ما ثبت عنده على نسختين أو نسخ تاريخ كذا، ثم تبين له الخطأ في قضائه والوهم في حكومته، وانكشف له من أمر الشهود الذي قضى بهم له أو من باطن قصة الطالب فلان وأمره فيما حكم له به ما أوجب عليه الرجوع عن حكمه والتسجيل بنقض ما تقدمه من حكمه وانكشف فسخه، لقول عمر ﵁ لأبي موسى الأشعري ﵀: لا يمنعك قضاء قضيته اليوم فراجعت فيه عقلك وهديت فيه لرشدك أن ترجع فيه، فإن الرجوع إلى الحق خير من التمادي على الباطل (١) ".
ويواصل ابن العطار كلامه: وإن كان القاضي قضى بمذهب أهل العلم في شيء من نظره ثم تبين له الصواب في غيره ورجع عنه، قلت:
"أنه كان قضى لفلان بن فلان بكذا وكذا على مذهب كذا. أو على قول الشافعي أو فلان، ثم تبين له أن الحق فيما قاله فلان أو في مذهب كذا، وأن القول الذي تقدم قضاؤه فيه، والمذهب الذي حكم به باطل، فرجع عن قضيته وخرج عن حكومته، وقضى بفسخ ما تقدم من قضائه لفلان بن فلان في قصة كذا وأبطله، وأشهد على ذلك في تاريخ كذا. لقول عمر ﵁ لأبي موسى الأشعري ﵀ لا يمنعك قضاء قضيته اليوم فراجعت فيه عقلك وهديت في لرشدك أن ترجع فيه، فإن الرجوع إلى الحق خير من التمادي على الباطل أشهد على إشهاد
стр. 667
القاضي فلان بن فلان قاضي أهل موضوع كذا لما ذكره عنه في هذا الكتاب، وذلك في شهر كذا من سنة كذا، والكتاب نسختان" (١).
العدالة (٢):
يقول ابن خلدون عن طبيعة وظيفة العدالة أنها، القيام عن إذن القاضي بالشهادة بين الناس فيما لهم وعليهم، تحملاً عند الإشهاد. وأداءً عند التنازع، كتباً في السجلات (٣) وذلك محافظة على حقوق الناس وسائر معاملاتهم، وعلى هذا فإن وظيفة العدالة داخلة ضمن ولاية القضاء، فلا يعمل بها إلا عن إذن القاضي، وتكون خاضعة لتصرفه (٤).
стр. 668
ولا يتصف بالعدالة إلا من كان مسلماً مكلفاً جارياً على مقتضى السنة، ذو تقوى ومروءة (١)، متنزهاً عن الكبائر، والخير أغلب عليه من الشر، متصفاً بالعدالة الشرعية والبراءة من الجروح، فقيهاً، عاقداً للشروط (٢).
وللخليفة الراشد عمر بن الخطاب ﵁، قول في تحديد السمات العامة للعدل، فقد جاء في رسالته الشهيرة التي بعث بها إلى أبي موسى الأشعري ﵁ ما نصه "المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجلوداً في حد أو مجرباً عليه شهادة زور، أو ظنيناً في ولاء أو قرابة" (٣).
стр. 669
وكل الأقوال التي أدلى بها العلماء للتعريف بالرجل العدل جميعها تتفق على ضرورة اتصاف ذلك الرجل بالتقوى والاستقامة في جميع أحواله الدينية والدنيوية، بمعنى أن يكون مأمونا في السر والعلن.
وينبغي للقاضي إن لم يكن من أهل البلد أن يبدأ بالتعرف على عدول وثقات البلد الذي كلف القيام بأعباء القضاء به، وإن استطاع أن يفعل ذلك قبل أن يصل البلد فهو الأفضل، فإذا عرفهم يكتب اسم كل واحد منهم في ثبت لديه، ثم لا يكتفي بذلك، بل إن عليه أن يعمد إلى السؤال عنهم سراً كل منهم على حده، وذلك بعد استقراره في البلد (١).
وكل أهل بلد وبالذات القرى البعيدة عن الحواضر، إن لم يكن لديهم حكام يقيموا الحدود بينهم، تولى إقامتها فيهم من ارتضوهم عدولاً منهم، كالمؤذنين والأئمة والموسومين بالخير (٢). وهؤلاء العدول على القاضي قبول شهادتهم، وأن يداوم على السؤال عنهم سراً، فمن لم يثبت عليه اشتهار في كبيرة فهو عدل حتى يثبت عكس ذلك (٣).
وفي الأندلس لا يقدم لمرتبة العدالة إلا من طال اختباره، وتجاوز مجالس المذاكرة التي تعقد لاختباره، ويشهد له الفقهاء بالصلاح واعتدال الطريقة، وتثبت الشهادات لدى صاحب الشرطة الذي يتولى السؤال
стр. 670
والكشف عن هذا الرجل المعدل وهو بدوره يرفعها إلى الأمير أو الخليفة فيصدر فيه أمره يجعله أحد العدول الذين لهم الحق في الفتيا وكتابة الوثائق وتزكية الشهود.
كما أن كون الرجل المرشح للعدالة صاحب مال، أمر ضروري، إذ يُخشى عليه من الفقر أن يطمع بما في أيدي الناس، وقد ورد في رسالة الشقندي في الدفاع عن الأندلس أن الأمير الحكم الربضي أراد تقديم بعض من يعني به إلى مرتبة العدالة، وطبيعي لابد من أخذ رأي الفقهاء في هذه المسألة. ولذا، فعندما عرض الأمير اقتراحه على الفقهاء، أجابوه بأنه أهل، إلا أنه فقير لا مال له، فاضطر الأمير إلى أعطاء الرجل من المال ما أغناه وبذلك أزال اعتراض الفقهاء (١).
ونظراً لأهمية مكانة العدول، فإن لهم أماكن خاصة بهم، اعتادوا الجلوس بها، فيأتي إليهم كل من كانت له قضية تحتاج للإشهاد والتقييد في الكتاب (٢).
وللقاضي التجريح والتعديل بعلمه سواء علم ذلك قبل استلامه القضاء أو بعده (٣)، وهو مافعله قاضي الجماعة محمد بن سلمة الكلابي
стр. 671
عندما حضر عنده الفقيهان ابن لبابه والحبيب بن زياد لتعديل ابن شراحيل المعروف بالعجيزه (١).
والقاضي ابن سلمه عندما رفض تعديل الفقيهين لابن شراحيل ذلك لمعرفته بباطنه أكثر منهما، ولذا قال ابن لبابه للقاضي "نحن قد عدلناه بمبلغ علمنا، ومن عرف الباطن فهو أحق ممن عرف الظاهر" (٢).
وكذلك الفقيه محمد بن خميس بن عبد الواحد المعروف بالأعشى رفض تعديل أحد أصدقائه عند القاضي عندما رد شهادته. بعد أن أدرك الفقيه أن صديقه جاهل لا الخير يدري ولا الشر يدري (٣)، لأجل هذا قال سحنون: "لا يقبل في التزكية إلا العدل المبرز الفطن الذي لا يخدع في عقله، ولا يستنزل في رأيه" (٤).
