← История

История · id 7331

نظم حكم الأمويين ورسومهم في الأندلس

سالم بن عبد الله الخلف

Полный текст (939 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

تشكيلات الجيش يشتمل على كافة العناصر والفئات، فقد وزع الجند في مجموعات ضمن سرايا دون النظر إلى العصبية القبلية التي ينتمي إليها كل جندي، وكل مجموعة أو سرية لها قائد يرعى شؤونها، كما قرر أرزاقاً شهرية تصرف لكل جندي، وبذلك ضمن المنصور سهولة تجميع القوات في أي وقت، بالإضافة إلى الانضباط الذي أصبح سمة الجيش آنذاك (١) وكما ضمن عدم حدوث عملية التفاف ضده. تعداد الجيش: إن من العسير إعطاء رقم صحيح لعدد أفراد الجيش الأموي بالأندلس بكافة فئاته وطوائفه، إذ أن المصادر تعنى بالتشكيلات العسكرية المختلفة للجيش المتجه للغزو. وتجدر الإشارة إلى أن هناك جيش خاص بالثغور وآخر خاص بالعاصمة، وقد عرف الأخير باسم "جيش الحضرة" الذي أمدنا ابن حيان ببيان تفصيلي عن تقسماته في عهد الخليفة الحكم المستنصر، فذكر منها (٢) "طبقات الجند من القرطبيين والزهراويين" "وبياض الجند الأندلسيون والطنجيون" و "طبقات العبيد الخمسيون" و "الصيديون" و "أكابر الخمس" و "فرسان الرياضة" و "رجالة الأرباض" و "العبيد الجعفريين".

стр. 492

وقد كانت الكور المجندة تشكل ركيزة أساسية من ركائز القوة العسكرية بالأندلس، ولدينا بيان أورده ابن حيان (١) وضح فيه العدد الذي تؤمنه كور الموسطة للصائفة المتجهة إلى الشمال النصراني، فذكر أن: - كورة إلبيرة قدمت (٢٩٠٠) فارس، جيان (٢٢٠٠) فارس، قبرة (١٨٠٠) فارس، باغة (٩٠٠) فارس، تاكرنا (٢٦٩) فارس، الجزيرة (٢٩٠) فارس، إستجه (١٢٠٠) فارس، قرمونة (١٨٥) فارس، شذونه (٦٧٩٠) فارس، رية (٢٦٠٧) فارس، فريش (٣٤٢) فارس، فحص البلوط (٤٠٠) فارس، مورور (١٤٠٣) فارس، تدمير (٢٥٦) فارس، ربينة (١٠٦) فارس، قلعة رباح وأوريط (٣٨٧) فارس، حصن شندلة (١١٣) فارس، وأما قرطبة التي تركت لهمة أهلها فقد كانت تنفر منها أعداد هائلة (٢). ورغم حرص حكومة قرطبة على أن تلتزم كل كورة بما تقدمه من فرسان، إلا أن الوضع السياسي العام للدولة له أكبر الأثر في أعداد أولئك الفرسان، ففي عهد الأمير محمد بن عبد الرحمن كان عدد الجيش مائة ألف فارس منهم عشرون ألفاً بدروع الفضة (٣)، وأما في عهد الأمير عبد الله بن محمد فقد كانت الدولة تعيش فترة مضطربة، بسبب كثرة حركات التمرد والعصيان التي اندلعت في أرجاء الأندلس، مما قلص نفوذ الإمارة كثيراً بحيث لم يعد يتجاوز قرطبة وما جاورها، حتى أن الأمير عبد الله عندما

стр. 493

خرج سنة (٢٧٨) هـ (٨٩١ م) لمواجهة ابن حفصون كان تعداد القوة التي رافقته أربعة عشر ألف رجل بمن فيهم جنده والحشم والموالي والمطوعة والمرتزقة (١). بل إن قائده الشهير أبو العباس أحمد بن محمد بن أبي عبد هـ كان يخوض معاركة بثلاثمائة فارس انتخبهم من خيرة المدونة (٢). وعلى العكس من عصر الأمير عبد الله نجد أن الجيش أصبح تعداده هائلاً في عهد الخليفة عبد الرحمن الناصر، إذ أدرك منذ وصوله للحكم معنى توفر قوة عسكرية ضاربة لدى حكومته، فعمل على إصلاح الجيش وحشد الجند، حتى أنه كان ينفق ثلث خزينة الدولة على جيشه (٣)، حتى أصبح لديه أفضل جيش في العالم (٤) ولنا أن نتصور ضخامة الجيش الذي خاض معركة "الخندق" بعد أن حُشر له الناس حشرا (٥)، وإذا كان عدد قتلى المسلمين في المعركة بلغ أربعين أو خمسين ألف (٦)، فكم سيكون العدد الكلي للجيش إذن؟

стр. 494

ونظراً لاهتمام المنصور بن أبي عامر بجلب المرتزقة من كافة الطوائف، فقد ازداد عدد الجيش في عهده، حتى أن عدد الفرسان في بعض صوائفه بلغ ستة وأربعين ألف فارس (١). وقد كان على أهل قرطبة وأقاليمها ضريبة تعرف بـ"ضريبة الحشود والبعوث" عليهم إخراجها كل سنة للصوائف الغازية للمالك النصرانية في الشمال، ويتولى الوزير صاحب المدينة مسئولية إخراج الناس لتلك البعوث، ولا يمكن أن يتخلف أحد قادر على حمل السلاح إلا إذا كان لديه عذر شرعي أو أغلق عليه داره، بعلم الوزير صاحب المدينة، شريطة ألا يغادر منزله إلا بعد عودة الجيش من الغزو (٢)، كما يتولى صاحب المدينة مسئولية حشد فتيان قرطبة القادرين على حمل السلاح، وذلك في المناسبات التي تقام فيها استعراضات عسكرية (٣). ولم تلغ ضريبة الحشود والبعوث عن أهل قرطبة إلا في عهد الأمير محمد بن عبد الرحمن الذي ترك الأمر عائداً لهمة أهلها، إلا في حالة تعرض البلاد لهجوم مفاجئ من أي جهة كانت، ثم أعيدت هذه الضريبة في عهد الخليفة عبد الرحمن الناصر (٤)، وأصبح المتطوعة يشكلون قوة رئيسة في الجيش لديه، وقد كثرت أعدادهم في جيشه، حتى أن "جموعهم إذا

стр. 495

توافت، وأعدادهم إذا تكاملت تضيق عنهم بلاد العدو ولا تسعهم غلاتها، ولا ترويهم مياهها (١) "، وقد توقف العمل بتلك الضريبة بعد معركة الخندق (٢)، ففي سنة (٣٢٨) هـ (٩٣٩ م) اقتصر الخليفة عبد الرحمن الناصر

