الزروع المحيطة بالمنطقة وحرقها وقطع كافة سبل المعيشة عن المحاصرين لإجبارهم على الاستسلام (١).
وفي بعض الأحيان لا يكتفى بفرض الحصار فقط بل تجرى محاولة نقب الأسوار (٢)، أو قطع قنطرة إن وجدت (٣).
كما يستخدم "المنجنيق" وذلك لرمي المقذوفات من حجارة أو كرات نفط حارقة سواء في حالة الهجوم أو الدفاع.
وقد استخدم الأمويون المنجيق في حروبهم منذ بداية دولتهم في الأندلس، فالأمير عبد الرحمن الداخل استخدم أثناء حصاره لمدينة سرقسطة ستاً وثلاثين منجنيقاً (٤)، واستخدمها محمد بن الأمير عبد الرحمن الأوسط عندما غزا بالصائفة إلى جليقية وحاصر مدينة ليون سنة (٢٣١) هـ (٨٤٦ م) (٥) كما استخدمت في صد هجوم النورمانديين سنة (٢٣٠) هـ (٨٤٥ م) على اشبيلية (٦).
وأما أسلوب بناء المدن العسكرية إزاء المدن التي يراد إسقاطها، فإنه يعتبر من أشد الوسائل فعالية، نظراً لما يوفر للمهاجمين من مساندة مادية
стр. 527
ومعنوية مما يساعدهم على مواصلة الحصار حتى النهاية، وفي الوقت نفسه فإنه يدخل في نفوس المدافعين اليأس مما يرونه من توطين المهاجمين لأنفسهم على طول الحصار.
وقد أدرك الخليفة عبد الرحمن الناصر أهمية المدن العسكرية أو الحصون التي يقيمها لأجل محاصرة مناوئيه، ولذا نراها تنتشر في عهده ويستخدمها بكثرة، من ذلك أنه بنى في سنة (٣١٨) هـ (٩٣٠ م) مدينة عسكرية بالقرب من طليطلة سماها "مدينة الفتح" بجبل حرنكس (١) وفي سنة (٣٢٣) هـ (٩٣٤ م) حاصر مدينة سرقسطة فلم تستسلم، ولذا أقام بإزائها مدينة ارتفع بناؤها أعلى من بناء سرقسطة ذاتها فأصبح ما بداخلها مكشوفاً للمهاجمين (٢). وهذه المدن العسكرية كانت تشحن بالرجال والقواد والعساكر ويتولى أمرها أحد الوزراء (٣).
الحملات العسكرية:
جرت العادة أن تخرج الحملات العسكرية ضد الشمال الأسباني في فصل الصيف (٤)، ولكن يحدث أن تصبح الصائفة شاتية، وذلك إذا اضطر الجيش للبقاء في جبهة القتال مثلما حدث للقائد أحمد بن محمد بن أبي عبد هـ عندما شتى مضطرا سنة (٢٩٧) هـ (٩١٠ م) بأحد جبال كورة
стр. 528
قبره (١)، كما يمكن أن تكون الصائفة متجولة من أجل المحافظة على الأمن والاستقرار (٢).
ولكن يحدث أن تكون هناك شاتية تخرج للشمال، فهذا الحاجب عبد الملك المظفر بن المنصور خرج في شتاء سنة (٣٩٨) هـ (١٠٠٨ م) على "رأس حملة نحو الشمال، وهي الغزوة السادسة من غزواته" (٣).
وعندما عزم شنجول على مواصلة المسيرة العسكرية لأبيه وأخيه خرج في أشد أوقات السنة برودة (٤)، متجهاً إلى جليقية.
والأمر هنا لا يقتصر على صوائف وشواتي، فقد كانت هناك حملات ربيعية وأخرى خريفية (٥)، ومع توالي الحملات العسكرية ضد الشمال الأسباني، بدأت عملية إعمار الثغور الفاصلة بين الطرفين الإسلامي والنصراني، وذلك في أواخر عهد المنصور بن أبي عامر، ويبدو أن عملية الاستيطان هذه كانت من الضخامة والاتساع إلى الحد الذي جعل
стр. 529
المنصور يندم على فعلته، ويتمنى لو تمكن من هدم كل ما عَمّره في منطقة الثغور (١).
وقد سار عبد الملك المظفر بن المنصور على نهج أبيه في إعمار الثغور (٢)، حتى أنه جعل لكل من له رغبة في استيطان الثغور، إثبات اسمه في الديوان، ويتم صرف راتب له مقداره ديناران في الشهر، وله مع ذلك المنزل والمحرث (٣).
стр. 530
وقد كان بنو أمية شديدي الإهتمام بأخبار الثغور ولهم عيون تأتيهم بأنبائها تباعاً، وإذا حدث أن أبطأت الأخبار عنهم فإنه يتم إرسال أحد الثقات ليقف على حقيقة الأمر.
فالأمير محمد بن عبد الرحمن عندما خفيت عليه أخبار الثغر استدعى رجلاً يدعى مطرف بن نصير فأمره باستطلاع الخبر، وضرب له أجلاً مقداره أربعة عشرة يوماً لا يتجاوزها و إلا ضرب عنقه (١).
وإذا حدث أن هجم العدو على الأراضي الإسلامية، تولى أحد الوزراء مهمة استنفار الناس (٢) كما أن صاحب المدينة يقوم بحشدهم (٣) ولا يؤذن لأحد بالتخلف إلا إن كان صاحب عذر شرعي، أو أغلق عليه باب داره شريطة ألا يغادرها إلا بعد عودة الجيش (٤).
وقد جرت العادة أن تخرج الصوائف في أواخر الربيع وأوائل الصيف، فالخليفة عبد الرحمن الناصر خرج إلى بنبلونه في يوم السبت لأربع عشرة ليلة بقيت من شهر المحرم سنة (٣١٢) هـ (مايو (٩٢٤) م) وذلك بسبب اعتداء البشكنس على بني لب وبني ذي النون بحصن بقبره (٥).
стр. 531
وبصفة عامة فإن الحملات العسكرية الضخمة لا تخرج إلا بعد إعداد مسبق لها، فالصوائف يبدأ التجهيز لها في شهر يونيه (١)، بعد أن تدرس الحالة الإقتصادية في الأقاليم التي سوف يمر عليها الجيش، وبالذات المحصولات، إذ أن الجيش كان يعتمد عليها في تمويله، يدل على ذلك أن السنوات التي يعم فيها القحط لا تكون فيها صائفة (٢).