وذكر الخشني أن لقاضي الجماعة محمد بن بشير طريقة خاصة في قبول تعديل من لا يعرفه يقول قاسم بن هلال "دخلنا على محمد بن بشير لنعدل عنده رجلاً، فقال: "احلفوا بالله الذي لا إله إلا هو أنه عدل رضا، فقالوا: بيمين أصلحك الله، فقال: والله لا كتبتها حتى تحلفوا" (٥).
стр. 672
ومن الملاحظ أن الأندلسيين لا يغمضوا أعينهم ولا يكفوا ألسنتهم عمن اتخذه القاضي عدلاً وهو غير أهل لذلك، فقد كان يتعرض لسخرية الناس، مما يضطر القاضي في النهاية إلى نزع العدالة عن ذلك الرجل (١).
وقد سبق وان عرفنا قصة العدل ابن عمار وبغلته مع قاضي الجماعة سليمان بن أسود ومنها ندرك أن على العدل ملازمة مجلس القاضي، إذ هو بحاجة مستمرة لأقواله طالما أن هناك قضايا تعرض.
ومن النادر أن نجد بعض العدول يدلي بأقواله مجاملة لأحد كبار رجالات الدولة، مثل من جامل الوزير هاشم بن عبد العزيز في قضية قومس بن أنتينان (٢).
ومن الواجب على العدل عدم قبول الهدية لأن في ذلك إثارة للشبهات من حوله، ويقوى المنع إذا كانت الهدية مقدمة ممن له خصومة لدى القاضي، من ذلك أن أحد كبار عدول قرطبة قد أخذ هدية هي عبارة عن جبة خضراء، فشعر بأمرها خصم المهدي، فبلغ قاضي الجماعة سليمان بن أسود بحقيقة الوضع، فأراد القاضي تأديب ذلك العدل، الذي كان من سلامة قلبه يداوم على لبس تلك الجبة في المحافل، ولذا قال القاضي لخصم المهدي: "إذا رأيت الشيخ وعليه الجبة، وأفتى عليك فقل:
стр. 673
يا قاضي: ليس الشيخ يكلمك إنما تكلمك الجبة التي عليه … ففعل الخصم ما أمره به القاضي، فاستحيا الشيخ وانقلب خجلاً (١) ".
وللعدول مهام عدة، منها استلام ديوان القاضي عند عزله، ووضع الديوان في بيت الوزراء حتى يتم تعيين قاضي آخر (٢)، وإذا وضع القاضي مالاً موقوفاً لديه بيد أحد العدول به عليه، وإذا استرجعه القاضي منه، كتب له بذلك كتاباً، ثم أشهد العدل على القاضي بأنه قد استرد المال الذي كان في حوزته.
هذا وقد أورد الخشني قصة أنكر فيها القاضي عمرو بن عبد الله، البراءة والشهود الذين شهدوا عليه في استرجاع مال موقوف لدى أحد العدول يبلغ عشرة آلاف دينار هي عبارة عن ثلث أوصى تاجر يعرف بابن القصبي بتفرقته (٣).
والقاضي يعمل دائماً على الكشف عن عدوله، ويبدو أن له عيوناً تأتيه بأخبارهم، من ذلك أن رجلاً من أصحاب قاضي الجماعة محمد بن عبد الله بن أبي عيسى أتاه في الليل وأنهى إليه أن اثنين من الفقهاء العدول الملازمين له، قد اتفقا فيما بينهما على الإدلاء بشهادة مزوَّرة، وأنهما سيحضران عنده غداً لأجل هذا الغرض، فجلس القاضي في الغد وقد أخذ
стр. 674
حذره، فتقدم إليه أحدهما، فعبس القاضي في وجهه عله يفهم المراد، فينصرف من تلقاء نفسه، لكنه تمادى، فعندها ألقى القاضي في حجره - دون أن يشعر ذلك العدل - بطاقة مطوية، كتب فيها بيتين من الشعر هما:
أتتني عنك أخبار … لها في القلب آثار
فدع ما قد أتيت له … ففيه العار والنار
فعندما انتبه الرجل لها وقرأ ما فيها، انطلق مسرعاً، ولقي صاحبه في الخارج وطلب منه الانصراف معه، وأخبره أن القاضي قد عرف بأمرهما (١).
ولما كانت كتابة الوثائق من بين المهام الرئيسية للعدول، وطبيعي أن يترتب عليها أحكام قاطعة، لأجل ذلك، فهي مجال واسع لأكل الأموال بالباطل من قبل ضعاف الإيمان، ولذا فقد كان جزاء من يدلس في الوثيقة صارماً، يعمل في بعض الأحيان إلى قطع يد ذلك المدلس، وهذا ما فعله قاضي الجماعة محمد بن بشير برجل اشتهر أمره بالتدليس في الوثائق (٢).
ويبدو أن قطع يد المدلس في الوثائق يتوقف على مدى الضرر الذي أحدثه تدليسه يدل على ذلك أن أبا محمد عبد الله بن محمد الأنصاري المعروف بابن واقزان، كان حافظاً للمسائل والرأي ومن المتقدمين في عقد
стр. 675
الوثائق، لكنه اشتهر بالتدليس في العقود، ورغم ذلك اكتفى قاضي الجماعة أسلم بن عبد العزيز بأن أمر ابن واقزان بترك كتابة الوثائق، وعدم التعرض لما يتعلق بها والتزام بيته، فظل على هذه الحال إلى أن توفي سنة (٣٢٠) هـ (٩٣٨ - (٩٣٩) م) (١).
من هنا ندرك أن كتابة الوثائق ذات خطورة ملموسة، وعليه فقد حدد ابن عبد ون من المؤهل لكتابتها؟ فقال: "لا يجب أن يكتب الوثائق إلا من شهد له في ذلك بحسن الخط وترتيب اللفظ، واتساع في العلم، من رجل خير عالم ورع، ليكفي القاضي والحاكم عند رؤية خطه ولفظه البحث والتعب فيهما من براءة التدليس والتلبيس (٢).
من ما مضى يتضح لنا أن وظيفة العدول قائمة على ركيزتين هما: كتابة العقود بين الناس وفق الشروط الشرعية، بالإضافة إلى تزكية الشهود الذين سيدلون بشهاداتهم عند القاضي.
وبصفة عامة لم يكن أولئك العدول يتمتعون بسمعة طيبة، حتى أن سفيان الثوري يقول "الناس عدول إلا العدول" ويقول عنهم عبد الله بن المبارك "هم السفلة" وأنشد بعضهم في العدول:
قوم إذا غضبوا كانت رماحهم … بثَّ الشهادة بين الناس بالزور
هم السلاطين إلا أن حكمهم … على السجلات والأملاك والدور (٣)
стр. 676
لكن لا يمكن أن تكون هذه الصورة عامة لجميع العدول، لأن من التزم منهم بالحق وسار على نهجه ما عليه من سبيل، أما الذين يسارعون في تحمل الشهادات ويؤدونها مقابل أجرة معلومة يتقاسمونها فيما بينهم في حوانيتهم، فهؤلاء الذين في خطر من أمرهم إن لم يقلعوا عنه ويتوبوا إلى الله تعالى منه.
