البحرية الأموية في عصر الخلافة
عندما بويع الأمير عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بالإمارة سنة (٣٠٠) هـ (٩١٢ م) كانت الأندلس تعج بالفتن والاضطرابات في كافة أرجائها، ومما جعل الأمر يزداد سوءاً بالنسبة له، هو قيام الدولة العبيدية في إفريقية على انقاض الدولة الأغلبية سنة (٢٩٦) هـ (١) (٩٠٩ م)، ومكمن الخطورة هنا يتمثل في أن العبيديين ورثوا الأسطول البحري للأغالبة، وهو أسطول كان له مجده وحضوره المميز في البحر الأبيض المتوسط وجزائره إبان عهد الأغالبة (٢).
وقد جرى اتصال بين ابن حفصون المتمرد في الجنوب الأندلسي، وبين عبيد الله المهدي الخليفة العبيدي، تأصلت على إثر ذلك العلاقات بين الطرفين (٣)، وأصبحت مراكب ابن حفصون تصل إليه قادمة بالميرة من العدوة المغربية، حتى أن الأمير عبد الرحمن بن محمد عندما دخل الجزيرة الخضراء يوم الخميس لأربع خلون من ذي القعدة سنة (٣٠١) هـ (يونيو (٩١٤) م) وافق دخوله الجزيرة وصول عدة مراكب لعمر بن حفصون قادمة من العدوة المغربية وهي تحمل الميرة إليه، فلما عرفوا بخبر الناصر هربوا
стр. 562
بمراكبهم إلى عرض البحر، فأدركهم رجال الناصر وأعادوهم إلى الجزيرة الخضراء، حيث تم إحراق تلك المراكب جميعاً أمامه (١).
هذه الحادثة جعلت الأمير الأموي يدرك أهمية البحر، فاستعد للأمر، وأخذ يعمل بجد على ضبط سواحل دولته وفرض كلمته على المياه المحيطة بها، لأجل ذلك قام باستقدام الكثير من قطع الأسطول الأموي المرابطة بمالقة واشبيلية وغيرهما، فحضرت إليه فجعل بعضها ترابط قبالة ساحل الجزيرة الخضراء وهي مستعدة بالرجال وقوارير النفط والآلات الحربية الخاصة بالبحر، كما أمر القسم الباقي من رجال الأسطول الأموي من عرفاء بحريين ونواتيه بالدخول إلى مراكبهم، والقيام برحلات دورية على طول الساحل الجنوبي الشرقي للأندلس، وذلك من ساحل الجزيرة الخضراء وحتى ساحل تدمير (٢)، وبهذا الإجراء أصبحت المراكب لا تستطيع أن تسخدم المرافئ البحرية الأندلسية إلا إن كانت تدين بالطاعة لحكومة قرطبة (٣).
وقد ذكر الحميري أنه كان في الجزيرة الخضراء "دار صناعة بناها عبد الرحمن بن محمد أمير المؤمنين للأساطيل، وأتقن بناءها وعالي
стр. 563
أسوارها" (١)، ويبدو أن السبب في إقامة هذه الدار في الجزيرة راجع إلى أن مرساها أيسر المراسي للجواز وأقربها من بر العدوة (٢)، ولتقف بقوة أمام دار الصناعة الضخمة التي أقامها عبيد الله المهدي في المهدية (٣).
واجتهد الأمير الأموي بتقوية أساطيله، وبلغ به الأمر أنه كان لا يترك لعمال دور الصناعة فرصة للراحة (٤) كما اهتم ببجانة وأسطولها البحري (٥)، وبواسطة القوة البحرية التي طورها سواء في الجزيرة الخضراء أو غيرها، تمكن من الاستيلاء على بعض ثغور ساحل العدوة المغربية المقابل للسواحل الأندلسية، فبسط نفوذه على مليله سنة (٣١٤) هـ (٦) (٩٢٦ م) وعلى سبته في يوم الجمعة صدر ربيع الأول سنة (٣١٩) هـ (مارس (٩٣١) م).
وعندا استنجد موسى بن أبي الغفافية بالخليفة عبد الرحمن الناصر، ليمده بقوة عسكرية تمكنه من القبض على الحسن بن عيسى بن أبي العيش، بعث إليه الخليفة بقوة عسكرية غادرت إلى مياه العدوة المغربية بواسطة الأسطول الأندلسي، وذلك في يوم السبت لليلتين خلتا من
стр. 564
جمادى الأولى سنة (٣١٩) هـ (١) (مايو (٩٣١) م) وقد وصف ذلك الأسطول بأنه أفخم أسطول أجراه ملك من قبل، فقطعه متكاملة وعدده متواترة، انتهى عدد قطعه إلى مائة وعشرين قطعة، مع الحمالة والفتاشة وقوارب الخدمة، وكان عدة من ركبه نحو سبعة آلاف رجل، خمسة آلاف من البحريين، وألف من الحشم، وغزا فيه من وجوه أهل بجانة والمرية تطوعاً في مراكبهم تسعة رجال (٢) وتولى قيادة الأسطول أحمد بن محمد بن إلياس، وسعيد بن يونس بن سعديل (٣).
وبعد ذلك أخذت مرافئ العدوة المغربية تخضع تباعاً لكلمة الخليفة عبد الرحمن الناصر، وذلك بفضل وجود أساطيل قوية تحت سيطرته وقادة أكفاء ورجال بحر مدربين، ففي سنة (٣٢٢) هـ (٩٣٤ م) اتجه عبد الملك بن سعيد بن حمامة على رأس الأسطول الأموي فأخضع أصيلة (٤)، وفي العاشر من شهر رمضان من العام التالي صدر أمر الخليفة الناصر للقائد ابن أبي حمامة بالتوجه إلى سبتة وطنجه، فسارع بتنفيذ الأوامر رغم أنه كان عند صدور الأمر إليه في سواحل برشلونة يؤدي مهمة عسكرية كان قد
стр. 565
بدأ بها منذ شهر رجب من تلك السنة (١)، فتمكن القائد ابن أبي حمامة من إخضاع طنجه، وظل متردداً بين المرافئ الساحلية للمغربين الأقصر والأوسط إلى أن ضمن خضوعها لحكومة قرطبة ثم عاد إلى الأندلس في شهر صفر سنة (٣٢٤) هـ (يناير (٩٣٦) م) (٢).
هذه المهام الحربية التي كان الأسطول الأموي يقوم بها في الثغور الساحلية للمغربين الأوسط والأقصى، هي في حقيقتها مجابهة حربية مع الأسطول العبيدي، وسيتواصل الاصطدام بين الأسطولين مرات عديدة أفضل إيرادها وفق التسلسل التاريخي لها.
