والزجالي وغيرها، بل حدث في عهد الأمير عبد الله بن محمد نادرة -كما يقول ابن حيان- إذ اجتمع لديه أربعة وزراء كلهم من آل بني عبد هـ دفعة واحدة، هم: أبو عثمان عبيد الله بن محمد بن أبي عبد هـ، وأبو العباس أحمد بن عيسى بن أبي عبد هـ، وسليم بن علي بن أبي عبد هـ، وعبد الرحمن بن حمدون بن أبي عبد هـ المعروف ب"دُحيم" (١).
ولا تقتصر عناية بني أمية بوزرائهم فقط، بل تمتد هذه العناية إلى أولادهم، فإذا حدث أن غاب أحد الوزراء كأن وقع بالأسر أو قتل، فإن ولده يحل محله (٢)، وإن كان هذا الولد غير كفء لتحمل المسؤولية لهذا المنصب الخطير، تم تكليف أحد ذوي الخبرة بالوقوف إلى جانبه وتدريبه حتى يتقن عمله (٣) وإذا توفي أحد الوزراء، ذهب الخليفة بنفسه إلى والد الوزير ليقدم له التعزية، وحفظاً لود ذلك الوزير يأمر الخليفة بتقديم أحد أبناء المتوفي أو أحد إخوته إلى منصب عالٍ في الدولة (٤)، وعلى هذا يمكن القول بأن أشد الجوانب الإيجابية وضوحاً في هذه السياسة أن بني أمية لا يفرطون برجالهم.
وقد شهدت الوزارة في عهد الأمير محمد بن عبد الرحمن تنظيماً جديداً بسبب مشادة جرت بين اثنين من خزان المال، هما: عبد الله بن
стр. 457
عثمان بن بسيل ومحمد بن وليد بن غانم على من يكتب اسمه أولاً، واحتج ابن بسيل على صاحبه ابن غانم بأنه شامي فهو أولى بالتقديم، وعندما رفع الخبر إلى الأمير محمد أقر ابن بسيل على حجته وقدمه على ابن غانم (١)، وعن هذا التنظيم الذي أحدثه الأمير محمد يقول الوزير عبد الحميد بن بسيل أن "الأمير محمد هو الذي قسم مراتب الخدمة، وفصل خططهم النبيهة، وأناف على جميعهم من متقدمة خطة الوزارة، وأشعرهم التعظيم والجلة، وأرجح أهل الشام من الوزراء على أصحابهم الأندلسيين، فقدمهم في الإذن عليه، وأعلاهم في الجلوس على أرائكهم ببيت الوزارة (٢) " وبذلك فإن الأمير محمد يعتبر مجدداً في رسوم الدولة مثل والده الأمير عبد الرحمن الأوسط لكن مسألة تقديم الشامي على البلدي "الأندلسي" بصفة عامة قد أخذت بها الدولة الأموية بالأندلس منذ قيامها، يدل على ذلك ما ذكره الرازي عن التنظيم الذي أجراه الأمير عبد الرحمن الداخل على الجيش وما يترتب على أعضائه الشاميين والبلديين من حقوق أو واجبات (٣). ولعلنا نستأنس بفعل الأمير عبد الرحمن الداخل على أن الشاميين كانوا مقدمين على البلديين منذ البداية وفي كافة المناصب، و إلا كيف يحتج ابن بسيل على ابن غانم؟ وفضلاً عن ذلك فقد كانت الدولة
стр. 458
الأموية بالأندلس شامية بكل شيء، فلا غرابة إذاً أن يقدم الشامي على من سواه.
وعلى أية حال فقد ظلت مسألة تقديم الشامي على البلدي في الوزارة معمولاً بها حتى بعد إمارة الأمير محمد، فعندما أراد الوزير عيسى بن أحمد بن أبي عبد هـ أن يجلس أعلى من الوزير موسى بن حدير أصدر الأمير عبد الله بن محمد أمره بأن يبقى الوزير ابن حدير مقدماً على الوزير ابن أبي عبده وفقاً لما رسمه والده الأمير محمد من قبل (١).
وللوزير بالأندلس حاجب ينظم عملية دخول الناس عليه، فإذا زاره وزير مثله، فإن الرسم يقتضي ألا يحجبه ولا لحظة، بل يبادر بالقيام إليه، إذ أن الوزير لا يقوم إلا لوزير مثله (٢)، وكما أن له حاجب فكذلك لديه كاتب خاص (٣)، وعدد من المعاونين أشبه ما يكون بالسكرتارية في الوقت الحالي، وأما الوزراء فإن لديهم كاتب خاص مقره بيت الوزارة (٤).
стр. 459
كذلك جرت العادة لدى بني أمية بالأندلس أن يقدَّم الوزير على القاضي (١) كما اتصفوا بكثرة استشارتهم لوزرائهم (٢)، ولذا فإن الآراء التي تقدم من الوزراء لابد أن تكون مكتوبة في بطائق خاصة (٣).
ورغم المكانة العالية للوزراء، فإن للأمير عيون تنقل إليه كل ما يجري لديهم إذا جلسوا في بيتهم (٤) الذي جرت العادة أن تفوح منه رائحة المسك دائماً (٥).
والوزير يمنح ألقاباً تضاف إليه حسب طبيعة عمله -كما ذكرنا سابقاً- فالخليفة الحكم المستنصر منح وزيره غالب بن عبد الرحمن لقب "القائد الأعلى" وأصدر في ذلك مرسوماً ثبت في الديوان الخاص وفي بيت الوزارة أمر فيه ألا ينادى ولا يخاطب غالب بن عبد الرحمن إلا ب"الوزير القائد الأعلى (٦) ". هذا اللقب الذي منحه الخليفة المستنصر للوزير غالب
стр. 460
بن عبد الرحمن ترتبت عليه حقوق ميزته عن نظرائه من الوزراء، إذ أمر الخليفة بتصدير فراش الوزير القائد الأعلى غالب فوق فرش الوزراء جميعاً تشريفا له (١)، ثم خلع عليه خلعاً متميزة، وقلده سيفين مذهبين من أنفس ما في خزانته وسماه "ذا السيفين" وأمر أن تثبت هذه التسمية مع ما سبق له من الألقاب (٢).