هذا وقد حفظت لنا كتب التراجم أسماء عديدة اشتهرت بالعدالة من هؤلاء: محمد بن عيسى المعافري، الشهير بالأعشى (١)، ومحمد بن يوسف بن مطروح، المتوفى يوم عاشوراء سنة (٢٧١) هـ (٨ يوليو سنة (٨٨٤) م) وكان أحد الثلاثة الذين تدور عليهم الفتيا أيام الأمير محمد بن عبد الرحمن (٢).
أبو القاسم أصبغ بن خليل، قرطبي، كان حافظاً للرأي على مذهب مالك وأصحابه، فقيهاً في الشروط، بصيراً بالعقود، منسوباً للصلاح والورع، دارت عليه الفتيا بالأندلس طيلة خمسين عاماً، توفي سنة (٢٧٣) هـ (٨٨٦ م) (٣).
стр. 677
أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن هانئ العطار، قرطبي، يعرف بابن اللباد، كان أحد العدول القرطبيين، توفي ليلة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خلت من شعبان سنة (٣٧٥) هـ (ديسمبر (٩٨٥) م) (١).
أبو عبد الله محمد بن أبي سليمان بن حارث المغيلي القسام، من أهل قرطبة، وهو أحد عدولها، كان حسن الخلق، كثير الدعابة، ذو مكانة سامية لدى حكومة قرطبة، توفي يوم الأحد لاثنتي عشرة ليلة خلت من ذي القعدة سنة (٣٧٧) هـ (مارس (٩٨٨) م) (٢).
أبو عبد الله محمد بن فتح اللحام، قرطبي كان أحد العدول عند قاضي الجماعة محمد بن يبقى ابن زرب توفي في شهر رجب سنة (٣٧٨) هـ (٩٨٨ م) (٣).
أبو الوليد محمد بن محمد بن عبد المؤمن بن يحيى، من أهل قرطبة، وأحد عدولها، كان منسوباً للثقة، توفي يوم الأحد مطلع رجب سنة (٣٨٩) هـ (١٨ يونيو (٩٩٨) م (٤)).
وكان أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الله بن أبي دليم، المتوفى سنة (٣٩٢) هـ (١٠٠١ م) وعبد الله بن المعيطي أشهر الناس عدالة بقرطبة في وقتهما (٥).
стр. 678
أبو عبد الله محمد بن عبد الملك بن ضيفون بن مروان اللخمي، الحداد، قرطبي، صالح، عدل، حدث وكتب الناس عنه، توفي ليلة السبت لثمان بقين من شوال سنة (٣٩٤) هـ (سبتمبر سنة (١٠٠٤) م) (١).
أبو القاسم خلف بن سليمان بن خميس، قرطبي، كان أحد العدول، قتله البربر يوم دخولهم قرطبة في شهر شوال سنة (٤٠٣) هـ (إبريل سنة (١٠١٣) م) (٢).
أبو بكر عبد الرحمن بن أحمد التجيبي، يعرف بابن حوبيل، من أهل قرطبة "كان فقيهاً مشاوراً، بصيراً بعقد الوثائق، مشهور العدالة المبرزة بقرطبة، وممن عُني بالعلم وشهر بالحفظ (٣) ".
وفي عهد الفتنة البربرية، تأثرت العدالة مثل غيرها بأحداث تلك الفتنة، فقد أصبحت الثقة بالعدول مهزوزة بشكل كبير. حتى أن قاضي الجماعة عبد الرحمن بن بشر ٤٠٧ - (٤١٩) هـ (١٠١٦ - (١٠٢٨) م) كان لا يقبل شهادة بعضهم في الباطن، ولا يقضي بها إذا انفردت عن غيرها (٤).
стр. 679
ولم يقتصر اهتمام المصادر الأندلسية على ذكر أهل العدالة من المسلمين فقط، بل امتد اهتمامها لذكر من اشتهر بالعدالة من أهل الذمة، من هؤلاء مثلاً: - ينير الأعجمي فقد كان معروفاً بالخير وحسن المذهب، مقدماً عند القضاة، مقبول الشهادة لديهم، ولذا فقد كانت شهادته سبباً في عزل قاضي الجماعة يخامر بن عثمان الشعباني عن منصبه، وذلك في عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط (١).
وكما أن الإنسان يبلغ العدالة وفق شروط متعارف عليها، فبالمقابل فإن الإخلال بتلك الشروط يعني إسقاط العدالة عن ذلك العدل، ففي عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط سجل قاضي الجماعة يحيى بن معمر الألهاني بالسخطة على سبعة عشر فقيهاً، وهذا يعني أنه أزال صفة العدالة عنهم (٢).
كما أن قاضي الجماعة الحبيب أحمد بن زياد، قد سجل بالسخطة على الفقيه العدل محمد بن يحيى بن لبابه الشهير بالبوجون (٣)، فقد رفع القاضي للخليفة عبد الرحمن الناصر أشياء قبيحة عن ابن لبابه، فأمر الخليفة بإسقاط ابن لبابه عن منزلته عن العدالة والشورى وكلفه بلزوم بيته (٤).
стр. 680
من هنا يتضح أن رفع منزلة أحد الفقهاء للعدالة أو إسقاطه منها، لابد أن يصدر به ظهير من الأمير أو الخليفة.
ويبدو أن إزالة العدالة عن أحد العدول، أمر غير متوقف على ارتكاب ذلك العدل لما يقدح بسيرته من جهة الشرع، بل إن للأهواء دور في هذا أحياناً، من ذلك قصة إسقاط الفقيه الموثق ابن العطار عن الشورى والشهادة ثم إعادته إليها (١).
وتكرر نفس العمل مع قاضي الجماعة أبي بكر يحيى بن عبد الرحمن بن وافد اليحصبي، المتوفى سنة (٤٠٤) هـ (١٠١٤ م)، فقد كان مستبحراً في المذهب المالكي، حاذقاً بحفظ المسائل والأجوبة، ولذا فقد تقلد الشورى والشهادة في عهد الدولة العامرية، لكن المنصور بن أبي عامر سخط عليه لأنه خالف رغبته وأفتاه بعدم جواز التجميع في مسجد الزاهرة، ولذا فقد أصدر المنصور أمره بإسقاط ابن وافد عن مرتبتي الشورى والشهادة وفرض عليه الإقامة الجبرية في داره (٢). وللسبب ذاته تعرض الفقيه أصبغ بن الفرج بن فارس الطائي، المتوفى سنة (٣٩٧) هـ (١٠٠٧ م) قاضي بطليوس وثغورها للأذى من المنصور بن أبي عامر فعزله عن القضاء والفتيا (٣).
