← История

История · id 7331

نظم حكم الأمويين ورسومهم في الأندلس

سالم بن عبد الله الخلف

Полный текст (939 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

وهناك آداب لتلك المجالس، يجب على من حضرها الالتزام بها، فلا يغتاب أحداً في المجلس (١)، ولا ينظر إلى غلام أو وجارية (٢)، ولا يطلب من القينة التي تغني في المجلس إعادة القصيدة التي غنتها (٣)، إذ أن ذلك مدعاة للشك في أن الهيبة لم تملأ قلبه، وهذا ما وقع به الشاعر الطبني، فقد ذكر ابن حيان أن أبا مضر محمد بن الحسين التميمي الطبني (٤)، كان في مجلس خاص مع الحاجب المنصور بن أبي عامر، فشرب معه، وغنت القينة بيتين من شعر أبي مضر الطبني، "فاستعادها أبو مضر، فأنكر ذلك المنصور، وعلم أن هيبته لم تملأ قلبه، فأومأ إلى بعض خصيانه، فأخرج رأس الجارية

стр. 282

في طست، ووضعه بين يدي الطبني، وقال له المنصور: مرها فلتعد، فسُقط في يده" (١). ورغم ما عُرف عن الخليفة عبد الرحمن الناصر من شدة وتأكيد دائم على إظهار الهيبة والتمسك بمراسم الدولة، إلا أنه كان في مجالسه الخاص متساهلاً متواضعاً مع جلسائه. فقد ذكر ابن حيان أن الخليفة عبد الرحمن الناصر، كان في مجلس خاص مع وزرائه، وكان من بين الحضور الوزير محمد بن سعيد المعروف بابن السليم، وفي هذه الجلسة أخذ الخليفة يعرّض بالوزير ابن السليم، مما أدخل الرعب في قلبه، خشية أن يبطش به الخليفة، ولذا فقد أفرط الوزير في الشراب من شدة الذعر، حتى اضطر إلى إفراغ ما في جوفه، فابتدره الوصفاء بالطست والمناديل، ولم يشعر الوزير إلا بالذي أمسك رأسه وهو يقول له: "استفرغ ما في معدتك، وتأن بنفسك" فأنكر الوزير كلامه من بين الخدم، فصرف رأسه إليه، وإذا به الخليفة، فما تمالك أن خر على قدميه يقبلهما، ويقول "يا ابن الخلائف، إلى هنا انتهيت من بري" وجعل يدعو له ويعظم شكره (٢).

стр. 283

كذلك كان الخليفة عبد الرحمن الناصر كثيراً ما يمازح وزرائه، ففي أحد مجالسه الخاصة طلب من أبي القاسم لب، أن يهجو الوزير عبد الملك بن جهور، فقال: أخافه، فقال لابن جهور أهجه: فقال أخاف على عرضي منه، فقال: أهجوه أنا وأنت، ثم قال: لبٌّ أبو القاسم ذو لحية … طويلة في طولها ميل فقال ابن جهور: وعرضها ميلان إن كُسِّرت … والعقلُ مأفون ومدخولُ (١) لو أنه احتاج إلى غسلها … لم يكفه في غسلها النيلُ (٢) فقال الناصر للبِّ: اهجه فقد هجاك، فقال بديهاً: قال أمين الله في عصرنا … لي لحية أزرى بها الطول وابن جهيرٍ قال قول الذي … مأكوله القرضيل والفولُ لولا حيائي من إمام الهدى … نخست بالمنخس شو … ثم سكت، فقال الناصر: هات تمام البيت، فامتنع، فقال له: "قولو" يعني تمام البيت، فقال لب يا مولانا أنت هجوته، ففطن الناصر والحاضرون، وضحكوا، وأمر له بجائزة (٣). وأما الخليفة المستنصر بالله، فقد كان بعيداً كل البعد عن عقد المجالس التي يتم فيها الاستماع للقيان،

стр. 284

لما عُرف عنه من شدة التديّن، والاهتمام بمطالعة كتب العلم ومجالسة العلماء، لأنه فضل كل ذلك على كل لذة، ولكنه في مقابل ذلك كان يمازح رجال دولته في جلسات خاصة بهم (١). ومازال خلفاء بني أمية يعقدون مثل هذه المجالس إلى أن زالت دولتهم (٢) والملاحظ أن تلك المجالس قد تكون فرصة للتخلص من بعض المناوئين، أو ممن يخشى جانبهم من رجال الدولة. فالحاجب المنصور بن أبي عامر عندما عزم على الفتك بجعفر بن علي بن حمدون أقام جلسة خاصة، أعلن أنها تكريماً لجعفر، وذلك ليلة الأحد لثلاث خلون من شعبان سنة (٣٧٣) هـ (يناير ٩٨٤) وفي تلك الجلسة أمر المنصور الوصفاء والخدم أن يكثروا لجعفر من الشراب، فما زالوا به حتى ثقل من شدة السكر، فانصرف مع غلمانه، فخرج إليه معن وأصحابه، فلم يكن به امتناع فقتلوه (٣). وعندما أراد الحاجب عبد الملك المظفر بن المنصور الفتك بوزيره عيسى بن سعيد عقد مجلساً للشراب ليلة العاشر من ربيع الأول سنة (٣٩٧) هـ (٤) (٤ ديسمبر ١٠٠٦) واستدعى وزيره عيسى للمجلس وأمر

стр. 285

السقاة أن يكثروا عليه، وبعدها عاتبه عبد الملك وسبه وأفحش عليه ثم ضربه بسيفه وأجهز عليه من حوله من رجاله (١). ومن آداب المجالس الخاصة لأمراء وخلفاء بني أمية أن لا أحد ينصرف من المجلس إلا عندما تظهر علامة تدل على رغبة الأمير أو الخليفة بانصراف جلسائه. فمن ذلك مثلاً أن الخليفة عبد الرحمن الناصر كانت علامة رغبته في انصراف ندمائه أن يميل برأسه إلى حجره، أو ينشد: - مازلت أشربها والليل معتكر حتى أكب الكرى رأسي على قدحي (٢) ورغم كل ما عُرف عن الأمويين من تباسط مع الناس وحسن معاملة، والتقاء بالندماء وجهاً لوجهٍ، إلا أن الحموديين الذي استولوا على الخلافة الأموية بقرطبة، منذ سنة ٤٠٧ - (٤١٤) هـ (١٠١٦ - (١٠٢٣) م) كانوا يتعاظمون، ويقلدون بني العباس، فإذا حضرهم من يحتاج إلى كلام سواء كان شاعراً أو غيره، خاطب الخليفة الحمودي من وراء حجاب، والحاجب واقف عند الستر يجاوب ما يقول له الخليفة (٣). وعلاقة الأمير أو الخليفة الأموي برجال دولته، علاقة متميزة، فالوزراء وأهل الخدمة ملزمون بالاختلاف إلى القصر كل يوم ليطالعوه بما

