← История

История · id 7331

نظم حكم الأمويين ورسومهم في الأندلس

سالم بن عبد الله الخلف

Полный текст (939 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

المساعدة في استرداد عرشه (١)، وقد لبى الخليفة طلب الملك، بعد أن وافق على ترك ولده غرسية رهينة عند الخليفة، حسب ما تقتضيه أنظمة الدولة الأموية (٢). وهناك سفارة وصلت إلى قرطبة تعتبر فريدة في موضوعها، ففي سنة (٣٥٠) هـ (٣) (٩٦١ م) قدمت من روما سفارة، تطلب من الخليفة عبد الرحمن الناصر الإذن في استرداد جثمان لأحد النصارى، كان مدفوناً في كنيسة بالقرب من مدينة لورقه (٤). وكانت السفارات التي تفد إلى حاضرة الخلافة الأموية في الأندلس، تقابل بكل مظاهر الإكرام، ويقام بهذه المناسبة احتفال ضخم، يظهر مدى قوة الخلافة وعظمتها، وذلك وفق رسوم دقيقة. فمنذ أن يصل السفير إلى حدود الدولة الأموية، يقوم الوالي في ذلك الحد، بإخطار الخليفة عن وصول السفير، فيبعث الخليفة من عنده وفداً

стр. 247

لاستقباله، وهذا الوفد هو أشبه ما يكون بالبعثة الشرفية المعروفة بالوقت الحالي، وتقوم هذه البعثة بمرافقة السفير إلى العاصمة، وتحرص هذه البعثة أشد الحرص على عدم تمكين السفير من معرفة الطريق، فيختارون له الطرق الوعرة المتعبة بالذات إن كان من دولة معادية، وعندما يقترب السفير من العاصمة، تكون هناك مجموعات من الجند مرتبة ترتيباً عسكرياً، تستقبله الواحدة تلو الأخرى، ثم يخرج أحد كبار رجالات الدولة المقربين من الخليفة فيستقبل السفير، ويرحب به، ويدخل معه إلى قرطبة، وما يزال مسايراً له، حتى ينزله في دار سبق إعدادها لنزوله، ويتم ترتيب مجموعة من ذوي الخبرة بالضيافة لخدمته، ومجموعة أخرى لتمنع العامة والخاصة من الاختلاط به، خشية أن يتوصل إلى معرفة ما يضر بالدولة الأموية، وذلك من خلال استمالته لأحدهم. والخليفة لا يستقبل السفير مباشرة، بل إن الوزير المرافق للسفير، يطلع على المهمة التي قدم من أجلها، وهو بدوره يبلغها للخليفة، فإن رضي عن المهمة أذن للسفير بمقابلته وإلا منعه. ولم يحدث أن رفض الخليفة استقبال أي سفير، إلا ما جرى من الخليفة عبد الرحمن الناصر، عندما رفض استقبال الراهب جان "يوحنا" الذي كان مبعوثاً من عند الملك هوتو، بعد أن علم الخليفة أن الغرض من السفارة كان لأجل مناقشة بعض الأمور الدينية (١).

стр. 248

وليس هناك وقتاً محدداً لإتمام المقابلة بين الخليفة والسفير، إذ أن وقت الفجر ممكن أن يكون موعداً للمقابلة، وذلك كما فعل الحاجب المنصور بن أبي عامر عند استقباله لأحد السفراء (١)، إلا أن هذا نادر الحصول، إذ من المتوقع أن يكون الموعد في النهار لكي تظهر المراسم بكامل زينتها. وإذا حدث أن وفد إلى بلاط الخليفة عدة سفراء في آن واحد، صدر الإذن للسفراء المسلمين قبل غيرهم لمقابلة الخليفة، وهذا ما فعله الخليفة الحكم المستنصر بالله، فقد جلس في يوم الثلاثاء الثاني والعشرين من شهر ذي الحجة سنة (٣٦٢) هـ (٢٤ سبتمبر (٩٧٣) م) لاستقبال الرسل والوفود التي قدمت لمقابلته، فأمر بتقديم السفراء المسلمين في الإذن للدخول عليه (٢). وقبل أن يدخل السفير أو الوفد على الخليفة، لابد من إفهامهم بما يجب عليهم اتباعه، عند مخاطبتهم له (٣)، ويتولى قاضي النصارى بقرطبة الترجمة بين الوفد والخليفة، ويفترض في المترجم أن يكون حصيفاً فلا ينقل للخليفة ما يشعره بأدنى مقدار من الاستهانة به أو بمركزه، وإلا لقي الإهانة والطرد من منصبه (٤).

стр. 249

وما يمكن تسميته بالحصانة الدبلوماسية، مكفولة للسفير، فمهما بدا منه من جفاء فلا يعاقب، بل يكتفى بطرده من البلاط، وحرمانه من إكمال أداء مهمته (١). ولم تعرف عادة تقبيل البساط بين يدي الخليفة، إلا في عهد الحكم المستنصر بالله (٢)، فقد كان والده يرفض ذلك ويأباه (٣). ويتم التمييز بين السفراء حسب مكانة مرسلهم، فإذا كان المرسل صاحب دولة قوية، أو كان موالياً للدولة الأموية، فإن الخليفة يعطي السفير باطن يده ليقبلها (٤)، وأما ما سوى ذلك فإنهم يقبلون ظاهر يده (٥)، وفي هذا دلالة على أن الدولة الأموية، كانت تفرق في مراسم الاحتفالات بين سفراء الدول الكبرى والصغرى.

стр. 250

وفيما يتعلق بتقبيل اليد بلغ هذا الأمر ذروته في عهد الحاجب المنصور ابن أبي عامر، وذلك عندما سمح للملك شانجه والد زوجته أم عبد الرحمن بتقبيل يديه ورجليه (١). وبعد أن يأذن الخليفة للسفير بالجلوس، يقدم الأخير هدية مرسله، ويعرضها في المجلس، وإذا كان مع الهدية بعض الجواري، فإنه يتم إرسالهن فوراً إلى دار الحرم، دون عرضهن في المجلس. وكانت أعظم هدية يقدمها الوفد للخليفة، هي إطلاق سراح مجموعة من الأسرى المسلمين إكراماً له (٢). وبعد أن يتقبل الخليفة الهدية ويقرأ الكتاب المصاحب لها، يقوم الشعراء والخطباء بإلقاء خطب وقصائد تحوي عبارات الثناء على الخليفة، وبعد انتهاء الحفل، يؤخذ السفير إلى مقر إقامته، ويمكث هناك حتى يطلبه لإجراء المباحثات وبعد أن يعقد معه عدة جلسات على انفراد تام، يسمح للسفير ومن معه بالقيام ببعض الجولات الترفيهية في أنحاء العاصمة، وذلك بصحبة الوزير المرافق، وبعد عدة أيام يؤذن للوفد بمقابلة الخليفة لوداعه وتقبل هديته (٣) التي يتم استلامها في بيت الوزراء، إذ أن الخليفة يأمرهم