стр. 496

على غلمانه وحشمه وجنده المدونين المدربين عند تجهيز الجيش لغزو جليقية (١). وفي سنة " (٣٨٨) هـ (٩٩٨ م) أصدر المنصور بن أبي عامر قراراً عاماً بإعفاء أهل قرطبة وغيرهم من الإشتراك الإلزامي في الصوائف، بعد أن أصبح ديوان الجند لديه غاصاً بالأعداد الغفيرة منهم، فجعل "من تطوع خيراً فهو خير، ومن خف إليه، فمبرور ومأجور، ومن تثاقل فمعذور (٢) ". التنظيمات والمناصب العسكرية: أ- القيادة: منذ قيام دولة الأمويين في الأندلس وقيادة الجيوش موضع اهتمامهم، فهي أهم المناصب العسكرية على الإطلاق، ولذا فقد كان أمراء بني أمية يقودون الجيوش بأنفسهم (٣)، وفي حالة تعذر خروجهم كانوا يكلفون أحد اولادهم بالخروج بالجيش شريطة أن يكون معه أحد القادة العسكريين من ذوي الخبرة والمهارة ليتولى إدارة المعركة (٤).

стр. 497

وفي عصر الخلافة كان الخليفة عبد الرحمن الناصر يقود الجيوش بنفسه، ولا نجد ذكراً لأولاده، ولم يترك القيادة إلا بعد هزيمته في معركة الخندق، وعندما تولى الخلافة الحكم المستنصر خرج على رأس جيش إلى الشمال النصراني سنة (٣٥١) هـ (٩٦٢ م) ففتح عدة حصون وغنم وعاد سالماً (١). وهنا تجدر الإشارة إلى أن الخليفة المستنصر لم يكرر الخروج للغزو مرة أخرى، ويبدو أن خروجه على رأس الجيش عندما تولى الخلافة كان رسماً جرى عليه أمراء وخلفاء بني أمية بالأندلس، إذ يكون الغزو في سبيل الله تعالى أول أعمال من يستلم الحكم منهم. ونظراً لأهمية منصب قيادة الجيش، ولسعي المنصور بن أبي عامر للسيطرة على الجيش، -بعد وفاة الخليفة الحكم المستنصر بالله-، نجد أن ابن أبي عامر يتحين الفرص لتحقيق مراده، وجاءته الفرصة عندما وصلت الأخبار بأن الملك ردمير الثالث راميرو (٩٦٦ - (٩٨٥) م) (٢) ٣٥٥ - (٣٧٥) هـ ملك ليون، قد أغار على الثغر الأوسط (٣)، ولما لم يبد أحد من الوزراء استعداده لرد المعتدين، سارع ابن أبي عامر إلى الخروج على رأس الجيش، وذلك لثلاث خلون من شهر رجب سنة (٣٦٦) هـ (٢٦ فبراير

стр. 498

٩٧٧ م) وعاد إلى قرطبة بعد ثلاثة وخمسين يوماً من خروجه وهو محمل بالسبي والغنائم (١). والشيء المهم في هذه الغزوة، أن ابن أبي عامر تمكن من كسب محبة الجند وتفانيهم في خدمته، وذلك لما رأوه من كرمه وجوده وحسن عشرته وسعة مائدته (٢)، وهذا هو الذي كان يهم ابن أبي عامر فقد أدى ذلك إلى أن أصدر الخليفة المؤيد أمره بتولية ابن أبي عامر قيادة جيش الحضرة (٣). ولدينا أسماء عديدة لقادة عسكريين أداروا المعارك العسكرية بكل كفاءة واقتدار، منهم: بدر مولى الأمير عبد الرحمن الداخل وتمام بن علقمة الثقفي وعبيد الله بن عبد الله بن عبد الرحمن الداخل الشهير بصاحب الصوائف (٤) وعبد الواحد بن يزيد الأسكندراني (٥)، وهاشم بن عبد العزيز (٦)

стр. 499

وغالب بن عبد الرحمن الناصري الذي برز ذكره لأول مرة سنة (٣٣٥) هـ (٩٤٦ م) عندما كلفه الخليفة عبد الرحمن الناصر بالخروج على رأس جيش كبير لإعادة بناء مدينة سالم (١) كما قاد العديد من الحملات العسكرية الناجحة (٢)، وعندما هاجم النورمانديون السواحل الغربية للأندلس في أوائل رمضان سنة (٣٦٠) هـ (يونيو (٩٧١) م) عهد الخليفة المستنصر إلى قائده غالب الناصري بالإشراف العام على القوات البرية والبحرية" لضلاعته وغنائه وعلمه بثقوب نظره ومحمود اكتفائه (٣) ". ويلاحظ أن القيادة العسكرية للجيش الأموي في الأندلس كانت تسند إلى أبناء أسر معينة سطروا صفحات ناصعة البياض ليس في المجال العسكري فحسب، بل في كافة المجالات الإدارية في الدولة، من أشهر تلك الأسر، أسرة آل أبي عبد هـ الذين برز دورهم القوي في عهد الأمير عبد الله بن محمد وذلك في قمع الفتن الداخلية التي اندلعت في كافة أنحاء الأندلس، وقد لمعت أسماء عدة وزراء من هذه الأسرة كلهم تولى القيادة العسكرية واجتمع منهم أربعة في وقت واحد عند الأمير عبد الله

стр. 500

ابن محمد (١). كذلك اشتهرت أسرة مغيث الرومي، فقد برز اسم عبد الواحد بن مغيث بالإضافة إلى ولديه عبد الكريم وعبد الملك، وعبد الوهاب بن أحمد بن عبد الواحد بن مغيث (٢).

стр. 501

ولهؤلاء القادة الوزراء مكانة سامية لدى أمراء وخلفاء بني أمية، ففي الاحتفالات الرسمية التي تقام سواء في الأعياد أو عند استقبال السفراء والوفود الرسمية الزائرة تكون مجالس أولئك القادة الوزراء بالقرب من الأمير أو الخليفة ففي الاحتفال الذي أقامه الخليفة الحكم المستنصر بالله في الزهراء يوم السبت لأربع خلون من شهر رمضان سنة (٣٦٠) هـ (١ يوليو (٩٧١) م) عند استقباله للسفير "بون فليو Enneco Bonfill" المبعوث من قبل حاكم برشلونة بريل بن شنير Borrell Sunier، جلس الخليفة في محراب المجلس الشرقي، وأحاط به رجال دولته كل وفق مرتبته، فقد جلس الوزير القائد غالب بن عبد الرحمن عن يمين الخليفة وتحته الوزير صاحب الحشم قاسم بن محمد بن طلمس، وعن يسار الخليفة جلس الوزير صاحب المدينة بقرطبة جعفر بن عثمان وتحته صاحب المدينة بالزهراء محمد ابن أفلح (١).

