتح آفاقاً رحبة أمام هذا الأمير الشاب الواعي "فرتب رسوم المملكة واحتجب عن العامة (٥) " كما

стр. 191

أنه هو "أول من جرى على سنن الخلفاء في الزينة والشكل وترتيب الخدمة، وكسى الخلافة أبهة الجلالة (١) " فكان من أهم إنجازاته التي تهمنا في هذه الدراسة أنه "أحدث الطراز واستنبط عملها (٢) " فأنشأ في قصر الإمارة دوراً خاصة لصنع الثياب تعرف بـ"دور الطراز". وهناك خزانة خاصة بكسوة الأمير وخزَّانة تشرف عليها، وفي القصر خياطون لهم عريف خاص (٣). وقد تحدث بعض المؤرخين (٤) بشيء من الإعجاب عن دار الطراز التي أنشأها الأمير عبد الرحمن الأوسط، لكن ابن حيان (٥) ذكر أن هذه الدار كانت في الأساس من إنشاء الأمير عبد الرحمن الداخل، وعليه فربما يكون ما قام به الأمير عبد الرحمن الأوسط هو عبارة عن تجديد لتلك الدار التي أنشأها جده. وقد شهدت دور الطراز تطوراً كبيراً في زمن الخليفة عبد الرحمن الناصر، وفي هذا يقول ابن الخطيب: "ومن أثاره - عبد الرحمن الناصر - التي ضربت بها الأمثال وقضيت فيها العجائب، حال الطراز ببابه لنسج

стр. 192

ما يحتاج إليه من الخلع والكسى وملابس الحرم وغير ذلك (١) " بالإضافة إلى "الأقمشة الناعمة والمنسوجات الحريرية السميكة" (٢). ولدار الطراز مسؤول يتولى الإشراف عليها، يسمى "صاحب الطراز"، وقد جرت العادة ألا يتولى هذا المنصب إلا الأعيان الذين لهم اختصاص بالأمير أو الخليفة الأموي (٣). وعلى صاحب الطراز تقع مسؤولية حفظ ما يصنع في دور الطراز، أو يدخل إليها، من الهدايا ونحوها، ولذا فقد كان يعمد إلى استخدام سجل خاص يسجل به موجودات الدار، لأنه سوف تتم محاسبته على ما كان لديه من الطراز عند عزله عن منصبه (٤)، كما أن من مهامه الإشراف على الصاغة والحاكة الذين يعملون في دور الطراز، وإجراء الأرزاق عليهم (٥)، كما كانت هناك زيارات يقوم بها أمراء وخلفاء بني

стр. 193

أمية لدار الطراز لتفقدها ومناقشة القائمين عليها ببعض المسائل وتوصيتهم وفق ما يرونه مناسباً (١). وبناءً على ما ورد في بعض المصادر التاريخية، يمكن القول بأن الأمويين قد أفادوا من إنتاج دور الطراز لديهم في تعاملهم السياسي مع الآخرين، فالأمير عبد الرحمن الأوسط عندما بعث بوفد من عنده لملك النورمان، حملهم هدية اشتملت على ثياب نالت إعجاب الملك (٢) كما أن الأمير المنذر بن محمد أمر وهو في بداية عهده أن تقطع ثياباً خاصة بأولاد عمر بن حفصون، عندما خدعه الأخير وتظاهر بأنه سوف يدخل في طاعته (٣) وعندما تم الصلح بين الأمير عبد الرحمن بن محمد وعمر بن حفصون سنة (٣٠٣) هـ (٩١٥ م) بعث إليه الأمير بهدية كان فيها الكثير من الكسى السلطانية من الوشي الطرازي وغيره (٤). ورغم كل هذا، فإن علينا أن نتذكر أن صناعة الثياب الطرازية في الأندلس لا تقارن بما كان يصنع في المشرق، على الأقل إلى منتصف القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي)، يدل على ذلك حادثتان إحداهما وقعت في عصر الإمارة والأخرى في عصر الخلافة.