стр. 286

استجد من الأمور، ويستمعوا لتوجيهاته، كما أنه إذا شفي من علة ألمت به، كان أول شيء يقوم به هو الجلوس لاستقبالهم (١). وإذا أجرى الأمير أو الخليفة عملية فصد، تسابق الشعراء إلى إلقاء قصائدهم في هذه المناسبة، بين يديه، فالخليفة عبد الرحمن الناصر عندما أجرى أول فصاد له في الزهراء أنشد أبو عثمان عبيد الله بن يحيى بن إدريس (٢) قصيدته التي مطلعها: اليوم تعترف القصور بأسرها … لهلالها ولشمسها ولبدرها إلى أن قال: فكأنما انفجر العبير بفصده … فجرى على وجه البلاد بعطرها (٣) كما أن زوجاته يحاولن أن يقدمن له كل طريف بهذه المناسبة، ومن أطرف ما ورد في هذا، ما ذكره المقري من أن الخليفة عبد الرحمن الناصر عندما جلس للفصد، وأخذ الطبيب يجس يده، أقبل طائر زرزور فأخذ يردد بعض الكلمات التي تم تدريبه عليها، فسر الخليفة بذلك، وعندما

стр. 287

سأل عمن أرسل إليه هذا الزرزور علم أن زوجته مرجانة أم ولده الحكم هي التي صنعت هذا، فكافأها على هذا الصنع مكافأة سنية (١). وهناك مناسبات خاصة يجلس فيها الأمير أو الخليفة الأموي لاستقبال كبار رجال دولته وحاشيته الخاصة، فمن أهم تلك المناسبات: جلوسه في العيد لتلقي التهاني، ولهذا الجلوس ترتيب خاص، فقد ذكر ابن حيان أنه في عيد الفطر من سنة (٣٦٠) هـ (٢٨ يوليو (٩٧١) م) "قعد الخليفة المستنصر بالله بعد انقضاء صلاة العيد، لتسليم الجند عليه، في محراب المجلس الشرقي من قصر الزهراء، المنيف على السطح العلي، والموفي على الروض البهي، قعوداً فخماً .. شهده طبقات الناس، فكان صدره الأخوة، وجنباته الوزراء وموسطته أهل المراتب من طبقات أهل الخدمة، وسائره لوجوه الموالي وبياض رجال قرطبة" (٢). وبمناسبة الحديث عن الأعياد فقد عرف الأندلسيون بالإضافة إلى عيدي الفطر والأضحى، عدة أيام اعتبروها أعيادا، وكانوا

стр. 288

يقيمون الاحتفالات بها، كاحتفالهم برأس السنة الميلادية الذي كن يقام في ليلة يناير (١)، ويوم العنصرة (٢)،

стр. 289

وليلة العجوز (١)، وخميس العهد (٢).

стр. 290

وهناك أعمال خيرية يعقد الخليفة المجلس لأجلها، فالخليفة الحكم المستنصر بالله، عندما أراد إعتاق بعض مماليكه وإمائه، عقد عقب شهر ربيع الآخر سنة (٣٦٤) هـ (ديسمبر (٩٧٥) م) مجلساً لهذا الشأن، أنفذ فيه "إعتاق جمع كثير من عبيد له وإماء تنيف عدتهم على مائة رقبة، انعقد لكثير منهم عتق بتل، وبعضهم عتق مؤجل، ولبعضهم تدبير (١)، خلص به جميعهم من الرق، عقدت الوثائق المحكمة العقد لجمعهم، فكان أول من أوقع شهادته فيها الأمير أبو الوليد هشام المرشح لولاية العهد، بخط يده، وتلاه أعمامه الأخوة، ثم الوزراء على مراتبهم، ثم قاضي الجماعة محمد ابن إسحاق (٢)، ووليه الحكام والفقهاء وأهل الشورى ثم العدول" (٣).

стр. 291

وعندما أراد الخليفة تحبيس بعض الحوانيت من أجل تعليم أولاد الضعفاء، تم عقد المجلس، فقد ذكر ابن حيان أنه في صدر جمادى الأولى من سنة (٣٦٤) هـ (ديسمبر (٩٧٥) م) أنفذ الخليفة الحكم المستنصر بالله "تحبيس حوانيت السراجين بسوق قرطبة على المعلمين الذين كان قد اتخذهم لتعليم أولاد الضعفاء والمساكين بقرطبة، وأشهد القاضي محمد بن إسحاق في هذا التحبيس يوم الجمعة لسبع خلون منه، وجلت المنقبة، وورث الله به القرآن أمة لم يكن أباؤهم يعرضونهم لوراثته" (١). واحتفل الخليفة المستنصر بالله بإسماع ولده هشام من الفقيه يحيى بن عبد الله بن يحيى الليثي (٢)، فقد جرى ترتيب في هذا الشأن قال عنه ابن حيان: - "فلما تم مجلس السماع، وحان انقلاب الشيخ يحيى بن عبد الله نفذ عهد الخليفة بأن يكون ركوبه ونزوله في الفصيل المعروف بفصيل المسجد، تشريفاً وترفيهاً عنه، فجرى أمره على ذلك مدة احتفاله، وعاود

