← История

История · id 7331

نظم حكم الأمويين ورسومهم في الأندلس

سالم بن عبد الله الخلف

Полный текст (939 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

وفي نهاية الظهير وصية لصاحب البريد بالتمسك بالعهد الذي أخذه عليه ولي أمره، الذي يدعو لعامله بالتوفيق (١). بقي أن أشير إلى أن بعض المصادر الأندلسية قد تعرضت لذكر بعض من كان يعمل في البريد لدى الأمويين في الأندلس، فقد ذكرت "الرقاص" والرقاص عند الأندلسيين والمغاربة هو ساعي البريد (٢)، ويبدو أنه اكتسب هذا اللقب من سيره على قدميه، كما ورد مصطلح "عرفاء أصحاب الرسائل (٣) " ومن هذا المصطلح يتضح لنا أن لكل مجموعة من العاملين في خطة البريد "عريف" يكون مسئولاً عن مجموعته، كما ورد مصطلح "كتاب الفُرانقين (٤) " والفرانقيون (٥) هم الذين يقومون بملاحظة سير السعاة والخيالة وحالة المحطات، فهم أشبه بالمفتشين، وعلى جميع الفرانقيين تقديم تقارير مفصلة عن كل مايحدث في خطوط البريد ومحطاته إلى ديوان البريد بقرطبة، كما أن من واجبهم إصدار الرسائل إلى الكور

стр. 352

والثغور، ويجمعوا تقارير الموظفين الموزعين على أنحاء الدولة، لمراقبتها وتنظيمها وإرسالها إلى ديوان البريد (١).

стр. 353

النظام المالي عرفت الدولة الأموية في الأندلس، ثلاث أنواع من خزائن المال، هي خزانة بيت مال المسلمين، والخزانة الخاصة بالأسرة الأموية، والخزانة العامة للدولة، ولكل نوع من هذه الأنواع الثلاث، واردات ومصروفات، ونظام دقيق تسير عليه، وسنتعرف على كل نوع منها على حده. أولاً: خزانة بيت مال المسلمين. عرفت الدولة الأموية في الأندلس هذا النوع من الخزائن، في عهد الأمير المنذر بن محمد ٢٧٣ - (٢٧٥) هـ (٨٨٦ - (٨٨٨) م) فهو الذي أمر بإنشائه لاستلام أموال الأوقاف، وأطلق عليه لقب "بيت المال (١) " ورغم أنه أقيم في داخل جامع قرطبة، إلا أن ذلك لم يجعله في منأى عن اللصوص، فقد تعرض للسرقة وذلك في شهر شوال سنة (٣٥٣) هـ (٢) (أكتوبر (٩٦٤) م). وقد أُسندت مهمة الإشراف على بيت مال المسلمين، لقاضي الجماعة، وهو بدوره لا يمكِّن أحداً من العمل فيه، إلا من كان غنياً، عدلاً، ثقة، ومع ذلك يكون القاضي دائم التفقد لهم، والسؤال عن أحوالهم في كل شهر إن أمكن، كما أن على القاضي أن يجتهد في إنماء تلك الأموال، مستعيناً على ذلك بآراء الفقهاء، ليكون بعضهم على بعض

стр. 354

شهيدا، ويكونوا جميعاً على علم بما يُدخل إلى بيت المال وما يُخرج منه، وفي أي شيء صُرف، وبذلك لا تكون هناك فرصة للتلاعب بالأموال (١). وقد تنوعت موارد بيت مال المسلمين، مابين أحباس، ومال غيبة، وزكاة. فأما الأحباس، فقد كان أمراء وخلفاء بني أمية في الأندلس، يتنافسون مع الأثرياء من رعاياهم في التحبيس لوجه الله تعالى، طلباً لمرضاته، وطمعاً في ثوابه، ومواساة لضعفاء المسلمين (٢). كما أن من غاب عن أملاكه ولم يكن له ورثة، أُدخلت أمواله إلى بيت مال المسلمين، ومن مات وليس له وارث إلا أحد الزوجين، فإن الفاضل من ميراثه يذهب لبيت مال المسلمين (٣). كما أن أي ذمي مات وترك مالاً منقولاً أو غير منقول، ولم يكن له وارث، ذهبت أمواله إلى بيت مال المسلمين (٤). وكذلك المرتد إذا لم يتب، فإن أمواله تدخل إلى بيت مال المسلمين (٥).

стр. 355

وأما الزكاة فهي حق مقدَّر يجب في أموال معينة، وهي عبادة من العبادات وركنا من أركان الإسلام الخمسة، وبذلك فهي فرض عين على كل مسلم يملك النصاب فاضلاً عن ديونه، ويمضي عليه الحول، ومتى وجبت في مال المسلم لا تسقط عنه، وقد حرص الأمويون في الأندلس على إرشاد ولاتهم في الكور والثغور وبر العدوة المغربية، على أخذ الزكاة من مستحقيها بشروطها الشرعية، ويتضح هذا جلياً في الكتاب الذي أرسله الخليفة الحكم المستنصر بالله لأبي العيش بن أيوب عندما ولاه النظر على جماعته من قبيلة كتامة، وذلك في يوم الثلاثاء لست خلون من شهر رمضان سنة (٣٦٢) هـ (يونيو (٩٧٣) م) (١). وكان هناك أُناس قد تخصصوا بجمع الزكاة من الذين وجبت عليهم، ويطلق على من يقوم بجمعها اسم "مصدق" (٢). وقد تعددت وجوه إنفاق أموال بيت مال المسلمين، فهناك الصدقات التي يتم توزيعها على مستحقيها، ومن أجل تنظيم هذه الناحية بصورة أكثر مما كانت عليه، أنشأ الخليفة الحكم المستنصر بالله داراً للصدقة غربي المسجد الجامع بقرطبة وذلك سنة (٣٦٠) هـ (٩٧١ م) (٣).

