إلى خمسمائة ألف دينار وأكثر، والفائض من الدخل بعد كل المصاريف يتم ادخاره (١).
خطة السكة:
تتألف السكة في نظر ابن خلدون من الدرهم والدينار فقط، ويكونان بوزن معلوم، ومقدار معين تجري عليهما أحكام الشرع الخاصة بالزكاة والأنكحة والحدود، ثم ذكر أن الدرهم الشرعي هو الذي تزن العشرة منه سبعة مثاقيل من الذهب، والأوقية منه أربعين درهما وبذلك فهو يساوي سبعة أعشار الدينار، والمثقال من الذهب يزن ثنتين وسبعين حبة من الشعير، والدرهم خمسة وخمسين حبة من الشعير (٢).
وفي الأندلس، كان ضرب العملة من الأعمال السيادية للدولة الأموية، لكن يجب أن نشير إلى أنه كان للخاصة أيضاً مطلق الحرية في أن يجلبوا لدار السكة ما لديهم من ذهب وفضة، لكي تضرب لهم بقيمتها دنانير ذهبية ودراهم فضية (٣).
стр. 387
وحق سك النقود محدد بعمولة نسبية، تتراوح ما بين (١. (٧٥) %) للذهب، وأقل بقليل من ٣ % للفضة (١)، وهذه العمولة تعود على الخزانة العامة للدولة بدخل ضخم، بلغ في عهد الخليفة عبد الرحمن الناصر مائتي ألف دينار أو ثلاثة ملايين وأربعمائة ألف درهم سنوياً، إذ أن الدينار في الأندلس، يصرف بسبعة عشر درهماً (٢).
وقد ذكر بعض المؤرخين أن الأندلس لم تعرف ضرب العملة منذ أن فتحها العرب، وأن أول من نظم السك الرسمي للنقود، هو الأمير عبد الرحمن الأوسط، إذ أنه قام بإحداث دار السكة بقرطبة وضرب الدراهم باسمه (٣).
ولعل هذا ناتج عن أن العرب كانوا في الأندلس يتعاملون بالقطع القوطية، أو بالعملة الذهبية والفضية التي اعتاد بعض المسافرين جلبها معهم من المشرق، بقصد الاتجار بها في الأندلس (٤)، وأن الوضع استمر على هذه الصورة حتى عصر الأمير عبد الرحمن الأوسط، الذي امتثل لنصيحة أحد رجاله المخلصين، فقام بسك العملة. ولكن رغم ذلك لم تكن عملية السك تتم باستمرار، أو حتى بصورة تغطي الاحتياجات،
стр. 388
لأجل هذا استمر التعامل بالقطع النقدية القادمة من المشرق حتى أواخر عصر الأمير عبد الرحمن الأوسط (١).
ولكن القول بأن الأندلس لم تشهد ضرباً للسكة إلا في عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط ٢٠٦ - (٢٣٨) هـ (٨٢٢ - (٨٥٢) م) لا يمكن التسليم به فقد ثبت أن العملة كانت تضرب في الأندلس، منذ عصر الولاة (٢)، ٩٥ - (١٣٨) هـ (٧١٤ - (٧٥٥) م) فقد وُجد دينار ضرب بالأندلس سنة (٩٨) هـ (٧١٦ - (٧١٧) م) في عهد الوالي الحر بن عبد الرحمن الثقفي، ٩٧ - (١٠٠) هـ (٧١٦ - (٧١٩) م) كتب في مركزه عبارة "محمد رسول الله" وعلى الطوق "ضرب هذا الدينر بالأندلس سنة ثمان وتسعين" وكان وزن ذلك الدينار " (٤). (٢٩) غم" (٣) واستمر ضرب العملة في
стр. 389
الأندلس خلال السنوات (١٠٢) هـ (١) (٧٢١ م) وسنة (١٠٤) هـ (٢) (٧٢٢ - (٧٢٣) م) وسنة (١٠٥) هـ (٣) (٧٢٣ م)
стр. 390
وسنة (١٠٦) هـ (١) (٧٢٤ م) وسنة (١١٠) هـ (٢) (٧٢٨ م) وسنة (١١٦) هـ (٣) (٧٣٤ م).
стр. 391
وسنة (١٣٥) هـ (١) (٧٥٤ م).
وفي عهد الأمير عبد الرحمن الداخل، مؤسس الدولة الأموية بالأندلس، بدأ ضرب السكة. وهذا يدل على أنه هو الذي أحدث داراً لضرب السكة لا الأمير عبد الرحمن الأوسط، وربما يكون دور الأخير مقتصر على تجديد الدار وتوسعتها.
стр. 392
ففي سنة (١٥٠) هـ (٧٦٧ م) ضُرب درهم بالأندلس في العاصمة قرطبة (١). ودرهم أخر سنة (١٥٣) هـ (٢) (٧٧٠ م) وسنة (١٥٦) هـ (٣) (٧٧٣ م) وسنة (١٧٠) هـ (٤) (٧٨٦ م).
وفي عهد الأمير الحكم الربضي ضُربت العملة وذلك سنتي (١٨٧) هـ (٨٠٢ م) (٥) وسنة (١٩٦) هـ (٦) (٨١١ م) وفي عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط، ضُربت الدراهم في أعوام (٢٢٩) هـ (٧) (٨٤٣ م) و (٢٣٧) هـ (٨) (٨٥١ م)
стр. 393
و (٢٣٨) هـ (١) (٨٥٢ م) وضربت العملة في عهد الأمير محمد بن عبد الرحمن، وذلك في سنتي (٢٥٥) هـ (٢) (٨٦٨ م) وسنة (٢٦٠) هـ (٣) (٨٧٣ م) وضرب فلس في عهد الأمير عبد الله بن محمد وذلك سنة (٢٨٢) هـ (٤) (٨٩٥ م).