стр. 292

الحضور يوم الأربعاء لأربع خلون من شعبان، فأسمع الأمير على رسومه بمشاهدة الوزير الكاتب جعفر بن عثمان، أثير الخليفة والده" (١). وكان الخليفة الأموي لا يأنف من قبول هدايا رجال دولته، فالخليفة عبد الرحمن الناصر قبل هدية سنية من الوزير أحمد بن عبد الملك بن شهيد، وذلك لثمان خلون من شهر جمادى الأولى سنة (٣٢٧) هـ (مارس (٩٣٩) م (٢)). كما تلقى الخليفة الحكم المستنصر بالله هدايا كبار رجال دولته، ومن أعظم تلك الهدايا هدية الفتى الكبير دري الأصغر الخازن الصقلبي، فقد أهداه منيته الغراء بوادي الرمان المنسوبة إليه، بجميع ماكان له فيها داخلها وخارجها من البساتين المسقية والأراضين المزروعة، وما كان له فيها من عبد وأمة وثور ودابة، وذلك في النصف من شهر شهبان سنة (٣٦٢) هـ (مايو (٩٧٣) م) (٣). والملاحظ أن الهدايا المقدمة من رجال الدولة لولاة الأمر، لا تعود بالمنفعة إلا على صاحب الهدية وحده، إذ أن ولي الأمر ينعم عليه بمناصب جديدة في الدولة فكأن القضية هي شراء مناصب لا أكثر، فالخليفة عبد الرحمن الناصر مثلاً بعد أن قدم له ابن شهيد هديته الشهيرة، أنعم عليه الخليفة بأن زاد من تقريبه واختصاصه، "وأسمى منزلته على سائر الوزراء

стр. 293

جميعاً، وأضعف له رزق الوزارة، وبلغه ثمانين ألف دينار أندلسية، وبلغ مصروفه إلى ألف دينار، وثنى له العظمة لتثنيته له الرزق فسماه "ذو الوزارتين" لذلك أمر بتصدير فراشه في البيت وتقديم اسمه في دفتر الارتزاق لأول التسمية، فعظم مقداره في الدولة جداً" (١). ومن هنا نرى أن المنفعة نالها الوزير فقط، فرزقه من الدولة تضاعف وأصبحت مرتبته مقدمة على الجميع، لأجل هذا، فقبول ولي الأمر لهدية أحد رجال دولته أمر فيه نظر. رسوم عامة لبني أمية: لدينا رسوم عدة عرفها الأمويون في الأندلس، وساروا عليها، فهناك رسوم خاصة بالأولاد، فقد كان الرسم يقضي بأن لا يسكن في القصر مع الأمير أو الخليفة إلا ولي العهد، أما بقية الأولاد فيتم إخراجهم من القصر إلى دورهم الخاصة بهم، فالأمير محمد بن عبد الرحمن عندما تولى الإمارة سنة (٢٣٨) هـ (٨٥٢ م) كان أول شيء اهتم به هو إخراج إخوته من القصر أسوة بإخوتهم الأكابر الذين خرجوا من القصر في حياة أبيهم، فقد ابتاع لهم الأمير محمد الدور الفخمة والضياع المغلة لهم بحسب مقاديرهم، ثم أخرجهم إليها بما يحتاجون إليه من العيال والإماء والعبيد والكراع والفرش والآلة والكسى والمراكب بالحلى الفخمة، فصير كلا منهم

стр. 294

بأكمل الجهاز وأتم العدة في داره، وضم إليهم ضياعهم وأجرى عليهم الأرزاق السنية الهلالية (١). وأما الخليفة عبد الرحمن الناصر، فقد أخرج أولاده إلى دورهم في شهر شوال سنة (٣٣١) هـ (يوليو (٩٤٣) م) وكان آخرهم خروجاً أبو أيوب سليمان بن عبد الرحمن الناصر، وأما المغيرة فقد خرج من القصر في آخر حياة أبيه لأنه كان أصغر إخوته، ولم يبق معه إلا ولده الحكم ولي عهده (٢). وطبيعي أن يهتم الأمويون بتربية أولادهم وتأديبهم وتثقيفهم، وهذا الأدب لا يقتصر على فترة الصغر، بل يمتد إلى فترة الرشد إن لزم الأمر، وهذا ما فعله الأمير عبد الرحمن الأوسط مع ابنه المنذر، الذي كان معروفاً بسوء الخلق في بداية شبابه، كثير الشك بمن حوله، معاقباً لمن يقدر عليه، مكثر التشكي لوالده لمن لا يقدر عليه، فلما أكثر على أبيه، أمر وكيلاً خاصاً به أن يبني بيتاً منفرداً في أحد الجبال، فلما كمل البناء، أمر ولده المنذر أن يسكن فيه، وأوصى الوكيل أن يمنع عنه الزيارة سواء من أصحابه أو أصحاب غيره، فلما ضجر المنذر من الوحدة، طلب من الوكيل بأن يأذن لمن كان يأنس به بزيارته، فأبلغه الوكيل بأن والده أمر أن لا يصل إليك أحد، لتبقى وحدك تستريح مما يرفع ضدك من وشايه، فعلم المنذر مراد والده، فكتب إليه يستعطفه، فلما وقف الأمير على رقعة

стр. 295

ولده، علم أن الأدب قد بلغ به حقه، فاستدعاه وأخبره بما قصد إليه من إفراده بهذا السكن، ونصحه ووجهه، فقبَّل المنذر يده وانصرف، ولم يزل المنذر يأخذ نفسه بما أوصاه والده حتى تخلَّق بالخلق الجميل، وبلغ ماأوصاه به أبوه، ورفع قدره (١). وهناك أوقات محددة يسمح فيها للأبناء بزيارة والدهم، يدل على ذلك أن الأمير عبد الرحمن الداخل عندما استأذن عليه ولده هشام بسبب قصة الكناني، انزعج، لأن الوقت لم يكن وقت زيارة (٢). والاحترام المتبادل بين أبناء البيت الأموي سمة بارزة في تاريخهم، فالأخ الأصغر يقبل يد أخيه الأكبر (٣)، كما أنه لا يناديه إن كان أميراً أو خليفة إلا بلفظ مولاي، فقد ذكر الحميدي أن عبد العزيز بن عبد الرحمن الناصر وُلد له وَلد، فعاش إلى أن دخل الكتاب، فظهرت منه نجابة، فأول لوح كتبه، بعث به إلى أخيه المستنصر بالله، وكتب إليه بعدة أبيات من شعره، جاء في مطلعها قوله: - هاك يا مولاي خطاً … مطه في اللوح مطا (٤)

