وبعد أن انتقل المنصور إلى الزاهرة وانتقلت بانتقاله الدولة بأسرها، أصبح قصر الخلافة معطلاً، إذ سد المنصور بابه، وأحكم قبضته عليه، وأقام حوله خندقاً وسوراً منيعاً، ورتب الحراس والبوابين والسمار والمنتابين يلازمونه ليلاً ونهاراً ويراقبون حركات من فيه سراً وجهاراً، وجعل في القصر أحد ثقاته لضبطه وبسط الأمر والنهي فيه وبذلك حجر المنصور على الخليفة الذي لم يبق له من وظائف الخلافة إلا نقش اسمه في السكة، والطرز والدعوة له في الخطبة (١).
وكان المنصور يصدر أوامره باسم الخليفة، فكان يدخل إلى القصر ويخرج ويقول: "أمرني أمير المؤمنين بكذا ونهى عن كذا (٢) " ثم أراد
стр. 422
أن يستريح من كثرة الدخول على الخليفة ويستبد بالأمر فأشاع بين الناس بأن الخليفة، قد فوضه في تولي شئون الحكم لأنه يريد التفرغ للعبادة (١).
ولقد كان المنصور يدرك بأن تصرفاته هذه لاترضى بني أمية، ولذا فقد أخذ حذره منهم فأصدر أوامره إليهم بلزومهم منازلهم ولم يسمح لهم بالركوب والخروج إلا لضرورة، وبث العيون من حولهم، وفرق الناس عنهم وأجبرهم على ملازمة أناس من ثقاته، ومنع أحداً من الدخول عليهم، إلا أن يكون غلاماً أو وكيلاً أو معلماً او طبيباً، ولم يكتفي بذلك بل أخذ يصحبهم معه في غزاوته حتى أرهقهم وأهمتهم أنفسهم (٢).
ولكي يسيطر على الدواوين ومايجري فيها، عين من عنده كاتباً يدور في الدواوين وينقل إليه مايقع فيها (٣)، وبالجملة فلم "يبق يداً يحذر بطشها إلا شلها، ولاعينا بريبة نظرها إلا فقأها (٤) ".
وبعد مضي سنة على سكنى ابن أبي عامر مدينة الزاهرة، قرر اتخاذ ألقاب الخلفاء "استيفاءً لرسوم الملوك (٥) " ففي سنة (٣٧١) هـ (٩٨١ م) اتخذ لقب "المنصور" وأصبحت الكتب تنفذ عنه على الصورة التالية: "من
стр. 423
الحاجب المنصور أبي عامر محمد بن أبي عامر إلى فلان (١) " وأصدر أمره بأن يدعى له بهذا اللقب على كافة المنابر بالأندلس بعد ذكر الخليفة المؤيد والدعاء له (٢) ومنذ ذلك الوقت أصبح الرسم يقضي بضرورة تقبيل يده، فأخذ الوزراء وكذا وجوه بني أمية ومن دونهم يمتثلون هذا الرسم (٣)، بل فرض على الكل بأن تكون مخاطبته بلفظ "مولاي (٤) "، ويصور لنا ابن عذاري شدة وطأة المنصور على رجال دولته وغيرهم بأنهم "إذا بدا لأبصارهم طفل من ولده قاموا إليه، فاستبقوا ليده تقبيلاً وعموا طرفه لثما (٥) ".
بهذه الرسوم أصبح الحاجب المنصور مساوياً للخليفة بكل شيء ولافرق بينهما إلا في الاسم عند تصدير الكتب أو نقشه على السكة والطراز، بل إنه فيما بعد أمر بنقش اسمه على السكة وطرزه على القباب (٦).
ويبدو أن المنصور كان إحساسه بالعظمة يزداد يوماً بعد يوم، فأصبح ينظر إلى الحجابة نظرة ازدراء، وشعر بأنها لاتليق بمكانته وهو
стр. 424
الحاكم المطلق بالأندلس، ولذا فقد قرر التنازل عن هذا المنصب تمهيداً للاستيلاء على منصب الخلافة، فأصدر أمره سنة (٣٨١) هـ (٩٩١) بترك اسم الحاجب واقتصر على لقب "المنصور" فأصحبت الكتب تنفذ منه بهذه الصورة: "من المنصور أبي عامر وفقه الله إلى فلان (١) " بحذف اسم الحجابة، ورشح ولده عبدالملك لتولي الحجابة بالإضافة إلى القيادة العليا وكافة الخطط التي كان يشغلها (٢)، كما قدم ولده الآخر عبدالرحمن للوزارة (٣).
حقق المنصور كل مايصبو إليه، وبسط نفوذه على سائر السلطات السياسية والعسكرية بالأندلس، ولم يبق إلا الخطوة الأخيرة ليكمل مراده، وذلك عندما يعلن نفسه خليفة بدلاً من هشام المؤيد، ويدفعه إلى فعل ذلك نجاحه في تجاوز العقبات التي اعترضته، ويؤيده في ذلك جيش هو عماد دولته، وفي الوقت نفسه يدين له بتكوينه وتنظيمه، إذ أنه أسس جيشاً كما يريد، وفي هذا الخصوص يقول ابن عذاري: "استبدل المنصور جند الأندلس بالبربر فأقام لنفسه جنداً اختصهم باستصناعه واسترقهم بإحسانه (٤) " إلا أن العقبة الحقيقية التي كان المنصور يخشاها تتمثل بالرعية، فهو يخشى ثورتها في وجهه عندما يعلن نفسه خليفة بدلاً من خليفتهم
стр. 425
المؤيد لتعلقهم به من جهة، وللطرق الملتوية التي أوصلت ابن أبي عامر إلى ماوصل إليه من جهة أخرى، ولذا عمد المنصور إلى استشارة خواصه في هذا الموضوع.