لكن إطلاق لقب "ذا الوزارتين" على أحدٍ من الوزراء هو في الواقع لقب تشريفي ليس إلا، يدل على ذلك أن الخليفة عبد الرحمن الناصر هو أول من أطلقه على أحد وزراء دولته، وكان أول من حظي بهذا اللقب الوزير أحمد بن عبد الملك بن شُهيد، والذي تجدر الإشارة إليه أنه لم ينل هذا اللقب إلا بعد هديته المشهورة للخليفة عبد الرحمن الناصر (٣).
وعلى الرغم من الواجبات العديدة التي اضطلع بها الوزراء، إلا أنه وجد وزراء بدون وزارات، وهو ما يعرف حالياً ب"وزراء دولة" فعليهم التواجد مع الوزراء ليكلفهم الأمير بما شاء ومتى شاء، ومن هؤلاء: بدر الصقلبي مولى الأمير عبد الله بن محمد والسبب في منحه لقب "وزير" أنه أشار على الأمير عبد الله في مسألة ثبت فيها نصحه ونجحت رؤيته، فأعجب الأمير به وأمر بوضع فراش له للشورى مع الوزراء (٤).
стр. 461
وإذا أتينا إلى مسألة عدد الوزراء، نجد أن العدد يختلف من عهد أمير إلى آخر ومن خليفة إلى غيره، بل إن العدد يختلف بين سنة وأخرى، فنجد أن الأمير عبد الله بن محمد هو أول من استكثر من الوزراء حتى بلغ عددهم ثلاثة عشر وزيراً، لكنه عندما توفي لم يكن في بيت الوزارة لدية إلا أربعة وزراء فقط (١).
وأكبر عدد من الوزراء وجد في دولة بني أمية بالأندلس كان على عهد الخليفة عبد الرحمن الناصر ففي سنة (٣٣٠) هـ (٩٤٢) كان عدد الوزراء لديه ستة عشر وزيراً (٢). وفي الوقت نفسه شهد عصره أقل عدد من الوزراء في الدولة الأموية، إذ أنه أصدر أمره سنة (٣٣٩) هـ (٩٤١ م) بعزل جميع الوزراء البالغ عددهم تسعة وزراء ولم يبق منهم سوى وزيرين (٣).
ولبني أمية أسلوبهم الخاص في التعامل مع وزرائهم، من ذلك أن الأمير إذا أحس من أحد وزرائه إعجابا بنفسه، نصب إزاءه من يكون مبرزاً في نواحٍ عدة، ويعلي من شأنه ليكسر من حدة ذلك الوزير المعجب
стр. 462
بنفسه، وهذا ما فعله الأمير محمد عندما نصب محمد بن عبد الملك بن جهور إزاء الوزير هاشم بن عبد العزيز (١).
وعندما يرغب الأمير بإعادة وزير سبق أن عزله فإنه يكلف أحد الوزراء بالذهاب إلى الوزير المعزول ويعمل على إقناعه بالعودة إلى الوزارة، شريطة أن يظهر الأمر وكأن الوزير المعزول هو الذي يستجدي الأمير إعادته إلى منزلته السابقة حتى يبقى الأمير هو صاحب الفضل، وفي الوقت نفسه لاتكون لذلك الوزير دالة عليه، لكن إذا حدث أن رفض الوزير المعزول العودة إلى الوزارة عندها يضطر الأمير إلى مخاطبته والإرسال إليه مباشرة لكي يعود إلى مرتبته السابقة.
وهذا ما جرى للوزير سليمان بن وانسوس البربري (٢) عندما أغضبه الأمير عبد الله بن محمد فأغلظ الوزير في الرد عليه وخرج مغضباً، فأمر
стр. 463
الأمير بعزله عن الوزارة لكنه عندما احتاج إليه وعرف سداده لم يقبل ابن وانسوس العودة إلى الوزارة إلا بعد أن أرسل إليه الأمير مباشرة (١).
وفي قصة الوزير ابن وانسوس دلالة أكيدة على عظم وزراء بني أمية، وفي الوقت نفسه تدل على أن بني أمية رجال أفذاذ يحرصون بشدة على الاستعانة بعظماء الرجال ذوي المروءة والرأي.
ولعل هذا ما دلت عليه مقولة الطرطوشي، أن "أول ما يظهر من نبل السلطان وقوة تمييزه وجودة عقله في استنخاب الوزراء" (٢).
وهناك حالات يُعزل فيها الوزير عن منصبه، ومن عُزل يرفع فراشه، وحيث أن بني أمية يحرصون على الوزير المشهود له بالمروءة وحسن الرأي فإن نقصها يكون سبباً في عزل الوزير عن الوزارة، وهذا ما فعله الأمير الحكم الربضي عندما أصدر أمره بطرد الوزير أبي البسام من منصبه بعد غدره بالفقيه طالوت بن عبد الجبار المعافري (٣).
ومن الحالات أيضاً التي يتم فيها عزل الوزير عن الوزارة إذا صدر من الوزير لفظ زائد يجعله موضعاً للشك والريبة، وهذا ما جرى للوزير البراء بن مالك فقد عُرف عنه أنه في منطقه فضل، وحدث أن كان في
стр. 464
بيت الوزراة فصدرت منه كلمة نقلت إلى الأمير عبد الله بن محمد فأثارت غيظه وجعلته يتهم وزيره البراء، ولذا أصدر أمراً بعزله عن الوزارة (١)، كذلك يعزل الوزير ويسخط عليه إذا ظهر تقصيره وغشه في العمل الذي أسند إليه، من ذلك أن الخليفة عبد الرحمن الناصر أصدر أمره بعزل سعيد بن جساس عن خطتي الوزارة والسكة معاً، بل إنه أمر بحبسه وإهانته (٢).