ونظراً للاضطراب السياسي الذي تعرضت له الدولة الأموية في الأندلس في النصف الثاني من القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي) فقد أصبحت العملة قليلة التداول لعدم وفرتها، إذ يبدو أن دار الضرب قد أُغلقت، مما تسبب في فقدان العملة من أيدي الناس (٥)، واستمر انقطاع العملة مدة طويلة حتى أمر الخليفة عبد الرحمن الناصر بإنشاء دار السكة داخل قرطبة وذلك سنة (٣١٦) هـ (٩٢٨ م) وأمر أن تضرب فيها الدنانير الذهبية والدراهم الفضية (٦).
стр. 394
ويمكن القول بأن دار السكة في الأندلس، أصبحت لها شخصيتها القائمة بذاتها منذ عهد الخليفة عبد الرحمن الناصر، فطيلة العهود التي سبقته لم نسمع بذكر لمتولي السكة، لكن في عهده أصبح هناك مسئول عن دار السكة، وغدت هذه الإدارة خطة من الخطط الهامة في الدولة، يعمل فيها مجموعة من الموظفين والسكاكين المهرة، تحت إشراف مسئول من كبار مسئولي الدولة يعرف باسم صاحب خطة السكة (١)، أو صاحب السكة (٢)، الذي ينبغي أن يكون أميناً صاحب علم ومعرفة بهذه الصنعة، مع دراية بأنواع خطوط الطوابع، نزيهاً، ديناً (٣).
كما يجب أن يكون الرجل الذي يضع الرسم الذي تُسك عليه العملة ويكتب نصفها بارع الخط (٤)، وأن تكون آلاته وأقلامه محفوظة في
стр. 395
حرز لا تخرج منه إلا عند الحاجة (١)، وكل ما يجري في دار السكة لا يتم إلا تحت شاهدي العدل المتواجدين دائماً في هذه الدار (٢).
وأول من تولى خطة السكة في الأندلس أحمد بن محمد بن حدير، وذلك يوم الثلاثاء لثلاث عشرة بقيت من شهر رمضان سنة (٣١٦) هـ (نوفمبر (٩٢٨) م) ومنذ ذلك اليوم بدأت عملية ضرب العملة من خالص الذهب والفضة (٣).
وعندما نقلت دار السكة إلى الزهراء كان عبد الرحمن بن يحيى هو أول من تولاها (٤)، وذلك سنة (٣٣٦) هـ (٥) (٩٤٧ م).
стр. 396
كما يتم أحياناً ضرب اسم صاحب خطة السكة على العملة مع اسم ولقب الخليفة (١)، وفي بعض الأحيان يضرب اسم الحاجب (٢)،
стр. 397
وكذلك اسم ولي العهد، ولدينا من هذه نموذجاً ضرب في عهد الخليفة المستعين بالله سنة (٤٠٠)(١) (١٠٠٩ م).
وقد قام خلفاء الفتنة، ٣٩٩ - (٤٢٢) هـ (١٠٠٨ - (١٠٣١) م) بضرب نقود تحمل أسماءهم، ولعلها لا تختلف عما كان شائعاً لدى الأمويين من قبل (٢)، والتدليس في العملة أمر خطير جداً، فهو من العوامل الرئيسة في ضرب الاقتصاد لأي دولة، وهو ما يعرف حالياً بالتزوير، كما أنه عُدُّ من الإفساد بالأرض (٣)، وقد بينَّ الفقهاء عقوبة المدلِّس، فمنهم من اكتفى بالجلد (٤)، لكن هناك من يرى الضرب والحلق والتجريس (٥)، والبعض يرى قطع يده (٦)، وهناك من يرى سجنه حتى الموت (٧)، بل إن بعض الفقهاء جعل السلطان مخيراً في عقوبة من يقوم بالتدليس (٨).
стр. 398
وقد كان البعض يقوم بإضافة بعض القطع المعدنية الصغيرة للدرهم أو الدينار لكي يصل إلى الوزن المطلوب، وقد عُثر في مدينة شلب بالبرتغال، على دفينة تحوي دراهم ضُربت بالأندلس سنة (١٥٣) هـ (٧٧٠ م) وسنة (٢٦١) هـ (٨٧٥ م) فيها عدة دراهم قد ثقبت بآلة حادة وأضيفت إليها قطع صغيرة من الدراهم طويت عند حافتها (١).
وإذا جاء التدليس من رجل غير مسئول، فربما ينظر إليه نظرة تختلف كثيراً عن النظرة لصاحب خطة السكة الذي يقوم هو نفسه بالتدليس، وقد اشتهر الوزير صاحب السكة سعيد بن حسان بالتدليس وعندما وقف الخليفة عبد الرحمن الناصر على فعلته سخط عليه وحبسه مهانا (٢).
