← История

История · id 7331

نظم حكم الأمويين ورسومهم في الأندلس

سالم بن عبد الله الخلف

Полный текст (939 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

فإنه ينمَّى له عمله، ويُجرى عليه رزقه إلى يوم الحساب (١) " وقوله ﷺ "رباط يوم صيام شهرين، ومن مات مرابطاً أجير من فتنة القبر، وأُجرى له صالح عمله إلى يوم القيامة (٢) ". وبذلك اتخذ المسلمون المرابطة نظاماً حربياً، فاجتهدوا في اتخاذ المحارس والقلاع على طول خطوط المواجهة الأمامية سواء السواحل منها أو الداخلية. ونظراً لأن السواحل الشمالية الإفريقية كانت عرضة للهجمات البحرية البيزنطية والصقلية أو تلك القادمة من جنوب إيطاليا (٣)، لأجل هذا اعتبرها ثغوراً لابدّ من القيام على التواجد فيها حماية للمسلمين، ومن هناك نشأت الأربطة بتلك المنطقة (٤)، فبنيت أربطة عدة كانت تعرف بالقصور والمحاريس (٥)، ثم انتقل نظام الأربطة إلى المغرب الأقصى، فبنى المغاربة رُبُطاً كثيرة لعل من أقدمها وأشهرها "رباط أصيلا" الذي تم بناؤه في زمن الأمير عبد الرحمن الأوسط وذلك بعد أن طرق النورمانيون أراضي

стр. 597

تلك المنطقة (١) ومن خلال هذا التدرج في انتشار الأربطة، أدرك الأندلسيون أهميتها، وتسابق المجاهدون منهم إلى إعمارها والحرص على جعلها عقبة كئودا أمام الأعداء، لكي لا يروعوا المسلمين الآمنين في داخل البلاد، وقد سجل عصر الأمير عبد الرحمن الأوسط البدايات الأولى للأربطة في الأندلس، إذ بعد أن عاني المسلمون هناك من شدة وطأة الغزوة الأولى للنورمانديين، أخذت الأربطة تظهر تباعاً على طول السواحل الشرقية والجنوبية الشرقية الأندلس، فعرفت في تلك المنطقة الشاسعة أربطة عدة، من أشهرها: "رباط المرية": وهو أشهر وأهم الأربطة التي عرفها الأندلسيون، واسم هذا الرباط يوضح الهدف منه، إذ أن موقعه اتخذ مرأى لاكتشاف ما يمكن أن يأتي من البحر على حين غرة (٢) وبالذات بعد الهجوم النورماندي الأول الذي وقع في عصر الأمير عبد الرحمن الأوسط، وبالإضافة إلى هذا فرباط المرية محرس بحري لمدينة بجانه التي هي على بعد ستة أميال شمالاً (٣).

стр. 598

"رابطة القابطة أو القبطة" ويقع إلى الشرق من المرية (١)، كما توجد عدة أربطة أخرى بالقرب من المرية، كانت مثوى عدد من المجاهدين -رحمهم الله تعالى- مثل رباط عمروس ورباط الخشني وغيرهما (٢). وهناك "مدينة دانية" التي استفادت كثيراً من جبل يعرف باسم "جبل قاعون" لكونه مشرفاً عليها، وفائدته تتمثل في أن المرابطين فيه يستطيعون اكتشاف العدو القادم عن طريق البحر من مسافة بعيدة (٣)، كما أن حصانته تتيح لمن حوله فرصة الاختباء به، ولذا نجد أن رباطاً قد أقيم فيه لاتزال أثاره قائمة إلى اليوم ويعرف ذلك الرباط باسم "الآمبروي Alambroy" (٤) . وعلى ساحل مدينة مالقة أقيم رباط على جبل "فارَّة (٥) " ولأهمية الموقع الذي كان يتميز به الجبل، فقد كان اهتمام المسلمين فيه كبيراً، ولذا أقاموا عليه عدة حصون استمر تواجدهم فيها إلى سنة (٨٩٢) هـ

стр. 599

(١٤٨٧ م) (١) كما أن تسمية الجبل باسم "فارُّه" لازالت قائمة إلى اليوم إذ لازال يعرف باسم جبل فارو (٢) Gibralfaro". وتجدر الإشارة إلى أن الأربطة لم يقتصر تواجدها على السواحل الشرقية أو الجنوبية الشرقية للأندلس، فقد وجدت أربطة عدة متناثرة على الساحل الغربي للأندلس، فهناك -مثلاً- رباط "روطة (٣) " الذي لايزال حصنه قائماً عند مدخل ميناء قادس ويعرف باسم " Castillo De Rota" ويذكر ابن بشكوال أن أبا محمد الشنتجيالي ت (٤٣٦) هـ (١٠٤٤ م) قد رابط ببطليوس ومرجيق Monchique وشلب ورباط الريحانة من عمل شلب، وكان له فرس اسمه "مرزوق" وقد كان كثيراً مايجر يده على ناصيته ويقول له "يامرزوق رزقني الله الشهادة عليك (٤) ". صورة الرباط: يتكون الرباط من عدة عناصر هي: - "الخندق": ويتم حفره حول السور ككل، أو في النقطة الضعيفة، وتكون الحراسة حوله مشددة، ومن