стр. 356

كما يتم بناء المساجد من بيت مال المسلمين، فالأمير عبد الرحمن الداخل قام ببناء جامع قرطبة من مال الأحباس (١)، وبيت مال المسلمين هو ساعد قوي للدولة عند تعرضها لأزمة اقتصادية (٢)، وإذا أراد الأمير أو الخليفة الأموي القيام بوجه من أوجه الخير، مثل غزاة، أو إصلاح موضع من الثغور، أو مدافعة عدو عن المسلمين، دفع إليه القاضي من بيت مال المسلمين ما يراه على طريق المعونة، وصلاح أمور المسلمين (٣). وفي الفتنة البربرية، أثناء محاصرة البربر لقرطبة سنة (٤٠١) هـ (١٠١٠ م) وافق قاضي الجماعة أحمد بن عبد الله بن هرثمة بن ذكوان (٤) على إعطاء المدافعين

стр. 357

خمسمائة فرس من مال الأحباس يحمل عليها مرتجلة العبيد (١)، ويبدو أن موقفه هذا كان نتيجة تأثره بموقف أهل قرطبة منه عندما طلبوا منه أن يمكنهم من الأموال المخزونة بالجامع ليدفعوها للنصارى حلفاء الخليفة المهدي وذلك سنة (٤٠٠) هـ (١٠١٠ م) فقد رفض القاضي طلبهم، إلا أن عامة أهل قرطبة هجموا على المسجد الجامع وكسروا باب المقصورة وأخذوا الأموال ودفعوها، مع ما قد جمعوه من قبل للنصارى (٢).

стр. 358

ثانياً: الخزانة الخاصة وهذه عُرفت باسم "بيت مال الخاصة (١) " ويُحمل إلى هذه الخزانة، الأموال التي تركها الأمراء والخلفاء الأمويين لأبنائهم، ولعل الأخماس التي لبني أمية في الأندلس، كانت من أهم موارد الخزانة الخاصة، فقد كانت من ضخامتها لا يحصيها ديوان (٢) يضاف إليها ما يحصله القائمون على الأسواق من جراء أخذهم الضريبة من بائعي الخضر والفواكه وغيرها، وهو ما يسمى بالمستخلص، وهذا المستخلص يبدو أنه كان ضخماً جداً، فقد كان مقدار ما يصل منه لبيت مال الخاصة سنوياً في عهد الخليفة عبد الرحمن الناصر (٧٦٥) ألف دينار (٣). وهناك الأموال التي كانت تدرها ضياع الأمراء والخلفاء الأمويين، والمنتشرة في أرجاء الأندلس، وهذه تعتبر مورداً هاماً من موارد الخزانة الخاصة، ولنا أن نتصور ضخامة تلك الضياع ومقدار ما تدره من الأموال، إذا عرفنا أن الخليفة الحكم المستنصر بالله قد حبَّس ربع ما ورثه عن والده في جميع كور الأندلس وأقاليمها من الضياع، ليفرَّق على ضعفاء الدولة الأموية ومساكينها عاماً بعد عام، إلا أذا حلَّت مجاعة بأهل قرطبة، فإنها تصرف إليهم إلى أن يجبرهم الله تعالى (٤). فإذا كان ربع الدخل يغطي

стр. 359

احتياجات فقراء الدولة ومساكينها، إذاً كم كان مقدار ما يصل إلى الخزانة الخاصة كل عام؟. وطبيعي أن هذه الضياع الشاسعة والمتناثرة في أرجاء الدولة بحاجة لأيدي عاملة تقوم بخدمتها ومراعاة احتياجاتها، وهذه العمالة بحاجة لإدارة كاملة تتولى شئونها، وقد عُرفت هذه الإدارة بخطة الضياع، يتولاها أحد كبار موظفي الدولة، ويعرف باسم "صاحب الضياع" (١). و"خطة الضياع" لا نجد لها أي ذكر، إلا ابتداءاً من عهد الخليفة عبد الرحمن الناصر، ولعل هذا يدفعنا إلى القول بأن هذه الضياع، لم تكن بالاتساع الذي شهدته في عهد الخليفة عبد الرحمن الناصر، خاصة أن الدولة الأموية مرت بأزمات وفتن كادت أن تعصف بها، وذلك في النصف الثاني من القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي) وبذلك فهي وإن كانت موجودة من قبل، إلا أنه لم يعد لها ذكر إبان تلك الفترة الحرجة، وذلك لانعدام سيطرة الإمارة الأموية على كافة أرجاء الأندلس، وعندما تمكن الخليفة عبد الرحمن الناصر من إخضاع البلاد لسيطرته، استعاد تلك الضياع وزاد عليها، ونظراً لضخامتها فقد أنشأ لها إدارة خاصة للعناية بها. وممن تولى "خطة الضياع" في عهد الخليفة عبد الرحمن الناصر، غالب بن محمد بن عبد الرؤوف، وعندما عُزل عنها في نهاية جمادى الآخرة سنة

стр. 360

٣١٦ هـ (أغسطس (٩٢٨) م) تولاها محمد بن عبد الله بن مضر، ثم عُزل عنها ووليها خلف بن أيوب بن فرج الكاتب (١). وقد كانت "خطة الضياع" تُسند أحياناً لاثنين مشتركين، ففي سنة (٣١٩) هـ (٩٣١ م) تولاها كل من: محمد بن عبد الله بن مضر وعبد الله بن معاذ بن بزيل (٢). ومن الموارد المهمة للخزانة الخاصة ما يسمى بـ"المستغلات" (٣) وهي المصادرات المالية التي كان يتعرض لها بعض رجال الدولة، فالأمير المنذر بن محمد، نكب الوزير هاشم بن عبد العزيز ثم قتله، وسجن أولاده وحاشيته، وانتهب ماله، وألزم أولاده غُرم مائتي ألف دينار (٤). وهناك الهدايا التي يتلقاها أمراء وخلفاء بني أمية، وهذه تعتبر من الموارد الهامة للخزانة الخاصة، كهدية ابن شُهيد للخليفة عبد الرحمن الناصر سنة (٣٢٧) هـ (٥) (٩٣٩ م) والهدية التي تلقاها الخليفة الحكم المستنصر بالله يوم مبايعته بالخلافة، فقد قدم له الحاجب جعفر المصحفي هدية سنية (٦)،