стр. 251

بالاجتماع في بيتهم، واستقبال أعضاء الوفد للترحيب بهم، وتسليمهم هدية الخليفة (١). وعادة ما تكون أقل من الهدية التي قدمها له الوفد. وقد حفظت لنا المصادر الأندلسية، صوراً للاحتفالات التي كانت تقام بمناسبة وصول أحد السفراء إلى قرطبة لمقابلة الخليفة. فقد بعث الإمبراطور البيزنطي قسطنطين السابع Costantine VII المعروف بـ "بورفيرجينيت Porphyrogenitus" أي لابس الأرجوان (٢)، سفارة إلى الخليفة عبد الرحمن الناصر، وقد وصلت السفارة الأندلس في شهر صفر سنة (٣٣٨) هـ (٣) (أغسطس (٩٤٩) م)، فتأهب الخليفة لاستقبال أعضاء السفارة، "وأمر أن يتلقوا أعظم تلق وأفخمه، وأحسن قبول وأكرمه، وأخرج إلى لقائهم ببجانة يحيى بن محمد بن الليث وغيره لخدمة أسباب الطريق، فلما صاروا بأقرب المحلات من قرطبة خرج إلى لقائهم القواد في العدد والعدة والتعبئة، فتلقوهم قائداً بعد قائد، وكمل اختصاصهم بعد ذلك، بأن أخرج إليهم الفتيين الكبيرين الخصيين ياسراً وتماماً، إبلاغاً في الاحتفال بهم، فلقياهم بعد القواد، فاستبان لهم بخروج الفتيين إليهم بسط الناصر وإكرامه، لأن الفتيان حينئذ هم عظماء الدولة، لأنهم أصحاب الخلوة مع الناصر وحرمه، وبيدهم القصر السلطاني،

стр. 252

وأنزلوا بمنية ولي العهد الحكم المنسوبة إلى نصر بعدوة قرطبة في الربض، ومنعوا من لقاء الخاصة والعامة جملة، ومن ملابسة الناس طُرَّا، ورُتّب لحجابتهم رجال تخيروا من الموالي ووجوه الحشم فصُيّروا على باب قصر هذه المنية ستة عشر رجلاً لأربع دول، لكل دولة أربع منهم، ورحل الناصر لدين الله من قصر الزهراء إلى قصر قرطبة لدخول وفود الروم عليه، فقعد لهم يوم السبت لإحدى عشرة ليلة خلت من ربيع الأول من السنة المذكورة في بهو المجلس الزاهر قعوداً حسناً نبيلاً، وقعد عن يمينه ولي العهد من بنيه الحكم، ثم عبيد الله ثم عبد العزيز أبو الأصبغ ثم مروان، وقعد عن يساره المنذر ثم عبد الجبار ثم سليمان، وتخلف عبد الملك لأنه كان عليلاً لم يطق الحضور، وحضر الوزراء على مراتبهم يميناً وشمالاً، ووقف الحجّاب من أهل الخدمة من أبناء الوزراء والموالي والوكلاء وغيرهم، وقد بُسط صحن الدار أجمع بعتاق البُسُط وكرائم الدرانك (١). وظُلّلت أبواب الدار وحناياها بظلل الديباج ورفيع الستور، فوصل رسل ملك الروم حائرين مما رأوه من بهجة الملك وفخامة السلطان، ودفعوا كتاب ملكهم صاحب القسطنطينية العظمى قسطنطين بن ليون، وهو في رق مصبوغ لوناً سماوياً مكتوب بالذهب بالخط الإغريقي، وداخل الكتاب مدرجة مصبوغة أيضاً مكتوبة بفضة بخط إغريقي أيضاً فيها وصف هديته التي أرسل بها وعددها، وعلى الكتاب طابع ذهب وزنه

стр. 253

أربعة مثاقيل، على الوجه الواحد منه صورة المسيح، وعلى الأخر صورة قسطنطين الملك وصورة ولده، وكان الكتاب بداخل درج فضة منقوش عليه غطاء ذهب فيه صورة قسطنطين الملك معمولة من الزجاج الملون البديع، وكان الدرج داخل جعبة ملبسة بالديباج، وكان في ترجمة عنوان الكتاب في سطر منه: قسطنطين ورومانس المؤمنان بالمسيح، الملكان العظيمان ملكا الروم، وفي سطر أخر: العظيم الاستحقاق المفخر الشريف النسب عبد الرحمن الخليفة الحاكم على العرب بالأندلس، أطال الله بقاءه (١)، ولما احتفل الناصر لدين الله هذا الاحتفال أحب أن يقوم الخطباء والشعراء بين يديه، لتذكر جلالة مقعده وعظيم سلطانه، وتصف ماتهيأ من توطيد الخلافة في دولته، وتقدم إلى الأمير الحكم ابنه ولي عهده بإعداد من يقوم بذلك من الخطباء، ويقدمه أمام نشيد الشعراء، فأمر الحكم صنيعه الفقيه محمد بن عبد البر الكستياني بالتأهب لذلك، وإعداد خطبة بليغة يقوم بها بين يدي الخليفة، وكان يدَّعي من القدرة على تأليف الكلام ما ليس في وسع غيره، وحضر المجلس السلطاني، فلما قام يحاول

стр. 254

التكلم بما رأى هاله وبهره هول المقام وأبهة الخلافة، فلم يهتد إلى لفظه، بل غُشي عليه وسقط إلى الأرض، فقيل لأبي علي البغدادي إسماعيل بن القاسم القالي (١) صاحب الأمالي والنوادر، وهو حينئذ ضيف الخليفة الوافد عليه من العراق وأمير الكلام وبحر اللغة: "قم فارقع هذا الوهي"، فقام فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله وصلى على نبيه ﷺ … ثم انقطع القول بالقالي، فوقف ساكتاً مفكراً في كلام يدخل به إلى ذكر ما أراد منه، … فلما رأى ذلك منذر بن سعيد (٢) - وكان ممن حضر في زمرة الفقهاء - قام من ذاته، بدرجة من مرقاته، فوصل افتتاح أبي علي لأول خطبته بكلام عجيب، ونادى في الإحسان من ذلك المقام كل

стр. 255

مجيب، يسحه سحاً كأنه كان يحفظه من قبل ذلك بمدة، وبدأ من المكان الذي انتهى إليه أبو علي البغدادي (١) … فصلب العلج وغلب على قلبه، وقال: هذا كبير القوم، أو كبش القوم، وخرج الناس يتحدثون عن حسن مقامه، وثبات جنانه وبلاغة لسانه، وكان الناصر أشدهم تعجباً منه (٢) … وفي خمس بقين منه نُقل هؤلاء الرسل من منزلهم بمنية نصير بالربض، إلى دار إبراهيم الفتى بداخل قرطبة، وفي آخر هذا الشهر أعاد الناصر لدين الله القعود الثاني لرسل ملك الروم، بقصر الزهراء، فاحتفل لذلك أيضاً، واستكمل له الأهبة، وبالغ في الزينة، وقعد على باب السدة صاحب المدينة، مع من ضُمَّ إليه من العرفاء والشرط والحرس، وهم صفوف قيام، وقام مع سور القصر سماط من الموالي، في الملابس الحسان والسلاح الشاك، وألزم الفصلان كلها جملاً من العبيد والحشم والبوابين وغيرهم، في أشكل زيهم، ثم أعاد القعود، لهم بالزهراء، وهذا القعود الثالث، كان يوم الخميس لثلاث بقين منه، على ما تقدم في الأهبة والاحتفال في الزينة، وفي النصف من جمادى الأولى منها أدخل الناصر لدين الله هؤلاء الرسل على نفسه في مجلس خاص، قعد لهم فيه في قصر الزهراء، في المجلس المشرف على الرياض، فلما خرجوا من عنده، أدخلوا في ديار الصناعات والعدة بأكناف الزهراء ودار السكة، وطيف بهم بأرجائها، ثم صرفوا إلى