والأحداث التي شهدتها السنوات الأول من عصر الخليفة الناصر لم تجعله يغفل عن حقيقة البحريين في بجانة، وأنهم يعيشون أشبه ما يكون في ظل حكم ذاتي، ولذا قرر الخليفة إزالة هذه الصفة عنهم، ففي سنة (٣٢٨) هـ (٩٣٩ م) أصدر أوامره بتعيين محمد بن رماحس والياً على بجانة (٣)، وفي العام التالي ضمت إلبيرة والمرية إلى نظر محمد بن رماحس بجانب إشرافه على بجانة (٤)، وأصبحت منطلقاً للهجمات البحرية التي كان يشنها محمد بن رماحس، ففي سنة (٣٢٨) هـ (٩٤٠ م) كانت له
стр. 566
حملة بحرية وصل بها إلى أتيورياس (١)، وفي يوم الاثنين (١٢) شوال من سنة (٣٣١) هـ (٢٠ يوليو من سنة (٩٤٣) م) غادر المرية في ثلاثين مركباً وستة شواني غزا بها بلاد الفرنجة (٢)، ثم في سنة (٣٣٢) هـ (٩٤٥ م) قاد حملة بحرية مكونة من خمس عشرة قطعة حربية وشينين وفتاش ضد بني محمد بالمغرب (٣) وفي يوم السبت للنصف من ربيع الأول سنة (٣٣٤) هـ (١٦ أكتوبر سنة (٩٤٥) م) توجه - أيضاً - ابن رماحس على رأس أسطوله فهاجم أسطول العبيديين المتواجد على السواحل الإفريقية (٤).
وبالنظر إلى هذا الحضور المميز للأسطول الأموي، يمكن القول بأنه قد أصبح لدى الخليفة عبد الرحمن الناصر قوة بحرية مرهوبة الجانب، فقد وصل عدد قطع الأسطول الأموي في عهده نحو مائتي قطعة، يتولى قيادتها محمد بن رماحس (٥) ومن هنا ذهب بعض الباحثين إلى اعتباره المؤسس الحقيقي للبحرية في الأندلس (٦).
وما كان للبحرية الأندلسية أن تصل إلى ما وصلت إليه في عهد الخليفة الناصر لولا توفر عامل معم في هذا المجال، وأعني به إنشاء دور
стр. 567
"للصناعة (١) " ومن الطبيعي ألا تقام دور الصناعة إلا على شواطئ البحار وضفاف الأنهار، إذ أن هذا يكفل للقطع البحرية ميزة استراتيجية تتمثل بسرعة الحركة، مما يعني وفرة في الوقت والجهد، وقد رأينا أهمية موقع دار الصناعة عند حديثنا عن المرية وكيف أنها قد تغلبت على بجانة بسبب نزوح الأخيرة عن الساحل. وقد نشأت بالأندلس عدة دور للصناعة اعتنى أمراء وخلفاء بني أمية بتنظيمها وإقامتها وفق أسس تكفل لهم الغرض من وجودها. من هذه الدور:
دار صناعة "الجزيرة الخضراء" و "مالقة (٢) " و"لقنت (٣) "
стр. 568
و"شلب (١) " و"قصر أبي دانس (٢) "و"دانية (٣) " و"شنتمريه بالبرتغال (٤) " و"شلطيش (٥) " و "المنكب (٦) ".
وأما "طرطوشة" فقد أنشأ فيها الخليفة عبد الرحمن الناصر داراً للصناعة، ومن الملاحظ أنه رغم صمت المصادر الإسلامية عن تدوين
стр. 569
تاريخ إنشائها، إلا أن لوحة تذكارية وجدت مثبتة في الجادر الخلفي للكنيسة العظمى في طرطوشة احتوت على معلومات عن دار الصناعة تلك، فاللوحة المذكورة جاءت مربعة الشكل تقريباً، طول ضلعها خمسين سنتيمتر تقريباً، كتب فيها عشرة أسطر جاء فيها: "بسم الله الرحمن الرحيم. أمر بإنشاء هذه الدار عدة الصناعة والمراكب عبد الله عبد الرحمن أمير المؤمنين أيده الله، فتم بناؤها على يد قائده وعبد هـ عبد الرحمن بن محمد بعون الله ونصره في سنة ثلث وثلثين وثلاثمائة وكتب عبد الله بن كليب (١) ".
ومما ساعد على قيام دار الصناعة بطرطوشة وفرة أخشاب الصنوبر بغاباتها وهي أخشاب وصفت بأنها من أنسب الأخشاب لصناعة السفن وذلك لطولها وغلظها وعدم تأثير السوس فيها (٢) وبالإضافة إلى هذه الإنشاءات الوفيرة أنشأ الناصر أيضاً دار صناعة ضخمة في المرية إذ ثبت أهمية المرية كمنطلق رسمي لحركة الأساطيل منها ومع توالي الأيام أخذت
стр. 570
تسحب البساط رويداً رويداً من بجانة التي لا تقع على الساحل مباشرة (١) وهذا مما يحرم الأساطيل سرعة الحركة فتنبه لهذا الأمر الخليفة عبد الرحمن الناصر، فأمر بإنشاء مدينة المرية سنة (٣٤٣) هـ (٩٥٤ م) (٢)، وأنشأ بها داراً لصناعة السفن جاءت على قسمين قسم خاص بالمراكب الحربية وآخر بالمراكب التجارية وأحاطها بسور ضخم منيع (٣) وبذلك أخذت المرية تزدهر تدريجياً فاتسعت رقعتها ونما عمرانها وأصبحت هي وبجانة كفرسي رهان حيث وصفتا بأنهما "بابي المشرق، منها يركب التجار وفيها تحل مراكب التجار وفيها مرفأ ومرسى للسفن والمراكب (٤) ".