الوزارة في عهد تسلط الحجابة على الدولة:
أصبح الوزراء في عهد الحاجب المنصور بن أبي عامر لا يصلون إلى الخليفة المغلوب على أمره هشام المؤيد إلا نادراً، ومع ندرة وصولهم إليه، فإن عليهم الإنصراف مباشرة بعد أن يسلموا عليه (٣)، وهذا يدل على الضعف الذي أصبحت تعاني منه الوزارة بسبب تسلط المنصور بن أبي عامر على الخليفة ودولته، ومما يؤكد أن الوزارة في ذلك الوقت كانت ضعيفة لا بهاء لها، أن زيري بن عطية المغراوي، زعيم زناته، عندما وصل إلى قرطبة زائراً للمنصور بن أبي عامر وقدم له هدية عظيمة، احتفل له المنصور وتوسع له بالعطاء ودفع له قيمة هديته وولاه خطة الوزارة (٤) وذلك في شهر رجب سنة (٣٨٢) هـ (سبتمبر (٩٩٢) م) (٥) فاستقبح زيري
стр. 465
لقب "الوزارة" واعتبرها إهانة له، وعندما خاطبه بها أحد رجاله نهاه عن ذلك ثم قال له: -
"وزير من يا لكع؟ لا والله إلا الأمير بن أمير، واعجباً لابن أبي عامر ومخرقته! لأن تسمع بالمعيدي خير من أن تراه، والله لو كان بالأندلس رجل ماتركه على حاله وأن له منا ليوماً (١). والله لقد تاجرني فيما أهديت إليه حظاً للقيم، ثم غالطني بما بدله تبتيتا للكرم إلا أن يحتسب بثمن الوزارة التي حطني بها عن رتبتي (٢) ".
ومن عرف المنصور بن أبي عامر ومنهجه السياسي القائم على الهيمنة المطلقة على الخلافة، يدرك تماماً أنه لا يمكن أن يرتفع لأحد شأن في عهده أياً كان منصبه، فهل يتوقع الوزير والحالة هذه أن تكون له ولوزارته مكانة لديه؟ أو يحسب لهما أي حساب؟.
وعندما تولى الحجابة عبد الملك المظفر، تغيرت أحوال الوزارة، فهذا عيسى بن سعيد المعروف بابن القطاع رغم علو منزلته عند المنصور إلا أنه لم يتنفس الصعداء إلا بعد موت المنصور وتولي ابنه عبد الملك الحجابة. يقول ابن بسام: -
"وتبجح عيسى بعد مهلك المنصور بن أبي عامر في دولة ابنه عبد الملك، فتناهى عن الاكتساب بالحضرة وجميع أقطار الأندلس ضياعاً
стр. 466
ودوراً، فات الناس إحصاؤها واشتمل على الملك هو وولده وصنائعه (١) "وذلك لأن عبد الملك المظفر فوض وزيره عيسى بن سعيد في أمر تدبير الدولة (٢).
وقد استغل عيسى بن سعيد منصبه الوزاري وتفويض عبد الملك له في إدارة الدولة فأخذ يبيع المناصب الإدارية (٣) مما عاد عليه وعلى صنائعه بالثروة الطائلة، وأصبح لايسير إلا في موكب ضخم، كما أن الوصول إليه أصبح أمراً عسيراً (٤). كل ذلك لم يقنع الوزير ابن القطاع، ولذا فقد أخذ يدبر مؤامرة خطيرة للإطاحة بعبد الملك المظفر، وتسليم الدولة لهشام بن عبد الجبار بن عبد الرحمن الناصر، وكاد أمره أن يتم لولا أن كشفت خيوط المؤامرة في مراحلها الأخيرة، فذهب ابن القطاع ضحية لها (٥).
وبعد مقتل ابن القطاع لحق الأذى كل فرد من حاشيته، إذ صودرت أملاكه وأملاكهم (٦)، ثم صدر كتاب من عبد الملك بين فيه للناس سبب قتله لابن القطاع (٧).
стр. 467
الوزارة في عهد الفتنة:
عاشت الوزارة مرحلة مضطربة بسبب الفوضى التي كانت تمر بها الدولة في تلك الفترة، وبالرغم من أن المصادر تناولت تلك الفترة بشيء من التفصيل إلا أنها لم تكن تلقي الضوء على الوزارة والوزراء إلا لماماً، ومن خلال اللقطات السريعة لأحوال وزراء الفتنة نجد أنه لا يمكن مقارنتهم بأي حال من الأحوال بوزراء بني أمية سواءً في عصر الإمارة أو في عصر الخلافة الذي سبق الفتنة.
فقد وُصف وزراء الخليفة المهدي بأن العين تقتحمهم هجنة وقماءة (١)، وأما الخليفة المستعين فقد كانت دولته دولة برابرة (٢)، وعندما تولى الخلافة القاسم بن حمود وكان رجاله من عوام البربر (٣)، في حين أن ابن أخيه يحيى بن علي بن حمود اتخذ السفلة عماداً لدولته (٤)، واتخذ الخليفة المستظهر رجال وزارته من أهل البطالة والترف (٥) وأما الخليفة المستكفي الذي أجمع أهل المعرفة على أنه "لم يجلس في الإمارة مدة تلك الفتنة
стр. 468
أسقط منه ولا أنقص (١) " فقد شهد عصره تهافتاً عجيباً من الناس على خطط الوزارة، فقد كان يقول لهم "ارتعوا كيف شئتم وتسموا بما أحببتم من الخطط (٢) " ولكن سرعان ما تبرأوا منها عندما اكتشفوا زيف ما هم فيه (٣).
وعندما وصل إلى قرطبة الخليفة الأموي الأخير هشام المعتد بالله، اتخذ له مدبر دولته حكم القزاز وزراء ما فيهم إلا "كل نغلٍ دغلٍ أو ماجن فاسق أو سوقي رذل، سقطت به عليهم المشاكلة .. ما فيهم حازم ولا فصيح (٤) ".
ومهما قيل عن وزراء تلك الفترة، فليس هناك أبلغ من ابن حيان عندما قدم لنا بأسلوب ساخر لاذع وصفاً لهم فقد قال: -
"ومات فلان الغني العبام، حجة الله في الرزق وغيظ الأنام، فنهض بريئاً من كل خلة جميلة تدل على فضيلة إلى عيٍ غالب عليه، وكان أخوه مثله في الأفن والجهالة، وكلاهما ممن استهينت به خطة الوزارة بحملهما اسمها الخطير الأثير من غير تعلق بفضيلة في حديث ولا قديم ولا معرفة بشيء من التعاليم (٥) ".