стр. 194

ففي عصر الإمارة رحل الأديب أبو بكر بن سلاَّم القرطبي (١) إلى المشرق، فالتقى هناك بالجاحظ (٢) واختص به ولازمه مدة طويلة، فلما أراد العودة إلى الأندلس، طلب من الجاحظ أن يحتال له بجاهه لدى صاحب الطراز في البلاط العباسي، لصنع ثياب عراقية رقيقة، تطرَّز باسم الأمير محمد بن عبد الرحمن، فكلم الجاحظ صاحب الطراز، فأسعفه في طلبه "وعمل له منها في السر المكتم عدة أثواب رفيعة القدر، جاء بها إلى الأمير محمد، فاستنبله في تحفته، وعظم موقعها لديه، ونال بها منزلة من اعتنائه" (٣). وأما في عصر الخلافة فإن الهدية السنية التي قدما الوزير أحمد بن عبد الملك بن شهيد (٤) للخليفة عبد الرحمن الناصر في شهر جمادى الأولى

стр. 195

سنة (٣٢٧) هـ (مارس (٩٣٩) م) كانت المنسوجات فيها معظمها مشرقية إن لم يكن جميعها (١). ولقد كانت دار الطراز لدى الأمويين تنسج ثياباً رفيعة مزينة بأشرطة الطراز، ولايمكن أن يطرز بتلك الدار لأحد باسمه سوى الأمير أو الخليفة، لكن جرت العادة لديهم أن يتم خلع بعض تلك الثياب المطرزة على بعض المقربين بين فترة وأخرى (٢). وهناك حالة مستثناة لم تتكرر من قبل، فقد تم تطريز ثياب بدار الطراز لغير ولي الأمر، فالخليفة عبد الرحمن الناصر عندما أراد إكرام محمد بن خزر (٣) إكراماً لا مثيل له، أمر صاحب الطراز أن يصنع عشر قطع متنوعة من عتيق الخز العبيدي فطرزها باسم محمد بن خزر (٤).

стр. 196

وقد أشار ابن خلدون إلى أن المنسوجات التي تنتجها دار الطراز، يكتب عليها أسماء الحكام مع كلمات أخرى تجري مجرى الفأل (١). ورغم أنه لا توجد لدينا نصوص عن ألوان منسوجات دار الطراز، إلا أنه يمكن الاستئناس بما كان سائداً لدى الأمويين في المشرق، فقد كان الأمويون هناك ابتداءً من عهد الخليفة هشام بن عبد الملك يكسون الناس الخزَّ إلا الأصفر والأحمر، فقد ادخروا هذين اللونين لهم خاصة (٢). وقد بقي لنا من طراز بني أمية في الأندلس مئزر كان خاصاً بالخليفة هشام المؤيد، صنع "من نسيج رقيق جداً، من الكتان المهري له أهداب طويلة على امتداده ويبلغ (١٢)، (١) وفي طرفه شريط عرضه (٧٨) ملم، مقسم إلى ثلاث مناطق، المنطقة الوسطى منها ثلاث عشرة جامة، تظهر فيها رسوم آدمية في حالة الجلوس، ويمسك أحد الأشخاص في يده قارورة ويشير بيده الأخرى إلى حيوانات من ذوات الأربع وطيور مرسومة في غير دقة ولا إحكام (٣) .. وفي القسمين الجانبين نقش كوفي في لون

стр. 197

أبيض يقرأ "بسم الله الرحمن الرحيم، البركة من الله واليمن والدوام للخليفة الإمام عبد الله هشام المؤيد بالله أمير المؤمنين" وأرضية الجامات من الذهب أما بقية الأجزاء فيملؤها حرير في ألوان بيضاء وزرقاء سماوية وقمحية وصفراء ووردية وخضراء فاتحة بين خطوط سوداء، وصناعته تشبه تمام الشبه الصناعة المصرية المعاصرة له" (١). وأخيراً، يمكن أن نضيف إلى ما سبق أن من مظاهر سلطة الأمير أو الخليفة الأموي في الأندلس، تعيين الولاة والعمال، والإشراف على شؤون البلاد، وذلك من خلال بعث أمناء يسألون الناس عن سير ولاتهم فيهم، الأمر الذي يجعل الحاكم على بصيرة بما يجري في دولته، وفي الوقت نفسه يكفل لرعيته تحقيق العدالة المنشودة.