стр. 502

ولم يقتصر إكرام الدولة لأولئك القادة على تشريفهم في الاحتفالات، بل إنها كانت تضع الثقة الكاملة بهم، فعند تعرض البلاد لأي خطر عسكري فإن أمراء وخلفاء بني أمية يضعون موارد الدولة وإمكاناتها تحت تصرف أولئك القادة (١)، كما يتم إرسال المنح السنية والمكافآت المالية إليهم وهم في مواقعهم العسكرية من أجل شد عزائهم، وبث الحماسة في جنودهم، وبالذات عندما تصل من القائد أخبار تسر الأمير أو الخليفة (٢). وعند عودة القائد مع قواته منتصراً، كانت الاحتفالات تقام بقرطبة ابتهاجاً بهذه المناسبة، وتكريماً له ولمن معه، فالوزير القائد غالب بن عبد الرحمن عندما عاد من أرض العدوة المغربية محققاً انتصاراً قوياً على مناوئي الدولة، أمر الخليفة الحكم المستنصر بإقامة احتفال كبير بهذه المناسبة واستُقبل القائد استقبالاً رسمياً كان الخليفة في مقدمة الحضور وذلك في شهر المحرم سنة (٣٦٤) هـ (سبتمبر (٩٧٤) م) (٣). ونظراً إلى انقسام الجيش إلى فرسان "خيالة" ورجالة "مشاة" فإن لكل قسم منهما قائد خاص (٤)، وعندما تريد حكومة قرطبة تكريم أحد القادة العسكريين يتم منحه مظلاً يستظل به عن الشمس، ويقف تحته عند

стр. 503

إدارته للمعركة (١)، وقبل أن يغادر القائد العاصمة بقواته، تصدر إليه الأوامر من قبل الأمير أو الخليفة، بتحديد المنطقة التي عليه مهاجمتها (٢) وإن قصر في عمله كتب إليه الأمير رسالة يعنفه فيها على تقصيره. فعندما ثار هاشم الضراب بطليطلة في عهد الأمير عبد الرحمن بن الحكم سنة (٢١٤) هـ (٨٢٩ م) تم تكليف القائد محمد بن رستم عامل الثغر بالقضاء على ثورة الضراب، ويبدو أن القائد ابن رستم لم يحسم المسألة بسرعة، فأرسل إليه الأمير مدداً عسكرياً وكتب إليه كتاباً يعنفه فيه على تقصيره وذلك سنة (٢١٦) هـ (٣) (٨٣١ م). وكما أن القائد إذا قصر في عمله يتعرض للمساءلة الرسمية، فكذلك نجد أن هناك مواقف على المستوى الشعبي العام - ربما كانت أشد إيلاماً من المواقف الرسمية، هذه المواقف الشعبية يتعرض لها القائد العسكري إذا حدث أن فر من أرض المعركة، إذ يقابل القائد بالسخرية ويشنع عليه فراره حتى من أقرب الناس إليه، وهذا ما حدث في شوال سنة (٢٣٩) هـ (مارس (٨٥٤) م) عندما أخرج الأمير محمد ابن عبد الرحمن قائديه قاسم بن العباس وتمام بن أبي العطاف على رأس قوة عسكرية من الحشم، لتأديب أهل طليطلة، وعندما التحم جيش الإمارة بأهل طليطلة، تمكن الطليطليون من تحقيق نصر قوي فر على إثره القائدان ابن العباس وابن أبي العطاف،

стр. 504

تاركين ما في المعسكر لأهالي طليطلة فانهالت قصائد الشماتة على ذينك القائدين (١). والعامة دوماً لا تنظر إلا إلى مصالحها الآنية، ولا تلتمس عذراً لمن يمنع عنها تلك المصالح، فقد اعتاد العامة في قرطبة على كثرة السبي الذي كان يحضره المنصور بن أبي عامر من الإمارات والممالك النصرانية الشمالية، وبعد وفاته تولى قيادة العمليات الحربية من بعده ابنه عبد الملك المظفر، وفي غزوته الرابعة التي خرج بها إلى بنبلونة سنة (٣٩٦) هـ (١٠٠٦ م) لم يحضر معه إلى قرطبة السبي المعتاد، فأخذ نخاس الرقيق يرددون عبارة "مات الجلاب، مات الجلاب (٢) " ب- خطة الخيل: يتضح لنا من اسم هذه الخطة أن الأمر متعلق بالخيول وما يتصل بها، ونظراً لضخامة الجيش الأموي بالأندلس، فإنه لابد من وجود أماكن معدة لرعاية هذه الخيول والعناية بها وقد عرفت هذه الأماكن باسم "دار الخيل (٣) "، وهي دار تمتاز بالسعة والضخامة، لذا فالأمر يتطلب وجود جهاز إداري متكامل يتولى عملية الإشراف عليها، وهذا الجهاز الإداري له مشرف مسئول عنه وعن الدار ومحتوياتها أمام الأمير أو الخليفة الأموي،

стр. 505

ويعرف هذا المشرف باسم "صاحب الخيل (١) "، وعلى هذا فإن صاحب الخيل هو المشرف على شئون الخيل اللازمة للجيش وما يلزم كل جواد من سرج ونحوه (٢)، وأحيانا نرى أنه يجمع مع خطة الخيل الحشم (٣). ومن واجبات صاحب هذه الخطة ترتيب الجند، وفض المنازعات التي تحدث بينهم (٤)، وقيادة الحملات العسكرية (٥)، في حين تناط بمساعديه مهمة حمل الأموال والمنح المرسلة لمن يثبت حسن صنيعه وغناه في الحروب (٦). وقد شهدت "خطة الخيل" بعض التغيرات شأنها في ذلك شأن بعض الخطط، فبعد أن كانت مرتبطة بالقيادة كما هو الحال في عهد الأمير محمد بن عبد الرحمن (٧) نجدها في عهد الخليفة عبد الرحمن الناصر تصبح منفصلة تماماً عن القيادة (٨)، رغم أنها جمعت معها في بعض الفترات (٩).

стр. 506

جـ- خطة العرض العرض وظيفة من وظائف التنظيم العسكري، وهي خاصة باستعراض الجنود المدونين في أوقات منتظمة للتأكد من وجودهم وسلامة استعدادهم (١) ويسمى من يتولى هذه الخطة بـ"العارض (٢) "، وإذا حان موعد استعراض الجند، جلس الأمير أو الخليفة على سطح باب السدة وبجواره ولي عهده، فإذا أعطى إشارة البدء للقائد، تبدأ عملية الاستعراض التي تقوم بها طائفة من الجند، قد تم اختيارها مسبقاً، وفي الاستعراض يعمل أفراد تلك الطائفة، على إبراز مهاراتهم الحربية، فتكون هناك عملية مبارزة ومطاردة بين المتبارزين، شريطة أن يكون كل منهما حريصاً على عدم إلحاق الأذى بزميله، ومن خالف ذلك تعرض للعقوبة والسجن، في حين أن المصاب يؤمر له بجائزة، وقبيل الظهر تنتهي عملية الاستعراض (٣). وبالنظر لأهمية هذه الخطة، والازدياد في أعداد الجنود المدونين، فإننا نجدها تسند أحياناً إلى شخص واحد (٤)، وفي بعض الأحيان تسند إلى أربعة (٥) يتولون معاً مهمة الإشراف على هذه الخطة النبيلة، على أن تكون الاختصاصات مقسمة فيما بينهم.