стр. 469
هذه هي صفات الوزارة والوزراء في تلك الفترة، مناصب بلا نفوذ، ولذا فكثير ما كانت قرطبة تعيش تحت إدارة "العبيد وسفَّال الناس (١) " لأجل ذلك فلا عجب إذا رفض أهل المروءة والشمم العمل في هذا الوسط العجيب، فالوزير حسان بن مالك بن أبي عبد هـ، استوزره الخليفة المستظهر لكنه لم يلبث في بيت الوزارة إلا يسيراً ثم لم يعد يحضر، ثم كتب للمستظهر رقعة بينَّ فيها سبب غيابه فقال: -
إذا غبت لم أحضر وإن جئت لم أسل … فسيان مني مشهد ومغيبُ
فأصبحت تيمياً وما كنت قبلها … لتيم ولكن الشبيه نسيبُ (٢)
من هذه الصورة العجيبة ندرك أن الوزراء لم يعد لهم مكانة حتى أنهم هجروا بيتهم، الذي كان مجلساً لأعلام دولة بني أمية، واتخذوا من الديدبان (٣) مكاناً لهم. وتميزت اجتماعاتهم بأن القرار الذي يتخذونه اليوم ينقضونه غداً (٤)، وأصبح عملهم مقتصراً على التشاور فيمن يولونه الخلافة من بني أمية بعد كل خليفة ينتهي دوره (٥).
стр. 470
ولم يظهر للوزراء القدامى وأهل الرأي من اتفاق قوي على أمر إلا عندما اجتمعت كلمتهم على إزالة الخلافة الأموية وإسقاط رسمها وطرد الأمويين من قرطبة واستلام السلطة فيها عوضاً عنهم (١).
стр. 471
الفصل الرابع: الخطط الحربية
المبحث الأول: خطة الجيش
المبحث الثاني: خطة الأسطول
стр. 472
خطة الجيش
بعد أن أتم المسلمون فتح الأندلس، عُرف العرب الداخلون مع القائدين موسى بن نصير وطارق بن زياد "بالبلديين"، وأما من وصل فيما بعد مع بلج بن بشر القشيري (١) سنة (١٢٣) هـ (٧٤١ م) فقد عرفوا "بالشاميين" (٢)، ومن أجل ضمان استقرار البلديين والشاميين بالأندلس، وللحيلولة ماأمكن دون حدوث اصطدام بينهما، قام أبو الخطار الكلبي ١٢٥ - (١٢٧) هـ (٧٤٢ - (٧٤٤) م) والي الأندلس، بإبعاد الشاميين عن قرطبة التي استقر بها البلديون، ففرق الشاميين على عدة كور (٣)، وقد راعى عند إنزاله لهم بالكور، أن يكون كل جند (٤) في منطقة شبيهة
стр. 473
بأراضيه الأولى بالشام، فأنزل جند دمشق في إلبيره، وجند الأردن في ريه، وجند فلسطين في شذونه، وجند حمص في إشبيليه، وجند قنسرين في جيان، وأما جند مصر فأنزل جزء منهم ببجانه وجزء في تدمير "مرسيه (١) " وبذلك عُرفت هذه الكور باسم "الكور المجنَّدة (٢) ".
هذه القبائل العربية أنزلها أبو الخطار على "أموال العجم من أرض ونَعمَ (٣) " وجعل لها "ثلث أموال أهل الذمة من العجم طعمة (٤) " وبذلك أصبح العرب هم أسياد المناطق التي نزلوها، وبمقابل عدم تدخل الإدارة المحلية في قرطبة بشئونهم، فإن على زعماء تلك الكور المجندة تقديم ثلثي
стр. 474
خراج كورهم لقرطبة، في حين أن الثلث الباقي لهم حق التصرف فيه نظير ما يؤدونه من خدمة عسكرية لقرطبة (١).
وقد اعتمد أبو الخطار على العنصر القبلي، عند توزيعه للقبائل، سواء منها العربية أو البربرية، إذ أن جيوش تلك القبائل عندما دخلت الأندلس، كانت عبارة عن مجموعات قبلية تسير تحت ألوية زعمائها وبذلك أصبح لكل قبيلة مكاناً خاصاً يسمى باسمها، مثل جزء البكريين، جزء اللخميين، جزء البربر وغيرها (٢).
عناصر الجيش الأموي بالأندلس:
أولاً: العرب
كان الجيش الأموي بالأندلس، يتكون من الجندين: الشامي والبلدي (٣)، وكانت الألوية الغازية تعقد منهما، فللشاميين لواءان، أحدهما يغزو والآخر يقيم، ويُستبدلان كل ثلاثة أشهر، ومثلهم البلديون، إلا أن اللواء الغازي منهم يُستبدل كل ستة أشهر، والسبب في هذا التمايز بين الجندين عائد إلى أن الجند الشامي مقدم على الجند البلدي (٤)، إذ أن الديوان والكتبة في الشاميين، كما أنهم أحرار من العشر، لكونهم مُعدَين
стр. 475
للغزو، فكل الذي يترتب عليهم هو المقاطعة على أموال أهل الذمة التي في أيديهم (١).
واللواء الغازي من الجند الشامي له الحق في العطاء دون اللواء المقيم، فأصحاب المعاقد يعطى كل واحد منهم مائتي دينار، في حين أن أقاربه الذين يغزون معه مثل إخوته وبنيه أو بني عمه يعطي لكل منهم عشرة دنانير إكراماً له، ومن كان غازياً معه من غير بيوتات العقد يعطى خمسة دنانير، وأما اللواء الغازي من البلديين فيعطى دون اللواء المقيم، ومقدار عطائه مائة دينار، أما غير المعقود لهم فلا يعطون شيئاً، كما أن عليهم أن يؤدوا ضريبة العشر (٢).
ولم تنحصر عملية تفضيل الجند الشامي على البلدي في هذا فقط، بل إن الجند الشامي مقدم على البلدي في الدخول على أمراء وخلفاء بني أمية بقرطبة، فمنذ بداية الدولة الأموية بالأندلس كان جند دمشق أهل كورة إلبيرة مقدمين على من سواهم في الترتيب، ولواؤهم يأتي في أول الألوية بالميمنة (٣)، يليهم جند حمص وهم أهل كورة إشبيلية ولواؤهم في
стр. 476
الميمنة بعد لواء جند دمشق، ثم جند قنسرين وهم أهل كورة جيان، وبعدهم يأتي دور جند فلسطين وهم أهل كورة شذونة ولواؤهم في الميسرة وأخيراً جند مصر في باجه ولواؤهم في الميسرة بعد جند فلسطين وكذلك جند الأردن أهل كورة رية (١).