стр. 681
الوكالة (١):
الوكالة لها أوجه عدة (٢)، يهمنا في هذا المقام ما يتعلق بالخصومات أي التقاضي والمشهور في المذهب المالكي أن التوكيل حق مشروع للطالب والمطلوب، إلا أن سحنون ﵀ لا يقبل التوكيل من المدعي عليه إلا في حالات خاصة، مثل المرأة الشابة التي تخشى فتنتها (٣)، أو مريض أو مريد سفر، أو صاحب عذر بيِّن، أو من كان في شغل الأمير، أو كونه يشغل خطة لا يستطيع مفارقتها، كالحاجب مثلاً، وبالمقابل كان يقبل التوكيل من كل مدعي (٤).
وحول هذا المعنى جاء رأي الفقيه الموثق ابن العطار، لكنه أضاف أن من دواعي التوكيل الرغبة في التنزه عن التبذل في الخصومة، والجلوس في مجالس الحكام خشية سماع قول خشن أو اعتراض بما لا يصلح (٥).
стр. 682
ومن أراد أن يوكل وكيلاً فلابد أن يحضر جلسة لدى القاضي، ينعقد من خلالها ما يكون من الخصمين من الدعوى والإقرار والإنكار، ثم له الحق في أن يوكل من شاء (١)، ولكن إذا جلس الخصمان لدى القاضي ثلاث جلسات فأزيد عندها لا يجوز لأحدهما إقامة وكيل عنه، إلا أن يكون خصمه قد شاتمه فحلف أن لا يخاصمه بنفسه أو اضطر للسفر (٢).
وعن اشتراط الإقرار أو الإنكار من قبل المدعي عليه قبل أن يوكل يذكر الخشني أن امرأة من جيران موسى بن حدير - تولى فيما بعد خطة الخزانة الكبرى للأمير عبد الرحمن الأوسط - رفعت عليه دعوى عند قاضي الجماعة إبراهيم بن العباس القرشي، فأرسل إليه القاضي فأحضره وأخبره بما تدعيه عليه المرأة، فطلب موسى من القاضي أن يأذن له في إقامة وكيلاً عنه، لكن القاضي رفض وأصر على موسى أن يقر أو ينكر ثم بعد ذلك يوكل، فلما رأى موسى إصرار القاضي قال له: "جميع ماتدعيه -المرأة - حق وهي المصدقة (٣) ".
ولا يجوز لأحد الخصمين إقامة أكثر من وكيل في قضية واحدة (٤)، ولا يصح للوكيل أن يوكل غيره إلا بإذن موكله (٥)، وللموكل عزل الموكل
стр. 683
ما لم تبدأ جلسات القاضي، فإذا كان الوكيل قد حضر ثلاث جلسات أو أكثر فليس للموكل عزله (١)، إلا إذا ظهر منه غش أو أصيب بمرض (٢).
والوكالة لابد أن تكون مكتوبة، ولها صيغة محددة، وقد زودنا الفقيه ابن العطار بنص الوكالة، فذكر تحت عنوان: وثيقة توكيل على الخصام، ما نصه: "بسم الله الرحمن الرحيم وكل فلان بن فلان بن فلان عند القاضي فلان قاضي الجماعة بقرطبة، أو عند صاحب أحكام كذا، أو المدينة أو السوق بقرطبة، على المخاصمة عنه، وله الإقرار عليه والإنكار عنه، بوكالة التفويض التامة التي أقامه فيها مقام نفسه، وقبل فلان من توكيله. شهد".
وإن كانت وكالة جامعة، قلت بعد قولك: والإنكار عنه "وطلب حقوقه واستخراجها، وتقاضي الأيمان إن وجبت له، وقبض حقوقه، والبيع عليه والابتياع له، والمصالحة عنه" وله أن يزيد هذه الزيادة إذا كان توكيلاً جامعاً لغير خصم، إن شاء الله، ثم يقول: شهد على إشهاد الموكل فلان والموكل فلان نفسهما بما ذكر عنهما في هذا الكتاب من عرفهما وسمعه منهما وهما بحال الصحة وجواز الأمر، وذلك شهر كذا من سنة كذا، وإن شئت عقدت الإشهاد على التوكيل خاصة، وقلت قبل التاريخ:
стр. 684
ممن أشهده الخصم فلان على قبول التوكيل المذكور وذلك في شهر كذا من سنة كذا (١) ".
وهناك نموذج آخر وضعه ابن العطار وهو عبارة عن توكيل يجعل للوكيل الحق في توكيل من يراه، جاء فيه: "بسم الله الرحمن الرحيم، وكّل فلان فلاناً على المخاصمة عنه وله الإقرار عليه والإنكار عنه بوكالة التفويض التامة، أقامه بها مقام نفسه … وجعل إليه توكيل من رأى توكيله بمثل توكيل المذكور وقبل فلان ذلك من توكيله "ثم يذكر الشهود والتاريخ (٢).
هذا، وقد ذم ابن عبد ون الوكلاء، وكان يرى أن منعهم أفضل، إذ أن عملهم يتيح لهم أكل أموال الناس بالباطل، ويتوصلون إلى ذلك بالقدرة على الجدال، وتزيين الكلام والملق والكذب، والتلبيس على من يخاصمون عنده، إذ أن خصال الخير غير موجودة فيهم، وإن كان لابد من وجودهم فقد اشترط ابن عبد ون أن يكون عددهم قليلاً، ومع قلتهم فيجب أن يكون الوكيل ممن اشتهر أمره بالورع والعلم والعفاف والخير،
стр. 685
ولا يكون شاباً ولا شريباً، ولا ممن يفجر أو يفسق (١). وقال فيهم البعض: "هم أناس عليهم الفضول فباعوه لغيرهم" (٢).
ثم أنه بالرغم من عدم تمتع الوكلاء بنظرة احترام في مجال الخصومات إلا أن القاضي ربما نصح أحد الخصمين بإقامة وكيل يخاصم عنه، خاصة إذا توسم القاضي في أحد الخصمين الخير والصلاح مع عدم القدرة على الإدلاء بحجته، وذلك كما عرفنا من قبل قصة قاضي الجماعة، أحمد بن بقي بن مخلد عندما عمد إلى ذلك في إحدى القضايا (٣).
والوكيل يقبل الوكالة لقاء أجر مادي يتفق عليه مع موكله، ويبدو أن أمر الموكلين كان مشهوراً بقرطبة، إلى درجة أصبح معها عملهم شبه رسمي، أو بالأصح صار من يعمل التوكيل محترفاً له، يدل على ذلك ما فعله قاضي الجماعة سعيد بن سليمان القاضي عندما أدب وكلاء أساءوا الأدب عنده ثم منعهم من الحضور عنده لمدة سنة فكاد أن يورثهم الفقر (٤).
стр. 686
تسجيل الأحكام:
من بين الأعوان الذي يستعين بهم القاضي في مجلسه، الكاتب أو كاتب الجلسة، والعلة في اتخاذ القاضي للكاتب هو تسجيل الأحكام في ديوان القضاء، حفظاً للحقوق وقطعاً للإنكار من قبل البعض، بالإضافة إلى أنه لا يمكن للقاضي أن يتولى تسجيل الأحكام بيده، إذ أن ذلك يشق عليه كثيراً، ولذا فلابد له من اتخاذ كاتب يتولى هذه المهمة عنه.