стр. 507

د- خطة خازن السفر: إن الإعلان عن قيام الخلافة الأموية بالأندلس، وازدهار البلاد بعد أن فرض الخليفة عبد الرحمن الناصر نفوذه على معظم شبه الجزيرة الأيبرية وبعض أراضي العدوة بالمغرب، كل هذا، أوجد تعقيداً إدارياً في كافة أجهزة الدولة، وذلك بسبب الحال التي أصبحت عليها الدولة الأموية من قوة وثراء ومكانة عالمية بين الدول آنذاك. وللدلالة على التعقيد الإداري نشوء هذه الوظيفة رغم أنها لم تكن معروفة في عهد الإمارة، ولم تكن لتوجد فيما بعد لولا الضخامة التي أصبح عليها الجيش الأموي هناك، والمهام العديدة التي عليه تأديتها. وخازن السفر هو الذي يأخذ الأموال من بيوت المال ويذهب بها إلى الجيش ويوصلها بنفسه، سواء كان شمالاً في جهة الممالك النصرانية أو جنوباً ناحية العدوة المغربية (١) وإذا لزم الأمر إرسال مزيداً من الأموال فيما بعد إلى الجيش، فإن الخليفة يكلف شخصاً آخر لأخذ الأموال اللازمة ويتوجه بها إلى الجيش ويوصلها إلى قائد الجيش والخازن المتواجد معه (٢).

стр. 508

هـ- خطة خزانة السلاح: الجيش الأموي بالأندلس لا يعرف الهدوء والسكينة، فهو إن لم يكن في صائفة في جهاد ضد نصارى الشمال، نجده يتولى قمع اضطراب في إحدى أرجاء البلاد، كما أصبحت أراضي العدوة المغربية مسرحاً لعملياته في عصر الخلافة. لأجل ذلك، كان لزاماً على القائمين على الجيش توفير الأسلحة لأفراده، ونظراً لضخامة الأسلحة المعدة فهي تودع في مخازن خاصة عرفت بـ"خزانة السلاح" ومتوليها يشغل منصباً عالياً في الدولة (١). والأسلحة لأي جيش تكون على نوعين، أسلحة هجومية، وأخرى دفاعية، وكل نوع من هذين النوعين ينقسم إلى قسمين آخرين، فالهجومية منها تكون خفيفة وثقيلة، وكذلك الدفاعية وهذه الأسلحة بأنواعها تكون أيضاً على قسمين: فردية وجماعية. أي أن منها ما يكون صالحاً للاستخدام الفردي وآخر للاستخدام الجماعي. وليس بدعاً أن يكون الجيش الأموي بالأندلس قد استخدم كافة أنواع الأسلحة المعروفة آنذاك، الهجومية منها والدفاعية الفردية والجماعية، فالأسلحة الفردية كالسيوف والرماح والقسي والسهام والطبرزينات (٢) كلها أسلحة هجومية فردية. في حين أن هناك عدة

стр. 509

أسلحة دفاعية خفيفة، منها: الترس وهي آلة يتقي بها المقاتل ضربات خصمه، ويأتي على أنواع وأصناف شتى كل منها صالح لشيء معين (١) وكذلك الدرق التي هي من أنواع التروس (٢)، والبيضة أو الخوذة التي يلبسها المقاتل على رأسه (٣)، والمغفر (٤) والدرع (٥). هذه هي الأسلحة الهجومية والدفاعية الخفيفة الفردية، فالجنود المشهود لهم بشدة البأس والرجولة في الجيش الأموي بالأندلس، تميزوا بتقلد السيوف الأفرنجية وبحمل التراس والرماح المستوية الأسنه، ومن كان

стр. 510

منهم على فرس ارتدى الدرع وحمل القناة ولبس الجوشن الذي يغطي به الصدر، ووضع على فرسه تجفاف يحميه أثناء القتال (١)، في حين أن المشاة كانوا يتنكبون القسي الكبار وبأيدهم الطبرزينات والدماغات والأعمدة (٢). أما الأسلحة الهجومية والدفاعية الثقيلة التي تستخدم بشكل جماعي، فيأتي المنجنيق (٣) في مقدمتها، وتليه في الأهمية "العرادة" وهي آلة شديدة الشبه بالمنجنيق ولكنها أصغر منه (٤)، والمنجنيق والعرادة يصلحان في الاستخدامات الدفاعية الهجومية، وتستعمل العرادة في رمي السهام الكبيرة والحجارة، وتستعمل لهدم الأسوار والحصون أو ضرب المعسكرات أو الجند المهاجمين (٥).

стр. 511

ومن الأسلحة المهمة المستخدمة في الحصار "الدبابة" وهي آلة حربية يدخل فيها الرجال، فيدبون إلى الأسوار لنقبها، وهي تسبق المشاة حتى تقترب من حصون الأعداء بصورة كبيرة، وكذلك استخدموا "البرج" الذي هو شديد الشبه بـ"الدبابة" إذ كان يستعمل للاقتراب من حصون الأعداء لاقتحامها ولقذف السهام ونحوها على المدافعين. والبرج يُجر على عجلات خشبية أو حديدية وله عدة أدوار يعلو بعضها بعضا يوصل إليها بدرج أو سلم داخلي، وفي أعلى البرج توجد قنطرة خشبية يمكن إلقاؤها على سور الحصن ليعبر عليها المقاتلون لاقتحام الحصن (١). وقد كانت معظم الأسلحة التي يستخدمها الجيش الأموي بالأندلس تصنع محلياً، وبالذات التروس والرماح والمغافر (٢)، ولنا أن نتوقع أنواعاً أخرى من الأسلحة تصنع في اشبيلية وذلك لوفرة الفولاذ الجيد فيها (٣)، كما أن طليطلة اشتهرت بصناعة السيوف المشهورة بالصلابة واشتهرت المرية واشبيلية ومرسية وغرناطة بصناعة الدروع وآلات الحرب عامة (٤).