ويبدو أن المنصور بن أبي عامر قد فطن لهذا الوضع، فعمل على تجاوز تلك الحالات الطارئة التي سيحول وقوعها دون قيامه بغزواته، لأجل ذلك قام بإنشاء مستودعات ضخمة خزّن فيها المحاصيل، ولم يكتف بذلك بل كان يستغل سنوات الخصب فيشتري كميات ضخمة منها، ويدخلها في تلك المستودعات بالإضافة إلى ما يأمر بزراعته من الشعير (٣).
стр. 532
وبعد أن تؤخذ كافة الاستعدادات، ترسل الوفود إلى جميع كور الأندلس للإستنفار وارتباط الخيل وتهيئتها للمشاركة، وتقرأ كتب الاستنفار على المنابر جمعاً متتالية حتى تثوب نفوس الناس وتتحرك للجهاد (١)، وهناك اهتمام خاص بأهل الثغر الأعلى وذلك لقربهم من بلاد الحرب وتعودهم على مصادمة رجالهم، وللطبيعة الجبلية التي خبروها، ولذا، فإن الأمير أو الخليفة يبعث إلى عمال الثغر بضرورة الاستعداد للخروج والاشتراك مع الجيش القادم من قرطبة بمجرد اقترابه من جبهة القتال (٢).
ورغم كل هذه الاستعدادات التي دأب الجيش الأموي بالأندلس على الأخذ بها عند تحركه للصائفة، نجد المنصور بن أبي عامر يقوم بجهد خاص لتوفير الخيول لرجاله، ففي الصائفة الأخيرة التي قادها سنة (٣٩٢) هـ (١٠٠٢ م) أنفذ كتبه إلى سائر النواحي استدعى فيها جميع المترجلين من فرسان الجند وأمرهم بالوصول إلى بابه ليشرف على إركابهم بنفسه. وبعد أمن لهم ما يلزم من الخيل، خرج بالصائفة وقاد معه سبعمائة رأس من الخيل للطوارئ، واتخذ من عتاق الخيل خمسين رأساً لركابه، وترك في قرطبة ألف رأس من الخيل، ورغم ذلك استمر في عملية ابتياع
стр. 533
الخيل، فوصل مدينة سالم ومعه ألف رأس من الخيل زائدة عن حاجة الجيش (١).
مراسم وداع الحملات:
وبعد أن يقرر الأمير أو الخليفة الخروج بالصائفة، يبرز لها في مكان محدد يعرف بفحص شقنده " Seconda" أو صحراء الربض بفج المائدة المطل على باب قرطبة الجنوبي (٢)، لكن الخليفة عبد الرحمن الناصر ترك البروز في هذا المكان (٣)، واتخذ عوضاً عنه مكاناً آخر يقع إلى الشمال من نهر الوادي الكبير بالطرف الشرقي من قرطبة، يعرف بمضرب أو مضطرب فحص السرادق (٤).
وهذا البروز هو بمثابة الإعلان الرسمي عن الحملة، وقد وصف ابن حيان فترة البروز هذه بالطول (٥)، فقد تستغرق مدة شهر (٦)، أو أكثر (٧)، يقوم الأمير أو الخليفة خلالها باستعراض الجند المتوافدين على الفحص
стр. 534
من كافة أنحاء الأندلس، حتى وإن كان لن يقود الحملة حرصاً منه للوقوف على مدى استعداد الجند للحملة.
وعندما وصف ابن حيان بروز الخليفة عبد الرحمن الناصر، ذكر أنه برز "دارعاً مستلثماً متقلداً سيفه، راكباً لأشقر معروف بالعتق، من جياد المقرنات، قد حفَّته قواده وكتائبه معبأة أحسن تعبئة" (١).
وإن تعذر خروج الخليفة مع الجيش، اكتفى بالجلوس على السطح فوق باب السدة في قصر قرطبة، لمشاهدة مسيرة الجيش، فإذا مر الجيش من أمام الخليفة، رفع يديه إلى السماء يدعو الله تعالى أن ينصرهم ويمنحهم السلامة، ولا ينزل يديه إلا بعد أن يغيب الجيش عن بيوت قرطبة، ويكون إلى جانبه ولي عهده يفعل مثل فعله (٢).
وأما الحاجب عبد الملك المظفر فقد برز وهو "شاكي السلاح في درع جديدة سابغة وعلى رأسه بيضة حديد مثمنة الشكل مذهبة شديدة الشعاع وقد اصطفت القواد والموالي والغلمان الخاصة في أحسن تعبئة فساروا أمامه وقد تكنفه الوزراء الغازون معه (٣) "، وقد جرت العادة أن يتجمع أهل قرطبة كبيرهم وصغيرهم ذكرهم وأنثاهم لمشاهدة بروز الخليفة أو غيره حيث يصبح ذلك البروز مجال حديثهم أياماً عديدة (٤).
стр. 535
وبعد أن تكتمل الاستعدادات، ويتم عقد الألوية وفق الرسوم المتعارف عليها، ينطلق الجيش بقيادة الأمير أو الخليفة أو من ينوب عنهما إلى الجهة المتفق عليها، ويكون موعد الخروج بالحملة سراً لا يعرفه إلا كبار المسئولين فقط، وحتى الجهة التي سيتوجه الجيش إليها لا يعرفها إلا القادة، ففي أول غزوة للخليفة عبد الرحمن الناصر وهي مُونش سنة (٣٠٨) هـ (٩٢٠ م) والتي كانت بالأصل موجهة إلى ألبة والقلاع، خرج من قرطبة ومر بمدينة الفرج "وادي الحجارة Guadalajara" وبعدها وصل مدينة سالم، وتظاهر بأنه يريد الثغر الأعلى، لكنه فجأة عرَّج على طريق ألبة والقلاع وواصل سيره حتى بلغ هدفه (١).
والصائفة تخرج من قرطبة وتسلك الطريق المارة بطليطلة، ومنها إلى وادي الحجارة ثم إلى مدينة سالم ومنها إلى منطقة الثغر الأعلى، وبعدها تسير إلى محاربة النافار وقاعدتهم ببنبلونه أو تسير إلى ألبة والقلاع ومنها لمحاربة مملكة ليون (٢).
ورغم أن هذه الطريق أصبحت المسار المعتاد للصوائف المتجهة إلى الشمال النصراني، إلا أن القائد البراء بن مالك سار سنة (٢٦٤) هـ (٨٧٧ م) إلى جليقية من ناحية الغرب أي من باب قلمريه " Golimbra" وقد حالفه التوفيق في حملته هذه (٣)، وفي سنة (٢٦٦) هـ (٨٧٩ م) جرت
стр. 536
محاولة غزو جليقيه من ناحية المحيط الأطلسي، وكان القائد عبد الملك بن عبد الله بن محمد بن عبد الحميد بن مغيث، ورغم الأموال الطائلة التي صرفت على هذه الحملة والبروز الفخم الذي ظهر به القائد إلا أن الحملة فشلت نتيجة لغرق الكثير من المراكب بمن فيها بالمحيط (١).