стр. 256

دار نزولهم، فاتصل مقامهم بقرطبة في كرامة موصلة وعطايا متوالية، إلى أن كملت الهدية التي كوفئ بها الطاغية مرسلهم، وأُسلمت إليهم، مع أجوبتهم، وأمروا بالرحيل، وجلس لهم الناصر لدين الله في النصف من شوال من السنة بعدها، فدخلوا للوداع، وجُددت لهم الخلع، وانطلقوا لسبيلهم، متعجبين مما رأوا من عز الإسلام" (١). وفي عهد الخليفة الحكم المستنصر بالله، وفد إلى قرطبة جعفر (٢) ويحيى أبنا علي بن حمدون، خالعين لدعوة العبيديين، متقلدين للدعوة الأموية، فاحتفل الخليفة لقدومهما، ومن معهما من الفرسان، فأمر أن يخاطب جميع القادة والعمال في كور الأندلس للقدوم إلى قرطبة لحضور

стр. 257

الاحتفال، وأصدر بذلك كتاباً في يوم الاثنين الرابع من شهر ذي القعدة سنة (٣٦٠) هـ (١) (٣٠ أغسطس ٩٧١) ثم أرسل في يوم الثلاثاء الثاني عشر من ذي القعدة، صاحب السكة والمواريث وقاضي اشبيلية محمد بن أبي عامر بأربعة من عتاق الخيل وبغل أشهب مزينة بسروج الخلافة ولجمها هبة لجعفر، بالإضافة إلى خمسين فرساً ومائتا زاملة لأصحابه وأثقاله، وكذلك المظال الجليلة والأبنية الفسيحة والقباب المتوسطة والأخبية وعدة أحمال من الوطاء النفيس والغطاء السري والعماريات والهوادج الفاخرة لأجل عيال جعفر، فالتقى به ابن أبي عامر يوم الأحد لأربع عشرة ليلة خلت من ذي القعدة على أربعة أميال من مالقة، فرحب به وسلم إليه جميع ما أرسله إليه الخليفة، ووجد عنده بسيل وعبد الحميد أبنا أحمد بن عبد الحميد بن بسيل (٢) عاملي كورة ريه، فقد لزماه لتلبية ما يحتاجه، ثم سار الجميع حتى إذا بلغوا قرية "أقوه ماره" يوم الجمعة الثالث والعشرين من ذي القعدة، التقى بهم غلام مرسل من الخليفة معه ستة أفراس من عراب الخيل بسرج الخلافة، ولجمها هدية لجعفر بن علي،

стр. 258

الذي واصل سيره حتى نزل مع أخيه يحيى ومن معهما من بني خزر في فحص السرادق (١) شرقي قرطبة، وذلك يوم الاثنين الرابع والعشرين من ذي القعدة، فعدل بعيال جعفر ويحيى إلى المدينة حيث دخلوا قرطبة في الليل بصحبة ثقات الرجال، وفق أوامر الخليفة، وتم اختيار الدار المنسوبة ليوسف بن سليمان المعروف بابن البياني سكناً لعيال جعفر، كما أمر الخليفة بابتياع الدار المنسوبة إلى قاسم بن يعيش من ورثته لتكون منزلاً لعيال يحيى بن علي، فتم ذلك في نفس الليلة، وفي غداة يوم الثلاثاء لخمس بقين من ذي القعدة ذهب صاحب الشرطة العليا ومعه طبقات الجند والوفود والحرس في تعبئة كاملة إلى فحص السرادق، حيث اصطحب الزعيمين جعفر ويحيى إلى منية ابن عبد العزيز لتكون منزلاً لهما، فسار الجميع في موكب امتد من محلة فحص السرادق إلى باب المنية، فنزلها الزعيمان، ومكثا فيها بأرغد عيش (٢)، ولما حان موعد استقبال الخليفة لهما، أقيم احتفال بهي، حرص الخليفة فيه على إظهار كل ما لديه من قوة مادية وعسكرية، فأمر بجمع شباب قرطبة وتوزيع التراس والحراب عليهم من خزانة السلاح ليكونوا في موكب إلى الزهراء، كما تم ترتيب الكتائب

стр. 259

وتنظيم العساكر، ثم انطلق صاحب الشرطة العليا في الجيوش من قصر الزهراء إلى منية ابن عبد العزيز لاصطحاب جعفر ويحيى، فلما وصل إلى المنية، وجدهما على أهبة الاستعداد، فركبوا ومعهم أكابر رجالات الدولة الأموية "فساروا من باب المنية بين صفين مصطفين من رجالة الأرباض بقرطبة المسلحين من عند السلطان، انتهت عدتهم في التحصيل ستة عشر ألف راجل عم جميعهم بالتراس والرماح، ثم انتقلوا بين مراتب الفرسان المدرعين الذين كُلف أهل الخدمة صقالبة القصر إركابهم من عندهم في الأسلحة الشاكة، وكانوا عدة وافرة (١) ثم تقدموا بين صفوف فرسان الطنجيين المدرعين، ثم نهضوا بين ترتيب فرسان الخمسيين، وعبيد الدرق، والعبيد الرماة، وعلى جميعهم الدروع السابغة، والبيض اللامعة، ثم اشتقوا بين صفي فرسان العبيد الرماة الخاصة لابسي الأقبية البيض متقلنسي المقاريف (٢) الوبر متنكبي قسيهم وكنانهم الزغرية (٣)، ثم نفذوا بين الفرسان المدرعين حاملي القنوات الناصلة وكانت عدتها مائة قناة، ثم صاروا بين سماطي أصحاب الجواشن ثم أفضوا إلى صفي الفرسان أصحاب التجافيف، وكانت عدتهم مائتي تجفاف، ثم انتقلوا إلى تعبئة أصحاب العدة الرائقة من البنود الغريبة الأنواع والصفات والتماثيل الرائعات: من الأسود الفاغرة والنمور الجائشة والعقبان الكاسرة والثعابين المضطربة،

стр. 260

وكانت عدتها مائة صورة، ثم ولجوا بين صفي الجنائب خيول أمير المؤمنين المقربة مكسوة بسروج الخلافة ولجمها: المحرقة (١) والمعرقة، وكانت عدتها مائة فرس انتهى موقفها في هذا الترتيب إلى باب الصورة القبلي من أبواب مدينة الزهراء، ثم ولجوا باب المدينة بين صفين مرتبين من فرسان العبيد والعرفاء المدرعين، ثم نهضوا بين صفين من رجالة المسددين والرماة المختلطين الرامين بنوعي القياس (٢) من الأحرار والعبيد ومن ضُمَّ إليهم من أصحاب الصناعات، وقد لبسوا الثياب الملونة من الإفرند وغيره، على عواتقهم القسي العربية؛ وكان صاحب المدينة بالزهراء محمد بن أفلح قد استوى على كرسيها قاعداً يرتب ما يلزمه ترتيبه، إلى أن دخل القائد صاحب الشرطة إلى القصر، ودخل بدخوله الرسل النافذون إلى جعفر ومن معه لأول عبورهم: محمد بن أبي عامر وابن ناجيت وابن عبد الملك وأبنا بسيل ومعهم جعفر ويحيى بنو خزر وكان في فصلان (٣) باب السدة جراً إلى دويرات البرطلات (٤): الدولتان (٥) من البوابين والعبيديين والغلمان والوكلاء بدار الخيل وغيرهم من طبقاتهم قعوداً في المصاطب على اتصالهم في أحسن زيهم، متقلدي السيوف الحالية، متقلنسين بالقلانس الموشيَّة،

