← История

История · id 7331

نظم حكم الأمويين ورسومهم في الأندلس

سالم بن عبد الله الخلف

Полный текст (939 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

أن اسم ولي العهد في الخطاب الأول ذكر مقروناً بالكنية واللقب مع الدعاء له بالتوفيق، بينما ورد اسم ولي العهد في الخطاب الثاني مجرداً. وهناك ناحية انفرد بها الخطاب الأول وهي: بما أن عبد الرحمن بن المنصور ابن أبي عامر، معافري يرجع إلى قحطان لأجل هذا ورد في الخطاب أن الخليفة هشام المؤيد يؤمل أن يكون عبد الرحمن بن المنصور هو الرجل القحطاني الذي أخبر عنه النبي ﷺ بأنه سيسوق الناس بعصاه. كما امتاز الخطاب الأول بإعلان تفويض مطلق تام من الخليفة هشام لولي عهده المنتظر في أمور الخلافة في حياة الخليفة وبعد وفاته. وأخيراً اختتم الخليفة هشام خطابه بأنه يشهد الله وملائكته الكرام ومن حضر بأن لا يغدر بولي عهده. بينما نجد أن الخطاب الثاني اشتمل على إصدار الأمر للعمال بالكور بأن يأمروا أصحاب الصلوات في الجوامع بالدعاء لولي العهد في خطبة الجمعة. واختتم الخطاب بالتضرع إلى الله تعالى أن يوفق أمير المؤمنين لما فيه مصلحة جماعة المسلمين في دينهم ودنياهم، وأن يجازي أمير المؤمنين على جميل نيته وكرم مذهبه فيهم. وبعد أن تنتهي مراسم الاحتفال بولاية العهد، يخرج ولي العهد إلى مكانه المخصص بموكب خاص، فإذا استقر في مجلسه صدر الإذن منه لمن

стр. 212

في الباب من بني أمية وغيرهم من القرشيين ولكبار رجالات الدولة وأصحاب البيوتات الأندلسية ونحوهم للدخول عليه وتهنئته والدعاء له (١). وبعد ذلك تتم تكنية ولي العهد في المخاطبة، وينقش اسمه في السكة والأعلام والطراز، كما يتولى قاضي الجماعة الدعاء له فوق المنبر بينما يتولى القضاة وأصحاب الصلوات الدعاء له على كافة المنابر في الأندلس (٢). هذه هي البيعة الخاصة، التي تنتهي عادة في نفس اليوم، أما البيعة العامة فيستقبلها ولي العهد لعدة أيام في بيته ويتم إرسال كتب خاصة في هذا الشأن إلى كافة الكور والثغور لأخذ البيعة من أبناء الرعية. ولا تحدثنا المصادر التاريخية عن وقوع أي بادرة تشير إلى رفض عقد البيعة بولاية العهد أثناء الاحتفال بهذه المناسبة، فحتى عندما عقد الخليفة هشام المؤيد ولاية العهد من بعده لعبد الرحمن بن المنصور بن أبي عامر لم يظهر أي موقف معارض حين عقد البيعة (٣). ومن الملاحظ أنه إذا عقدت ولاية العهد لصبي صغير، تؤخذ الأيمان المغلظة من المبايعين بعدم الحنث في البيعة، فالخليفة عبد الرحمن الناصر "عهد بالأمر بعده لولده الحكم، وهو طفل صغير من ثماني سنين أو نحوها،

стр. 213

وبحيث لو هلك لنصب بعده بمكانه، وحسبما اقتضاه ما أخذه على الناس من العهد بذلك، واقتضاه من الأيمان الغليظة المحرجة شأن من يأخذ العهد لولده من الملوك" (١). إعداد ولي العهد وتدريبه على شؤون الحكم: كان اختيار ولي العهد للولاية يتم قبل إعلان الاختيار الرسمي بوقت طويل، فقد كان الأمير أو الخليفة يتعهد من يرشحه للولاية منذ نعومة أظفاره، فيهتم بتأديبه، وتثقيفه، ويختار له أفضل المؤدبين من الفقهاء والمحدثين، لينشأ مثقفاً ملماً بمعارف شتى، سواء منها ما كان يتصل بالثقافة العامة كعلوم الدين والأدب والتاريخ وسير الأولين، أو ما كان يتصل بالثقافة السياسية الخاصة بتدبير الأمور وسياسة الرعية. فهذا الخليفة الحكم المستنصر رغم أنه اختار الفقيه أحمد بن محمد بن يوسف المعافري (٢) لتأديب ولي العهد هشام المؤيد (٣)، إلا أن الخليفة كان يتدخل في عملية التأديب فرسم للمؤدب الخطة التي عليه أن يعمل بمقتضاها في تأديب ولي العهد، وحدد له مكاناً خاصاً يتمكن من خلاله متابعة ولده ومؤدبه، فلما ظهرت علامات الاستيعاب على الولد عبر

стр. 214

الخليفة عن سروره بإخراج الأموال لتقسم على المحتاجين شكراً لله تعالى (١). وكما كان الخليفة يهتم بتأديب ولي عهده، فإنه كان يهتم بتدريبه أيضا، وذلك من خلال إسناد بعض المسئوليات إليه، فالخليفة عبد الرحمن الناصر قام بتكليف ولي عهده ابنه الحكم المستنصر بتولي "أمر الجباية والخزانة والخُزَّان ودار الضرب وغلاتها، وقلده الإشراف على ذلك كله والوقوف على وجوهه ومعانيه وعلاته ودواعيه، فأحسن النظر وبان أمره فيما تقلد منه، واستراح إلى كفايته" (٢). وإضافة إلى ما سبق كان حكام بني أمية في الأندلس يجعلون ولي العهد يقيم معهم في القصر، دون بقية الأبناء وكان في ذلك فائدة عظيمة له، فهو فضلاً عن تعلمه الكثير من فنون الحكم بسبب معايشته للأمير أو الخليفة، فإن وجوده في القصر يفرض عليه واجباً لا يمكنه الإخلال به، ألا وهو البقاء في القصر عند مغادرة والده قرطبة، وفي هذه الحالة فإن مكانه من القصر السطح، لأنه يقع فوق الباب الرئيسي للقصر وهو باب السدة، وهو أيضاً مجلس للأمراء والخلفاء، ومن خلال جلوسه في السطح يكون في مأمن، كما أنه يتمكن من مراقبة الباب الرئيسي للقصر، ومعرفة الداخل للقصر والخارج منه، إذ أن من يملك القصر يسيطر على الدولة، فهو مكان قعوده في النهار، ومبيته في الليل، ولايؤذن له في مغادرته البتة