وبعد أن أصبحت المرية قاعدة رئيسة للأساطيل الأموية أصدر الخليفة عبد الرحمن الناصر أوامره سنة (٣٤٤) هـ (٩٥٥ م) للهيئة المشرفة على دار الصناعة بالمرية بأن ينشأ مركب بحري لم يُصنع مثله من قبل ثم شحنه بالأمتعة ووجهه للمشرق وفي أثناء رحلته تلك صادف المركب بطريقه مركب بحري فيه رسول موفد من قبل الحسين بن علي حاكم صقلية متجه إلى زعيم العبيديين المعز لدين الله فأوقفه أصحاب المركب الأندلسي وصادروا ما فيه من أمتعة وكتب كانت مرسلة للمعز لدين الله
стр. 571
الذي ما أن علم بهذه الحادثة حتى جهَّز أسطولاً كاملاً وولى عليه الحسين بن علي ووجهه إلى الأندلس فهاجم المرية وتمكن رجاله من التوغل في مرسى المرية فوجدوا عدداً من السفن راسية فيه فأحرقوها ووافق هجومهم قدوم المركب الكبير من المشرق محملاً بمختلف أنواع الأمتعة للخليفة عبد الرحمن الناصر بالإضافة إلى الجواري والمغنيات وغيرهن فاستولى عليه المهاجمون ولم يكتفوا بذلك بل دخلوا المرية وقتلوا ونهبوا ثم غادروا إلى المهدية بسلام (١)، فجاء رد فعل الخليفة الأموي سريعاً فقد هاجم الأسطول الأندلسي بقيادة أمير البحر غالب بن عبد الرحمن سواحل إفريقية سنة (٣٤٥) هـ (٩٥٦ م) في ستين قطعة حربية ركزت هجومها على مرسى الخرز وساحل سوسه (٢).
وهكذا أصبح للأسطول الأندلسي الكلمة النهائية في المياه المحيطة بالأندلس من الناحيتين الشرقية والغربية، فالقطع الحربية البحرية المرابطة في قاعدة المرية تقف في مواجهة أي اعتداء قد يأتي من قبل العبيديين في حين أن قاعدة إشبيلة البحرية تذود عن الساحل الغربي ضد أي هجوم يقوم به النورمانديون (٣).
стр. 572
وعندما تولى الخلافة الحكم المستنصر ازداد اهتمامه بالأساطيل البحرية وأخذت دور الصناعة تنتج المزيد من القطع البحرية فوصل عددها في عهده إلى ستمائة جفن بين غزوي وغيره (١)، والسبب في ذلك هو حرصه على استمرارية السيطرة على مضيق جبل طارق (٢) لخشيته من أي هجوم مفاجئ قد يشنه الأسطول العبيدي ولذا نراه يقوم بزيارة تفقدية لقاعدة المرية، وذلك في شهر رجب من سنة (٣٥٣) هـ (٩٦٤ م) فوقف على ما تم إنجازه من أعمال التحصينات وشاهد حصن القبطة ونظر في الأسطول المرابط هناك وجدده وكانت عدد قطعه في ذلك الوقت ثلاثمائة قطعة (٣).
стр. 573
وقبل ذلك بعدة أشهر كتب الخليفة الأموي لأهل سبتة سجلاً أسقط فيه عنهم الوظائف المخزنية والمغارم السلطانية، وذلك في شهر صفر من سنة (٣٥٣) هـ (١) (٩٦٤ م)، كما أنه اتبع سياسة أبيه في التعامل مع أمراء المغرب ورؤساء قبائله، إذ استخدم معهم أسلوبي الترغيب والترهيب، فاستجاب له أولئك الزعماء وبعثوا إليه بوفودهم (٢).
وكان الخليفة الأموي يخشى من تكرار هجوم النورمانديين على سواحل بلاده، ولعل أول هجوم نورماندي على السواحل الأندلسية في عهد المستنصر بالله تم في أول رجب سنة (٣٥٥) هـ (يونيو (٩٦٦) م) فقد هاجموا الساحل الغربي وركزوا هجومهم على قصر أبي دانس، في ثمانية وعشرين مركباً (٣)، في كل مركب ثمانون محارباً (٤)، ثم واصلوا تقدمهم في سهول لشبونة، حيث تصدى لهم المسلمون فسقط عدد من الشهداء والقتلى، وهنا تحرك الأسطول المرابط بإشبيلية المتخصص في الذود عن الساحل الغربي، فأدرك الغزاة النورمانديين بوادي شلب، فتمكن المسلمون من تحطيم معظم مراكب النورمانديين وقتلوا معظم مقاتلتهم واستنقذوا
стр. 574
مَنْ بأيديهم من أسرى المسلمين وهرب من بقي من النورمانديين وعادوا إلى ديارهم (١).
ويبدو أن الخليفة المستنصر لفت انتباهه من جراء التقارير التي ترفع إليه بشكل مفصل عن الهجوم النورماندي الأخير أن مراكبهم البحرية تمتاز بالسرعة الأمر الذي يكفل للمهاجمين سرعة الحركة والمناورة ولذا فقد اتخذ خطوة تدل على متابعة دقيقة لمجريات الأحداث واستيعاب جيد لنتائجها فقد أصدر أوامره لوزير عيسى بن فطيس بإنشاء أسطول بنهر الوادي الكبير تكون المراكب فيه على هيئة مراكب النورمانديين (٢) ليقاتلهم بنفس سلاحهم إذ أنه كان يتوقع عودتهم لمهاجمة السواحل الأندلسية، ولقد صدق ظنه إذ لم تمض خمس سنوات على هجومهم السابق حتى عاودوا الهجوم مرة أخرى فقد ذكر ابن حيان أنه في صدر شهر رمضان المبارك سنة (٣٦٠) هـ (يوليو من سنة (٩٧٠) م) وصلت الأخبار بظهور النورمانديين في مياه خليج الباسك في طريقهم إلى السواحل الغربية للأندلس فاستدعى الخليفة المستنصر قائد البحر عبد الرحمن بن رماحس وأمره بالتوجه إلى المرية ليقود أسطولها ويتجه إلى الغرب ثم استدعى الوزير القائد غالب بن عبد الرحمن الذي يبدو أنه القائد العام للقوات المسلحة الأندلسية البرية والبحرية وناقش الوضع معه ثم اتفقا
стр. 575
على خطة معينة يذهب بموجبها الوزير القائد غالب إلى الغرب ليتولى قيادة الجيش براً وبحراً (١) ورغم هذا الاستنفار الهائل للأساطيل الأندلسية إلا أنه لم يقع اصطدام بينها وبين المراكب النورماندية وذلك لأن النورماندين نزلوا بساحل جليقية في يوم الأحد الثاني عشر من رمضان سنة (٣٦٠) هـ (يوليو (٩٧١) م) ثم إنهم دخلوا نهر دويره وتقدموا في غارتهم إلى مدينة شنت بريه " Santaver" لكنهم لم يفلحوا فانصرفوا خائبين (٢). وقد وصل إلى قرطبة في يوم السبت (٢٥) رمضان سنة (٣٦٠) هـ (يوليو سنة (٩٧١) م) رسول من القومس غند شلب (٣) يحمل للخليفة الأموي المستنصر أخبار الغزاة النورماندين ويخبره بعودتهم (٤) وتجد الإشارة هنا إلى أن الخليفة المستنصر لم يعتمد في تحركاته على الأخبار التي تفد إليه من
стр. 576
غند شلب، فقد كان يعتمد على شبكة منظمة من العيون لها تحركات دقيقة تكفل وصول الأخبار إليه أولاً بأول ولذا فإن عيونه أوصلت إليه خبر النورمانديين قبل وصول رسول غند شلب.
