للقضاء، لأنه بالعقل يسأل ويشير وبالورع يعف (١)، وورد لدى النباهي أن "كثير العقل مع قليل العلم أنفع من كثير العلم مع قليل العقل، وليس العلم بكثرة الرواية والحفظ، كما قال ابن مسعود ﵁، وإنما العلم نور يضعه الله في القلب (٢) ".
وقد ذكر ابن عبد ون الصفات الخلقية التي يجب أن يكون عليها القاضي باعتباره قدوة الجميع فهو يرى أن القاضي يجب "أن يكون جزلاً
стр. 632
في قوله، صارماً في أمره، محقاً في حكمه، مصوناً عند الناس وعند الرئيس والجمهور عارفاً بحكم الله (١) ".
وقد استقصت بعض المصادر (٢) ذكر تلك الخصال وكلها تدور حول كون القاضي قدوة للخاصة والعامة ولذا فلابد أن تتوافر فيه الشروط التي تؤهله لذلك.
وعندما نقلب صفحات تراجم قضاة قرطبة، نجد أن معظمهم قد توفرت فيهم العديد من الصفات التي اشترطها الفقهاء فيمن يلي القضاء (٣).
وبالمقابل لصور هؤلاء القضاة، نجد صوراً أخرى قاتمة لقضاة وجدوا في عصر الفتنة، من سنة (٣٩٩) هـ-٤٢٢ هـ (١٠٠٩ - (١٠٣١) م) ويصور لنا ابن حيان حال أحدهم في تلك الفترة، فذكر أن رجلاً كان فلاحاً ثم ناسب أسرة ابن ذكوان، وتولى القضاء آنذاك، فكان ذلك الرجل، مع ثرائه "مضاع الجار، ممطول الغريم، عاتب الصديق، مكرها للأنام … ضيق الباع في العلم والفضل، والاتساع في الجهل، فلا يحفظ في الفقه مسألة، ولا يوثق من الشروط عقداً، ولا يتخلص في التلاوة من سورة، ولا يفيض في الأدب ببيت شعر، ثم يأوي بجهله إلى حرج صدر، وغالب نزق، فلا
стр. 633
تلقاه الخصوم أبداً إلا سريع الغضب، سيء التناول، ينازق الذباب شراسة (١) ".
صلاحيات القاضي واختصاصاته:
للقاضي صلاحيات وسلطات يمارسها دون غيره من أهل الخطط، فهو ينظر في عشر مسائل، هي: الفصل في المنازعات، والعمل على إيصال الحقوق لمستحقيها، وإلزام الولاية للسفهاء والمجانين والحجر على المفلس حفظاً للأموال، والنظر في الأحباس والوقوف والتفقد لأحوالها وأحوال الناظر فيها، كذلك له تنفيذ الوصايا على شروط الموصي إذا وافقت الشرع، ويتولى تزويج الأيامى من الأكفاء في حالة عدم وجود الأولياء، وله إقامة الحقوق سواء كانت من حقوق الله تعالى أو من حقوق الآدميين، بالإضافة إلى النظر إلى مصالح العامة من كف التعدي في الطرقات والأفنية، وإخراج مالا يستحق من الأجنحة والأقنية، وتفقد أحوال الشهود والأمناء واختبار من يرتضيه لذلك، وأخيراً، وجوب التسوية في الحكم بين القوي والضعيف وتوخي العدل بين الشريف والمشروف (٢).
وإذا نظرنا إلى قضاة قرطبة، نجد أنهم كانوا يطبقون تلك الاختصاصات والصلاحيات تطبيقاً عملياً، فقد كانوا يتناولون في
стр. 634
أحكامهم مسائل متنوعة، وتكون الأحكام الصادرة عنهم مرتكزة على آراء الفقهاء والمشاورين الذين تتم استشارتهم في تلك القضايا، من ذلك "قضية وارث غائب في المشرق وله شرك في دار وطلب الورثة قسمة الدار، وأفتى الفقهاء ببيع الدار، وحفظ حق الوريث الغائب في قيمة ميراثه، وذلك لأن الدار لا تحتمل القسمة (١) ".
وعندما تقدمت جارية مملوكة للقاضي وادعت أن سيدها غاب عنها ولم يترك لها نفقة، أمر القاضي ببيعها، وحفظ الثمن عند أحد الثقات إلى أن يرجع سيد الجارية فيسلم له (٢).
وقاضي الجماعة يركب لحيازة أرض محبسة (٣)، أو للوقوف على أطوال أرض معينة، مثل ركوب قاضي الجماعة أحمد بن بقي (٤) بن مخلد
стр. 635
إلى مقبرة الربض لامتحان الحدود التي سبق وأن أثبتها قاضي الجماعة الأسوار بن عقبة (١)، وكذلك معاينة حائط فيها تنازع (٢)، ومنع الضرر الحادث من دخان فرن ونحوه (٣)، والتحقيق في قضايا القتل الخطأ (٤)، والحكم بالعقلة (٥)، والإشراف على المساجد والميضأة ونظافة أفنيتها وفتح أي باب من أبواب المسجد أغلق منذ مدة طويلة (٦).
стр. 636
كما أن له الإشراف على المقصورة المقامة في المسجد الجامع بقرطبة، ولا يؤذن لأحد بالصلاة فيها إلا بأمره (١)، والنظر في المشاجرات سواء التي كانت تنشأ بين الزوجين أو بين أي اثنين من أفراد المجتمع بسبب رهن أو بيع فيه عيوب ونحو ذلك (٢). ومن الأمور التي يبرز فيها دور القاضي في تهدئة الأحوال في مجتمعه أنه عقب هيج الربض الذي اندلع بقرطبة ضد الأمير الحكم الربضي، أُتهم أحد أقارب قاضي الجماعة الفرج بن كنانة (٣) بالاشتراك في ذلك الهيج، فتسور الأعوان عليه داره ليقتلوه، فعلت أصوات النساء، وعندما استفسر الفرج بن كنانة عن سبب ذلك الصراخ، وأخبر بحقيقة الأمر خرج مسرعاً إلى رئيس الأعوان وخاطبه في الأمر، فرد عليه رداً جافاً، فغضب الفرج وذهب للأمير الحكم وقال له: "أيها الأمير، أصلحك الله، إن قريشاً حاربت النبي ﷺ وناصحته
стр. 637
العداوة، ثم أنه صفح عنهم وأحسن إليهم، وأنت أحق الناس بالاقتداء به لقرابتك منه، ثم حكى له القصة وما عرض له، فأمر بضرب الناظر في ذلك الشغب وعفا عن بقية أهل قرطبة، وبسط الأمان لجماعتهم، واستألفهم إلى أوطانهم (١).