وقد كان كاتب القاضي محل اهتمام حكام بني أمية، حتى أن الخليفة الحكم المستنصر بالله كشف عن مدى اهتمامه بكاتب القاضي ونص على ذلك في الظهير الذي أصدره لمحمد بن إسحاق ابن السليم عندما ولاه قضاء الجماعة، فقد جاء فيه أنه "أمره أن يختبر كاتبه وحاجبه وخدمته، ويتفقد عليهم أحوالهم إذا غابوا عن بصره" (١).
ونظراً إلى أهمية العمل الذي يؤديه كاتب القاضي، فلابد أن يكون على دراية واسعة بمدلولات الألفاظ العرفية واللغوية (٢)، "ويكون فقيهاً عدلاً يقظاً (٣) " فهو بالفقه يتمكن من الحذف والاختصار من الكلام الزائد الذي يدلي به الخصمان، وهذا أمر لا يتقنه إلا من كان لديه إلمام طيب بالفقه، وفي هذا يقول الوليد الباجي: "وينبغي لكاتب القاضي أن
стр. 687
يتولى عقد المقالات المتصرفة بين يدي القاضي، ويترك التطويل والإكثار ويقصد الإيجاز والاختصار في تقييد المقالات" (١)، كما أن العدالة تجعله من أهل المروءة والأمانة فلا يعبث بنصوص الأحكام، فضلاً عن أن عدالته تمكن القاضي من الاستعانة بشهادته إذا احتاج إليها، واليقظة تجعل التغرير به أمراً عسيراً.
وعندما نقلب صفحات تراجم كُتَّاب قضاة الجماعة بالأندلس في عهد الدولة الأموية، نجد أنهم قد توافرت فيهم الشروط التي نص عليها الفقيه ابن العطار وهي: الفقه والعدالة واليقظة، بل إن بعضم وصل إلى منصب قاضي الجماعة، من هؤلاء محمد بن بشير فقد كان يكتب لقاضي الجماعة المصعب بن عمران، ثم رحل إلى المشرق فلقي الإمام مالك بن أنس، وجالسه وسمع منه، وطلب العلم بمصر، ثم انصرف إلى الأندلس، فلزم ضيعته بباجه، وبعد أن توفي المصعب بن عمران، تولى ابن بشير قضاء الجماعة (٢).
وكذلك الفقيه عمرو بن عبد الله بن ليث القبعه، تولى الكتابة لقاضي الجماعة أحمد بن زياد، وبعد استعفاء ابن زياد أصدر الأمير محمد بن
стр. 688
عبد الرحمن أمره بتولية عمرو بن عبد الله قضاء الجماعة سنة (٢٥٠) هـ (٨٦٤ م) (١).
ومن هؤلاء الكُتَّاب من أصبح فيما بعد قاضياً في إحدى الكور، منهم الفقيه أحمد بن إسحاق ابن مروان الغافقي، قرطبي كتب لقاضي الجماعة محمد بن إسحاق بن السليم ثم تولى القضاء بطليطلة وتوفي سنة (٣٧٢) هـ (٩٨٢ م (٢)).
وهذا الفقيه عبد الملك بن الحسن المعروف بزونان، تولى الكتابة لقاضي الجماعة إبراهيم بن العباس القرشي وذلك بإشارة من الفقيه يحيى بن يحيى الليثي (٣)، ويذكر ابن حيان أن الفقيه القرطبي أبو بكر عبد الله بن محمد بن معدان كان كاتباً لقاضي الجماعة أبي الوليد يونس بن عبد الله بن مغيث ومن قبله، وكان أمينهم على تنفيذ الوصايا، وقد توفي الفقيه ابن معدان يوم الأربعاء لأربع عشرة ليلة خلت من ذي الحجة سنة (٤٢٦) هـ (٢١ أكتوبر سنة (١٠٣٥) م) وصلى عليه القاضي يونس بن عبد الله (٤).
ومما استعرضنا ذكره ظهر لنا أن أغلب كتَّاب قضاة الجماعة بقرطبة كانوا من الفقهاء الذين عينوا فيما بعد قضاة في قرطبة أو غيرها من مدن الأندلس، وذلك نتيجة إلمامهم في الفقه، وملازمتهم للقضاة.
стр. 689
وننهي الحديث عن كاتب القاضي بأن تسجيل الأحكام القضائية قد شهد تطوراً تدريجياً، ورغم وقوفنا على ما يوضح ذلك التطور بصورة تفصيلية، إلا أن نصاً أورده القاضي عياض يؤكد لنا حدوث عملية التطور تلك، فقد ذكر أن قاضي الجماعة أسلم بن عبد العزيز يقول إن الفقيه بقي بن مخلد قال: إن سجلات القضاء لدى قاضي الجماعة محمد بن بشير كانت دقيقة ولطيفة، والسجل لا يذكر فيه إلا لب القضية فقط في أسطر قليلة، بخلاف ما أصبحت عليه فيما بعد، إذ أخذت تمتاز بكثرة التفاصيل (١).
وعملية التطور هذا حدثت في فترة لا تتجاوز ثلاثة أرباع القرن وهي الفترة الفاصلة بين وفاة قاضي الجماعة بن بشير سنة (١٩٨) هـ (٨١٤ هـ) ووفاة الفقيه بقي بن مخلد سنة (٢٧٦) هـ (٨٨٩ م) ولاشك أنها شهدت فيما بعد مزيداً من الإطالة والتفصيل، وكما يقول أحد المهتمين بدراسة القضاء في الأندلس عن تسجيلات الأحكام أنها "قد أصبحت في القرن الخامس مزيدة ومفصلة لكل جوانب القضية وأحكامها، ولعل نوازل ابن سهل خير مصداق لمنهج تحرير الأحكام وتسبيبها في تلك الفترة (٢) ".
стр. 690
تنفيذ الأحكام:
بناء على ما يثبت لدى القاضي من ظهور الحق في القضية المطروحة عنده، فإنه يصدر حكمه فيها، ومتى ما صدر الحكم أصبح من المتعذر إعادة النظر فيه (١) إلا ما كان منها ظاهر الجور أو مخالف للشرع أو تبين للقاضي الخطأ في قضائه والوهم في حكمه (٢).
وقد جاء في رسالة عمر بن الخطاب لأبي موسى الأشعري ﵄: "ولا يمنعك قضاء قضيته فراجعت فيه نفسك أو هديت فيه لرشدك أن تراجع فيه الحق، فإن الحق قديم لا يبطل ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل (٣) ".
كما ورد في العهد الذي أصدره والي الأندلس عقبة بن الحجاج للقاضي مهدي بن مسلم أن "لا يعجل بإمضاء الحكم حتى يستقصي حجج الخصوم وبيناتهم ومزكيهم، ويضرب لهم الآجال ويوسع فيها عليهم، حتى تنجلي له حقائق أمورهم وتتكشف له أغطيتها (٤) ".