وقد ذكر ابن حزم أن المنصور عقد اجتماعاً مع كبار أهل قرطبة ليري موقفهم مما عزم عليه، وكان من بين المدعوين لحضور هذا الاجتماع ابن عياش وابن فطيس بالإضافة إلى والد ابن حزم ومن الفقهاء محمد بن يبقى بن زرب وأبو عمر بن المكوي (١) والأصيلي (٢)، يقول ابن حزم: "فأما ابن عياش وابن فطيس فصوبا ذلك له، وأما أبي ﵀ فقال له: إني أخاف من هذا تحريك ساكن، والأمور كلها بيدك، ومثلك لاينافس في هذا المعنى، وأما محمد بن يبقى بن زرب فإنه قال له: وصاحب الأمر
стр. 426
ماشأنه؟ فقال له: لايصلح لهذا، فقال له: يرى ويجرب، فقال له: أفي مسائل الفقه؟ يريد أن يسأله، قال: لا، ولكن في مسائل السياسة وتدبير المملكة، قال: فإن لم يقم، قال: ينظر في قريش، فأعرض عنه مغضباً ونظر إلى الأصيلي وإلى ابن المكوى، فقال له الأصيلي: يامولاي عربي ضابط خير من قرشي مضيع، قال: فنظر إلى ابن المكوى: فجعل يضحك له ويقول: يامولاي ومثلك يفكر في هذا وأنت الكل وكل شيء بيدك، وإنما يرغب في الأسماء من لايحقق، والمدار على الحقيقة، وهي بيدك، فسكت ابن أبي عامر، وقاموا واحداً واحداً (١) " وبهذه المشورة وقف المنصور على حقيقة الأمر فعدل عن رأيه، لأنه خشي من هيجان شعبي يودي به وبدولته.
وتمهيداً للوصول إلى الخلافة أصدر المنصور أوامره سنة (٣٨٢) هـ (٩٢٢ م) تقريباً بإلغاء خاتم الخليفة هشام المؤيد من الكتب واقتصاره على خاتمه الخاص (٢)، لطمس أي ذكر للخليفة.
بعد هذه الخطوات اتخذ المنصور خطوة هامة، فقد أصدر أوامره سنة (٣٨٦) هـ (٩٩٦ م) بأن يخص وحده بلفظ "السيد" دون سائر الناس بالأندلس، فتليت الكتب بهذا الخصوص على منابر الأندلس، واستمر هذا
стр. 427
الرسم بقية حياته، وطيلة تلك الفترة كان يخاطب: بـ"الملك الكريم" وبولغ في تعظيمه وتكريمه (١).
وبعد هذه الأحداث، ساءت العلاقة بين الخليفة المؤيد والمنصور، وشاع بين الناس أنه يريد أن يسطو على منصب الخلافة (٢)، وكان لصبح والدة الخليفة دورها في نشر تلك الشائعات بواسطة دعاتها وأعوانها (٣)، واشتدت العداوة بين أهل قصر الخليفة ومن في قصر المنصور، وحاول المنصور أن يقضي على تلك العداوة، فطرد العديد من الخدم المتواجدين في قصر الخليفة، ولم يترك إلا ثقاته، ومع ذلك فقد شدد عليهم في الحراسة وبث العيون التي عملت على إحصاء أنفاسهم (٤).
ولمواجهة المنصور استنجدت صبح والدة الخليفة بزيري بن عطية (٥)، وبعثت إليه بثمانين ألف دينار سراً (٦)، وعندما علم المنصور بذلك، جمع
стр. 428
كل رجاله فاتفقت كلمتهم على ضرورة بقاء كل الأموال عند المنصور لأنه على حفظها أقدر، إلا أن علة ألمت به اضطرته إلى تأخير نقل بيت المال إلى الزاهرة واستغل أعداء المنصور هذا الوضع الطارئ، "فراسلوا حاشية الخليفة سراً، وجهزوا للقيام عليه، فلم يكن فيهم فضل لذهاب أعيانهم (١) " وبالنهاية تمكن المنصور بواسطة قوة عسكرية جهزها بقيادة ولده عبدالملك من نقل بيت المال إلى الزاهرة وذلك في جمادى الأولى سنة (٣٨٦) هـ (يونيو (٩٩٦) م) في حين تعذر عليهم الوصول لبيت مال الخاصة لوقوف السيدة صبح أم هشام دونه (٢).
وبعد أن عوفي المنصور من علته، ركب إلى الخليفة هشام المؤيد، ووصل إلى مجلسه وبصحبته كبار رجال دولته، ولأنه أدرك مافي نفوس الناس وحبهم لرؤية هشام (٣)، عمل على استغلال هذه النقطة لصالحه، فأبرزه للناس في أحد أيام الجمع من سنة (٣٨٧) هـ (٩٩٧ م) فصلى بجامع قرطبة ولم يكن لهشام عهد بشهود صلاة الجمعة -بسبب الحجر المفروض عليه من المنصور- وبعد الصلاة توجه الجميع إلى الزاهرة وهناك جددت
стр. 429
البيعة للخليفة هشام المؤيد (١)، وبالمقابل تبرأ الخليفة من الملك لبني عامر وولى المنصور الإشراف التام على شئون الدولة (٢).
وأظهر المنصور الإشفاق على الخليفة من بني أمية، ولذا عمد إلى الفتك بهم "حتى أفنى من يصلح منهم للولاية، ثم فرق باقيهم في البلاد، وأدخلهم زوايا الخمول عارين من الطراف والتلاد (٣) ".
وأخيراً فرغم مابلغه المنصور بن أبي عامر من رفعة وسؤدد، حتى أضحى الرجل الأول بالأندلس قاطبة، إلا أنه في الواقع كان يحتمي باسم الخليفة هشام المؤيد ليضمن عدم المعارضة وتسيير أموره كما يريد، ولولا هذا لما وصل إلى ما وصل إليه. فمن ذلك أنه هو القائل مادحاً ذاته: -
تلاد أمير المؤمنين وعبده … وناصحه المشهور يوم المفاخر (٤)
وقد تناول قضية احتماء المنصور باسم المؤيد الخليفة، الأمير عبدالله في مذكراته، فقال: "كان المنصور بن أبي عامر على دقة شأنه، ولأنه لم يكن من أهل بيت المملكة فيستحقها عن الآباء ولاكانت به قدرة على الدنيا، فقد حصل على عظائم الأمور بدهائه، ومخرقته على العامة، مع ماهيأت السعادة له، وكانت أقوى الأسباب في سلطانه، ولولا قيامه بدعوة الخليفة، وإظهاره الإنخضاع له في جميع مايأتي ويذر إلى طاعته
стр. 430
وإقامة أوده، وتوليته الحجابة والوزارة وإخماله لأهل الدولة الحكمية، وتقصيهم بالقتل، متأولاً في ذلك أن دولته تصفو به ويقوى سلطانه، وأن بقاءهم في كثرة الخلاف، وإيثار الفتن وهلاك المسلمين، حتى اتسق له ماأمل، وبلغ من ذلك الغاية القصوى، ولو أن أحداً اشتهر ببعض ماأتى هو به دون تعلق بسبب، أو إظهار طاعة لكان قتل من ساعته، ولو كان من أهل بيت الخلافة (١) ".