ولقاضي الجماعة دور في محاربة الأهواء والبدع، فقاضي الجماعة أسلم بن عبد العزيز (٢)، المتوفى في أواخر شهر رجب سنة (٣١٩) هـ (أغسطس سنة (٩٣١) م) أمر بضرب أحد النصارى لأنه ادعى لنفسه
стр. 638
الإتيان بمعجزات لم تكن إلا لعيسى ﵇ (١)، كما أن قاضي الجماعة منذر بن سعيد البلوطي، المتوفى أواخر شهر ذي القعدة سنة (٣٥٥) هـ (نوفمبر سنة (٩٦٦) م) أفتى بكفر وإلحاد أبي الخير (٢) ووجوب قتله دون أن يستتاب لأنه كان يسب الصحابة ويطعن في خلافة أبي بكر وعمر وعثمان ﵃، ويرمي أم المؤمنين السيدة عائشة ﵂ بالكذب، وكان مادحاً للخمر شارباً له زانياً لواطاً آكلاً للحم الخنزير هازلاً بكتاب الله طاعناً في السنن وأهلها، محتجاً على أهل السنة بالبدع، مؤولاً لحديث النبي ﷺ على غير مقصده، تاركاً للصلوات الخمس، وحضور الجمعة، مدعياً بأحقية علي بن أبي طالب ﵁ بالنبوة، وأن محاربة بني أمية أحق من محاربة الشرك، وكان يدعو لدعوة أبي تميم معد الملقب بالمعز لدين الله الفاطمي (٣)، ويرى الخروج على
стр. 639
الخليفة، الحكم المستنصر بالله بالسلاح، ويطعن على أئمة المسلمين وخلفائهم وفقهائهم، وينكر الشفاعة، ويدعي تخليد المذنبين من الموحدين في النار (١).
وقد أيد الخليفة الحكم المستنصر بالله رأي القاضي ومن معه من الفقهاء، وأصدر في ذلك كتاباً قرئ على منابر الأندلس فيه الوعيد الشديد للزنادقة، ولمن أفتى بغير المذهب المالكي (٢).
وبالإضافة إلى ما سبق، فقد كان من مهام القاضي المحافظة على القيم الإسلامية في المجتمع الأندلسي، فقد ذكر أنه كان في تطيلة امرأة "لها لحية كاملة كلحى الرجال، وكانت تتصرف في الأسفار وسائر ما يتصرف فيه الرجال فلا يؤبه لها حتى أمر قاضي الناحية نسوة من القوابل بالنظر إليها، فأخبرنه أنها امرأة فأمر القاضي بحلق لحيتها، وأن تتزيا بزي النساء، وألا تسافر إلا بذي محرم (٣) ".
стр. 640
وللقاضي الإشراف على بيت المال، وعليه أن يتفقد أمر العاملين فيه كل عام وإن أمكن كل شهر، ولا يأذن لأحد في التصرف فيه إلا عن رأيه، والقاضي والفقهاء يدبرون أمر بيت المال ويصلحون شأنه بحيث يكون بعضهم على بعض شهيداً (١).
ويتولى القاضي في بعض الأحيان مساءلة العمال إذا كثرت شكاوى الرعية منهم، فقاضي الجماعة سليمان بن أسود حكم على يوسف بن بسيل عامل شذونه، وذلك بسبب دعاوى رفعت ضده، كلها تتهمه باستغلال منصبه واغتصاب أموال بعض الأهالي في شذونه (٢).
والقاضي يتولى عملية الإشراف على الوثائق والتدقيق فيها، وإنزال العقوبة في من يثبت تدليسه فيها، فقد ذكر النباهي أن قاضي الجماعة محمد بن بشير المعافري (٣) قد ثبت لديه أن رجلاً كان يدلس في الوثائق
стр. 641
وأنه قد عقد وثيقة مدلَّسة على أحد التجار، فأمر القاضي ابن بشير بقطع يد ذلك الرجل فقطعت (١).
كذلك تعرض على القاضي مسائل الحبس الخطأ (٢)، ويقوم بتعيين إمام مسجد السجن وتكون أجرته من بيت المال (٣) كما يتولى مراقبة ما يصرف من أجرة أو إنفاق أو إصلاح موضع من الثغور ومدافعة عدو (٤).
ومن مهام القاضي ارتقاب شهر رمضان المبارك لإبلاغ الخليفة بذلك، ونشر الخبر بين الناس (٥).
وفي أحداث الفتنة البربرية كان لقاضي الجماعة ابن ذكوان موقفاً معتدلاً، فقد كان يرى ضرورة الصلح وإيقاع السلم مع البربر وقائدهم سليمان بن الحكم (٦)، كما حذر هشام بن سليمان من الفتنة وسوء
стр. 642
العاقبة (١)، ونصح الخليفة هشام المؤيد بعدم الأخذ بآراء حاجبه واضح الصقلبي (٢).
هذه صورة مجملة، للمهام التي أنيطت بالقاضي، الذي هو بدوره ركيزة أساسية يقوم عليها أي مجتمع كان، فهو القدوة، وبيده تحقيق العدالة التي هي سر الاستقرار والأمان، ولذا فعندما عمت الفتنة البربرية وتوارى دور القضاة، نجد ابن عبد ون يحملهم مسئولية ما وقع في قرطبة وغيرها من مدن الأندلس، فبعد أن تحدث عن الفساد الذي أصاب قلوب الناس، وما تبع ذلك من وقوع الهرج، قال "لا يصلح هذه الأمور إلا نبي بإذن الله، فإن لم يكن زمن نبي، فالقاضي مسئول عن ذلك كله، ومن كان في عون المسلمين كان الله في عونه، فعليه أن يصرح بالحق، ويجري إلى الصلاح والعدل والتخلص، وينظر لنفسه فعسى يتخلص، والله بعزته يسدّده ويوفقه للخير ويعينه عليه، إنه منعم بذلك، والقادر على كل شيء (٣) ".