стр. 361

كما تلقى الخليفة الحكم هدية فتاه دريّ الأصغر الخازن وذلك سنة (٣٦٢) هـ (١) (٩٧٣ م). ويقوم الخليفة الأموي أحياناً باستقطاع جزء من ثروات عماله، ليضعها في الخزينة الخاصة، وهم بدورهم يقدمونها عن طيب خاطر، وذلك كما فعل ابن السليم عندما دفع للخليفة عبد الرحمن الناصر مائة ألف دينار دراهم (٢). والوفود والسفارات التي تصل قرطبة، تقدم هدايا خاصة للأمير أو الخليفة، وهذه بدورها تذهب إلى الخزانة الخاصة (٣). ولقد كانت الخزانة الخاصة تغص بالأموال، لكن ليس لدينا تحديد دقيق لمقدار تلك الأموال في أي سنة من عمر الدولة الأموية، إلا أن لدينا بعض الأرقام التي تساعد على تصور مدى ضخامة تلك الخزانة، فقد ذكر ابن حيان أن "صبح" أم الخليفة هشام المؤيد بالله، قد أخرجت جزءاً من مدخرات الخزانة الخاصة، فبلغ ثمانين ألف دينار (٤). وعندما قام عبد الملك بن المنصور بن أبي عامر بنقل بيت مال الخاصة من قصر قرطبة إلى الزاهرة، تنفيذاً لأوامر والده، وذلك يوم الثلاثاء الثالث

стр. 362

ممن جمادى الأولى سنة (٣٨٦) هـ (١) (مايو (٩٩٦) م) تمكن عبد الملك خلال ثلاثة أيام من حمل ما قدره: من الورق خمسة آلاف ألف دينار دراهم قاسمية، ومن الذهب سبعمائة ألف جعفرية (٢)، ومع ذلك لم يتمكن من أخذ كل ما في بيت مال الخالصة لوقوف السيدة "صبح" ومن معها من أهل القصر دونه (٣). وعندما سيطر المهدي على الخلافة، استصفى ما كان في حوزة العامريين في الزاهرة من أموال، فقد تمكن خلال ثلاثة أيام من نقل خمسة آلاف ألف دينار وخمسمائة ألف دينار، ومن الذهب ألف ألف دينار وخمسمائة ألف دينار، ثم وجد فيها بعد ذلك خوابي مملوءة من الورق، مدفونة في الأرض، فيها مقدار مائتي ألف دينار (٤). ويمكن أن نلحق بالخزانة الخاصة، تلك الأموال السريَّة التي كان أمراء وخلفاء بني أمية يحتفظون بها بطريقة سريَّة، فقد كانوا يعمدون إلى نفيس جواهرهم وذخائرهم ويحتفظون بها في مكان سري بقصر قرطبة، ولا يعلم أحد عن تلك المدخرات، إلا واحد من كبار فتيان القصر، وتكون تلك المدخرات مسجلة في سجل خاص يحتفظ به ذلك الفتى (٥).

стр. 363

ورغم صمت المصادر عن ذكر أي مسئول يتولى إدارة الخزانة الخاصة، إلا أننا نتوقع أن هناك عددا من الموظفين الماهرين في العمليات الحسابية يعملون في تلك الخزانة، تحت إشراف أحد رجال القصر، الذي يعمل تحت مسمى وظيفة سرية. وأموال الخزانة الخاصة ينفق منها أمراء وخلفاء بني أمية على لوازم قصورهم وضياعهم والمنى التي يتروحون فيها، وكذلك الإنفاق على الخدم والحشم والحرس الذين يعملون معهم. وقد كان عدد الفتيان الصقالبة بقصر الزهراء في عهد الخليفة عبد الرحمن الناصر ثلاثة ألاف وسبعمائة وخمسون، ومن النساء الكبار والصغار وخدم الخدمة ستة ألاف وثلاثمائة امرأة، ولذا فقد كان القصر الخلافي يستهلك يومياً من اللحم فقط ثلاثة عشر ألف رطل، هذا بخلاف الدجاج والحجل وصنوف الطير وضروب الحيتان (١). في حين أن جاري قصر الزاهرة في عهد المنصور بن أبي عامر تسعة ألاف رطل من اللحم على نسائه في قصره على طبقاتهن، وأما وظيفة مطبخة الخاصة المقامة كل يوم، فلم يوقف عليه لضخامته (٢). كما ينفق أمراء وخلفاء بني أمية من الخزانة الخاصة على ما يقومون ببنائه من منى وضياع، سواء كان لأنفسهم أو لأولادهم عندما يتم

стр. 364

إخراجهم من القصر -باستثناء ولي العهد- وإجراء الأرزاق الشهرية والحولية (١)، بالإضافة إلى الإنفاق على بعض الأقارب (٢). وهناك الوفود والسفارات التي تصل إلى قرطبة، فالأمير أو الخليفة، يُعوِّض الوفد عن هديته، كما أنه يقوم بالإنفاق على أعضاء الوفد طيلة مكوثهم بقرطبة (٣). ومن لجأ إلى الدولة الأموية فله الصلة والرزق والجرايات إكراماً له (٤)، كما يتم إكرام بعض رجال الدولة في بعض المناسبات (٥)، والإنفاق على العلماء (٦) ومكافأة الشعراء (٧)، وتكريم قادة الجيوش بمنحهم السيوف المذهبة وإغداق الأموال عليهم (٨)، بالإضافة إلى ما تكلفه الحفلات الخاصة والمنح التي تعطى للمغنيين (٩).

стр. 365

ثالثاً: الخزانة العامة للدولة عُرفت هذه الخزانة باسم "خزانة المال (١) " أو "الخزانة (٢) " أو "الخزانة الكبرى (٣) " وكان موقعها داخل قصر الإمارة بقرطبة، ثم انتقلت إلى قصر الخلافة بالزهراء، ومن ثم إلى الزاهرة، وأخيراً عادت إلى قصر قرطبة ابتداءاً من مطلع القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي) ووجود الخزانة داخل القصر، يعني أنها في مكان حصين، وتحت حراسة مشددة، إذ لم نسمع أنه قد تم السطو عليها، كما حصل لبيت مال المسلمين الموجود في المسجد الجامع (٤). ويبدو أن خزانة الدولة، لم تكن ضخمة في بداية أمرها، مما جعل أمر إدارتها يسيراً، لذا فقد تأخر إنشاء خطة خاصة بهذا الجهاز الذي يعد أهم وأضخم أجهزة الدولة الأموية، فالأمير الحكم الربضي هو الذي أنشأ خطة الخزانة، وجعلها جهازاً قائماً بذاته، وسفيان بن عبد ربه (٥) "هو أول