ورغم كل ذلك نجد أن الخليفة المستنصر لم يركن للدعة بل واصل تحركاته فأصدر أوامره بتكليف الفَتَيين الجعفريين مباركاً ومبشراً بالذهاب إلى كورة رية وشذونه لشحن الأطعمة منها (١) وإرسالها للأسطول في إشبيلية المتأهب للذهاب إلى الغرب وعقب شهر رمضان تحرك قائد البحر عبد الرحمن بن رماحس بأسطول من بجانه إلى اشبيلية حيث تجتمع الأساطيل ويذهب بها جميعاً لمواجهة النورمانديين (٢) ويبدو أن ابن رماحس قد مكث في اشبيلية عدة أيام ووصلت خلالها أخبار بعودة النورمانديين إلى ديارهم، ولذا فقد عاد بأسطوله إلى المرية وذلك يوم الاثنين (٢٦) ذي القعدة سنة (٣٦٠) هـ (٢٢ سبتمبر (٩٧١) م) (٣). وأما الوزير غالب بن عبد الرحمن الذي خرج للغرب لملاقاة النورمانديين فإنه عاد إلى قرطبة حيث وصل فحص السرادق في يوم الخميس ليلة الجمعة الأول من شهر صفر سنة (٣٦١) هـ (٢٢ نوفمبر (٩٧١) م) (٤).
стр. 577
وواصل الخليفة المستنصر جهوده في التصدي للنورمانديين، ففي يوم الخميس من شهر رمضان سنة (٣٦١) هـ (٢١ يونيه (٩٧٢) م) عقد الخليفة في مجلسه اجتماعاً خاصاً مع وزرائه تبودلت فيه الأراء بشأن النورمانديين واتفق الجميع على استدعاء صاحب الخيل الناظر في الحشم زياد بن أفلح وصاحب الشرطة هشام بن محمد بن عثمان فأمرهما الخليفة بالتأهب للخروج على رأس الصائفة المتجهة للغرب، وبعد أن أتما استعدادتهما قابلا الخليفة في يوم الأربعاء (١١) رمضان (٢٧ يونيه) فأوصاهما بما شاء وخلع عليهما ثم ودعهما (١)، فانطلقا مباشرة إلى غايتهما حيث وصلا إلى شنترين فتأكدا من عودة النورمانديين إلى ديارهم وزاد تأكدهما من ذلك بعد وصول العيون التي سبق وأن بعثها لها الغرض إلى أن شنت ياقب وبذلك لم يعد أمامهما سوى العودة إلى حاضرة الخلافة فوصلا مدينة الزهراء في الخامس من ذي القعدة سنة (٣٦١) هـ (أغسطس (٩٧٢) م) (٢) وتجدر الإشارة هنا إلى أن تحرشات النورمانديين بالأندلس كانت على عهد الخليفة المستنصر كلها تتم على الساحل الغربي باستثناء غارة واحدة أشار إليها ابن الخطيب فذكر أن حصن القبطة بالمرية على الساحل الشرقي للأندلس تعرض للهجوم من قبل المراكب النورماندية (٣).
стр. 578
وبعد وفاة الخليفة المستنصر وتولي ولده هشام المؤيد الخلافة وتسلط المنصور بن أبي عامر عليه واستبداده بجميع أمور الدولة، واصل المنصور الاهتمام بالأساطيل وتطويرها ويبدو أنه حقق في هذا المجال الشيء الكثير وأنشأ من السفن أنواعاً عديدة فأصبح الأسطول بمراكبه حديث المجالس (١)، ونظراً لاتباع المنصور سياسة سلفه الناصر والمستنصر تجاه المغرب فقد اتخذ من سبتة قاعدة بحرية حربية تنطلق منها عمليات رجاله في المغرب ولقد اهتم بتحصينها اهتماماً كبيراً وتجلى كل هذا الاهتمام بصورة واضحة عندما زحف الأمير بلقين بن زيري صاحب أفريقية فهزم قبيلة زناتة وأجلاها عن أماكنها فاجتاز أمراؤها البحر إلى المنصور بن أبي عامر مستغيثين به، فشمر للأمر وانتقل بعساكره وأجناده إلى الجزيرة الخضراء، ثم أرسل جيشاً إلى سبتة بقيادة جعفر بن علي بن حمدون الأندلسي، ثم أصبح المدد يأتي بانتظام من الجزيرة الخضراء إلى سبتة حتى أن البحر أصبح أبيضاً من كثرة المراكب الأندلسية التي تعبر المضيق جيئة وذهاباً (٢) فلما أشرف الأمير بلقين بن زيري بقواته من أعلى جبل النور المطل على سبتة وشاهد عظم تحصينها وكثرة العساكر وتوالي المدد القادم من الجزيرة إلى سبته أدرك ألا طاقة له بها، فقال لمن معه قبل أن ينصرف "إنما سبته حية ولت ذنبها حذاءنا وفغرت فاها نحونا (٣) " وتكررت
стр. 579
استعانة المنصور بالأسطول مرة أخرى وذلك عندما ثار الحسن بن جنون ضد الدولة الأموية بالمغرب فعسكر بالجزيرة الخضراء واتخذها قاعدة عسكرية له يدير منها المعارك ويشرف على سيرها ثم أرسل الأساطيل إلى العدوة المغربية تحمل الرجال والأموال والسلاح فتم القضاء على ثورة الحسن وجيء برأسه إليه في جمادى الأولى سنة (٣٧٥) هـ (سبتمبر (٩٨٥) م) (١).
وبالإضافة إلى ماسبق نجد المنصور بن أبي عامر يستخدم الأساطيل لنقل قواته إلى العدوة المغربية وذلك للقضاء على حركة الزعيم المغراوي زيري بن عطية عندما أعلن تمرده ضد المنصور سنة (٣٨٦) هـ (٩٩٦ م) (٢) وبعد معارك طاحنة جرت بين الطرفين تمكنت القوات الأندلسية من إخضاع المتمرد وذلك سنة (٣٨٩) هـ (٩٩٩ م) (٣).