стр. 643
مجلس القاضي ورسومه:
كان المسجد النبوي الشريف مكاناً للقضاء، وذلك طيلة عهد النبي ﷺ وصاحبيه الجليلين أبي بكر وعمر ﵄، وفي عهد الخليفة الراشد عثمان بن عفان ﵁ تم بناء أول دار للقضاء (١).
وبعد ذلك اتخذ قضاة الأمصار في الدولة الإسلامية الجامع مكاناً لانعقاد مجالس القضاء "لأنه أسهل المجالس، وأرفقه بالناس، وأحرى ألا يخفى على من أراد مجلس القاضي (٢) " وفي هذا يقول الفقيه ابن العطار، المتوفى سنة (٣٩٩) هـ (١٠٠٩ م): "إن للقاضي أن يلتزم النظر في المسجد، فهو كان من فعل المتقدمين بهم السالفين، ليصل إليهم القوي والضعيف، ولا ينبغي أن يحجب عنه أحداً، وهو أقرب إلى التواضع وأحوال النساك والصالحين (٣) ".
وكون المسجد الجامع، هو المكان الرئيسي للقضاء، لا يعني بالضرورة عدم جواز عقده فيما سواه، فللقاضي أن يجلس للقضاء في
стр. 644
المساجد المجاورة لبيته (١)، بل ربما كان بيت القاضي مكاناً للقضاء، فقد كان قاضي الجماعة إبراهيم بن العباس القرشي في بعض الأحيان يجلس في بيته يقضي بين الناس وجاريته تنسج في ناحية من نواحيه (٢).
ويستحب للقاضي إذا دخل المسجد لعقد الجلسة القضائية، أن يركع ركعتين أو أربعاً، يدعو لنفسه فيهما أن يوفقه الله تعالى للصواب ويعصمه من الزلل (٣)، وعند جلوسه لابد أن يكون في حالة لا تكدرها أي منغصات من غضب أو جوع أو نحوهما (٤)، فقد نهى المصطفى الكريم ﷺ عن الحكم في حال الغضب، فقال: "لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان" (٥). ثم يجلس للحكم مستقبلاً القبلة بوجهه (٦)، ولا حرج عليه أن يكون متربعاً أو محتبياً أو متكئاً (٧).
стр. 645
وكما ذكرت فإن جلوس القاضي في بيته للقضاء بين الناس لا يكون دائماً، بل وفق ظروف معينة، كجلوسه للقضاء في رحبة المسجد مثلاً، مما يتيح له فرصة الفصل في القضايا التي يكون أحد أطرافها غير مسموح له بدخول المسجد مثل اليهودي والنصراني (١)، وأينما عقدت جلسة القضاء فإنها دائماً تكون علنية يشهدها من أحبّ، فذلك أبلغ ما يكون في النزاهة (٢).
وقد ورد لدى الخشني أن معظم قضاة قرطبة ما كانوا يقضون أثناء مسيرهم إلى مجلس القضاء أو عند عودتهم إلى دورهم. فقد كان قاضي الجماعة أحمد بن زياد اللخمي لا يقبل أن يخاطب في شيء من أمر الخصوم إلا في مجلس نظره، ومن ألح عليه أمر بسجنه (٣)، كما أن قاضي الجماعة عمرو ابن عبد الله بن ليث كان يلازمه شيخ يسير دوماً إلى جانبه، فإذا
стр. 646
ذهب أحد ليدنو من القاضي أثناء مسيره إلى المسجد، دفعه ذلك الشيخ وقال له: "اذهب حتى يجلس القاضي في مجلس القضاء (١) ".
وأما عن طريقة ذهاب القاضي إلى المسجد الجامع للقضاء، فإن الأمر متوقف على بعد أو قرب دار القاضي من المسجد الجامع، وإن كنا نتوقع أنه أثناء ذهابه إلى المسجد يكون ماشياً، بينما يكون عند عودته إلى دراه راكباً، ومما يقوي هذا الرأي أن القاضي عند توجهه لمجلس القضاء في المسجد، يجمع بين قيامه بمصلحة المسلمين وفضيلة جلوسه في المسجد، ولذا يفضل المشي على الركوب لكي تكثر خطاه إلى المسجد فتكثر حسناته، وجلسة القضاء لا تعقد إلا في طرفي النهار وهذا هو وقت النشاط فلا بأس من السير مشياً نحو مجلس القضاء، وقد ذكر الخشني أن قاضي الجماعة بقرطبة سعيد ابن سليمان وعمرو بن عبد الله كانا يذهبان إلى المسجد الجامع مشياً (٢).
وقد جرى الرسم في ذهاب القاضي إلى مجلس الحكم وعودته منه أن لا يماشيه ولا يراكبه أحد، فقاضي الجماعة عمرو بن عبد الله "كان إذا ركب لا يصحبه صاحب ولا يصير إلى جانبه راكب (٣) ".
стр. 647
ومما يزيد الأمر توضيحاً في رسم المسير مع القاضي ما ذكره قاسم بن أحمد الجهني من أن قاضي الجماعة منذر بن سعيد البلوطي "ركب يوماً لحيازة أرض محبسة، في ركب فيهم أبو إبراهيم اللؤلؤي ونظراؤه، قال: فسرنا نقفوه وهو أمامنا وأمامه أمناؤه، ويحملون خرائطه، وذووه عليهم السكينة والوقار، وكانت القضاة حينئذ لا تراكب ولا تماشى (١) ".
لكن هذه القاعدة تخرم أحياناً، فقد ذكر الفقيه محمد بن أحمد العتبي أنه كان يمشي مع بعض الفقهاء بصحبة قاضي الجماعة سعيد بن سليمان وهو منصرف من مجلس القضاء نحو داره، فمر القاضي بالفرن وأخذ خبزته ووضعها تحت عضده، ثم توجه نحو داره، يقول العتبي: "ونحن نمشي معه، وقد أخرنا دوابنا إجلالاً له، حتى أديناه إلى منزله، فسلم علينا ودخل وانصرفنا عنه" (٢).
أما قاضي الجماعة، عمرو بن عبد الله فقد كان متساهلاً، بالذات وهو عائد من مجلس القضاء، فقد ذكر الخشني أنه إذا قام إلى داره قام الناس معه، فإذا بلغ القاضي باب داره "وقف وحول وجهه واتكأ على عصاه، ثم قال من كان له حاجة فليتكلم فيها" (٣).