стр. 198

ولاية العهد اختيار ولي العهد عند استعراضنا لتاريخ بني أمية في الأندلس، منذ قيام دولتهم وحتى سقوطها، نجد أن نظام الحكم فيها كان وراثياً، يتوارثه الأبناء عن الآباء، ولا نجد ولو لمرة واحدة، أن عقد أحدهم ولاية العهد (١) من بعده، لأحد إخوانه، فضلاً عن أن يعقدها لواحد من أبناء عمومته، كما هو الحال في الدولة الأموية في المشرق. وأما خروج هذا المنصب إلى واحد من خارج الأسرة الأموية فقد حدث مرة واحدة، وكان ذلك بسبب ظروف استثنائية قاهرة سيأتي بيانها فيما بعد. ووراثة ولاية العهد في الأبناء كانت تقوم على أسس يمكن من خلال الأحداث التالية جلاء صورتها. قام هشام بن عبد الرحمن الداخل بالإمارة مقام أبيه بعد وفاته بناءً على عهد مسبق منه (٢) بالرغم من أن أخاه

стр. 199

سليمان أسن منه (١)، وهنا لابد من تساؤل يُطرح: لماذا قدم هشام على سليمان؟. كان المجتمع الأندلسي يتكون من فئات عدة، وكان العرب إحداها ولاشك أنهم لا يشكلون الأغلبية، بل هم أقلية بالنسبة لأهل البلاد الأصليين، وفي تلك الفترة التي نؤرخ لها، كان العرب ينقسمون في الأندلس إلى فئتين كبيرتين، شاميين وبلديين (٢)، والبلديون أكثر من الشاميين (٣)، وقد اندلعت الحروب بين هاتين الفئتين بسبب المصالح

стр. 200

وغياب السلطان الذي يحفظ الأمن ويجري الحقوق بين الناس، ومع ضعف دوافع الانقسام والتحزب بسبب قيام الدولة الأموية، فإن أثار ذلك ظلت تكمن في النفوس، ومن شأن وجود شاميين وبلديين في الأندلس أن يكون له حسابه في الفصل في موضوع ولاية العهد، حيث كانت أم سليمان شامية وأم هشام بلدية. وفي النص الذي أورده ابن عذاري نجد الأمير عبد الرحمن الداخل يصرح بحب الشاميين لسليمان، عندما أوصى ابنه عبد الله قائلاً: "وإن سبق إليك سليمان فله فضل سنه ونجدته وحب الشاميين له (١) " فلو تولى سليمان الإمارة هل ستنقاد له بقية فئات المجتمع الأندلسي؟ إن الأمير عبد الرحمن الداخل بحاجة إلى استقرار إمارته، وتجنيبها الخلافات عليه وعلى خلفائه من بعده، ولذا فإن إسناد الأمر إلى هشام، من شأنه أن يجعل اجتماع الكلمة عليه أكثر احتمالاً، إذ أن أمه من البلديين. وإذا نظرنا إلى وضع الإمارة الأموية في نهاية عهد الأمير عبد الرحمن الداخل، نجد أنها كانت تنعم بالهدوء بعد أن أمضى سنوات طويلة من حكمه في إرساء قواعد دولته والقضاء على الخصوم بشدة. ولاشك أن الأمير عبد الرحمن الداخل لم يغفل هذه الناحية، فهو يدرك ضرورة اختيار الأنسب لتولي العهد من بعده، وبما أن دولته مستقرة، ففي الحالة هذه يكون تقديم هشام أولى، وقد ذكر الماوردي أن