стр. 261

وأفضوا إلى دار الجند وقد ترتب فيها رجالة الرماة، لابسي أنواع الثياب الملونة، وعلى رؤوسهم المقاريف الدرية وقد تنكبوا القسي الكبار أشباه الحنايا، بأيديهم الطبرزينات والأجوزة والدماغات والأعمدة؛ فعندها تقدم صاحب الشرطة إلى موضع نزوله في المجلس القبلي بدار الوزراء مع أصحابه، وتأخر محمد بن أبي عامر وصحبه المتكنفون لجعفر وأخيه يحيى وبني خزر بجماعتهم عن مداه، فنزلوا عند باب السدة، وصاروا إلى مجالس الجند مع أصحابهم، وقد استوى جلوس الخليفة المستنصر بالله على السرير بالمجلس القبلي الموفي على الرياض المنيفة على السطح العلي؛ (وكان) قد تقدم بإنذار الإخوة فمن دونهم من طبقات أهل المملكة، بالحضور أحفل ماجرت به عادتهم، فأهطعوا لدعوته وتوصلوا على مراتبهم إلى محلة، فكان أول مأذون له منهم الإخوة الثلاثة، قعد منهم أبو الأصبغ عبد العزيز شقيقه عن يمينه، وتحته أبو المطرف المغيرة أصغرهم، وقعد عن يساره أبو القاسم الأصبغ، ثم توصل الوزراء فقعدوا على مراتبهم بأثر الأخوة بعد فجوة، وقام الحاجب منهم عن ذات اليمين: جعفر بن عثمان وصاحب الحشم محمد بن قاسم بن طملس وَوَلِيَ محمد بن قاسم صاحب الخيل زياد بن أفلح؛ ثم توصل أصحاب الشرطة العليا والوسطى فقاموا حجاباً على منازلهم عن ذات اليمين أو اليسار، ثم أذن لأصحاب المخزول والخُزَّان والعُرَّاض وغيرهم من طبقات أهل الخدمة، ولمن أنذر من قريش والموالي والقضاة والفقهاء والعدول، فتوصل جميعهم ومثلوا قياماً على أقدامهم، وقام صفان من الكتَّاب والمقدمين والوصفاء الأكابر ومن دونهم من

стр. 262

طبقات الخدم الخصيان من بين يدي آخر المجلس والمعُتَرض، في زيهم الجميل عليهم اللامات السابغة، والسيوف الحالية، والمرصعة بالجواهر الفاخرة، فكانوا من أبهى حلى المملكة، انتظم بصفَّي أكابرهم في طول السطح العلي من دونهم من الوصفاء وطبقات أهل الخدمة بالدار على سماطين، دارعين متقلدين بالسيوف الحالية وعلى رؤوسهم الطشنيات المفضضة المرقَّشة، متهيئين إلى المعُتَرض بين يدي مجلس الأمراء الغربي إلى باب الفصلان، واتصلوا صفين على انتظام الفصلان إلى فصيل الكتاب الذي يشرع بابه إلى دار الوزراء، وانتظمت التعبئة بعدهم إلى دار الوزراء من رجالة فرسان الرياض ومن متخيَّري عبيد الحاجب جعفر الهالك، عصبة رائقة المرأى، كاملة الشكة، على رؤوسهم البيضات المذهبة، بأيمانهم الحراب الواسعة العريضة على صنعة السيوف الإفرنجة الملونة العصيّ، المزينة بأنابيب الفضة، انتهت تعبئتهم إلى الفصيل المعروف بفصيل أبي العرَّاض، وانتظم في مصاطب تلك الفصلان الطوال بياضُ الكور المستدعون اليوم متزينين بأحسن الزينة اللائقة بهم. ولما استقر جعفر ويحيى أبنا علي وبنو خزر في البهو الأوسط من مجالس دار الجند وتهذبت التعبئة، خرج الفتيان الكتَّاب إليهم بالإذن في دخولهم، فتقدموا وتقدم بهم محمد بن أبي عامر وأصحابه المخُرَجون أولاً للمجيء بهم فنهضوا داخلين إلى أن صاروا في السطح العلي، ثم استنهضوا إلى المجلس الذي قعد فيه الخليفة، فلما أنهضوا إلى بابه قبلوا البساط مرة بعد أخرى، ثم تقدم بهم إلى السرير وناولهم الخليفة يده، فتقدمهم جعفر

стр. 263

بالتقديم والتسليم، ثم تلاه يحيى أخوه ثم قدم بنو خزر الأسن فالأسن، فقضوا ما عليهم من ذلك وأمرهم الخليفة بالقعود إكراماً لهم، وقُدِّم أصحابهم إثرهم الأسن فالأسن فقبلوا وسلموا، وشافه الخليفة جعفراً قبلهم فأوسع يسأله عما لديه وبسطه وفعل ذلك بأخيه يحيى وبني خزر أصحابهما، ونطق بتقبل نزعهم وتحقيق رجائهم واعتقاد مكافأتهم على محبتهم وصياغتهم ووعدهم بالإحسان إليهم والتشريف لهم، فأعلنوا الشكر واستهلوا بالدعاء وأكثروا من الثناء وحمدوا الله تعالى على مامنحهم له من تجديد إسلامهم وتأكيد إيمانهم، في قصدهم حرم أمير المؤمنين وإسنادهم إلى عز سلطانهم ونبذهم لدعوة الضلال وشيعة الكفار، واعتياضهم من ذلك بالسنة والجماعة والعز والطاعة، وغرب جعفر بن علي في غرابة الأدب مقامه ذلك عند مشافهة أمير المؤمنين له، إذ كان لا يرد الجواب إليه إلا بعد أن يستوي قائماً ويكلمه فيرد جوابه إلى أن انقضى المجلس، فاستُبدع ذلك من أدبه، وانطلقت الجماعة من المجلس عند انتهائه، فصاروا إلى مقعدهم الأول في مجلس الجند، ومحمد بن أبي عامر وصحبه الموكلون بهم لا يفارقونهم إلى أن ركب بهم صاحب الشرطة العليا القائد هشام بن محمد بحضرتهم لمنصرفهم، فركبوا معه وسار بهم مشيعاً لهم ومبلغاً إلى الوزراء الذين تقدم الأمر بإنزالهم فيها بقرطبة، وكان ركوبهم من الموضع الذي نزلوا فيه عند الأبهاء بدار الجند، وابن أبي عامر وصحبه لا يزايلونهم، فخرجوا من قصر الزهراء مع هشام بن محمد، والترتيب الذي جاؤوا فيه على هيئته، فبلغوا زعيمهم جعفر بن علي إلى