стр. 648
وقد عرف القضاة بمشية خاصة، فهي أقرب ما تكون إلى البطء، فالقاضي يمشي وعليه السكينة والوقار، يدل على ذلك ما حُكي عن عالم المرية القاضي أبي الحسن مختار الرعيني، المتوفى سنة (٤٣٥) هـ (١٠٤٣ - (١٠٤٤) م) أنه عندما استدعاه زهير العامري حاكم المرية المتوفى سنة (٤٢٩) هـ (١٠٣٨ م) أتاه وهو يمشي قليلاً قليلاً ووصفت تلك المشية بمشية القاضي (١).
مواعيد مجلس القضاء ولباس القاضي:
كان القاضي يعقد مجلس الحكم في أوقات متعارف عليها، وذلك ليتم الالتزام بتلك الأوقات من قبل الجميع، فالقاضي يجلس للقضاء في أول النهار وآخره، واختيار هذين الوقتين فيه مراعاة لنشاط الحركة بين الناس، إذ أن أغلب المعاملات وأكثر الخصومات تقع في هذين الوقتين، فانتشار الناس للعمل فيهما أكثر بكثير من وقتي الظهيرة والمساء، هذا من ناحية الخصوم، وأما من ناحية القاضي فجلوسه للقضاء في هذين الوقتين أنسب ما يكون، لأن نشاطه الجسدي في قمة طاقته، إذ يسبق كلا منهما وقت كاف للراحة.
وقد تطرق ابن هشام الأزدي للأوقات التي تنعقد بها مجالس الحكم، فذكر أنه لا بأس أن يقضي القاضي في شهر رمضان، ولكن لا يقضي في أيام العيدين، ولا في يوم التروية، ولا في يوم عرفة، ولا بين المغرب
стр. 649
والعشاء، ولا في الأسحار، إلا أن يكون الأمر يتطلب ذلك، فلا يمكنه عندها إلا الجلوس للنظر (١).
وزاد ابن فرحون أن القاضي لا يجلس يوم سفر الحاج ويوم قدومه، وعند شهود المهرجان، وحدوث ما يعم من سرور أو حزن، وكذلك إذا كثر الوحل والمطر (٢).
وقد كان قاضي الجماعة بقرطبة محمد بن بشير يقعد لسماع الخصومة من غدوة إلى قبيل الظهر بساعة، ثم يقعد بعد صلاة الظهر إلى صلاة العصر لا يكون نظره غير السماع من البينات ولا يسمع من بينة في غير ذلك الوقت (٣) وكذلك كان قاضي الجماعة سعيد بن سليمان يجلس للقضاء في الغداة والعشي (٤).
ولم تكن هناك رسوم خاصة بالجلسة القضائية فيما يتعلق بلباس القاضي، كأن يلبس مايدل على الشعار الرسمي للدولة الأموية، فقد اعتاد قاضي الجماعة محمد بن بشير لبس قلنسوة خز (٥)، ورداء معصفراً ويفرق شعره إلى شحمة أذنيه (٦)، وعندما نوقش عن السبب في اتخاذه هذا الزي،
стр. 650
أجاب بأنه متبع في إرسال لمته لسيد القراء محمد بن المنكدر، المتوفى سنة (١٣٠) هـ (٧٤٨ م) ولفقيه المدينة هشام بن عروة، المتوفى سنة (١٤٦) هـ (٧٦٣ م) وأما في لبس الخز فاتباع لمحمد بن أبي بكر الصديق ﵁ (١).
وكان قاضي الجماعة سعيد بن سليمان يجلس "للحكم وعليه جبة صوف بيضاء وفي رأسه أقروف أبيض وغفارة بيضاء من ذلك الجنس (٢) ". كما كان قاضي الجماعة عمرو بن عبد الله يجلس للحكم في المسجد وعليه أحياناً ثوب شركاب (٣).
من هنا ندرك أن للقاضي في الأندلس لبس ما شاء عند حضوره لمجلس الحكم.
وبطبيعة الحال كانت اللغة المستخدمة في مجلس الحكم اللغة العربية، لكن يحدث أحياناً استخدام اللغة العجمية، فقد ذكر الخشني أن امرأة تقدمت إلى قاضي الجماعة سليمان بن أسود وقالت له بالعجمية "يا قاضي، انظر لشقيتك هذه، فقال لها بالعجمية: لست أنت شقيتي، إنما شقيتي بغلة ابن عمار التي تلوك لجامها على باب المسجد طول النهار (٤).
стр. 651
ويكون مجلس القضاء متصفاً بالوقار والهيبة، فلا صخب ولا تداخل أصوات، وإنما هدوء وسكينة، وعلى هذه الصورة كان مجلس القاضي ابن ذكوان، فقد كان "إذا قعد للحكم في المجلس، وهو غاص بأهله، لم يتكلم أحدٌ منهم بكلمة، ولم ينطق بلفظة غيره وغير الخصمين بين يديه، وإنما كان كلام الناس بينهم إيماءً ورمزاً، إلى أن يقوم (١) ".
سير الخصومة في مجلس الحكم:
كانت المساواة بين الخصوم هي أول الوصايا التي وردت في رسالة الخليفة الراشد عمر بن الخطاب لأبي موسى الأشعري ﵄ (٢)، كما أنها كانت محل اهتمام من أرخ للقضاء وأحكامه (٣).
ولذا فقد كانت جلسة القضاء في الأندلس علنية -كما سبق وأن ذكرنا- يحضرها من شاء، ويكون القاضي مقابلاً للحضور، ويجلس الخصوم أمامه، وبقية الخصوم بعيدين نوعاً ما بحيث لا يمكن تلقين الخصوم (٤)، وأمام القاضي يتساوى الخصوم (٥)، وحرص القاضي على هذه
стр. 652
المساواة تكون سبباً في رفعة منزلته عند أمراء وخلفاء بني أمية في الأندلس، وقد وردت لدى الخشني عدة نصوص تدل على ذلك. منها أن قاضي الجماعة إبراهيم بن العباس القرشي ازداد رفعة لدى الأمير عبد الرحمن الأوسط عندما رفض استقبال أحد كبار القرشيين في منزله لسماع شكايته بصورة مفردة، وأخبر الرسول بأن عليه الذهاب إلى المسجد والانتظار لحين عقد مجلس الحكم فيه (١)، كما أن القاضي عمرو بن عبد الله أمر أحد كبار رجال الدولة بالحضور إلى مجلس قضائه والمثول أمامه مع خصمه (٢).