стр. 296

وكانت قصور بني أمية تشهد حفلات زواج، ولا توجد لدينا معلومات عنها، ولكن يمكن تكوين صورة عنها من خلال معرفتنا لما كان يجري في حفلات زواج العامة أو بعض وجهاء الدولة. فقد كانت الأسر الموسرة تتفاخر في تجهيز بناتها، حتى أن الأمر يكلف بعضهم ما لا يطيق، فقد روى ابن حيان عن أبيه أن محمد بن أفلح غلام الخليفة الحكم المستنصر بالله، اضطر عند تجهيزه لابنته إلى بيع لجام مُحلَّى ثقيل الوزن كان يستخدمه لزينته أيام المواكب (١). وكانت حفلة الزواج تستمر أسبوعاً كاملاً (٢)، يمر فيه موكب الزفاف في أحد شوارع قرطبة، ومع موكب الحفل جماعة من الملهين ومعهم أحد المشهورين بالزمر، يكون في وسط الحفل، وعلى رأسه قلنسوة وشي وعليه ثوب خز عبيدي وفرسه بالحلية المحلاة يمسكه غلامه (٣)، وتقام الولائم في منزل والد العروس، ويصاحب ذلك سماع ضرب البوق أو ضرب الكير أو المزهر أو الطنبور أو العود، إلى جانب غناء المغنين والمغنيات والراقصات (٤).

стр. 297

هذه صورة سريعة عن زواج بعض الأسر الموسرة في قرطبة، لعلها تعطي تصوراً عما كانت عليه حفلات زواج أمراء وخلفاء بني أمية أو أحد أولادهم، فلا شك أنها كانت على مستوى كبير يتناسب مع ما هم عليه من عزٍ وثراء، وقد ذكر ابن حيان أن أعظم حفلة عرس جرت في الأندلس، أقيمت بمناسبة زواج المنصور بن أبي عامر من أسماء بنت غالب بن عبد الرحمن الناصري سنة (٣٦٧) هـ (١) (٩٧٧ م). ومن الحفلات التي كانت تقام في قصور بني أمية، حفلة "العقيقة" عندما يرزق أحدهم بمولود، ففي هذه المناسبة تقام وليمة عظيمة يدعى إليها كبار رجالات الدولة ووجهاء البلد، وتكون الأفراح متصلة عدة أيام (٢) وأما عملية الختان فقد كانت تتم بصورة جماعية لأبناء الأمويين، فالخليفة عبد الرحمن الناصر أقام سنة (٣٢٠) هـ (٩٣٢ م) بقصره في قرطبة صنيعاً فخماً احتفل فيه لإعذار عدة من أولاده الأصاغر، أعد "فيه صنوف الأطعمة الرفيعة، والفواكه الغريبة، والطبوب المثمنة، وزانه بما أظهر فيه من الآلات السلطانية والأدوات البديعة وفاخر الآنية وبديع الزينة، … فكان صنيعاً مشهوراً بقرطبة، عظُم شأنه، وكثر حمله، واعتلت عليه النفقة" (٣).

стр. 298

وفي بعض الأحيان يُختن مع أولادهم أولاد كبار رجالات الدولة، ومجموعة كبيرة من أولاد الضعفاء، ويقام احتفال كبير بهذه المناسبة، فالحاجب المنصور بن أبي عامر عندما ختن أولاده، ختن معهم من أولاد أهل دولته خمسمائة صبي، ومن أولاد الضعفاء عدد لا ينحصر، وأقام احتفالاً كبيراً بلغت فيه النفقة خمسمائة ألف دينار (١). وفي مثل هذه المناسبات، يدعى كبار رجالات الدولة والفقهاء والمشاورون من العدول ووجهاء البلد لحضور الاحتفال، ومن تخلف عن الحضور تتم مساءلته. فالخليفة عبد الرحمن الناصر عندما أقام حفل ختان لأولاد ابنه عبيد الله، اتخذ لذلك صنيعاً عظيماً بقصر الزهراء، لم يتخلف عنه أحد من كبار المدعويين، إلا الفقيه العالم أبو إبراهيم إسحاق بن إبراهيم بن مسرة (٢)، فافتقد

стр. 299

الخليفة مكانه، فبعث إليه ولده الحكم بكتاب يسأله فيه عن سبب تخلفه، فأجابه بعذر قبله منه الخليفة (١). وهناك رسوم خاصة بجنائز بني أمية، فالكفن والحنوط والطيب، يبعث بهما الأمير أو الخليفة لأهل المتوفى، وهذا ما فعله الأمير محمد بن عبد الرحمن عندما توفي عمه سعيد الخير بن الأمير الحكم الربضي، في صدر شهر ربيع الآخر سنة (٢٤٠) هـ (سبتمبر (٨٥٤) م) فقد أرسل الأمير محمد "بكفنه وحنوطه وطيبه من عنده، وعهد إلى بنيه وإخوته وأهل بيته ووزرائه وأهل خدمته بشهوده والمشي بين يدي نعشه" (٢). ثم طرأت عملية تضميخ النعش بالغالية، وهذا الرسم استُحدث أيضاً في عهد الأمير محمد فقد ذكر ابن حيان أن أبا القاسم الأصبغ بن محمد بن عبد الرحمن الأوسط توفي وعمره تسع وعشرين سنة وشهر، وذلك في حياة أبيه، فلما اتخذ النعش للأصبغ، أدخل على أمه، وكان وحيدها، فأمرت بتضميخ نعشه بالغالية، فهي التي استحدثت هذا الرسم (٣)، وأصبح معمولاً به إلى نهاية الدولة. ومن مات من أبناء البيت الأموي، تقدم للصلاة عليه أحدهم، فالأمير عبد الرحمن الداخل كان قد كلف ولده هشام بالصلاة على جنائز