стр. 264

دار يوسف بن علي بن سليمان التي أنزل فيها أهله وثقله، ونهضوا بأخيه يحيى إلى دار قاسم بن يعيش وانتهوا ببني خزر إلى دار إبراهيم الفتى الخليفة الموسومة بـ"النزل" فاغتدى يوم دخولهم إلى دار إبراهيم هذا، يوم الأحد، أحد الأيام العُقم التي طار خبرها بالأندلس في الحسن والزينة. ولما أن استقر جعفر ويحيى بداريهما اطمأنا فيهما، عهد أمير المؤمنين بإجراء ألف دينار دراهم على كل واحد منهما للشهر، ومن القمح لنفقتهما لكل شهر لكل واحد منهما سبعون مدياً توسعةً عليهما وإغداقاً في الأفضال عليهما وأجرى أيضاً على بني خزر من الدنانير والقمح والعلوفة مايفيض ولايغيض، ثم تضاعفت على الجماعة الجرايات وترددت الصلات، فأضحوا مغتبطين بما سنَّى لهم المقدار متغمسين في الحبرة" (١). والاحتفالات التي كانت تجري عند استقبال الوفود، لا يقتصر إقامتها على حاضرة الخلافة، وإنما قد يكون معسكر الجيش مكاناً لإجراء مراسم الاستقبال، فقد أقام الخليفة عبد الرحمن الناصر حفل استقبال وهو في معسكر الجيش، للملكة طوطه عندما أرغمها على أن تفد إليه وتطأ بساطه وهو في المعسكر وذلك سنة (٣٢٢) هـ (٩٣٤ م) عند خروجه لتأديب المتحالفين ضده في الشمال من مسلمين ونصارى، فقد أذعنت الملكة لأوامر الخليفة، وجاءت إلى معسكره في محلة قلهرَّه ومعها وجوه رجالها وقوامسها وأساقفتها، فأمر الخليفة بتعبئة الجيوش وإقامة الترتيب

стр. 265

وإظهار العدة والزينة، فرأت الملكة ما أدهشها، فخضعت للخليفة في كلامها، وتذللت له في سؤالها، فأكرمها، وأحسن استقبالها، وأجابها إلى طلبها ووفق شروط اشترطها وتعهدت الملكة بالتزامها (١). وقد ذكر ابن حيان أن آخر احتفال أقيم في الأندلس أيام الدولة الأموية، كان الحفل الذي أقامه الحاجب عبد الملك المظفر بن المنصور بن أبي عامر سنة (٣٩٣) هـ (١٠٠٣ م) بعد حملته على برشلونة وما حولها من ديار النصارى، إذ أنه بعد عودته إلى قرطبة مظفراً غانماً، وصل إليه رسول من صاحب برشلونة، فأعد "عبد الملك لوروده أكمل العدة من ترتيب الجنود، فكان يوم دخول ذلك الرسول بقرطبة آخر أيام الزينة، إذ انتقض الملك على أثره سريعاً ووقعت الفتنة" (٢). موكب الأمير أو الخليفة: اعتبر مؤرخو رسوم الدولة، أن كثرة ظهور السلطان للرعية، تنقص هيبته في قلوبهم، مما يكون دافعاً للجرأة عليه، والنيل منه إن أمكن، ولذا فقد قال الثعالبي (٣): "إن كثرة ظهور الملك عليه مجلبة لابتذال العيون إياه،

стр. 266

ومن حقه التصون عن ذلك، وبناء أموره وأحواله كلها على ما يزيد في هيبته، ويعود بعلو شأنه وجلالة سلطانه" (١). وذكر المرادي (٢) أن على السلطان أن يكون احتجابه وظهوره بقدر، لئلا يتسبب احتجابه في إدخال القلق على النفوس بسبب طول غيبته، فتفسد الرعية، ويكثر الإرجاف ولا يكثر من الظهور للعامة لئلا تسقط هيبته من قلوبهم، وتمكن صاحب المقاصد السيئة من نيل مراده منه (٣). لأجل ذلك نجد أن الأمير عبد الرحمن الداخل كان في بداية عهده يكثر من الاختلاط بالناس، ويمشي بينهم ويصلي فيهم، ويحضر الجنائز، ويعود المرضى، حتى إذا كان في أحد الأيام وهو منصرف من جنازة، تصدى له رجل عامي متظلم، فمسك عنان فرسه، وكلمه بكل جرأة،

стр. 267

طالباً إنصافه، ويبدو أن الأمير قد أحس بسبب قلة حرسه ومرافقيه، بضعف موقفه أمام هذا المتظلم، ولذا فما كان منه إلا أن استدعى القاضي إليه وأنصف المتظلم، فلما عاد إلى قصره، كلمه بعض رجاله ممن كان يكره كثرة خروجه واختلاطه بالناس، فقال له: "إن هذا الخروج الكثير - أبقى الله تعالى الأمير - لا يجمل بالسلطان العزيز، وإن عيون العامة تخلق تجلته، ولا تؤمن بوادرهم عليه، فليس الناس كما عُهدوا (١) " ومنذ ذلك اليوم ترك الأمير عبد الرحمن الداخل شهود الجنائز وحضور المحافل، وأناب عنه ولده هشام للقيام بذلك (٢). وبذلك وضع الأمير عبد الرحمن الداخل، لكل من أتى بعده، من أمراء وخلفاء بني أمية رسماً تمسكوا به، وهو عدم الظهور للعامة إلا في مناسبات معينة، فإذا خرج أحدهم، لا يكون ذلك إلا في موكب مهيب، يصعب الاقتراب منه البتة. ولنا أن نتصور عظم ذلك الموكب، إذ عرفنا أن زرياباً (٣) مغني الأمير عبد الرحمن الأوسط كان يسير في موكب فيه مائة

стр. 268

غلام (١)، بينما كان الحاجب جعفر بن عثمان المصحفي أيام كان متقلداً خطط الدولة، في عهد الخليفة الحكم المستنصر بالله وأوائل عهد ابنه الخليفة هشام المؤيد بالله، يسير من قصره إلى قصر الخلافة في موكب ضخم لا يمكن لأحد الاقتراب منه، جاعلاً على طرفي الموكب بعض الكتَّاب لأخذ الشكاوى من الناس الذي كانت تزدحم بهم السكك وأفواه الطرق وهم يدعون له ويسعون بين يديه (٢)، فإذا كان هذا موكب مغني وحاجب، فكيف يكون إذاً موكب الأمير أو الخليفة؟. ومما يؤسف له، أن المصادر لم تهتم بذكر رسوم مواكب الأمراء كما اهتمت بذكر مواكب الخلفاء، لكي يساعدنا ذلك على معرفة التطور الذي طرأ عليها، ولكن هذا لا يمنع من القول بأن المواكب في عهد

стр. 269

الخلافة كانت أكثر فخامة مما كانت عليه في عهد الإمارة، وذلك لعظم مكانة الدولة وقوتها. وقد وُصف موكب الأمير هشام الرضا: ١٧٢ - (١٨٠) هـ (٧٨٨ ـ (٧٩٦) م) بالفخامة حتى أن الأصوات المنبعثة بسبب حركة الموكب، تحول دون سماع الأمير لمن يناديه من المتظلمين (١). وذكر ابن حيان أن موكب الأمير محمد بن عبد الرحمن: ٢٣٨ - (٢٧٣) هـ (٨٥٢ - (٨٨٦) م) كان فخماً غليظ الحجاب، يحيط به حرس من الصقالبة لا يمكنون أحداً من الاقتراب منه (٢). ويبدو أن الأمر في فخامة المواكب، بلغ أوج عظمته، في عهد الخليفة عبد الرحمن الناصر: ٣٠٠ - (٣٥٠) هـ (٩١٢ - (٩٦١) م) فقد كان عدد الذين يركبون لركوبه وينزلون حوالي اثني عشر ألف رجل بكامل زينتهم (٣). وقد كان الرسم يقتضي ترتيب احتفال بهي، عندما يظهر الخليفة للناس، إذ يتم تنظيمهم ليتلقوا الخليفة فوجاً بعد فوج كل في مرتبته، وفي نهاية الاحتفال يتبارى الشعراء في إلقاء قصائدهم التي يمدحون فيها الخليفة، ويذكرون فيها المناسبة التي دفعته إلى الظهور لهم.