والحق أن المنصور لم يكن يحتمي باسم الخليفة فقط، بل كان يخشى أن يظهر من الخليفة مايقضي على مالديه من الآمال والتطلعات، وينزع سلطانه منه، ولقد كانت هذه القضية تسبب له أرقاً يفقده لذيذ النوم، ولذا فقد كان يفرط في السهر، وعندما عاتبه فتاه شعله على ذلك محذراً إياه من مغبته، أفصح المنصور عما في نفسه حيث قال: "ياشعلة، حارس الدنيا لاينام إذا نامت الرعية، لو استوفيت نومي، لما كان في دور هذا البلد عين نائمة، ولو كنت من صاحب القصر [وأشار ناحية الخليفة] على مثل مسافة بسطة لأحرمت النوم، فكيف وإنما بيننا مدى صيحة (٢) ".
وبعد وفاة المنصور بن أبي عامر قام بأمر الدولة من بعده ابنه عبدالملك، حيث زار الخليفة المؤيد، ونعى إليه والده المنصور، فلاطفه
стр. 431
الخليفة ثم أصدر أوامره بأن يتولى عبدالملك الحجابة مكان أبيه (١)، وذلك يوم الاثنين لثلاث بقين من شهر رمضان المبارك سنة (٣٩٢) هـ (٢) (أغسطس (١٠٠٢) م) وخلع عليه (٣)، وأخرجت الكتب بهذا الخصوص وتليت على منابر الأندلس والمغرب (٤) وبعد أن أحكم عبدالملك قبضته على البلاد سار على نهج والده تجاه الخليفة المؤيد، فقد حجر عليه طوال أيامه حتى أنه لم يشهد صلاة قط (٥)، إلا أنه كان يكثر من إخراجه للنزهة ولكن وفق ماكان المنصور يفعل معه من قبل (٦).
وقد سلك عبدالملك بن المنصور سبيل التدرج في طلب الألقاب الملوكية، والرتب السلطانية، وهو النهج الذي سار عليه والده من قبل (٧)، فبعد أن مضى على توليه الحجابة خمس سنين وثلاثة أشهر، أثبت خلالها جدارته في هذا المنصب، ووقرت محبته في قلوب الناس، بدأ يطلب منحه ماكان يخطط له، ففي شهر ذي الحجة من سنة (٣٩٧) هـ (أغسطس
стр. 432
١٠٠٧ م) وصل إلى قرطبة بعد أن قاد المسلمين في غزوة قلونية (١)، وبعد أن استشار خاصته فيما سوف يلتمسه من الخليفة من الألقاب، وجه الحاجب إلى الخليفة دعوة للنزهة في الزاهرة، وذلك في أوائل الشهر المحرم من سنة (٣٩٨) هـ (٢) (سبتمبر (١٠٠٧) م) فوصل الخليفة إلى الزاهرة على السبيل المعهود منذ أيام المنصور (٣)، ثم انفرد به عبدالملك، وطلب منه أن يصدر مرسوماً ينعم به عليه بلقب "المظفر" وأن يكنى في جميع مايجري به ذكره بأبي مروان … وأن يثني وزارة ابنه محمد فيصيره بها ذا الوزارتين ويعلي بذلك مرتبته على سائر الوزراء (٤)، فما كان من الخليفة إلا الموافقة على طلب الحاجب، بل زاد على مراده بأن كنى ابنه محمدا بأبي عامر كنية جده، حرصاً من الخليفة على إدخال المسرة على حاجبه (٥).
وفي النصف من شهر المحرم سنة (٣٩٨) هـ (أغسطس (١٠٠٧) م) ركب الخليفة -وفق الطريقة المعهودة- متجهاً نحو قصر ناصح بالزاهرة (٦)، وبعد أن قر به المقام بالقصر، استدعى حاجبه عبدالملك
стр. 433
وناقشه في بعض الأمور، وبعد أن غادر عبدالملك المجلس صدر من الخليفة المرسوم التالي، يقال أنه كان بخط يده: -
"بسم الله الرحمن الرحيم، من هشام المؤيد، أتم الله عليك نعمته وهنأك قسمه وألبسك عفوه وعنايته، لما رأيناك - سلمك الله - من صنع الله الجسيم، وفضله العظيم، لنا عليك ما شفى الصدور، وأقر العيون، استخرنا الله في أن سميناك المظفر .. كذلك أبحناك التكني في مجالسنا ومحافلنا، وفي الكتب الجارية منك وإليك في أعمال سلطاننا، وسائر ما يجري فيه اسمك معنا ودوننا، .. كذلك شرفنا فتاك أبا عامر محمد بن المظفر تلادنا أسعده الله بالإنهاض إلى خطة الوزارتين، وجمعناه بها في التكني على المشيخة، والترتيب إثرك في الدولة لأنك تربيتنا، وسيف دولتنا … (١) ".
стр. 434
وبهذه المناسبة أظهر الحاجب المظفر السرور بما أصدره الخليفة، فاحتفل لذلك احتفالاً خاصاً وزعت فيه الصلات على جميع الأجناد (١).
وبعد هذا المرسوم أصبحت الكتب التي تصدر من عبد الملك بن المنصور وفق الصورة التالية: "من الحاجب المظفر سيف الدولة أبي مروان عبد الملك بن المنصور (٢) " وبذلك يكون عبد الملك أول من اجتمع له لقبان من حجاب الأندلس وسار على إثره في اتخاذ لقبين من جاء بعده من ملوك الفتنة (٣).
وهكذا ظل الحاجب المظفر يمارس سلطاته بالأندلس حتى وافته المنية يوم الجمعة لاثنتي عشرة ليلة بقيت من شهر صفر سنة (٣٩٩) هـ (٤) (أكتوبر ١٠٠٩) وقيل بأنه قد دُسَّ له السم من قبل أخيه عبد الرحمن (٥).
وبعد وفاة المظفر قام بالأمر أخوه عبد الرحمن، حيث ضبط المدينة الزاهرة، وجلس مجلس أخيه المظفر، واستقبل المهنئين، ثم توجه إلى الخليفة ونعى إليه أخاه، فعزاه الخليفة وقلده الحجابة بعد أن خلع عليه (٦)، وعندما وصل إلى الزاهرة جلس لاستقبال المهنئين، وبعد عشرة أيام من استلامه
стр. 435
الحجابة منحه الخليفة لقب المأمون مضافاً إلى اسمه الأول ناصر الدولة كما شرفه بالتكنية، وأصدر الخليفة في ذلك مرسوماً بخط يده، جاء في العنوان "الحاجب المأمون ناصر الدولة أبو المطرف، حفظه الله، بسم الله الرحمن الرحيم أدام الله حفظك، وأحسن على الصلاح عونك، … تسميتك في كتبنا إليك وتحليتك بالمأمون في مخاطبتك زائداً على أول أسمائك … فاعتمل فيما ينفذ من الكتب عنك وإليك على عنوان كتابنا هذا إليك (١) " وأمر الخليفة بإنقاذ هذه الرقعة إلى الوزير الكاتب جهور بن محمد، ليثبت هذه التسمية في الأزمة، وتكون معتمدة رسمياً في المخاطبة، وتنفذ في ذلك الكتب لتتلى على منابر الأندلس كافة (٢).