стр. 300

أهل القصر، كما أن الأمير عبد الرحمن الأوسط قد قدم ولده بشراً لهذه المهمة (١). وقد درج أمراء وخلفاء بني أمية على الاحتفاظ بنفيس الأعلاق والجواهر في موضع خاص لا يهُتدى إليه، ويتم إثباتها في سجل خاص، ويتولى أحد الفتيان الأكابر الخلفاء، الإشراف على المكان والاحتفاظ بالسجل، ولا يعلم أحد سواه خبر تلك المدخرات. وقد ذكر ابن عذاري أن المهدي عندما استولى على قصر قرطبة سنة (٣٩٩) هـ (١٠٠٩ م) كان الفتى فاتن الكبير مريضاً، فلما حضرته الوفاة، كتب إلى المهدي يطلب منه الحضور لأمر ضروري، فلما جاءه المهدي "دفع إليه فاتن كتاباً فيه جميع ما تركه الخلفاء الأمويون، وذخائرهم مما لم يقف عليه ابن عبد الجبار ولا اهتدى إلى موضعه من بيوت الأموال، وغير ذلك من نفيس الأعلاق والجواهر والأمتعة العالية والآنية وما شبه ذلك فاحتوى ابن عبد الجبار على الجميع" (٢).

стр. 301

الفصل الثاني: النظام الإداري والمالي المبحث الأول: النظام الإداري المبحث الثاني: النظام المالي

стр. 302

النظام الإداري عندما حكم القوط إسبانيا لم يضعوا لها تقسيماً إدارياً، فقد أخذوا بالتقسيم الروماني الذي وجدوه في البلاد عند دخولهم، فهو يقسم اسبانيا إلى قسمين إداريين كبيرين، يحكم كل منهما موظف كبير يلقب بروكنسل " Proconcul" أولاً، ثم لقب برايتور " Praetor" فيما بعد، وهذان القسمان هما: اسبانيا الدنيا " Hispania Citerior" واسبانيا القصوى " Hispania Ulterior" والتي انقسمت بدورها إلى ولايتي "بيطي Betica" و "لشدانية Lusitania" وذلك سنة ٢٧ ق. م. ثم ظهرت ولاية إسبانيا الدنيا الجديدة الأنطونية " Hispania Nova Citerior Antoniana" وتضم إقليمي جليقية وأشتريش، بعد ذلك ظهرت ولايتا إسبانيا الطركونية " Hispania Tarraconensis" وإسبانيا القرطاجنية " Hispania Cartaginensis". وهذا التقسيم يصل بنا إلى تقسيم دقلديانوس الأخير الذي ينسب إلى قسطنطين، الذي يمقتضاه أصبحت اسبانيا ديوقنية " Diocesis" - أي عملا كبيرا بالمصطلح العربي - تابعة لمديرية الغالتين " Pracfectura Galliarum" داخلة في القسم الغربي من الدولة الرومانية، وبمقتضاه أصبحت اسبانيا تضم ست ولايات " Provinciae" وهي: باطقة ولشدانية، وجليقية، والولاية الطركونية، والولاية القرطاجنية، ثم أضفيت

стр. 303

إليها مرطانية الطنجية " Mauretania Tingitana" والجزائر الشرقية " Prpvincia Balearica" (١) . وقد أورد أبو عبيد البكري في جغرافيته نصاً أكثر تفصيلاً وأهمية للتقسيم الإداري أيام الرومان، بل أيام المسلمين، وهذا النص يقسم الأندلس إلى ست مناطق، جعل الجزء الأول من مدينة نربونه وهو حد مابين غاليوش وبين الأندلس، وأضاف إليها سبع مدن مما حواليها، وهي: بَطرِّش " Beziers" وطليوشة " Tolose" ومقلونة " Maguelonna" ونومشو " Nemauso" وقرقشونة " Carcassonne". وجعل الجزء الثاني: من مدينة براقرة " Bracara" وهو حوز جليقية وشلطانية " Saldana" وهو بلد ابن غُومِس. وجعل لها اثني عشر مدينة مما حواليها، منها: مدينة برطقال "بورتو Porto" ومدينة توذى " Tude" ومدينة أورية " Auria" ومدينة لكُّه " Lugo" ومدينة برطانية " Britonia" ومدينة اشترقة " Astorga" ومدينة شانت ياقو " Santiago" ومدينة إيرية " Iria" ومدينة بطقة ومدينة شارّة " Sarria". وجعل الجزء الثالث: من مدينة طَرَّكُونَة " Tarrgona" وأضاف إليها مدينة سرقسطة " Zaragoza" وأشقة " Huesca" ولاردة Lerida" وطرطوشة " Tortosa" وتطيلة " Tudela" وأعمال بلد ابن شانجو كلها وبلد بَلْيارش " Pallars" وبرشلونة " Barcelona" وجُرنُدة " Gerona"

стр. 304

ومدينة أَنْبُور [يش] " Ampurlas" ومدينة بنبلونة " Pamplona" ومدينة أُوقة " Oca" ومدينة قَلَهُرَّة " Calahorra" ومدينة طرَسَوُنة " Tarazona" ومدينة أماية " Amaya". وجعل الجزء الرابع: عشرين مدينة، قاعدتها مدينة طليطلة " Toledo"، وأضاف إليها مدينة أوريط " Oreto" ومدينة شَغُوبَية " Segovia" ومدينة أَرْكَبيقة " Ercavica" ومدينة وادي [الحجارة] " Guadalajara" ومدينة شِغُونْسَة " Siguenza" ومدينة أكشُمة " Oxuma" ومدينة بلنسية " Valencia" ومدينة بلازيا ومدينة أوريولة " Orihuela" ومدينة ألش " Elche" ومدينة شاطبة " Jativa" ومدينة دانية " Denia" ومدينة بياسة " Baeza" ومدينة قسطلونة " Gazlona" ومدينة منتيشه " Mentesa" ومدينة وادي آش " Guadix" ومدينة بسطة " Baza" ومدينة أرش " Urci" وهي بجانة " Pechina". وجعل الجزء الخامس: قاعدته مدينة ماردة " Merida"، وأضاف إليها اثنتي عشرة مدينة وهي: باجة " Beja"، ومدينة أكشونبة " Ocsonoba" [ومدينة صيوتلة؟] ويابرة " Evora" وشنترة " Cintra" وشنترين " Santarem" والأشبونة " Lisbona " وقلنبرية " Coimbra" وقورية " Coria" وشلمنقة " Salamanca" وصمورة " Zamora"، وهي محدثة بَرَا إلى شنت ياقوب " Santiago de Compostela. " وجعل الجزء السادس: قاعدته مدينة إشبيلية " Seville"، وأضاف إليها لبلة " Niebla" وقرطبة " Cordoba" وقرمونة " Carmona"