стр. 270

وقد حدث أن أصيب الخليفة الحكم المستنصر بالله، بعلة ألمت به يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول سنة (٣٦٤) هـ (ديسمبر سنة (٩٧٤) م) طاولته إلى نهاية شهر ربيع الآخر من العام نفسه (١) واحتجب بسبب ذلك عن الظهور للعامة، فلما كان يوم السبت الحادي عشر من شهر رجب سنة (٣٦٤) هـ (٢٨ مارس (٩٧٥) م) ظهر الخليفة في موكبه متحولاً عن الزهراء إلى قصر الخلافة بقرطبة حسب نصيحة الأطباء له، فجرى بهذه المناسبة احتفال فخم سار فيه الموكب وفق مراسم دقيقة، فقد ركب الخليفة ومعه ولده الأمير هشام ركوباً حافلاً، احتفل لمشاهدته كبار رجالات الدولة، فخرجا من الباب القبلي المسمى بباب الورد، وسبق هشام والده الخليفة في البروز للناس، فلما رآه الوزير الكاتب صاحب المدينة بقرطبة جعفر بن عثمان المصحفي ترجل له، وفعل مثله صاحب الخيل والمدينة بالزهراء زياد بن أفلح، وتبعهما كل من كان معهما من أصحاب الخطط وطبقات أهل الخدمة، مسلمين مبتهلين، وبعد ذلك برز الخليفة، فتقدموا إليه وقبلوا الأرض بين يديه، وسلموا ودعوا، وتتابع على ذلك سائر أهل الموكب من الأحرار والعبيد، وكان يحجب الخليفة ويحف به الفتيان الكبيران الأثيران فائق وجؤذر مع أصحابهما من الفتيان الخلفاء وأكابر الفتيان، فوقف الخليفة قليلاً متأملاً حسن ترتيب عبيده ومواليه، ثم سار بموكبه حتى وصل منية "أرحاء ناصح" فنزل بها

стр. 271

وبات فيها، وفي صباح الغد سار إلى منية الناعورة، وأقام بها إلى أن صلى الظهر، وقد نفذ العهد إلى الوزراء وأصحاب الشرطة وطبقات أهل الخدمة والحكام ورجال الدولة بالركوب إليه إلى قصر الناعورة فلما توافوا بها، خرج الخليفة مع ولده هشام يريد قصر قرطبة، وتولى حجابته جعفر بن عثمان وزياد بن أفلح وأصحاب الشرطة العليا مع أكابر الفتيان، وعندما رآه الوزراء وطبقات أهل الخدمة ترجلوا وسلموا عليه وعلى الأمير ولده، ثم ركبوا وترتبوا في الموكب حسب منازلهم، وسار الموكب، فلما وصل الخليفة قرب المصارة، تلقاه بها رجال من كبار قريش، ونفر من وجوه الموالي نزلوا ودعوا ومجدوا، ثم سار الخليفة إلى أن أتى السوق الكبرى بقرطبة، فتلقاه بها صاحب الشرطة والسوق أحمد بن نصر فسلم عليه، وتلقاه بعده بياض أهل قرطبة، ووجوه أهل السوق وغيرهم، مسلمين مبتهجين داعين، وسار الخليفة وأفواج القرطبيين تتلقاه فوجاً بعد فوج من الخاصة والعامة، إلى أن انتهى إلى قصر قرطبة فدخله من باب الجديد القبلي، واختتم الاحتفال بالشعراء الذي أنشدوا قصائدهم بين يدي الخليفة، يحمدون فيها الله تعالى على معافاته للخليفة، ويذكرون له سرورهم واغتباطهم بمشاهدته، ويصفون عظم موكبه وينالون مقابل ذلك الصلات الجزيلة منه (١).

стр. 272

وعندما ظهر الإرجاف بقرطبة، لعدم ظهور الخليفة هشام المؤيد للناس - بسبب حجر المنصور بن أبي عامر عليه - أضطر المنصور إلى إبراز الخليفة، إذ أن الكثير منهم لم يره قط "فأبرزه للناس، وركب ركبته المشهورة، وقد برزوا له في خلق عظيم لا يحصيهم إلا من أحصى آجالهم، في بهجة ولبوس وهيئة، معمماً على الطويلة، سادلاً للذؤابة، والقضيب في يده، زي الخلافة، وإلى جانبه المنصور راكباً يسايره، وقدامه الحاجب عبد الملك راجلاً يمشي، ويسير الجيش أمامه، ومن المواكب وطوائف الجند والغلمان والفتيان القصريين والعامريين ما عجب من كثرتهم" (١). وبعد اندلاع الفتنة سنة (٣٩٩) هـ (١٠٠٩ م) اختفت رسوم مواكب الخلفاء، وإن ظهرت فإن الناس لا يأبهون بها، بسبب افتقار تلك المواكب لكل مقومات الفخامة، حتى أن الخليفة الأموي الأخير هشام المعتد بالله: ٤١٨ - (٤٢٢) هـ (١٠٢٨ - (١٠٣١) م) عندما دخل قرطبة في شهر ذي الحجة سنة (٤٢٠) هـ (ديسمبر (١٠٢٩) م) كان "في زي تقتحمه العين وهناً وقلة وعدم رواء وبهجة وعدداً وعدة، فوق فرس دون مراكب الملوك بحلية مختصرة سادلاً سمل غفارة إلى ما تحتها من كسوة رثة، قدامه سبع جنائب من خيل الموالي العامريين صيروها معه للزينة دون علم ولا مطرد" (٢).