стр. 399
الفصل الثالث: الخطط السياسية
المبحث الأول: خطة الحجابة
المبحث الثاني: خطة الوزارة
стр. 400
خطة الحجابة
لم تعرف الأندلس تنظيماً إداريا واضح المعالم، إلا بعد وصول الأمير عبد الرحمن الداخل إلى سدة الحكم هناك، واقامته الدولة الأموية فيها، فقد وضع الركائز الأساسية للنظام السياسي والإداري، عندما أنشأ عدة مناصب سياسية منها "خطة الحجابة" فبعد أن أعلن عن قيام إمارته، اتخذ عدداً من المشاورين والأعوان إختصهم بمجالسته، واختار من بينهم شخصاً لقبه بالحاجب (١).
ويوضح لنا ابن خلدون الفرق بين منصب الحاجب لدى الأمويين بالأندلس عنه لدى العباسيين ببغداد، فهو لدى العباسيين خاص "بمن يحجب السلطان عن العامة ويغلق بابه دونهم أو يفتحه لهم على قدره في مواقيته، وكانت هذه مُنَزَّلة عن الخطط مرؤوسة لها، إذ الوزير متصرف بما يراه … وأما في الدولة الأموية بالأندلس فكانت الحجابة لمن يحجب السلطان عن الخاصة والعامة، ويكون واسطة بينه وبين الوزراء فمن دونهم" (٢).
стр. 401
وطيلة عهد الإمارة والخلافة الأموية بالأندلس تولى منصب الحجابة عدة شخصيات نالت ثناء المؤرخين، من أشهر أولئك الحجاب: -
عبد الكريم بن عبد الواحد بن مغيث ت (٢٠٩) هـ (٨٢٤ م) الذي تولى الحجابة معظم إمارة الحكم بن هشام وثلاث سنوات من إمارة ابنه عبد الرحمن الأوسط فقد قال عنه ابن القوطية "لم يختلف مختلف من شيوخ الأندلس أنه لم يخدم بني أمية بالأندلس أكرم منه عناية وأكثر طاعة … إلا أنه كان يقبل الهدية والمكافأة على قضاء الحاجة (١) " ووصفه الرازي بأنه "أكمل من حمل هذا الاسم وأجمعهم لكل حسنة (٢) " ويرى ليفي بروفينسال أنه "أعظم رجال دولة الحكم على الإطلاق (٣) "، فقد كان يجمع خصالاً لم تكن تتوفر للكثيرين من رجال الدولة في عصره، فقد كان عسكرياً ممتازا، وسياسياً محنكاً، وكاتباً أدبياً عالماً (٤).
كما برز اسم حاجب آخر تولى الحجابة للأمويين عبد الرحمن الأوسط وابنه الأمير محمد هو الحاجب عيسى بن شُهيد ت (٢٤٣) هـ (٨٥٧ م) الذي تولى الحجابة بعد سفيان بن عبد ربه وذلك سنة (٢١٨) هـ (٨٢٢ م) (٥) فآثره الأمير عبد الرحمن الأوسط على أصحابه "وكان أهلاً
стр. 402
لإيثاره إذ كان من أعيان رجال الموالي في الدولة … ومن أشهرهم بالحلم والوقار والحصافة والعلم والمعرفة والحزم والجزالة، وقد قاد بالصوائف فأحمدت سياسته وكانت له في التدبير آراء صائبة، وفي الحروب مقاومة كريمة (١) " ويفضل على نظيره عبد الكريم بن عبد الواحد بن مغيث بأنه لم يكن يقبل الهدية أو المكافأة على قضاء الحاجة (٢) بل كان يهجر من عرضها عليه (٣).
وعندما نقلب صفحات تاريخ حجاب بني أمية بالأندلس، نجد أن أياً منهم لم يصل إلى هذا المنصب إلا إن كان من صنائعهم، بالإضافة إلى أنه لابد من المرور بعدة مناصب هي أشبه ما يكون بالتدرج الوظيفي، فإذا ظهرت كفاءته فيها، رقي إلى منصب الحجابة.
فالحاجب سفيان بن عبد ربه "كان من أكابر رجال أهل الخدمة الكفاة المستقلين بأعبائها، … تولى خدمة الخزانة الكبرى أيام الأمير الحكم … ولم يزل ينتقل في مراتب الخدمة إلى أن نال الحجابة" (٤)، وهذا التدرج الذي مر به الحاجب سفيان بن عبد ربه سلكه خلفه الحاجب عيسى بن شُهيد، فقد ولاه الأمير عبد الرحمن الأوسط "خطة الخيل، ثم
стр. 403
استوزره، وولاه النظر في المظالم وتنفيذ الأحكام على طبقات أهل المملكة، ثم استحجبه (١) ".
وورد في المقتبس أن سعيد بن محمد بن السليم كان من صناع الأمير عبد الله بن محمد قبل أن يصبح أميراً، فلما تولى الإمارة ولى ابن السليم خطة السوق، فظهرت منه صرامة وقوة، وتمكن من ضبط أمور العامة، وبلغ من قوة بأسه أنه سجن خصياً للمطرف ابن الأمير عبد الله بن محمد بعد أن شقق أثوابه وضربه مائتي سوط، نتيجة قلة أدب ذلك الخصي، وإساءته لابن السليم في مجلس نظره وسط السوق، وبعد ذلك أبلغ ابن السليم الأمير عبد الله بما جرى، فصوَّب الأمير فعله واستحسنه، وأدرك مدى استقلاله بعمله وكفاءته، ولذا فبعد مدة وجيزة من تلك الحادثة ولاه الوزارة ثم الحجابة (٢).