وفي سنة (٣١٢) هـ (٩٢٤ م) نجد الخليفة عبد الرحمن الناصر عندما خرج بالحملة ضد بنبلونه نراه يسلك طريقاً شرقياً، فقد اتجه أولاً إلى تدمير ومن ثم بلنسيه وبعدهما وصل إلى تطلية، فسيطر على حصن قَلهرة، ثم أمر بهدمه وتوغل في مملكة النافار (٢).
وفي المعركة يكون مكان القائد العام للجيش القلب (٣)، ويكون أثناء المعركة تحت المظل الخاص به، ومعه وجوه أهل الدولة (٤)، ويكون موقع المظل على تل أو ربوة مرتفعة، حتى يتمكن من الإشراف على المعركة أثناء سيرها، ويوجه قواته وفق محريات أحداثها (٥).
стр. 537
وقد اعتاد بنو أمية ألا يحاربوا مناوئيهم إلا بعد إنذارهم، وذلك بإخراج الرسل والأمناء إليهم، علهم يفلحوا في إعادتهم إلى الطاعة (١)، ولم يكن الأمر يقف عند هذا الحد، بل إن الأوامر تصدر إلى قادة الجيش الأموي بضرورة ملاينة بعض المناوئين وملاطفتهم، والعمل على استمالتهم إلى الطاعة وبذل الوعود الجميلة لهم (٢)، وذلك على الرغم من قدرة الجيش على الفتك بهم.
وبالمقابل نجد أنه بعد انتهاء المعركة التي تجري بين الجيش الأموي والقوات النصرانية، يتم تجميع رؤوس القتلى من النصارى، والتي تبلغ أحياناً حوالي عشرين أو ثلاثين ألف رأس (٣) وبعد أن تجمع تلك الرؤوس عند باب المظل، يصعد المؤذن فوقها ويرفع الأذان (٤)، ويتم بعث جزء من تلك الرؤوس إلى السواحل والثغور ومدينة قرطبة (٥)، ثم يبعث القائد بخطاب الفتح إلى قرطبة، ويكون الخطاب على نظيرين، أحدهما يرسل إلى
стр. 538
الأمير أو الخليفة، والآخر يتلى على المنابر (١) كما تبعث عدة نسخ إلى كافة الكور ليتلى نبأ الانتصار على منابرها.
وتكون كتب الفتوح موشحة توشيحاً خاصاً بها، حيت تتحدث عن قدرة المسلمين وسطوتهم بأعداء الدين، واستباحتهم لهم وقدرتهم عليهم (٢).
وبعد أن يعود الأمير أو الخليفة من الغزو، تعلق الألوية على جدران المحراب بالمسجد الجامع (٣)، ويجلس الخليفة للتهنئة، ويتبارى الشعراء في إلقاء قصائدهم بين يديه، وكلها تثني على حسن بلائه، وتبارك له بالنصر، وتدعوا له بدوام العز وطول البقاء (٤).
وإن كان الجيش بقيادة أحد القادة، جرى له احتفال كبير عند عودته مظفراً، وأشهر احتفال جرى لقائد، هو الاحتفال الذي أقامه الحكم المستنصر بالله للوزير القائد الأعلى غالب بن عبد الرحمن بعد أن عاد من العدوة المغربية ومعه حسن بن قنون وأنصاره وذلك في أوائل شهر المحرم سنة (٣٦٤) هـ (٥) (سبتمبر (٩٧٤) م).
стр. 539
وهناك موظف خاص يتولى تلاوة كتب الفتح، وخطته تعتبر من أدنى الخطط، ومن الذين تولوها أبو محمد عبد الله بن محمد الجهني، ت (٣٩٥) هـ (١) (١٠٠٥ م).
وبمقابل كتب الفتوح نجد أن كتب استنزال العصاة تبعث إلى كافة نواحي الدولة لتتلى على المنابر (٢).
والجيش الأموي امتاز بالانضباط التام، ووصل ذروة ذلك الانضباط في عهد الحاجب المنصور بن أبي عامر، فقد ذكر ابن سماك المالقي (٣) أنه بلغ من شدة المنصور في هذا الأمر أنه إذا استعرض جنده أطرقوا، بل إن خيولهم تمتثلهم، فلا تكثر الصهيل والحمحمه، وحدث في أحد استعراضاته لجنوده، أن أقدم أحد الجنود الذين يقفون في الصفوف الخلفية على سل طرف سيفه عبثاً منه، ظاناً منه أن المنصور لا يراه، فشاء الله تعالى أن وقعت عين المنصور على بريق السيف، فأمر بإحضار الجندي، وبعد أن
стр. 540
عاتبه قليلاً مذكراً إياه بأنه لا يجوز لأحد في مثل هذه المواقف أن يشهر سيفاً إلا بإذنه أمر بضرب عنقه بسيفه وطيف برأسه ونودي عليه بذنبه (١).
وإذا حل العيد والجيش في جبهة القتال، فإن القائد يقيم لجنده مأدبة في صبيحة يوم العيد، وهذا ما كان يفعله الخليفة عبد الرحمن الناصر سواء حل عليه العيد وهو بقرطبة أو في الغزو (٢)، كما أن الأطعمة الزائدة في الجيش والتي يتم الاستيلاء عليها من جراء اكتساح أراضي الأعداء، تجمع ومن ثم تحرق (٣) وذلك لئلا تعيق حركة الجيش، ولمنع الأعداء من الإستفادة منها تحت أي ظرف طارئ.
كذلك يشهد معسكر الجيش في بعض الأحيان إستقبالات رسمية لوفود تطلب الأمان، فالخليفة عبد الرحمن الناصر خرج سنة (٣٢٢) هـ (٩٣٤ م) في غزوة "وخشمة" ناحية سرقسطة، ثم رأى أن يقتحم أراضي بنبلونة لمجاورتها لأراضي الثغر الأعلى الأندلسي، فلما علمت الملكة طوطه "تيودا" ابنة شنير ملكة النافار بما عزم عليه الخليفة أرسلت إليه رسلها طالبة الأمان، فاشترط عليها أن تأتي إليه وتظهر خضوعها له، فامتثلت
стр. 541
لأمره وحضرت لمعسكره، فجرى لها استقبال فاخر، وحقق لها الخليفة مرادها (١).
ولاشك أن الحملات العسكرية بأنواعها، والتي كان الجيش الأموي يقوم بها، كانت تكلف خزينة الدولة الشيء الكثير، ويكفي للدلالة على ذلك أن الخليفة عبد الرحمن الناصر كان يخصص ثلث دخل دولته للصرف على جيشه (٢).