стр. 600

الضروري وجود ما يمكن تسميته بالجسر المتحرك يوضع على الخندق ويرفع عند اقتراب الأعداء منه لعدم تمكينهم من العبور (١). "المدخل" عبارة عن سقيفة بعد سقيفة، ومن أجل زيادة التحصين يكون باب السقيفة من حديد متين، ويتم تثبيت الباب بطريقة قوية ومحكمة فيكون خلعه متعذراً بأي صورة كانت (٢). "الحسك": باب فولاذي مكون من جرات كأنها السكاكين، وفيها يد وسلسلة ومتى ماقُبض على اليد وجُذبت السلسلة وانغلقت تلك الجرات على بعضها البعض فأنها تقطع ما وقع بين أجزائها، وهي على نوعين عامودي وأفقي يغرس على الأرض (٣). "صحن الرباط" وهو الفناء الذي تربط فيه دواب المرابطين بالإضافة إلى أنه توجد فيه المرافق في حين أن غرف المرابطين والجامع الكبير المخصص للصلاة لإلقاء الدروس كلها توجد في الطابق الأول (٤). ومن البديهي أن تكون الحراسة متواجدة في أعلى مكان في الرباط أو ملحقة به، وذلك لكشف الأعداء القادمين من مسافة بعيدة، بحيث تكون هناك فرصة جيدة لإعلان الإنذار فيأخذ المدافعون أهبتهم، ويعرف

стр. 601

الحراس الليليون باسم "السمَّار (١) " والرباط مزود بمنارة أو منار، فإذا كان الوقت ليلاً وأحس أولئك السمَّار باقتراب سفن الأعداء في البحر أو قدوا في تلك المنارة ناراً بكيفية معلومة، فيراها السمَّار والملازمون للمنار بالرباط المجاور فيشعلون النار مثل سابقيهم وهكذا يتم الإعلان عن الخطر القادم بصورة سريعة، وإن كان الوقت نهاراً تم إثارة الدخان (٢) أو استخدموا المرايا (٣) إلى جانب استخدام الطبل والنفير (٤) وهذه الصورة المنظمة في طرق الإنذار المبكر -إن صحت التسمية- نجدها واضحة بصورة جلية فيما بين الإسكندرية وطرابلس الغرب، فقد ذكر المراكشي أن "بين الإسكندرية وطرابلس المغرب حصون متقاربة جداً، فإذا ظهر في البحر عدوِّ نوّر كل حصن للحصن الذي يليه، واتصل التنوير، فينتهي خبر العدو من طرابلس إلى الإسكندرية أو من الإسكندرية إلى طرابلس في ثلاث ساعات أو أربع ساعات من الليل، فيأخذ الناس أهبتهم ويحذرون عدوهم (٥) ".

стр. 602

حياة المرابطين وقد كانت حياة المرابطين داخل الأربطة منظمة بدقة، فالمرابطون وطدوا أنفسهم على الوقوف في وجه الأعداء، فكانت الأربطة تتعاون فيما بينها للدفاع عن المسلمين، فإذا لاح الخطر، وأعطيت الإشارات على اقترابه، آوى المرابطون إلى رباطهم يعتصمون به من العدو، وأغلقوا الأبواب في وجهه، وعملوا كل ما في وسعهم لدفعه وإحلال الهزيمة به. ونظراً للإقبال المتوقع من رجال الجهاد على تلك الأربطة، فمن المحتمل أن تخضع الفئة الجديدة لما يمكن تسميته بالإعداد العسكري، وعلى هذا فالتدريب والتجهيز العسكري سمة لدى المرابطين، ليكون الكل جاهز لصد عادية المعتدين، كما أن المرابطين يحيون حياة جماعية تعاونية، وهذا مطلب ضروري لبعدهم عن حواضر المدن. ونظراً لوقوع هذه الأربطة على السواحل، فالمرابطون لابد أن تشتغل فئة منهم باصطياد الأسماك، وإن كانت هناك مزارع فهم يفلحون أراضيهم بأنفسهم، فضلاً عن تعاونهم بإعداد احتياجاتهم من الطعام. وبصفة عامة فإن حياة المرابطين يغلب عليها طابع التقشف، فهي بعيدة كل البعد عن الملذات، وأما اللهو والمجون فلا سبيل إلى تواجدهما بالقرب من الرباط فضلاً من أن يكون فيه شيء من ذلك (١).

стр. 603

كما حرص المرابطون على أن تكون قراءة القرآن من أبرز سماتهم، لأجل هذا، كانت تدوي بقراءة القرآن، وتعج بالحفاظ، ويقوم المرابطون بذكر الله تعالى بصوت مرتفع، فقد ذكر ابن أبي زمنين عن الفقيه عبد الملك بن حبيب: قوله: "ورأيت أهل العلم يستحبون التكبير في العساكر والثغور والمرابطات دبر صلاة العشاء وصلاة الصبح تكبيراً عالياً ثلاث تكبيرات، ولم يزل ذلك من شأن الناس قديماً (١) ".

стр. 604

الفصل الخامس: الخطط الدينية المبحث الثامن: خطة المدينة المبحث السابع: خطة الشرطة المبحث السادس: خطة السوق "الحسبة" المبحث الخامس: خطة الشورى المبحث الرابع: خطة المظالم المبحث الثالث: خطة الرد المبحث الثاني: خطة الصلاة والخطبة المبحث الأول: خطة القضاء

стр. 605

خطة القضاء القضاء في اللغة يطلق على معان متعددة (١) يهمنا منها في هذه الدراسة ما يفيد الحكم والحتم. قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعبدوا إلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ (٢) أي حكم وحتم. والقضاء يأتي على وجوه مرجعها إلى انقطاع الشيء وتمامه، وكل ما أُحكم عمله، أو أُتم أو خُتم أو أُدي أداء أو أُوجب أو أُعلم أو أُنفذ أو أُمضي فقد قُضي (٣)، والحكم يأتي بمعنى العلم والفقه والقضاء العدل وهو مصدر حكم يحكم (٤). وأما في الاصطلاح فالقضاء يعني فصل الخصومات وفض المنازعات عن طريق إلزام الخصوم بالأحكام الشرعية من الكتاب والسنة والاجتهاد بطريقة معينة (٥) فهو "إخبار على حكم شرعي على طريقة الإلزام" (٦).