стр. 201

الأشجع من المرشحين لولاية العهد أولى بالتقديم "إن كانت الحاجة أدعى لانتشار الثغور وظهور البغاة (١) " وإلا فالعالم المتدين أحق بالتقديم. وبالإضافة إلى ما سبق، فقد كان الأمير عبد الرحمن الداخل كثير الاهتمام بولديه، وكثيراً ماكان يسأل عنهما فتأتيه الإجابة بأن هشاماً إذا حضر إلى مجلس الوزراء (٢) أصبح الحديث الدائر في المجلس جاداً مفيداً، وإذا كان يوم حضور سليمان عج المجلس بالأحاديث الهزلية (٣). ولم يكن الداخل يكتفي بالأخبار التي تنقل إليه عن ولديه، بل كان يعمد إلى اختبارهما بنفسه، فمن ذلك أنه قال لهشام يوماً على انفراد لمن هذا الشعر: وتعرف فيه من أبيه شمائل … ومن خاله أو من يزيد ومن حجر سماحة ذا وبر ذا ووفاء ذا … ونائل ذا، إذا صحا وإذا سكر (٤) فقال: يا سيدي لامرئ القيس، وكأنه قاله في الأمير أعزه الله، فاستحسن ذلك منه، وأنعم عليه بصلة طيبة، ثم سأل سليمان على انفراد، وأنشده البيتين فقال: "لعلهما لأحد أجلاف العرب، أما لي شغل غير

стр. 202

حفظ أقوال بعض الأعراب، فأطرق الأمير عبد الرحمن، وعلم قدر ما بينهما من المزية" (١). وبناءً على ما سبق، ولأن هشام كان "نجيباً (٢) " ووالده "يتوسم فيه الشهامة والاضطلاع بهذا الأمر، فلا غرابة إذا أسند إليه ولاية العهد من بعده كما صرح بذلك ابن الأثير (٣). وقد تكررت مسألة إسناد ولاية العهد لغير الابن الأكبر أكثر من مرة، فالأمير هشام الرضا بن عبد الرحمن الداخل ١٧٢ - (١٨٠) هـ (٧٨٨ - ٧٩٦) أوصى بولاية العهد من بعده لابنه الحكم الربضي ١٨٠ - (٢٠٦) هـ (٨٢٢ - ٨٥٢) بالرغم من أن أخاه عبد الملك أسن منه (٤)، والأمير الحكم جعل ابنه عبد الرحمن ولياً لعهده بوجود ابنه الأكبر هشام، وقد تولى عبد الرحمن الإمارة وهشام على قيد الحياة (٥). وكذلك فعل الأمير محمد بن عبد الرحمن الأوسط ٢٣٨ - (٢٧٣) هـ (٨٥٢ - ٨٨٦) فقد

стр. 203

جعل ابنه المنذر ٢٧٣ - (٢٧٥) هـ (٨٨٦ - ٨٨٨) ولياً لعهده ومن بعده عبد الله (١) ٢٧٥ - (٣٠٠) هـ (٨٨٨ - ٩١٢) وكان عبد الله أسن من أخيه المنذر (٢). وتقديم المنذر على أخيه الأكبر عبد الله لولاية العهد مسألة تحتاج إلى مزيد من البيان والتوضيح، فقد كان للأمير محمد عدد من الأبناء النجباء، اتصفوا بالشجاعة، فتولوا مهام قيادة الجيوش (٣)، والاشتراك في الغزوات الحربية مع والدهم (٤) ومن بين أولئك الأبناء المنذر الذي "كان أشد الناس شكيمة وأمضاهم عزماً (٥)، واشتهر أمره في حياة والده بكثرة قيادته للجيوش المتجهة للجهاد ضد نصارى الشمال (٦)، كما عرف أيضاً بمقارعته للمناوئين الخارجين على حكومة قرطبة (٧).

стр. 204

ولاشك أن الأمير محمد كان يدرك الوضع العام السائد في دولته آنذاك، ومدى الاضطراب الذي يتهددها، بسبب كثرة المخالفين واعتداءات نصارى الشمال (١)، ولذا فهو على يقين بأن البلاد بحاجة إلى حاكم يمتاز بالصلابة والمراسة والشجاعة، وهذا ما امتاز به الأمير المنذر، ومن هذه صفته فهو أولى بالتقديم في مثل هذه الظروف (٢). فإذا عرفنا ذلك، مع أخذنا بالاعتبار أن الأمير عبد الله بن محمد كان "لين العريكة، وشديد الحب للعافية (٣) " أدركنا أن تقديم المنذر لولاية العهد كان محكوماً بشخصيته القوية من جهة، وبطبيعة ظروف وأوضاع الدولة من جهة أخرى، وكان تقديم المنذر لولاية العهد مع وجود الأكبر من إخوته يجري وفق أسس من الحكمة والتبصر وتسمية من هو أصلح، حتى أن والده قدمه لولاية عهده قبل وفاته بأكثر من عشر سنوات (٤). ومما يتصل باختيار الأنسب لولاية العهد، ما جاء من أن عبد الرحمن الناصر تولى الحكم بعد وفاة جده الأمير عبد الله بن محمد دون بقية أعمامه