وكما استخدم المنصور الأسطول في نقل قواته ومستلزماتهم إلى العدوة المغربية فكذلك استخدم الأسطول في نقل الأطعمة والأسلحة والعدد في غزوته الثامنة والأربعين التي شنها ضد جليقية في صائفة سنة (٣٨٧) هـ (٩٨٨ م) إذ أمر قائد الأسطول بأن يسبقه فيدخل من المحيط
стр. 580
الأطلسي ويستمر في مسيره إلى موضع حدده له على نهر دويره بحيث يتم الالتقاء عند هذه النقطة وقد قام الأسطول بنقل أفراد الجيش إلى الجانب الآخر من النهر حيث انطلق المنصور بقواته حتى بلغ شنت ياقب (١).
أنواع السفن في الأساطيل الأندلسية:
"الشواني"، والشيني سفينة حربية كبيرة، تعتبر من أهم وأقدم قطع الأسطول الإسلامي بصفة عامة (٢) وهي تمتاز بضخامة الحجم، ولذا فهي تحمل مائة وخمسون مقاتلاً (٣) وتجدف بمائة وأربعين مجذافاً (٤) كما أنها مزودة بأهراء "مخازن" لحفظ الأطعمة، وصهاريج لخزن الماء العذب (٥).
ويبدو أن هذا النوع من السفن كانت تقام عليه الأبراج والقلاع للدفاع والهجوم ورمي الأعداء بقوارير النفط، يدل على ذلك قول الشاعر ابن حمديس في مدحه لأبي يحيى الحسن بن علي ابن يحيى حيث قال: -
أنشأت شواني طائرة … وبنيت علىماء مدنا
ببروج قتال تحسبها … في شم شواهقها قننا
ترمي ببروج إن ظهرت … لعدو محرقة بطنا
стр. 581
وبنفط أبيض تحسبه ماء وبه تذكي السكنا (١)
"الأغربة" جمع غراب وغربان وقد سمي بهذا الاسم لأن مقدمه يشبه رأس الغراب أو الطائر (٢)، ويبدو أن الشراع المستخدم فيه كان أبيض، يتضح ذلك من قول ابن حمديس:
سواد الغراب في بياض الحمامة … تطير به سبحاً على الماء أو تجري (٣)
وقد عبَّر ابن الآبار عن ذلك التشابه القائم بين هذا النوع من المراكب وبين الغربان بقوله:
ياحبذا من بنات الماء سابحة … تطفو لما شبَّ أهل النار تطفئهُ
تُطيرُها الريح غرباناً بأجنحة الـ … حمائم البيض للإشراك تَرزَؤُه
من كلّ أدهم لا يُلفى به جَربٌ … فما لراكبه بالقار يهنئه
يدعى غراباً وللفتخاء سرعته … وهو ابن ماء وللشاهين جُؤجُؤه (٤)
وعدد المجاديف في هذا النوع من المراكب مائة وثمانين مجدافاً، ويمتاز الغراب بأنه مزوَّد بجسر من الخشب يمكِّن الجند من الوصول إلى مركب
стр. 582
العدو (١)، ويبدو أنه كان مركباً حربياً قوياً بحيث أن له دور فعال في أي معركة يخوضها حتى شبه بأنه أشد فتكاً من الصقر وفيه يقول الشاعر: -
أساطيل ليست في أساطير من مضى … فكل غراب راح أقنص من صقر (٢)
"الحراريق" جمع حراقة، ويبدو أنها كانت في البداية من المراكب المعدة للنزهة والنقل (٣) لكن يظهر أنها تعرضت لبعض التغييرات عليها فيما بعد فأصبحت تصلح للعمليات الحربية، وتتضح مهمتها الحربية من اسمها، إذ أنها تختص بقذف مراكب الأعداء بقوارير النفط ولذا فهي مزودة بالأسلحة النارية (٤)، وتجدف بمائة مجداف (٥)، وقد وصفها الشاعر الأندلسي أبو عبد الله بن الحداد بقوله: -
ذات هُدبٍ من المجاذيف حاكٍ … هُدبَ باكٍ لدمعه إسعادُ
стр. 583
حُمَمٌ فوقها من البيض نارٌ … كل من أرسلت عليه رمادُ (١)
"الطريدة" مركب بحري يبدو من اسمه أنه سريع الحركة كأنه مخصص للمطاردة، ويظهر من خلال الاستعمالات المتعددة له أنه يكون على أنواع، فمنها مالايزيد طوله على سبعة أذرع وعرضه ذراعان ونصف على هيئة برميل هائل بدون مسطح (٢)، وهناك نوع آخر كبير الحجم مخصص لحمل الخيل إذ باستطاعته أن يحمل أربعين فرساً (٣)، وهذا النوع له باب في الخلف يفتح ويغلق، ومنها مايكون معداً لحمل الرجال (٤).
"البَطْسَة" أو البُطْسة، والجمع بَطسات وبُطس، ويسميها المقريزي "البطشة (٥) "، والبطسة مركب هائل الحجم إذ يصل عدد أشرعته إلى أربعين شراعاً (٦) ويمتاز هذا المركب الحربي بأنه متعدد الطبقات، كل طبقة خاصة بفئة من الجيش (٧) ويتم شحنه بأنواع الأسلحة وسائر آلات الحرب
стр. 584
والحصار حتى البروج والمنجنيقات فضلاً عن الأقوات والميرة (١)، ونظراً لضخامة حجم هذا المركب فهو يحمل أعداداً كبيرة من المقاتلين يصل عددهم إلى ستمائة وخمسين رجلاً (٢)، ولكن المقريزي ذكر أن بعضها يحمل ألف وخمسمائة رجلاً (٣) وألف وسبعمائة رجلاً (٤).
"الشلندي" مركب حربي كبير مسطح، كان مخصصاً لنقل المقاتلين والأسلحة، وهو يعادل في اهميته الشيني والحراقة (٥)، والشلندي "مركب مسقف تقاتل الغزاة على ظهره وجذَّافون يجذَّفون تحتهم (٦) "وله ساريتان أو ثلاث يبلغ طولها حوالي " (١٩٥) " قدماً وعرضها " (٣٢) " قدماً، وحمولته ستمائة رجلاً تقريباً (٧).