стр. 606

وقد نظر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى إلى اختصاصات القاضي نظرة واسعة، فذكر أن "القاضي اسم لكل من قضى بين اثنين وحكم بينهما، سواء كان خليفة أو سلطاناً أو نائباً، أو ولياً، أو كان منصوباً ليقضي بالشرع أو نائباً له حتى الذي يحكم بين الصبيان في الخطوط إذا تخايروا، هكذا ذكر أصحاب رسول الله ﷺ وهو ظاهر (١) "، ونظراً لأن القضاء هو الوسيلة التي تتحقق فيها العدالة التي هي مطلب النفوس السوية، مما يكفل السعادة لأي مجتمع توجد فيه، لأجل هذا فقد اهتم الإسلام بالقضاء اهتماماً واسعاً، فلا عجب أن يتبوأ من يشغل منصب "القاضي" أسمى المراتب في المجتمع الإسلامي. والله جل ثناؤه قد ترك للحكام تصريف أمور الناس فحكموا في الدماء والأبضاع والأموال والحلال والحرام، لأجل هذا فخطة القضاء أشرف الخطط بعد الخلافة (٢). وفي الأندلس كان القاضي يحتل مكانة بارزة، حتى أن لقب "القاضي" كان يطلق على البعض تشريفاً لهم، فهذا أحمد بن محمد

стр. 607

القيسي، المتوفى سنة (٣٤٥) هـ (٩٥٦ م)، كان يلقب بالقاضي لوقاره (١)، رغم أنه لم يكن قاضياً. وقد كان الولاة الأوائل في الأندلس هم القضاة أيضاً، ولم يتم الفصل بين منصبي الولاية والقضاء إلا في سنة (١١٦) هـ (٧٣٤ م) أي في عهد الوالي عقبة بن الحجاج السلولي حيث تم تعيين مهدي بن مسلم قاضياً في قرطبة (٢). وقد كان القضاة في الأندلس على مراتب ودرجات، فقضاة القرى الصغيرة يطلق على الواحد منهم لقب مسدَّد (٣) أما في قرطبة فقد عرف في عهد الولاة بلقب قاضي الجند أو العسكر (٤) وبعد أن قامت الدولة الأموية أخذ اللقب يتغير، إذ ظهر مسمى جديد هو "قاضي الجماعة" بدلاً

стр. 608

من "قاضي الجند" وأول من حمل هذا اللقب هو يحيى بن يزيد (١) الذي كان يشغل منصب "قاضي الجند" قبل وصول الأمير عبد الرحمن الداخل للحكم وبعد أن قامت الإمارة وتولى الأمير الداخل الحكم أقر القاضي يحيى بن يزيد على منصبه (٢) وأما من يلي القضاء في إحدى الكور، فقد كان يعرف بلقب "قاضي" منسوباً إلى الكورة التي هو فيها، فيقال قاضي كورة كذا (٣). وتسمية يحيى بن يزيد بقاضي الجماعة ربما يكون السبب فيها عائد إلى كتابته للعهد الذي أبرم بين الأمير عبد الرحمن الداخل وبين آخر ولاة الأندلس الوالي يوسف الفهري الذي اشترط حضور قاضيه لكتابة العهد (٤) لمبايعة المسلمين للأمير عبد الرحمن الداخل بالإمارة لأجل ذلك أُطلق على يحيى ابن يزيد لقب "قاضي الجماعة" أي أنه أصبح هو قاضي الجماعة الجديد في الأندلس (٥).

стр. 609

وأما ما ذهب إليه النباهي من أن لقب "قاضي الجماعة" المقصود منه جماعة القضاة (١)، فهو رأي لايمكن التسليم به وبالذات إذا عرفنا أن قاضي الجماعة لا سلطان له على القضاة خارج قرطبة. وقد ذكر ابن القوطية أن الفقيه عمرو بن عبد الله (٢) هو أول من تسمى بقرطبة بقاضي الجماعة، وهذا القول يوضحه ما جاء بعده، فقد قال ابن القوطية أن عمرو بن عبد الله "لم يكن من الجند فنسب إليهم، وكان القضاة من أجناد العرب (٣) " وبذلك يتضح أن ابن القوطية أراد أن يقول أنه أول قاضٍ للجماعة من غير العرب (٤)، وهذا ما صرح به ابن الفرضي بقوله "وهو أول من استُقضي بقرطبة من الموالي (٥) ".

стр. 610

وظهر في القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي) لقب جديد، وهو "قاضي القضاة" وصاحب هذا اللقب لا شأن له بقرطبة، إذ أن دائرة اختصاصه محصورة في الثغور، وأول من أُطلق عليه هذا اللقب منذر بن سعيد البلوطي وذلك سنة (٣٣٠) هـ (٩٣٧ م) فقد ولاه الخليفة عبد الرحمن الناصر "القضاء في جميع الثغور، وصُير قاضي القضاة في جميعها، وجعل إليه الإشراف على جميع القضاة والعمال بها، والنظر في المختلفين من بلاد الإفرنج إليها" (١). وبهذه الصورة أصبحت الدولة الأموية تضم أربعة أصناف من مراتب القضاة، فهناك "مسدد" وهو قاضي القرية الصغيرة، و"القاضي" وهو من تولى القضاء في الكورة، و"قاضي قضاة" الذي يشرف على عمال الثغور وقضاته، وأخيراً "قاضي الجماعة" بالعاصمة قرطبة. وقد استمر لقب "قاضي الجماعة" طيلة القرنين الثالث والرابع الهجريين (التاسع والعاشر الميلاديين) من عمر الدولة الأموية، إلا أنه في عهد الحاجب عبد الرحمن بن المنصور الشهير بشنجول، حل محله لقب "قاضي القضاة" وأول من حمل هذا اللقب أبو العباس أحمد بن عبد الله بن