وهذا موسى بن محمد بن سعيد بن موسى بن حدير تدرج في عدة مناصب حتى وصل إلى الحجابة، فقد تولى للأمير عبد الله بن محمد خطة القُطُع، ثم ولي خطة المدينة، ثم تولى الوزارة في أول عهد عبد الرحمن الناصر وظل بها إلى أن توفي الحاجب بدر بن أحمد (٣) سنة (٣٠٩) هـ
стр. 404
(٩٢١ م)، فاستحجبه الناصر وظل في هذا المنصب إلى وفاته سنة (٣٢٠) هـ (١) (٩٣٢ م)، ولقد كانت لهذا الحاجب شخصية نفاذة تستقطب الأنظار نحوها، حتى أن الوزير عبد الملك بن جهور يقول عنه: "ما رأيت مثل موسى: لم يجمعه أمير المؤمنين مع أحدٍ إلا كان المستحوذ على المجلس في الجد والهزل" (٢).
مهام الحاجب:
وللحاجب مهام ومسؤوليات أنيطت به، عليه الالتزام بها وتأديتها على الوجه الأكمل، فعن طريقه يتم الوصول للأمير أو الخليفة (٣) كما أنه هو المتحدث معهما نيابة عن الوزراء (٤). ف"هو صاحب الكلام وقيمِّ البيت (٥) " كما أنه يفصل فيما يجري بين الوزراء من اختلاف (٦) وعليه اتخاذ التدابير اللازمة لنزهة الأمير أو الخليفة (٧)، وإذا كونت لجنة للإشراف
стр. 405
على بناء ورفع تقرير مفصل عن هذه المهمة للأمير أو الخليفة فالحاجب يتولى رئاسة تلك اللجنة (١)، كما أن من وظائفه النظر في أحباس الخليفة (٢)، وأخذ البيعة لولي العهد (٣)، وفي بعض الأحيان يتولى الحاجب أمر إدارة الدولة وتسيير شئونها (٤).
والحاجب يجمع إلى جانب خطته، خططاً أخرى، فالحاجب بدر بن أحمد حاجب الخليفة عبد الرحمن الناصر كان يتولى مع الحجابة خطة الوزارة وخطة الخيل والبُرُد، بالإضافة إلى قيادة الجيوش والإشراف على الولاة (٥)، ومن قبله الحاجب عبد الكريم بن عبد الواحد بن مغيث فقد كان يتولى للأمير الحكم الربضي الحجابة والكتابة وقيادة الجيوش (٦). ومن هنا ندرك أن منصب الحجابة لا يتولاه إلا أشهر رجال الدولة، فإما أن يكون من أهل السيف مثل بدر بن أحمد أو من رجال القلم مثل عيسى بن
стр. 406
شُهيد وجعفر المصحفي، أو من رجال السيف والقلم معاً مثل عبد الكريم بن عبد الواحد بن مغيث وهاشم بن عبد العزيز (١).
وللحاجب فراش أرفع من بقية فرش الوزراء ويختلف عنهم، إذ أن فراشه من الديباج بينما فرشهم من الكتان، إلا أنه ابتداءً من عهد الخليفة هشام المؤيد أصبح فراش الحاجب مثل فرش الوزراء، والسبب في ذلك ما ذكره ابن حيان من أن جعفر المصحفي عندما تقلد حجابة الخليفة هشام المؤيد، ورفع فراشه فوق فرش الوزراء كما هي العادة، وكان فراشه من الديباج، خاطب جعفر هشاماً قائلاً "إني أستحي من أصحابي أن أتمهد أفضل من فرشهم، مع عجزي عن درك شأوهم، غير أنا نسلم لأمير المؤمنين اختياره، فإما يساوي بيننا في فرش كرامته، وإما أقرنا على الأمر الأول ولا كفران لنعمته، فأفرش للجميع فرش الكتان، فجرى عليه الرسم إلى آخر الزمان" (٢).
وكان الحاجب يتقاضى راتباً على وظيفته مقداره ثمانون ديناراً في الشهر (٣). ولايسير إلا في موكب ضخم، فقد كان الحاجب جعفر المصحفي - بسبب ضخامة موكبه - يعمد إلى وضع عدد من الكتاب على
стр. 407
جانبي موكبه لأخذ القصص المرفوعة من الناس إليه (١)، وعندما تقام الاحتفالات الرسمية سواءً بمناسبة الأعياد أو الاستقبالات التي تجري للوفود الزائرة أو غير ذلك، فإن الحاجب يكون عن يمين الخليفة (٢).
من كل ما مضى ندرك أهمية منصب الحجابة، ورفعة شأن متوليه، ولذا فقد كان التنافس شديداً بين الوزراء للوصول إلى هذا المنصب، فقد ذكر ابن القوطية أنه بعد وفاة الحاجب عبد الكريم بن عبد الواحد بن مغيث سنة (٢٠٩) هـ (٩٢١ م) أكثر الوزراء من الكتابة للأمير عبد الرحمن الأوسط كل واحد منهم يخطب منصب الحجابة لنفسه، فلما أكثروا عليه ضجر، وجعلها معطلة مدة يسيرة، ثم ولاها أحد الخزان (٣). فهذا التنافس أبلغ دليل على سمو منصب الحجابة، كما أن تعطيلها وتوليتها لواحد من غيرهم فيه مصالح عدة، من أهمها أن الأمير لم يكسب عداوة أحد منهم، وفي الوقت نفسه لم يترك للضغينة والحقد مجالاً بينهم، بالإضافة إلى أن في حرمانهم منها لفترة فيه تأديب لهم وتهديد بخروج هذا المنصب عنهم دائماً وأبداً.
