← История

История · id 7331

نظم حكم الأمويين ورسومهم في الأندلس

سالم بن عبد الله الخلف

Полный текст (939 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

البرية أو البحرية، فقد حرص الأمويون على أن يكون ولاة الثغور من رجال الحرب، الذين يتميزون بالكفاية الإدارية والحربية، فالأمير عبد الرحمن الداخل على سبيل المثال أسند ولاية وشقة وطرطوشة وطرسونة لأحد نقباء دولته تمام بن عامر الثقفي (١). الذي أظهر براعة فائقة في القدرة على مواجهة حركات التمرد والعصيان والقضاء عليها (٢). ونظراً لأهمية وجود الخبير بشئون البحر، نجد الأمويين يسندون أمر عمالة أو إدارة الثغور البحرية لرجال لهم الدراية الكافية في هذا المجال، فقد عمد الأمير عبد الرحمن الداخل إلى تولية الرماحس بن عبد العزيز (٣)

стр. 317

ثغر الجزيرة الخضراء (١)، ويعتبر الرماحس باني مجد بيت بني الرماحس في الأندلس، وقد اشتهر أبناء هذه الأسرة فيما بعد بالمهارة الفائقة في قيادة الأساطيل الحربية الأندلسية، ولعل عبد الرحمن بن محمد بن رماحس كان أشهر أبناء أسرته في تاريخ الدولة الأموية (٢). ونجد في عصر الإمارة، أن العديد من أبناء البيت الأموي كانوا عمالاً للكور، وغالباً مايتم إسناد الولايات المهمة لهم، فبالإضافة إلى من تولوا العمالة من الأمويين في عهد الأمير الداخل، كان الأمير عبد الرحمن الأوسط قد جعل ولاية كورة إليبرة مداولة بين ولديه الحكم وعبد الله (٣)،

стр. 318

بينما كان أخوهما محمد والياً على مارده (١)، وأما مسلمة بن الأمير محمد بن عبد الرحمن فقد كان والياً على كورة شذونة (٢). وفي عصر الخلافة لم نعد نسمع بذكر ولاة للكور من أبناء البيت الأموي، إلا أنه كان هناك ولاة من القرشيين (٣). وهناك من يتم الإسجال له على نصف مدينة فقط، فالأمير محمد بن عبد الرحمن عندما كان في إحدى غزواته حل بطليطلة وأصلح شأنها، وبسبب اختلاف أهواء أهلها في عمالهم، فقد قسمها الأمير بين مطرِّف بن عبد الرحمن ومنافسه طربيشة بحيث يلي كل واحد منهما جانباً، وذلك سنة (٢٥٩) هـ (٨٧٣ م) (٤). وأحياناً يتم الإسجال لأحدهم على ولاية إحدى النواحي، مكافأة له، وهذا ما فعله الأمير محمد بن عبد الرحمن، فقد مر أثناء عودته من إحدى مغازيه بأرض شنت برية، فاعتل له خصي من أكابر خصيانه الخلفاء، فتركه عند ذي النون بن سليمان (٥)، فمرَّضه وعالجه إلى أن برئ

стр. 319

من علته، ثم جاء به بنفسه إلى قرطبة، فكافأة الأمير محمد بأن أسجل له على ناحيته وقدمه على قومه وذلك سنة (٢٦٠) هـ (١) (٨٧٤ م). وهناك كور بقيت مدة دون عمال، ففي سنة (٢٧٧) هـ (٨٩٠ م) غدر عمر بن حفصون بخير بن شاكر (٢) القائم بدعوة المولدين والعجم ضد العرب بشوذر ونواحيها من كورة جيان، فقتله وبعث برأسه

стр. 320

إلى الأمير عبد الله بن محمد، وبسبب ذلك أقامت جيان وإلبيرة مدة دون عامل من الأمير (١). وإذا اتفقت كلمة أهل بلد على تقديم أحدهم ليكون والياً عليهم، نجد أن حكومة قرطبة لا تعارض فعندما اتفق أهل بجانة والمرية سنة (٣٠٣) هـ (٩١٦ م) على تقديم مسعود بن علي مكان أخيه قاسم بن علي وافقهم الأمير على ذلك، وعينه والياً عليهم. (٢) ويتم أحياناً الإسجال لإحدهم على نصف كورة، فقد أسجل الخليفة الحكم المستنصر بالله لأصبغ بن محمد بن فطيس على نصف كورة ريَّة، وذلك في يوم الاثنين لخمس خلون من رمضان سنة (٣٦١) هـ (٣) (يونيو (٩٧٢) م). كما يتم أحياناً عقد ولاية لأحدهم على إحدى الكور إتقاء لشره، وهذا النمط برز بوضوح في عهد الأمير عبد الله بن محمد ٢٧٥ - (٣٠٠) هـ (٨٨٨ - (٩١٢) م) فقد أسجل للب بن محمد بن لب بن موسى القسوي (٤) على

стр. 321

تطيله (١) وطرسونة (٢) وأعمالها اتقاء لشره وكفاً لأذاه (٣).

стр. 322

وبعد أن تمكن محمد بن عبد الرحمن التجيبي من قتل والي سرقسطة أحمد بن البراء في شهر رمضان سنة (٢٩٦) هـ (يونيو (٩٠٩) م) كتب التجيبي للأمير عبد الله بن محمد يذم عنده أحمد ابن البراء ويقدح فيه، ويسأله الإسجال له على سرقسطة وماحولها، فلبى الأمير طلبه لعجزه عن مواجهته أو مواجهة غيره (١). كما أن الأمير عبد الله أسجل لمحمد بن عبد الكريم بن الياس (٢) على بلده "ورد" من كورة شذونه، كفاً لشره (٣). وإذا كانت حكومة قرطبة غير متأكدة من صدق ولاء من يريد الإسجال له على بلده، وفي الوقت نفسه لا تستطيع رده خائباً، ففي هذه الحالة يتم أخذ أحد أولاد صاحب الطلب ليبقى رهينة بقرطبة مكرماً معززاً، فالأمير محمد بن عبد الرحمن بعد أن أسجل لذي النون بن سليمان