стр. 611

ذكوان (١)، ثم حمله من بعده أبو بكر يحيى بن عبد الرحمن بن وافد اليحصبي (٢). والملاحظ أن لقب "قاضي القضاة" عرفته الأندلس من المشرق وبالتحديد من الخلافة العباسية التي اقتبسته بدورها من النظم الفارسية الساسانية (٣)، والدولة الأموية في الأندلس لم تسمح بهذا اللقب في حاضرتها إلا بعد أن أخذت تسير سريعة نحو الانحلال. وكما كان القاضي ابن ذكوان أول من لُقِّب بـ"قاضي القضاة" في الأندلس فكذلك هو أول من اجتمع له منصبي الوزارة والقضاء (٤)، ولقب الوزارة هنا ليس لقباً شرفياً، وإنما للقيام بأعباء الوزارة كاملة إضافة إلى

стр. 612

أعباء القضاء (١) وفي هذه الحالة كانت رسوم الدولة الأموية تقتضي تقديم لقب الوزارة على القضاء في المكاتبات فابن (٢) ذكوان "كان يكتب عنه من الوزير قاضي القضاة (٣) " إلى فلان. وقبل أن ننهي الحديث عن الألقاب التي حصل عليها قضاة الأندلس، لابد من الإشارة إلى أهمية منصب قاضي الجماعة بقرطبة، ويكفي في هذا الخصوص أن أمراء وخلفاء بني أمية كانوا إذا احتاروا في أمر من الأمور لا يقطعون فيه حتى يستشيروا ثلاثة من أصحاب المناصب العليا، أحدهم قاضي الجماعة بقرطبة (٤). رسوم تعيين قاضي الجماعة: من الملاحظ أن عدد قضاة الجماعة بقرطبة طيلة العهد الأموي، بلغ واحد وثلاثون قاضياً، منهم سبعة من أهل قرطبة والباقي من خارجها (٥). وإذا بحثنا عن السبب في هذا الوضع نجد أن ابن خلدون يذكر أن خطة القضاء لدى بني أمية بالأندلس لا تسند إلا لأهل العصبية (٦)، ورغم أنه لم يأت بما يؤيد رأيه، إلا أنه يمكن القول بأنه قد ذهب إلى هذا من

стр. 613

خلال اختيار الخليفة عبد الرحمن الناصر قضاة من أبناء البيوتات، ذات المكانة في الكورة نفسها أو غيرها من الكور، من ذلك أنه استقضى محمد بن عبد الخالق الغساني في النصف من ربيع الآخر سنة (٣٠٠) هـ (نوفمبر (٩١٢) م) (١) كما أنه اختار الفقيه معن بن محمد بن معن الأنصاري على قضاء سرقسطة سنة (٣٢٦) هـ (٩٣٨ م) وظل على خطته بسرقسطه حتى وفاته سنة (٣٣٠) هـ (٩٤٣ م) فقد كان الفقيه معن متولياً الأنصار من أهل سرقسطة وأحد رجالاتها وقدوة جماعتها (٢). وبعد أن يقع الاختيار على أحدهم ليتولى قضاء الجماعة، يتم استدعاؤه للأمير أو الخليفة، حيث يعهد إليه بالقضاء ويعظه ويحدد له الحدود ويرسم له الرسوم، وما يقف عليه من أسباب القضاء ووجوه الأحكام. ومما يلفت الانتباه في هذا الخصوص أن حكام بني أمية كانوا على درجة عالية من الثقافة والإلمام الواسع بمقتضيات الأمور، من ذلك أن الخليفة عبد الرحمن الناصر عندما استدعى الفقيه ابن أبي عيسى ليوليه قضاء الجماعة، خاطبه بما أراد ووعظه ووصاه، وعندما حدَّث ابن أبي عيسى أبا عمر أحمد بن عبادة الرعيني (٣) (ت (٣٣٢) هـ) بما جاء في وصايا الخليفة له،

стр. 614

قال له الرعيني: "لو أن أباك حياً، واجتهد في عظتك ما بلغ من النصح لك هذا المبلغ (١) ". وبعد أن تنتهي المقابلة، يتم إصدار مرسوم في هذا الصدد (٢) وقد حفظت لنا المصادر ظهيراً أصدره الخليفة الحكم المستنصر يوم الإثنين للنصف من شهر شعبان سنة (٣٥٣) هـ (أغسطس (٩٦٤) م) يقضي بتعيين محمد بن السليم قاضياً للجماعة، جاء فيه: إن الخليفة يأمر قاضيه بالاقتداء بسنة رسول الله ﷺ وأن يصلح سريرته، ويبرأ من الهوى ليكون الناس أمامه سواسية، كما نصحه بعدم الغرور بمنصبه، وأطلعه على خطورة ما يتقلده، وأنه طريقه إلى الجنة أو النار، ثم تعرَّض للشهادات وما يجب عليه في قبولها، وأوصاه بضرورة التفقد الدائم لكاتبه وحاجبه وأهل خدمته، كما نصحه بالتريث في إصدار الأحكام، وأشار عليه بأنه متى ما واجهته معضلة لم يستطع تجاوزها فعليه رفعها إلى الخليفة ليصدر فيها ما يراه (٣).