وذكرت بعض المصادر دخلاً آخر مخصص للصرف على الجيش مثل "الناض للحشد" وهي ضريبة لا يستثنى منها أحد من الرعية، ويقدم لنا العذري عند حديثه عن قرطبة وأقاليمها معلومات إقتصادية دقيقة، وبالذات ما يتعلق منها بتلك الضرائب، فإقليم المدَّور " Almodovar Del Rio" الذي يقدم من الناض ثلاثة آلاف وتسعمائة وثمانون مثقالاً، ومن الطبل للعام أربعة آلاف ومائة وأربعون دينار (٣)، وأما إقليم "الهزهاز، فكان يقدم للطبل العام أربعة آلاف وأربعمائة وتسعة وثمانون ديناراً (٤).
وهذه الضرائب -لاشك- بأنها كانت تشكل عبئاً إقتصادياً على الرعية، ولذا، فإن من الأساليب التي اتبعها خلفاء وأمراء بني أمية في التحبب إلى رعاياهم هي إسقاط جزء من تلك الضرائب عنهم، فهذا
стр. 542
الأمير المنذر بن محمد عندما تولى الإمارة أسقط عشر المغارم عن الرعية (١)، كما أن الخليفة الحكم المستنصر اغتنم فرصة شفائه من مرض ألم به سنة (٣٦٤) هـ (٩٧٥ م) فأسقط عن رعيته سدس جميع مغرم الحشد (٢). وفي عهد المنصور بن أبي عامر ازدادت الحملات العسكرية كثافة، وتبع ذلك زيادة هائلة في النفقات اللازمة لإعداد تلك الحملات، فكان الإنفاق يصل أحياناً إلى خمسمائة ألف دينار (٣).
ونختم الحديث عن الجيش بإلقاء الضوء على أهم النتائج، والذي يهمنا في هذه الدراسة الغنائم، فبعد أن تقسم الغنيمة وفق نصوص الشريعة الإسلامية، يقسم الباقي على المقاتلين بطريقة متفاوتة تخضع للرتبة العسكرية والحالة الإجتماعية، وفي سبيل الحصول على سيولة نقدية يسارع الباقي من المقاتلين إلى بيع نصيبه من الغنيمة (٤).
ومن الغنائم: السبي الذي يؤتي به من الإمارات والممالك النصرانية الشمالية، وكان قسم من هذا السبي يوزع على أهل الرباط والفرسان والوفود (٥).
стр. 543
أما الأسرى من النصارى فيحدث أحياناً أن يدعوهم الخليفة للإسلام فإذا أسلموا صيرهم في جملة غلمانه (١)، وفي أحيان أخرى يتم قتل الأسرى في المعسكر أمام الخليفة (٢)، كما يتم إعطاء بعضهم لبعض الأسر المسلمة ليفادوا بهم أسراهم الذين وقعوا في أيدي النصارى (٣).
وأما الأسرى من المسلمين فهناك عدة أساليب لإطلاق سراحهم فبالإضافة إلى مبادلتهم بالأسرى النصارى، نجد الدولة تعطي أهل الأسير المسلم مبلغاً من المال لفدائه (٤)، وإن كان الواقع في الأسر أحد الشخصيات المهمة في الدولة، تولت حكومة قرطبة دفع فدائه، فالوزير القائد هاشم بن عبد العزيز عندما وقع أسيراً لدى ألفونسو الثالث بن أردون الأول ملك اشتوريس سنة (٢٦٢) هـ (٥) (٧٨٧ م) مكث سنتين في أسره، دفع الأمير محمد مبلغ مائة وخمسين ألف ديناراً فداءاً له (٦)، ويبدوا أن فداء الأسير المسلم إذا كان من ذوي الفئة الاجتماعية المتوسطة لا يتجاوز خمسة آلاف دينار، يدل على ذلك ما ورد لدى ابن الفرضي في ترجمته للقاضي عمر بن يوسف الأموى قاضي تطيلة "من سنة ٣٢٥ -
стр. 544
٣٣٧ هـ (٩٣٧ - (٩٤٨) م) "أنه وقع بالأسر هو وابنه وأخوه فتم دفع خمسة عشر ألف دينار نظير إطلاق سراحهم (١).
وفضلا عما سبق، فإن الأساليب التي يتم بموجبها إطلاق سراح الأسرى المسلمين، أن أمراء وخلفاء بني أمية بالأندلس عرف عنهم أن أعظم هدية يقدمها لهم ملوك نصارى الشمال هي إطلاق مجموعة من الأسرى المسلمين، من ذلك أن القومس بون فلي بن سندريط Sinderedo وصل إلى قرطبة سفيراً من قبل بريل بن شنير حاكم برشلونة، وذلك في نهاية شعبان سنة (٣٦٠) هـ (٩٧١ م) وتقرب إلى الخليفة الحكم المستنصر بتقديم هديته التي هي عبارة عن ثلاثين أسيراً مسلماً مابين ذكر وأنثى وذلك لعلمه أن هذه الهدية هي أفضل مايبتهج به الخليفة ويكافئ عليه (٢).
стр. 545
خطة الأسطول (١)
إن المتأمل في جغرافية الأندلس، يدرك أن لامناص لأهلها من توجيه العناية التامة بالبحر وما يتعلق به، سواء تم ذلك بتنظيم رسمي أو شعبي. ورغم وجود كافة الدوافع الضرورية الكفيلة بقيام بحرية قوية في الأندلس إلا أن الدولة الأموية في بداية عهدها لم تلق بالاً لهذه المسألة، فلا نجد أثراً لأسطول بحري منظم، يكون مكملاً للقوة البرية الدولية (٢).
إلا أن ذلك لا يعني أن الأندلس كانت في عهد الولاة خالية من مراكب بحرية تجري بين العدوتين، يدل على ذلك أن بلج بن بشر القشيري عندما أراد دخول الأندلس، أنشأ قوارب واستعان ببعض مراكب البحارة وبذلك تمكن من دخول الأندلس (٣). كما أن المركب الذي أوصل الأمير عبد الرحمن الداخل الأندلس، كانت تحت قيادة رجل يدعى أبا فريعة، كان له بصر في ركوب البحر (٤)، وهذا مما يدل على وجود رجال ذوي خبرة في المجال البحري.
стр. 546
ويبدو أن هناك أسباباً حالت دون قيام أمراء قرطبة بإنشاء قوة بحرية تحمي سواحل إماراتهم، فالمتصفح لعهد الأمير عبد الرحمن الداخل، على سبيل المثال، يجد أنه مليء بالفتن الداخلية والحروب الخارجية، وهذه المشاكل استمرت طيلة عهده، ولا يخفى ما لمثل هذه المشاكل من أثر سيء على التنمية الداخلية لأي دولة كانت.