стр. 512

ويورد لنا ابن حيان (١) معلومات دقيقة عن صناعة الأسلحة بالأندلس بصفة عامة، فقد ذكر أن كل عام يصنع من الأخبية على أجناسها للجند ثلاثة آلاف خباء، وهذا غير الأخبية الخاصة بالأمير أو الخليفة وكبار رجالات دولته وغلمانه، ونظراً للتوسع في صناعة التراس فقد كان لصناعها شيخ في ذلك الوقت هو يحيى التراس، وكان يحيى يدير مصنعاً للتراس ينتج كل سنة ثلاثة عشر ألف ترس على أنواعها، وأما القسي فعلى نوعين تركية وعربية فالمصنع الذي بقرطبة خاص بإنتاج القسي العربية ويشرف عليه أبو العباس البغدادي وينتج ستة آلاف قوس في السنة، ومثلها ينتج من القسي التركية في مصنع الزهراء ويشرف على تصنيعها طلحة الصقلبي، وأما النبل فيصنع منه عشرون ألفاً في الشهر (٢). يضاف إلى ما سبق أن خزائن الأسلحة بالزاهرة كانت ملأى بصنوف الأسلحة خاصة التراس والدروع والجواشن التي يوزع الكثير منها أيام الحشود وأيام البروز والزينة (٣) ومما يدل على ضخامة مخازن الأسلحة لدى الدولة الأموية أن الحاجب عبد الملك المظفر عندما أراد أن يخرج في أول غزوة له في شهر شعبان سنة (٣٩٢) هـ (يونيو (١٠٠٢) م) أمر

стр. 513

خُزَّان الأسلحة بتوزيع خمسة آلاف درع وخمسة آلاف مغفر على طبقات الأجناد الدارعين في جيشه (١). وأخيراً تجدر الإشارة إلى أن خزائن الأسلحة لم يقتصر وجودها على قرطبة والزهراء والزاهرة بل إن مدينة سالم، على سبيل المثال كانت مستودع أسلحة تمد المنصور بن أبي عامر بما يحتاج إليه من الأسلحة أثناء غزواته نحو الشمال الأسباني، ففي إحدى هذه الغزوات زودته مخازن الأسلحة بمدينة سالم بستة منجنيقات ومائتي ألف سهم وخمسة آلاف ترس (٢). ومخازن الأسلحة سواء في قرطبة أو غيرها كان لها خُزَّان، وللخُزَّان رئيس هو خازن الأسلحة، وكل موجودات المخازن مقيدة لديه في سجلات خاصة يحتفظ بها في حرز أمين، ومنها نسخة عند جهة إدارية أخرى، حتى إذا أُعفي خازن الأسلحة من منصبه، وُعيِّن آخر بدلاً عنه، يتم تكوين لجنة تقوم بإحصاء ما في المخازن وتطابقها على السجلات الموجودة لديها، وذلك لكي تكون عملية التخزين متقنة لا مجال للتلاعب فيها (٣).

стр. 514

و- صاحب العسكر: المراد به هو قائد جيش الحضرة، وقد أطلق عليه لقب: "صاحب العسكر" للتفريق بينه وبين القائد الذي يخرج على رأس الجيش لإخضاع العصاة وللجهاد في الثغور. ومنصب صاحب العسكر، منصب أمني بحت، ينصبُّ اهتمامه على الحراسة المستمرة للجيش عند خروجه للغزو، وكذلك اختيار الأماكن المناسبة لنزوله، بالإضافة إلى تولي أمر العلافة، ولا يكلها إلى غيره، احتياطا منه على من معه من المسلمين، وقبضاً لأيدي المتلصصين من العدو عليهم، وبذلك تكون العلفات متوفرة، والسرايا مثقلة بالغنائم (١). ز- اللواء: اللواء رمز الإمارة والقيادة، ولذا فلا عجب أن تهتم به الجيوش أياً كانت، بل إن عدم وجوده يعد غيباً ونقصاً في الجيش وقائده، فهذا الأمير عبد الرحمن بن معاوية - عندما كان في بداية أمره - بعد مغادرته اشبيلية في طريقه إلى قرطبة، لم تكن له راية، بل إن أنصاره كان كل جند منهم يسير تحت راية خاصة (٢)، هذا الوضع المضطرب دفع بعض رؤساء الأجناد إلى انتقاد هذا الوضع، وعرضوا على الأمير عبد الرحمن اتخاذ راية خاصة له يجتمع الجيش كله تحتها، فوافق الأمير على ذلك، وبمجرد وصول الجيش

стр. 515

إلى قرية "بلة نوبة البحرين (١) Villa Nueva" وقيل قرية قلنبيرة (٢) من إقليم طشانة " Tocina" جيء بقناتين إحداهما لأبي الصباح اليحصبي والأخرى لأبي عكرمة جعفر بن يزيد جد بني سليم الشذونيين، فعقد له في إحداهما (٣)، وتولى عقد الراية رجل تفاءلوا باسمه بعد أن أقاموا القناة بين شجرتي زيتون لأنهم كرهوا إمالتها (٤). وقد ظل هذا اللواء دون تجديد طيلة عهد الأمراء الداخل والرضا والربضي إذ كلما خلقت العمامة المعقودة على القناة، تم ستر فضولها وعقد على العقدة، ولم يتم تجديده إلا في عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط حيث طرحت الأسمال البالية وجددت العمامة (٥). وكان اللواء القديم بأسماله البالية محل تقدير وتفاؤل بني أمية والأندلسيين كافة، وبلغ من تفاؤلهم أن الهزائم التي حلت بالجيش الأموي فيما بعد نسبت إلى الخطأ الذي ارتكبه الوزراء عندما طرحوا الأخلاق البالية التي كانت تكوِّن اللواء القديم، وفي ذلك يقول ابن حيان "لم يزل الوهن في ملك بني أمية بالأندلس من ذلك اليوم (٦) ".

стр. 516

ولاشك أن هذا الاعتقاد أمر لا يقره الشرع ولا المنطق، إذ العزة الحقة مقرونة بالتمسك الصحيح بالأحكام الشرعية، إضافة إلى اتخاذ الأسباب الكفيلة بالنصر. واللواء عادة لا يحمله إلا من كان أهلاً لحمله، وموضعاً لثقة السلطان، ولذا فإن لواء بني أمية بالأندلس حمله منذ البداية أبو عثمان عبيد الله بن عثمان (١) ثم أخذ بتعاقب على حمله مع عبد الله بن خالد بن أبان بن أسلم (٢)، وإذا كانت معظم الخطط الهامة في دولة بني أمية بتوارثها الأبناء عن الآباء فليس بدعاً أن يكون حمل اللواء قد استمر في ذرية أبي عثمان وعبد الله بن خالد. ولعقد الراية عند خروج الجيش للغزو رسوم لا يمكن تجاوزها، فعندما أمر الخليفة الحكم المستنصر بالله بعقد الراية للوزير القائد الأعلى غالب بن عبد الرحمن قام إثنان من كبار الوزراء بإحضار الراية ذات القطع الثلاث -العقدة والعلم والشطرنج (٣) - ثم تولى عريف الخياطين عقد هذه الأعلام، واستدعى محمد بن يوسف القبري إمام قصر الخليفة (٤) بالإضافة إلى بعض أئمة النافلة ومن معهم من المؤذنين، وبمجرد استلام عريف الخياطين للراية اندفع القاضي يقرأ سورة