стр. 615

والشروط الواجبة توفرها فيمن يلي القضاء عامة، هي أن يكون معروفاً بالخير والصلاح والفضل والورع (١)، أو سبق أن اشتهر أمره بالأمانة (٢)، وكذلك معرفة الأمير أو الخليفة بأخلاق ذلك المرشح (٣)، أو أن يكون ذو شخصية تميزه عن غيره من الفقهاء (٤) أو أن تجتمع آراء الوزراء على تقديم فقيه بعينه (٥). وكان بعض أولئك المرشحين يشترط شروطاً لتولي ذلك المنصب، والقيام بمهامه الخطيرة، فمحمد بن بشير المعافري عندما استدعاه الأمير

стр. 616

الحكم الربضي ليتولى قضاء الجماعة وافق على الترشيح ولكنه اشترط "نفاذ حكمه على كل أحد من الأمير إلى حارس السوق، وأنه إذا ظهر له العجز من نفسه أُعفي وأن يكون رزقه كفافاً من المال الفيء (١) ". علاقة أمراء وخلفاء بني أمية بقضاتهم: يقول القاضي الباجي: "على الملك أن يشرف منزلة القاضي، ويقوي سلطانه، وينفذ حكمه في نفسه وولده وأهله وفي جميع أهل مملكته، كما فعلت الخلفاء الراشدون والأئمة الهادية والسلف الصالح لأن سلطانه من سلطانه" (٢). ومن هذا المنطلق حرص الأمويون على إيجاد القاضي العدل، ومساندة أحكامه، وإن كانت لا تتفق مع أهوائهم، فقاضي الجماعة عبد الرحمن بن طريف اليحصبي (٣)، لم يخش هيبة الأمير عبد الرحمن الداخل (٤)، ولم يجامله، فقد رفض تعليماته بضرورة التريث في قضية

стр. 617

حبيب القرشي الذي اغتصب ضيعة أحدهم، ولم يكتف بذلك، بل سارع إلى التسجيل على حبيب وإنفاذ الحكم عليه بمحضر الفقهاء والعدول، وعندما عاتبه الأمير على مخالفته أوامره، أجابه قائلاً "أيها الأمير، ما الذي يحملك على أن تتحامل لبعض رعيتك على بعض، وأنت تجد من ذلك وجهاً أن ترضي من تُعنى به من مالك (١) ". وأما الأمير هشام الرضا، فيكفي في إظهار موقفه من قضاته، أنه عندما استدعى المصعب بن عمران ليوليه قضاء الجماعة، قال له في معرض حديثه "ونفسي طيبة عليك لصلاح أمور المسلمين، ولو وضعت المنشار على رأسي لم أعترضك (٢) ". وبطبيعة الحال لن يضع القاضي منشاره على رأس الأمير، ولكن هذه الجملة تعني الخضوع المطلق لأحكام القاضي الشرعية، وفي الوقت نفسه هي دليل على مدى ثقة الأمير بمن اختاره للقضاء. ولقد كانت أفعال الأمير هشام مؤيدة لقاضيه، حتى أنه عندما اشتكى إليه أحد رجاله من أن القاضي سجل عليه في داره وأخرجه منها،

стр. 618

رد عليه قائلاً: "وماذا تريد مني؟، والله لو سجل عليَّ القاضي في مقعدي هذا، لخرجت عنه (١) ". وأما الأمير الحكم الربضي، الذي اختلفت المصادر في الحديث عن شخصيته (٢) فقد ذكر الخشني، أنه عندما بلغه أن قاضي الجماعة محمد بن بشير، يحتضر، قام في جوف الليل يصلي في مكان منفرد في القصر، ويبتهل إلى الله تعالى أن يوفقه بقاضٍ يكون عوضاً لقاضيه ابن بشير (٣)، وذلك على الرغم من أن هذا القاضي كانت له مواقف من الأمير الحكم، فقد أصدر القاضي حكمه في قضية "أرحى القنطرة" ضد رغبة الأمير الحكم، الذي لم يخف استحسانه لفعله، حيث قال "رحم الله محمد ابن بشير فلقد أحسن فيما فعل بنا على كره منا، كان في أيدينا شيء مشتبه فصححه لنا حلالاً طيباً فطاب لنا ملكه (٤) "، وكانت له كلمة مشهورة تدل على حرصه على العدل، فقد ذكر ابن عذاري أنه كان يقول: "ماتحلى الخلفاء بمثل العدل" (٥).

стр. 619

وأما الأمير عبد الرحمن الأوسط، فقد كان يقال لأيامه أيام العروس (١)، وذلك لما امتازت به من العدل والهدوء، ومما يدل على حزمه في إقراره العدل قصة التاجر اليهودي الذي شكى لقاضي مارده سليمان بن أسود (٢) من أن أحد أعوان الأمير محمد بن عبد الرحمن - حاكم كورة ماردة في ذلك الوقت - قد أخذ جاريته منه ولم يسدد ثمنها، أو يردها عليه، وعندما حاول القاضي إقناع الأمير محمد بضرورة إنصاف اليهودي، عمد الأمير إلى الإنكار، فهدده القاضي بأنه سوف يذهب بنفسه إلى والده بقرطبة ويعرض عليه القضية كاملة، فلم يكن أمام الأمير محمد إلا الرضوخ لحكم القاضي، حيث تم تسليم الجارية لليهودي (٣).