وفي يوم الثلاثاء (١٤) من ربيع الأول سنة (٣٩٩) هـ (١٧ نوفمبر (١٠٠٨) م) توصل عبد الرحمن بن المنصور إلى استصدرا مرسوم من الخليفة يقضي بتعيينه ولياً للعهد، بعد أن أقنع الخليفة بضرورة ترقيته إلى هذا المنصب، محتجاً بالقرابة التي تربطهما من جهة الأم (٣). وفي الوقت نفسه
стр. 436
دس إليه من خوفه بأنه ينوي الفتك به إن لم يجعله ولياً للعهد (١). فأصبح عبد الرحمن بن المنصور يدعى له بولاية العهد على المنابر في الخطبة بعد الدعاء للخليفة مع بقية الألقاب التي منحه (٢). وبذلك تخلى عبد الرحمن عن الحجابة إذ قلدها ولده عبد العزيز مجموعة له بسيف الدولة لقب عمه المظفر، حيث ظل في هذا المنصب طيلة حياة والده (٣).
ولم تقف طموحات عبد الرحمن بن المنصور الشهير بشنجول السريعة الخطى عند الوصول إلى منصب ولاية العهد، بل كان يريد الوثوب على الخلافة بأقصر وقت، وبأي وسيلة ففي شتاء سنة (٣٩٩) هـ (١٠٠٩ م) خرج على رأس جيشه متجهاً إلى الشمال الأسباني (٤)، وكان على شرطته أحد سفال قرطبة يقال له: ابن الرسان (٥)، فإذا سكر شنجول أمر صاحب شرطته بأن ينادي في الجيش: يأمركم أمير المؤمنين بكذا
стр. 437
وكذا، فإذا عاد سأله عن رد فعل الناس فيخبره أنهم غير مبالين، فيأمره عندها بتكرار النداء مرات ومرات (١) متلذذاً بسماع ذلك، إلا أن هذه اللذة لم يكتب لها الاستمرار، إذ هبت نيران الفتنة بقرطبة بقيادة محمد بن هشام بن عبد الجبار بن عبد الرحمن الناصر الملقب بالمهدي، فعاد شنجول نحو قرطبة، وعندما بلغ قلعة رباح تبرأ من ولاية العهد وأعلن اقتصاره على الحجابة وأرسل كتاباً بذلك لكن أحداً لم يأبه به (٢)، فعزم على دخول قرطبة، وأصر على ذلك، رغم نصيحة البعض له بالفرار (٣)، فكان في إصراره حتفه، إذ قتل بمنزل هانئ عند دير أرملاط، وذلك عقب صلاة المغرب يوم الجمعة لأربع خلون من رجب سنة (٣٩٩) هـ (٤ مارس سنة (١٠٠٩) م) (٤).
الحجابة في عصر الفتنة:
مرت الحجابة في ذلك الوقت بفترات اتضحت خلالها قوتها، وعانت من الضعف أكثر وقتها، والملاحظ على الحجابة آنذاك، هو كثرة من تولاها، مع قصر مدتهم، بسبب مايتعرضون له من مفاجآت غير سارة، من قتل وعزل وهروب.
стр. 438
ففي بداية عهد الفتنة سنة (٣٩٩) هـ (١٠٠٩ م) تولى الحجابة الأمير عبد الجبار بن المغيرة لابن عمه الخليفة محمد المهدي (١) وهذه هي المرة الأولى التي تولى فيها الحجابة أحد أبناء البيت الأموي، وذلك في الخلافة الأولى للمهدي، وأما في الخلافة الثانية فإنه استحجب الفتى "واضح الحكمي العامري (٢) " بسبب مساعدته له عندما لجأ إلى طليطلة، وبالتالي وقوفه إلى جانبه إلى أن تولى الخلافة للمرة الثانية (٣)، ويمكن القول بأن الحاجب واضح كان شريكاً للمهدي في تدبير الدولة (٤) إلا أن طموحه كان أكبر من ذلك بكثير، فهو يتطلع إلى تكرار سيرة مواليه العامريين المنصور وبنيه، وذلك من خلال إعادة الخلافة لهشام المؤيد، ومن ثم السيطرة عليه -بالإضافة إلى الأخذ بثأرهم من المهدي (٥) - لأجل ذلك تآمر مع بعض زملائه الصقالبة، فقتلوا المهدي يوم الأحد الثامن من ذي الحجة سنة (٤٠٠)(٦) (٢٤ يوليو (١٠١٠) م) وبعد قتل المهدي تولى الخلافة
стр. 439
هشام المؤيد، فتولى واضح الحجابة له، وكما يريد فقد استبد بالسلطة (١)، إلا أنه شعر بعدم قدرته على ضبط الأمور بصورة قوية، بل أصبح عرضة للسخرية والسب من قبل الجند، ولذا فقد عزم على الهرب طلباً للنجاة، إلا أن أمره انكشف، فأسرع إليه ابن وداعة بطائفة من الجند، فأخرجوه من داره وعاتبوه على تفريطه ثم قتلوه (٢)، فأصبح منصب الحجابة شاغراً، إذ أن الخليفة هشام المؤيد أظهر الاستغناء عن الحاجب وأخذ يباشر الأمور بنفسه (٣)، لكنه لم يلبث أن ولى عبد الرحمن بن متيوه مهام الحجابة (٤)، وسماه بذي الوزارتين (٥)، إلا أن أمره لم يستمر إذ ما إن شعر بخطورة الموقف وتدهور الأوضاع حتى هرب إلى بطليوس بعد أن سرق كل نفيس من قصر الخليفة هشام المؤيد (٦) وبهرب ابن متيوه، ظل منصب الحجابة شاغراً حتى دخل سليمان المستعين مدينة قرطبة في شهر شوال سنة (٤٠٣) هـ (إبريل (١٠١٣) م) (٧) فتقلد المناصب في دولته بما فيها الحجابة
стр. 440
أنصاره البرابر (١) وأصبحت دولة المستعين - كما يقول ابن عذاري - "دولة البرابر" (٢).