стр. 323

على بلده "شنت بريه" (١) وقدمه على قومه، ارتهن منه بعض ولده وذلك سنة (٢٦٠) هـ (٨٧٤ م) (٢). وعندما يتم تعيين أحد الولاة عاملاً في إحدى الكور، لابد من إصدار ظهير له في هذه المناسبة من قرطبة، وقد حفظت لنا المصادر ظهيراً أصدره الخليفة الحكم المستنصر بالله لأصبغ بن محمد بن فطيس في رمضان سنة (٣٦١) هـ (يونيو (٩٧٢) م) عندما ولاه على نصف كورة ريّة جاء فيه "بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد، فإنما تستدام النعمة بشكرها، وتعرف النصيحة باستعمالها، وبالنصيحة تتفاوت منازل العبيد لدى ساداتها، وقد رأى أمير المؤمنين فيك رأياً عظمت به عليك النعمة، فاسْعَ للمحافظة عليها بمقدار عقلك وكفايتك، أو بحسب نقصك وتدبيرك، فاستعن بالله وخذ بالرفق في أمرك، وقلة الرغبة في شأنك، واجتنب التحامل على رعيتك فإنها من حفي عناية أمير المؤمنين بموضع لايترك معه البحث عن أحوالها والكشف عن سيرتك فيها إن شاء الله، ورأى تقليدك شطر كورة

стр. 324

ريّه، وهي من أهم كور الأندلس عليه، براً وبحراً، وجباياتها وضياعها، فانظر أي خادم تكون، وشاكراً للنعمة تظهر، إن شاء الله" (١). وكان عمال الكور وقادة الثغور، يقيمون في عاصمة الكورة أو الثغر، وهذه العاصمة تعرف باسم القاعدة (٢) أو الحاضرة (٣) أو القصبة (٤). وبطبيعة الحال فإن قرطبة ومن ثم الزهراء والزاهرة، كانت تحوي وزارات إدارية ووزارات خدمات، وكل كورة في الأندلس هي مثل قرطبة ولكن على شكل مصغر، ففيها القاضي وصاحب الشرطة، وصاحب الصلاة، وصاحب السوق وغير ذلك من وظائف، والكورة ترتبط ببيت الوزراء الملحق بقصر الإمارة أو الخلافة، فهو الذي يعيِّن الولاة والعمال، وإليه ترد مكاتبات عمال الكور وقادة الثغور، والوزراء بدورهم يرفعون الأخبار بواسطة الحاجب للأمير أو الخليفة. وعندما تكون هناك غزوة ويتطلب الأمر حشد قوات من الكور، يتولى عمالها إخراج العدد المطلوب من المقاتلين (٥)، كما أن هناك مكتب في حاضرة الكورة يتولى عملية تقدير الضرائب وجمعها وإرسالها لقرطبة، وكان يطلق على متولي شئون المال في الكورة اسم "الأمين" يساعده في

стр. 325

ذلك المحصلون ومثمن المحصول، ومن هذه الأموال المجموعة يتم صرف أرزاق موظفي الكورة وجنودها، بينما يرسل الباقي والمسمى الفائض أو المستفاض إلى العاصمة قرطبة (١). ويبدو أن منصب عمالة الكور، كان فرصة للثراء العريض، وذلك من جراء سطو بعضهم على الأموال الواجب إرسالها إلى قرطبة، ولذا فأحيانا يتم إغرام بعض العمال عند عزلهم، فالأمير عبد الله بن محمد عندما عزل جهور بن عبد الملك البختي (٢) من عمل كورة إلبيرة، أغرمه ثلاثة آلاف دينار (٣). كما كانت أحياناً تتم مقاسمة العمال أموالهم. وهذا ما كان يفعله الخليفة عبد الرحمن الناصر مع عماله (٤).

стр. 326

ويظهر أن حكومة قرطبة على علم تام بما يختلسه العمال في الكور من الأموال، وأن وظيفة العمالة هي فرصة للإثراء، لأجل هذا نجد أن منصب العمالة يسند إلى أحدهم تعويضاً له عن هدية قدمها للأمير أو الخليفة (١). وقد عرف عن بني أمية حرصهم الشديد على رعيتهم، ولذا فقد كان يتم إرسال بعض الثقات للثغور والكور لسؤال الناس هناك عن سيرة عمالهم وقادتهم فيهم، ومن ثبت عليه شيء يتم عزله ومعاقبته. فالأمير هشام الرضا كان يبعث بقوم يثق بهم من أهل العدل إلى كافة الكور والثغور سراً يسألون الناس عن سير عمالهم (٢)، وفعل مثل ذلك الخليفة الحكم المستنصر بالله، فقد أمر صاحب الرد عبد الملك بن منذر بن سعيد بالخروج إلى الكور الغربية شريش ولقنت وأشبيلية ولبله ومورور واستجة وشذونة لمطالعة رعايها والتعرف على أحوالهم والكشف عن سير عمالهم فيهم (٣).

стр. 327

وإذا قُدمت شكاوى ضد أحد العمال، جرى التحقيق في القضية، فإذا ثبتت الدعوى اقتص من العامل سواء استوجب الأمر عقوبة جسدية أو مالية إضافة إلى العزل عن المنصب (١). وخطة العمالة من الخطط الهامة في الدولة، فكلما كان العامل حليماً، عاقلاً، عادلاً، كلما عاد ذلك على الدولة بالاستقرار والأمان، إذ أن الرعية لا تتمرد غالباً إلا بسبب جور العمال. ولأجل هذا فقد كان بيت الوزراء في قرطبة لا يختار للعمالة إلا الأكفاء ذوي المروءة، لكن الأمر تغير عندما أصبح الوزير هاشم بن عبد العزيز هو المدبر لدولة الأمير محمد بن عبد الرحمن فقد عدل عن اختيار "العمال من الكهول والشيوخ ومال إلى الأحداث وشاطرهم أرباحهم فكان العمال بذلك يسمون المناصفين ففسد بذلك الأمر (٢) " إذ أصبحت المسألة قائمة على ما يمكن أن نسميه بيع المناصب، فالعامل بدوره يشتط على الرعية في جمع الأموال لتعويض ما دفعه للوزير هاشم بن عبد العزيز وكل هذا على حساب الرعية، التي تضيق بالأمر، مما يؤدي بالنهاية إلى اندلاع حركات التمرد والعصيان، وهو ما شهدته الدولة الأموية ابتداء من منتصف القرن الثالث الهجري