стр. 620

وفي عصر الخلافة نجد الخليفة عبد الرحمن الناصر يرضخ لحكم قاضي الجماعة منذر بن سعيد البلوطي، فقد ذكر ابن غالب أن الخليفة أراد شراء دار أيتام زكريا أخي بخدة الحيري، لحظية من نسائه، وكان أولئك الأيتام في حجر القاضي، وكما هو معروف أنه لا يجوز البيع في هذه الحالة إلا عن رأيه ومشورته، ولذا ما إن شعر القاضي أن الخليفة سوف يدفع ثمناً أقل مما يجب في الدار، حتى سارع وأمر الوصي بنقض الدار حيث بيعت الأنقاض بثمن أكثر مما كان الخليفة سيدفعه، وحين اتصل الخبر بالخليفة سأل القاضي عن هذا التصرف، فكان رده ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً﴾ (١) فما كان من الخليفة إلا أن استحسن رد القاضي وتصرفه، وقال له: نحن أولى من الانقياد إلى الحق، فجزاك الله عنا وعن أمانتك خيراً (٢) ". وهكذا يتضح مما سبق - والأمثلة كثيرة - أن سياسة بني أمية مع القضاة كانت تتسم بالاحترام والتأييد والمساندة في إنفاذ أحكامهم، وعدم نقضها، بالرغم من أن بعضها كان لا يوافق رغباتهم. كل هذا حرص منهم

стр. 621

على إتباع الحق، ونشر العدل إذ أن "الظلم مؤذن بخراب العمران (١) " ولا ننسى أنهم كانوا شديدي الحرص على سلامة سمعتهم، ليس فقط بين رعاياهم أو الممالك النصرانية المجاورة، وإنما ألا يصل إلى مسامع العباسيين إلا كل جميل عنهم وعن قضاتهم، يدل على ذلك قصة قاضي الجماعة عمرو بن عبد الله، المتوفى سنة (٢٧٣) هـ (٨٨٦ م) الذي دارت حوله شكوك في قضية مال لأحد الأيتام، فقد أفتى الفقهاء بتحليف القاضي علناً، إلا أن الأمير محمد بن عبد الرحمن أخذ برأي الفقيه بقي بن مخلد، المتوفى سنة (٢٧٦) هـ (٨٨٩ م) الذي قال للأمير: "إن اتصل ببني العباس أنّا نحلف قضاتنا، كان ذلك أعظم ما نعاب به عندهم (٢) ". وبالمقابل لهذه المساندة التي يقدمها أمراء وخلفاء بني أمية لقضاتهم، نجد الفقهاء يعملون دوماً على تحسين صورة أولئك الحكام أمام رعاياهم، من ذلك مثلاً: العلاقة الوطيدة التي كانت قائمة بين الأمير عبد الرحمن الأوسط والفقيه يحيى بن يحيى الليثي (٣) ت (٢٣٤) هـ (٨٤٨ م) فقد عبر

стр. 622

عنها ابن القوطية بقوله "وكان يلتزم من إعظام يحيى بن يحيى وبره ما لا يلتزم الابن البار للأب الحاني (١) " حتى أنه لم يعص له أمراً إلا مرة واحدة (٢) ومقابل هذا البر كان الفقيه يحيى صاحب مهارة وكياسة في كيفية تزيين اثار الأمير لدى الرعية وحضهم على طاعته واستنهاضهم لتكاليفه (٣).

стр. 623

وكان الأمير محمد بن عبد الرحمن يجل الفقيهين بقي بن مخلد ومحمد بن عبد السلام الخشني (١) ت (٢٦٨) هـ (٨٨٢ م) وناصرهما ضد من وقف في وجهيهما من الفقهاء بعد عودتهما من المشرق (٢)، وبمقابل ذلك كان الفقيه ابن مخلد دائم الدعاء للأمير محمد واصفاً لآثاره معجباً به (٣)، كما

стр. 624

أن الفقيه الخشني كان إذا قعد للإسماع ابتدأ القارئ عليه بالدعاء للأمير محمد، وإذا فرغ ختم به (١) ". وفي عهد الخليفة هشام المؤيد كان الحاجب المنصور بن أبي عامر لا ينفذ بعض أحكام قضاته (٢)، فقد تدخل في حكم قضائي صدر ضد قاسم بن محمد المرواني المعروف بالشبانسي، الذي أودع السجن تميهداً لقتله، إلا أنه أفرج عنه لقصيدة مدحه فيها (٣). وقد اقتضت رسوم الدولة الأموية في الأندلس أن تكون مخاطبة القاضي للأمير أو الخليفة الأموي بـ"التسييد (٤) " وهذا ما كان يلتزمه الفقيه يحيى بن يحيى الليثي مع الأمير عبد الرحمن الأوسط (٥)، كما أن قاضي

стр. 625

الجماعة محمد بن يبقى بن زرب (١)، المتوفى سنة (٣٨١) هـ " (٩٩١) م" كان يخاطب الخليفة هشام المؤيد بـ"أصلح الله أمير المؤمنين سيدي وأبقاه وأيده بطاعته (٢) ". ونظراً لأن الحاجب المنصور بن أبي عامر سبق وأن أصدر أوامره بأن تكون مخاطبته بلفظ "سيدي (٣) " لأجل هذا فقد كان القاضي ابن زرب يخاطبه بـ"يا سيدي ومن وفقه الله لطاعته وعصمه بتقواه (٤) ".