стр. 273

موكب الصلاة: كان الأمير عندما يذهب إلى الصلاة، يصطحب معه بعض رجاله، ومجموعة من الحرس والأعوان، الذي يحيطون به عند أدائه للصلاة، وبعد أن أنشئت المقصورة سنة (٢٥٠) هـ (١) (٨٦٤ م) في المسجد الجامع بقرطبة، أصبح الحرس يقفون حولها، ولعل عددهم لم يعد كما كان سابقاً، خاصة بعد إنشاء الأمير عبد الله بن محمد: (٢٧٥) ـ (٣٠٠) هـ (٨٨٨ - (٩١٢) م) للساباط الموصل بين قصر الإمارة وجامع قرطبة (٢) لأن من يسلك الساباط يصل المقصورة دون أن يراه أحد، وذلك من خلال باب يعرف "بباب الجامع، وهو باب قديم كان يدخل منه الخلفاء يوم الجمعة إلى المسجد الجامع" (٣). وقد ذكر ابن حيان أن الأمير محمد بن عبد الرحمن: ٢٣٨ - (٢٧٣) هـ (٨٥٢ - (٨٨٦) م) بعد أن أتم الزيادة التي أضافها إلى جامع قرطبة سنة (٢٥٠) هـ (٨٦٤ م) قام بزيارة له، للإطلاع على تلك الزيادة، فركب من قصره وبصحبته أكابر خدمه وخواص وزرائه ووجوه أهل إمارته، وهو

стр. 274

راكب "على بغل مشرف القذال (١)، وعالي لبوسه طاق أبيض، فنزل ودخل من باب الصومعة الجوفي، وقد أمر بإغلاق أبواب الجامع، فلم يدخل معه غير فتيانه الأكابر وصاحب الصلاة، فنظر إلى البنيان … وتقدم إلى المحراب فصلى فيه، ثم خرج فرجع إلى قصره" (٢). وكان الرسم يقتضي أن إذا خرج الأمير أو الخليفة لأداء صلاة الاستسقاء في المصلى مع الناس، أن يكون لباسه البياض (٣)، وعلى رأسه أقرف وشي أغبر، والخشوع ظاهر عليه، ودموعه تسيل على لحيته، فإذا وصل إلى جانب المحراب جلس على يمين الإمام على غير فراش، فإذا قضيت الصلاة أمر بتفريق الأموال والصدقات على الفقراء والمساكين تقرباً إلى الله تعالى (٤). موكب الصيد والنزهة: اعتاد أمراء وخلفاء بني أمية، الخروج في رحلات للصيد والنزهة، وكان الرسم يقتضي حينئذ تقديم المطبخ بالمسير قبل الموكب (٥) إلى المكان

стр. 275

المعين لهذا الغرض، وذلك لكي يقوم أهل الخدمة بإعداد ما يلزم من وسائل الراحة، ويكون الموكب فخماً نبيلاً، يتبارى الشعراء في وصفه (١)، وعندما يجتاز الموكب القنطرة المقامة على الوادي الكبير، يكون صاحب المدينة قد منع الناس من عبورها، كما أنه يتولى إبعادهم عن المكان الذي سيتوجه إليه الموكب للصيد، ومن خالف ذلك، فإن صاحب المدينة يقبض عليه، ويلقي به في السجن، إلى حين عودة الموكب، ولا يستثنى أحد من هذا الإجراء، حتى وإن كان من أبناء الأسرة الأموية (٢). ومن الوسائل المفضلة في الصيد عند الأمويين، الصقور "البزاة" ولأجل هذا فقد اعتنوا فيها كثيراً، وخصصوا أراض شاسعة لتربيتها والعناية بها، مثل جزيرة يابسة (٣)، والمناطق الجبلية في أشبونة (٤).

стр. 276

ومن هذا الاهتمام تم إنشاء إدارة خاصة تتولى رعاية تلك الطيور، وقد عرف المسئول عن هذه الإدارة باسم "صاحب البيازة". وعادة لا تستغرق رحلة الصيد أكثر من نهار واحد (١) إلا إذا كان المكان بعيداً عن قرطبة، فقد كان الأمير محمد بن عبد الرحمن، يصل في رحلاته للصيد حتى جزيرة قادس (٢). وهناك عدة أماكن، اشتهرت في زمن الأمويين بأنها أماكن نزهة لأمرائهم وخلفائهم، من هذه الأماكن،

стр. 277

الرصافة (١)، وقصر الدمشق (٢)، والمنية المصحفية (٣)، وفحص السرادق (٤)، ومنية الجنة بشرق قرطبة (٥)، ومنية الناعورة (٦)، ومنية نصر الخصي (٧)، وقصر قرقريط (٨)، وقصر أرحي

стр. 278

ناصح (١)، ومنية البنتلي الواقعة أيضاً شرقي مدينة قرطبة (٢). وكان الأمراء والخلفاء يرتادون هذه المنتزهات عادة في وقت الحر والربيع، لأجل الفرجة والاستمتاع بالمناظر الطبيعية، فإذا حل الخريف ذهبوا إلى اشبيلية وشواطئها (٣)، وأما في الشتاء فربما انتقل الخلفاء من الزهراء إلى قرطبة (٤). وقد كان الشعراء يتبارون في وصف المنية التي يبنيها الأمير أو الخليفة لنزهته (٥)، وأما موكب النزهة، فلم يكن يختلف عن موكب الصيد، فبعد أن يتم تقديم المطبخ، كان الأمير أو الخليفة يظهر للناس بكامل زينته، والأعلام تخفق حوله، ورجاله المقربين بين يديه، والحرس قد أحاطوا به، ويخترق الموكب الشوارع، وسط هتافات الجماهير المصطفة على الجانبين، حتى يمضي إلى سبيله. وقد جرت العادة أن الخليفة هشام المؤيد، كان يخرج مستخفياً، والحاجب العامري أمامه، بعد أن يكون قد أمر الجيش بطرد الناس عن

стр. 279

طريق مرور موكب الخليفة، الذي يكون مع أهله وجواريه، لابساً للبرنس كما يفعل الجواري فلا يعرف منهن (١). موكب الحرب: عند الإعلان عن خروج الجيش للغزو، يظهر موكب الحرب للناس، فإذا تجمع الجند في المكان المخصص، برز إليهم الأمير أو الخليفة، فيتفقد الجيش ويشرف على مدى استعداد أفراده، ويكون لابساً درعه، متلثماً، متقلداً سيفه، ممتطياً جواداً عتيقاً، وقواده قد حفوا به، والأعلام والرايات تخفق فوق رأسه (٢)، فإذا لم يتمكن من قيادة الجيش بنفسه، اكتفى بالجلوس على السطح فوق باب السدة، فإذا مر الجيش أمامه، رفع كفيه إلى السماء يدعو الله تعالى، أن يمنح الجيش التوفيق، ويستمر رافعاً يديه بالدعاء حتى يغيب الجيش عن بيوت قرطبة، وبجانبه ولي عهده يفعل مثل فعله (٣). وعندما يعود الأمير أو الخليفة من الغزو، يخرج أهل قرطبة وعلماؤهم ووجهاؤهم لتلقيه والسلام عليه، وتهنئته بالنصر، فإذا دخل القصر جلس من الغد لاستقبال المهنئين، فيكون أكابر القرشيين من أبناء البيت الأموي هم أول الداخلين عليه، يليهم القضاة والحكام والفقهاء وأهل العدل، ويتقدم من بعدهم وجوه أهل الأرباض والأسواق من أهل

стр. 280

قرطبة، وآخر من يدخل عليه الشعراء والأدباء مرتبين حسب تسلسل أسماؤهم في السجل الخاص بهم (١)، لإنشاد قصائدهم التي نظموها في هذه المناسبة (٢). المجالس الخاصة: رغم الرسوم الدقيقة التي كان الأمير أو الخليفة الأموي يحرص على السير وفقها أثناء المناسبات، ليبرز للناس وهو بكامل هيبته ووقاره، إلا أن المجالس الخاصة، كانت تظهره بمظهر البساطة والتواضع، إذ أنه من خلالها يتخلى عن كافة الضوابط الرسمية، التي لا تمكنه من العيش على سجيته. وفي بداية الحديث عن المجالس الخاصة، لابد من القول بأن أمراء وخلفاء بني أمية منذ عهد الأمير عبد الرحمن الداخل إلى الخليفة الحكم المستنصر بالله كانوا لا يشربون الخمر ويتحامونها، ولا يشربون في تلك المجالس إلا شراب العسل، الذي يعد على نار الزرجون (٣)، باستثناء عبد الرحمن الناصر، الذي كان يشرب في المنادمة، لكنه في النهاية ترك ذلك كله، وقطع المنادمة وتزهد (٤). وهذه المجالس لا يحضرها إلا الخواص فقط، من الوزراء ورجال القصر، والندماء والمغنين.