ثانياً: المماليك "الصقالبة"
منذ الأيام الأولى لقيام الإمارة الأموية بالأندلس، بدأ الأمير عبد الرحمن الداخل يفكر جدياً في إجراء تعديلات على التنظيم العسكري القائم بالأندلس، مدفوعاً إلى ذلك برغبته الشديدة في إحلال نظام الدولة بدلاً من النظام القبلي، بالإضافة إلى استرابته بالعرب من جراء تعرضه لمحاولة الاغتيال التي دبرت ضده في الساعات الأولى بعد انتصاره على يوسف الفهري في معركة المصارة (٢)، وكذلك بسبب كثرة حركات التمرد والعصيان التي هبت في وجهه بعد إعلانه قيام دولته (٣).
стр. 477
ولذا فبعد أن أسقط لواء جند باجه بسبب تمرد زعيمه العلاء بن مغيث اليحصبي (١) قام الأمير عبد الرحمن الداخل بشراء المماليك ليستعين بهم على العرب (٢).
ويبدو أن الأمير هشام بن عبد الرحمن الداخل قد سار على خطى والده في استخدام الحرس الخاص المكونَّ من المماليك العجم وهم الخرس أو الصقالبة، يدل على ذلك ما ذكره ابن حيان من أن الأمير الحكم الربضي كانت لديه "فرقة من الحرس الخاص معظمهم من فيء أربونة ورثهم عن والده هشام (٣) " وبذلك أرسى تقليداً جديداً في الأندلس سار عليه من أتى بعده (٤).
ولم يكتف الأمير الحكم الربضي بما ورثه عن والده من أولئك المماليك، فقد أخذ يستكثر منهم ويعمل جاهداً على ضم أكبر عدد ممكن منهم إليه، حتى بلغ عددهم لديه نحو خمسة آلاف رجل، منهم ثلاثة
стр. 478
آلاف فارس وألفا راجل، وكان يطلق على أولئك المماليك لقب "الخرس" لعدم معرفتهم بالعربية (١).
وكل هذه الجموع الغفيرة من المماليك كانت تحرس قصر الأمير الربضي، وتقف على أهبة الاستعداد للطوارئ، ولذا، فبعد أن فعلوا ما سرهَّ في يوم هيج الربض سنة (٢٠٢) هـ (٨١٨ م) كافأهم بالعتق وأغدق عليهم صلاته (٢).
وفضلاً عن هذه المجموعة، فقد كان لدى الأمير الحكم الربضي ألفا فرس مرتبطة على شاطئ النهر تجاه القصر "يجمعها داران على كل دار عشرة عرفاء تحت يد كل عريف مائة فرس (٣) " ودائماً تقف هذه القوة على أهبة الاستعداد لإخماد أي حركة تهب بصورة مفاجئة ضد صاحب السلطة السياسية في البلاد (٤).
وقد ذكر ابن حيان أن الأمير عبد الرحمن الأوسط سار على خطى والده في الاحتفاظ بأولئك المماليك الخرس، ولأجل ذلك قام بشراء أنصبة إخوانه منهم، واستخدم تلك القوة في حراسة القصر (٥).
стр. 479
وهؤلاء المماليك "الخرس" هم الذين يطلق عليه "الصقالبة" القادمون من الأراضي الممتدة من بحر قزوين إلى البحر الأدريائي" (١). ثم توسع لفظ الصقالبة فأصبح يطلق على كل رقيق جلب من الممالك النصرانية وعمل في قصر الخلافة (٢).
ولم يقتصر عمل الصقالبة على الحراسة، بل كانت توكل إليهم مهام عديدة مثل إرسالهم للاشتراك مع قوات الحكومة لمواجهة الاضطرابات التي قد تحدث خارج العاصمة (٣).
وعندما تعيِّن حكومة قرطبة أحد الولاة في إحدى الكور، فإنها ترسل معه مجموعة من أولئك الصقالبة لمساعدته في استلام منصبه (٤)، وكان لدى الأمير عبد الله بن محمد مجموعة منهم عرفت باسم "رماة المماليك" مهمتها الذود عن سرادق الأمير عبد الله برشق النبال (٥)، وبمقابل ذلك وجد من الصقالبة من يعمل في الخفاء مع المتمردين ضد حكومة قرطبة (٦).
стр. 480
وقد نظر أمراء وخلفاء بني أمية إلى أولئك الصقالبة نظرة ود وثقة، فكان أكابرهم يعرفون بالخلفاء (١) أو الفتيان الأكابر (٢)، كما فتحوا المجال أمامهم للوصول إلى مناصب عسكرية عليا في الدولة، فمثلاً كان أفلح صاحب الخيل (٣)، وتولى دري بن عبد الرحمن منصب صاحب الشرطة (٤)، كما كان نجده بن حسين الحيري يتولى أمر العلافة بالجيش (٥)، ثم أصبح قائداً للجيش (٦)، وعندما توفي الخليفة عبد الرحمن الناصر كان لديه منهم بالزهراء ثلاثة آلاف وسبعمائة وخمسين رجلاً (٧).
وقد سار الخليفة المستنصر على سياسة والده في الاستكثار من الصقالبة وتوليتهم المناصب الرفيعة (٨)، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل إنه طالب الناس بالتغاضي عن التجاوزات التي تحدث من الصقالبة محتجاً بأنهم مؤتمنون على من في القصر، وأنه لأجل ذلك لا يمكن معاتبتهم أو معاقبتهم في كل وقت خشية إثارة ما كمن في نفوسهم (٩).
стр. 481
وعندما توفي الخليفة الحكم المستنصر كان لصقالبة قصره قوة يحسب حسابها، إذ أن عددهم بلغ أكثر من ألف مجبوب دون من يتبعهم، يتولى رئاستهم فائق صاحب البرد والطراز ويليه في القيادة جؤذر صاحب الصاغة والبيازرة، وقد بلغ من قوة أولئك الصقالبة أنهم كادوا يحولون الخلافة من هشام المؤيد إلى عمه المغيرة بن عبد الرحمن الناصر (١).
وفي عهد الخليفة هشام المؤيد تمكن الحاجب المنصور بن أبي عامر من السيطرة على صقالبة القصر بطرقه الملتوية، (٢) وفي الوقت نفسه تمكن من كسب ود كثير منهم فولى بعضهم قيادة الجيوش (٣) وعلى نهجه سار ابنه عبد الملك المظفر (٤).