وتتم مناقشة القضايا المعروضة على القاضي وفق ترتيب يعده فكل من كانت له خصومه عنده عليه أن يكتب اسمه في رقعة، وعندما تجتمع الرقاع عنده يخلطها بين يديه، ومن ثم يبدأ النداء على أصحاب القضايا على ضوء ما يسفر عنه خلط تلك الرقاع (٣).
ومن الطبيعي أن القاضي لا يستطيع دائماً إنهاء جميع القضايا التي تصل إليه في يومه، ولذا فقد جرى الرسم أن من تأخر دور رقعته وانتهى
стр. 653
موعد الجلسة، يؤجل النظر في رقعته إلى اليوم التالي، على أن يكون ترتيبها متقدماً، لا علاقة لها بالقضايا الجديدة (١).
وقد كانت هناك رسوم متبعة في استدعاء الخصم إذا كان غير موجود، وتحدثنا المصادر عن أن قاضي الجماعة محمد بن بشير هو الذي ابتكر هذا الرسم في الأندلس، إذ أنه عندما تولى قضاء الجماعة، قام بختم عشرة رقاع بخاتمه، وكل رقعة من هذه الرقاع تعرف باسم "طابع" فإذا جاء أحد يريد من القاضي طابعاً ليستدعي به خصمه، فالقاضي يسأل عن هذا الخصم، فإن كان قريباً بقرطبة، أعطى المدعي الطابع، وأمر كاتبه أن يثبت في السجل لديه اسمه ومسكنه، وفي من أخذ الطابع (٢)، ومن ثم يخبره القاضي بأن عليه إعادة الطابع بمجرد حضور الخصم (٣).
وأما إن كان الخصم غير متواجد بقرطبة ولا بالقرب منها، فإن القاضي في هذه الحالة يؤجل له على مقدار بعده عن قرطبة (٤).
وإذا أبلغ شخص بالحضور لخصومة لدى القاضي ورفض الامتثال، فإن القاضي يرسل أعوانه لإحضاره طوعاً أو كرهاً بغض النظر عن منزلته في الدولة (٥)، وأما إذا تغيب المطلوب للخصومة عن حضور مجلس
стр. 654
الحكم رغم إبلاغه بأمر القاضي، فللقاضي في هذه الحالة أن يطبع على باب مسكنه، أو يسمره إن كان ذلك لا يضر الباب، بعد أن يخرج ما فيه من بني آدم وغيرهم من المخلوقات (١).
فإذا حضر الخصمان بين يدي القاضي ظلا واقفين على أقدامهما (٢) فيسأل المدعي عن دعواه، فإن كان لا يترتب فيها على المدعى عليه حق أخبره بذلك، دون أن يسأل المدعى عليه وأمرهما بالخروج عنه (٣)، وإن كانت الدعوى ناقصة أمر المدعي باستكمالها، فإذا استحقت الدعوى النظر أصدر حكمه بعد أن يتضح له الحق، وسجل الشهادات والحكم في السجل الخاص بالقضايا (٤).
وللقاضي إذا رأى أثناء سير الخصومة بين يديه أن أحد الخصمين لا يحسن الإدلاء بحجته، فله أن ينصحه بما ينفعه دون أن يلقنه حجة وما شاكلها. ومن ذلك ما فعله قاضي الجماعة أحمد بن بقي بن مخلد عندما اختصم عنده رجلان، فرأى أن أحدهما يحسن ما يقول والآخر بعكسه، لكنه توسم فيه الخير وملازمة الحق، فقال له القاضي "يا هذا، لو قدمت
стр. 655
من يتكلم عنك؟ وأرى صاحبك يدري ما يتكلم، فقال له، أعزك الله إنما هو الحق أقوله كائناً، فقال: ما أكثر من قتله قول الحق (١) ".
طرق الإثبات:
روى الإمام مسلم بسنده عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: "لو يعطى الناس دعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه (٢) ".
وفي هذا الحديث الجليل بيان لقاعدة شرعية فيما يتعلق بالدعاوى والخصومات، إذ لو ترك الباب مفتوحاً لكل دعوى دونما حاجة إلى بينة تقطع الشك، لوصل الأمر ببعض مرضى النفوس المطالبة بدماء رجال وأموالهم دون وجه حق.
والبينة هي الحجة التي تظهر صدق الدعوى، سواء عقلية كانت أو محسوسة (٣)، وأما في الاصطلاح فالمراد بها الشهود (٤).
فإذا احتاج أحد الخصمين إلى أجل لإثبات بينته، منحه القاضي وقتاً محدداً لتحقيق ذلك، وهذا الوقت محكوم بأيام محدودة، ومقدارها متروك
стр. 656
للقاضي والحكام واجتهادهم، لكن هذه المدة لاتخرج عن ثلاثين يوماً مجزأة (١).
وقد وضح القاضي ابن سهل الصيغة التي تكتب فيها الآجال المضروبة، فذكر أنه إن كان القاضي هو الذي كتب الأجل بيده، كتب "أجلنا فلان بن فلان في المدفع الذي ادعاه الشاهدان اللذان شهدا عليه بما ذكر في العقد الذي في أعلى الكتاب … ثمانية أيام". فإذا انقضت كتب "وأجلاً ثانياً من ستة أيام" فإذا انقضت كتب "وأجلا ثالثاً من أربعة أيام" فإذا انقضت كتب "تلومنا عليه بعد انصرام الآجال المضروبة له فوق هذا ثلاثة أيام كذا وكذا (٢) ".
أما إذا كتب عن القاضي كاتبه فإنه يكتب "أجل القاضي فلان بن فلان قاضي حاضرة كذا وفقه الله، فلان بن فلان فيما ذهب إليه من حمل ما ثبت عنده عليه لفلان بن فلان في العقد الواقع في بطن هذا الكتاب بعد معرفته بما فيه وبما ثبت آجلاً جامعاً للتلوم وغيره من أحد وعشرين يوماً، أولها يوم كذا لعشرة خلون من شهر كذا من سنة كذا، ثم يكتب القاضي بخط يده: هذا صحيح، وإن شاء كتب، هذا الأجل صحيح، أو كتب، الأجل صحيح، وقد يكتب هذا على غير وجه سوى ما ذكرنا (٣) ".