يضاف إلى ذلك أن الممالك والأمارات النصرانية الشمالية المجاورة للدولة الأموية بالأندلس، لم تكن لها سمعة في المجال البحري، حتى يحسب الأمويون حسابها، في حين أن السواحل الجنوبية كانت تطل على بلاد إسلامية، لذا أمن الأمويون من المخاطر التي تأتيهم عن طريق السواحل. هذه الأسباب تضافرت فيما بينها، لتقف حائلاً دون التبكير في قيام قوة أموية بحرية.
لكن هناك خبر أورده شكيب أرسلان ذكر فيه: أن الأمير عبد الرحمن الداخل قد بث الحركة والحيوية في مراسي طركونة (١) وطرطوشة وقرطاجنة واشبيلية والمريه وغيرها (٢).
стр. 547
ومهما يكن من ملاحظات على هذا الخبر (١)، إلا أنه يفيد أن بني أمية بقرطبة كانوا مدركين لأهمية التكامل بين القوتين البرية والبحرية، وأنهم كانوا بانتظار الفرصة المناسبة لايجاد التوازن بينهما من خلال إنشاء أسطول بحري يحمية سواحل بلادهم.
وأما ما ذهب إليه بعض المختصين بالدراسات الأندلسية، من أن التقارب بين أمراء قرطبة وأباطرة بيزنطة، واشتراكهم في معاداة العباسيين، قد طمأن بني أمية بأن سواحلهم في مأمن من أي هجوم طارئ (٢)، فهي وجهة نظر لا يمكن الأخذ بها، إذ لم تورد المصادر التاريخية ما يدل على قيام أي من الأمويين أو البيزنطيين بعمل عسكري ضد العباسيين لصالح الطرف الآخر.
وإذا كانت دولة بني أمية بالأندلس قد تأخرت في إنشاء أسطول بحري منظم، فإن ذلك لم يحل دون قيام جماعات بحرية، كان لها حضوراً مميزاً في المجال البحري، أثبتت فيه كفاءتها القتالية، وأصبحت حامية
стр. 548
للسواحل الشرقية للأندلس، بل إنها كانت تقوم بمهاجمة موانئ الإمبراطورية الفرنجية (١).
وبقدر ما كان الساحل الشرقي للأندلس يعج بالحركة وتحميه المراكب، إلا أن الساحل الغربي كان مكشوفاً لا حماية له، بل إن وضع البحرية الأموية في الأندلس ككل انكشف عند هجوم سفن النورمانديين على الأندلس.
ففي يوم الأربعاء أول ذي الحجة سنة (٢٢٩) هـ (٢) (٢٠ أغسطس (٨٤٤) م) ظهرت أمام سواحل اشبونة، مراكب الغزاة النورمانديين، فسارع عاملها وهب الله بن حزم بإرسال كتاب إلى الأمير عبد الرحمن الأوسط ذكر فيه أنه حل بالساحل قبلة أربعة وخمسون مركباً من مراكب المجوس (٣)، معها أربعة وخمسون قارباً (٤)، فكتب إليه الأمير عبد الرحمن الأوسط وإلى كافة عمال السواحل يأمرهم بالتحفظ وأخذ الحيطة اتقاء
стр. 549
شر المفاجآت، إلا أن النورمنديين هاجموا إشبونه لكنهم اضطروا لمغادرتها نتيجة المقاومة العنيفة من أهلها (١) فسارت مراكب النورمانديين إلى الجنوب بمحاذاة الساحل، فدخل بعضها قادش وبعضها شذونه (٢)، ولكن معظم المراكب تجمعت عند مدخل الوادي الكبير، حيث تقدمت نحو اشبيلية، فاحتلوا جزيرة قبطيل (٣) " Cabtel" في اليوم الثامن من شهر محرم سنة (٢٣٠) هـ (سبتمبر (٨٤٤) م) ونظراً لما تمتاز به هذه الجزيرة من وفرة الخيرات (٤) فقد تحصن بها النورمانديين، واتخذوا منها مركزاً لانطلاق هجماتهم على اشبيلية، وبعد ثلاثة أيام دخلوا قرية قورية " Coria Del Rio" الواقعة على بعد اثنى عشر ميلاً من اشبيلية، وذلك في يوم الاثنين الثاني عشر من محرم، وفي اليوم الثالث عشر دخلوا قرية طلياطه (٥)
стр. 550
" Tliata" فارتج أهلها وأخلوها إلى جبالها وإلى قرمونة (١)، وفي يوم الأربعاء الرابع عشر من محرم سنة (٢٣٠) هـ (٢) (سبتمبر (٨٤٤) م) وصل النورمانديون اشبيلية في مراكبهم ذات الأشرعة السود التي "كأنما ملأت البحر طيراً جوناً كما ملأت القلوب شجواً وشجوناً (٣) " فدخلوا اشبيلية وقتلوا من المسلمين أعداداً كبيرة، وأقاموا فيها بقية يومهم ثم غادروها من الغد (٤).
بعد هذه الأحداث وصلت القوات الأموية، قادمة من قرطبة وعلى رأسها أربعة قادة من كبار رجالات الأمير عبد الرحمن الأوسط (٥)، فنزلوا بمن معهم في موضع يقال له مشدوم، يقع شرقي اشبيلية وجرت معركة بينهم وبين النورمان قتل فيها منهم نحو سبعين رجلاً، ثم انهزموا ولجأوا إلى مراكبهم، فأحجم قادة الجيش الأموي عن مطاردتهم مكتفين بما ألحقوه بهم من هزيمة سريعة (٦)، فغضب الأمير عبد الرحمن من تصرفهم وأمرهم بالعودة إلى قرطبة وأرسل قوة عسكرية بقيادة محمد بن سعيد بن رستم
стр. 551
ومعه بعض الوزراء ومن توافد على قرطبة من رجال الكور، فنزل الجميع في قرمونة (١)، وقدم موسى بن موسى القسوي بمن معه من رجال الثغر الأعلى (٢) بعد أن استنجد به الأمير عبد الرحمن للمساهمة في دفع أولئك النورمانيين، وقد ذكر ابن القوطية، الذي انفرد بذكر مشاركة موسى في قتال النورمانيين، أن موسى عندما وصل إلى قرمونة لم يختلط بقوات الإمارة، بل انعزل جانباً (٣)، رغبة منه في عدم الوقوف تحت راية نصر الفني كبير رجال قصر الأمير عبد الرحمن الأوسط (٤).