ويرى بعض الباحثين أن الأمويين قد اعتمدوا على الصقالبة في الإدارة والجيش من أجل الحد من نفوذ العرب في الحكم بالإضافة إلى إضعاف الجنود العرب والبربر (٥)، ولعل من أنصع الأمثلة على ذلك أن الخليفة عبد الرحمن الناصر جعل مملوكه نجدة بن حسين قائداً عاماً للحملة التي سار بها الخليفة لقتال راميرو الثاني Ramiro ملك ليون Leon فقرر بعض كبار قادة العرب أن يتركوا القائد الصقلبي نجدة ومن معه يواجهون
стр. 482
مصيرهم في تلك المعركة التي عرفت باسم شنت مانكش Simoncas أو الخندق سنة (٣٢٧) هـ (٩٣٩ م) فذهب ضحية ذلك القائد الصقلبي وآلاف المسلمين حتى أن الخليفة عبد الرحمن الناصر لم ينج إلا بأعجوبة حيث لم يعد بعدها إلى الخروج للغزو (١).
ثالثاً: البربر
ضم الجيش الأموي بالأندلس بالإضافة إلى العرب والصقالبة عناصر من البربر، حيث عملوا مرتزقة منذ الفترة الأولى لقيام الدولة الأموية هناك، إذ أن الأمير عبد الرحمن الداخل استقدم الكثير منهم إلى الأندلس بعد أن استراب بالعرب امتثالاً لنصيحة ابن عمه ومستشاره بشر بن عبد الملك بن مروان (٢)، فأحسن معاملتهم (٣)، فتوافدوا عليه، حتى أصبح لديه منهم أعداد كبيرة (٤)، لكن يبدو أن من أتى بعده من الأمراء لم يسلكوا منهجه تجاه البربر، إذ أننا لا نجد ذكراً واضحاً لهم إلا في عهد الأمير عبد الله بن محمد (٥)، فقد كان يبعث برجاله إلى طنجة لإقناع من يمكن إقناعه من البربر للإنخراط في جيش الإمارة لديه مقابل أجر
стр. 483
مادي (١)، ورغم ذلك فإن الإمارة الأموية جوبهت بثورات متعددة قام بها البربر (٢)، مما جعلها تحد من عملية نزوح البربر من العدوة إلى الأندلس، واستمر الخليفة عبد الرحمن الناصر في نهج الموقف الحذر تجاه البربر، فكان لا يستنجد بهم ولايستخدم إلا أراذلهم، مطلقاً عليهم اسم الطنجيين، ويكلفهم بأدنى أنواع الخدمة وأشقها مقابل أجور زهيدة (٣).
وأما الخليفة الحكم المستنصر فقد اتخذ موقفاً متناقضاً تجاه البربر، ففي بداية حكمه كان متشدداً تجاههم، بل إن الأمر بلغ به إصدار أمر بمعاقبة أحد العبيد لأنه كان راكباً على فرس بسرج عدوي الصنعة وتم إحراق السرج بدار الجند أمام الحضور (٤).
ومواقف الخليفة الحكم المستنصر انتقلت بطبيعة الحال إلى أهل قرطبة إذ ما إن حصل نزاع بين بعض طوائف الجند وبين الطنجيين عند اجتماعهم بباب السدة من قصر قرطبة حتى هب سواد أهل قرطبة ووقفوا مع الجند ضد الطنجيين (٥).
стр. 484
وبعد أن عانى الخليفة الحكم المستنصر وقواته كثيراً بسبب شدة صمود البربر ضد جيوشه في العدوة، بدأت نظرته لهم تتغير، فأخذ يرسل الأموال لاستمالتهم فنجح في ذلك (١)، واستخدم كثيراً من الوافدين إليه في جيشه (٢). ولم يتوقف الأمر على ذلك، بل إن كراهيته السابقة لهم تحولت إلى إعجاب فقد صار يستمتع بالنظر إلى فرسانهم وهم يستعرضون مهاراتهم في ركوب الخيل، ويكيل المديح لهم أمام سامعيه (٣).
هذه الحالة استغلها المنصور بن أبي عامر، حيث أدرك أنه بهم سيحقق أهدافه الخاصة، إذ أنه متى ما فرضهم على بقية الطوائف في الجيش الأموي بالأندلس فإن ذلك سيحدث شحناء بين تلك الطوائف وبين البربر، والبربر بدورهم يرون في المنصور الملاذ الذي يحميهم من سطوة الآخرين، وبذلك ضمن المنصور الولاء الدائم من البربر، من أجل ذلك عمد إلى زيادة أعدادهم في جيشه من خلال استدعائهم من العدوة، فأرسل إلى رؤسائهم وشجعان فرسانهم، فأقبلت عليه قبائل زناتة ومغراوة وإزداجة وصنهاجة، وبنوبرزال وبنو يفرن وغيرهم، فكان ينتقي من تلك الجموع الهائلة من تثبت كفاءته لديه ويلحقه بديوان الجند عنده (٤).
стр. 485
وقد استخدم المنصور مع هؤلاء سياسة حكيمة تعزز وتقوي محبته عندهم، فقد كان الرجل منهم يأتيه على فرس أعجف بلباس خلق، فيبدل الأعجف بالجواد العتيق، والخز الطرازي عوضاً عن اللباس الخلق، ويسكنه في قصر لا يدور في خياله أن يدخل مثله لا أن يسكنه، ورفعهم على من سواهم من طوائف الجند (١)، و"اختصهم باستصناعه واسترقهم بإحسانه" (٢).
وبسبب إكرام المنصور للبربر أخذت أعداد هائلة تنزح من العدوة إلى الأندلس، فغدت أعدادهم كبيرة في الجيش الأندلسي ولايمكن تقدير عددهم الكلي خاصة إذا أخذنا بالاعتبار أن قبائل عديدة بأكملها نزحت إلى الأندلس وانخرط الكثير من أبنائها في الجيش تحت قيادة المنصور بن أبي عامر (٣).
رابعاً: الحشم
كان للحشم مسئول يتولى الإشراف عليهم يعرف باسم "الناظر في الحشم (٤) " أو "صاحب الحشم (٥) " ويكون برتبة وزير (٦)، ومن بين الذين
стр. 486
تولوا هذا المنصب محمد بن قاسم بن طملس (١) وتولى من بعده ولده قاسم هذا المنصب مضافاً إليه الشرطة العليا (٢) ثم تولاها زياد بن أفلح بالإضافة إلى خطة الخيل (٣).