ومنصب الحجابة عرضة لأن يتم تعطيله، فالأمير محمد بن عبد الرحمن ٢٣٨ - (٢٧٣) هـ (٨٥٢ - (٨٨٦) م) لم يتخذ سوى حاجبين
стр. 408
طيلة فترة حكمه (١)، كان آخرهما عيسى بن الحسن بن أبي عبد ة الذي تولى الحجابة عام (٤٧٢)(٢) (٨٥٧ م) ثم إن الوزير هاشم بن عبد العزيز أصبح هو المدبر لدولة الأمير محمد بن عبد الرحمن، رغم أنه لم يطلق عليه لقب حاجب، لأجل هذا فمن المتوقع أن يكون منصب الحجابة معطلاً طيلة المدة التي أعقبت وفاة ابن أبي عبد هـ التي لم يدَّون تاريخها، خاصة وأن سنة وفاة الحاجب ابن أبي عبد ة غير معروفة.
ثم تكررت عملية تعطيل منصب الحجابة مرتين، ففي عهد الأمير عبد الله بن محمد بقي منصب الحجابة شاغراً عدة سنوات وذلك بعد عزل الحاجب سعيد بن محمد بن السليم عنها (٣)، وفي عهد الخليفة عبد الرحمن الناصر ظل منصب الحجابة معطلاً طيلة ثلاثين سنة، فبعد وفاة حاجبه موسى بن محمد بن سعيد بن موسى في منتصف شهر صفر سنة (٣٢٠) هـ (فبراير (٩٣٢) م)، لم يستحجب من بعده أحداً حتى وفاته سنة (٣٥٠) هـ (٤) (٩٦١ م).
стр. 409
ولقد كان متولي الحجابة عرضة لحسد الآخرين ومكائدهم، والمصادر الأندلسية فيها من النصوص ما يكفي للتدليل على ذلك، من هذه النصوص: -
ما ذكره ابن حيان عن الرازي أن نصر الخصي الغالب على دولة الأمير عبد الرحمن الأوسط كان في قلبه غصة على الحاجب عيسى بن شُهيد بسبب مساندة الأخير لمحمد بن الأمير عبد الرحمن ليصبح ولياً للعهد، مخالفاً بذلك رغبة نصر وسيدته طروب حظية الأمير عبد الرحمن في تقديم ولدها عبد الله، ولذا فقد استغل نصر الخصي احتجاب الأمير عبد الرحمن بسبب إصابته بمرض ألم به، فسارع إلى تزوير مرسوم على لسان الأمير بصرف ابن شُهيد عن الحجابة إلى الوزارة وترقية الوزير عبد الرحمن بن رستم (١) ليكون حاجباً، وتم تنفيذ الأمر، فلما شفي الأمير
стр. 410
من علته "قعد لأهل خططه فدخلوا عليه يتقدمهم الوزراء، وعيسى في عرضهم، فتقدم عبد الرحمن بن رستم جماعتهم في التسليم على الأمير، ثم قعد فوق ابن شُهيد فاستنكر الأمير ذلك، فلما استقر بهم المجلس، قال لعيسى بن شُهيد فيما يخاطبه به: "ما شأن كذا؟ " - لأمر سأله عنه - فقال له: "يا مولاي لست بحاجب، وهذا هو الحاجب" وأشار إلى ابن رستم. فَعلت الأمير عبد الرحمن كبرة، وعرف من حيث أُتي فكظم غيظه واصطبر، فلما خرج الوزراء دعا بنصر، فسأله عن عزل ابن شُهيد وولاية ابن رستم، فما يمكنه إنكاره، وادعى أن وصية خرجت إليه من لدنه صدر علته فكذبه الأمير، وعلم أنها من تحامله وجسراته، فسبَّه وأغلظ له، وهم به، ثم عفا عنه وأعاد عيسى بن شُهيد إلى الحجابة وعزل عنها عبد الرحمن بن رستم وتركه على الوزارة" (١).
من هذا النص تتضح لنا رسوم دولة بني أمية في الأندلس فالأمير بعد أن يبرأ من علته يجلس لاستقبال أصحاب الخطط، وأن الحاجب يتقدم الجميع عند السلام على الأمير ويجلس على فراش أرفع من فرش الوزراء وهو الذي يتولى الرد على أسئلة الأمير واستفساراته.