"المسطح" مركب بحري ضخم يشبه البطسة (٨)، ولعلنا ندرك من اسمه أنه عبارة عن مركب كبير له سطح شاسع غالباً ما يكون خلف
стр. 585
السفن الحربية لنقل الأطعمة والأموال والأسلحة (١)، وعلى هذا أشبه ما يكون بناقلة متخصصة بالإمدادت العسكرية، ويمكن من خلال نصوص تاريخية وردت في بعض المصادر الوقوف على حقيقة هذا المركب، فقد ورد لدى ابن واصل أن المسطح يتسع لخمسمائة رجل (٢)، أما ابن مماتي فقد ذكره بعد أن عرف بالشلندي ثم قال: "إن المسطح هو في معناه (٣) " وعلى هذا فالمسطح مركب مكون من طابقين يقاتل الغزاة على ظهره والمجذفون يجذفون تحتهم.
"العشاري" أو "العشيري" نوع من المراكب، يجر بعشرين مجدفاً (٤)، ويستعمل في الأنهار والبحار للرحلات القصيرة (٥)، وربما سار وراء السفن الكبيرة أشبه ما يكون بقوارب النجاة المعروفة حالياً (٦) وقد تكون سميت بهذا الاسم لأنها تتسع لعشرة أشخاص (٧).
стр. 586
"أجفان" جمع "جفن" مركب نهري، يمتاز بأن الجذافين يجدفون فيه وهم قيام في وسط المركب، في حين أن الركاب يكونون في المقدم أو المؤخرة (١).
"القراق" أو "القرقور" والجمع قراقير، والقرقور سفينة كبيرة من مهامها القيام بتموين الأساطيل بالمتاع والذخيرة (٢)، ويمتاز القرقور بتعدد الأشرعة والصواري، ولذا فهو لا يتأثر كثيراً بالرياح العاصفة، إذ هو قادر على السير تحت كفاة الظروف (٣).
"الحمالة" والجمع "الحمالات" وهي كما عرفها ابن مماتي: نوع من السفن المخصصة لنقل مؤونة الجيش وكل ما يحتاج إليه الأسطول (٤).
وبالإضافة إلى ما سبق ذكره من أنواع المراكب البحرية الحربية التي كان يستخدمها الأسطول الأموي بالأندلس، هناك قطع بحرية أخرى، ورغم صغر حجمها، إلا أنه لا غناء لأي أسطول كان عن خدمتها. منها: -
"الشباك" " Jabeque" مركب حربي صغير الحجم (٥)، له ثلاثة أشرعة وأحياناً يسير بالتجديف (٦).
стр. 587
"القارب" مركب صغير خفيف الحركة، ويكون دائماً تبعاً للأسطول ولخدمة أصحاب المراكب الكبيرة، ويمكن أن يستخدم لتنقلات عمال الدولة من إقليم لآخر لأداء ما كلفوا به من أعباء وظيفية (١).
"الزورق" له ملامح القارب ومميزاته بالإضافة إلى قيامه بمهام الإنقاذ (٢).
وهناك أيضاً "القياسات" و"الفلايك" والملاحظ أن هذه المراكب الأربعة الأخيرة جميعها مراكب بحرية صغيرة سريعة الحركة لا تعتمد على الأشرعة، وهي مخصصة لنقل الأشخاص والأزواد (٣).
بقي أن أشير إلى أن قطع الأساطيل الأموية بالأندلس كانت تستخدم الأشرعة البيض، ويتضح ذلك من خلال عبارة وردت في أحد المصادر عند الحديث عن أساطيل حكومة قرطبة عندما عبرت البحر متجهة إلى العدوة المغربية، وذلك لحماية أراضي العدوة من هجوم بلقين بن زيري. إذ أن العبارة تنص على أن بلقين عندما أشرف من أعلى جبل النور المطل على سبتة عاين "اتصال مدد الأندلس وابيضاض بحرهم بانتظام الشرع من تلقائهم (٤) ".
стр. 588
إدارة الأسطول:
كل جهاز سواء كان بسيطاً أم معقداً، لابد له من إدارة تتولى شئونه، والأسطول جهاز مهم في أي دولة كانت، ومن البديهي أن تكون الإدارة التي تشرف عليه ذات مناصب متدرجة، وما ينطبق على الأسطول ككل، ينطبق على أي سفينة من سفنه، إلا المراكب الصغيرة منها، فكل سفينة تحتاج إلى "نوتي" وهو "الملاح الذي يدير السفينة في البحر (١) " إذ تقع عليه مسئولية الإشراف على ما تحتاج إليه السفينة من أمور الحرب من السلاح والمقاتلة (٢)، واما الرئيس وهو قبطان السفينة فهو مسئول عن سير السفينة سواء بالريح أو بالمجاذيف واختيار المرسى المناسب (٣)، مستعيناً بكتاب يعرف بـ"الرهنامج" يعينه على اختيار المسالك البحرية الصحيحة (٤). كما يقوم أيضاً الرئيس بعملية التوجيه للملاحين، ولذا فهو بحاجة لمنادي يمتاز بصوت جهوري يبلغ أوامره لهم (٥) ويذكر ابن خلدون أنه إذا صدرت الأوامر للأسطول بالغزو، يتم تجميع السفن المحاربة بأحد
стр. 589
المرافئ، وبعد أن تشحن بالرجال والعتاد والمئونة، يتم تعيين أمير عليهم من بين رجالات الدولة المعدودين، بحيث يتولى الإشراف العام على الأسطول وبالتالي فهو المسئول الأول عنه أمام الخليفة، وله الحق وحده في إصدار أوامر الإبحار والرسو (١)، وهذا الأمير هو قائد البحر وقائد الأسطول (٢)، ويكون مقامه في المرية القاعدة البحرية الرئيسية للأساطيل الأندلسية (٣)، وكان عبد الرحمن بن محمد بن رماحس هو الذي يتولى قيادة البحرية في الأندلس (٤) وبذلك فقد كان ابن رماحس يتمتع بمقام سامٍ في الدولة الأموية بالأندلس، يدل على ذلك ما ذكره ابن سماك المالقي في "الزهرات المنثورة" من أن أي قرار يهم الخليفة الأموي لايصدر إلا بعد استشارة شخصيات ثلاثة، منها: قائد الأسطول بالمرية، وذلك لأن المرية كانت تضم دار الصناعة الرئيسية في الأندلس، بل كان قائد أسطول المرية
стр. 590
في العصر الأموي يشارك الخليفة إلى حدّ ما في سلطاته، فإذا كان الخليفة يحكم في البر، فإن قائد الأسطول يحكم في البحر (١).