стр. 205

وأعمام أبيه، وذكر ابن حزم أن الأمير عبد الله توفي دون أن يعهد بالحكم لأحد من بعده (١) ثم يشير إلى أن استلام حفيده عبد الرحمن الناصر للإمارة جاء نتيجة لاجتماع أهل الحل والعقد، وتشاورهم فيمن يقوم بأمر الإسلام، وأنهم لم يجدوا في شباب بني أمية أصلح من عبد الرحمن فأجلسوه مكانه (٢)، ثم علق ابن حزم على البيعة قائلاً: "وكانت البيعة من المستطرف لأنه كان في هذا الوقت شاباً، وبالحضرة جماعة أكابر من أعمامه وأعمام أبيه وذوي القعدد في النسب من أهل بيته فلم يعترض معترض" (٣). ويعلل بعض المؤرخين المحدثين (٤) عدم اعتراض أفراد الأسرة الأموية على تنصيب عبد الرحمن أميراً على البلاد، بأنهم قد زهدوا بالإمارة نتيجة إدراكهم لجسامة الأخطار المحدقة بالبلاد آنذاك. إلا أن هذا الرأي لا يمكن التسليم به إذ أن المتأمل في سيرة عبد الرحمن الناصر أثناء حياة جده، وطريقة توليه الحكم من بعده يدرك تماماً أن عبد الرحمن دون غيره هو الذي خُصَّ بولاية العهد لكفايته وثقة الأمير عبد الله بقدرته على تحمل المسؤولية، وأن أولئك الأعمام لم يزهدوا

стр. 206

بالإمارة، كما أشار إلى ذلك ابن حزم ومن تابعه. فقد نشأ عبد الرحمن الناصر يتيماً (١)، فتولى جده الأمير عبد الله كفالته، فرباه تربية حسنة (٢)، وتفرس النجابة فيه فخرجه بأدبه، وأجهد في تعليمه (٣) " وعندما بلغ مبلغ الرجال جعله "كاتب سره (٤) " كما خصه بالسكنى معه في القصر دون بقية أعمامه (٥)، وهذا أمر سار عليه أمراء بني أمية، فهم لا يسكنون أحداً معهم في القصر من أبنائهم إلا من يرشحوه لولاية العهد (٦). وإضافة إلى ما سبق فقد كان الأمير عبد الله يكلف حفيده عبد الرحمن الناصر بالجلوس نيابة عنه في بعض الأيام والأعياد، ويقعده "مقعد نفسه لتسليم الجند عليه" (٧). وفضلاً عن كل ما ذكر فالأمير عبد الله عندما مُرض مَرض الموت، رمى بخاتم الملك إلى حفيده عبد الرحمن (٨)، وفي هذا دلالة أكيدة على أن الأمير عبد الله كان قد أوصى بالإمارة من بعده لحفيده، ولم يترك الأمر من بعده عرضة للنزاع والشحناء.

стр. 207

مراسم تعيين ولي العهد: كان من المتبع لدى بني أمية في الأندلس، أنه بعد أن يتم اختيار ولي العهد، يبدأ الاحتفال بتعيينه والإعلان عن بيعته، وقد شهدت تلك المراسم تطوراً كبيراً في عصر الخلافة عما كانت عليه في عصر الإمارة. فقد ذكر ابن سعيد أن الأمير الحكم الربضي كان أول من عقد البيعة بولاية العهد من بعده في الأندلس (١) حيث عقدها لولديه عبد الرحمن ثم المغيرة. وقد تمت مبايعة ولي العهد مرتين (٢)، الأولى عرفت بالبيعة الخاصة، والثانية عرفت بالبيعة العامة. وقد جرت البيعة الخاصة لولي العهد الأول في قصر الإمارة، ثم توجه إلى داره (٣) لاستقبال المبايعين بالبيعة العامة، أما ولي العهد الثاني فقد أخذت له البيعة الخاصة في دار ولي العهد الأول، ثم توجه إلى الجامع وعند المنبر لكننا نشهد تطوراً يطرأ على هذه المراسم في عصر الخلافة، فالخليفة المستنصر عندما أراد أن يعقد ولاية العهد من بعده لابنه هشام، جلس في إحدى قاعات القصر الضخمة، وبعد اكتمال حضور كبار رجالات الدولة من شيوخ البيت الأموي وزعماء البيوتات الأندلسية والوزراء