стр. 366

من استُخزن بالأندلس (١) " وذلك في أواخر القرن الثاني الهجري (الثامن الميلادي). وطبيعي أن ابن عبد ربه لم يكن يقوم بأداء مهام خطته لوحده فقد كان لديه مجموعة من الموظفين ذوي المهارة في الأعمال الحسابية، كما أن هناك العديد من المكاتب المالية المتناثرة في كور وثغور الدولة الأموية، كلها تتبع خطة الخزانة، فقد كانت تلك المكاتب تقوم بإرسال ماتنجزه من مهام مالية إلى الخزانة العامة للدولة ويرأس كل مكتب من تلك المكاتب موظف يعرف باسم الأمين أو الخازن (٢)، يقوم بجباية الضرائب بأنواعها، وبعد أن يصرف منها رواتب الموظفين والجند وبعض النفقات يرسل الفائض إلى الإدارة المالية بالعاصمة. ولا تسند هذه الخطة إلا لمن كان ثقة أميناً، ذا دراية واسعة بالحسبان، ويسمى صاحب هذه الخطة "الخازن" ويطلق على معاونيه اسم "الخُزاَّن" وكان عددهم يصل أحياناً إلى ثلاثة (٣)، يرأسهم الخازن الذي يعرف بـ"شيخ الخُزَّان (٤) " وعندما تعرض ابن خلدون لذكر هذه الخطة

стр. 367

عند أموي الأندلس، ذكر أن متوليها له جزء من رئاسة الدولة (١). لأجل هذا فقد كانت الدولة الأموية لا تسندها إلا لمن كان من ثقاتها، ويخرج بمناسبة التعيين ظهير للخازن الجديد تحدد له فيه الصلاحيات، ويرشد إلى بعض الأمور، بعد أخذ العهد عليه، ويدعى له بالتوفيق. ولقد كانت شخصيات رجال الدولة الأموية، شخصيات فذة، سمتها الإخلاص، وظهر هذا جلياً في موقف شيخ الخزَّان موسى بن حدير الذي رفض تنفيذ أمر الأمير عبد الرحمن الأوسط بصرف مبلغ ثلاثين ألف دينار للمغني زرياب، فقد قال موسى بن حدير لصاحب الرسائل الذي حمل الأمر "نحن وأن كنَّا خُزَّان الأمير أبقاه الله، فنحن خُزَّان المسلمين، نجبي أموالهم وننفقها في مصالحهم، ولا والله ما ينفذ هذا، ولامنا من يرضى أن يرى هذا في صحيفته غدا، أن نأخذ ثلاثين ألفا من أموال المسلمين وندفعها إلى مغن في صوت غناه، يدفع إليه الأمير أبقاه الله ذلك مما عنده" (٢). والبيانات الحسابية التي يقدمها الخُزَّان وشيخهم لا يصادق عليها مباشرة، وإنما تتم عملية مراجعتها من قبل الأمير أو الخليفة، ومناقشتهم فيها، ويتم التغاضي عن الخطأ إن كان يسيرا (٣)، لكنه ربما أدى ذلك إلى عزل الخزّان وشيخهم، وهذا ما فعله الخليفة عبد الرحمن الناصر سنة

стр. 368

٣١٦ هـ (٩٢٨ م) عندما أمر بعزل جميع خُزَّان المال، وكانوا خمسة، وولى مكانهم أربعة خُزَّان (١). وقد كان الخليفة الحكم المستنصر بالله لا يكتفي بالعزل، بل يصحب ذلك الإهانة والإذلال، وهذا ما تعرض له الفتى دري الكبير الصقلبي، المعروف بالخازن، فقد غضب عليه الخليفة الحكم لتقصيره في عمله، فأقصاه وأهانه وولى إذلاله صاحب المدينة بالزهراء زياد بن أفلح، وذلك في شهر رجب سنة (٣٦٢) هـ (٢) (إبريل (٩٧٣) م). وكانت الخزانة العامة تتلقى مواردها من عدة طرق، منها الجزية والخراج والصدقات والعشور والغنائم والمصادرات وغيرها. فالجزية هي "الوظيفة المأخوذة من الكافر لإقامته بدار الإسلام في كل عام" (٣) وبذلك فهي ضريبة على الرؤوس، فالذمي يلتزم بأداء مقدار من المال للدولة الإسلامية في موعد محدد، متى ما توافرت شروطها، وذلك مقابل حمايته وحماية أملاكه، وفي هذا يقول الماوردي إن الجزية "موضوعة على الرؤوس، واسمها مشتق من الجزاء، إما جزاء على كفرهم لأخذها منهم صغارا، وإما جزاء على أماننا لهم لأخذها منهم رفقا" (٤) والأصل

стр. 369

فيها قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (١) وهي بذلك تسقط عند الدخول في الإسلام. ورغم أننا نفتقر لنصوص تبين لنا الكيفية التي كانت تُجبى عليها الجزية في الأندلس، إلا أننا لا نشك في أن التعامل مع أهل الذمة هناك في هذه المسألة، كان يسير وفق هدي الشريعة السمحة، فكل ذمي يدفع الجزية وفق طاقته، ويعفى منها المسكين (٢)، والأعمى (٣)، والمقعد (٤)، والمريض الذي لا يرجى شفاؤه (٥)، كما أعفي منها المملوك، والمجنون، والصبيان، والنساء، والقسس والرهبان (٦). وكانت الجزية تؤخذ من فئات ثلاث من فئات أهل الذمة، فمن الموسر يؤخذ ثمانية وأربعون درهماً، ومن الوسط أربعة وعشرون درهماً،

стр. 370

ومن الذي يعمل بيده كالخياط والصباغ والاسكافي والخراز ومن أشبههم، اثنا عشر درهماً (١). لكن في الأندلس كان الدينار بسبعة عشر درهما (٢)، وعليه فإن الموسر يدفع واحد وخمسين درهما، والوسط أربعة وثلاثين درهما، والعامل بيده سبعة عشر درهماً، تؤخذ منهم كل سنة (٣). ويتولى قبض الجزية من أهل الذمة في كل كورة ومدينة، موظف من موظفي الدولة ممن يوثق بدينه وأمانته، ويكون معه أعوان لمساعدته، فيقومون بجمعها بدون ظلم وتعسف (٤)، فإذا اجتمعت لديه الأموال حملها إلى بيت المال (٥). وأما الخراج فهو "ما وضع على رقاب الأرض من حقوق تؤدى عنها" (٦) وهي الأرض التي صولح عليها المشركون من أرضهم، وهي على نوعين: أحدهما ما هرب عنه أصحابه، فخلص للمسلمين بغير قتال، فتصبح وقفاً على مصالح المسلمين، ويضرب عليها الخراج ويكون أجرة تقر على الأبد وإن لم يقدر بمدة، والأخر ما أقام فيه أهله وصولحوا على