ويبدو أن هؤلاء الحشم لا يقتصر تواجدهم على قرطبة فحسب، إذ تذكر المصادر تواجد الكثير منهم في العديد من المدن الأندلسية (٤)، ومهام الحشم بصفة عامة تختلف عن المهام المنوطة بالخرس، ففي الوقت الذي كانت فيه مهمة الخرس هي حراسة أمراء وخلفاء بني أمية وقصورهم، كان الحشم بالمقابل يتولون مهام عديدة في الجيش، فمثلاً في المعارك كان قسم منهم مسئولاً عن تعبئة العساكر (٥)، بينما في أوقات السلم كانوا يقومون بالإشراف على ترتيب الجند، وتحديد مراتبهم وذلك عند الاستعراضات العسكرية عندما يكون هناك وفد رسمي زائر (٦)، وبالإضافة إلى مشاركتهم الفعالة في المعارك (٧) فإن لهم مهمة خاصة أهلتهم لها
стр. 487
الكفاءة العسكرية التي كانوا يتمتعون بها، إذ كانوا دائماً يشكلون طلائع رئيسة للجيش تعمل على تمهيد السبيل أمامه وتقوم بضبط الحصون بعد افتتاحها (١).
وفي بعض الأحيان تسند للحشم مهمة تقصي الحقائق في مسألة معينة ومن ثم رفع الخبر على وجه الصحة للأمير في قرطبة (٢)، كما أن صاحب الحشم يقوم أحياناً بمهمة إجراء المفاوضات (٣).
ومن خلال المعلومات التي وردت في بعض المصادر ندرك أن أعداد الحشم لم تكن قليلة، يدل على ذلك ما ذكره ابن حيان من أن الأمير محمد بن عبد الرحمن أرسل أخاه الحكم بن عبد الرحمن على رأس صائفة، فوصل إلى قلعة رباح فأعاد إعمارها وأتقنها واسترجع أهلها إليها، وجعل عندهم جيشاً كثيفاً من الحشم (٤)، كما أن الخليفة عبد الرحمن الناصر شحن مدن الأندلس وحصونها وقصابها وفروج ثغورها بالحشم (٥)، وهناك نص لابن حيان أكد فيه كثرة أعداد أولئك الحشم، فقد ذكر أن صاحب الشرطة محمد بن قاسم بن طملس خرج من قرطبة قائداً ومدداً للوزير القائد
стр. 488
غالب بن عبد الرحمن "فكان خروجه فخماً ظاهراً في عسكر لجب من طبقات الحشم الذين استجاز حملاتهم" (١).
وإلى جانب هذه العناصر التي ذكرناها والتي تشكل في مجملها القوات النظامية في الجيش الأموي بالأندلس، وجد المتطوعه الذين يخرجون للجهاد في سبيل الله تعالى بأموالهم وأنفسهم طلباً لما عند الله تعالى وإعلاءً لكلمته، فقد كان هؤلاء المتطوعة بمجرد أن يسمعوا نداء الأمير أو الخليفة للجهاد يسارعون بتلبية النداء بلاد تردد، وكانت العدوة المغربية مصدراً من مصادر المتطوعة الذين يرون في الأندلس "دار جهاد وموطن رباط (٢) ".
وقد كان المتطوعة موضع ثناء أمراء وخلفاء بني أمية لسرعة استجابتهم وصالح بلائهم (٣) ورغم أنه كان يسمح لهم بالعودة إلى ديارهم ومنازلهم بعد الغزو، إلا أن بعضهم يرفض العودة إلى أهله، مفضلاً المرابطة في سبيل الله تعالى وحراسة الثغور على كل شيء، فأقاموا الربط (٤) التي
стр. 489
كان لها بالليل دوي كدوي النحل من تلاوة القرآن وترديد ذكر الله تعالى، وفي النهار كان المرابطون فرساناً أشاوس يرهب جانبهم (١).
ورغم أننا لا نجد بياناً خاصاً برواتب الجند النظاميين، فإننا لا نشك بأنه كانت هناك مرتبات شهرية تدفع لهم، فقد كان الأمويون لا "يزيدون فارساً على خمسة دنانير للشهر شيئاً، مع نفقته وعلف فرسه (٢) ".
وهذا المرتب كان يتأثر بالحالة السياسية للدولة، فإنه نظراً للإضطراب السياسي الذي كانت تعاني منه الدولة الأموية إبان إمارة الأمير عبد الله بن محمد بسبب كثرة الفتن، نجد أنه ضيَّق على جنوده وقلل أعطياتهم (٣). وكما أن المرتبات تتأثر بالوضع السياسي للدولة، فكذلك يتأثر عطاء كل جندي وفق بسالته وشجاعته، "فمن ظهرت نجدته وإعانته وشجاعته أكرموه بولاية موضع ينتفع بفوائده (٤) "، والأمير عبد الرحمن الداخل عندما كان في إحدى معاركه في الثغر الأعلى نظر إلى أحد فرسانه وقد أظهر كفاءة وشجاعة نادرتين، فأمر أحد فتيانه أن يسأل عن الرجل، فإن كان من أشراف الناس أعطاه ألف دينار، وإن كان من أفناء
стр. 490
الناس فيعطيه نصفها (١)، وأما من استشهد من جند الجيش الأموي فإن عطاؤه وأرزاقه تنتقل إلى ذريته (٢).
وأما المتطوعة الذين لا ذكر لهم في الديوان، فهم بالإضافة إلى ما يغنمونه من المعارك فإن لهم صلات من الأمراء والخلفاء (٣).
بقي أن نقول إن المنصور بن أبي عامر كان يدرك تماماً أن الكثير من أبناء الشعب الأندلسي غير راضٍ عن السياسة القهرية التي ينهجها، ولذا فقد كان يخشى من حركة تهب في وجهه أو عصيان يدبر ضده فيطيح به، وهو مدرك في الوقت نفسه أن الجيش له الكلمة الفاصلة في هذا الموضوع، لأجل ذلك عمل على إجراء تغييرات جذرية في تركيبة الجيش، فنسخ تنظيمه الداخلي الذي كان سائدا طيلة عهد أمراء وخلفاء بني أمية إلى عصر الخليفة هشام المؤيد (٤)، وذلك عندما جعل كل تشكيل من
стр. 491
تشكيلات الجيش يشتمل على كافة العناصر والفئات، فقد وزع الجند في مجموعات ضمن سرايا دون النظر إلى العصبية القبلية التي ينتمي إليها كل جندي، وكل مجموعة أو سرية لها قائد يرعى شؤونها، كما قرر أرزاقاً شهرية تصرف لكل جندي، وبذلك ضمن المنصور سهولة تجميع القوات في أي وقت، بالإضافة إلى الانضباط الذي أصبح سمة الجيش آنذاك (١) وكما ضمن عدم حدوث عملية التفاف ضده.