стр. 208

والقضاة والفقهاء والقادة وكبار الفتيان الصقالبة ونحوهم، ألقى الحكم خطبة بهذه المناسبة افتتح كلامه فيها بما عزم عليه من إسناد ولاية العهد لابنه هشام، وأشار في خطبته إلى الأسباب التي دفعته لاتخاذ هذه الخطوة، وبعد أن أُخذت البيعة على الحضور، أُخرجت نسخ من كتاب البيعة لتوقيع شهادات الذين التزموها (١)، وتولى إعطاء الحضور هذه النسخ على مراتبهم كل من صاحب الشرطة والمواريث المنصور بن أبي عامر، والكاتب ميسور الفتى، حيث يقوم كل من استلم نسخته بتسجيل شهادته بخط يده، بسجل خاص (٢). وقاضي الجماعة هو أول من سجل شهادته في ذلك السجل، ثم تبعه الوزراء، ومن ثم أصحاب الشرطة وسائر أهل الخدمة من الحكام والقضاة والفقهاء والمشاورين وغيرهم، ولنا أن نتصور ضخامة هذا السجل إذا عرفنا أن عدد الشهود كان مائة وتسع وثلاثون رجلاً (٣)، وعادة ما يصاحب هذا الاحتفال بذل الأموال والهدايا لعلية القوم (٤)، وبالتالي يتم إرسال نسخ عديدة من كتاب البيعة لتلاوتها على كافة المنابر في الأندلس لاستقبال المبايعين من أبناء الرعية كل في محلته.

стр. 209

وقد حفظت لنا المصادر التاريخية نصين لكتابين من إنشاء الوزير الكاتب أبي حفص ابن برد الأكبر (١)، صدرا بمناسبة الإعلان عن عقد ولاية العهد، ومن الملاحظ أن كلا الكتابين تضمنا أسباب اختيار الخليفة لولي عهده، وذكر صفاته وأخلاقياته، وأن الاختيار لهذا المنصب الهام جاء بعد روية واستخاره. فالكتاب الأول أصدره الخليفة هشام المؤيد عند توليته العهد لعبد الرحمن بن المنصور ابن أبي عامر الشهير بشنجول، وذلك في شهر ربيع الأول سنة (٣٩٩) هـ (نوفمبر (١٠٠٨) م) بيَّن فيه الخليفة أن اختياره لولي العهد كان من أجل صالح الأمة إذ أنه يخشى أن يوافيه الأجل دون أن يترك للأمة من تأوي إليه، وأن اختياره لشنجول كان أمراً طبيعياً لعدم وجود من هو أكفأ منه، بالإضافة إلى أنه يرى فيه القحطاني الذي سوف يسوق الناس بعصاه، وفي نهاية الخطاب تعهد المؤيد بأنه لن يغير نيته أبداً (٢).

стр. 210

أما الكتاب الثاني فقد صدر عن الخليفة سليمان المستعين بالله أعلن فيه عقد ولاية العهد لابنه محمد، وذلك في منتصف شهر جمادى الآخرة سنة (٤٠٠) هـ (فبراير (١٠١٠) م) وقد جاء في الكتاب أن المستعين نظراً لحرصه الشديد على الأمة فقد اختار لها ابنه محمداً، وقد استخار الله تعالى في هذا الاختيار، وأنه بهذه الاستخارة والاختيار قد أبرأ ذمته من الأمة وأدى الأمانة التي اضطلع بها (١). وإذا نظرنا إلى كلا الخطابين نجد أنهما متفقان في بعض النقاط، ومختلفان في نقاط أخرى، ففي الخطابين إشارة إلى أن قرار اتخاذ ولي العهد لم يأت إلا بعد الإكثار من استخارة الباري جل وعلا، وأن الخشية من الله تعالى والحرص على مصلحة المسلمين هما الدافع الرئيس لاتخاذ ولي للعهد، وأنه نظراً لتوافر خلال الخير وصفات الرجولة في شخصي عبد الرحمن بن المنصور بن أبي عامر ومحمد بن سليمان المستعين، دون غيرهما كل هذا رشحهما لهذا المنصب الهام. لكن هناك نقاط ميزت أحد الخطابين عن الآخر رغم أن الكاتب واحد هو ابن برد الأكبر، وأن المدة التي تفصل بين الخطابين لا تزيد عن سنة وثلاثة أشهر، ففي الخطاب الأول نجد الدعاء للخليفة هشام بطول البقاء عند ورود اسمه، في حين خلا الخطاب الثاني من هذه المسألة، كما