стр. 215

لأي أمر كان، ويبيت معه في السطح أحد الوزراء، بالإضافة إلى فتى من أكابر الفتيان (١). وإن حاول ولي العهد مغادرة السطح، فإن للوزير الموكل بمرافقته الحق في منعه بأي وسيلة كانت، وإن لزم الأمر وضع القيد برجليه، ومن الأمثلة على ذلك أن الأمير محمد بن عبد الرحمن الأوسط عندما خرج في بعض مغازيه ترك أحد أولاده على سطح القصر، ووكل عليه الوزير أمية بن عيسى بن شهيد (٢)، وكان لولد الأمير وكيل متدلل، فتظلم ذلك الوكيل إلى الولد من الوزير أمية بن عيسى، فحاول الولد الضغط على الوزير، إلا أنه لم يحفل به، فأرسل إليه الولد رسولاً يهدده بأنه سوف ينزل من السطح بصحبة غلمانه ويقتص لوكيله منه، يقول ابن القوطية صاحب الرواية:

стр. 216

"فضحك (١) - أي الوزير - وكان لم ير في المدينة ضاحكاً إلا لهذا الأمر، ولأمر نزل [بعد] لا يحسن ذكره، فقال للرسول: بالله الذي لا إله إلا هو لئن جاوز باب السطح حيث ولاه أبوه، لا طرحناه في الدويرة (٢) في كلبين يكون بهما حتى يقفل أبوه أو يأتي عهد بإطلاقه" (٣). وإذا اضطر ولي العهد لمغادرة القصر بسبب استدعاء والده له، فإنه يستخلف أحد إخوته وذلك لإنفاذ الكتب باسمه إلى حين عودته (٤). سلطان ولي العهد وصلاحياته: من المعلوم أن لا ولاية ولا سلطان لولي العهد في حياة الأمير أو الخليفة، إلا إذا أسندت إليه بعض المهام لإشراكه في المسئولية وتحملها، والقيام بأعباء الدولة لتدريبه وإعداده، وذلك لانشغال الأمير أو الخليفة لسبب من الأسباب، فمن الأعمال التي كانت تستند إلى ولي العهد القيام بقيادة حملة عسكرية (٥)، أو الاضطلاع ببعض الأمور الإدارية، كقراءة الكتب الواردة إلى البلاط لتقديمها للأمير مختصرة (٦)، أو تولي منصب

стр. 217

كاتب السر (١)، وإلزامه بالركوب إلى مجلس الوزراء (٢)، أو توليته أمر الإشراف على الجباية والخزانة والخزان ودار الضرب وغلاتها (٣)، أو تكليفه الإشراف على إنجاز بناء ونحوه (٤)، أو الجلوس للمظالم (٥)، أو تفويضه بتعيين الولاة (٦) والمشاورين (٧)، وكذلك استقبال الرسل الوافدين (٨)، وأحياناً تسند إليه مهمة الصلاة على جنائز أهل القصر (٩). ويحصل أيضا أن يتولى ولي العهد مسؤولية الإشراف التام على شؤون الدولة في حياة والده، فعندما أصيب الأمير الحكم الربضي بعلته التي استمرت مدة أربعة أعوام، واحتجب خلالها عن الرعية إلى أن توفي، كان ابنه عبد الرحمن يتولى إدارة الدولة طيلة تلك المدة (١٠). كما أن الحكم بن الخليفة عبد الرحمن الناصر تولى مهمة الإشراف على خطط الدولة في حياة والده وذلك سنة (٣٣٠) هـ (٩٢٣) (١١).

стр. 218

تعريف الأمة "الرعية" بولي العهد: بعد أن يتم اختيار ولي العهد، يعمد الأمير أو الخليفة إلى تعريف الناس بولي العهد، وذلك من خلال نشر ذكره بينهم. فبالإضافة إلى ما يتم تكليفه به من أعمال إدارية، فإنه يقوم بمهام عسكرية، كما عرفنا من قبل، ومن خلال الأعمال العسكرية التي يضطلع بها، يتم نشر ذكره، وذلك بواسطة كتب الفتح التي ترسل من أرض المعركة. ومن الأمثلة على ذلك: أن الأمير عبد الرحمن الأوسط عندما خرج سنة (٢٢٨) هـ (٨٤٣) لغزو بنبلونه (١)، جعل ابنه على ميمنة الجيش، وبعد نهاية المعركة التي أسفرت عن نصر المسلمين، أرسل الأمير عبد الرحمن إلى قرطبة كتاب الفتح، وأثنى فيه على غناء ابنه محمد وكفايته في تلك الغزوة، وبما أن كتاب الفتح يتلى على منبر جامع قرطبة، وترسل نسخ منه إلى كافة الكور والثغور لتتلى هناك، فإن ذلك يعمل على طيران اسمه في الأفاق (٢). ونشر ذكر ولي العهد بين أبناء الرعية، أمر ضروري، وذلك لتعريف الجميع به، ولتكوين صورة طيبة لديهم عنه، فإذا ما استلم منصب رئاسة الدولة، كان ماضيه المجيد ماثلا أمامهم، فيضمن على الأقل أن هناك