ولذا فقد عُرف قاضي الجماعة أحمد بن بقي بن مخلد بلين الجانب والتطويل في الأحكام لأنه كان لا ينفذ منها إلا الظاهر البين، أما ما كان
стр. 691
ملتبساً عليه منها، أو لديه شك فيها فإنه كان يستعمل الأناة والتؤدة حتى تنجلي له الحقيقة أو يتصالح الخصمان، وعندما بلغه من يعيب عليه اللين والتطويل، قال: "أعوذ بالله من لين يؤدي إلى ضعف، ومن شدة تبلغ إلى عنف … واحتج بفساد أحوال بعض الناس وما يسببه هذا الفساد من التباس الأمور حتى لا يكاد يستبين الحق منها، كما احتج بفعل عمر بن الخطاب ﵁ عندما اشتبه عليه الحكم في قضية، فأطال فيها، وكره أن يحكم على الاشتباه وأمر بابتداء الخصومة من أولها (١) ".
أعوان القاضي:
لابد للقاضي من أعوان يستعين بهم على ضبط هيبة مجلس القضاء، فهم الذين يحفظون نظامه ويدخلون الخصوم إلى القاضي بالترتيب الأول فالأول، كما أنهم يخرجون من يطلب القاضي إخراجه عند إساءته الأدب ونحوه.
وهؤلاء الأعوان يشترط فيهم الصلاح والأمانة، فيؤمن جانبهم بعدم قبول الرشوة، فلا يُقَدَّم أحد في الدخول إلى القاضي، كما أن صلاح الأعوان ضروري لكي يعاملوا أولئك الخصوم المتزاحمين على باب القاضي بالرفق واللين، فضلاً عن دورهم في إحضار الخصوم وتنفيذ الأحكام. وفي هذا يقول ابن العطار "يجب أن يكون أعوان القاضي في زي الصالحين
стр. 692
أحوال الناسكين مستمسكين بهديه وحاله، فإنه يستدل بأحوال المرء بصاحبه وغلامه (١) ".
ويقول ابن عبدون: "لا يستعمل القاضي … من الأعوان من كان غائظاً ولاشريباً ولا غضوباً ولا مهذاراً كثير الكلام واللدد، فيهذب ذلك منهم (٢) " كما يجب أن يكون للقاضي رقبة عليهم وهيبة، يخوفهم لئلا يقدموا على أمر فيفعلونه، أو قول فيقولونه، أو أمر فيفسدونه، ولا يمكّن من الدخول عليه أحد منهم حتى يدعى عند الحاجة إليه، فهو موضع رشوة وفساد (٣) " لأجل هذا نجد أن قاضي الجماعة أحمد بن بقي بن مخلد كان قد اتخذ أعواناً شيوخاً توسم بهم الخير والسداد (٤).
وعن عدد الأعوان لدى القاضي ذكر ابن عبد ون -معاصر المرابطين- أن عددهم لدى القاضي في اشبيلية كان لا يتجاوز العشرة، منهم أربعة سودان برابر لأجل المرابطين والبقية من أهل الأندلس (٥). وعلل سبب بلوغ عددهم العشرة ما عرف عن أهل اشبيلية في ذلك الوقت من كثرة الخصومات بسبب اشتداد الخلاف بين أهلها (٦)، وعليه فمن
стр. 693
المتوقع ألا يكون عددهم في قرطبة إبان الدولة الأموية أقل من ذلك ويتم صرف أرزاق أولئك الأعوان من بيت مال المسلمين مثلهم في ذلك مثل القاضي الذي يأخذ رزقه من بيت المال (١)، يدل على ذلك أن قاضي الجماعة أحمد بن بقي بن مخلد عندما تولى القضاء سنة (٣١٤) هـ (٩٢٦ م) طلب من الأمير عبد الرحمن بن محمد أن يكون رزق أعوانه من بيت المال (٢)، ولكن ربما صرفت أرزاقهم من موارد أخرى، إما من رزق القاضي أو من المدعى أو المدعي عليه إذا عرف بالمماطلة (٣).
مرتب القاضي وموارد دخله:
إن من الحقوق التي ضمنت للقاضي، تقديم الأرزاق له، وذلك مقابل تحمله عبء الجلوس لصالح الناس. وهذا الجلوس يستغرق جل وقته، مما يحول بينه وبين التكسب من طرق أخرى، لأجل هذا كان لابد من صرف مرتب له يغنيه عن الاحتياج للآخرين، ويجعله في مأمن عن التطلع لما في أيديهم.
ويكفي للدلالة على وجوب فرض مرتب للقاضي فعل النبي الكريم ﷺ عندما بعث معاذاً ﵁ إلى اليمن ليتولى
стр. 694
القضاء فقد فرض له رزقاً مقابل ذلك وقال له: "لعل الله يجبرك ويؤدي عنك دينك (١) ".
كذلك فرض الخلفاء الراشدون رضوان الله عليهم لقضاتهم أرزاقاً فقد كتب عمر بن الخطاب إلى معاذ بن جبل وأبي عبيدة ﵃ عندما كانا في الشام "أن انظروا رجالاً من الصالحين قبلكم فاستعملوهم على القضاء ووسعوا عليهم في الرزق (٢) " كما فرض علي بن أبي طالب ﵁ لشريح خمسمائة درهم في الشهر عندما ولاه القضاء (٣)، واستمرت عملية صرف المرتبات للقضاة طيلة عهد الدولة الأموية في الشام (٤).
وفي الأندلس سار القضاة هناك على مثل ما كان عليه نظرائهم في المشرق، فقد كانت لهم أرزاق تدفع من بيت المال. وقد حدد لنا أبو الوليد الأزدي فيما يرويه عن أصبغ بن الفرج موارد رزق القاضي، فقد قال "وحق على الإمام أن يوسع على القاضي في رزقه، ويجعل له خدمة
стр. 695
يقومون بأمره، ويدفعون الناس عنه، ويجري له ثمناً لوقوف يدون أقضيته فيها، وشهادتهم، وبمصابيح الليل ينظر منها في أمور الناس ويدبرها، ولا ينبغي له أن يأخذ رزقه إلا من الخمس أو من الجزية أو من عشر أهل الذمة (١) ".
ويبدو أن الرزق المقدم للقاضي كان شهريا (٢)، وكان واسعاً نوعاً ما. بل إنه كان يمكن البعض من تدبير أموره بفائض من هذا الرزق طيلة العام المقبل حتى وإن كان معزولاً، مثلما حدث لمعاوية بن صالح عندما كان الأمير عبد الرحمن الداخل يداول بينه وبين عمر بن شراحيل في القضاء (٣).
والذي تجدر الإشارة إليه أن القاضي معاوية بن صالح بما أنه يدبر شئونه طيلة العام المقبل من خلال الفائض من رزق العام الذي يتولى فيه القضاء بالرغم من أنه لا يمارس أي عمل آخر طيلة العام الذي يتولى فيه صاحبه عمر بن شراحبيل القضاء، لهو دليل أكيد على حياة الزهد التي كان يعيشها، وإن كنا لا نستطيع التغاضي عن ضخامة الرزق الذي تقدمه الدولة للقاضي.