стр. 328

(التاسع الميلادي) واستمر الوضع حتى مطلع القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي). خطة الكتابة: حرص الأمويون في الأندلس على إيجاد إدارة حازمة تعمل على تسيير شئون دولتهم الإدارية والمالية، وقد عُرفت هذه الإدارة باسم "الكتابة" (١). وهذه الإدارة هي أعلى أجهزة الدولة، وتقع عند الباب الرئيسي للقصر بقرطبة، والمعروف بباب السدة (٢). وعندما تحدث ابن سعيد الأندلسي عن الخطط الأندلسية، ذكر أن خطة الكتابة تنقسم إلى قسمين، كاتب الرسائل، وكاتب الزمام (٣). وقد عرف المكان الذي يعمل فيه كاتب الرسائل باسم ديوان الرسائل (٤)، وكانت مهمة هذا الديوان هي إعداد وصياغة المكاتبات الرسمية التي تصدر عن الأمير أو الخليفة.

стр. 329

وصاحب ديوان الرسائل يُعد من أبرز موظفي الدولة ويعرف بكاتب الرسائل، ومن تولى هذا المنصب عند الأمويين أصبح له حظ في قلوب وعيون الأندلسيين، ومن أراد منهم تعظيمه وتكريمه فلا يخاطبه إلا باسم الكاتب (١). لأجل هذا فقد كانت هناك شروط لابد من توافرها فيمن يلي هذه الخطة الشريفة، وهي أن يكون مسلماً حسن الديانة سليم العقل، عالماً بفنون الكتابة، حافظاً للقرآن الكريم والسيرة النبوية وأخبار العرب القدماء، حافظاً للأشعار، بليغاً، فصيحاً، وقوراً، مهيباً، له معرفة عامة بعلوم النحو، محباً للعلم، قادراً على كتمان السر (٢). فكاتب الرسائل يحتل أرفع المناصب، وربما يكون هو أقرب الناس للأمير أو الخليفة الأموي، مقدماً على من سواه، مطالعاً له بأسراره التي يظن بها على أخص الأخصاء من الأقارب والوزراء، فهو الذي يتولى الإشراف على فض الرقاع والمراسلات الخاصة بشؤون الإدارة وترتيبها ليعرضها على الأمير أو الخليفة لأخذ رأيه فيها، وكتابة الردود التي استقر الرأي عليها مع إثبات تاريخ وصول الرسالة وتاريخ الرد عليها في سجل خاص (٣)، وعليه فالكاتب هو "لسان الملك عند الخاص والعام" (٤).

стр. 330

من أجل هذا نجد أن الأندلسيين لا يكادون يغفلون عن عثرات كاتب الرسائل لحظة، فإن كان نقاصاً عن درجات الكمال لم ينفعه جاهه ولا مكانه من سلطانه من تسلط الألسن في المحافل والطعن عليه وعلى صاحبه (١). وكان يعمل في ديوان الرسائل عدد من الكتَّاب والموظفين، الذين يشترط فيهم أن يكونوا من ذوي الكفاية العالية في فنون الكتابة، إضافة إلى إجادة كل منهم لعمل معيَّن في الديوان. فهناك كاتب مهمته ترتيب الكتب التي ستعرض على الأمير أو الخليفة وتلخيصها (٢)، وكاتب مختص بكتابة مراسيم التعيين والأحداث الهامة التي تتلى على المنابر (٣)، وكاتب مختص بمكاتبة الملوك (٤)، وآخر لمكاتبة رجالات الدولة وولاتها (٥).

стр. 331

ولابد أن يوجد في الديوان مكان خاص بحفظ السجلات والأوامر الصادرة عن ديوان الرسائل (١)، وهذا المكان هو مايعرف بالوقت الحالي باسم "الإرشيف". ومع التطور الكبير الذي شهدته الدولة الأموية في عصر الخلافة، واتساع المهام الواجب على كل جهاز من أجهزة الدولة القيام بها، نجد الخليفة عبد الرحمن الناصر يصدر أوامره سنة (٣٤٤) هـ (٩٥٥ م) بتوزيع أمور الخدمة السلطانية بين وزرائه، فقلَّد الوزير جهور بن أبي عبد ة النظر في كتب جميع أهل الخدمة، وقلَّد الوزير عيسى بن فطيس النظر في كتب أهل الثغور والسواحل والأطراف وغير ذلك، وقلَّد الوزير الكاتب عبد الرحمن الزجالي النظر في تنفيذ كل ما يخرجه من العهود والتوقيعات، وينفذ به الأمر أو الرأي وغير ذلك، وقلَّد الوزير محمد بن حدير النظر في مطالب الناس وحوائجهم، وتنجيز التوقيعات لهم (٢). ولا يصل أحد إلى خطة الكتابة إلا بعد اجتيازه لاختبار يمر به، فإن أثبت كفاءته نال المنصب، فالأمير محمد بن عبد الرحمن عندما أراد تقديم حامد الزجالي (٣)

стр. 332

لخطة الكتابة، أمر بإدخاله إلى المكان المخصص للكتَّاب، ثم أمره بأن يكتب كتاباً على لسانه لأحد رجاله في الثغر يحذره من أحد المناوئين، فلما استحسن الأمير ما رفعه إليه حامد، أمر أن يوضع له فراش مع الوزراء (١). من هذه الحادثة يتضح لنا أيضاً أن الكاتب يحمل لقب "وزير" فيقال له "الكاتب الوزير" وبطبيعة الحال له من المميزات مثل ما للوزير إضافة إلى طبيعة عمله وهو الكتابة. ولم يتخذ الأمويون كاتباً خاصاً لهم في بداية أمرهم، فالكاتب الموجود في بيت الوزراء يكتب للأمير الأموي متى ما دعت الحاجة إلى ذلك، لكن هذا الرسم تغير منذ عهد الأمير عبد لرحمن الأوسط، فقد اتخذ كاتباً خاصاً به لا يكتب لأحد غيره، وأول من نال هذا المنصب محمد بن سعيد الزجالي (٢)، وبذلك ظهر رسم جديد في الدولة أن للأمير أو الخليفة الأموي كاتب خاص، وللوزراء كاتب خاص بهم. والكاتب الخاص هو المعروف في الدولة الأموية بالأندلس بصاحب القلم الأعلى، أو "صاحب قلم بني أمية الأعلى وكاتبهم العظيم (٣) "