وهذا الحاجب عيسى بن الحسن بن أبي عبد هـ، حاجب الأمير محمد بن عبد الرحمن، تعرض لمكيدة من الوزراء هاشم بن عبد العزيز وتمام بن
стр. 411
عامر بن تمام (١) ومحمد بن موسى وغيرهم، فقد كانوا "لا يألونه ختالاً، ولايدعون استطراده عثاراً" من ذلك أنهم أجمعوا على توريطه عند الأمير محمد في أمر دفعوه لكي يكون أول المتكلمين به -أي الحاجب- لأنه حسب الرسم هو المتكلم بلسانهم، وضمنوا له إتمام الحديث بعد أن يفتتح هو القول (٢)، ويبدو أنه كان من رسوم بني أمية بالأندلس أن الأمير إذا سكت عن الحديث فإن هذا يعني ضرورة انصراف الحضور، يدل على ذلك أن أولئك الوزراء اشترطوا على ابن أبي عبده أن يفاتح الأمير بالموضوع المتفق عليه في آخر المجلس، وتم لهم ماأرادوا، فبعد أن تحدث معهم الأمير فيما يريد سكت ووجب القيام، فأشار هاشم إلى عيسى لكي يخاطب الأمير فيما اتفق عليه جميعهم، فتقدم عيسى إلى الأمير وطلب الإذن منه ليفاتحه بذلك الموضوع فلما أقبل عليه الأمير، وإذا بهاشم بن عبدالعزيز وبقية الوزراء قد نهضوا وغادروا المجلس ففطن الحاجب
стр. 412
لمكيدتهم، فغير الحديث مع الأمير فخاطبه بأمر من أمور المصلحة العامة، مما جعل الأمير يسعفه في طلبه هذا ويثني عليه، ثم خرج الحاجب من عند الأمير فلما وصل إلى بيت الوزراء وإذا هاشم وأصحابه في قهقهة ولجب مما أورطوه فيه، وعندما سأله هاشم ساخراً، أجابه الحاجب بقوله " … فطنت لكم لما أردتموني، فأفردت رغبتي فيما أعناني من طاعة ربي، فهداني قصد سبيلي" قال الرازي "فرفعوا الطمع في استغفاله، وعجبوا من حسن تخلصه بعد تورطه" (١).
وأما الحاجب جعفر المصحفي فلم يقف أمره مع الوزراء على حد الحسد والمكيدة، بل إن العداوة كانت سمة لعلاقتهم به، فقد كون جمعهم قوة ضخمة وقفت إلى جانب المنصور محمد بن أبي عامر ضد المصحفي، وقد بين لنا الفتح بن خاقان (٢) سبب نصرتهم لابن أبي عامر فقال: -
"وكان مما أعين به ابن أبي عامر على جعفر المصحفي ميل الوزراء إليه، وإيثارهم له عليه، وسعيهم في ترقيه، وأخذهم بالعصبية فيه، فإنها وإن تكن حمية أعرابية، فقد كانت سلفية سلطانية، يقتفي القوم فيها سلفهم، ويمنعون
стр. 413
بها ابتذال شرفهم، غادروها سيرة، وخلفوها عادة أثيره، تشاح الخلف فيها تشاح أهل الديانة وصانوا بها مراتبهم أعظم صيانة، ورأوا أن أحداً لايلحق فيها غاية، ولايتلقى لها راية، فلما اصطفى الحكم المستنصر بالله جعفر بن عثمان واصطنعه ووضعه من أثرته حيث وضعه وهو نزيع بينهم، ونابغ فيهم، حسدوه وذموه وخصّوه بالمطالبة وعمّوه، وكان أسرع هذه الطائفة من أعالي الوزراء وأعاظم الدولة إلى مهاودة المنصور عليه، والانحراف عنه إليه، آل أبي عبده (١)
وآل فطيس (١) من الخلفاء وأصحاب الردافة وأولي الشرف والأنافة وكانوا في الوقت أزمَّة الملك، وقوام الخدمة، ومصابيح الأمة،
стр. 416
وأغير الخلق على جاه وحرمة" (١).
وإذا أضفنا إلى مقولة الفتح بن خاقان القول بأن رجالات الدولة الأموية بالأندلس من حجاب فما دونهم من الوزراء والقادة والكتاب منذ نشوء الدولة إلى عهد المستنصر بالله كانوا جميعاً ينتمون إلى بيوتات معدودة أشهرها على الإطلاق أسر آل أبي عبده وآل شُهيد وآل فطيس، أدركنا سبب وقوف أولئك الوزراء في وجه الحاجب المصحفي ومساندتهم لابن أبي عامر ضده، إذ أن تلك البيوتات كانت حريصة كل الحرص على عدم خروج الأمر عنها، وإنها ستقف بكل قوة في وجه من يحاول سلبها مكانتها.
ولكن يبدو أن الحاجب المصحفي لم يدرك هذه الحقيقة، فجلب على نفسه عداوة أبناء تلك الأسر بعمله الذي أثار ضغائن نفوسهم وجعلهم يتوجسون خيفة من مقاصده، إذ عندما بويع هشام المؤيد بالخلافة وأصبح المصحفي حاجباً له، عمل على السيطرة على وزارات الدولة، فقد تمكن من تعيين ابن أخيه هشام بن محمد بن عثمان في خطة الخيل ثم أصبح وزيراً. وولى بنيه محمد وعثمان وعبدالرحمن وأخاه سعيد وابن أخيه محمد الشرطة العليا والوسطى وجعل على المدينة ابنه محمدا (٢)،
стр. 417
فلا عجب إذاً والحالة هذه أن يعمل أولئك الوزراء على إسقاطه بأي صورة.
وإذا تتبعنا حال الحجابة في الدولة الأموية بالأندلس، نجد أن متوليها حتى نهاية خلافة الحكم المستنصر لايختلف عن الوزارء بشيء، اللهم إلا ببعض الرسوم التي عرفناها، فهو لايعدو كونه منفذ للأوامر الصادرة إليه من الأمير أو الخليفة، حتى أن عزله واعادة تنصيبه تتم بمنتهى السهولة (١)، ولذا فهو أشبه مايكون بوزير التنفيذ، إلا أن الأمر تبدل منذ وصول المنصور محمد بن أبي عامر إلى الحجابة في عصر الخليفة هشام المؤيد، إذ أصبح بحق رئيساً للوزراء، فهو يعزل منهم من شاء ويبقي من أراد، وبذلك تحول منصب الحاجب من وزير تنفيذ إلى وزير تفويض.