стр. 371

إقراره في أيديهم بخراج يضرب عليهم، وهذا بدوره ينقسم إلى قسمين، أحدهما: أن ينزلوا عن ملك الأرض فتصبح وقفاً على المسلمين، ويكون الخراج المضروب عليهم أجرة لا تسقط إلا بإسلامهم، والأخر: أن يستبقوها على أملاكهم ولا ينزلوا عن رقابها ويصالحوا عليها بخراج (١). والحديث عن الخراج في الأندلس يتطلب تتبع عملية الفتح، والإجراء الذي قام به موسى بن نصير ومن أتى بعده من الولاة، وعندما تعرض الدكتور حسين مؤنس للحديث عن الخراج في الأندلس، ذكر بأن عقدة العقد في تاريخ عصر الولاة هي ناحية الخراج (٢). ثم ناقش هذه القضية باستفاضة، وخلص إلى أن موسى بن نصير قد قام بتخميس الأراضي الواقعة جنوب الوادي الكبير، فجعل أربعة أخماس تلك الأراضي بأيدي القبائل المشتركة في عملية الفتح، والخمس ملكاً للدولة، وانسحب هذا الحكم على الأراضي الواقعة بين الوادي الكبير ووادي آنه، ومابين هذا النهر والمحيط الأطلسي، فيما عدا ثلاثة مدن، وهي التي استسلم أهلها للمسلمين، وبذلك لم يجر عليها حكم العنوة. وبذلك أصبحت أراضي الجنوب والغرب، التي تقاسمها العرب إقطاعات، ملكاً لأصحابها، يتوارثها الأبناء عن الآباء، وهو ماأيده الخليفة الوليد بن عبد الملك، حيث منح زعماء تلك القبائل سجلات بذلك،

стр. 372

وعندما جاء الخليفة عمر بن عبد العزيز أيد فعل الخليفة الوليد، واعتبر ما فتحه المسلمون من الأرضين إقطاعات (١). وعلى ضوء الدراسة الوافية التي قام بها الدكتور حسين مؤنس للناحية المالية ومسائل أراضي الخراج في الأندلس، يمكن القول بأن نصيب خزانة الدولة كانت ثلث خراج أراضي الخمس (٢)، وطيلة عهد الدولة الأموية كان ذلك الثلث معلوم المقدار، ولم يختل إلا بعد أن اندلعت الفتن، وانتزى كل زعيم بجزء من أراضي الدولة الأموية، مشكلاً دولة من دول الطوائف (٣). في حين أن العرب والبربر الذين دخلوا الأندلس في أوائل الفتح واستقروا في إقطاعاتهم، كانوا يدفعون العشر فقط (٤)، إضافة إلى قيامهم بتلبية نداء حكومة قرطبة عند الغزو، واستمر الوضع بهذه الصورة إلى أن أعفاهم الحاجب المنصور بن أبي عامر من الغزو، شريطة دفعهم لمبالغ إضافية زيادة على العشر (٥).

стр. 373

وأما أراضي الصلح، فإن أهلها كانوا يقومون بدفع جزية عن رؤوسهم وخراجاً عن أراضيهم، وهذا الخراج جُعلت قيمته تبعاً لطيب الأرض وغلتها (١). ويتولى جباية خراج أراضي الصلح، أحد موظفي الدولة، يساعده في ذلك رؤساء أهل الذمة، وهم "أشياخ من أهل دينهم، أولو حنكة ودهاء ومداراة ومعرفة بالجباية اللازمة لرؤوسهم (٢) " ولعل أرطباس القومس زعيم أهل الذمة في الأندلس، كان أشهر مستخرجي خراج الذميين للمسلمين (٣). بينما نجد القبائل العربية صاحبة الإقطاعات، يتولى زعيم كل قبيلة جمع خراج قبيلته، فإن كانت القبيلة شامية اكتفى زعيمها بإرسال ما تمت المقاطعة به على أموال أهل الذمة التي في أيديهم لحكومة قرطبة، وذلك دون العشر، لأنهم معفيين منه، إذ أن قبائلهم معدة للغزو (٤)، إضافة إلى تقديم الدولة الأموية في الأندلس لهم على من سواهم، وأما إن كانت القبيلة بلدية، أدت ضربية العشر إضافة إلى ما تمت المقاطعة عليه (٥).

стр. 374

ومن الموارد التي كانت تستفيد منها الخزانة العامة، الأموال التي كان يبعث بها القادة المرابطين في بعض الكور والثغور، وهذه الأموال أو الضرائب برزت بصورة قوية في عهد الأمير عبد الله بن محمد ٢٧٥ - (٣٠٠) هـ (٨٨٨ - (٩١٢) م) وذلك بسبب اندلاع الفتن في أرجاء الدولة الأموية، وحصول قادة تلك الفتن على ما يشبه الحكم الذاتي مقابل دفعهم لمبالغ مادية سنوية لحكومة قرطبة. ويبدو أن الأموال التي كانت تحصل عليها الدولة من هذا الجانب، ضخمة جداً، يدل على ذلك أنه قد أنشئ ديوان خاص بها، يتولى استقبال تلك الأموال، وكان ذلك الديوان ضخماً، بحيث أطلق عليه مصطلح "خطة القُطُع" (١) ويرأس هذه الخطة أحد كبار رجال الدولة وكان موسى بن محمد بن سعيد بن موسى بن حدير من بين الذين تولوا هذه الخطة للأمير عبد الله بن محمد (٢). وهناك مورد آخر للخزانة، فقد كانت حكومة قرطبة تتحفظ على أموال المتوفين أو الغائبين أو من تطالبهم الدولة بأموال حتى يتم الفصل في أمرها، وقد أنشأت خطة خاصة بهذه الأموال تسمى "خطة العقل" (٣). وتعد الضرائب من الموارد الهامة لخزانة الدولة، منها: ضريبة القطيع، ويبدو أنها فرضت عند آخر عهد الدولة الأموية، عندما أصبح خلفاء الفتنة لا يجدون مورداً مالياً يغطي نفقات أطماعهم، وعن ضريبة القطيع