الأسلحة المستخدمة في المعارك البحرية:
استخدم البحريون الأندلسيون في معاركهم البحرية عدة أنواع من الأسلحة، فبالإضافة إلى السيوف والرماح ونحوها والمنجنيقات والعرادات، عرفوا: اللت والعمود والدبوس: وهي بالجملة عمد حديد، منها ما يكون بأكمله من الحديد، ومنها ما تكون خرزته فقط من الحديد ونصابه من الخشب، وتكون الخرزة إما مضرسة أو مسننة، في حين يكون رأس الدبوس مدوراً، وأما العمود فلا يكون إلا من الحديد (٢).
الأقواس والنشاب: استخدم البحريون القسي بنوعيها العربي منها الذي يشد باليد، وكذلك القسي الفرنجية وهي التي توتر وتدفع بالرجل، وأجود أنواع القسي الفرنجية ما صنع من الخشب التخش وبعده خشب الزبَّوج (٣)، وبهذه القسي يمكن رمي حتى قوارير النفط بدلاً من السهام (٤).
الكلاليب: وهي نوع من الخطاطيف مربوطة في نهاية سلاسل قوية، كانت تلقى على مراكب العدو فتوقفها، ثم يشدونها إليهم،
стр. 591
ويقيمون عليها ألواحاً خشبية عريضة يمكن من خلال العبور عليها الوصول إلى المركب العدو، ليقاتلوهم وكأنهم على اليابسة (١).
الباسليقات: وهي سلاسل من حديد يكون في رؤوسها رمانة من حديد، حيث تستخدم في القتال على سطح السفن (٢).
كما عرفوا من الآلات الحربية "التوابيت" وهي صناديق مفتوحة من أعلى، توضع في أعلى السفن يصعد عليها المقاتلون ومعهم الحجارة في مخلاة معلقة بجانب الصندوق، فيرمون بها الأعداء ويستترون منهم داخل تلك التوابيت (٣) وقد يجعلون بدلاً من الحجارة قوارير من النفط لإشعال النار في مراكبهم (٤)، ويرمونهم بجرار مملوءة بالنورة المسحوقة غير المطفأة، فيعمى غبارها وقد تلتهب عليهم إذا تبددت، وقد يرمونهم بقدور الصابون الليِّن، إذ أنها تمنع أقدام الأعداء من الثبات على ظهور سفنهم (٥)، وقد يرمونهم بقدر مليئة بالعقارب والحيات (٦).
стр. 592
"اللجام" وهي أداة حديدية طويلة ذات رأس حاد جداً، وأسفلها مجوَّف، تُجعل هذه الأداة في خشبة كالقناة بارزة في مقدم المركب يقال لها الاسطام، يستخدمها الجنود في طعن مراكب الأعداء بقوة فيخرقونها، مما يجعل المركب عرضة للغرق بسبب امتلائه بالماء، فيضطر أصحابه لطلب الأمان (١).
كما استخدم المقاتلون البحريون في معاركهم البحرية أدوات الحصار، مثل "الأبراج" و"الدبابات" و"الستائر" والأخيرة هي عبارة عن حائط خشبي يستخدمه المهاجمون للوقاية من قذائف العدو (٢)، و"الحبال (٣) " و"النار الإغريقية (٤) ".
وكما أن هناك أسلحة للقتال، فهناك أدوات تقاوم تلك الأسلحة، فمثلاً "الكلاليب" يستخدم المدافعون ضدها فؤوساً حادة من الفولاذ بحيث يضرب بها الكلاب المتعلق بالسفينة فينقطع (٥)، ولعل النفط (٦) من
стр. 593
أشد الأسلحة فتكاً بالمراكب، ولذا كان المدافعون يبطلون مفعوله بتعليق اللبود المبلل بالخل والماء حول سفنهم، أو يبلوها بالخل الممزوج بالنطرون والشب، وإما بطلاء سفنهم بالطين الممزوج بالنظرون (١)، كما أن المقاتلين يدهنون أجسادهم بدهن البلسان (٢).
ووسائل التمويه كانت معروفة آنذاك، فقد كان قائد السفينة يأمر بصنع أشرعة زرقاء لسفينته (٣) لكي تصبح مثل لون الماء او السماء، كما يأمر بعدم إشعال النار بالمركب (٤) مما يمكنه بالتالي من الاستفادة من عنصر المباغتة.
وقد اعتاد القائمون على الأساطيل الأموية في الأندلس، إجراء تمارين حربية، تجري خلالها اصطدامات أشبه ما تكون بمعارك بحرية حقيقية، والهدف منها رفع الطاقة الاستعدادية لرجال الأساطيل، وبذلك يكونون على أهبة الاستعداد لأي طارئ.
ومن أجل رفع الروح المعنوية، يتم حضور الأمير أو الخليفة وسائر رجالات الدولة لتلك التمارين، مما يمكنهم بالتالي من الوقوف على مدى كفاءة أولئك الرجال، وذلك وسط حضور جماهيري كثيف كما هو في الاستعراضات التي كان يقوم بها الجيش وعرفناها من قبل.
стр. 594
ومن أجل إجراء تمارين مكثفة لأفراد الأساطيل الأموية دونما إشعارهم بالضغط والتكليف، كانت الأعياد والمناسبات الاجتماعية الكبرى فرصة تستغل لإجراء مثل هذه التمارين (١).
وأخيراً بقي أن نتحدث عن المرابطة فقد ورد في القرآن الكريم مايحث عليها ويرغب فيها قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٢)، والمراد بالمرابطة هنا - كما ورد في بعض المصادر- المدوامة في مكان العبادة والثبات وانتظار الصلاة بعد
стр. 595
الصلاة، وقيل المراد بالمراطبة هاهنا مرابطة الغزو في نحو الأعداء وحفظ ثغور الإسلام وصيانتها عن دخول الأعداء إلى حوزة المسلمين (١) "، وعندما تعرض الطرطوشي لمعنى "المرابطة" اختار ما يدل على أن المراد بها "الجهاد (٢) " وهو ماذهبت إليه المعاجم من أن المرابطة ملازمة الثغور والمخافة، وأن يربط كل من الفريقين خيولهم في ثغرة وكل معد لصاحبه، ولذلك يسمى المقام في الثغر رباطاً (٣).
ويقول الفقيه عبد الملك بن حبيب "وليس من سكن الثغر بأهله وولده مرابط، وإنما المرابط من خرج من منزله معتقداً الرباط في موضع الخوف (٤) ".