стр. 517

الفتح ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً﴾ وكان انتهاؤه منها مع انتهاء عريف الخياطين من عقد الأعلام، وصحب ذلك التكبير والتهليل بصوت مرتفع من كافة الحضور، وهكذا حتى اكتملت المهمة، بعد ذلك خرج عريف الخياطين ومن معه من الوصفاء والمؤذنين ومعهم الرايات الثلاث إلى باب السدة وهم يكبرون ويهللون وسط كوكبة من الفرسان مكتملي الزينة وكان في استقبالهم هناك الوزير صاحب الخيل والحشم ومعه أحد الوزراء ثم واصلوا مسيرهم إلى باب الوزير الأعلى غالب بن عبد الرحمن الذي كانت بانتظار وصولهم ومعهم اللواء فلما وصلوا امتطى صهوة جواده وخرج للغزو من حينه (١). ح- العرفاء: هناك نصوص عدة وردت في بعض المصادر الأندلسية، تحدثت عن العرفاء، وأشارت إلى وجود إختصاصات متعددة لهم، فقد كان للأمير الحكم الربضي ألفا فرس في دارين على شاطئ الوادي الكبير مقابل قصر الإمارة بقرطبة معدة للطوارئ، وكل عشرة عرفاء يتولون مسئولية الإشراف على إحدى الدارين (٢)، وعلى هذا فالعريف مسئول عن مائة فارس، لكن في عهد الأمير المنذر بن محمد نجد نصاً يفيد بأن كل عشرة من العرفاء مسئولين عن مائة وخمسين -أي أن العريف مسئول عن خمسة

стр. 518

عشر فارس- أرسلهم الأمير ومعهم مائة بغل شرط صلح مع الثائر عمر بن حفصون (١)، مما يفيد بأن العرفاء مسئولين كذلك عن الجنود، وذكر ابن حيان أن الخليفة عبد الرحمن الناصر عيَّن عبد الملك بن العاصي والياً على مارده سنة (٣١٥) هـ (٩٢٧ م) فوصل إليها "في ألف من العرفاء ومثلهم من الطنجيين وخمسمائة من الرماة وخمسمائة من الملحقين (٢) " وهذا النص يفيد بأن العرفاء يقاتلون كمجموعة مستقلة وذلك لخبرتهم في القتال (٣). فقد وجد منهم فرقة على عهد الخليفة الحكم المستنصر عرفت بـ"العرفاء المدرعين (٤) " وهناك مجموعة من العرفاء مهمتهم تذليل الصعاب والعقبات التي تعترض طريق الجيش الأندلسي من توسيع طرق، أو توسعة شعاب وما إلى ذلك، وقد ورد في حوادث سنة (٢٤٤) هـ (٨٥٨ م) أن الأمير محمد بن عبد الرحمن عندما حاصر طليطلة أمر عرفاء البنائين والمهندسين بنسف القنطرة الموصلة إلى باب المدينة فتم لهم ذلك (٥) فغرق من كان عليها من أهل طليطلة، كما أن عرفاء البنائين كانوا يعقدون الجسور لتمكين الجيش الأموي من عبور المجاري المائية التي

стр. 519

تعترض سبيله (١) وبذلك يمكن القول بأن هؤلاء العرفاء أشبه ما يكون في العصر الحاضر بسلاح المهندسين الذي لاتستغني عنه الجيوش. ونختتم الحديث عن أولئك العرفاء بالإشارة إلى أن لهم في بعض الأحيان مهام خاصة كأن يكلف الأمير أو الخليفة مجموعة منهم سراً للكشف عن مسألة معينة ورفع الأمر إليه على حقيقته (٢). وهنك فئات مساندة للجيش ليس بوسعه الاستغناء عن خدماتها، وتعتبر الأدوار التي تؤديها تلك الفئات على جانب كبير من الأهمية بالنسبة لمسيرة الجيش وكذلك سير الأحداث العسكرية. من هذه الفئات، فئة اختصت بحمل الرسائل بين القيادة المركزية في العاصمة وبين قيادة الجيش المتجه إلى الأعداء، وقد جرت العادة أن يتولى حمل هذه الرسائل مجموعة من الخصيان الذين يتم تكليفهم في بعض الأحيان بنقل الأموال إلى الجيش، ولهم عرفاء يتولون عملية الإشراف عليهم (٣). كما أن هناك فئة تقوم بنقل المعلومات عن الأعداء إلى القيادة العسكرية للجيش الأموي، هذه الفئة هي فئة العيون والجواسيس (٤)، والتي تبدأ عملها عندما يقترب الجيش من أراضي العدو، وأحياناً يتم تكليف

стр. 520

بعض الجواسيس بنقل المعلومات إلى العاصمة مباشرة، من ذلك مثلاً ما ذكره ابن حيان (١) من أنه في أوائل شهر ذي القعدة وصل إلى الزهراء الجواسيس الذين ذهبوا إلى سنتياجو "شنت ياقب Santiago De Campostela" لتقصي أخبار النورمانديين وذلك حسب أوامر الخليفة المستنصر. ولدينا فئة تسمى فئة "الطبالين" تقوم بقرع الطبول في أوقات معينة، ولا يقرع الطبل إلا بإذن من قائد الجيش، واعتاد الجيش الأموي إذا قرب من جبهات القتال أن يقوم الطبالون فيه بقرع طبولهم بشدة، يصاحب ذلك رفع الأصوات بالتكبير لإدخال الهلع في قلوب المناوئين (٢)، وقد بلغ عدد الطبالين في جيش المنصور بن أبي عامر مائة وثلاثون فارساً (٣). التعبئة والأساليب القتالية: "التعبئة" تعني التهيؤ وأخذ كافة الاستعدادات اللازمة للحرب، من وضع خطط قتالية متقنة، وترتيب الجيش، وتوزيع الأسلحة (٤) وبصفة عامة تعني الاستفادة القصوى من كافة الإمكانات المتاحة، مما يكفل بالتالي تحقيق النصر.