ونظراً لأن كل من آنس في نفسه قوة انتزى في ناحية من نواحي الأندلس وبسط نفوذه عليها، لأجل ذلك وجد أكثر من حاجب إذ أصبح لكل خليفة من الخلفاء المتنافسين على عرش قرطبة حاجب خاص (٣).
ولدينا بالإضافة إلى هؤلاء الخلفاء المتنافسين بعض أصحاب الطموح الذين يريدون أن يلوا منصب الحجابة في ظل خليفة ضعيف تبرز فيها شخصياتهم فمن هؤلاء: -
خيران العامري، فبعد أن غادر قرطبة عقب تولي علي بن حمود الخلافة بها في شهر المحرم سنة (٤٠٧) هـ (يوليو (١٠١٦) م) توجه إلى جيان (٤) وهناك وجد عبد الرحمن بن محمد بن عبد الملك بن عبد الرحمن
стр. 441
الناصر الملقب بالمرتضى، فبايعه بالخلافة في شهر ذي الحجة سنة (٤٠٨) هـ (إبريل (١٠١٨) م) على أمل أن يلي الحجابة له ويسيطر على الدولة باسمه، إلا أنه لم يلبث أن غدر به وأسلمه للقتل حول غرناطة سنة (٤٠٩) هـ (١٠١٨ م) (١).
وقبل خيران العامري، وجد مجاهد العامري المتوفى سنة (٤٣٦) هـ (١٠٤٤ م) الذي سبق الجميع إلى استغلال عواطف الأندلسيين تجاه الخلافة الأموية، فقد عمد في خلافة المستعين سليمان بن حكم إلى مبايعة رجل من بني أمية، عرف "بالنبل والذكاء والشرف (٢) " هو أبو عبد الرحمن عبد الله بن عبيد الله بن الوليد المعيطي، وذلك في أول سنة (٤٠٥) هـ (١٠١٤ م) (٣) مستغلاً فرصة عبور علي بن حمود على رأس قواته من سبتة بالمغرب إلى مالقة بالأندلس (٤)، فأخذ مجاهد البيعة للمعيطي في جميع أعماله، وتولى مجاهد منصب الحجابة للمعيطي، إلا أن الود بينهما لم يستمر، فاضطر مجاهد إلى طرد المعيطي بعد خلعه (٥).
стр. 442
وبوجه عام، فقد استمر وجود الأدعياء الذين بويعوا بالخلافة لهدف أراده من نصبهم وبايعهم، ويكفي للدلالة على سوء الوضع المتعلق بهذه الأمور قول ابن حزم: "أربعة رجال في مسافة ثلاثة أيام في مثلها، كلهم تسمى بأمرة أمير المؤمنين ويخطب لهم بها في زمن واحد، وهم خلف الحصري (١) بإشبيلية على أنه هشام بن حكم، ومحمد بن القاسم بن حمود بالجزيرة، ومحمد بن إدريس بن علي بن حمود بمالقة، وإدريس بن يحيى بن علي ابن حمود ببشتر (٢) ".
وكما تولى الحجابة أصحاب السيف والقلم في عهد قوة الدولة الأموية، فكذلك تولاها بعض العلماء أصحاب الشخصيات الدينية
стр. 443
والأدبية، فقد تولى أبو محمد علي بن أحمد بن حزم، تدبير دولة الخليفة عبد الرحمن المستظهر (١)، الذي بويع بالخلافة يوم (٤) رمضان سنة (٤١٤) هـ (٤١ نوفمبر (١٠٢٣) م) إلا أنه لم يمكث في هذا المنصب سوى سبعة أسابيع بسبب مقتل المستظهر وبذلك فقد ابن حزم منصبه وكلما أقبلت الدولة على الوصول إلى نقطة النهاية، كلما أصبحت المناصب متاحة لأي كان، فمنصب الحجابة ارتقى إليه أصحاب المهن الوضيعة، فهذا أحمد بن خالد رجل حائك كان هو المدبر لدولة الخليفة المستكفي بالله ٤١٤ - (٤١٦) هـ (١٠٢٤ - (١٠٢٥) م) وكما يقول المراكشي: "فقل في دولة يدبرها حائك" (٢).
وكانت نهاية هذا الحائك سيئة، إذ اقتحم عليه عوام قرطبة داره وضربوه بالحديد حتى مات (٣).
وما يقال عن دولة المستكفي فإنه يقال عن دولة المعتد بالله ٤١٨ - (٤٢٢) هـ (١٠٢٧ - (١٠٣١) م) الخليفة الأموي الأخير بالأندلس، فقد تولى أمر تدبير دولته حائك يدعى حكم بن سعيد القزاز، فأساء التصرف وأثار حفيظة الناس، فلما عيل صبرهم وثبوا عليه وقتلوه وحزوا رأسه وطافوا به بالبلد (٤).
стр. 444
خطة الوزارة
إن نظام الوزارة (١) في دولة بني أمية بالأندلس يدين في وجوده وتنظيمه للأمير عبد الرحمن الأوسط ٢٠٦ - (٢٣٨) هـ (٨٢٢ - (٨٥٢) م)، أما قبل ذلك فلم يكن هناك تنظيم حقيقي لهذا الجهاز، فالأمير عبد الرحمن الداخل أنف من اتخاذ الوزراء (٢)، ولكنه اتخذ مجموعة من المعاونين والمستشارين الذين توسم فيهم الإخلاص والوفاء والكفاءة، واختصهم بمجالتسه وبذل المشورة له عندما يطلب منهم ذلك (٣)، واختار أحدهم
стр. 445
وجعله رئيساً عليهم، ويتردد بينه وبينهم وقد عُرف متولي هذا المنصب ب "الحاجب" (١).
ورغم أن الأمير عبد الرحمن الداخل لم يسم أولئك المعاونين والمستشارين بالوزراء، إلا أن معنى الوزارة كان واضحاً في ذهنه، يدل على ذلك مقولته لعبد الملك بن عمر بن مروان بن الحكم، بعد إحدى المعارك التي حسم أمرها شجاعة عبد الملك وصرامته (٢)، فقد قال له: "يا ابن عم، قد أنكحت ابني وولي عهدي هشاماً ابنتك فلانة، وأعطيتها كذا وكذا، وأعطيتك كذا، ولأولادك كذا، أقطعتك وإياهم، ووليتكم الوزارة" (٣).
وذكر ابن الأبار أن الأمير عبد الرحمن الداخل قد استوزر ولديه سليمان وهشام (٤)، بالإضافة إلى كل من عبد الله وإبراهيم وحكم أبناء
стр. 446
عبد الملك بن عمر بن مروان (١)، كما أن بعض المؤرخين قد أطلق على معاوني الأمير الداخل ومستشاريه لقب "وزراء" (٢).