ولقد جرت في منصب الحجابة حادثة فريدة لم تحدث إلا مرة واحدة خلال تاريخ دولة بني أمية بالأندلس، فقد وجد حاجبان اشتركا معاً في تولي الحجابة، وذلك أن الخليفة هشام المؤيد أصدر أوامره بإشراك الوزير القائد الأعلى غالب بن عبدالرحمن الناصري في منصب الحجابة مع جعفر المصحفي، فأصبح فراش غالب في الصدر وعن يمينه جعفر المصحفي وعن يساره ابن أبي عامر، واستمر الاشتراك بالحجابة قرابة أربعة أشهر تقريباً وكان ذلك راجعاً لدهاء ومكر المنصور وحيلته ليضرب أهم شخصيتين في الدولة بعضهما ببعض، ثم أصدر الخليفة أمره في يوم
стр. 418
الاثنين لثلاث عشرة ليلة خلت من شعبان سنة (٣٦٧) هـ (مارس (٩٨٧) م) بإعفاء المصحفي من منصبه (١).
تسلط الحجابة على الخلافة
بعد أن صدر أمر الخليفة هشام المؤيد بعزل جعفر المصحفي عن الحجابة، وتنصيب ابن أبي عامر مكانه (٢)، أمر الخليفة بإلقاء القبض على المصحفي وعلى ولده وأنسابه وابن أخيه هشام وسائر طبقته وأوكل أمر محاسبتهم إلى ابن أبي عامر، فصادرهم ونكل بهم وأول ما بدأ بهشام ابن أخي جعفر فقتله بالمطبق بالزهراء (٣)، ثم اخذ يحاسب جعفراً وصادره حتى اضطره إلى بيع داره التي بالرصافة، وهي من أعظم قصور قرطبة وقد تفنن ابن أبي عامر وصهره غالب في تعذيب جعفر وإعناته وإلحاق الإهانة به، حتى خبت نار حقدهما عليه، فأودعاه في المطبق بالزهراء إلى أن مات وأسلمت جثته لأهله سنة (٣٧٢) هـ (٤) (٩٨٢ م).
стр. 419
وبعد هلاك المصحفي رسم المنصور بن أبي عامر لنفسه سياسة توصله إلى الاستبداد التام بالخلافة، فأسقط رجال دولة الخليفة الحكم المستنصر بالله من سائر الطبقات، ومزقهم، واتخذ عوضا عنهم رجالاً اطمأن إلى مدى إخلاصهم له، فسدوا مكان أسلافهم، ومحوا ذكرهم وأعانوا المنصور على مراده (١).
ولم ينس المنصور موقف الصقالبة بعد وفاة الحكم المستنصر وعملهم على تنصيب المغيرة (٢) بن عبدالرحمن الناصر بدلاً من هشام المؤيد (٣)، ولذا
стр. 420
فقد كان على حذر منهم، فما أن ثبت قدمه بالسلطة حتى ابتدأ بهم فصادر أموالهم وحاسب كتابهم ومن يسير في ركابهم، وشتت شملهم نفياً وقتلاً حتى هلكوا عن آخرهم (١).
وبعد أن استفحل أمر المنصور وعظم شأنه وكثر حساده، قرر أن يتخذ لنفسه قصراً ينزل فيه اتقاء لشر مكيدة يدبرها حساده، من جراء كثرة تردده على قصر الخليفة (٢)، إضافة إلى حرصه على استكمال مظاهر الملوك (٣)، ولذا فقد بدأ في سنة (٣٦٨) هـ (٤) (٩٧٩ م) ببناء مدينة الزاهرة حيث أقام فيها قصره، وبعد سنتين من ابتداء البناء "انتقل إليها واتخذ فيها الدواوين للأعمال، والحجر للغلمان، والسقائف للحراس، والقصور للولد والخاصة والاصطبلات للظهر والكراع، وعمل داخلها الأهراء الواسعة والخزائن الوثيقة، وانتقل إليها، ورتب فيها مقاعد الوزراء وسقائف العمال، وكتب بأن تجلب إليها الوظائف والجبايات والأموال" (٥).
стр. 421
وبعد أن انتقل المنصور إلى الزاهرة وانتقلت بانتقاله الدولة بأسرها، أصبح قصر الخلافة معطلاً، إذ سد المنصور بابه، وأحكم قبضته عليه، وأقام حوله خندقاً وسوراً منيعاً، ورتب الحراس والبوابين والسمار والمنتابين يلازمونه ليلاً ونهاراً ويراقبون حركات من فيه سراً وجهاراً، وجعل في القصر أحد ثقاته لضبطه وبسط الأمر والنهي فيه وبذلك حجر المنصور على الخليفة الذي لم يبق له من وظائف الخلافة إلا نقش اسمه في السكة، والطرز والدعوة له في الخطبة (١).
وكان المنصور يصدر أوامره باسم الخليفة، فكان يدخل إلى القصر ويخرج ويقول: "أمرني أمير المؤمنين بكذا ونهى عن كذا (٢) " ثم أراد
стр. 422
أن يستريح من كثرة الدخول على الخليفة ويستبد بالأمر فأشاع بين الناس بأن الخليفة، قد فوضه في تولي شئون الحكم لأنه يريد التفرغ للعبادة (١).