стр. 219

قطاعاً عريضاً من الرعية، ينظر إليه بعين الاحترام، مما يجنبه بالتالي مجابهة المزيد من القلاقل والاضطرابات. الإضطراب الذي تطرق لنظام ولاية العهد: سار نظام ولاية العهد - كما عرفنا - وفق منهج واضح ومحدد، وسياسة استمرت مدة قرنين من عمر الدولة الأموية في الأندلس تقريبا، إلا أنه ابتداءاً من نهاية القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي) ومطلع القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي)، شهد هذا النظام أول تغيير انحرف به عن مساره، عندما وصل إلى ولاية العهد مَنْ هو مِنْ خارج الأسرة الأموية. ففي سنة (٣٩٩) هـ (١٠٠٨) وبعد أن أمضى عبد الرحمن بن المنصور بن أبي عامر الشهير بشنجول شهر ونصف الشهر (١) على توليه الحجابة، نجح في إجبار الخليفة هشام المؤيد، على توليته العهد من بعده، واستصدر منه كتاباً لإعلام الناس بهذا الأمر، قرئ على المنابر (٢). ويصف ابن الخطيب نقلاً عن ابن حيان موقف وجوه أهل قرطبة من هذه الفعلة فقال: "وغدا وجوه الناس من أهل قرطبة لتهنئة المغرور عبد الرحمن بهذه المنحة، التي كانت عندهم أشد محنة، كلهم يعزي نفسه، ويكفكف عليها عبرته، ثم تجملوا بالملق … فدخلوا على منازلهم …

стр. 220

تبدوا عليهم في ظاهرهم الاستكانة والكبوة … وخرجوا من عنده وقلوبهم ذؤوبة عليه موقدة ببغضه" (١). كما تسمى بولاية العهد علي بن حمود، فقد ادعى أن كتاباً قد وصله من الخليفة هشام المؤيد بالله، يسند إليه ولاية العهد من بعده (٢). ومن مظاهر الاضطراب الذي طرأ على نظام ولاية العهد في أواخر عصر الدولة الأموية، أن منصب ولاية العهد أصبح لا هيبة له، فقد ذكر ابن حزم أن هناك من سمى نفسه ولياً للعهد دون أن يسميه به خليفة. فهذا سليمان بن هشام بن سليمان بن عبد الرحمن الناصر تسمى بولاية العهد في خلافة محمد المهدي (٣) فسجنه المهدي في شهر رمضان سنة (٣٩٩) هـ (٤) (مايو ١٠٠٩) ثم أطلق سراحه بعد أن ثار هشام بن سليمان ضد المهدي وطالبه بإطلاق سراح ابنه (٥)، وأخيراً تمكن المهدي من قتل هشام بن سليمان وولده سليمان بعد أن فشل كل من القاضي ابن ذكوان وابن عمر بن حزم في إقناع هشام بن سليمان بالعدول عن المطالبة بالخلافة (٦).

стр. 221

وادعى سليمان بن هشام بن عبيد الله بن عبد الرحمن الناصر ولاية العهد في أيام ابن عمه الخليفة المستكفي، سنة (٤١٥) هـ (١) (١٠٢٤) وكذلك محمد بن الحكم بن محمد بن عبد الملك بن عبد الرحمن الناصر تسمى بالعهد دون أن يسميه عمه الخليفة هشام المعتد بالله (٢). ويضاف إلى مظاهر الاضطراب تلك، أن المراسم التي كانت تتبع عند تعيين ولي العهد، والاحتفالات التي كانت تقام عند مبايعته، لم يعد لها وجود، فمنذ أن عقد الخليفة سليمان المستعين البيعة بولاية العهد من بعده لابنه محمد في منتصف شهر جمادى الآخرة سنة أربعمائة للهجرة (فبراير ١٠١٠) أصبح الاحتفال بتعيين ولي العهد ومبايعته يقوم فقط على قراءة كتاب بولاية العهد، بالإضافة إلى نقش اسم ولي العهد في السكة والأعلام والطرز والدعاء له فوق المنابر (٣). موافقة الأسرة ومعارضتها: عرفنا فيما سبق أن اختيار ولي العهد يكون وفق معايير دقيقة، ولكن ليس بالضرورة أن يكتب لذلك الاختيار القبول من كافة أفراد الأسرة الأموية، فقد يعقب الإعلان عن اختيار ولي العهد معارضة قوية من بعض أبناء الأسرة الأموية، فمنها ما يتم القضاء عليها وهي في مهدها، ومنها ما يتطور ليصل إلى حد المصادمات العسكرية، وهناك أمثلة كثيرة،

стр. 222

فبعد أن بويع هشام الرضا بالإمارة بعد أبيه عبد الرحمن الداخل، أعلن سليمان رفضه لإمارة أخيه هشام، وتحصن في طليطلة، ثم انضم إليه أخوه عبد الله (١) البلنسي بن عبد الرحمن الداخل سنة (١٧٣) هـ (٧٨٩ م) وهاجم سليمان قرطبة محاولاً امتلاكها لكنه فشل وانهزم (٢)، وفي سنة (١٧٤) هـ (٧٩٠ م) قدم عبد الله على أخيه هشام بقرطبة بلا عهد سابق ولا أمان، فأكرمه هشام وأنزله عند ابنه الحكم الربضي (٣)، وفي نفس السنة طلب سليمان الأمان من أخيه هشام، فوافق الأخير شريطة أن يغادر الأندلس بأهله وولده، ويعطيه هشام ستين ألف دينار، فتم الاتفاق بينهما وعبر سليمان البحر إلى بلاد البربر (٤). وما إن علم عبد الله وسليمان بوفاة أخيهما هشام في شهر صفر سنة (١٨٠) هـ (إبريل (٧٩٦) م) حتى بادرا بإعلان العصيان، وجرت بين سليمان وبين ابن أخيه الأمير الحكم الربضي عدة معارك انتهت بقتل سليمان سنة (١٨٤) هـ (٥) (٨٠٠ م) وفي سنة (١٨٦) هـ (٨٠٢ م) أخرج الحكم الربضي لعمه عبد الله أماناً عُقِد سنة (١٨٧) هـ (٨٠٣ م) على أن يدفع الأمير الحكم