стр. 333

ولا يمكن أن يصل إليه إلا من كان مسلماً، ولأجل هذا فعندما أصيب عبد الله بن محمد بن أمية بن يزيد (١) بعلة أقعدته عن ممارسة مهام صاحب القلم الأعلى، وذلك في سنة (٢٤٠) هـ (٨٥٤ م) تقريباً، قام قومس بن أنتنيان بأعمال عبد الله بن أمية، فلما توفي ابن أمية، قال الأمير محمد "لو أن قومساً كان مسلماً ما استبدلناه" ولأجل هذا بادر قومس إلى إعلان إسلامه والإشهاد على ذلك، فولاه الأمير خطة الكتابة (٢). وما كان الأمويون يتسامحون في أمر من أمور الكتابة، فهناك رسوم على الجميع التقيد بها، وهي أن يُحكِمْ الكاتب "الخط، فيقيم حروفه، ويراعي المداد فيجيد صنعته، ويميز الرقَّ فيحسن اختياره، وعجزه الحزم النافذ والحُكم الصَّادع، بأن تكون صدور كتب الاعتراضات وعنواناتها وتواريخها والأعداد في رؤوس رسومها" (٣).

стр. 334

ولا يعفى أحد من ولاة الكور وقادة الثغور من اتباع هذه الرسوم، فمن أرسل كتاباً إلى بيت الوزراء بقرطبة في رقٍ رديِّ، أو مداد دنيٍّ، أو كان خطه غير جيد، أو في عبارته لحن، وما شاكل ذلك، فلا ينظر في طلبه، بل سيعاقب بالعزل وإغرام المال (١). وقد كانت هناك أنواعاً عدة من الكتب تصدر عن حكومة قرطبة، تباينت أغراضها مابين أمان (٢)، وتولية (٣)، وفتح (٤)، وهدم (٥)، واستنزال عصاة (٦)، وتنديد بأهل البدع (٧)، وكتب استسقاء (٨)، وإسقاط بعض المغارم (٩)، واستنفار للجهاد (١٠)، ومنح ألقاب (١١) واتخاذها (١٢)، وكتب

стр. 335

صلح (١)، وهذه الكتب بمجرد صدورها تُحمَلْ للوزير الكاتب ليثبتها في السجلات (٢). وخطة الكتابة متوارثة في الدولة الأموية شأنها في ذلك شأن بقية الخطط، فالأمويون يحرصون على وضع خطط دولتهم بأيدي أبناء أسر معينة، فإذا توفي صاحب الخطة، نظروا في ذريته، واستقدموا أحدهم ليليها مكان أبيه، حتى وإن كان ذلك الولد لا يملك ما يؤهله لتوليها، وهذا ما فعله الأمير محمد بن عبد الرحمن، فبعد وفاة كاتبه عبد الله بن أمية استدعى ولده عبد الملك بن عبد الله (٣)، وولاه الكتابة ورغم إقرار عبد الملك للأمير بالعجز عن الكتابة، إلا أن الأمير أمره بتقلدها ونصحه بالاستعانة بمن يثق به، لقاء رزق يجرى له، حتى يتقن عبد الملك الكتابة (٤). ويُعد أمية بن يزيد بن عبد الرحمن بن أبي حوثرة، مولى معاوية بن مروان بن الحكم باني مجد بيت آل أبي حوثرة في الأندلس، فقد دخل أمية الأندلس مع طالعة بلج بن بشر القشيري، ثم تولى الكتابة للأمير

стр. 336

عبد الرحمن الداخل منذ وقت مبكر (١)، واستمر في منصبه حتى توفي سنة (١٥٤) هـ (٢) (٧٧١ م)، وتولى ولده محمد بن أمية الكتابة للأمير هشام الرضا حتى وفاته، وكذلك السنوات الأربع الأولى من عهد الأمير الحكم الربضي، لكنه عزله لاتهامه إياه بالوقوف ضده مع عمه سليمان بن الأمير عبد الرحمن الداخل (٣)، فمات محمد بن أمية خاملاً سنة (٢٢٦) هـ (٤) (٨٤١ م) وتولى ابنه عبد الله الكتابة للأميرين عبد الرحمن الأوسط وابنه الأمير محمد (٥)، وظل في منصبه إلى سنة (٢٤٠) هـ (٨٥٤ م) ثم أصيب بمرض أقعده حتى وفاته سنة (٢٤٦) هـ (٦) (٨٦٠ م). ثم تولى الكتابة ابنه عبد الملك للأمير محمد، وذلك سنة (٢٦٨) هـ (٨٨١ م) وأقره عليها الأمير المنذر وفي عهد الأمير عبد الله جمعت لعبد الملك القيادة مع الكتابة والوزارة، وظل في منصبه حتى قتله غدراً المطرف بن الأمير عبد الله بالقرب من اشبيلية، وذلك سنة (٢٨٢) هـ (٧) (٨٩٥ - (٨٩٦) م) وكان مروان ابن عبد الملك يخلف أباه على الكتابة عند

стр. 337

غيابه، إلا أنه اتهم بالقدح بالأمير عبد الله، فحبس بالمطبق ثم قتل ليلة الأربعاء لاثنتي عشرة ليلة خلت من شعبان سنة (٢٨٤) هـ (١) (سبتمبر (٨٩٧) م). ومثل بيت ابن أبي حوثرة، لدينا بيت الزجاجلة (٢)، فقد توارثوا خطة الكتابة في الدولة الأموية منذ عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط حتى أواخر عهد الخليفة عبد الرحمن الناصر، باستثناء عدة سنوات ابتداءً من سنة (٣٠٢) هـ (٩١٤ - (٩١٥) م) وهي السنة التي توفي فيها الكاتب الوزير عبد الله بن محمد بن عبد الله بن محمد بن سعيد الزجالي، حيث لم يبرز أحد