стр. 305

ومورو " Moron" ومرشانة " Marchena" والجزيرة " Algeciras" وتاكرنا " Takurunna" وريه " Rejio" وأشونة " Osuna" وإستجة " Ecija" وقبرة " Cabra" وأعمالها إلى بجانة " Pechina" وإلبيرة " Elvira" وجيان " Jaen" ومنتيتة " Mentesa" وباركتة " Bakartah" وأبدة " Ubeda" وبياسة " Baeza" (١) . وبناء على ما سبق فيمكن القول بكل اطمئنان بأن المسلمين قد وجدوا عند دخولهم شبه الجزيرة الأيبرية، تقسيماً إدارياً ثابتاً للبلاد، فساروا عليه، مع إجراء بعض التعديلات الشكلية التي اقتضتها الأحوال الجديدة، واستبدلوا ما وجدوا من التسميات والمصطلحات بما حملوه معهم من المشرق (٢)، ومما يؤيد هذا الرأي هو ذلك الاتفاق العجيب بين المصادر الجغرافية الأندلسية عند حديثها عن التقسيم الإداري في الأندلس (٣). ومن الواضح أن هناك تشابهاً في الأسس التي سار عليها كل من الرومان والمسلمين في تقسيماتهم الإدارية، فقد كانت المدينة هي الأساس الذي قام عليه التنظيم الإداري الروماني، وكانت المدن هي المراكز التي اعتمد عليها المسلمون في الحكم والإدارة (٤).

стр. 306

ولقد كان الإتجاه الإداري في الأندلس يميل نحو الأقسام الإدارية الصغيرة تيسيراً لضبط الأمن وربط المال، واكتفى المسلمون بالكور، كل كورة تتبعها مدن وكل مدينة تتبعها أقاليمها أو زماماتها، وهذا النظام أدى بدوره إلى تبسيط السلم الإداري، فالإدارة المركزية يتبعها عمال الكور، وعمال الكور يتبعهم عمال المدن، وهم المسئولون عن زمامات المدن وأقاليمها، وجرت العادة أن يعين عامل المدينة عاملاً خاصاً بالمدينة نفسها يسمى صاحب المدينة (١). وفي ظل المسلمين عرفت الأندلس نظام الأجناد أو الكور المجندة، وهو النظام الذي أخذه المسلمون عن البيزنطيين (٢)، والمراد به ولايات عسكرية ينزلها جند، ويسميها العرب بند والجمع بنود، وهي تقابل الثغور ويحكمها قائد عسكري. ولم يعرف نظام الأجناد إلا في الشام، ومنها انتقل إلى الأندلس، وذلك على أيام أبي الخطار الكلبي (٣) سنة (١٢٥) هـ (٧٤٣ م) مع اختلاف

стр. 307

واحد أن الجند في الشام كان يضم كوراً كثيرة، أما في الأندلس فكان يقابل كورة واحدة (١). وقد ذكر العذري أن الكورة أو المدينة في الأندلس قد قسمت إلى مدن أو نواح لكل منها حوز يسمى إقليماً، وإلى جانب الأقاليم أقسام إدارية أخرى تسمى الأجزاء، وهو يورد هذه الأجزاء بعد الأقاليم مباشرة (٢). وبذلك نرى أن المسلمين حين قسموا الأندلس تقسيماً إدارياً ساروا على ما وجدوه مع تكييفه على نحو يتفق مع ظروفهم في شبه جزيرة إيبيريا، دون أن يغيروا أساسه، فقد ظلت المدينة هي الأساس تتبعها الأرض، وحينما حولوا بعض المدن إلى كور ظلت المدينة أساس الكورة، ولم تكن الكورة هي الأساس تتبعها المدينة (٣).

стр. 308

والمدينة في الأندلس تتبع المعنى الروماني، فهي نواة لإقليم أو أقاليم كل أهلها يعتبرون من أهل المدينة، وهي بذلك تختلف عن معناها في المشرق الذي تعتبر فيه المدينة عبارة عن مجموعة من الأبنية يحيط بها سور. وقد اقتضى الأمر اعتبار الكثير من مدن الجنوب في الأندلس وحدات مستقلة، فجعلوها كورا، ذلك لأن مركز الثقل في الأندلس كان في الجنوب، من أجل هذا صغرت مساحات الكور في الجنوب بينما اتسعت في الشرق والغرب، وأما في الوسط ونواحي الشمال فقد ظلت مدناً بالمعنى الروماني القديم، لها أحواز وفي أحوازها تقع مدناً أخرى ذات أحواز (١). كما جرت العادة أن تسمى المدينة الرئيسة بالأم والجمع أمهات، والمدن الفرعية بالبنات، مفردها بنت، وقد تتحول الأم إلى بنت إذا زادت عليها في العمارة احدى بناتها، قال الحميري في كلامه عن طرسونه " .... ثم عادت طرسونة من بنات تطيلة عند تكاثر الناس بتطيلة، وإيثارهم إياها لفضل بقعتها واتساع خطتها" (٢). ومن غير الميسور الآن تقدير حوز كل كورة ومدينة، أو رسم خريطة دقيقة للأندلس وتقسيماتها الإدارية، لأن مالدينا من معلومات في المصادر الجغرافية التي وصلت إلينا لاتعين على ذلك (٣).