стр. 223

لعمه عبد الله ألف دينار راتباً شهرياً، بالإضافة إلى ألف دينار أخرى كل عام على شكل مخصصات (١)، وأن يبقى في بلنسية مؤدياً للطاعة (٢). وعندما تولى الإمارة عبد الرحمن الأوسط تردد عبد الله البلنسي في إعلان البيعة، ثم جهر بالعصيان إلا أنه فُلج ففشلت حركته "فكاتب عبد الرحمن بخبر علته ويأسه من نفسه، وعهد إليه بالنظر لأهله وولده، فأنفذ عهده ولم يعرض له إلى أن مات سنة ثمان ومائتين" (٣). وعندما جعل الأمير عبد الله بن محمد أكبر ولده محمداً ولياً لعهده (٤)، حقد عليه أخوه مطرف، فأوغر عليه صدر والده حتى أمر به فوضع في السجن الخاص بقصر الإمارة (٥)، وبعد أن بدأت علامات براءة محمد تظهر لأبيه، وعزم على إطلاقه، بادر مطرف إلى أخيه محمد فقتله مع فجر يوم الخميس ليلة عشرة خلت من شوال سنة سبع وسبعين ومائتين (يناير

стр. 224

٨٩١ م) وعمره سبع وعشرون سنة (١)، ثم قتل الأمير عبد الله ابنه مطرف بعد ذلك بخمس سنوات (٢). وعندما أخذ الخليفة عبد الرحمن الناصر البيعة بولاية العهد من بعده لابنه الحكم المستنصر، ترك ذلك أثراً في نفس ابنه عبد الله، الذي كان مع أخيه الحكم المستنصر "يتباريان في طلب العلم، ويتناغيان في جمعه، ويتبادران إلى اصطناع أهله واختصاص رجاله وإدناء منازلهم، والإحسان إليهم (٣) ". ونظراً لأن عبد الله بن عبد الرحمن الناصر كان مشهوراً بالفضل والتدين مؤدَّبا، كريماً، جامعاً، لعلوم شتى (٤)، "فإن جماعة من أهل قرطبة بايعوه بالخلافة، وكان أهلاً لذلك فضلاً وعلماً وبصراً بالفنون" (٥)، فسعى الحكم بأخيه عبد الله عند والدهما عبد الرحمن الناصر فقبل منه (٦)، وألقى القبض على ابنه ومن معه وسجنهم، ثم قتل ابنه عبد الله في شهر ذي الحجة سنة (٣٣٨) هـ (٧) (يونيو (٩٥٠) م).

стр. 225

إن خروج عبد الله ضد والده الخليفة، أمر يحتاج إلى وقفه، فقد عُرف عبد الله بالعلم والزهد والذكاء والنبل، ومن كانت هذه صفاته فهو جدير بالاحترام، الأمر الذي دفع بعض المؤرخين إلى التصريح بكفاءته لتولي الخلافة (١)، وطبيعي أن الصفات والأخلاق التي امتاز بها عبد الله ليست كافية لإعلان القيام ضد والده، لكن الأفكار الوافدة من المشرق والتي كان عبد الله يتلقفها سواء عن طريق الكتب أو عن طريق مجالسته للعلماء، الذين امتاز بعضهم بالطموح كابن عبد البر (٢)، يضاف إلى ذلك إحساس عبد الله بأن والده قد ظلمه، عندما قدم أخاه عليه، مع شعوره بأنه أكفأ منه، وإذا أضفنا إلى كل ذلك الشخصية الطموحة لعبد الله، أدركنا أن تفكيره بالمطالبة بما يرى أنه حق من حقوقه، أمر واقع لا محالة، إلا أنه رغم كل المبررات فإن خروجه ضد والده هو عقوق لا جدال فيه. وفي أواخر القرن الرابع الهجري ومطلع القرن الخامس الهجري، صدر خطاب من الخليفة هشام المؤيد يقضي بتعيين عبد الرحمن بن المنصور ابن أبي عامر الشهير بشنجول ولياً للعهد من بعده (٣)، وسماه باسم خلافي

стр. 226

هو "المأمون ناصر الدولة" (١) فبسبب هذه الفعلة انفجرت فتنة استمرت إلى أن سقطت الدولة الأموية تماماً سنة (٤٢٢) هـ (١٠٣١ م) فقد استنكر الناس هذه الفعلة، وعدت فعلة خارجية (٢). ولنا أن نتوقع أن أمراء وخلفاء بني أمية كان كل منهم يترك وصيته لولي عهده، هي في مجملها رسم سياسة تكفل له استمرارية دولته، ومن الأمثلة على ذلك أن الأمير الحكم الربضي عندما حانت وفاته، استدعى ولده عبد الرحمن وألقى إليه وصية ذكر فيها أنه قد مهد له البلاد بعد أن قضى على المناوئين، وذلل له الصعاب التي يمكن أن تعترضه، كما أكثر عليه ضرورة تقريب أهله وعشيرته ومواليه لأنهم أنصاره الذين يشاركونه في المغنم والمغرم، وكذلك أمره بالعدل ورد المظالم لأن في انتشار العدل كسباً لمحبة الرعية وسلامة من كثرة الثورات والفتن. كما نبهه إلى الاهتمام بانتقاء الرجال وعدم تقريب أحد إلا بعد اختباره، وأن الولايات والمناصب الإدارية يجب إسنادها لأهل الدين والرشاد لأنهم أهل الإخلاص، فبذلك يضمن إنجاز مهام الدولة بكل يسر. وأما مظاهر الأبهة والفخامة فقد أمره بالتمسك بها، وذلك لزرع الهيبة في نفوس الرعية وأن يعتمد مبدأ الثواب والعقاب لأن في ذلك حفز للمحسنين على مضاعفة إحسانهم، وقمع لأهل الزيغ والفساد عن التطاول والإضرار بالمجتمع.

стр. 227

كذلك وجه اهتمامه إلى الأموال، التي هي عصب الملك وروح الدولة، فأكد عليه ضرورة الإشراف على الأموال بنفسه، وحفظها بعد جمعها بطرق الحلال. وأخيراً اختتم وصيته بنصيحته لولي عهده بالإلتزام بتقوى الله تعالى، والدعاء لولي العهد بأن يسدده الله ويوفقه إلى الخير والرشاد (١).