стр. 626

تعطل منصب قاضي الجماعة: بالرغم من الاهتمام الكبير الذي أولاه الأمويون في الأندلس للقضاء إلا أن المصادر أوردت ذكر تعطل منصب "قاضي الجماعة" ثلاث مرات طيلة تاريخ الدولة الأموية هناك. ففي عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط، وبعد أن توفي قاضي الجماعة يحيى بن معمر الألهاني سنة (٢٠٩) هـ (٨٢٤ م) بقي الناس بغير قاضي مدة ستة أشهر (١). وفي عهد الأمير محمد بن عبد الرحمن تعطل القضاء، فقد خرج قاضي الجماعة عمرو بن عبد الله للغزو مع وليد بن هاشم سنة (٢٦٣) هـ (٨٧٧ م) وعند عودته لم يؤمر بالنظر في القضايا، وعدم صدور الأمر للقاضي بالنظر بعد عودته من الغزو علامة على أنه قد عُزل عن منصبه، وبذلك ظل منصب قاضي الجماعة معطلاً طيلة ستة أشهر حتى أعيد إلى القضاء سليمان بن أسود للمرة الثانية (٢). وأما الخليفة المستعين بالله سليمان بن الحكم، فقد عطل خطة القضاء ثلاثة أعوام وثلاثة أشهر بحجة أنه لم يجد الكفء لهذه الخطة، بعد أن اعتذر عنها وليه أحمد بن ذكوان (٣).

стр. 627

وتعطيل منصب القضاء في عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط وابنه محمد أمر مثير للتساؤل، خاصة في وسط يعج بالفقهاء الأكفاء، كما هو حال المجتمع الأندلسي آنذاك، وقد كان بمقدور أي منهما تكليف أحد الفقهاء للقيام بهذه المهمة أو أن يدل على من هو أهل لها (١)، وبما أن بقاء الناس بدون قاضي مفسد لأحوالهم. إذاً ما هو العذر في تعطيل ذلك المنصب الهام؟ لعل حجة الأمير عبد الرحمن الأوسط وابنه في تعطيل منصب القضاء راجع إلى حرصهما على أن يكون القاضي الجديد لا يقل كفاءة عن سلفه (٢). وأما تعطله في عهد المستعين، فالناس كانوا في فتنة عظيمة لا ينال فيها صاحب الحق حقه حتى وإن كان القاضي في مجلسه، بالإضافة إلى هرب معظم الفقهاء من قرطبة بسبب الفتنة. وبالرغم من المكانة السامية التي يتمتع بها قاضي الجماعة بقرطبة، إلا أن سلطته تبدو محدودة مقارنة بمكانته، فسلطته لا تتجاوز قرطبة، وقضاؤه يتوقف عند حدودها، وليس له على قضاة كور الأندلس أي سلطة. والسبب في ذلك يوضحه لنا ابن حيان، فقد ذكر أن بني أمية في الأندلس "لم يفوضوا أمر القضاة إلى قاضي في وقت من الأوقات (٣) " سواء

стр. 628

في الأحكام أو التعيين والعزل، لكننا نجد لدى الخشني نص يفيد بأن هذه القاعدة يمكن تجاوزها، شريطة أن يصدر تفويض من الأمير بذلك، يتمكن من خلاله قاضي الجماعة من بسط نفوذه حيث يصبح بإمكانه إصدار أوامره لأحد قضاة الكور وتفقد أحواله أو حتى عزله وتعيين سواه، من ذلك أن أهل كورة استجه رفعوا للأمير الحكم الربضي كتاباً يسألونه فيه تعيين قاضٍ يقضي بينهم، فأحال الأمير كتابهم إلى قاضي الجماعة سعيد بن محمد ابن بشير المعافري ليختار لهم من يراه (١). ثقافة القاضي: جاء في حديث معاذ بن جبل ﵁ عندما بعثه رسول الله ﷺ إلى اليمن قاضياً، أنه قال له: "كيف تقضي إن عرض عليك القضاة؟ "قال: "أقضي فيما في كتاب الله" قال: "فإن لم يكن ذلك في كتاب الله؟ " قال: "أقضي بسنة رسول الله" قال: "فإن لم يكن ذلك في سنة رسول الله؟ "قال: "أجتهد رأيي ولا آلو" قال: فضرب رسول الله ﷺ على صدره

стр. 629

بيده، وقال: "الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله" (١). هذا الحديث الشريف الذي أقر فيه النبي ﷺ قول معاذ ﵁ قد جمع المصادر التي يمكن بواسطتها استنباط الأحكام. فعندما يكون النص من الكتاب والسنة متعذراً لابد من الاجتهاد، والذي تجدر الإشارة إليه أن الاجتهاد الذي يلجأ إليه الصحابة الكرام رضوان الله عليهم، والنبي الكريم ﷺ على قيد الحياة، لا يأخذون به إلا في حالة بعد الشقة بينهم وبينه، والأمر يتطلب البت حالاً، أما في حالة كونهم معه فإنهم يرجعون إليه في كل صغيرة وكبيرة ليمتثلوا أوامره ﵊ (٢). وكثيراً ما كان النبي ﷺ يزود من يوليهم القضاء بوصاياه وإرشاداته الكريمة (٣)، وعلى هذا المنوال سار من أتى بعده من الخلفاء الراشدين ﵃ وغيرهم، ولعل أشهر تلك الوصايا كتاب الخليفة الراشد عمر بن الخطاب لأبي موسى الأشعري ﵄ (٤).