ومن كل ما مضى نستطيع القول بأن الأمير عبد الرحمن الداخل كان متأثراً بشدة بنظام الحكم الذي كان قائماً في دولة أسلافه الأمويين بالشام، إذ أن الخلفاء الأمويين اتخذوا كتَّاباً أسندوا إليهم بعض المهام، فقربوهم واتخذوهم مستشارين خاصين يساعدونهم في إدارة دولتهم الشاسعة، وعلى ذلك فقد كانوا يقومون بعمل الوزراء دون أن يتلقبوا بهذا اللقب (٣).
وذكر ابن عذاري أن عدد وزراء الأمير هشام الرضا كانوا ثمانية (٤)، بينما كان عددهم لدى ابنه الحكم خمسة وزراء (٥).
وقد تولى إدارة دولة الأمير عبد الرحمن الأوسط عدد من الشخصيات القوية أمثال: عبد الكريم ابن عبد الواحد بن مغيث، وعيسى بن شُهيد وغيرهما، وفيهم قال ابن حيان نقلاً عن ابن مفرج: -
стр. 447
"وكان قد اجتمع للأمير عبد الرحمن من سراة الوزراء أولي الحلوم والنهى والمعرفة والذكاء عصابة لم يجتمع مثلها عند أحد من الخلفاء قبلهم ولا بعدهم (١) " فوجود مثل هؤلاء في وقت واحد جعل من الضروري اختصاص كل واحد منهم بأعمال محددة وألقاب معينة. وبذلك برزت المناصب بقوة منذ ذلك الوقت، وبالتالي أصبح التنظيم الإداري لأجهزة الدولة أمراً ضرورياً.
وبعد أن تمت عملية التنظيم برزت الوزارة، فوزعت الاختصاصات، وأصبح لكل وزير عملاً معيناً يقوم به وفي ذلك يقول ابن خلدون: -
"وأما دولة بني أمية بالأندلس، فأنفوا اسم الوزير في مدلوله أول الدولة، ثم قسموا خطته أصنافاً، وأفردوا لكل صنف وزيراً، فجعلوا لحسبان المال وزيراً، وللترسيل وزيراً، وللنظر في حوائج المتظلمين وزيراً، وللنظر في أحوال أهل الثغور وزيراً" (٢).
ولم يكن لأولئك الوزراء في البداية مجلس خاص بهم يجتمعون فيه فقد كان الأمير يستدعيهم متى شاء، إلا أن الأمير عبد الرحمن الأوسط نظم تواجدهم، وأصبح تنظيمه هذا معمولاً به إلى نهاية الدولة، فقد "ألزم هؤلاء الوزراء الاختلاف إلى القصر كل يوم، والتكلم معهم في الرأي،
стр. 448
والمشورة لهم في النوازل، وأفردهم ببيت رفيع داخل قصره مخصوص بهم، يقصدون إليه ويجلسون فيه فوق أرائك، قد نضدت لهم، يستدعيهم إذا شاء إلى مجلسه جماعة وأشتاتاً، يخوض معهم فيما يطالع به من أمور مملكته، ويفحص معهم الرأي فيما يبرمه من أحكامه، وإذا قعدوا في بيتهم أخرج رقاعه ورسائله إليهم بأمره ونهيه، فينظرون فيما يصدر إليهم من عزائمه، جرى على ذلك من تلاهم إلى اليوم" (١).
وعلى هذا، فالوزراء أصبح لديهم عمل رسمي يزاولونه بشكل يومي، ومجلس خاص بهم، يمارسون فيه أعمالهم كل حسب اختصاصه، وفي بيت الوزارة يجلسون بشكل دائري على فرش الكتان (٢) والحاجب في صدر المجلس على فراش الديباج أرفع من فرشهم، وحسب التوجيهات العامة التي تصدر إليهم من الأمير تدور المناقشات بينهم في أمور الدولة،
стр. 449
وما يصدر عنهم من قرارات يتولى الحاجب حملها إلى الأمير فيعرضها عليه، فالذي يوافق عليه الأمير يحول إلى ديوانه الخاص، لكي يصاغ صياغة ديوانية ملائمة، ثم يتولى الوزير صاحب العرض حملها إلى الأمير ليختمها بالختم الرسمي للدولة، ومن ثم يصدر المرسوم.
وقد شهدت الوزارة في الأندلس تقسيمات متعددة، فقد كانت تضم عدة خطط تعتبر من أخطر مناصب الدولة على الإطلاق (١).
وهناك خطط يتقلدها أكثر من واحد في نفس الوقت، من ذلك أن خزانة بيت المال في عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط كانت تحت إشراف أربعة يعرفون بالخزَّان (٢)، كما أن خطة العرض كان يتولاها أربعة من كبار رجالات الدولة،
وذلك في بداية عهد عبد الرحمن الناصر (٣). ومن الملاحظ هنا أنه عندما تسند عملية الإشراف على خطة من الخطط لأكثر من شخص واحد، فإن اختصاص كل منهم لابد أن يكون واضحاً لديه لكي لا تكون هناك ازدواجية في الأداء.
وكما يتم اشتراك أكثر من واحد في خطة واحدة، فمن الممكن أن يتولى رجل واحد، ممن لا يحملون لقب وزير، مسئولية عدة خطط، فمثلاً
стр. 450
محمد بن أبي عامر "المنصور" كان في عهد الحكم المستنصر يتولى خطة المواريث وقضاء إشبيلية ولبله (١) وأعمالها وكذا الأمانات بالعدوة وخطة الشرطة الوسطى بالإضافة إلى وكالة هشام بن الحكم المستنصر (٢).
وفي الوقت نفسه، من الممكن أن يتولى من يحمل لقب "وزير" الإشراف -بالإضافة إلى وزارته -على عدة خطط، فهذا: الوزير أحمد بن عبد الملك بن شُهيد كان يتولى بالإضافة إلى الوزارة خطتي الشرطة العليا والمظالم والإشراف على دار السكة (٣).
وعلى هذا يمكن القول بأن من يترقى أو يُنقل من خطة إلى أخرى ليس بالضرورة أن يتخلى عن خطته أو خططه السابقة، بل بإمكانه الجمع بين أكثر من خطة، لكن إذا رقي إلى رتبة وزير فلا شك أنه سيتخلى عن خططه السابقة، ويقتصر على حمل لقب وزير مضافاً إليه ذكر الخطة الجديدة التي أسندت إليه، فعبد الحميد بن بسيل كان على خزانة المال، ثم
стр. 451
استوزره عبد الرحمن الناصر وجعله مع منصب الوزارة قائداً للجيش، فأصبح يعرف ب"الوزير القائد" (١).