стр. 228

رسوم الإمارة والخلافة استقبال الرسل وعقد المعاهدات: للموقع الجغرافي دور كبير في إقامة العلاقات بين الدول. بل إن الموقع يحتم على أي دولة إقامة علاقات معينة ومن نوع خاص، مع دولة أو دول مجاورة لها (١). ونظراً للمكانة التي كانت تحتلها دولة الأمويين في الأندلس جغرافياً وسياسياً، والتي مكنتها من تحقيق ما يمكن تسميته بالتوازن الدولي (٢)، في ذلك الوقت، فإن هذا التوازن حتم عليها قيام علاقات بينها وبين الشمال الأفريقي وأوروبا، تمثلت في تبادل الوفود التي كانت تنطلق من قرطبة وإليها لأغراض شتى. وكان النصارى المحيطين بالدولة الأموية من الشمال، قد جعلوا من أولى مهامهم ضرورة اقتلاع تلك الدولة الإسلامية إن أمكن أو زعزعة استقرارها على الأقل.

стр. 229

ومن هنا كانت الصدامات العسكرية بين الطرفين لا تكاد تنقطع طيلة ثلاثة قرون تقريباً، يتخللها أحياناً وصول وفود دبلوماسية إلى قرطبة، قادمة من الشمال. وأما عن علاقات قرطبة بالإمارات التي نشأت في الشمال الأفريقي، فقد كانت ودية إلى حد كبير، تبادلت فيها جميع الأطراف المصالح المشتركة (١). وقد كان الأمويون شديدي الحرص على مصلحة دولتهم من كافة النواحي، لذا فقد انتهجوا منذ البداية سياسة قائمة على دبلوماسية تعتمد على الاستجابة لأي نداء يعود بالخير على الجميع، لأجل هذا فقد شهدت قرطبة منذ عهد الأمير عبد الرحمن الداخل توافد سفارات ذات أغراض متعددة. فمنها ما هو للهدنة والصلح، وأخرى لتوثيق عرى المودة وثالثه من أجل المحالفات، ورابعة للتعزية والتهنئة، كما أن هناك ما كان الهدف منها دفع أذى قوى معارضه، إلى غير ذلك من الأغراض. فبعد فشل الهجوم الذي شنه الإمبراطور الفرنجي شارلمان (٧٧١ - (٨١٣) م) على الأندلس سنة (١٦١) هـ (٢) (٧٧٨ م) عندما أراد أن يحقق

стр. 230

أحلامه بطرد المسلمين منها (١)، أرسل من عنده وفداً إلى قرطبة يحمل رسالة للأمير عبد الرحمن الداخل يدعوه فيها إلى المصاهرة والسلم، فأجابه

стр. 231

الأمير الأموي إلى السلم ولم تتم المصاهرة (١)، وفي هذه المناسبة جرى توقيع هدنة بين الطرفين سنة (١٦٤) هـ (٧٨٠ م) تقريباً (٢). وفي عهد الأمير الحكم الربضي (١٨٠) ـ (٢٠٦) هـ (٧٩٦ - (٨٢٢) م) عقدت هدنة مع شارلمان ومن ثم مع ولده لويس التقي (٨١٣ - (٨٤٠) م) (٣). وشهد عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط: ٢٠٦ - (٢٣٨) هـ (٨٢٢ ـ (٨٥٢) م) توقيع هدنة بينه وبين إمبراطور الفرنجة شارل الأصلع (ت (٨٧٧) م)، فقد ذكر ابن حيان عند حديثه عن العلامات التي اُستدل بها على ترشيح الأمير عبد الرحمن الأوسط ابنه محمداً لولاية العهد، مانصه: "وكان الذي استدلوا به على ترشيح الأمير والده إياه

стр. 232

(تصديره) لرسل قارله بن أذفونش (١) ملك الفرنجة القادم عليه مكانه" (٢). ويتضح من عبارة ابن حيان أن ملك الفرنجة قارله بن أذفونش "شارل الأصلع" هو الذي طلب الهدنة، وأرسل وفداً من عنده وصل قرطبة سنة (٢٣٢) هـ (٨٤٧ م) (٣). ونتيجة للهجوم الذي شنه القراصنة النورمان (٤) على الأندلس شهد عصر الأمير عبد الرحمن الأوسط اتصالات دبلوماسية بينه وبين ملك النورمان "هوريك (٥) " وقد انفرد ابن دحية من بين المؤرخين في ذكر تلك الاتصالات، ونقلها عنه المقري، يقول ابن دحية: "ولما وفد على السلطان عبد الرحمن رسل ملك المجوس يطلب الصلح بعد خروجهم من اشبيلية

стр. 233

وإيقاعهم بها وقتل قائد الأسطول فيها رأى أن يراجعهم بقبول ذلك، فأمر الغزال (١) أن يمشي في رسالته مع رسل ملكهم لما كان الغزال عليه من حدة الخاطر وبديهة الرأي وحسن الجواب والنجدة والإقدام والدخول والخروج من كل باب، وصحبته يحيى بن حبيب، فنهض إلى مدينة شلب (٢) وقد أنشأ لهم مركب حسن كامل الآلة وروجع ملك المجوس على رسالته، وكوفئ على هديته" (٣). ومن هذا النص يتضح أن الوفد الذي قدم من لدن ملك المجوس إنما جاء لطلب الصلح، وقد أخذ بهذا الرأي أحد الباحثين حيث قال:

стр. 234

"وأدرك ملك الغزاة مدى قوة المسلمين، واعتقد أنهم سوف ينتقمون منه ومن شعبه فبادر فوراً إلى توجيه سفارة لأمير الأندلس عبد الرحمن يطلب الصلح وتوطيد العلاقات" (١). ولا أدري على أي أساس يقدم ذلك الباحث هذا الرأي، فإذا كان الملك "هوريك" يقطن في شمال أوربا فما الذي يزعجه من الأمير عبد الرحمن الأوسط وقواته، حيث تفصل بينهما مساحات شاسعة جداً وعقبات لا يمكن تجاوزها. ولعل الأولى بالقبول في سبب وصول وفد النورمانديين إلى قرطبة، هو ما ذهب إليه الأستاذ حسين مؤنس، فقد ذكر أن للملك "هوريك" علاقات واضحة مع بعض ملوك أوربا في ذلك الوقت، فليس من المستبعد أن يقوم بمراسلة الأمير عبد الرحمن الأوسط الذي يحكم دولة من أقوى دول العالم المعروفة آنذاك، إن لم تكن أقواها على الإطلاق. ويجب ألا ننسى أنه ربما كان يرغب في الحصول على بعض طُرف لطائف الأندلس من الثياب وغيرها، والتي كان غزاة النورمانيين يحرصون عليها بشدة ويرغبون بها عن الذهب والفضة (٢)، وقد أتحف الأمير الأندلسي ملك النورمان بالكثير من تلك الطرف واللطائف حيث سر بها بشدة، بالإضافة إلى أن الملك هوريك اعتاد أن يكتب إلى جيرانه بعد كل حادثة يقوم بها قراصنته ضد أولئك الجيران، متنصلاً من تبعتهم له،

стр. 235

ومعتذراً عما اقترفوه، فلماذا لا يكون الأمير عبد الرحمن الأوسط من بين أولئك الجيران (١)؟. وفي ربيع سنة (٨٤٥ م) الموافق شهر شوال أو ذي القعدة من سنة (٢٣٥) هـ وصل وفد ملك النورمان إلى قرطبة، وبعد أن أدى رسالته غادر في أوائل سنة (٢٣٦) هـ الموافق أواخر صيف سنة (٨٤٥ م) وبصحبته الوفد الأندلسي (٢) المكون من يحيى الغزال وصاحبه يحيى بن حبيب (٣)، وعندما وصل الغزال وصاحبه إلى عاصمة النورمان أمر الملك بإكرامهما وأنزلهما منزلاً حسناً، ثم جلس لاستقبالهما بعد يومين فقط من وصولهما حيث استلم رسالة الأمير عبد الرحمن الأوسط، واستعرض هديته، ولم

стр. 236

يخف سروره بها، وبعد أن مكث رسولا الأمير مدة انصرفا عائدين إلى قرطبة (١). هذه هي سفارة الغزال التي كانت رداً على وصول الوفد النورماني القادم من الدنمارك، وبذلك نجح الأمير عبد الرحمن الأوسط بالأسلوب الدبلوماسي الذي اتبعه تجنيب بلاده هجمات أولئك القراصنة طيلة سني حكمه، وتمكن خلالها من تحصين بلاده (٢)، الأمر الذي نتج عنه فشل الهجوم الذي شنه النورمانديون على الأندلس سنة (٢٤٥) هـ (٨٥٩ م) فشلاً ذريعاً (٣). وكما شهد عصر الإمارة اتصالات دبلوماسية تهدف إلى المهادنة والمصالحة، كانت هناك اتصالات أخرى ذات أغراض شتى.

стр. 237

فقد وصل إلى قرطبة سنة (٢٠٧) هـ (٨٢٢) وفد رسمي قادم من إمارة الرستميين (١)، وكان الوفد مكون من عبد الغني ودحون وبهرام (٢)، أبناء عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم (٣) وذلك

стр. 238

لتقديم التعزية للأمير عبد الرحمن الأوسط بوفاة والده، وتهنئته بمناسبة استلامه الحكم (١). وقد جرى للوفد استقبالٌ باهرٌ، حيث استقبلهم الأمير وبالغ في الحفاوة بهم، حتى غدت هذه الحفاوة مثار إعجاب الناس ومدار حديثهم (٢).

стр. 239

وفي سنة (٨٣٩ - (٨٤٠) م) (٢٢٥) هـ وصل إلى قرطبة رسول يدعى: قراطيوس Kratiyus على رأس وفد قادم من عند الإمبراطور البيزنطي: تيوفيلوس Theophilus (١) . وقد جرى للرسول البيزنطي استقبالٌ حافلٌ، وبعد أن قدم هدايا الإمبراطور للأمير، تليت الرسالة التي من أجلها حضر الوفد إلى قرطبة، فقد أبدى فيها الإمبراطور رغبته في إقامة علاقات ودية مع الأمير الأموي، وأن تكون بينهما معاهدة صداقة وتحالف، كما لم ينس تذكيره بموطنه الأصيل، وقسوة العباسيين ضد أسرته، وإن باستطاعته العودة إلى الشام، و يتعهد له بتقديم المساعدة اللازمة لتحقيق هذا الهدف، ثم تطرق إلى مسألة الأندلسيين الذين استولوا على جزيرة إقريطش (٢)، وفي نهاية رسالته لمز

стр. 240

الخليفتين العباسيين المأمون والمعتصم ونعتهما بابني مارده ومراجل (١). ورداً على رسالة الإمبراطور البيزنطي، وبناءً على طلبه، فقد بعث الأمير عبد الرحمن الأوسط بوفد من عنده مكون من عضوين برئاسة يحيى بن الحكم الغزال حَّمله فيها رسالته وهديته، وفي القسطنطنية جرى للوفد استقبال حافل برز فيه الغزال بطرفه وجماله ورجاحة عقله، فنال إعجاب الإمبراطور، فدعاه إلى مائدته، وبعد أن أدى الوفد مهمته عاد إلى قرطبة دون الارتباط بأي حلف مع البيزنطيين (٢). وهناك معاهدة تحالف وقعت بين قرطبة وإمارة "نافار (٣) Navarre" فقد وصلت سفارة من النافار إلى بلاط الأمير عبد الرحمن الأوسط، أبرمت على أثرها معاهدة تحالف بين الطرفين، تقوم بموجبها

стр. 241

القوات الإسلامية بمساعدة النافار ضد أي اعتداء خارجي، في حين أن على النافار مساعدة القوات الإسلامية عند عبورها جبال البرتات (١) متجهة إلى فرنسا (٢). وفي أواخر عصر الأمير محمد بن عبد الرحمن وصل إلى قرطبة السفير: دولئديو " Dulcidio" أسقف سلمنقة (٣) " Salamonca" مبعوثاُ من قبل ألفونسو الثالث ملك ليون، للتفاوض مع الأمير محمد من أجل توقيع معاهدة صلح بين الطرفين، وقد نجح السفير في مهمته وعاد إلى "أوفيدو (٤)