стр. 338

من بيت الزجالي، حتى عادت إليهم الكتابة بعبد الرحمن بن عبد الله بن محمد الزجالي سنة (٣٢٩) هـ (٩٤١ م) وكان عبد الرحمن هذا هو أخر من ورد ذكره من أفراد أسرته، ومن بعده لانسمع لهذه العائلة أي ذكر في خطة الكتابة في الدولة الأموية (١). ولعل أشهر من تولى الكتابة في الدولة الأموية على الإطلاق هو الخليفة عبد الرحمن الناصر، فقد اختبره جده الأمير عبد الله بن محمد عندما أمره أن يكتب كتاباً لأحد عماله بأمر هام، ويبدو أن عبد الرحمن قد أصاب بغية جده، الذي لم يخف سروره بنبوغ حفيده، فاتخذه كاتباً لسره (٢). ونظراً لأن الفتنة التي اندلعت في مطلع القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي) قد عصفت بالدولة الأموية، وأثرت على كافة أجهزتها، فقد كانت الكتابة من بين تلك الأجهزة التي تأثرت بها، إذ أصبح يرتقي إليها من لا يفقه فيها شيئاً، وقد وصف ابن حيان أحد أولئك الكتبة فقال فيه "ونعي إلينا فلان الدغل، غازله السِّل، كالأفعوان الصِّل، وكان أحد أعاجيب الدنيا في الفجور والخبث، والزهو والكبر، والعقوق

стр. 339

والجرأة، .... وكان إذا كتب مضطراً يضحك من تأمله، له في ذلك نوادر محفوظة، أمسى بها من حُجج الله تعالى في الرزق المقسوم" (١). وقال في وصف كاتب أخر "وفلان ساذج الكتابة، بيِّن الجهل والتخلف، طلق اللسان بالخنا والهجر، أحد الأفسال من أولي النباهة، عظيم البطالة والباطل، ومن كل حلية جميلة عاطل، من رجل عيّ اللسان، مثلوم الجنان، فدم الخلقة، طويل اللحية متهافت، لم يُرهف الأدب طباعه، ولا استخرج من كلمة حكمة (٢) ". كاتب الزمام: وبعد أن عرفنا كاتب الرسائل فإن الكاتب الأخر هو كاتب الزمام، هكذا يعرفون كاتب الجهبذة (٣)، وهذه الوظيفة من الوظائف المهمة في أي دولة، إذ أن متوليها يشرف على أعمال الجبايات وحفظ حقوق الدولة في الدخل والخرج، ويقوم بإحصاء العساكر بأسمائهم، وتقدير أرزاقهم وصرف أعطياتهم في أوقاتها (٤).

стр. 340

ويتضح من ذلك أن كاتب الزمام يعتمد في عمله على الاحتفاظ بسجلات من كافة إدارات الدولة، تحتوي على بيانات دقيقة عن الواردات والمصروفات، ليتمكن بالتالي من تقييم الموازنة بينهما. ويعمل مع كاتب الزمام عدد من الموظفين المهرة في الأمور الحسابية، ويعرف المكان الذي يباشرون فيه أعمالهم، تحت إشراف رئيسهم كاتب الزمام باسم الديوان (١)، كما أن رئيس الديوان يعرف أحيناً باسم "صاحب الأعمال الخراجية" (٢). وقد تبوأ كاتب الزمام مكانة سامية في الدولة الأموية في الأندلس، حتى أنه كان يعد أعظم من الوزير، ولأجل هذا فقد حرص الأمويون على ألاَّ يلي هذا المنصب نصرانياً ولا يهودياً البتة، ذلك أن متوليه "إليه تميل الأعناق، ونحوه تمد الأكف، والأعمال مضبوطة بالشهود والنظار، ومع هذا إن تأثلت حالته، واغتر بكثرة البناء والاكتساب نُكب وصودر. وهذا راجع إلى تقلب الأحوال وكيفية السلطان" (٣). خطة البريد: رغم شح المصادر الأندلسية، التي تمكنت من الاطلاع عليها، فيما يتعلق بالبريد وتنظيمه في الدولة الأموية بالأندلس، إلا أن هذا لا يمنع من القول بأن البريد عند الأمويين في الأندلس، كان منظماً تنظيماً دقيقاً،

стр. 341

يكفل ضمان تسيير الأمور والمعاملات، ويجعل ولاة الأمر على اطلاع تام بأحوال دولتهم ورعاياهم. وبناءً على التشابه المتوقع في نظام البريد لدى الأمويين في الأندلس، والعباسيين ببغداد، لأجل هذا فسأستعين بنظام البريد هناك لتكوين صورة تقريبية عما كان عليه عند أمويي الأندلس. فالبريد هو أن تكون هناك خيل مضمرات في عدة أماكن، فإذا وصل صاحب الخبر المسرع إلى مكان منها، وقد تعب فرسه، ركب غيره فرساً مستريحاً حتى يصل مسرعاً (١). وهذا ما فسره أحدهم بقوله "إن كلمة بريد مأخوذة من الكلمة اللاتينية " Veredus" أي الدابة التي يركبها العامل في نقل مكاتبة من مكان لأخر، فالبريد في الأصل اسم الدابة التي يركبها العامل، ثم نقلت مجازاً إلى المسافة المقطوعة، فهو عندهم كذلك واستعملت للنظام كلمة كمصلحة البريد" (٢).

стр. 342

وعلى ذلك، فإن كلمة بريد تعني مسافة معلومة بين مركزي بريد، قدرها الفقهاء وعلماء المسالك والممالك بأنها أربعة فراسخ أو أثنى عشر ميلا (١)، وهذه مسافة البريد المعمول بها في المغرب (٢). وكان البريد قد انقطع في الأندلس أواخر عصر الولاة (٣)، وذلك بسبب القحط الذي تعرضت له البلاد عدة سنوات والتي عرفت بسني برباط (٤)، ولم يتم إعادة تنظيم البريد في الأندلس مرة أخرى إلا بعد أن تمكن الأمير عبد الرحمن بن معاوية من إقامة الدولة الأموية في الأندلس، فقد بنى داراً خاصة بالبريد، كانت تقع في صدر السوق على الجانب الغربي لقصر الإمارة بقرطبة (٥).