стр. 309

وقد ذهب بروفنسال إلى أنه من الممكن رسم صورة كاملة للتقسيم الإداري للأندلس بالاستعانة بكتب التاريخ، وهذا صحيح، ولكن مابين أيدينا من أصول تاريخ الأندلس مبتور من مواضع شتى كما هو الحال في جغرافية العذري (١)، وقد أحصى بروفنسال سبعاً وعشرون كورة غير الثغور، وهذه الكور هي قرطبة، فحص البلوط، قبرة، استجة، إشبيليه، قرمونة، لبله، اكشونبه (شلب) باجه، مورور، شذونه (قلسانه) الجزيرة الخضراء، تاكرنا، ريه، إلبيرة، جيان، بجانة، تدمير، شاطبة، بلنسية، طليطلة، طلبيرة، ماردة، بطليوس، شنترين، لشبونة، قلمرية (٢). وقد علق الدكتور حسين مؤنس على هذه القائمة بقوله: قد تكون هذه هي كور الأندلس في القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي) إلا أنه نظراً لعدم وقوفنا على إحصاء كامل لما في كتب التاريخ من معلومات، فإننا لا نستطيع مناقشة ما ذكره بروفنسال (٣). وإذا أتينا إلى تعريف الكورة، نجد ياقوت يعرفها بقوله "الكورة كل صقع يشتمل على عدة قرى، ولابد لتلك القرى من قصبة أو مدينة أو نهر يجمع اسمها ذلك اسم الكورة، كقولهم: دار بجرد، مدينة بفارس لها عمل واسع يسمى ذلك العمل بجملته كورة دار بجرد، ونحو نهر الملك، فإنه نهر

стр. 310

عظيم مخرجه من الفرات ويصب في دجلة، عليه نحو ثلاثمائة قرية، ويقال لذلك جميعه نهر الملك" (١). وإذا أتينا إلى الأندلس نجد أن التعريف الذي أدلى به ياقوت ينطبق على الكورة، إذ نجد أن لكل كورة عملاً واسعاً ولها قصبة أو حاضرة. فكورة إشبيلية - مثلا - تنسب إلى حاضرتها (٢)، بينما نجد كوراً أخرى لاتنسب إلى حواضرها، فكورة شذونة حاضرتها مدينة شريش (٣)، وكورة ريُّه حاضرتها أرشذونة (٤)، وكورة مورور حاضرتها مدينة شَلْب (٥). وكل قسم إداري سواء كان مدينة أو كورة ينقسم إلى أقاليم، والإقليم عند أهل الأندلس هو "كل قرية كبيرة جامعة فإذا قال الأندلسي: أنا من إقليم كذا، فإنما يعني بلدة، أو رستاقا بعينه" (٦). فكورة إشبيلية يتبعها من الأقاليم: إقليم المدينة، إقليم ألية، إقليم السهل، إقليم الشعراء، إقليم البصل، إقليم طالقة، إقليم الشرف، إقليم الوادي، إقليم طشانة، إقليم الفحص، إقليم قرطشانة، إقليم المنستير (٧).

стр. 311

وكل إقليم يكون متبوعاً بعدد كبير من القرى، فقرطبة كان يتبعها خمسة عشر إقليميا، إقليم المدور: عدد قراه تسعون قرية، إقليم القصب: عدد قراه سبعة وثمانون قرية، إقليم لوره: عدد قراه أربعة وستون قرية، إقليم الصدف: عدد قراه ثمانية وعشرون قرية، إقليم بني مسرة، عدد قراه سبع عشرة قرية، إقليم منيانة: عدد قراه ست وعشرون قرية، إقليم كرتش: عدد قراه ستون قرية، إقليم القتل: عدد قراه ثمان وأربعون قرية، إقليم الهزهاز: عدد قراه ثلاث وسبعون قرية، إقليم وابة الملاحة: عدد قراه أربعة وثمانون قرية، إقليم وابُه الشعراء: عدد قراه أربع وتسعون قرية، إقليم أولية السهلة: القرى مائة قرية وقريتان (١). من هنا يتضح أن الأقاليم كانت محددة تحديداً دقيقاً لمعرفة مايترتب على كل منها من الناحية المالية، وعلى هذا فالإقليم كانت الدولة تنظر إليه على أنه وحدة مالية، كما أن أسماء معظم الأقاليم ليس عربياً، مما يدل على أن الإقليم بحدوده واسمه كان موجوداً قبلهم (٢). وهكذا يتضح مما مضى أن كل قسم إداري ينقسم إلى عدة أقاليم، وكل إقليم يكون متبوعاً بعدد من القرى، ويطلق على كل

стр. 312

ما يدخل في حوز القسم الإداري اسم عمل (١)، أو حوز (٢)، أو نظر (٣)، أو ولاية (٤). خطة عمالة الكور: قبل وصول الأمير عبد الرحمن الداخل للأندلس، لم تورد المصادر الأندلسية أي ذكر لعمال الكور هناك، وإنما هناك زعامات قبلية تتولى السيطرة على مساحة شاسعة من الأراضي. لأجل هذا، نجد الأمير عبد الرحمن الداخل قد عمل جاهداً على إحلال سلطة الدولة مكان سلطة القبيلة، وبدأ بهذه الخطوة الهامة عقب انتصاره في معركة المصارة مباشرة، إذ لم ينكل بمعارضيه من القيسية، كما أنه منع أنصاره اليمانية من السلب والنهب (٥). وبعد أن استتب الأمر في الأندلس للأمير عبد الرحمن الداخل، عمد إلى تعيين الولاة على الكور، واختار في البداية الزعماء القبليين ليكونوا

стр. 313

ولاة في مناطق سيادتهم، فجعل أبا الصباح حي بن يحيى اليحصبي (١) والياً على إشبيلية (٢)، وسليمان بن يقظان (٣) على برشلونة (٤).