стр. 375

يقول ابن حزم "وأما في زماننا هذا وبلدنا هذه فإنما هي جزية على رؤوس الناس يسمونها القطيع ويؤدونها مشاهرة (١) " ومن هنا يتضح أنها لا تفرق بين ذمي أو مسلم (٢). وهناك ضريبة تجنيها الدولة تسمى "القبالة" وهي "أن يدفع السلطان أو نائبه صقعاً أو بلدة أو قرية إلى رجل مدة سنة مقاطعة بمال معلوم يؤديه إليه عن خراج أرضها وجزية رؤوس أهلها إن كانوا أهل ذمة فيقبل ذلك ويكتب عليه بذلك كتاب (٣) ". والقبالة مفيدة لولي الأمر إذ أنه يحصل على الأموال مباشرة، كما أنها مفيدة للمتقبل إذ أنه سيجني أكثر مما دفعه، والضحية في ذلك الرعية، فهم يتعرضون لظلم ذلك المتقبل وعسفه الذي لايعنيه من الأمر سوى الربح، ولذا نجد الخليفة الحكم المستنصر بالله يحذر المتقبلين لديه من التعرض في شيء لعابري السبيل (٤). ولكن يبدو أن أمر القبالة والمتقبلين

стр. 376

أصبح شراً على الأندلسيين، من جراء الظلم الذي كانوا يتعرضون له، ولذا نجد ابن عبد ون يحمل على المتقبل، ويعتبره شر خلق الله، ويصفه بالزنبور الذي خلق للضرر، لا للنفع لأنه لا يسعى إلا بمضرة المسلمين، فهو "ملعون من الله ومن الناس أجمعين، فيجب على القاضي أن يستحلفه ويحد له ما يصنع في تصرفه، ولا يتركه يتحكم في أموال الناس باختياره وعلى ما يراه أنه صواب لنفعه، ويغلظ له في القول والتوبيخ، وأن يرتب له الوزير بحضرة القاضي ما يأخذ من الأشياء التي يتقبلها ولا يزيد فيها ولا ينقص، ومتى تعدى على أكثر من ذلك أُدِّب وسُجن ونُكِّل" (١). ومن قبل ابن عبد ون، كان القاضي أبو يوسف قد هاجم المتقبلين وطراءقهم في جمع الخراج فقال "والمتقبل لا يبالي بهلاكهم بصلاح أمره في قبالته، ولعله يستفضل بعد ما يتقبل به فضلا كثيرا، وليس يمكنه ذلك إلا بشدة منه على الرعية، وضرب لهم شديد، وإقامته لهم في الشمس، وتعليق الحجارة في الأعناق، وعذاب عظيم ينال أهل الخراج مما ليس يجب عليهم من الفساد الذي نهى الله عنه" (٢). وعرفت الخزانة عدة ضرائب أخرى منها: العشور، وهي رسوم تؤخذ من الرعية بلا استثناء فعلى المسلم ربع العشر، والذمي نصف العشر، والحربي العشر (٣)، وهذه الضريبة تؤخذ من التجار، فهي بالنسبة

стр. 377

للمسلم زكاة، ولأهل الذمة تنفيذاً لعقود الصلح المبرمة معهم، وتؤخذ من الحربي الذي يمر بتجارته في أراضي المسلمين لقاء حمايته، وطبيعي أنها لا تؤخذ إلا بعد بلوغ النصاب (١). ومنصب متولي آخذ العشور، باب للثراء على حساب الآخرين، ولذا يجب أن لا يليه إلا من يوثق بدينه وأمانته، ويقف عند الحدود التي حدها له القاضي، ويعمل بوصيته، فيرفق بأصحاب التجارة والمزارعين ولا يشطط عليهم، وإذا أتى بالزمام الذي دَّون فيه ما قبضه من عشور، فلابد أن يريه القاضي ليمضي عليه، وصاحب العشور يستلم أجرته من عند رئيسه، ولا يستلمها ظلماً وجوراً من أصحاب الأموال المعشَّرة (٢). ويبدو أن متولي مهمة قبض العشور كانوا لا يلزمون النهج الشرعي في عملهم، ولذا نرى ابن عبد ون يندد بهم، ويصفهم بالظلمة الفسقة، ويعتبرهم "أكلة سحتٍ، أشراراً، سفلة، لا خوف ولا حياء ولا دين ولا صلاة لهم، باعو أديانهم بدنيا غيرهم" (٣). ولنا أن نتوقع أن المبالغ التي يتم تحصيلها من العشور كانت ضخمة للغاية، وهذه متوقفة على الحالة الاقتصادية للدولة، والأندلس بلغت في عهد الخليفة الحكم المستنصر بالله الغاية في المستوى الاقتصادي، وفي عهده تم إجراء حصر لما يتم بيعه من السمك المملح فقط، بقرطبة خلال

стр. 378

يوم واحد، فبلغ ذلك عشرين ألف دينار دراهم (١). وأما المنصور بن أبي عامر فقد أمر بإحصاء أحمال الحطب التي تصل إلى قرطبة في اليوم الواحد، فبلغ ذلك ستة آلاف وستمائة حمل على اختلافها (٢). وكانت هناك ضريبة تؤخذ من المواريث تسمى رسوم المواريث، وكانت تجري بقرطبة وسائر كور الأندلس على الأمانة (٣). ومن الضرائب التي كانت تدر دخلاً على الخزانة العامة، ضريبة تدفعها الرعية لمعاونة الدولة تسمى "المعاون" (٤) ومن اسمها يتضح أنها تُفرض وقت الحاجة، كذلك لدينا ضرائب المراصد (٥)، والجزاء (٦)، والبيزرة (٧)، والطبل العام وهي لقاء الإعفاء من الاشتراك في الغزوات (٨). وهناك ضريبة تعرف باسم "المغارم" وهي عقوبة يفرضها الأمير أو الخليفة الأموي على أهل كورة من الكور عقاباً لهم، ولذا نجد الأمويين

стр. 379

يتحببون إلى رعاياهم بإسقاط المغارم عنهم كلها أو بعضها (١)، كما كانوا يتحببون إليهم بإسقاط جزء من ضريبة البقية، وهي ما تبقى من الضرائب التي لم تدفعها الرعية، أو إعفائهم منها كلية مراعاة لظروفهم (٢). ومن الضرائب كذلك ضريبة تلتزم بها الرعية للجيش وتسمى النازلة أو إنزال أو التقوية (٣)، وهي التي تبرأ منها الخليفة القاسم بن حمود (٤). ومن موارد الخزانة العامة، الأموال التي يدفعها العمال للدولة عند عزلهم عن مناصبهم نتيجة إساءتهم السيرة (٥). وهناك ضريبة يمكن أن نسميها ضريبة استخدام المرافق، وهي ما تحصله الدولة من الرعية لقاء استخدامهم لمنشأة من المنشآت الهامة، وهذا نوع من أنواع المكس، ولا ندري هل طبقت هذه الضريبة في الأندلس أم لا. فقد ورد خبر لدى ابن سعيد، أن أحد رجال الخراج رفع للأمير عبد الرحمن الأوسط كتاباً يقترح فيه أن يتم تحصيل ضريبة