стр. 343

ولنا أن نتوقع اهتماماً جاداً من الأمير عبد الرحمن الداخل بالبريد بعد أن أوجد داراً خاصة به، الأمر الذي كفل له سرعة وصول الأخبار إليه من كافة أرجاء دولته، ويكفي للدلالة على نجاحه في هذه الخطوة، أن والي الجزيرة الخضراء الرماحس بن عبد العزيز عندما أعلن عصيانه على الأمير عبد الرحمن الداخل سنة (١٦٤) هـ (٧٨٠ م) وصل الخبر بسرعة كبيرة لقرطبة، فقد أعلن الرماحس عصيانه يوم الاثنين وبلغ خبره الأمير عبد الرحمن يوم الجمعة (١)، وطبيعي أن في سرعة وصول الخبر لقرطبة دليل على التنظيم الجيد للبريد. وقد أفاد الأمير الحكم الربضي من البريد المنظم في الدولة الأموية، وتجلى ذلك في سرعة تصديه لحركات التمرد ووأدها وهي في المهد (٢). ويبدو أن الدولة الأموية قد أولت البريد عناية فائقة، بالذات بعد أن تعرضت دولتهم لهجمات الغزاة النورمانديين في سنة (٢٢٩) هـ (٣) (٨٤٤ م)، حتى إذا عادوا مرة أخرى لغزو الأندلس سنة (٢٤٧) هـ (٨٦١ م) لم يجدوا غرة ليفعلوا بالمسلمين كما فعلوا بهم في المرة السابقة (٤)، وذلك لما عُرف عن الأمير محمد بن عبد الرحمن من اهتمام

стр. 344

شديد بأخبار السواحل، حتى أن خشبة ظهرت بالقرب من ساحل بجانة بلغ الأمير محمد خبرها وطولها وعرضها (١). وقد ظلت دار البريد التي بناها الأمير عبد الرحمن الداخل في مكانها، ولم يجدد مبناها، إلا في عهد الخليفة عبد الرحمن الناصر، فقد تعرضت لحريق أتى عليها وعلى ما جاورها من السوق وذلك في العشرين من شهر رمضان سنة (٣٢٤) هـ (٢) (١٢ أغسطس (٩٣٦) م) فأعاد الخليفة بناءها وفق رسم أعده بنفسه، وأمر أن ترفع فوقها علية، لتقيها من الأضرار من مطر وغيره (٣). وفي عهد الخليفة الحكم المستنصر بالله جرى نقل دار البريد من موقعها فقد أصدر أوامره في يوم الأحد (٢٠) من شهر المحرم سنة (٣٦١) هـ (نوفمبر (٩٧١) م) بنقل دار البريد من موقعها بجانب القصر، إلى دار الزوامل الواقعة بالمصارة في طرف قرطبة (٤). والبريد لم يكن آنذاك لخدمة الجمهور، يحمل رسائلهم ووصاياهم، وإنما كان خاصاً بأعمال الدولة، كما أن صاحب البريد كان يراقب العمال ويتجسس على الأعداء، وهو بذلك أشبه مايكون بقلم المخابرات في الوقت الحالي، وقد كانت مهمة صاحب البريد أول الأمر توصيل

стр. 345

الأخبار إلى ولي الأمر من عماله في الأقاليم، ثم توسعت مهامه حتى أصبح عيناً لولي الأمر، ينقل أمره إلى ولاته، كما ينقل أخبارهم إليه (١). وهذا ما كان مطبقاً لدى الأمويين في الأندلس، فالأمير الحكم الربضي وصل إليه خبر وفاة قاضي الجماعة المصعب بن عمران، بنفس الليلة التي توفي بها، حتى أن بعض من كان معه في القصر لم يعرف بخبر وفاة القاضي (٢). وعندما حاول عباس بن عبد الله المرواني التشكيك في نزاهة قاضي الجماعة محمد بن بشير لدى الحكم الربضي، طلب الأمير من ذلك المرواني الذهاب للقاضي في داره فإن أذن له فسيعزله عن منصبه، وبعث خلفه بأحد ثقاته ليأتيه بما يجري بين القاضي والمرواني (٣). وكان من بين عيون الأمير محمد بن عبد الرحمن شرحبيل الزامر يأتيه بأخبار المجالس التي يتواجد فيها (٤)، في حين أن الخليفة عبد الرحمن الناصر كان على علم بكل ما يدور في المجالس والأسواق، بسبب كثرة ثقاته الذين بثهم بين الناس لهذه المهمة (٥).

стр. 346

وعندما أوصل البريد للخليفة الحكم المستنصر بالله خبر تجاوزات بعض عماله، أرسل إليهم كتاباً عنفهم فيه على جرأتهم وحذرهم من مغبة جورهم (١). وفي الدولة الأموية لم يكن صاحب البريد يعنى فقط بالأخبار التي تمس سياسة الدولة، بل كان يبلِّغ ماعدا ذلك من النوادر، مثل قصة الخشبة التي رُفع خبرها للأمير محمد بن عبد الرحمن، وكذلك ما حدث في عهد الخليفة الحكم المستنصر بالله، عندما رُفع إليه خبر الصبي المتفاوت الخلق، فقد أحضره فائق صاحب البرد والطراز عنده بالزهراء، ثم أوصله إلى الخليفة الذي استقبله مرتين، كانت الثانية منهما بحضور ولي العهد وذلك في شهر ذي الحجة سنة (٣٦٠) هـ (٢) (أكتوبر (٩٧١) م). والخبران الأخيران، سواء عن الخشبة أو الصبي، يدلان على دقة عمال البريد في استقصاء الأخبار ورفعها بتفصيلاتها لولي الأمر، ليصدر في شأنها ما يراه مناسباً، ولكن هذا لا يعني قبول كل الأخبار المرفوعة إلى الحاكم الأموي بدون تمحيص، فالأمير محمد بن عبد الرحمن كانت ترفع إليه كتب كثيرة عن بعض رجال دولته، حتى لقد رفع إليه ضد وزيره هاشم بن عبد العزيز مائة كتاب، كل واحد منها يكفي لقتله، إلا أن الأمير لم يأخذ بها، وفي الوقت نفسه لم يعاقب من رفعها إليه، أو حتى