стр. 696
والأمثلة على حياة الزهد التي كان يحياها قضاة الجماعة بقرطبة كثيرة، فبالإضافة إلى ما سبق كان قاضي الجماعة سعيد بن سليمان إذا انصرف من صلاة الجمعة، ذهب إلى الفران وأخذ خبزته ووضعها تحت عضده ودخل بيته (١). وعندما عُزل قاضي الجماعة يحيى بن معمر الألهاني عن منصبه، بعث إليه أحد خواصه من الوزراء أحد أبنائه ومعه بعض الأعوان والزوامل لحمل أمتعته، لكنهم فوجئوا عند دخولهم بيت القاضي بأنهم لم يجدوا من المتاع إلا حصير وخابية دقيق وصحفة وقلة للماء وقدح وسرير كان يرقد عليه (٢).
ومن شدة زهد أولئك القضاة أن أحدهم كان إذا شغل عن القضاء يوماً لا يأخذ لذلك اليوم أجراً (٣)، بل إن أحدهم إذا كان له دخل من غير منصب القضاء، فإنه يتعفف عن رزق القضاء، وإن كان في الواقع بحاجة إليه، فقاضي الجماعة سعيد بن سليمان كانت له ضيعة في فحص البلوط، وكان وكيله على هذه الضيعة المدعو ناصر بن قيس يُحضر للقاضي نتاج ضيعته من القمح والشعير، وهذا النتاج يبلغ سبعة أمداد من شعير وثلاثة أمداد من قمح، وكان القاضي يقول لمن حوله عن هذا الطعام "وهذا
стр. 697
مقيتي ومقيت عيالي بحول الله (١) " كما كان قاضي الجماعة ابن السليم يتعيش على اصطياد الأسماك من نهر قرطبة ويتعفف عن رزق القضاء (٢).
وبمقابل من كان يعيش من قضاة قرطبة عيشة الزهد والتقشف كانت فئة منهم تعيش في سعة وبحبوحة، فمثلاً كان قاضي الجماعة الحبيب أحمد بن محمد بن زياد تاجراً قبل أن يتولى خطة القضاء سنة (٢٩١) هـ (٩٠٤ م) (٣) ".
وأما قاضي الجماعة أحمد بن بقي بن مخلد فيذكر عنه ابنه عبد الرحمن أنه إذا طرق أباه ضيف في الليل لم يذبح له شيئاً من الطير، لأنه يعتبره أماناً لها، ويكتفي بأن يقدم للضيف في ذلك المساء العسل والسمن والبيض وما شاكل ذلك (٤).
ويذكر ابن حيان أن قاضي الجماعة محمد بن يبقى بن زرب كان ذا سعة وثراء، فلما تولى القضاء في أوائل عهد الخليفة هشام المؤيد، جاءه أصحابه من الفقهاء والمشاورين لتهنئته بهذا المنصب، فما كان منه إلا أن احتبسهم عنده ثم أطلعهم على ما لديه من الأموال وأخبرهم عما تحويه
стр. 698
مخازنه منها، وما قدر عليه تجارته من أرباح، وذلك لكي لا يتعرض لتهمة الخيانة فيما بعد إذا ظهر ثراؤه بصورة كبيرة (١).
وكذلك كان قاضي الجماعة عبد الرحمن بن فطيس ميسور الحال، يدل على ذلك ما ذكره ابن حيان من أن ولده محمد بن عبد الرحمن بن فطيس المتوفى سنة (٤٠٩) هـ (١٠١٨ م) كان سريا (٢).
كما كان عبد الرحمن بن بشر الذي تولى للحموديين بقرطبة خطتي القضاء والوزارة من أهل الثراء، يدل على ذلك ما ذكره النباهي عن مجلس لابن بشر كان يقضي فيه أنسه وخلوته، فقد كان ذلك المجلس "عجيب الصفة حسن الآلة، ملبَّس كله بالخضرة، جدرانه وأبوابه، وسقفه وفرشه وستوره ونمارقه، وكل ذلك متشاكل الصفات، قد ملأه بدفاتر العلم ودواوين الكتب التي ينظر فيها ويخرج منها (٣) ".
بعض المهام التي كان يتولاها القاضي أحيانا:
من الملاحظ أن قاضي الجماعة بقرطبة كان في بعض الأحيان يقوم بأداء مهام وظيفية أخرى، وذلك إلى جانب منصبه، فهناك من كان
стр. 699
يشترك في الغزوات التي كان يقوم بها جيش الدولة (١)، بل إن منهم من كان يتولى أحياناً قيادة الجيش (٢).
واشتراك القاضي في الغزو قد يكون رغبة منه في الجهاد والمرابطة، وأما إن كان الأمر نتيجة تكليف من ولي الأمر فالهدف من وجوده هو إمامة الجند في الصلاة وبث الحماس في نفوسهم من خلال الخطب التي يلقيها عليهم.
ومن المهام التي أسندت لقاضي الجماعة الإشراف على الثغور وإصلاح ما وهى من حصونها، وقد كان قاضي الجماعة محمد بن عبد الله بن أبي عيسى كثيراً ما يخرج لأجل هذه المهمة، وفي آخر خرجاته إلى هناك، اعتل في قرية نحارس ومات هناك، فنقل جثمانه إلى طليطلة حيث دفن فيها في يوم السبت مستهل ربيع الأول سنة (٣٩٩) هـ (نوفمبر (١٠٠٨) م) (٣).
وأما لدينا العمالة على الكور، فقد ذكر الخشني أن الأمير الحكم الربضي استقدم الفرج بن كنانة من شذونة فولاه القضاء بقرطبة، وبعد أن أعفى الأمير ابنه عبد الرحمن من ولاية سرقسطة، وولاها عبد الرحمن بن أبي عبد هـ، حدثت بعض الفتن هناك، فأرسل الأمير إليهم قاضي الجماعة
стр. 700
الفرج ابن كنانة والياً على سرقسطة، فتمكن بحسن معالجته للأمور من إخماد الفتنة (١).
وقبل أن يصل محمد بن عبد الله بن أبي عيسى إلى منصب قاضي الجماعة في ذي الحجة سنة (٣٢٦) هـ (أكتوبر (٩٣٨) م) كان قد تقلد القضاء في عدة كور، فقد ولاه الخليفة عبد الرحمن الناصر القضاء ببجانة وطليطلة وجيان، وصرَّفه في عدة أمانات، فاضطلع بها، وكان آخر ما تولاه قضاء إلبيرة، وقلده مع القضاء أمانة الكور والنظر على عمالها، فكانوا لا يصدرون إلا عن أمره، ولا يظلم أحد في أي كورة تحت تصرفه إلا نصره (٢).
وبعد أن تولى ابن أبي عيسى قضاء الجماعة كلفه الخليفة عبد الرحمن الناصر في منتصف شهر رجب سنة (٣٢٨) هـ (إبريل (٩٤٠) م) بالخروج إلى الثغور الشرقية للنظر في مصالح أهلها، فخرج إليها وحسن أثره فيها (٣)، وازداد رفعة وقرباً من الخليفة حتى أنه أصبح المؤتمن على أسراره، كما خوله حضور جلسة مجلس الوزراء دون أن يطلق عليه لقب وزير (٤).