стр. 314

ويبدو أن الأمير الداخل قد قام بهذه الخطوة، رغبة منه في استمالة القوى القبلية حتى يقوى أمره، ومن ثم يفرض رؤيته الخاصة عن نظام الحكم والإدارة، فهو رغم إدراكه لما كان قد أضمره له أبو الصباح بعد معركة المصارة (١)، إلا أنه ولاه اشبيلية إلى حين تأتي الفرصة المناسبة للقضاء عليه بهدوء، وهو ما حصل، فقد أصدر الأمير أمراً بعزل أبي الصباح عن منصبه إضعافاً لأنصاره الذين كثرت حركات تمردهم على إمارة قرطبة، ولأن أبا الصباح رفض تنفيذ الأمر، فقد أعلن عن عصيانه وتمرده، فأرسل له الأمير كتاب أمان استدرجه به إلى قصر قرطبة، وهناك قضى عليه وذلك سنة (١٤٩) هـ (٢) (٧٦٦ م) ثم عزل جميع الزعماء القبيليين الذين لم يرق لهم الانصياع لنظام الحكم الجديد، وعين بدلاً منهم أمراء من البيت الأموي، أو الموالي أبناء البيوتات المساندة، فقد جعل حبيب بن عبد الملك (٣) والياً على طليلطة (٤)، وعبد الملك بن عمر

стр. 315

بن مروان (١) والياً على اشبيلية وولده عبد الله (٢) على مورور (٣)، كما جعل عبد السلام بن بسيل مولى هشام بن عبد الملك على عدة كور (٤). ووجود والٍ أو عامل في كورة، الغرض منه القيام بإدارة هذه الكورة وتصريف شئونها الإدارية والعسكرية والمالية وغيرها، نيابة عن الأمير أو الخليفة، وتمثيله في جميع المناسبات التي تجري في تلك الكورة. ويمكن القول بأن تعيين العمال في الكور والثغور يخضع لاعتبارات خاصة، فلا يمكن اعتبار عمالة كورة داخلية مثل أهمية عمالة أحد الثغور

стр. 316

البرية أو البحرية، فقد حرص الأمويون على أن يكون ولاة الثغور من رجال الحرب، الذين يتميزون بالكفاية الإدارية والحربية، فالأمير عبد الرحمن الداخل على سبيل المثال أسند ولاية وشقة وطرطوشة وطرسونة لأحد نقباء دولته تمام بن عامر الثقفي (١). الذي أظهر براعة فائقة في القدرة على مواجهة حركات التمرد والعصيان والقضاء عليها (٢). ونظراً لأهمية وجود الخبير بشئون البحر، نجد الأمويين يسندون أمر عمالة أو إدارة الثغور البحرية لرجال لهم الدراية الكافية في هذا المجال، فقد عمد الأمير عبد الرحمن الداخل إلى تولية الرماحس بن عبد العزيز (٣)

стр. 317

ثغر الجزيرة الخضراء (١)، ويعتبر الرماحس باني مجد بيت بني الرماحس في الأندلس، وقد اشتهر أبناء هذه الأسرة فيما بعد بالمهارة الفائقة في قيادة الأساطيل الحربية الأندلسية، ولعل عبد الرحمن بن محمد بن رماحس كان أشهر أبناء أسرته في تاريخ الدولة الأموية (٢). ونجد في عصر الإمارة، أن العديد من أبناء البيت الأموي كانوا عمالاً للكور، وغالباً مايتم إسناد الولايات المهمة لهم، فبالإضافة إلى من تولوا العمالة من الأمويين في عهد الأمير الداخل، كان الأمير عبد الرحمن الأوسط قد جعل ولاية كورة إليبرة مداولة بين ولديه الحكم وعبد الله (٣)،

стр. 318

بينما كان أخوهما محمد والياً على مارده (١)، وأما مسلمة بن الأمير محمد بن عبد الرحمن فقد كان والياً على كورة شذونة (٢). وفي عصر الخلافة لم نعد نسمع بذكر ولاة للكور من أبناء البيت الأموي، إلا أنه كان هناك ولاة من القرشيين (٣). وهناك من يتم الإسجال له على نصف مدينة فقط، فالأمير محمد بن عبد الرحمن عندما كان في إحدى غزواته حل بطليطلة وأصلح شأنها، وبسبب اختلاف أهواء أهلها في عمالهم، فقد قسمها الأمير بين مطرِّف بن عبد الرحمن ومنافسه طربيشة بحيث يلي كل واحد منهما جانباً، وذلك سنة (٢٥٩) هـ (٨٧٣ م) (٤). وأحياناً يتم الإسجال لأحدهم على ولاية إحدى النواحي، مكافأة له، وهذا ما فعله الأمير محمد بن عبد الرحمن، فقد مر أثناء عودته من إحدى مغازيه بأرض شنت برية، فاعتل له خصي من أكابر خصيانه الخلفاء، فتركه عند ذي النون بن سليمان (٥)، فمرَّضه وعالجه إلى أن برئ

стр. 319

من علته، ثم جاء به بنفسه إلى قرطبة، فكافأة الأمير محمد بأن أسجل له على ناحيته وقدمه على قومه وذلك سنة (٢٦٠) هـ (١) (٨٧٤ م). وهناك كور بقيت مدة دون عمال، ففي سنة (٢٧٧) هـ (٨٩٠ م) غدر عمر بن حفصون بخير بن شاكر (٢) القائم بدعوة المولدين والعجم ضد العرب بشوذر ونواحيها من كورة جيان، فقتله وبعث برأسه

стр. 320

إلى الأمير عبد الله بن محمد، وبسبب ذلك أقامت جيان وإلبيرة مدة دون عامل من الأمير (١). وإذا اتفقت كلمة أهل بلد على تقديم أحدهم ليكون والياً عليهم، نجد أن حكومة قرطبة لا تعارض فعندما اتفق أهل بجانة والمرية سنة (٣٠٣) هـ (٩١٦ م) على تقديم مسعود بن علي مكان أخيه قاسم بن علي وافقهم الأمير على ذلك، وعينه والياً عليهم. (٢) ويتم أحياناً الإسجال لإحدهم على نصف كورة، فقد أسجل الخليفة الحكم المستنصر بالله لأصبغ بن محمد بن فطيس على نصف كورة ريَّة، وذلك في يوم الاثنين لخمس خلون من رمضان سنة (٣٦١) هـ (٣) (يونيو (٩٧٢) م). كما يتم أحياناً عقد ولاية لأحدهم على إحدى الكور إتقاء لشره، وهذا النمط برز بوضوح في عهد الأمير عبد الله بن محمد ٢٧٥ - (٣٠٠) هـ (٨٨٨ - (٩١٢) م) فقد أسجل للب بن محمد بن لب بن موسى القسوي (٤) على
следующие страницы →