تعداد الجيش:
إن من العسير إعطاء رقم صحيح لعدد أفراد الجيش الأموي بالأندلس بكافة فئاته وطوائفه، إذ أن المصادر تعنى بالتشكيلات العسكرية المختلفة للجيش المتجه للغزو.
وتجدر الإشارة إلى أن هناك جيش خاص بالثغور وآخر خاص بالعاصمة، وقد عرف الأخير باسم "جيش الحضرة" الذي أمدنا ابن حيان ببيان تفصيلي عن تقسماته في عهد الخليفة الحكم المستنصر، فذكر منها (٢) "طبقات الجند من القرطبيين والزهراويين" "وبياض الجند الأندلسيون والطنجيون" و "طبقات العبيد الخمسيون" و "الصيديون" و "أكابر الخمس" و "فرسان الرياضة" و "رجالة الأرباض" و "العبيد الجعفريين".
стр. 492
وقد كانت الكور المجندة تشكل ركيزة أساسية من ركائز القوة العسكرية بالأندلس، ولدينا بيان أورده ابن حيان (١) وضح فيه العدد الذي تؤمنه كور الموسطة للصائفة المتجهة إلى الشمال النصراني، فذكر أن: -
كورة إلبيرة قدمت (٢٩٠٠) فارس، جيان (٢٢٠٠) فارس، قبرة (١٨٠٠) فارس، باغة (٩٠٠) فارس، تاكرنا (٢٦٩) فارس، الجزيرة (٢٩٠) فارس، إستجه (١٢٠٠) فارس، قرمونة (١٨٥) فارس، شذونه (٦٧٩٠) فارس، رية (٢٦٠٧) فارس، فريش (٣٤٢) فارس، فحص البلوط (٤٠٠) فارس، مورور (١٤٠٣) فارس، تدمير (٢٥٦) فارس، ربينة (١٠٦) فارس، قلعة رباح وأوريط (٣٨٧) فارس، حصن شندلة (١١٣) فارس، وأما قرطبة التي تركت لهمة أهلها فقد كانت تنفر منها أعداد هائلة (٢).
ورغم حرص حكومة قرطبة على أن تلتزم كل كورة بما تقدمه من فرسان، إلا أن الوضع السياسي العام للدولة له أكبر الأثر في أعداد أولئك الفرسان، ففي عهد الأمير محمد بن عبد الرحمن كان عدد الجيش مائة ألف فارس منهم عشرون ألفاً بدروع الفضة (٣)، وأما في عهد الأمير عبد الله بن محمد فقد كانت الدولة تعيش فترة مضطربة، بسبب كثرة حركات التمرد والعصيان التي اندلعت في أرجاء الأندلس، مما قلص نفوذ الإمارة كثيراً بحيث لم يعد يتجاوز قرطبة وما جاورها، حتى أن الأمير عبد الله عندما
стр. 493
خرج سنة (٢٧٨) هـ (٨٩١ م) لمواجهة ابن حفصون كان تعداد القوة التي رافقته أربعة عشر ألف رجل بمن فيهم جنده والحشم والموالي والمطوعة والمرتزقة (١). بل إن قائده الشهير أبو العباس أحمد بن محمد بن أبي عبد هـ كان يخوض معاركة بثلاثمائة فارس انتخبهم من خيرة المدونة (٢).
وعلى العكس من عصر الأمير عبد الله نجد أن الجيش أصبح تعداده هائلاً في عهد الخليفة عبد الرحمن الناصر، إذ أدرك منذ وصوله للحكم معنى توفر قوة عسكرية ضاربة لدى حكومته، فعمل على إصلاح الجيش وحشد الجند، حتى أنه كان ينفق ثلث خزينة الدولة على جيشه (٣)، حتى أصبح لديه أفضل جيش في العالم (٤) ولنا أن نتصور ضخامة الجيش الذي خاض معركة "الخندق" بعد أن حُشر له الناس حشرا (٥)، وإذا كان عدد قتلى المسلمين في المعركة بلغ أربعين أو خمسين ألف (٦)، فكم سيكون العدد الكلي للجيش إذن؟
стр. 494
ونظراً لاهتمام المنصور بن أبي عامر بجلب المرتزقة من كافة الطوائف، فقد ازداد عدد الجيش في عهده، حتى أن عدد الفرسان في بعض صوائفه بلغ ستة وأربعين ألف فارس (١).
وقد كان على أهل قرطبة وأقاليمها ضريبة تعرف بـ"ضريبة الحشود والبعوث" عليهم إخراجها كل سنة للصوائف الغازية للمالك النصرانية في الشمال، ويتولى الوزير صاحب المدينة مسئولية إخراج الناس لتلك البعوث، ولا يمكن أن يتخلف أحد قادر على حمل السلاح إلا إذا كان لديه عذر شرعي أو أغلق عليه داره، بعلم الوزير صاحب المدينة، شريطة ألا يغادر منزله إلا بعد عودة الجيش من الغزو (٢)، كما يتولى صاحب المدينة مسئولية حشد فتيان قرطبة القادرين على حمل السلاح، وذلك في المناسبات التي تقام فيها استعراضات عسكرية (٣).
ولم تلغ ضريبة الحشود والبعوث عن أهل قرطبة إلا في عهد الأمير محمد بن عبد الرحمن الذي ترك الأمر عائداً لهمة أهلها، إلا في حالة تعرض البلاد لهجوم مفاجئ من أي جهة كانت، ثم أعيدت هذه الضريبة في عهد الخليفة عبد الرحمن الناصر (٤)، وأصبح المتطوعة يشكلون قوة رئيسة في الجيش لديه، وقد كثرت أعدادهم في جيشه، حتى أن "جموعهم إذا
стр. 495
توافت، وأعدادهم إذا تكاملت تضيق عنهم بلاد العدو ولا تسعهم غلاتها، ولا ترويهم مياهها (١) "، وقد توقف العمل بتلك الضريبة بعد معركة الخندق (٢)، ففي سنة (٣٢٨) هـ (٩٣٩ م) اقتصر الخليفة عبد الرحمن الناصر