стр. 347

يقطع مكافأته، لأنه إن فعل ذلك، أحجم الباقون عن رفع الأخبار إليه، فتعمى عليه أحوال الناس (١). ولعل من الضروري أن يكون لعمال البريد علامة تميِّزهم عمن سواهم، وذلك تيسيراً لهم في أداء مهامهم، فقد كانت علامة عمال البريد عند العباسيين وجود قطعة فضة بقدر الكف، يعلقها العامل على كتفه، ويكتب على إحدى صفحتي هذه القطعة "البسملة واسم الخليفة وعلى الصفحة الأخر ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً﴾ (٢). ويستخدم عمال البريد الخيول، ويجعل في أعناقها جلاجل أو سلاسل إذا تحركت سمعت لها قرقعة، تعرف عندهم بقرقعة البريد (٣)، وتجعل المراسلات في أكياس من الجلد توضع على ظهور الدواب (٤). وبطبيعة الحال فإن ديوان البريد وصاحبه، ومن يعمل معه من العمال والموظفين، سواء في قرطبة أو بقية الكور والثغور، هم بحاجة إلى نفقات تقوم بشؤونهم، فبالإضافة إلى رزق كل منهم، والذي يجب أن يكون مغنياً لهم عن التطلع لما في أيدي الآخرين، هناك نفقات المحطات

стр. 348

البريدية المقامة بين قرطبة وبقية نواحي الدولة الأموية، وكذلك نفقات شراء الدواب وما يلزمها من علوفة ونحوها، ورغم صمت المصادر الأندلسية عن ذكر أي ميزانية للبريد، إلا أننا نتوقع أنها لم تكن بالشيء اليسير، خاصة إذا عرفنا أن الدولة الأموية أصبحت متسعة الأطراف بالذات في القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي) إذ أصبح بر العدوة المغربية ضمن سلطة الخلفاء الأمويين في ذلك القرن، ففي أواخر شهر ذي القعدة سنة (٣٦٢) هـ (سبتمبر (٩٧٣) م) أمر الخليفة الحكم المستنصر بالله في رسالة بعث بها إلى الوزير القائد الأعلى غالب بن عبد الرحمن الناصري، المتواجد مع الجيوش الأموية في المغرب رسالة ضمنها أمره للقائد بأن ينظم البريد، ويتخذ الدواب، وأن يأمر الخازن قبله بإجراء العلوفة على الدواب والنفقات على الفرانقيين والخدمة (١)، الأمر الذي يكفل سرعة وصول الأخبار إلى الخليفة. وقد كانت مكاتبات الدولة الرسمية المرسلة إلى قرطبة، تصل كلها إلى ديوان البريد في حين أن التقارير المرفوعة من أصحاب البريد، فإنه نظراً لسريتها، فإنها تصل إلى الأمير أو الخليفة مباشرة، وقد كان ديوان البريد في قرطبة وما يتبعه من مراكز بريديه في الكور والثغور وطرق البريد، تضم عدداً كبيراً من الموظفين والعمال على رأسهم صاحب البريد،

стр. 349

والذي يشغل أحياناً خطة أخرى مع خطته، ولعل الفتى فائق الصقلبي صاحب البرد والطراز كان أشهرهم (١). ونظراً لأهمية منصب "صاحب البريد" فقد كان يُشترط في متوليه أن يكون أهلاً للثقة، كتوماً للسر، إذ أنه يطلع على أخبار ليس من اليسير أن يطلع عليها غيره. وصاحب البريد يشرف على استلام كل ما يرد إلى ديوان البريد من مكاتبات تأتي من الكور والثغور، والديوان بدوره يوزعها على بقية دواوين الدولة، كما أن صاحب البريد يقوم بمراقبة عمال البريد وموظفيه، سواء منهم من كان يعمل في قرطبة أو بقية النواحي، كما أن عليه دفع أرزاقهم. ولابد أن هناك أوقاتاً محددة لسير البريد في الأوقات العادية، لأجل هذا فعلى صاحب البريد مراعاة ذلك، فالأمير أو الخليفة الأموي كان شديد الحرص على معرفة أخبار الثغور والكور والسواحل في دولته، وقد بلغ الأمر بالأمير محمد بن عبد الرحمن أنه عندما تأخر عليه خبر الثغر، استدعى أحد رجاله ويدعى مطرف بن نصير (٢)، وأمره أن يذهب إلى الثغر ويأتيه بالخبر اليقين عما أهمه، وضرب له أجلاً لأداء مهمته، مدته أربعة عشر يوماً وتوعده بسفك دمه إن هو تجاوزها (٣).

стр. 350

كما أن على صاحب البريد التفقد الدائم لطرق البريد وحفظها من اللصوص، ومناقشة احتياجات محطات البريد المنتشرة على تلك الطرق. وعندما يقع اختيار الأمير أو الخليفة على أحد ثقاته ليلي خطة البريد، فإنه يكتب له ظهيراً لاستلام هذه الخطة يوصيه فيه بتقوى الله تعالى في السر والعلانية، وألا يرفع إليه إلا الصدق، وألا يستعين بأحد في أداء عمله إلا بمن يثق بصناعته، وورعه، ونزاهته. ثم يتطرق الظهير إلى صلاحيات صاحب البريد، فهو مراقب لعمال الخراج والضياع، مستقصياً لأخبارهم، منهيا لها على الحق والصدق، ويتعرف على حال عمارة البلاد، وما يجري في أمور الرعية من الإنصاف والجور، كما أن عليه أن يتعرف على أحوال الحكام في أحكامهم، وحال دار الضرب وما يجري عليه مما يُضرب فيها من العين والورق، وأن يبث العيون في المجالس لمعرفة ما يجري فيها، وأن يحصي أسماء المرتبين لديه لحمل خرائط البريد، مبينا رزق كل منهم، وعدد السكك في جميع عمله وأميالها ومواضعها، وأن يحث رجاله بضرورة الإسراع بوصول البريد، وإثبات وقت مروره بكل موقع، على أن يُكتب كل غرض من هذه الأغراض في سجل خاص، فأخبار القضاة في سجل، وعمال المعاون والأحداث في سجل، وأخبار الخراج في سجل، وهكذا كل غرض في كتاب، لكي لا يكون هناك تداخلاً في الأعمال.