стр. 242

Oviedo" عاصمة ليون (١)، ومعه رفاة اثنين من النصارى، هما القس أولوخيو Eulogio وصاحبته ليو كريسيا Leocrecia وذلك سنة (٢٧٠) هـ (٨٨٣ م) (٢). وعلى الرغم من كثرة الوفود التي قدمت إلى قرطبة طوال عصر الإمارة (١٣٨) ـ (٣١٦) هـ (٧٥٥ - (٩٢٨) م) إلا ان المصادر خلت من ذكر أي مراسم تقام في تلك المناسبات، ولعل ذلك عائد إلى بساطة الاحتفالات التي كانت تقيمها الدولة آنذاك، إذ أن الدولة مرت بفترة تأسيس ثم استقرت نوعاً ما طوال عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط: ٢٠٦ - (٢٣٨) هـ (٨٢٢ - (٨٥٢) م) ونصف عهد ابنه محمد: ٢٣٨ - (٢٧٣) هـ (٨٥٢ - (٨٨٦) م) ثم عاشت باضطراب حتى أعلن الأمير

стр. 243

عبد الرحمن بن محمد قيام الخلافة الأموية في الأندلس سنة (٣١٦) هـ (٩٢٨ م). ومن هذا يتضح أن الأمراء الأوائل اهتموا بتثبيت أركان الدولة دون الالتفات إلى المظاهر التي تنم عن الاستقرار والرفاهية وهو أمر طبيعي، إذ أن الدولة لاتصل إلى الاهتمام بهذه الأمور إلا في مرحلة تالية، وذلك عندما يبدأ الجيل التالي بقطف ثمرة الجهد الذي بذله الجيل الأول، وهذا ما سيتضح لنا جلياً في عصر الخلافة. ففي القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي) كانت قرطبة تعيش أزهى أيامها، فقد بلغت من الثراء والازدهار درجة لم تبلغها من قبل، فغدت مهيبة الجانب، يخطب الجميع ودها، وأصبح السفراء يفدون إليها من أنحاء شتى، لأغراض متباينة، مابين طاعة وولاء، وتحالف، وسلم وموالفة وتجديد عهد المودة، وطلب النصرة لاسترداد العرش، بل إن منها ما كان للاستشفاء. فقد استقبل بلاط الخلافة بقرطبة، وفوداً وصلت من المغرب والقيروان جاءت لتقديم الطاعة والولاء (١)، وسفارات قدمت لأجل الصلح

стр. 244

والسلم مثل السفارة التى وصلت من جزيرة سردينيا، وذلك يوم الثلاثاء الثامن من ذي الحجة سنة (٣٣٠) هـ (١) (أغسطس (٩٤٢) م)، والسفارة التي قدمت من أردون الثالث ملك ليون سنة (٣٤٤) هـ (٢) (٩٥٥ م)، والسفارة التي رأستها الراهبة إلبيرة " Elvira" الوصية على ابن أخيها ردمير الثالث ملك ليون جاءت لعقد السلم مع الخليفة الحكم المستنصر بالله (٣)، وكذلك السفارة التي قدمت من برشلونة في نهاية شهر شعبان سنة (٣٦٠) هـ (٤) (يونيو (٩٧١) م) وتكررت مرة أخرى سنة (٣٩٣) هـ (٥) (١٠٠٣ م). وهناك سفارات وصلت إلى قرطبة من أجل "إيقاع الموالفة واتصال المكاتبة (٦) " فقد قدمت سفارة من الإمبراطور البيزنطي قسطنطين السابع سنة (٣٣٤) هـ (٧) (٩٤٦ م)، ومرة أخرى سنة (٣٣٨) هـ (٨) (٩٤٩ م)، كما

стр. 245

وصلت سفارة هوتو ملك الصقالبة سنة (٣٤٢) هـ (١) (٩٥٢ م)، وفي اليوم الثالث والعشرين من شهر جمادى الأولى سنة (٣٦١) هـ (مارس (٩٧٢) م) وصل إلى قرطبة رسل إمبراطور بيزنطه (٢)، وفي سنة (٣٦٣) هـ (٩٧٤ م) قدمت سفارة أخرى من بلاد الصقالبة (٣)، كلها لأجل ذلك الغرض. وفي الخامس والعشرين من شهر رمضان سنة (٣٦٠) هـ (يوليو (٩٧١) م) وصل قرطبة وفد قادم من عند أحد أمراء نصارى الشمال في غربي جليقية، وذلك بغرض التحالف (٤). ومن السفارات التي وصلت إلى بلاط الخلافة بقرطبة، من أجل المساعدة في استرداد العروش التي اضطر أصحابها إلى التنحي عنها، ما ورد لدى ابن خلدون من أن الخليفة عبد الرحمن الناصر قدمت إليه طوطه ملكة نافار ومعها ولدها غرسيه " Garcia" وحفيدها شانجه " Sancho" ملك ليون المخلوع وذلك سنة (٣٤٧) هـ (٥) (٩٦٠ م). وفي سنة (٣٥١) هـ (٩٦٢ م) وصل إلى قرطبة ملك جليقية أردون بن أدفونش ملقياً بنفسه إلى الخليفة الحكم المستنصر بالله، طالباً منه

стр. 246

المساعدة في استرداد عرشه (١)، وقد لبى الخليفة طلب الملك، بعد أن وافق على ترك ولده غرسية رهينة عند الخليفة، حسب ما تقتضيه أنظمة الدولة الأموية (٢). وهناك سفارة وصلت إلى قرطبة تعتبر فريدة في موضوعها، ففي سنة (٣٥٠) هـ (٣) (٩٦١ م) قدمت من روما سفارة، تطلب من الخليفة عبد الرحمن الناصر الإذن في استرداد جثمان لأحد النصارى، كان مدفوناً في كنيسة بالقرب من مدينة لورقه (٤). وكانت السفارات التي تفد إلى حاضرة الخلافة الأموية في الأندلس، تقابل بكل مظاهر الإكرام، ويقام بهذه المناسبة احتفال ضخم، يظهر مدى قوة الخلافة وعظمتها، وذلك وفق رسوم دقيقة. فمنذ أن يصل السفير إلى حدود الدولة الأموية، يقوم الوالي في ذلك الحد، بإخطار الخليفة عن وصول السفير، فيبعث الخليفة من عنده وفداً