стр. 211

أن اسم ولي العهد في الخطاب الأول ذكر مقروناً بالكنية واللقب مع الدعاء له بالتوفيق، بينما ورد اسم ولي العهد في الخطاب الثاني مجرداً. وهناك ناحية انفرد بها الخطاب الأول وهي: بما أن عبد الرحمن بن المنصور ابن أبي عامر، معافري يرجع إلى قحطان لأجل هذا ورد في الخطاب أن الخليفة هشام المؤيد يؤمل أن يكون عبد الرحمن بن المنصور هو الرجل القحطاني الذي أخبر عنه النبي ﷺ بأنه سيسوق الناس بعصاه. كما امتاز الخطاب الأول بإعلان تفويض مطلق تام من الخليفة هشام لولي عهده المنتظر في أمور الخلافة في حياة الخليفة وبعد وفاته. وأخيراً اختتم الخليفة هشام خطابه بأنه يشهد الله وملائكته الكرام ومن حضر بأن لا يغدر بولي عهده. بينما نجد أن الخطاب الثاني اشتمل على إصدار الأمر للعمال بالكور بأن يأمروا أصحاب الصلوات في الجوامع بالدعاء لولي العهد في خطبة الجمعة. واختتم الخطاب بالتضرع إلى الله تعالى أن يوفق أمير المؤمنين لما فيه مصلحة جماعة المسلمين في دينهم ودنياهم، وأن يجازي أمير المؤمنين على جميل نيته وكرم مذهبه فيهم. وبعد أن تنتهي مراسم الاحتفال بولاية العهد، يخرج ولي العهد إلى مكانه المخصص بموكب خاص، فإذا استقر في مجلسه صدر الإذن منه لمن

стр. 212

في الباب من بني أمية وغيرهم من القرشيين ولكبار رجالات الدولة وأصحاب البيوتات الأندلسية ونحوهم للدخول عليه وتهنئته والدعاء له (١). وبعد ذلك تتم تكنية ولي العهد في المخاطبة، وينقش اسمه في السكة والأعلام والطراز، كما يتولى قاضي الجماعة الدعاء له فوق المنبر بينما يتولى القضاة وأصحاب الصلوات الدعاء له على كافة المنابر في الأندلس (٢). هذه هي البيعة الخاصة، التي تنتهي عادة في نفس اليوم، أما البيعة العامة فيستقبلها ولي العهد لعدة أيام في بيته ويتم إرسال كتب خاصة في هذا الشأن إلى كافة الكور والثغور لأخذ البيعة من أبناء الرعية. ولا تحدثنا المصادر التاريخية عن وقوع أي بادرة تشير إلى رفض عقد البيعة بولاية العهد أثناء الاحتفال بهذه المناسبة، فحتى عندما عقد الخليفة هشام المؤيد ولاية العهد من بعده لعبد الرحمن بن المنصور بن أبي عامر لم يظهر أي موقف معارض حين عقد البيعة (٣). ومن الملاحظ أنه إذا عقدت ولاية العهد لصبي صغير، تؤخذ الأيمان المغلظة من المبايعين بعدم الحنث في البيعة، فالخليفة عبد الرحمن الناصر "عهد بالأمر بعده لولده الحكم، وهو طفل صغير من ثماني سنين أو نحوها،