стр. 521

وقد كان للمعالم الجغرافية في الأندلس الأثر القوي في وضع نظام تعبئة واضح، فقد شكلت أنهار وأودية الأندلس الممتدة بالعرض بين الشرق والغرب، خطوطاً دفاعية، فقد جعل المسلمون وادي إبرة خطاً دفاعياً أول وأطلقوا عليه مسمى: الثغر الأعلى، وأما الخط الدفاعي الثاني فقد شكله وادي نهر التاجه وأسموه: الثغر الأوسط، في حين اتخذوا من الأراضي الغربية الواقعة بين نهري دويره وتاجه خطاً دفاعياً ثالثاً، مطلقين عليه مسمى: الثغر الأدنى. والمتبع في تعبئة الجيش الأموي وترتيبه هو ما كان سائداً لدى الجيوش الإسلامية عامة، وذلك من حيث تقسيم الجيش إلى مقدمة وساقة وميمنة وميسرة وقلب (١) وقد وردت عدة نصوص لدى العذري (٢) وابن الخطيب (٣) كلها تفيد استخدام أمراء وخلفاء بني أمية في الأندلس لهذا الترتيب عند تعبئتهم لجيوشهم. وعرفنا مما سبق أن الكور الأندلسية تشترك في عملية تأمين المقاتلين للجيش، وقد ورد نص لدى الخشني ذكر فيه أن الفرج بن كنانة الكناني "غزا معقوداً له على جند شذونة من الغرب مع عبد الكريم بن عبد الواحد إلى جليقية … (٤) وعليه فإن الجيش الأموي في الأندلس، كان قائماً على

стр. 522

مايمكن أن يسمى بالقوى القبلية، بحيث أن كل مجموعة في الجيش تكون تحت إمرة أحد زعمائها، والقائد العام مسئول عن الكل، فكانت كل قبيلة تحرص على أن لا يأتي الوهَنُ من قبلها، لكن المنصور بن أبي عامر قضى على هذا الترتيب، فأدخل على الجيش الأموي عناصر عدة، أهمها العنصر البربري، وعمل على إعلاء هذا العنصر، مما سبب التنافر بينهم وبين الأندلسيين (١)، فأصبح القائد يقود جيشاً مكوناً من عناصر شتى، كل هذا لكي يأمن المنصور عدم اضطراب الجيش عليه. وقد كان شعار الجيش الأموي طيلة عصري الإمارة والخلافة ذكر اسم الأمير أو الخليفة وإتباعه بكلمة "يا منصور" (٢) لكن هذا الشعار تغير بعد سيطرة المنصور بن أبي عامر على الدولة، إذ أصبح الشعار فقط "يا منصور (٣) ". ويتعين على قائد الجيش أن تكون قواته دائماً على تعبئة مستمرة سواء أثناء المسير أو عند النزول (٤) حتى وإن كان العدو غير قريب وذلك خشية المفاجآت، إذ أن التهاون في هذا الأمر يترتب عليه في الغالب الفشل. وهذا ما حصل للوزير القائد هاشم بن عبد العزيز عندما خرج في شعبان سنة (٢٦٢) هـ (٨٧٦ م) لمحاربة عبد الرحمن بن مروان الجليقي، فقد

стр. 523

تهاون في الأمر فكانت النتيجة قتل عدد كبير من أفراد الجيش الأموي ووقوع الوزير القائد هاشم بن عبد العزيز أسيراً بيد أعدائه (١). ومن الأمور الواجب على القائد الانتباه لها، توفير المياه وحفظها (٢)، إذ أن إغفال هذا الأمر يترتب عليه تعرض الجند والدواب للعطش، فتذهب أعداد كبيرة منهما ضحية الإهمال، وهذا ما جرى للقائد أحمد بن أبي عبد هـ عندما رحل بقواته في غرة رجب سنة (٢٨٣) هـ (أغسطس (٨٩٦) م) إلى حصن البط -بعد أن دوَّخ عدة حصون- فعدم الماء في الطريق فهلك بسبب ذلك أكثر من ثلاثين رجلاً كما نفقت دواب كثيرة (٣). هذه العثرات التي يتعرض لها ولأمثالها الجيش الأموي بالأندلس، سيعمد إلى تجاوزها، بل لا نعدو الحقيقة عندما نقول إنه سيوظفها لصالحه من خلال العمل على سد الثغرات التي يمكن أن يأتي منها الخلل، ولذا فإننا نجد الجيش الأندلسي يصل إلى مرتبة متقدمة من التعبئة عند المعارك وذلك في عصر الطوائف - وما كان له أن يصل إليها لولا أنه ورث ذلك التنظيم عن الجيش الأموي - فقد أورد الطرطوشي نصاً تحدث فيه عن ترتيب الجيش عند لقاء العدو، فقال:

стр. 524

"فأما صفة اللقاء وهو أحسن ترتيب رأيناه في بلادنا، وهو أرجى تدبير نفعله في لقاء عدونا، أن نقدم الرجالة بالدرق الكاملة، والرماح الطوال والمزاريق المسنونة النافذة، فيصفوا صفوفهم، ويركزوا مراكزهم، ورماحهم خلف ظهورهم في الأرض، وصدورهم شارعة إلى عدوهم، وهم جاثمون في الأرض، وكل رجل منهم قد ألقم الأرض ركبته اليسرى، وترسه قائم بين يديه، وخلفهم الرماة المختارون التي تمرق سهامهم من الدروع والخيل خلف الرماة، فإذا حملت الروم على المسلمين لم يتزحزح الرجالة عن هيآتها ولا يقوم رجل منهم على قدميه، فإذا قرب العدو رشقهم الرماة بالنشاب والرجالة بالمزاريق، وصدور الرماح تلقاهم، فأخذوا يمنة ويسرة فيخرج خيل المسلمين بين الرماة والرجالة فتنال منهم ما شاء الله" (١). وأما ما يتعلق بأساليب القتال فقد عرف الجيش الأموي بالأندلس عدداً منها، فهناك أسلوب الزحف، حيث يقاتل الجنود بصفوف منتظمة طويلة متراصة، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ (٢) وقبل أن تتم عملية الالتحام المباشر بين الجيشين تكون هناك مبارزة بين بعض الأقران من الطرفين (٣).