стр. 630

هذه الوصايا والإرشادات التي وصلت إلينا منذ عهد النبي ﷺ أو أصحابه ﵃، جميعها تشكل القاعدة الرئيسية للثقافة التي يجب أن يتحلى بها من يلي القضاء. ومن اجتمع فيه الدين والعلم وكان "مطلعاً على أقضية من مضى، غير مستكبر عن مشاورة من معه من أهل العلم، ورعاً، ذكياً فطناً، فهماً غير عجول، نزيهاً عما في أيدي الناس عاقلاً، مرضي الأحوال، غير هيَّاب للأئمة (١) " كان هو الأصلح للقضاء. ولأن من النادر اجتماع هذه الخصال في رجل واحد - باستثناء السلف الصالح - لأجل هذا نجد الإمام مالك بن أنس، المتوفى سنة (١٧٩) هـ (٧٩٥ م) ﵀، يقول: "ولا أرى خصال القضاء تجتمع اليوم في أحد، فإن اجتمع منهما خصلتان: العلم والورع، ولي (٢) "، في حين يرى الفقيه عبد الملك بن حبيب (٣)، أن صفتي العقل والورع تؤهلان الرجل

стр. 631

للقضاء، لأنه بالعقل يسأل ويشير وبالورع يعف (١)، وورد لدى النباهي أن "كثير العقل مع قليل العلم أنفع من كثير العلم مع قليل العقل، وليس العلم بكثرة الرواية والحفظ، كما قال ابن مسعود ﵁، وإنما العلم نور يضعه الله في القلب (٢) ". وقد ذكر ابن عبد ون الصفات الخلقية التي يجب أن يكون عليها القاضي باعتباره قدوة الجميع فهو يرى أن القاضي يجب "أن يكون جزلاً

стр. 632

في قوله، صارماً في أمره، محقاً في حكمه، مصوناً عند الناس وعند الرئيس والجمهور عارفاً بحكم الله (١) ". وقد استقصت بعض المصادر (٢) ذكر تلك الخصال وكلها تدور حول كون القاضي قدوة للخاصة والعامة ولذا فلابد أن تتوافر فيه الشروط التي تؤهله لذلك. وعندما نقلب صفحات تراجم قضاة قرطبة، نجد أن معظمهم قد توفرت فيهم العديد من الصفات التي اشترطها الفقهاء فيمن يلي القضاء (٣). وبالمقابل لصور هؤلاء القضاة، نجد صوراً أخرى قاتمة لقضاة وجدوا في عصر الفتنة، من سنة (٣٩٩) هـ-٤٢٢ هـ (١٠٠٩ - (١٠٣١) م) ويصور لنا ابن حيان حال أحدهم في تلك الفترة، فذكر أن رجلاً كان فلاحاً ثم ناسب أسرة ابن ذكوان، وتولى القضاء آنذاك، فكان ذلك الرجل، مع ثرائه "مضاع الجار، ممطول الغريم، عاتب الصديق، مكرها للأنام … ضيق الباع في العلم والفضل، والاتساع في الجهل، فلا يحفظ في الفقه مسألة، ولا يوثق من الشروط عقداً، ولا يتخلص في التلاوة من سورة، ولا يفيض في الأدب ببيت شعر، ثم يأوي بجهله إلى حرج صدر، وغالب نزق، فلا

стр. 633

تلقاه الخصوم أبداً إلا سريع الغضب، سيء التناول، ينازق الذباب شراسة (١) ". صلاحيات القاضي واختصاصاته: للقاضي صلاحيات وسلطات يمارسها دون غيره من أهل الخطط، فهو ينظر في عشر مسائل، هي: الفصل في المنازعات، والعمل على إيصال الحقوق لمستحقيها، وإلزام الولاية للسفهاء والمجانين والحجر على المفلس حفظاً للأموال، والنظر في الأحباس والوقوف والتفقد لأحوالها وأحوال الناظر فيها، كذلك له تنفيذ الوصايا على شروط الموصي إذا وافقت الشرع، ويتولى تزويج الأيامى من الأكفاء في حالة عدم وجود الأولياء، وله إقامة الحقوق سواء كانت من حقوق الله تعالى أو من حقوق الآدميين، بالإضافة إلى النظر إلى مصالح العامة من كف التعدي في الطرقات والأفنية، وإخراج مالا يستحق من الأجنحة والأقنية، وتفقد أحوال الشهود والأمناء واختبار من يرتضيه لذلك، وأخيراً، وجوب التسوية في الحكم بين القوي والضعيف وتوخي العدل بين الشريف والمشروف (٢). وإذا نظرنا إلى قضاة قرطبة، نجد أنهم كانوا يطبقون تلك الاختصاصات والصلاحيات تطبيقاً عملياً، فقد كانوا يتناولون في

стр. 634

أحكامهم مسائل متنوعة، وتكون الأحكام الصادرة عنهم مرتكزة على آراء الفقهاء والمشاورين الذين تتم استشارتهم في تلك القضايا، من ذلك "قضية وارث غائب في المشرق وله شرك في دار وطلب الورثة قسمة الدار، وأفتى الفقهاء ببيع الدار، وحفظ حق الوريث الغائب في قيمة ميراثه، وذلك لأن الدار لا تحتمل القسمة (١) ". وعندما تقدمت جارية مملوكة للقاضي وادعت أن سيدها غاب عنها ولم يترك لها نفقة، أمر القاضي ببيعها، وحفظ الثمن عند أحد الثقات إلى أن يرجع سيد الجارية فيسلم له (٢). وقاضي الجماعة يركب لحيازة أرض محبسة (٣)، أو للوقوف على أطوال أرض معينة، مثل ركوب قاضي الجماعة أحمد بن بقي (٤) بن مخلد

стр. 635

إلى مقبرة الربض لامتحان الحدود التي سبق وأن أثبتها قاضي الجماعة الأسوار بن عقبة (١)، وكذلك معاينة حائط فيها تنازع (٢)، ومنع الضرر الحادث من دخان فرن ونحوه (٣)، والتحقيق في قضايا القتل الخطأ (٤)، والحكم بالعقلة (٥)، والإشراف على المساجد والميضأة ونظافة أفنيتها وفتح أي باب من أبواب المسجد أغلق منذ مدة طويلة (٦).
следующие страницы →