كيفية الوصول إلى منصب الوزارة:
من الطبيعي أنه لا يمكن وضع أي فرد في هذا المنصب الخطير إلا بعد اختبار وتجربة يثبت من خلالها أنه كفؤ لما سيصل إليه، وهذه التجربة تكون من خلال إسناد بعض المهام الإدارية إليه، ومن خلال التدرج في المناصب يرقى إلى مرتبة "وزير" فالوزير فطيس بن سليمان بن عبد الملك بن زيان، كان يتولى الكتابة لهشام الرضا عندما كان ولياً للعهد، فلما تولى هشام الإمارة ولاه السوق وكورة قبره (٢) وأخيراً جعله وزيراً (٣). ولكن من الممكن أن يصل أحدهم إلى منصب الوزارة دون تدرج وظيفي، فقد ذكر ابن القوطية أن الأمير محمد بن عبد الرحمن في صبيحة
стр. 452
اليوم الذي تولى فيه الإمارة رقى محمد بن موسى الإشبيلي إلى خطة الوزارة مباشرة (١).
كذلك من أساليب الوصول إلى الوزارة تقديم طلب للأمير بهذا الخصوص، فهذا الوليد بن عبد الرحمن بن غانم (٢) قدم طلباً للأمير محمد بن عبد الرحمن لاتخاذه وزيراً، وقد استجاب الأمير لطلبه، ولكن يشترط لذلك أن تكون كفاءته قد ثبتت مسبقاً من خلال تجارب وظيفية إضافة إلى شيء مهم وهو أن تكون له سابقة في الدولة (٣). وإذا أراد الأمير أو الخليفة تقليد أحد رجاله منصب الوزارة فإنه يرسل إليه صاحب الرسائل ويحضره ويجلسه في بيت الوزراء مباشرة (٤).
стр. 453
وللوزير اختصاصات يعمل على عدم تجاوزها، فهو ينفذ الأوامر الصادرة إليه، وإذا أصبح منصب من مناصب الدولة شاغراً فإن الوزير وزملاءه يقترحون على الأمير أحد الأسماء. فإذا رضي الأمير عن الاقتراح أرسل في طلب المرشح لاستلام وظيفته (١). ومن اختصاصات الوزير التحقيق في الشكاوى المقدمة ضد أحد أصحاب المناصب الهامة في الدولة (٢) والاجتماع بالفقهاء في بيت الوزارة للإفتاء في بعض المسائل (٣)، وكذلك الإشراف على بناء يشاد (٤)، واستقبال رؤساء الوفود الزائرة في بيت الوزارة (٥)، كما يتولى بعض الوزراء الإشراف على أحباس الخليفة (٦) في حين أن الوزير صاحب المدينة يتولى في بعض الأحيان مسئولية استنفار الناس للخروج إلى الجهاد (٧) وعندما يغادر الأمير أو الخليفة قرطبة ويجعل ولي عهده في القصر فإنه يبقي إلى جانبه أحد الوزراء وغالباً مايكون صاحب المدينة (٨)، كما أن على كل وزير تولي قيادة الجيش (٩) ومن لم
стр. 454
يفعل ذلك يكون عرضة للاتهام من قبل السلطة الحاكمة، وأخيراً فإن الوزير قد يتولى الصلاة على الجنائز أحياناً (١).
مرتب الوزير الشهري:
للوزراء ديوان خاص تسجل فيه مرتباتهم الشهرية وأرزاقهم السنوية (٢)، إلا أننا لم نجد ذكراً صريحاً لمقدار مرتب الوزير في الشهر. لكننا عرفنا عند الحديث عن الحجابة أن مرتب الحاجب ثمانون ديناراً في الشهر، وبما أن الحاجب أعلى مرتبة من الوزير، إذاً لابد أن يكون راتب الوزير أقل من ثمانين ديناراً.
لكن الوزير يمنح أحياناً ألقاباً تضاف إليه حسب طبيعة عمله، فيمكن أن يكون الوزير القائد مثل يحيى بن محمد بن هاشم (٣)، أو الوزير القائد الأعلى مثل غالب بن عبد الرحمن (٤) وغير ذلك، بالإضافة إلى أن الوزير يكلف أحياناً بالإشراف على خطط أخرى بجانب العمل في وزارته (٥). هذه الألقاب التي تمنح للوزير والخطط التي يتولى مسئولية
стр. 455
الإشراف عليها، يترتب عليها بالمقابل زيادة المرتب. أما ما ذكره ابن عذاري من أن رزق كل وزير من وزراء الأمير عبد الرحمن الأوسط يبلغ ثلاثمائة دينار (١)، فإن ابن حيان قد فسر هذه النقطة، فعند حديثه عن وزراء الأمير عبد الرحمن الأوسط، ذكر أن الوزير محمد بن السليم "كانت له مع الوزارة خطط يرتزق عليها في كل شهر ثلاثمائة دينار (٢) " ولا شك أن ابن حيان مقدم على ابن عذاري في هذا المجال وإلا فما معنى أن يكون رزق الوزير فطيس بن سليمان خمسمائة دينار في ديوان الأمير الحكم الربضي؟ (٣).
وهذه المرتبات والأرزاق الواسعة، فيها دلالة على ثراء الدولة كما أنها تدل على حرص بني أمية على إكرام رجال دولتهم، والتوسيع عليهم، حتى لا يتطلعوا إلى ما بأيدي الآخرين، مما يحول دون إغرائهم بأي مقابل، مادي الأمر الذي يكفل بالتالي تسيير الأمور بصورة طيبة.
رسوم الوزارة:
حكام دولة بني أمية بالأندلس حرصوا على تكريس الوزارات بأيدي أبناء أسر معينة، مثل أسرة آل بني عبد هـ وبني فطيس وآل بسيل وآل شهيد
стр. 456
والزجالي وغيرها، بل حدث في عهد الأمير عبد الله بن محمد نادرة -كما يقول ابن حيان- إذ اجتمع لديه أربعة وزراء كلهم من آل بني عبد هـ دفعة واحدة، هم: أبو عثمان عبيد الله بن محمد بن أبي عبد هـ، وأبو العباس أحمد بن عيسى بن أبي عبد هـ، وسليم بن علي بن أبي عبد هـ، وعبد الرحمن بن حمدون بن أبي عبد هـ المعروف ب"دُحيم" (١).