стр. 657
وإذا انقضت الآجال والتلوم، وعجز المؤجل عن إحضار ما وعد به، فإن القاضي في هذه الحالة لا يلتفت إلى ادعاء المؤجل بأن لديه حجة، فيصدر حكمه ويسجل عليه، ثم لا يلتفت بعد ذلك إلى ما يدلي به من حجة (١)، واستثنى ابن سهل من ذلك: العتق والطلاق والنسب (٢).
شهادة الشهود:
تعتبر الشهادة (٣) أهم الوسائل التي يعتمد عليها القضاء في معرفة صاحب الحق، ويكفي للدلالة على أهميتها أن الله تعالى قد نص عليها في كتابه العزيز في ستة مواضع، في الدين (٤)، والوصية (٥)، والطلاق (٦)، والرجعة (٧)، والزنا (٨)، وفيما يدفع الحد عن القاذف (٩).
стр. 658
ولأجل ذلك فلا غرابة أن تنال الشهادة الاهتمام الجاد من قبل القضاة، ففي الأندلس نجد أمر الشهادة والشهود يقلق ولاة الأمر هناك، حتى أن الخليفة الحكم المستنصر بالله عندما أصدر ظهيراً بمناسبة تعيينه محمد بن إسحاق بن السليم قاضياً للجماعة، وذلك في يوم الاثنين من شهر شعبان سنة (٣٥٣) هـ (٢٨ أغسطس (٩٦٣) م) أمره فيه بعدة أمور، منها "أن يتحفظ في حين وقوع الشهادات عنده، فلا يقضي بين المسلمين منها إلا بما أقامه به التحقيق على السنة العدول، ذوي القبول، وإن استراب في شهادة أحدهم وقتاً ما، أن يبحث عنها، فإن ثبت أنه ارتشى، أو شهد بالهوى، فعليه أن يسقط شهادته، ويخل عدالته، تنكيلاً له، وتشديداً لمن خلفه (١) ".
فإذا حضر الشهود فعلى القاضي أن يبادر إلى إدخالهم عليه والاستماع لأقوالهم إذ أن التراخي في ذلك، ربما أدى إلى ضجر صاحب الحق فيتخلى عنه أو بعضه بالمصالحة خشية ظهور الملل على الشهود (٢).
فإذا شهد الشاهد لدى القاضي، فعليه أن يبادر إلى كتابة شهادته واسم قبيلته ونعته ومسكنه ومسجده (٣) الذي يصلي فيه، والشهر الذي
стр. 659
شهد فيه وكذلك السنة، ثم يوقع ذلك في صك عنده ويجعله في ديوانه، لئلا تسقط للمشهود له شهادته فيزيد فيها أو ينقص (١).
وقد ذكر ابن العطار في وثائقه أن قاضي الجماعة محمد بن عبد الله بن أبي عيسى قد استن سنة جيدة في كتابة الشهادات في السجل، وأصبحت سنة لمن جاء بعده (٢).
وعن قبول القاضي للشاهد ذكر الخشني أن قاضي الجماعة محمد بن بشير كان في بعض الأحيان يقبل الشاهد على التوسم والفراسة، وفي أحيان أخرى يكشف عنه في السر (٣)، وبعد نصيحة شيخ الفقهاء يحيى بن يحيى الليثي للقاضي ابن بشير بضرورة تعديل الشاهد بين الحين والآخر واتباعه لتلك النصيحة، بدأ الناس يأخذون حذرهم من القاضي (٤). ذلك لأن الفراسة ربما لا تصدق دائماً، لسبب أو لآخر، كما أن الناس يمرون بظروف متقلبة تجعلهم عرضة أحياناً للوقوع في أمر فيه شيء من الغموض، مما يجعل قبول شهاداتهم أمر فيه نظر.
стр. 660
وكان للخصوم آداب لابد من التزامهم بها وهم في مجلس القضاء، فإذا أخل أحدهم بما يجب عليه تجاه هذه الآداب، فإن للقاضي الحق في تأديبه، من ذلك ما ذكره الخشني من أن الفقيه يحيى الليثي شهد في قضية عند قاضي الجماعة إبراهيم بن العباس، فلما خرج من عند القاضي تناوله بعض الخصوم وأساء إليه بالكلام، فرجع الفقيه إلى القاضي وأخبره بما جرى وطلب منه تأديبه، وعندما سأله القاضي عن أدبه طلب أن يبعث به إلى السجن، فسجن القاضي ذلك الرجل، لكنه سرعان ما غادر السجن بطلب من الفقيه الليثي (١).
وإذا استخف أحد الخصوم بمن شهد عليه، فإنه يؤدب وربما يصل الأمر إلى ضربه بالمسجد عدة أسواط، وهذا ما حصل لرجل يدعى غراباً كان جاهلاً عاتياً، فقد شهد شاهد ضده، فقال غراب، ومن شهد عليّ لو كان الشاهد مثل الليث بن سعد. وذلك على سبيل الاستخفاف بالشاهد والشهادة، فأمر قاضي الجماعة محمد بن زياد اللخمي بقمع غراب في المسجد عدة أسواط تأديباً له (٢).
ويحدث أن يرجع الشاهد في إحدى القضايا عن شهادته، فإن كانت رجعته قبل إصدار الحكم، لم ينفذ الحكم بشهادته، ثم يتم التدقيق في حال هذا الشاهد، فإن كان عدلاً مأموناً، قُبل رجوعه ولا تسقط
стр. 661
شهادته في المستقبل عند القضاة، وإن كان بغير تلك الصفة، يقبل رجوعه ولكن لا تقبل شهادته أبداً (١).
واختلف الفقهاء في تأديب من رجع عن شهادته، فابن القاسم وابن حبيب نصا على ضرورة تأديبه أدباً موجعاً، في حين اعترض على التأديب كل من ابن عبد الحكم وأشهب وسحنون محتجين بأنه إذا جرى تأديب أحد من الناس فإنه لا يرجع عن شهادته. ويبدو أن الرأي الثاني أولى بالقبول من سابقه وبه جرى العمل (٢).
وأما إن كان رجوع الشاهد عن شهادته بعد إصدار الحكم، فإنه لا يلتفت إلى كلامه ولا ينتقض الحكم برجوعه (٣). فقد حدث أن قاضي الجماعة محمد بن بشير نظر في إحدى القضايا، وأصدر الحكم على ضوء البينة، وبعد فترة استدعاه أحد الشاهدين، وكان ذلك الشاهد على فراش الموت، فلما حضر القاضي عنده، أخبره الشاهد أنه سبق وأن شهد عنده شهادة زور في تلك القضية، وطلب منه فسخ الحكم الذي أصدره بشأنها، يقول الخشني: "فلم يزد محمد بن بشير على أن وضع يديه في ركبتيه ثم قام وجعل يقول: مضى الحكم وأنت إلى النار، مضى الحكم وأنت إلى النار، وخرج عنه (٤) ".