واجتمع موسى بالوزراء قادة الجيش الأموي وعلى ضوء المعلومات المتوفرة وضع خطة عسكرية محكمة، فتمكن المسلمون من طرد النورمانديين من اشبيلية (٥)، وفرضوا عليهم حصاراً قوياً في طلياطه التي لجأوا إليها، وتم نصب المجانيق على جانبي الوادي الكبير، فقتل من الغزاة نحو خمسمائة (٦)، بما فيهم قائدهم (٧)، فلاذ باقيهم بالفرار بعد أن وصلت
стр. 552
قوات إضافية حكومية، حيث واصل من نجا من النورمانديين فرارهم نحو أشبونه، ومنها عادوا أدراجهم إلى مواطنهم الأولى (١).
وهناك مجموعة من الغزاة لم تتمكن من الرحيل إلى بلادها، ولذا فقد تحصنوا في جزيرة قبطيل، فحاصرهم القائد ابن رستم فاستسلموا، ودعاهم إلى الدخول في الإسلام فاستجابوا، واستقروا في جنوب مدينة اشبيلية، واشتغلوا بتربية الماشية، وذاعت شهرتهم بصناعة اللبان وأجود أنواع الجبن (٢).
ولقد استوعب الأمير عبد الرحمن الأوسط الدرس الذي لقنه إياه النورمانديون، فأصدر أوامره بتسوير إشبيلية، وكان صدور هذا القرار بمشورة من الفقيه عبد الملك بن حبيب الذي كتب للأمير عبد الرحمن، وكان في ذلك الوقت مشتغلاً بزيارة جامع قرطبة .. " إن بنيان سور اشبيلية وتحصينها أوكد عليه من بنيان الزيادة في المسجد الجامع (٣) " ثم أصدر قراراً آخر يقضي بتحصين السواحل الغربية والجنوبية الغربية للأندلس فأنشأت الرباطات والمحارس من اشبونة إلى إلى أرقش، وتسابق
стр. 553
المجاهدون في سبيل الله إلى سكني تلك الأربطه والمحارس حفاظاً على أرواح المسلمين (١).
وذكر ابن القوطية أن الأمير عبد الرحمن الأوسط قد أصدر أوامره بإنشاء دار صناعة بإشبيلية (٢) وبالرغم من أهمية هذا الخبر، إلا أنه يجب أن نأخذه بحذر، إذ أنه يتعارض مع خبر سابق أورده ابن القوطية نفسه، وذلك عندما ذكر أن سارة القوطية بنت المند قد أنشأت مركباً بإشبيلية، وذهبت به إلى الشام، حيث قابلت الخليفة هشام بن عبد الملك بدمشق ورفعت إليه ظلامتها بسبب اعتداء عمها ارطباس عليها (٣)، ومن خلال هذا الخبر يمكن القول بأن داراً للصناعة بإشبيلية كانت قائمة قبل بني أمية إلا أنها تعطلت لسبب من الأسباب وظلت كذلك حتى أعاد الأمير عبد الرحمن الأوسط تشغيلها مرة ثانية فنسبت إليه (٤). كما وجه الأمير عبد الرحمن الأوسط عنايته لثغر طرطوشة، واتخذ منها قاعدة من قواعد الأسطول التابع لإمارته، ومن أجل ترغيب رجال البحر الأندلسيين المتواجدين بالقرب من ذلك الثغر، فقد أمد عامله على طرطوشة عبيد الله بن يحيى بن خالد بالأموال والجند، وبتشجيع من الأمير قام العامل بإجراء القطائع على المرابطين بالساحل لديه، كما صرف لهم الرواتب والنفقات
стр. 554
والعلوفات مما في يده من مال إمارة قرطبة (١)، كل هذا ترغيباً من الأمير عبد الرحمن الأوسط لرجال البحر الأندلسيين للعمل بقواته واستعانة منه بخبرتهم البحرية لإدارة أسطوله الناشئ.
ومما يدل على وعي الأمير عبد الرحمن الأوسط في كيفية انتقاء الرجال، أنه استفاد من تجربة أسلافه بالمشرق عند إنشائهم للبحرية هناك (٢). فكما أن الأمويين في الشام اعتمدوا على القبائل اليمنية في هذا المجال، نجد الأمير عبد الرحمن الأوسط يعمد إلى جماعة من بني سراج القضاعين نزلوا في بسيط ساحل يعرف ببجانة Pichina يقع بالقرب من مصب وادي أندرش Rio Andarax شرقي المرية فيكلفهم بالمرابطة على الساحل وحراسته ضد أي اعتداء خارجي (٣)، وقد عُرفت المنطقة التي أصبحت تحت حماية بني سراج بـ"أرش اليمن أي أعطيتهم ونحلتهم (٤) " فهم يستثمرون المنطقة ويتمتعون بخراجها مقابل حمايتهم للساحل.
وقد شهدت البحرية الأموية في الأندلس تطوراً كبيراً في عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط مما مكنها من تحقيق حضور قوي في عدة ميادين
стр. 555
ححربية لعل من أهمها ما وقع سنة (٢٣٤) هـ (٨٤٨ م) عندما توجه الأسطول البحري الأموي المكون من ثلاثمائة سفينة لتأديب أهل جزيرتي ميورقة ومنورقة وفي ذلك يقول ابن حيان عند حديثه عن أحداث هذه السنة "وفيها أغزى الأمير عبد الرحمن أسطولاً من ثلاثمائة مركب إلى أهل جزيرتي ميورقة ومنورقه لنقضهم العهد وإضرارهم بمن يمر إليهم من مراكب المسلمين ففتح الله للمسلمين عليهم وأظفرهم بهم فأصابوا سباياهم وفتحوا أكبر جزائرهم (١) ".
وعندما تولى الإمارة الأمير محمد بن عبد الرحمن سار على نهج والده في ضرورة الاستعداد البحري الدائم فأخذ يقوي أساطيله حتى أنه أنشأ سبعمائة غراب (٢) فأصبحت القطع البحرية تقوم بما يمكن تسميته بوحدات دورية تقوم بمهام خفر السواحل إذ أنها تمسح السواحل المطلة على البحر المتوسط والمحيط إلى سواحل جليقية جيئة وذهاباً ترقباً لوصول أي غزاة.
ولذا عندما قام النورمانديون بهجومهم الثاني على السواحل الأندلسية سنة (٢٤٥) هـ (٨٥٩ م) وجدوا البحر محروساً ومراكب الأمير محمد فيه جارية مابين حائط أفرنجية في الشرق إلى أقصى حائط غليسية في الغرب (٣) وجرت صدامات عسكرية حاول فيها الغزاة تكرار فعلتهم
стр. 556
الأولى، لكنهم لم ينجحوا رغم استشهاد بعض المسلمين بسببهم (١)، فعاد الغزاة أدراجهم من حيث قدموا بعد أن خسروا بعض مراكبهم وعدد من مقاتليهم (٢).