ولا تقتصر عناية بني أمية بوزرائهم فقط، بل تمتد هذه العناية إلى أولادهم، فإذا حدث أن غاب أحد الوزراء كأن وقع بالأسر أو قتل، فإن ولده يحل محله (٢)، وإن كان هذا الولد غير كفء لتحمل المسؤولية لهذا المنصب الخطير، تم تكليف أحد ذوي الخبرة بالوقوف إلى جانبه وتدريبه حتى يتقن عمله (٣) وإذا توفي أحد الوزراء، ذهب الخليفة بنفسه إلى والد الوزير ليقدم له التعزية، وحفظاً لود ذلك الوزير يأمر الخليفة بتقديم أحد أبناء المتوفي أو أحد إخوته إلى منصب عالٍ في الدولة (٤)، وعلى هذا يمكن القول بأن أشد الجوانب الإيجابية وضوحاً في هذه السياسة أن بني أمية لا يفرطون برجالهم.
وقد شهدت الوزارة في عهد الأمير محمد بن عبد الرحمن تنظيماً جديداً بسبب مشادة جرت بين اثنين من خزان المال، هما: عبد الله بن
стр. 457
عثمان بن بسيل ومحمد بن وليد بن غانم على من يكتب اسمه أولاً، واحتج ابن بسيل على صاحبه ابن غانم بأنه شامي فهو أولى بالتقديم، وعندما رفع الخبر إلى الأمير محمد أقر ابن بسيل على حجته وقدمه على ابن غانم (١)، وعن هذا التنظيم الذي أحدثه الأمير محمد يقول الوزير عبد الحميد بن بسيل أن "الأمير محمد هو الذي قسم مراتب الخدمة، وفصل خططهم النبيهة، وأناف على جميعهم من متقدمة خطة الوزارة، وأشعرهم التعظيم والجلة، وأرجح أهل الشام من الوزراء على أصحابهم الأندلسيين، فقدمهم في الإذن عليه، وأعلاهم في الجلوس على أرائكهم ببيت الوزارة (٢) " وبذلك فإن الأمير محمد يعتبر مجدداً في رسوم الدولة مثل والده الأمير عبد الرحمن الأوسط لكن مسألة تقديم الشامي على البلدي "الأندلسي" بصفة عامة قد أخذت بها الدولة الأموية بالأندلس منذ قيامها، يدل على ذلك ما ذكره الرازي عن التنظيم الذي أجراه الأمير عبد الرحمن الداخل على الجيش وما يترتب على أعضائه الشاميين والبلديين من حقوق أو واجبات (٣). ولعلنا نستأنس بفعل الأمير عبد الرحمن الداخل على أن الشاميين كانوا مقدمين على البلديين منذ البداية وفي كافة المناصب، و إلا كيف يحتج ابن بسيل على ابن غانم؟ وفضلاً عن ذلك فقد كانت الدولة
стр. 458
الأموية بالأندلس شامية بكل شيء، فلا غرابة إذاً أن يقدم الشامي على من سواه.
وعلى أية حال فقد ظلت مسألة تقديم الشامي على البلدي في الوزارة معمولاً بها حتى بعد إمارة الأمير محمد، فعندما أراد الوزير عيسى بن أحمد بن أبي عبد هـ أن يجلس أعلى من الوزير موسى بن حدير أصدر الأمير عبد الله بن محمد أمره بأن يبقى الوزير ابن حدير مقدماً على الوزير ابن أبي عبده وفقاً لما رسمه والده الأمير محمد من قبل (١).
وللوزير بالأندلس حاجب ينظم عملية دخول الناس عليه، فإذا زاره وزير مثله، فإن الرسم يقتضي ألا يحجبه ولا لحظة، بل يبادر بالقيام إليه، إذ أن الوزير لا يقوم إلا لوزير مثله (٢)، وكما أن له حاجب فكذلك لديه كاتب خاص (٣)، وعدد من المعاونين أشبه ما يكون بالسكرتارية في الوقت الحالي، وأما الوزراء فإن لديهم كاتب خاص مقره بيت الوزارة (٤).
стр. 459
كذلك جرت العادة لدى بني أمية بالأندلس أن يقدَّم الوزير على القاضي (١) كما اتصفوا بكثرة استشارتهم لوزرائهم (٢)، ولذا فإن الآراء التي تقدم من الوزراء لابد أن تكون مكتوبة في بطائق خاصة (٣).
ورغم المكانة العالية للوزراء، فإن للأمير عيون تنقل إليه كل ما يجري لديهم إذا جلسوا في بيتهم (٤) الذي جرت العادة أن تفوح منه رائحة المسك دائماً (٥).
والوزير يمنح ألقاباً تضاف إليه حسب طبيعة عمله -كما ذكرنا سابقاً- فالخليفة الحكم المستنصر منح وزيره غالب بن عبد الرحمن لقب "القائد الأعلى" وأصدر في ذلك مرسوماً ثبت في الديوان الخاص وفي بيت الوزارة أمر فيه ألا ينادى ولا يخاطب غالب بن عبد الرحمن إلا ب"الوزير القائد الأعلى (٦) ". هذا اللقب الذي منحه الخليفة المستنصر للوزير غالب
стр. 460
بن عبد الرحمن ترتبت عليه حقوق ميزته عن نظرائه من الوزراء، إذ أمر الخليفة بتصدير فراش الوزير القائد الأعلى غالب فوق فرش الوزراء جميعاً تشريفا له (١)، ثم خلع عليه خلعاً متميزة، وقلده سيفين مذهبين من أنفس ما في خزانته وسماه "ذا السيفين" وأمر أن تثبت هذه التسمية مع ما سبق له من الألقاب (٢).
لكن إطلاق لقب "ذا الوزارتين" على أحدٍ من الوزراء هو في الواقع لقب تشريفي ليس إلا، يدل على ذلك أن الخليفة عبد الرحمن الناصر هو أول من أطلقه على أحد وزراء دولته، وكان أول من حظي بهذا اللقب الوزير أحمد بن عبد الملك بن شُهيد، والذي تجدر الإشارة إليه أنه لم ينل هذا اللقب إلا بعد هديته المشهورة للخليفة عبد الرحمن الناصر (٣).
وعلى الرغم من الواجبات العديدة التي اضطلع بها الوزراء، إلا أنه وجد وزراء بدون وزارات، وهو ما يعرف حالياً ب"وزراء دولة" فعليهم التواجد مع الوزراء ليكلفهم الأمير بما شاء ومتى شاء، ومن هؤلاء: بدر الصقلبي مولى الأمير عبد الله بن محمد والسبب في منحه لقب "وزير" أنه أشار على الأمير عبد الله في مسألة ثبت فيها نصحه ونجحت رؤيته، فأعجب الأمير به وأمر بوضع فراش له للشورى مع الوزراء (٤).