стр. 380

على الدواب والأحمال التي تعبر قنطرة قرطبة، لكن الأمير اعتبر ذلك مكساً قبيحاً ووبخ الرجل على اقتراحه (١). ومن خلال قيام الجيوش الأموية بحملات الصوائف والشواتي، ضد الممالك والإمارات النصرانية في الشمال الأسباني، أصبحت الغنائم التي تنتج عن تلك الغزوات أحد الموارد الهامة للخزانة العامة، حتى قال فيها أحد الشعراء يمتدح أحد القادة المشهورين بالغزو: ففي كلِّ صيف وفي كلِّ مشتى … غزاتان منك على كل حال فتلك تبيدُ العدو وهذي … تفيد الإمام بها بيت مال (٢) ففي عهد الأمير هشام الرضا بلغ خمس الغنائم خمسة وأربعين ألف من الذهب العين وذلك سنة (١٧٧) هـ (٧٩٣ - (٧٩٤) م) (٣) وبلغت الغنائم أوجها في عهد الحاجب المنصور بن أبي عامر حتى أنه كان يعرف بالجلاّب (٤). ولكي تتجنب تلك الممالك والإمارات ضربات الجيوش الأموية، كانت تلتزم بدفع الجزية، ومن تأخر عن موعده تولت الجيوش

стр. 381

الأندلسية إرغامه على دفعها (١). بالإضافة إلى ما كانت الجيوش الأندلسية تحصل عليه جراء تصديها للمناوئين في بر العدوة المغربية (٢). بقي أن أشير إلى أنه كانت هناك ضريبة عينية، تسمى وظائف مخزنية، إذ يتم فيها استلام الحبوب ممن فُرض عليهم دفعها، وتخزينها في مستودعات خاصة تسمى "أهراء" وهذه الأهراء يجب أن تبقى ملأى بالحبوب، إما لمواجهة سنوات القحط، أو لتكون عونا للجيوش الغازية، أو لبيعها أحياناً في الأسواق عندما تقل الحاجة إليها (٣)، وقد تغيرت هذه الضريبة فيما بعد، إذ أصدر الخليفة علي بن حمود قراراً يقضي بتحصيلها نقداً لا عيناً، على أساس ستة دنانير لكل مدي قمح، وثلاثة دنانير لكل مدي شعير (٤). ومن كل هذه الأنواع العديدة من الضرائب، لا عجب أن تكون الخزانة العامة غاصة بالأموال. وطبيعي أن المقدار الذي كانت الدولة

стр. 382

الأموية في الأندلس تحصل عليه من الجباية سار بالتدريج من القلة إلى الكثرة. وهذا الأمر لا يقتصر على الدولة الأموية بل ينسحب على جميع الدول، وهو ما تعرض ابن خلدون لمناقشته، حيث أشار إلى أن الدولة في بداية عهدها تكون قليلة الجباية، لتمسكها بأمور الشرع من جهة، ولتخلقها بأخلاق البداوة إن كانت ذات عصبية، وهي بذلك تعمد إلى المسامحة والغفلة عن التحصيل إلا ما ندر، وإذا وصلت الدولة إلى مرحلة الحضارة وجاء الملك العضوض احتاج ولاة الأمر إلى أموال تغطي حياة الترف التي يعيشونها، فيعمدون عندها إلى فرض الضرائب والمكوس، ويكثرون منها، فتكثر الجباية، ثم تتدرج الزيادات فيها بمقدار بعد مقدار، والرعية لا تشعر بثقل تلك المغارم، فيهضموها كأنها عادة مفروضة (١). وإذا أتينا إلى الدولة الأموية في الأندلس، نجد أن كلام ابن خلدون قد طُبق هناك تماماً، ففي عهد الأمير عبد الرحمن الداخل، بلغت جملة الجباية (٣٠٠٠٠٠) دينار (٢)، وارتفع هذا الرقم إلى الضعف في عهد الأمير الحكم الربضي ١٨٠ - (٢٠٦) هـ (٧٩٦ - (٨٢٢) م) حيث بلغ (٦٠٠٠٠٠) دينار (٣)، وفي عهد ابنه الأمير عبد الرحمن الأوسط ٢٠٦ - (٢٣٨) هـ (٨٢٢ - (٨٥٢) م) كان دخل الدولة من الجباية مليون دينار (٤).

стр. 383

والحالة الاقتصادية لأي دولة ذات ارتباط وثيق بالاستقرار السياسي، فأي اهتزاز في الوضع السياسي، يعني انعكاساً سلبياً على الناحية الاقتصادية. وهذا ما جرى في الأندلس، فقد تعرضت منذ منتصف القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي) إلى هزات سياسية عنيفة، واندلعت الفتن في أرجاء الدولة، الأمر الذي قصر سيطرتها على قرطبة وبعض النواحي، مما أدى إلى حرمان الدولة من مصادر مالية عديدة، وبالتالي فإن مقدار الجباية قل كثيراً عما كان عليه سابقاً. لكن مع بسط الخليفة عبد الرحمن الناصر نفوذه على أرجاء الدولة ككل، تحسن الوضع الاقتصادي كثيراً، فارتفعت المبالغ المحصلة من الجباية فقط إلى (٥٤٨٠٠٠٠) دينار (١) " خمسة ملايين وأربعمائة وثمانون ألف دينار" ويبدو أن الثراء الاقتصادي الذي كانت تعيشه الأندلس، قد بهر الرحالة ابن حوقل، مما دفعه إلى التصريح بذلك، فقد اعتبر أن الخزانة العامة في الأندلس لا مثيل لها في العالم الإسلامي إلا ما كان عند الغضنفر أبي تغلب بن الحسن بن عبد الله بن حمدان (٢).