стр. 525

وهناك أسلوب الكمائن الذي يعتمد على وضع فئة من الجند في مكان مستتر لاقتناص غفلة الأعداء، ومهاجمتهم لإلحاق أكبر قدر من الخسائر بهم (١)، وهذا الأسلوب يستخدم لاستخراج القوة المعادية وبالذات عند مهاجمة المدن إذ تتوجه مجموعات من الجيش ذات عدد قليل نسبياً فتهاجم المدينة، وعندما يرى المدافعون قلة عدد المهاجمين يغريهم ذلك بتتبعهم للقضاء عليهم، فيخرجون من مدينتهم، ويلاحقون المهاجمين، وهنا يظهر الكمناء من مكامنهم فيطبقون عليهم ويشتتون شملهم (٢). واستخدم الجيش الأموي كذلك أسلوب الحصار للمدن أو الحصون أو القلاع، فعند وصول الجيش إلى المنطقة التي يريد فرض الحصار عليها، يقوم الطبالون بقرع طبولهم بشدة، يرافق ذلك صيحات التكبير والتهليل من المقاتلين، وذلك لبث الرعب والرهبة في نفوس المدافعين، فإذا وصل الجيش الأسوار وزع القائد قواته وكلف كل فئة بإنجاز مهمة معينة، وزيادة في الاحتياط يقوم القائد بإرسال جزء من الجيش لفرض السيطرة على الأماكن القريبة من المنطقة المحاصرة، وذلك لمنع وصول الإمدادات العسكرية والمادية، مثلما فعل الوزير القائد هاشم بن عبد العزيز عند محاصرته لعبد الرحمن ابن مروان الجليقي (٣)، وبعد ذلك تبدأ عملية انتساف

стр. 526

الزروع المحيطة بالمنطقة وحرقها وقطع كافة سبل المعيشة عن المحاصرين لإجبارهم على الاستسلام (١). وفي بعض الأحيان لا يكتفى بفرض الحصار فقط بل تجرى محاولة نقب الأسوار (٢)، أو قطع قنطرة إن وجدت (٣). كما يستخدم "المنجنيق" وذلك لرمي المقذوفات من حجارة أو كرات نفط حارقة سواء في حالة الهجوم أو الدفاع. وقد استخدم الأمويون المنجيق في حروبهم منذ بداية دولتهم في الأندلس، فالأمير عبد الرحمن الداخل استخدم أثناء حصاره لمدينة سرقسطة ستاً وثلاثين منجنيقاً (٤)، واستخدمها محمد بن الأمير عبد الرحمن الأوسط عندما غزا بالصائفة إلى جليقية وحاصر مدينة ليون سنة (٢٣١) هـ (٨٤٦ م) (٥) كما استخدمت في صد هجوم النورمانديين سنة (٢٣٠) هـ (٨٤٥ م) على اشبيلية (٦). وأما أسلوب بناء المدن العسكرية إزاء المدن التي يراد إسقاطها، فإنه يعتبر من أشد الوسائل فعالية، نظراً لما يوفر للمهاجمين من مساندة مادية

стр. 527

ومعنوية مما يساعدهم على مواصلة الحصار حتى النهاية، وفي الوقت نفسه فإنه يدخل في نفوس المدافعين اليأس مما يرونه من توطين المهاجمين لأنفسهم على طول الحصار. وقد أدرك الخليفة عبد الرحمن الناصر أهمية المدن العسكرية أو الحصون التي يقيمها لأجل محاصرة مناوئيه، ولذا نراها تنتشر في عهده ويستخدمها بكثرة، من ذلك أنه بنى في سنة (٣١٨) هـ (٩٣٠ م) مدينة عسكرية بالقرب من طليطلة سماها "مدينة الفتح" بجبل حرنكس (١) وفي سنة (٣٢٣) هـ (٩٣٤ م) حاصر مدينة سرقسطة فلم تستسلم، ولذا أقام بإزائها مدينة ارتفع بناؤها أعلى من بناء سرقسطة ذاتها فأصبح ما بداخلها مكشوفاً للمهاجمين (٢). وهذه المدن العسكرية كانت تشحن بالرجال والقواد والعساكر ويتولى أمرها أحد الوزراء (٣). الحملات العسكرية: جرت العادة أن تخرج الحملات العسكرية ضد الشمال الأسباني في فصل الصيف (٤)، ولكن يحدث أن تصبح الصائفة شاتية، وذلك إذا اضطر الجيش للبقاء في جبهة القتال مثلما حدث للقائد أحمد بن محمد بن أبي عبد هـ عندما شتى مضطرا سنة (٢٩٧) هـ (٩١٠ م) بأحد جبال كورة

стр. 528

قبره (١)، كما يمكن أن تكون الصائفة متجولة من أجل المحافظة على الأمن والاستقرار (٢). ولكن يحدث أن تكون هناك شاتية تخرج للشمال، فهذا الحاجب عبد الملك المظفر بن المنصور خرج في شتاء سنة (٣٩٨) هـ (١٠٠٨ م) على "رأس حملة نحو الشمال، وهي الغزوة السادسة من غزواته" (٣). وعندما عزم شنجول على مواصلة المسيرة العسكرية لأبيه وأخيه خرج في أشد أوقات السنة برودة (٤)، متجهاً إلى جليقية. والأمر هنا لا يقتصر على صوائف وشواتي، فقد كانت هناك حملات ربيعية وأخرى خريفية (٥)، ومع توالي الحملات العسكرية ضد الشمال الأسباني، بدأت عملية إعمار الثغور الفاصلة بين الطرفين الإسلامي والنصراني، وذلك في أواخر عهد المنصور بن أبي عامر، ويبدو أن عملية الاستيطان هذه كانت من الضخامة والاتساع إلى الحد الذي جعل

стр. 529

المنصور يندم على فعلته، ويتمنى لو تمكن من هدم كل ما عَمّره في منطقة الثغور (١). وقد سار عبد الملك المظفر بن المنصور على نهج أبيه في إعمار الثغور (٢)، حتى أنه جعل لكل من له رغبة في استيطان الثغور، إثبات اسمه في الديوان، ويتم صرف راتب له مقداره ديناران في الشهر، وله مع ذلك المنزل والمحرث (٣).

стр. 530

وقد كان بنو أمية شديدي الإهتمام بأخبار الثغور ولهم عيون تأتيهم بأنبائها تباعاً، وإذا حدث أن أبطأت الأخبار عنهم فإنه يتم إرسال أحد الثقات ليقف على حقيقة الأمر. فالأمير محمد بن عبد الرحمن عندما خفيت عليه أخبار الثغر استدعى رجلاً يدعى مطرف بن نصير فأمره باستطلاع الخبر، وضرب له أجلاً مقداره أربعة عشرة يوماً لا يتجاوزها و إلا ضرب عنقه (١). وإذا حدث أن هجم العدو على الأراضي الإسلامية، تولى أحد الوزراء مهمة استنفار الناس (٢) كما أن صاحب المدينة يقوم بحشدهم (٣) ولا يؤذن لأحد بالتخلف إلا إن كان صاحب عذر شرعي، أو أغلق عليه باب داره شريطة ألا يغادرها إلا بعد عودة الجيش (٤). وقد جرت العادة أن تخرج الصوائف في أواخر الربيع وأوائل الصيف، فالخليفة عبد الرحمن الناصر خرج إلى بنبلونه في يوم السبت لأربع عشرة ليلة بقيت من شهر المحرم سنة (٣١٢) هـ (مايو (٩٢٤) م) وذلك بسبب اعتداء البشكنس على بني لب وبني ذي النون بحصن بقبره (٥).
следующие страницы →