стр. 351

وفي نهاية الظهير وصية لصاحب البريد بالتمسك بالعهد الذي أخذه عليه ولي أمره، الذي يدعو لعامله بالتوفيق (١). بقي أن أشير إلى أن بعض المصادر الأندلسية قد تعرضت لذكر بعض من كان يعمل في البريد لدى الأمويين في الأندلس، فقد ذكرت "الرقاص" والرقاص عند الأندلسيين والمغاربة هو ساعي البريد (٢)، ويبدو أنه اكتسب هذا اللقب من سيره على قدميه، كما ورد مصطلح "عرفاء أصحاب الرسائل (٣) " ومن هذا المصطلح يتضح لنا أن لكل مجموعة من العاملين في خطة البريد "عريف" يكون مسئولاً عن مجموعته، كما ورد مصطلح "كتاب الفُرانقين (٤) " والفرانقيون (٥) هم الذين يقومون بملاحظة سير السعاة والخيالة وحالة المحطات، فهم أشبه بالمفتشين، وعلى جميع الفرانقيين تقديم تقارير مفصلة عن كل مايحدث في خطوط البريد ومحطاته إلى ديوان البريد بقرطبة، كما أن من واجبهم إصدار الرسائل إلى الكور

стр. 352

والثغور، ويجمعوا تقارير الموظفين الموزعين على أنحاء الدولة، لمراقبتها وتنظيمها وإرسالها إلى ديوان البريد (١).

стр. 353

النظام المالي عرفت الدولة الأموية في الأندلس، ثلاث أنواع من خزائن المال، هي خزانة بيت مال المسلمين، والخزانة الخاصة بالأسرة الأموية، والخزانة العامة للدولة، ولكل نوع من هذه الأنواع الثلاث، واردات ومصروفات، ونظام دقيق تسير عليه، وسنتعرف على كل نوع منها على حده. أولاً: خزانة بيت مال المسلمين. عرفت الدولة الأموية في الأندلس هذا النوع من الخزائن، في عهد الأمير المنذر بن محمد ٢٧٣ - (٢٧٥) هـ (٨٨٦ - (٨٨٨) م) فهو الذي أمر بإنشائه لاستلام أموال الأوقاف، وأطلق عليه لقب "بيت المال (١) " ورغم أنه أقيم في داخل جامع قرطبة، إلا أن ذلك لم يجعله في منأى عن اللصوص، فقد تعرض للسرقة وذلك في شهر شوال سنة (٣٥٣) هـ (٢) (أكتوبر (٩٦٤) م). وقد أُسندت مهمة الإشراف على بيت مال المسلمين، لقاضي الجماعة، وهو بدوره لا يمكِّن أحداً من العمل فيه، إلا من كان غنياً، عدلاً، ثقة، ومع ذلك يكون القاضي دائم التفقد لهم، والسؤال عن أحوالهم في كل شهر إن أمكن، كما أن على القاضي أن يجتهد في إنماء تلك الأموال، مستعيناً على ذلك بآراء الفقهاء، ليكون بعضهم على بعض

стр. 354

شهيدا، ويكونوا جميعاً على علم بما يُدخل إلى بيت المال وما يُخرج منه، وفي أي شيء صُرف، وبذلك لا تكون هناك فرصة للتلاعب بالأموال (١). وقد تنوعت موارد بيت مال المسلمين، مابين أحباس، ومال غيبة، وزكاة. فأما الأحباس، فقد كان أمراء وخلفاء بني أمية في الأندلس، يتنافسون مع الأثرياء من رعاياهم في التحبيس لوجه الله تعالى، طلباً لمرضاته، وطمعاً في ثوابه، ومواساة لضعفاء المسلمين (٢). كما أن من غاب عن أملاكه ولم يكن له ورثة، أُدخلت أمواله إلى بيت مال المسلمين، ومن مات وليس له وارث إلا أحد الزوجين، فإن الفاضل من ميراثه يذهب لبيت مال المسلمين (٣). كما أن أي ذمي مات وترك مالاً منقولاً أو غير منقول، ولم يكن له وارث، ذهبت أمواله إلى بيت مال المسلمين (٤). وكذلك المرتد إذا لم يتب، فإن أمواله تدخل إلى بيت مال المسلمين (٥).

стр. 355

وأما الزكاة فهي حق مقدَّر يجب في أموال معينة، وهي عبادة من العبادات وركنا من أركان الإسلام الخمسة، وبذلك فهي فرض عين على كل مسلم يملك النصاب فاضلاً عن ديونه، ويمضي عليه الحول، ومتى وجبت في مال المسلم لا تسقط عنه، وقد حرص الأمويون في الأندلس على إرشاد ولاتهم في الكور والثغور وبر العدوة المغربية، على أخذ الزكاة من مستحقيها بشروطها الشرعية، ويتضح هذا جلياً في الكتاب الذي أرسله الخليفة الحكم المستنصر بالله لأبي العيش بن أيوب عندما ولاه النظر على جماعته من قبيلة كتامة، وذلك في يوم الثلاثاء لست خلون من شهر رمضان سنة (٣٦٢) هـ (يونيو (٩٧٣) م) (١). وكان هناك أُناس قد تخصصوا بجمع الزكاة من الذين وجبت عليهم، ويطلق على من يقوم بجمعها اسم "مصدق" (٢). وقد تعددت وجوه إنفاق أموال بيت مال المسلمين، فهناك الصدقات التي يتم توزيعها على مستحقيها، ومن أجل تنظيم هذه الناحية بصورة أكثر مما كانت عليه، أنشأ الخليفة الحكم المستنصر بالله داراً للصدقة غربي المسجد الجامع بقرطبة وذلك سنة (٣٦٠) هـ (٩٧١ م) (٣).
следующие страницы →