стр. 384

ويذكر ابن حوقل اعتماداً على ما سمعه من أحد محصلي الجبايات في الأندلس على عهد الخليفة عبد الرحمن الناصر، أن الأموال التي دخلت خزانة الدولة منذ سنة ٣٢٠ - (٣٤٠) هـ (٩٣٢ - (٩٥١) م) كانت قريباً من عشرين ألف ألف دينار (١)، وعندما توفي كان في خزائنه من الأموال خمسة آلاف ألف ألف ثلاث مرات (٢)، ولكن لعل هذا المبلغ دراهم لا دنانير (٣). ويعد عهد الخليفة الحكم المستنصر امتداداً طبيعياً لعهد والده، ولذا فمن المتوقع أن الدخل قد زاد عن سابقه، ثم بلغ في عهد الحاجب المنصور بن أبي عامر أربعة آلاف ألف دينار، عدا رسوم المواريث والمصادرات ونحوها (٤)، ونظراً للغزوات العديدة التي اشتهر بها المنصور، وحرصه الشديد على تحصيل الأموال وتنميتها، فقد وجد في بيوت الأموال بعد وفاته من الأموال النقدية أربعة وخمسين بيتا (٥).

стр. 385

وهذه الدخول الضخمة، كان لها في المقابل وجوه إنفاق متعددة، لخصها أحد المؤرخين بقوله أن الأمويين كانوا يقسمون مال الخزانة لديهم إلى ثلاثة أقسام: ثلث للجيش، وثلث للصرف العام، وثلث يدخر (١). وقد ذكر ابن سعيد عند حديثه عن الخليفة عبد الرحمن الناصر أنه كان يقسم أموال الجباية إلى ثلاثة أقسام: قسم للجند والحرب، وقسم للبنيان (٢)، وقسم ينفق منه في غير هذين من المصالح، ويخزن باقية ذخيرة (٣). والظاهر من النص أن الجباية تقسم أربعة أقسام، لكن لعل الأصح أنها ثلاثة إذ ان المال المدخر هو المتبقي من الثالث المعد للصرف في غير الجند والبنيان. وقد ذكر ابن الخطيب نقلاً عن ابن حيان معلومات أكثر تفصيلاً عن الإنفاق الذي كان يسير عليه الأمويون، فقد ذكر أن الأموال توضع في أربع بيوت تؤخذ النفقات السلطانية منها على المشاهرة بالزيادة والنقصان، مابين الشهر والشهر مائتي ألف دينار إلى مائة وخمسين ألفا، وعند دخول شهر يونيو يتضاعف الإنفاق فيه استعداداً للغزو، حيث يصل

стр. 386

إلى خمسمائة ألف دينار وأكثر، والفائض من الدخل بعد كل المصاريف يتم ادخاره (١). خطة السكة: تتألف السكة في نظر ابن خلدون من الدرهم والدينار فقط، ويكونان بوزن معلوم، ومقدار معين تجري عليهما أحكام الشرع الخاصة بالزكاة والأنكحة والحدود، ثم ذكر أن الدرهم الشرعي هو الذي تزن العشرة منه سبعة مثاقيل من الذهب، والأوقية منه أربعين درهما وبذلك فهو يساوي سبعة أعشار الدينار، والمثقال من الذهب يزن ثنتين وسبعين حبة من الشعير، والدرهم خمسة وخمسين حبة من الشعير (٢). وفي الأندلس، كان ضرب العملة من الأعمال السيادية للدولة الأموية، لكن يجب أن نشير إلى أنه كان للخاصة أيضاً مطلق الحرية في أن يجلبوا لدار السكة ما لديهم من ذهب وفضة، لكي تضرب لهم بقيمتها دنانير ذهبية ودراهم فضية (٣).

стр. 387

وحق سك النقود محدد بعمولة نسبية، تتراوح ما بين (١. (٧٥) %) للذهب، وأقل بقليل من ٣ % للفضة (١)، وهذه العمولة تعود على الخزانة العامة للدولة بدخل ضخم، بلغ في عهد الخليفة عبد الرحمن الناصر مائتي ألف دينار أو ثلاثة ملايين وأربعمائة ألف درهم سنوياً، إذ أن الدينار في الأندلس، يصرف بسبعة عشر درهماً (٢). وقد ذكر بعض المؤرخين أن الأندلس لم تعرف ضرب العملة منذ أن فتحها العرب، وأن أول من نظم السك الرسمي للنقود، هو الأمير عبد الرحمن الأوسط، إذ أنه قام بإحداث دار السكة بقرطبة وضرب الدراهم باسمه (٣). ولعل هذا ناتج عن أن العرب كانوا في الأندلس يتعاملون بالقطع القوطية، أو بالعملة الذهبية والفضية التي اعتاد بعض المسافرين جلبها معهم من المشرق، بقصد الاتجار بها في الأندلس (٤)، وأن الوضع استمر على هذه الصورة حتى عصر الأمير عبد الرحمن الأوسط، الذي امتثل لنصيحة أحد رجاله المخلصين، فقام بسك العملة. ولكن رغم ذلك لم تكن عملية السك تتم باستمرار، أو حتى بصورة تغطي الاحتياجات،

стр. 388

لأجل هذا استمر التعامل بالقطع النقدية القادمة من المشرق حتى أواخر عصر الأمير عبد الرحمن الأوسط (١). ولكن القول بأن الأندلس لم تشهد ضرباً للسكة إلا في عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط ٢٠٦ - (٢٣٨) هـ (٨٢٢ - (٨٥٢) م) لا يمكن التسليم به فقد ثبت أن العملة كانت تضرب في الأندلس، منذ عصر الولاة (٢)، ٩٥ - (١٣٨) هـ (٧١٤ - (٧٥٥) م) فقد وُجد دينار ضرب بالأندلس سنة (٩٨) هـ (٧١٦ - (٧١٧) م) في عهد الوالي الحر بن عبد الرحمن الثقفي، ٩٧ - (١٠٠) هـ (٧١٦ - (٧١٩) م) كتب في مركزه عبارة "محمد رسول الله" وعلى الطوق "ضرب هذا الدينر بالأندلس سنة ثمان وتسعين" وكان وزن ذلك الدينار " (٤). (٢٩) غم" (٣) واستمر ضرب العملة في

стр. 389

الأندلس خلال السنوات (١٠٢) هـ (١) (٧٢١ م) وسنة (١٠٤) هـ (٢) (٧٢٢ - (٧٢٣) م) وسنة (١٠٥) هـ (٣) (٧٢٣ م)

стр. 390

وسنة (١٠٦) هـ (١) (٧٢٤ م) وسنة (١١٠) هـ (٢) (٧٢٨ م) وسنة (١١٦) هـ (٣) (٧٣٤ م).
следующие страницы →