стр. 662
وشاهد الزور إذا أقر بتعمد الزور فإن على القاضي تغريمه ما أتلف بشهادته (١)، كما أن له تأديبه (٢)، وعن جزاء شاهد الزور هناك عدة أقوال للفقهاء، منها أنه يعزر على الملأ دون حلق رأسه أو لحيته، بينما رأى البعض ضرورة تسويد وجهه، وهناك من يرى الطواف به على المجالس والحلَقْ في المسجد الجامع ويشهر أمره بين الناس ليحذروه، وزاد البعض على التشهير والضرب الموجع بالإضافة إلى كتابة وثيقة في ذلك تؤخذ منها عدة نسخ وتوضع عند الثقات ولا تقبل شهادته أبداً (٣).
وفي الأندلس نجد أن هذه العقوبات قد طبقت على شاهد الزور، فإبراهيم بن حسين بن خالد بن مرتنيل، المتوفى في شهر رمضان سنة (٢٤٩) هـ (نوفمبر سنة (٨٦٣) م) صاحب الشرطة في عهد الأمير محمد بن عبد الرحمن، أقام شاهد زور عند الباب الغربي الأوسط للمسجد الجامع "فضربه أربعين سوطاً وحلق لحيته وسخم وجهه وأطافه إحدى عشرة طوفة بين الصلاتين يصاح عليه هذا جزاء شاهد الزور (٤) ".
وللقاضي عيونه التي يستطلع بها أحوال بعض الشهود في بعض القضايا، فقاضي الجماعة أسلم بن عبد العزيز عندما بلغه أن بعض الشهود قد أخذ رشوة مقابل شهادته، وكانت الرشوة بساطا، فلما دخل عليه
стр. 663
الشاهد ليؤدي شهادته وأخذ يخلع خفيه ليمشي على بساط القاضي، أخذ يناديه "أيا فلان البساط، البساط، تحفظ من البساط، الله الله" (١) ففطن الشاهد لمراد القاضي ولم يجسر على الإدلاء بشهادته.
وإن حدث - وهو نادر - وكان الأمير أو الخليفة الأموي شاهد في قضية، فإن الرسم يقضي أن تُرسل الشهادة مع فقيهين يؤديانها للقاضي، وهذا ما جرى في قضية لسعيد الخير عم الأمير الحكم الربضي، فقد كانت لديه وثيقة شهودها عدول، ولكنهم توفوا جميعاً إلا واحد فقط، فاضطر إلى شاهد آخر، فمال إلى ابن أخيه الأمير الحكم، وأقنعه بأنه في حاجة لشهادته، ورغم اعتراض الأمير على عمه إلا أنه اضطر أمام إلحاحه على موافقته، فأرسل شهادته لقاضي الجماعة محمد بن بشير الناظر في القضية، وتقدم فقيهان أرسلهما الأمير بشهادته فأدياها لدى القاضي (٢).
وهناك حالات تم فيها عدم قبول شهادة الشاهد رغم انتفاء ما يقدح في شهادته شرعاً، فمن اشتهر بالهزل أصبح قبول شهادته لدى بعض القضاة أمراً عسيراً، وممن رُدت شهادته لهذا السبب محمد بن عيسى الأعشى المتوفى سنة (٢٢١) هـ (٨٣٦ م) فقد كان مشهوراً بالدعابة (٣)، وحدث أن تقدم للشهادة لدى قاضي الجماعة الأسوار بن عقبة النصري،
стр. 664
فقال له القاضي "أنت رجل يُكثر الهزل، ولست أدري كانت شهادتك هذه من جدك أو هزلك (١) ".
وكذلك حدث أن رفض بعض القضاة شهادة من عرف بأنه قد تابع هواه في يوم ما، حتى وإن كان صديقاً للقاضي، وهذا ما فعله قاضي الجماعة محمد بن بشير عندما رد شهادة أحد أصدقائه وكان رفيقاً له في النشأة وطلب العلم وطريق الحج بسبب أنه اشترى جارية بمصر بيدها صنعة وهو لم يكن بحاجة لصناعتها (٢).
وإذا كان من حق المدعى عليه معرفة الشهود الذين شهدوا ضده، فإن القاضي يعمد أحياناً إلى عدم تعريفه بمن شهد ضده، وذلك إذا كان المدعي عليه صاحب سلطة وسطوة، وخشي القاضي على الشهود من سطوته، وهذا ما فعله قاضي الجماعة محمد بن بشير مع ابن فطيس (٣). وعندما طلب الأمير الحكم الربضي القاضي بتعريف ابن فطيس بالشهود، أجابه القاضي بقوله "ليس ابن فطيس ممن يُعرَّف بمن شهد عليه لأنه إن لم
стр. 665
يجد سبيلاً إلى تجريحهم طلب آذاهم في غير ذلك حتى يجليهم عن أموالهم (١) ".
وأخيراً فإن للقاضي أن يصرف القضية عنه إلى قاضٍ آخر إذا لم يتبين له الحق، إذ أن رُبَّ حق لا يثبت عند قاضٍ ويثبت عند غيره (٢).
وقد ذكر صاحب معين الحكام أن من حق القاضي الرجوع عما حكم به إذا تبين له فيه وهم مادام على قضائه، أما إذا عزل أو مات فلا يحل لأحد من بعده فسخ حكمه، إلا أن كان فيه جور أو قضى بخطأ لا اختلاف بين أهل العلم فيه (٣)، ولكن لابد أن يوضح القاضي السبب الذي من أجله فسخ حكمه الأول، فإذا لم يوضح ذلك لا يعتبر فسخه هذا فسخاً (٤).