стр. 213

وبحيث لو هلك لنصب بعده بمكانه، وحسبما اقتضاه ما أخذه على الناس من العهد بذلك، واقتضاه من الأيمان الغليظة المحرجة شأن من يأخذ العهد لولده من الملوك" (١). إعداد ولي العهد وتدريبه على شؤون الحكم: كان اختيار ولي العهد للولاية يتم قبل إعلان الاختيار الرسمي بوقت طويل، فقد كان الأمير أو الخليفة يتعهد من يرشحه للولاية منذ نعومة أظفاره، فيهتم بتأديبه، وتثقيفه، ويختار له أفضل المؤدبين من الفقهاء والمحدثين، لينشأ مثقفاً ملماً بمعارف شتى، سواء منها ما كان يتصل بالثقافة العامة كعلوم الدين والأدب والتاريخ وسير الأولين، أو ما كان يتصل بالثقافة السياسية الخاصة بتدبير الأمور وسياسة الرعية. فهذا الخليفة الحكم المستنصر رغم أنه اختار الفقيه أحمد بن محمد بن يوسف المعافري (٢) لتأديب ولي العهد هشام المؤيد (٣)، إلا أن الخليفة كان يتدخل في عملية التأديب فرسم للمؤدب الخطة التي عليه أن يعمل بمقتضاها في تأديب ولي العهد، وحدد له مكاناً خاصاً يتمكن من خلاله متابعة ولده ومؤدبه، فلما ظهرت علامات الاستيعاب على الولد عبر

стр. 214

الخليفة عن سروره بإخراج الأموال لتقسم على المحتاجين شكراً لله تعالى (١). وكما كان الخليفة يهتم بتأديب ولي عهده، فإنه كان يهتم بتدريبه أيضا، وذلك من خلال إسناد بعض المسئوليات إليه، فالخليفة عبد الرحمن الناصر قام بتكليف ولي عهده ابنه الحكم المستنصر بتولي "أمر الجباية والخزانة والخُزَّان ودار الضرب وغلاتها، وقلده الإشراف على ذلك كله والوقوف على وجوهه ومعانيه وعلاته ودواعيه، فأحسن النظر وبان أمره فيما تقلد منه، واستراح إلى كفايته" (٢). وإضافة إلى ما سبق كان حكام بني أمية في الأندلس يجعلون ولي العهد يقيم معهم في القصر، دون بقية الأبناء وكان في ذلك فائدة عظيمة له، فهو فضلاً عن تعلمه الكثير من فنون الحكم بسبب معايشته للأمير أو الخليفة، فإن وجوده في القصر يفرض عليه واجباً لا يمكنه الإخلال به، ألا وهو البقاء في القصر عند مغادرة والده قرطبة، وفي هذه الحالة فإن مكانه من القصر السطح، لأنه يقع فوق الباب الرئيسي للقصر وهو باب السدة، وهو أيضاً مجلس للأمراء والخلفاء، ومن خلال جلوسه في السطح يكون في مأمن، كما أنه يتمكن من مراقبة الباب الرئيسي للقصر، ومعرفة الداخل للقصر والخارج منه، إذ أن من يملك القصر يسيطر على الدولة، فهو مكان قعوده في النهار، ومبيته في الليل، ولايؤذن له في مغادرته البتة

стр. 215

لأي أمر كان، ويبيت معه في السطح أحد الوزراء، بالإضافة إلى فتى من أكابر الفتيان (١). وإن حاول ولي العهد مغادرة السطح، فإن للوزير الموكل بمرافقته الحق في منعه بأي وسيلة كانت، وإن لزم الأمر وضع القيد برجليه، ومن الأمثلة على ذلك أن الأمير محمد بن عبد الرحمن الأوسط عندما خرج في بعض مغازيه ترك أحد أولاده على سطح القصر، ووكل عليه الوزير أمية بن عيسى بن شهيد (٢)، وكان لولد الأمير وكيل متدلل، فتظلم ذلك الوكيل إلى الولد من الوزير أمية بن عيسى، فحاول الولد الضغط على الوزير، إلا أنه لم يحفل به، فأرسل إليه الولد رسولاً يهدده بأنه سوف ينزل من السطح بصحبة غلمانه ويقتص لوكيله منه، يقول ابن القوطية صاحب الرواية:
следующие страницы →