وقد ورد لدى ابن حيان (٣) والعذري (٤) أن مراكب النورمانديين ظهرت في سنة (٢٤٧) هـ (٨٦١ م) قبالة الساحل الأندلسي وبالتحديد بالقرب من الجزيرة الخضراء لكنهم وجدوا السواحل تخضع لحراسة مشددة كما أن أمواج البحر حطمت لهم أربعة عشر مركباً، فآيسوا من غزوتهم هذه ولذا سارعوا بالعودة من حيث أتوا.
وبصفة عامة، فقد اشتدت الرقابة على السواحل الأندلسية بحيث يتم رقع كل خبر عنها صغير أو كبير إلى الأمير محمد بن عبد الرحمن، بل لقد بلغ الأمر بعامل بجانه عمر بن أسود الغساني أن رجاله وجدوا بالقرب من الساحل خشبة فأخذوها، فكتب العامل كتاباً بخبرها وطولها وعرضها ورفعه للأمير محمد، الذي شكر لعامله مدى استقصائه في ضبط ثغره
стр. 557
والاهتمام بما يوكل إليه (١)، وأورد الحميري في روضه (٢) تفصيلات مهمة في هذا المجال فقد ذكر أن حكومة بني أمية بقرطبة ماكانت تسمح لأحد بمغادرة الأندلس إلا بسراح أي تصريح رسمي ولا تأذن لأحد بالدخول إلى البلاد إلا بعد أن يعرف من هو ولماذا هو قادم ومن أين أتى وإذا وجد قارب يزيد طوله على اثني عشر ذراعاً ممسوح العجز نقض ورد إلى الطول المسموح به وهو اثني عشر ذراعاً مما يدل على أن هناك شكل مميز للقارب الأندلسي.
هذه الصرامة في ضبط السواحل ضمنت للأندلس الأمان من أي طارق يأتي عن طريق البحر من أي جهة كانت ولم يركن الأمير محمد بن عبد الرحمن الذي امتاز باليقظة وترك الدعه إلى هذه الإحتياطات فقد أقام داراً للصناعة في قرطبة وعقد لواءاً لقائده عبد الملك بن عبد الله بن محمد بن عبد الحميد بن مغيث سنة (٢٦٦) هـ (٨٧٩ م) وذلك لغزو جليقية من ناحية المحيط الأطلسي، ورغم الأموال التي بُذلت على هذه الحملة والبروز الفخم الذي برز فيه القائد ابن مغيث والذي يصفه ابن حيان بأنه أفخم
стр. 558
خروج خرج به قائد من قرطبة (١) إلا أن الحملة فشلت نتيجة لغرق الكثير من المراكب بمن فيها في المحيط ونجا القائد ابن مغيث مع بعض رجاله (٢).
ومن الدلائل الأكيدة على قوة البحرية الأموية في الأندلس في عهد الأمير عبد الله بن محمد يقامها بإخضاع جزر البليار لسيطرة حكومة قرطبة، إذ يبدو أن أهل تلك الجزر قد نقضوا عهداً سبق إبرامه بينهم وبين المسلمين (٣) ومما تجدر الإشارة إليه هنا أن فتح جزر البليار على عهد الأمير عبد الله جاء نتيجة دراسة دقيقة قام بها عصام الخولاني (٤) الذي نجح بعد عودته إلى الأندلس في إقناع الأمير عبد الله بضرورة فتحها فاقتنع بكلامه "وبعث معه القطائع في البحر ونفَّر الناس معه إلى الجهاد (٥) "فاتجه عصام سنة " (٢٩٠) هـ (٩٠٢ م) " على رأس أسطول معظم أفراده من المتطوعين
стр. 559
والمرابطين على السواحل الشرقية للأندلس، فحاصرتها هذه القوات عدة أيام وأتمت فتحها حصناً حصناً (١).
ويجدر بنا قبل أن ننهي الحديث عن البحرية في الأندلس في عهد الإمارة أن نشير بصورة سريعة إلى النشاط البحري في بجانة فقد شهدت المدة الأخيرة من عصر الأمير محمد بن عبد الرحمن قيام قوة بحرية في بجانة شرقي وادي أرش اليمن (٢) فخططوا مدينة بجانه على مثال قرطبة وطردوا منها مشاهير العرب (٣)، بعد أن استمالوا العناصر المحلية مستغلين في ذلك سوء التفاهم الذي جرى بين أولئك العرب والمحليين (٤) ويذكر الحميري أن هؤلاء البحريين استأذنوا الأمير محمد بن عبد الرحمن في أن يعقد لرجل منهم يتولى رئاسة بجانة وذلك سنة (٢٧٦) هـ (٨٨٩ م) (٥) فوافق على اقتراحهم والشيء الملاحظ أن التاريخ الذي ورد جاء بعد وفاة الأمير محمد إذ أنه توفي سنة (٢٧٣) هـ لكن لعل الصواب أن الحادثة جرت سنة
стр. 560
٢٧١ هـ (١) وأما الموافقة على الاقتراح الذي تقدم به بحريو بجانه والذي يعني تمتعهم بحكم ذاتي يكفل لهم تقدير خضوع اسمي فقط لحكومة قرطبة، فقد جاء نتيجة وقوع حكومة قرطبة تحت ظروف طائلة لا يتيح لها فرصة الاختيار (٢)، وقد ظلت بجانة متمتعة في ظل رجالها البحريين بحكم ذاتي وتعاقب على رئاستها عدة ولاة لا دور لحكومة قرطبة في تعيينهم سوى العقد لهم (٣) إلى أن تمكن الخليفة عبد الرحمن الناصر من إخضاعها لسيطرة قرطبة وإنها الحكم الذاتي وذلك عندما عين محمد بن رماحس والياً عليها من قبله دونما اقتراح من أهل بجانة وذلك سنة (٣٢٨) هـ (٩٣٩ م) (٤).
стр. 561
البحرية الأموية في عصر الخلافة
عندما بويع الأمير عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بالإمارة سنة (٣٠٠) هـ (٩١٢ م) كانت الأندلس تعج بالفتن والاضطرابات في كافة أرجائها، ومما جعل الأمر يزداد سوءاً بالنسبة له، هو قيام الدولة العبيدية في إفريقية على انقاض الدولة الأغلبية سنة (٢٩٦) هـ (١) (٩٠٩ م)، ومكمن الخطورة هنا يتمثل في أن العبيديين ورثوا الأسطول البحري للأغالبة، وهو أسطول كان له مجده وحضوره المميز في البحر الأبيض المتوسط وجزائره إبان عهد الأغالبة (٢).