وقد وردت عدة أحاديث عن الرسول ﷺ كلها تحض على المرابطة في سبيل الله وترغب فيه، من ذلك قوله ﷺ : "كل عمل ينقطع عن صاحبه إذا مات إلا المرابط في سبيل الله،
стр. 596
فإنه ينمَّى له عمله، ويُجرى عليه رزقه إلى يوم الحساب (١) " وقوله ﷺ "رباط يوم صيام شهرين، ومن مات مرابطاً أجير من فتنة القبر، وأُجرى له صالح عمله إلى يوم القيامة (٢) ". وبذلك اتخذ المسلمون المرابطة نظاماً حربياً، فاجتهدوا في اتخاذ المحارس والقلاع على طول خطوط المواجهة الأمامية سواء السواحل منها أو الداخلية.
ونظراً لأن السواحل الشمالية الإفريقية كانت عرضة للهجمات البحرية البيزنطية والصقلية أو تلك القادمة من جنوب إيطاليا (٣)، لأجل هذا اعتبرها ثغوراً لابدّ من القيام على التواجد فيها حماية للمسلمين، ومن هناك نشأت الأربطة بتلك المنطقة (٤)، فبنيت أربطة عدة كانت تعرف بالقصور والمحاريس (٥)، ثم انتقل نظام الأربطة إلى المغرب الأقصى، فبنى المغاربة رُبُطاً كثيرة لعل من أقدمها وأشهرها "رباط أصيلا" الذي تم بناؤه في زمن الأمير عبد الرحمن الأوسط وذلك بعد أن طرق النورمانيون أراضي
стр. 597
تلك المنطقة (١) ومن خلال هذا التدرج في انتشار الأربطة، أدرك الأندلسيون أهميتها، وتسابق المجاهدون منهم إلى إعمارها والحرص على جعلها عقبة كئودا أمام الأعداء، لكي لا يروعوا المسلمين الآمنين في داخل البلاد، وقد سجل عصر الأمير عبد الرحمن الأوسط البدايات الأولى للأربطة في الأندلس، إذ بعد أن عاني المسلمون هناك من شدة وطأة الغزوة الأولى للنورمانديين، أخذت الأربطة تظهر تباعاً على طول السواحل الشرقية والجنوبية الشرقية الأندلس، فعرفت في تلك المنطقة الشاسعة أربطة عدة، من أشهرها:
"رباط المرية": وهو أشهر وأهم الأربطة التي عرفها الأندلسيون، واسم هذا الرباط يوضح الهدف منه، إذ أن موقعه اتخذ مرأى لاكتشاف ما يمكن أن يأتي من البحر على حين غرة (٢) وبالذات بعد الهجوم النورماندي الأول الذي وقع في عصر الأمير عبد الرحمن الأوسط، وبالإضافة إلى هذا فرباط المرية محرس بحري لمدينة بجانه التي هي على بعد ستة أميال شمالاً (٣).
стр. 598
"رابطة القابطة أو القبطة" ويقع إلى الشرق من المرية (١)، كما توجد عدة أربطة أخرى بالقرب من المرية، كانت مثوى عدد من المجاهدين -رحمهم الله تعالى- مثل رباط عمروس ورباط الخشني وغيرهما (٢).
وهناك "مدينة دانية" التي استفادت كثيراً من جبل يعرف باسم "جبل قاعون" لكونه مشرفاً عليها، وفائدته تتمثل في أن المرابطين فيه يستطيعون اكتشاف العدو القادم عن طريق البحر من مسافة بعيدة (٣)، كما أن حصانته تتيح لمن حوله فرصة الاختباء به، ولذا نجد أن رباطاً قد أقيم فيه لاتزال أثاره قائمة إلى اليوم ويعرف ذلك الرباط باسم "الآمبروي Alambroy" (٤) .
وعلى ساحل مدينة مالقة أقيم رباط على جبل "فارَّة (٥) " ولأهمية الموقع الذي كان يتميز به الجبل، فقد كان اهتمام المسلمين فيه كبيراً، ولذا أقاموا عليه عدة حصون استمر تواجدهم فيها إلى سنة (٨٩٢) هـ
стр. 599
(١٤٨٧ م) (١) كما أن تسمية الجبل باسم "فارُّه" لازالت قائمة إلى اليوم إذ لازال يعرف باسم جبل فارو (٢) Gibralfaro".
وتجدر الإشارة إلى أن الأربطة لم يقتصر تواجدها على السواحل الشرقية أو الجنوبية الشرقية للأندلس، فقد وجدت أربطة عدة متناثرة على الساحل الغربي للأندلس، فهناك -مثلاً- رباط "روطة (٣) " الذي لايزال حصنه قائماً عند مدخل ميناء قادس ويعرف باسم " Castillo De Rota" ويذكر ابن بشكوال أن أبا محمد الشنتجيالي ت (٤٣٦) هـ (١٠٤٤ م) قد رابط ببطليوس ومرجيق Monchique وشلب ورباط الريحانة من عمل شلب، وكان له فرس اسمه "مرزوق" وقد كان كثيراً مايجر يده على ناصيته ويقول له "يامرزوق رزقني الله الشهادة عليك (٤) ".
صورة الرباط:
يتكون الرباط من عدة عناصر هي: - "الخندق": ويتم حفره حول السور ككل، أو في النقطة الضعيفة، وتكون الحراسة حوله مشددة، ومن
стр. 600
الضروري وجود ما يمكن تسميته بالجسر المتحرك يوضع على الخندق ويرفع عند اقتراب الأعداء منه لعدم تمكينهم من العبور (١).
"المدخل" عبارة عن سقيفة بعد سقيفة، ومن أجل زيادة التحصين يكون باب السقيفة من حديد متين، ويتم تثبيت الباب بطريقة قوية ومحكمة فيكون خلعه متعذراً بأي صورة كانت (٢).
"الحسك": باب فولاذي مكون من جرات كأنها السكاكين، وفيها يد وسلسلة ومتى ماقُبض على اليد وجُذبت السلسلة وانغلقت تلك الجرات على بعضها البعض فأنها تقطع ما وقع بين أجزائها، وهي على نوعين عامودي وأفقي يغرس على الأرض (٣).
"صحن الرباط" وهو الفناء الذي تربط فيه دواب المرابطين بالإضافة إلى أنه توجد فيه المرافق في حين أن غرف المرابطين والجامع الكبير المخصص للصلاة لإلقاء الدروس كلها توجد في الطابق الأول (٤).
ومن البديهي أن تكون الحراسة متواجدة في أعلى مكان في الرباط أو ملحقة به، وذلك لكشف الأعداء القادمين من مسافة بعيدة، بحيث تكون هناك فرصة جيدة لإعلان الإنذار فيأخذ المدافعون أهبتهم، ويعرف