стр. 247

لاستقباله، وهذا الوفد هو أشبه ما يكون بالبعثة الشرفية المعروفة بالوقت الحالي، وتقوم هذه البعثة بمرافقة السفير إلى العاصمة، وتحرص هذه البعثة أشد الحرص على عدم تمكين السفير من معرفة الطريق، فيختارون له الطرق الوعرة المتعبة بالذات إن كان من دولة معادية، وعندما يقترب السفير من العاصمة، تكون هناك مجموعات من الجند مرتبة ترتيباً عسكرياً، تستقبله الواحدة تلو الأخرى، ثم يخرج أحد كبار رجالات الدولة المقربين من الخليفة فيستقبل السفير، ويرحب به، ويدخل معه إلى قرطبة، وما يزال مسايراً له، حتى ينزله في دار سبق إعدادها لنزوله، ويتم ترتيب مجموعة من ذوي الخبرة بالضيافة لخدمته، ومجموعة أخرى لتمنع العامة والخاصة من الاختلاط به، خشية أن يتوصل إلى معرفة ما يضر بالدولة الأموية، وذلك من خلال استمالته لأحدهم. والخليفة لا يستقبل السفير مباشرة، بل إن الوزير المرافق للسفير، يطلع على المهمة التي قدم من أجلها، وهو بدوره يبلغها للخليفة، فإن رضي عن المهمة أذن للسفير بمقابلته وإلا منعه. ولم يحدث أن رفض الخليفة استقبال أي سفير، إلا ما جرى من الخليفة عبد الرحمن الناصر، عندما رفض استقبال الراهب جان "يوحنا" الذي كان مبعوثاً من عند الملك هوتو، بعد أن علم الخليفة أن الغرض من السفارة كان لأجل مناقشة بعض الأمور الدينية (١).

стр. 248

وليس هناك وقتاً محدداً لإتمام المقابلة بين الخليفة والسفير، إذ أن وقت الفجر ممكن أن يكون موعداً للمقابلة، وذلك كما فعل الحاجب المنصور بن أبي عامر عند استقباله لأحد السفراء (١)، إلا أن هذا نادر الحصول، إذ من المتوقع أن يكون الموعد في النهار لكي تظهر المراسم بكامل زينتها. وإذا حدث أن وفد إلى بلاط الخليفة عدة سفراء في آن واحد، صدر الإذن للسفراء المسلمين قبل غيرهم لمقابلة الخليفة، وهذا ما فعله الخليفة الحكم المستنصر بالله، فقد جلس في يوم الثلاثاء الثاني والعشرين من شهر ذي الحجة سنة (٣٦٢) هـ (٢٤ سبتمبر (٩٧٣) م) لاستقبال الرسل والوفود التي قدمت لمقابلته، فأمر بتقديم السفراء المسلمين في الإذن للدخول عليه (٢). وقبل أن يدخل السفير أو الوفد على الخليفة، لابد من إفهامهم بما يجب عليهم اتباعه، عند مخاطبتهم له (٣)، ويتولى قاضي النصارى بقرطبة الترجمة بين الوفد والخليفة، ويفترض في المترجم أن يكون حصيفاً فلا ينقل للخليفة ما يشعره بأدنى مقدار من الاستهانة به أو بمركزه، وإلا لقي الإهانة والطرد من منصبه (٤).

стр. 249

وما يمكن تسميته بالحصانة الدبلوماسية، مكفولة للسفير، فمهما بدا منه من جفاء فلا يعاقب، بل يكتفى بطرده من البلاط، وحرمانه من إكمال أداء مهمته (١). ولم تعرف عادة تقبيل البساط بين يدي الخليفة، إلا في عهد الحكم المستنصر بالله (٢)، فقد كان والده يرفض ذلك ويأباه (٣). ويتم التمييز بين السفراء حسب مكانة مرسلهم، فإذا كان المرسل صاحب دولة قوية، أو كان موالياً للدولة الأموية، فإن الخليفة يعطي السفير باطن يده ليقبلها (٤)، وأما ما سوى ذلك فإنهم يقبلون ظاهر يده (٥)، وفي هذا دلالة على أن الدولة الأموية، كانت تفرق في مراسم الاحتفالات بين سفراء الدول الكبرى والصغرى.

стр. 250

وفيما يتعلق بتقبيل اليد بلغ هذا الأمر ذروته في عهد الحاجب المنصور ابن أبي عامر، وذلك عندما سمح للملك شانجه والد زوجته أم عبد الرحمن بتقبيل يديه ورجليه (١). وبعد أن يأذن الخليفة للسفير بالجلوس، يقدم الأخير هدية مرسله، ويعرضها في المجلس، وإذا كان مع الهدية بعض الجواري، فإنه يتم إرسالهن فوراً إلى دار الحرم، دون عرضهن في المجلس. وكانت أعظم هدية يقدمها الوفد للخليفة، هي إطلاق سراح مجموعة من الأسرى المسلمين إكراماً له (٢). وبعد أن يتقبل الخليفة الهدية ويقرأ الكتاب المصاحب لها، يقوم الشعراء والخطباء بإلقاء خطب وقصائد تحوي عبارات الثناء على الخليفة، وبعد انتهاء الحفل، يؤخذ السفير إلى مقر إقامته، ويمكث هناك حتى يطلبه لإجراء المباحثات وبعد أن يعقد معه عدة جلسات على انفراد تام، يسمح للسفير ومن معه بالقيام ببعض الجولات الترفيهية في أنحاء العاصمة، وذلك بصحبة الوزير المرافق، وبعد عدة أيام يؤذن للوفد بمقابلة الخليفة لوداعه وتقبل هديته (٣) التي يتم استلامها في بيت الوزراء، إذ أن الخليفة يأمرهم
следующие страницы →