وقد جرى اتصال بين ابن حفصون المتمرد في الجنوب الأندلسي، وبين عبيد الله المهدي الخليفة العبيدي، تأصلت على إثر ذلك العلاقات بين الطرفين (٣)، وأصبحت مراكب ابن حفصون تصل إليه قادمة بالميرة من العدوة المغربية، حتى أن الأمير عبد الرحمن بن محمد عندما دخل الجزيرة الخضراء يوم الخميس لأربع خلون من ذي القعدة سنة (٣٠١) هـ (يونيو (٩١٤) م) وافق دخوله الجزيرة وصول عدة مراكب لعمر بن حفصون قادمة من العدوة المغربية وهي تحمل الميرة إليه، فلما عرفوا بخبر الناصر هربوا
стр. 562
بمراكبهم إلى عرض البحر، فأدركهم رجال الناصر وأعادوهم إلى الجزيرة الخضراء، حيث تم إحراق تلك المراكب جميعاً أمامه (١).
هذه الحادثة جعلت الأمير الأموي يدرك أهمية البحر، فاستعد للأمر، وأخذ يعمل بجد على ضبط سواحل دولته وفرض كلمته على المياه المحيطة بها، لأجل ذلك قام باستقدام الكثير من قطع الأسطول الأموي المرابطة بمالقة واشبيلية وغيرهما، فحضرت إليه فجعل بعضها ترابط قبالة ساحل الجزيرة الخضراء وهي مستعدة بالرجال وقوارير النفط والآلات الحربية الخاصة بالبحر، كما أمر القسم الباقي من رجال الأسطول الأموي من عرفاء بحريين ونواتيه بالدخول إلى مراكبهم، والقيام برحلات دورية على طول الساحل الجنوبي الشرقي للأندلس، وذلك من ساحل الجزيرة الخضراء وحتى ساحل تدمير (٢)، وبهذا الإجراء أصبحت المراكب لا تستطيع أن تسخدم المرافئ البحرية الأندلسية إلا إن كانت تدين بالطاعة لحكومة قرطبة (٣).
وقد ذكر الحميري أنه كان في الجزيرة الخضراء "دار صناعة بناها عبد الرحمن بن محمد أمير المؤمنين للأساطيل، وأتقن بناءها وعالي
стр. 563
أسوارها" (١)، ويبدو أن السبب في إقامة هذه الدار في الجزيرة راجع إلى أن مرساها أيسر المراسي للجواز وأقربها من بر العدوة (٢)، ولتقف بقوة أمام دار الصناعة الضخمة التي أقامها عبيد الله المهدي في المهدية (٣).
واجتهد الأمير الأموي بتقوية أساطيله، وبلغ به الأمر أنه كان لا يترك لعمال دور الصناعة فرصة للراحة (٤) كما اهتم ببجانة وأسطولها البحري (٥)، وبواسطة القوة البحرية التي طورها سواء في الجزيرة الخضراء أو غيرها، تمكن من الاستيلاء على بعض ثغور ساحل العدوة المغربية المقابل للسواحل الأندلسية، فبسط نفوذه على مليله سنة (٣١٤) هـ (٦) (٩٢٦ م) وعلى سبته في يوم الجمعة صدر ربيع الأول سنة (٣١٩) هـ (مارس (٩٣١) م).
وعندا استنجد موسى بن أبي الغفافية بالخليفة عبد الرحمن الناصر، ليمده بقوة عسكرية تمكنه من القبض على الحسن بن عيسى بن أبي العيش، بعث إليه الخليفة بقوة عسكرية غادرت إلى مياه العدوة المغربية بواسطة الأسطول الأندلسي، وذلك في يوم السبت لليلتين خلتا من
стр. 564
جمادى الأولى سنة (٣١٩) هـ (١) (مايو (٩٣١) م) وقد وصف ذلك الأسطول بأنه أفخم أسطول أجراه ملك من قبل، فقطعه متكاملة وعدده متواترة، انتهى عدد قطعه إلى مائة وعشرين قطعة، مع الحمالة والفتاشة وقوارب الخدمة، وكان عدة من ركبه نحو سبعة آلاف رجل، خمسة آلاف من البحريين، وألف من الحشم، وغزا فيه من وجوه أهل بجانة والمرية تطوعاً في مراكبهم تسعة رجال (٢) وتولى قيادة الأسطول أحمد بن محمد بن إلياس، وسعيد بن يونس بن سعديل (٣).
وبعد ذلك أخذت مرافئ العدوة المغربية تخضع تباعاً لكلمة الخليفة عبد الرحمن الناصر، وذلك بفضل وجود أساطيل قوية تحت سيطرته وقادة أكفاء ورجال بحر مدربين، ففي سنة (٣٢٢) هـ (٩٣٤ م) اتجه عبد الملك بن سعيد بن حمامة على رأس الأسطول الأموي فأخضع أصيلة (٤)، وفي العاشر من شهر رمضان من العام التالي صدر أمر الخليفة الناصر للقائد ابن أبي حمامة بالتوجه إلى سبتة وطنجه، فسارع بتنفيذ الأوامر رغم أنه كان عند صدور الأمر إليه في سواحل برشلونة يؤدي مهمة عسكرية كان قد
стр. 565
بدأ بها منذ شهر رجب من تلك السنة (١)، فتمكن القائد ابن أبي حمامة من إخضاع طنجه، وظل متردداً بين المرافئ الساحلية للمغربين الأقصر والأوسط إلى أن ضمن خضوعها لحكومة قرطبة ثم عاد إلى الأندلس في شهر صفر سنة (٣٢٤) هـ (يناير (٩٣٦) م) (٢).
هذه المهام الحربية التي كان الأسطول الأموي يقوم بها في الثغور الساحلية للمغربين الأوسط والأقصى، هي في حقيقتها مجابهة حربية مع الأسطول العبيدي، وسيتواصل الاصطدام بين الأسطولين مرات عديدة أفضل إيرادها وفق التسلسل التاريخي لها.
والأحداث التي شهدتها السنوات الأول من عصر الخليفة الناصر لم تجعله يغفل عن حقيقة البحريين في بجانة، وأنهم يعيشون أشبه ما يكون في ظل حكم ذاتي، ولذا قرر الخليفة إزالة هذه الصفة عنهم، ففي سنة (٣٢٨) هـ (٩٣٩ م) أصدر أوامره بتعيين محمد بن رماحس والياً على بجانة (٣)، وفي العام التالي ضمت إلبيرة والمرية إلى نظر محمد بن رماحس بجانب إشرافه على بجانة (٤)، وأصبحت منطلقاً للهجمات البحرية التي كان يشنها محمد بن رماحس، ففي سنة (٣٢٨) هـ (٩٤٠ م) كانت له