ولقد كان المنصور يدرك بأن تصرفاته هذه لاترضى بني أمية، ولذا فقد أخذ حذره منهم فأصدر أوامره إليهم بلزومهم منازلهم ولم يسمح لهم بالركوب والخروج إلا لضرورة، وبث العيون من حولهم، وفرق الناس عنهم وأجبرهم على ملازمة أناس من ثقاته، ومنع أحداً من الدخول عليهم، إلا أن يكون غلاماً أو وكيلاً أو معلماً او طبيباً، ولم يكتفي بذلك بل أخذ يصحبهم معه في غزاوته حتى أرهقهم وأهمتهم أنفسهم (٢).
ولكي يسيطر على الدواوين ومايجري فيها، عين من عنده كاتباً يدور في الدواوين وينقل إليه مايقع فيها (٣)، وبالجملة فلم "يبق يداً يحذر بطشها إلا شلها، ولاعينا بريبة نظرها إلا فقأها (٤) ".
وبعد مضي سنة على سكنى ابن أبي عامر مدينة الزاهرة، قرر اتخاذ ألقاب الخلفاء "استيفاءً لرسوم الملوك (٥) " ففي سنة (٣٧١) هـ (٩٨١ م) اتخذ لقب "المنصور" وأصبحت الكتب تنفذ عنه على الصورة التالية: "من
стр. 423
الحاجب المنصور أبي عامر محمد بن أبي عامر إلى فلان (١) " وأصدر أمره بأن يدعى له بهذا اللقب على كافة المنابر بالأندلس بعد ذكر الخليفة المؤيد والدعاء له (٢) ومنذ ذلك الوقت أصبح الرسم يقضي بضرورة تقبيل يده، فأخذ الوزراء وكذا وجوه بني أمية ومن دونهم يمتثلون هذا الرسم (٣)، بل فرض على الكل بأن تكون مخاطبته بلفظ "مولاي (٤) "، ويصور لنا ابن عذاري شدة وطأة المنصور على رجال دولته وغيرهم بأنهم "إذا بدا لأبصارهم طفل من ولده قاموا إليه، فاستبقوا ليده تقبيلاً وعموا طرفه لثما (٥) ".
بهذه الرسوم أصبح الحاجب المنصور مساوياً للخليفة بكل شيء ولافرق بينهما إلا في الاسم عند تصدير الكتب أو نقشه على السكة والطراز، بل إنه فيما بعد أمر بنقش اسمه على السكة وطرزه على القباب (٦).
ويبدو أن المنصور كان إحساسه بالعظمة يزداد يوماً بعد يوم، فأصبح ينظر إلى الحجابة نظرة ازدراء، وشعر بأنها لاتليق بمكانته وهو
стр. 424
الحاكم المطلق بالأندلس، ولذا فقد قرر التنازل عن هذا المنصب تمهيداً للاستيلاء على منصب الخلافة، فأصدر أمره سنة (٣٨١) هـ (٩٩١) بترك اسم الحاجب واقتصر على لقب "المنصور" فأصحبت الكتب تنفذ منه بهذه الصورة: "من المنصور أبي عامر وفقه الله إلى فلان (١) " بحذف اسم الحجابة، ورشح ولده عبدالملك لتولي الحجابة بالإضافة إلى القيادة العليا وكافة الخطط التي كان يشغلها (٢)، كما قدم ولده الآخر عبدالرحمن للوزارة (٣).
حقق المنصور كل مايصبو إليه، وبسط نفوذه على سائر السلطات السياسية والعسكرية بالأندلس، ولم يبق إلا الخطوة الأخيرة ليكمل مراده، وذلك عندما يعلن نفسه خليفة بدلاً من هشام المؤيد، ويدفعه إلى فعل ذلك نجاحه في تجاوز العقبات التي اعترضته، ويؤيده في ذلك جيش هو عماد دولته، وفي الوقت نفسه يدين له بتكوينه وتنظيمه، إذ أنه أسس جيشاً كما يريد، وفي هذا الخصوص يقول ابن عذاري: "استبدل المنصور جند الأندلس بالبربر فأقام لنفسه جنداً اختصهم باستصناعه واسترقهم بإحسانه (٤) " إلا أن العقبة الحقيقية التي كان المنصور يخشاها تتمثل بالرعية، فهو يخشى ثورتها في وجهه عندما يعلن نفسه خليفة بدلاً من خليفتهم
стр. 425
المؤيد لتعلقهم به من جهة، وللطرق الملتوية التي أوصلت ابن أبي عامر إلى ماوصل إليه من جهة أخرى، ولذا عمد المنصور إلى استشارة خواصه في هذا الموضوع.
وقد ذكر ابن حزم أن المنصور عقد اجتماعاً مع كبار أهل قرطبة ليري موقفهم مما عزم عليه، وكان من بين المدعوين لحضور هذا الاجتماع ابن عياش وابن فطيس بالإضافة إلى والد ابن حزم ومن الفقهاء محمد بن يبقى بن زرب وأبو عمر بن المكوي (١) والأصيلي (٢)، يقول ابن حزم: "فأما ابن عياش وابن فطيس فصوبا ذلك له، وأما أبي ﵀ فقال له: إني أخاف من هذا تحريك ساكن، والأمور كلها بيدك، ومثلك لاينافس في هذا المعنى، وأما محمد بن يبقى بن زرب فإنه قال له: وصاحب الأمر