стр. 281

وهناك آداب لتلك المجالس، يجب على من حضرها الالتزام بها، فلا يغتاب أحداً في المجلس (١)، ولا ينظر إلى غلام أو وجارية (٢)، ولا يطلب من القينة التي تغني في المجلس إعادة القصيدة التي غنتها (٣)، إذ أن ذلك مدعاة للشك في أن الهيبة لم تملأ قلبه، وهذا ما وقع به الشاعر الطبني، فقد ذكر ابن حيان أن أبا مضر محمد بن الحسين التميمي الطبني (٤)، كان في مجلس خاص مع الحاجب المنصور بن أبي عامر، فشرب معه، وغنت القينة بيتين من شعر أبي مضر الطبني، "فاستعادها أبو مضر، فأنكر ذلك المنصور، وعلم أن هيبته لم تملأ قلبه، فأومأ إلى بعض خصيانه، فأخرج رأس الجارية

стр. 282

في طست، ووضعه بين يدي الطبني، وقال له المنصور: مرها فلتعد، فسُقط في يده" (١). ورغم ما عُرف عن الخليفة عبد الرحمن الناصر من شدة وتأكيد دائم على إظهار الهيبة والتمسك بمراسم الدولة، إلا أنه كان في مجالسه الخاص متساهلاً متواضعاً مع جلسائه. فقد ذكر ابن حيان أن الخليفة عبد الرحمن الناصر، كان في مجلس خاص مع وزرائه، وكان من بين الحضور الوزير محمد بن سعيد المعروف بابن السليم، وفي هذه الجلسة أخذ الخليفة يعرّض بالوزير ابن السليم، مما أدخل الرعب في قلبه، خشية أن يبطش به الخليفة، ولذا فقد أفرط الوزير في الشراب من شدة الذعر، حتى اضطر إلى إفراغ ما في جوفه، فابتدره الوصفاء بالطست والمناديل، ولم يشعر الوزير إلا بالذي أمسك رأسه وهو يقول له: "استفرغ ما في معدتك، وتأن بنفسك" فأنكر الوزير كلامه من بين الخدم، فصرف رأسه إليه، وإذا به الخليفة، فما تمالك أن خر على قدميه يقبلهما، ويقول "يا ابن الخلائف، إلى هنا انتهيت من بري" وجعل يدعو له ويعظم شكره (٢).

стр. 283

كذلك كان الخليفة عبد الرحمن الناصر كثيراً ما يمازح وزرائه، ففي أحد مجالسه الخاصة طلب من أبي القاسم لب، أن يهجو الوزير عبد الملك بن جهور، فقال: أخافه، فقال لابن جهور أهجه: فقال أخاف على عرضي منه، فقال: أهجوه أنا وأنت، ثم قال: لبٌّ أبو القاسم ذو لحية … طويلة في طولها ميل فقال ابن جهور: وعرضها ميلان إن كُسِّرت … والعقلُ مأفون ومدخولُ (١) لو أنه احتاج إلى غسلها … لم يكفه في غسلها النيلُ (٢) فقال الناصر للبِّ: اهجه فقد هجاك، فقال بديهاً: قال أمين الله في عصرنا … لي لحية أزرى بها الطول وابن جهيرٍ قال قول الذي … مأكوله القرضيل والفولُ لولا حيائي من إمام الهدى … نخست بالمنخس شو … ثم سكت، فقال الناصر: هات تمام البيت، فامتنع، فقال له: "قولو" يعني تمام البيت، فقال لب يا مولانا أنت هجوته، ففطن الناصر والحاضرون، وضحكوا، وأمر له بجائزة (٣). وأما الخليفة المستنصر بالله، فقد كان بعيداً كل البعد عن عقد المجالس التي يتم فيها الاستماع للقيان،

стр. 284

لما عُرف عنه من شدة التديّن، والاهتمام بمطالعة كتب العلم ومجالسة العلماء، لأنه فضل كل ذلك على كل لذة، ولكنه في مقابل ذلك كان يمازح رجال دولته في جلسات خاصة بهم (١). ومازال خلفاء بني أمية يعقدون مثل هذه المجالس إلى أن زالت دولتهم (٢) والملاحظ أن تلك المجالس قد تكون فرصة للتخلص من بعض المناوئين، أو ممن يخشى جانبهم من رجال الدولة. فالحاجب المنصور بن أبي عامر عندما عزم على الفتك بجعفر بن علي بن حمدون أقام جلسة خاصة، أعلن أنها تكريماً لجعفر، وذلك ليلة الأحد لثلاث خلون من شعبان سنة (٣٧٣) هـ (يناير ٩٨٤) وفي تلك الجلسة أمر المنصور الوصفاء والخدم أن يكثروا لجعفر من الشراب، فما زالوا به حتى ثقل من شدة السكر، فانصرف مع غلمانه، فخرج إليه معن وأصحابه، فلم يكن به امتناع فقتلوه (٣). وعندما أراد الحاجب عبد الملك المظفر بن المنصور الفتك بوزيره عيسى بن سعيد عقد مجلساً للشراب ليلة العاشر من ربيع الأول سنة (٣٩٧) هـ (٤) (٤ ديسمبر ١٠٠٦) واستدعى وزيره عيسى للمجلس وأمر

стр. 285

السقاة أن يكثروا عليه، وبعدها عاتبه عبد الملك وسبه وأفحش عليه ثم ضربه بسيفه وأجهز عليه من حوله من رجاله (١). ومن آداب المجالس الخاصة لأمراء وخلفاء بني أمية أن لا أحد ينصرف من المجلس إلا عندما تظهر علامة تدل على رغبة الأمير أو الخليفة بانصراف جلسائه. فمن ذلك مثلاً أن الخليفة عبد الرحمن الناصر كانت علامة رغبته في انصراف ندمائه أن يميل برأسه إلى حجره، أو ينشد: - مازلت أشربها والليل معتكر حتى أكب الكرى رأسي على قدحي (٢) ورغم كل ما عُرف عن الأمويين من تباسط مع الناس وحسن معاملة، والتقاء بالندماء وجهاً لوجهٍ، إلا أن الحموديين الذي استولوا على الخلافة الأموية بقرطبة، منذ سنة ٤٠٧ - (٤١٤) هـ (١٠١٦ - (١٠٢٣) م) كانوا يتعاظمون، ويقلدون بني العباس، فإذا حضرهم من يحتاج إلى كلام سواء كان شاعراً أو غيره، خاطب الخليفة الحمودي من وراء حجاب، والحاجب واقف عند الستر يجاوب ما يقول له الخليفة (٣). وعلاقة الأمير أو الخليفة الأموي برجال دولته، علاقة متميزة، فالوزراء وأهل الخدمة ملزمون بالاختلاف إلى القصر كل يوم ليطالعوه بما
следующие страницы →