ونختم الحديث عن هذه الخطة بذكر نصين لابن العطار بين فيهما تسجيل القاضي برجوعه عن قضاء قضى به له الخطأ فيه، جاء في النص:
"أشهد القاضي فلان بن فلان قاضي موضع كذا، أن فلان بن فلان كان قد قام عنده في دار كذا بموضع كذا، وثبت له فيها كذا، أو في أملاك بقرية كذا من إقليم كذا من عمل موضع كذا، صفتها كذا، وحدودها كذا، وقضى له بكذا، وسجل بذلك في كتاب أشهد فيه على
стр. 666
ما ثبت عنده على نسختين أو نسخ تاريخ كذا، ثم تبين له الخطأ في قضائه والوهم في حكومته، وانكشف له من أمر الشهود الذي قضى بهم له أو من باطن قصة الطالب فلان وأمره فيما حكم له به ما أوجب عليه الرجوع عن حكمه والتسجيل بنقض ما تقدمه من حكمه وانكشف فسخه، لقول عمر ﵁ لأبي موسى الأشعري ﵀: لا يمنعك قضاء قضيته اليوم فراجعت فيه عقلك وهديت فيه لرشدك أن ترجع فيه، فإن الرجوع إلى الحق خير من التمادي على الباطل (١) ".
ويواصل ابن العطار كلامه: وإن كان القاضي قضى بمذهب أهل العلم في شيء من نظره ثم تبين له الصواب في غيره ورجع عنه، قلت:
"أنه كان قضى لفلان بن فلان بكذا وكذا على مذهب كذا. أو على قول الشافعي أو فلان، ثم تبين له أن الحق فيما قاله فلان أو في مذهب كذا، وأن القول الذي تقدم قضاؤه فيه، والمذهب الذي حكم به باطل، فرجع عن قضيته وخرج عن حكومته، وقضى بفسخ ما تقدم من قضائه لفلان بن فلان في قصة كذا وأبطله، وأشهد على ذلك في تاريخ كذا. لقول عمر ﵁ لأبي موسى الأشعري ﵀ لا يمنعك قضاء قضيته اليوم فراجعت فيه عقلك وهديت في لرشدك أن ترجع فيه، فإن الرجوع إلى الحق خير من التمادي على الباطل أشهد على إشهاد
стр. 667
القاضي فلان بن فلان قاضي أهل موضوع كذا لما ذكره عنه في هذا الكتاب، وذلك في شهر كذا من سنة كذا، والكتاب نسختان" (١).
العدالة (٢):
يقول ابن خلدون عن طبيعة وظيفة العدالة أنها، القيام عن إذن القاضي بالشهادة بين الناس فيما لهم وعليهم، تحملاً عند الإشهاد. وأداءً عند التنازع، كتباً في السجلات (٣) وذلك محافظة على حقوق الناس وسائر معاملاتهم، وعلى هذا فإن وظيفة العدالة داخلة ضمن ولاية القضاء، فلا يعمل بها إلا عن إذن القاضي، وتكون خاضعة لتصرفه (٤).
стр. 668
ولا يتصف بالعدالة إلا من كان مسلماً مكلفاً جارياً على مقتضى السنة، ذو تقوى ومروءة (١)، متنزهاً عن الكبائر، والخير أغلب عليه من الشر، متصفاً بالعدالة الشرعية والبراءة من الجروح، فقيهاً، عاقداً للشروط (٢).
وللخليفة الراشد عمر بن الخطاب ﵁، قول في تحديد السمات العامة للعدل، فقد جاء في رسالته الشهيرة التي بعث بها إلى أبي موسى الأشعري ﵁ ما نصه "المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجلوداً في حد أو مجرباً عليه شهادة زور، أو ظنيناً في ولاء أو قرابة" (٣).
стр. 669
وكل الأقوال التي أدلى بها العلماء للتعريف بالرجل العدل جميعها تتفق على ضرورة اتصاف ذلك الرجل بالتقوى والاستقامة في جميع أحواله الدينية والدنيوية، بمعنى أن يكون مأمونا في السر والعلن.
وينبغي للقاضي إن لم يكن من أهل البلد أن يبدأ بالتعرف على عدول وثقات البلد الذي كلف القيام بأعباء القضاء به، وإن استطاع أن يفعل ذلك قبل أن يصل البلد فهو الأفضل، فإذا عرفهم يكتب اسم كل واحد منهم في ثبت لديه، ثم لا يكتفي بذلك، بل إن عليه أن يعمد إلى السؤال عنهم سراً كل منهم على حده، وذلك بعد استقراره في البلد (١).
وكل أهل بلد وبالذات القرى البعيدة عن الحواضر، إن لم يكن لديهم حكام يقيموا الحدود بينهم، تولى إقامتها فيهم من ارتضوهم عدولاً منهم، كالمؤذنين والأئمة والموسومين بالخير (٢). وهؤلاء العدول على القاضي قبول شهادتهم، وأن يداوم على السؤال عنهم سراً، فمن لم يثبت عليه اشتهار في كبيرة فهو عدل حتى يثبت عكس ذلك (٣).
وفي الأندلس لا يقدم لمرتبة العدالة إلا من طال اختباره، وتجاوز مجالس المذاكرة التي تعقد لاختباره، ويشهد له الفقهاء بالصلاح واعتدال الطريقة، وتثبت الشهادات لدى صاحب الشرطة الذي يتولى السؤال
стр. 670
والكشف عن هذا الرجل المعدل وهو بدوره يرفعها إلى الأمير أو الخليفة فيصدر فيه أمره يجعله أحد العدول الذين لهم الحق في الفتيا وكتابة الوثائق وتزكية الشهود.
كما أن كون الرجل المرشح للعدالة صاحب مال، أمر ضروري، إذ يُخشى عليه من الفقر أن يطمع بما في أيدي الناس، وقد ورد في رسالة الشقندي في الدفاع عن الأندلس أن الأمير الحكم الربضي أراد تقديم بعض من يعني به إلى مرتبة العدالة، وطبيعي لابد من أخذ رأي الفقهاء في هذه المسألة. ولذا، فعندما عرض الأمير اقتراحه على الفقهاء، أجابوه بأنه أهل، إلا أنه فقير لا مال له، فاضطر الأمير إلى أعطاء الرجل من المال ما أغناه وبذلك أزال اعتراض الفقهاء (١).
ونظراً لأهمية مكانة العدول، فإن لهم أماكن خاصة بهم، اعتادوا الجلوس بها، فيأتي إليهم كل من كانت له قضية تحتاج للإشهاد والتقييد في الكتاب (٢).
وللقاضي التجريح والتعديل بعلمه سواء علم ذلك قبل استلامه القضاء أو بعده (٣)، وهو مافعله قاضي الجماعة محمد بن سلمة الكلابي