ومن المهام التي كان يتولاها قاضي الجماعة عرضاً الكتابة، فقد ذكر الخشني أن الأمير عبد الله ابن محمد كان في أحد أيام الجمعة في الساباط،
стр. 701
فورد عليه كتاب لابد من الإجابة عليه فوراً، فطلب كاتبه عبد الله بن محمد الزجالي فلم يجده، فأراد أن يرسل في استدعائه، لكن القاضي النضر بن سلمة عرض نفسه على الأمير للرد على هذا الكتاب، فأذن له، فجاوب فأحسن وكتب فأبلغ، فأعجب الأمير به وشكر له فضله (١).
ومن المهام الجسيمة التي كان يضطلع بها قاضي الجماعة أحياناً، الاستخلاف في سطح قصر الإمارة، وهذا لم يحدث إلا في عهد الخليفة عبد الرحمن الناصر قبل أن يكبر ولي عهده الحكم، فقد كان كثيراً ما يستخلف قاضي الجماعة أسلم بن عبد العزيز على سطح القصر عند خروجه لمغازيه (٢).
والحق إن استخلاف القاضي على سطح القصر لهو أبلغ دلالة على مدى عظم منصب قاضي الجماعة، بالإضافة إلى الثقة القوية التي كانت متبادلة بين أمراء وخلفاء بني أمية وبين قضاتهم.
كذلك كانت تناط بقاضي الجماعة مهمة الإشراف على البنيان، وفي هذا يذكر الخشني أن الخليفة عبد الرحمن الناصر كان كثيراً ما يكلف القاضي ابن أبي عيسى بالإشراف على الثغور وتفقد مصالحها وبنيان
стр. 702
حصونها، كما أنه هو الذي تولى للخليفة عبد الرحمن الناصر بناء مدينة سالم مع القائد غالب بن عبد الرحمن (١).
والقاضي يتولى الإشراف على أموال الوقف في المسجد الجامع (٢) كما كان يقوم بمهمام النظر في شئون الأيتام (٣)، وهو الذي يعيِّن الأوصياء عليهم لاستصلاح أموالهم (٤). ولا يتم بيع شيء من ممتلكات الأيتام إلا بإذن القاضي (٥) حتى وإن كان ذلك ضد رغبة الخليفة (٦).
كذلك كانت تسند للقاضي مهمة القيام بالسفارة لأجل الإصلاح، ففي شهر رمضان سنة (٣٢٨) هـ (يونيو (٩٤٠) م) انتدب الخليفة عبد الرحمن الناصر قاضي الجماعة منذر بن سعيد البلوطي للسفر إلى العدوة المغربية للتوسط بين الزعيمين الخير بن محمد بن خزر وبين مدين بن موسى بن أبي
стр. 703
العافية المكناسي لإيقاف الحرب بينهما ومنع سفك الدماء، فنفذ منذر لما ندب له، وعالج الأمر برؤية فوفق في مهمته (١).
وفي عهد الفتنة أرسل الخليفة المهدي قاضي الجماعة أبا العباس بن ذكوان لإقناع هشام بن سليمان بن عبد الرحمن الناصر ومن معه من العبيد العامريين بالعدول عن إثارة الفتنة وترك الخروج ضد المهدي (٢).
وقاضي الجماعة يؤخذ العهد أمامه بالطاعة، فقد ذكر ابن ذكوان أنه في غزوة ربيع الأخر سنة (٣٢٨) هـ (ديسمبر (٩٣٩) م) قدم إلى قرطبة موسى بن محمد صاحب مدينة وشقه وحكم بن منذر صاحب قلعة أيوب مستأمنين للخليفة عبد الرحمن الناصر، فأخرج إليهما كتب الأمان، وعقد لهما على أعمالهما، وذلك بعد أن أحلف كل واحد منهما في المسجد الجامع بقرطبة خمسين يميناً على الالتزام بالطاعة والوفاء بشروطها والنصح للخليفة في السر والعلن، كل هذا تم بمحضر قاضي الجماعة منذر بن سعيد البلوطي ومن معه من الحكام والفقهاء والعدول (٣).
وأخيراً، إن القارئ ليقف موقف المتسائل من القدرة التي كان عليها قضاة الجماعة والتي أهلتهم للتصدي بكفاءة لكل ما وكل إليهم من المهام، وربما تسرب إلى الخاطر أن معظم تلك المهام لم تكن إلا تشريفية
стр. 704
لا أكثر (١)، لكن الصواب هو ما ذهب إليه أحد المختصين بدراسة القضاء في الأندلس حيث يقول "إن مجال التشريف بألقاب القاضي لم يكن معمولاً به في الأندلس، وأن الخطط التي جمعت إلى قضاة الأندلس كان القاضي يمارسها بنفسه، فإذا لم يستطع فبالاستخلاف أو التفويض أو بمعونة مساعديه وتحت مراقبته ومسئوليته" (٢).
ويكفي لتأييد هذا الرأي وأن الألقاب لم تكن تشريفية ما ورد على لسان الحاجب المنصور بن أبي عامر عند وصفه لأحد رجال دولته، المدعو إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الحضرمي الشهير بابن الشرفي، المتوفى في شهر شعبان سنة (٣٩٦) هـ (مايو سنة (١٠٠٦) م) فقد قال "في أصحابي رجل بصير بدنياه، يصلح لكل خطة، من مكاني في الحجابة، إلى مكان بوابي فلان، فمن بينهما من ذي منزله، ويستقل بكل أمر، ويصلح لكل خطة فإذا استفسر عنه، قال هو الشرفي (٣) ".
ولتأكيد مقولة المنصور أورد القاضي عياض وصف ابن حيان لابن الشرفي، فذكر أنه قال "كان من أحد رجالات قرطبة المعدودين في الجزالة والرجولة، مع جودة المعرفة وغزارة العلم ومتانة الخطابة، والسداد
стр. 705
في الحكومة مع الصلابة والنزاهة، ولي الشرطة والأحكام بقرطبة والصلاة والخطبة بجامعها مع المواريث (١) ".
مستخلف القاضي:
يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (٢) فطاعة ولي الأمر واجبة - بغير معصية - والقاضي هو وكيل عن ولي الأمر، ولا يجوز للوكيل إقامة وكيلاً له إلا بتفويض من الموكل، فكذلك لا يجوز للقاضي أن يستخلف قاضياً آخر مكانه مالم يأذن ولي الأمر بذلك (٣). وعليه "فليس للقاضي أن يستخلف قاضياً مكانه ينظر بين الناس ويريح نفسه إذا كان حاضراً ولا إن عاقه شغل، إلا بعد استئذان الذي قدمه أو يكون تقديمه انعقد على ذلك (٤) ".
وقد حدد الفقيه ابن العطار في وثائقه المجال العام الذي يمكن للقاضي المستخلف أن يعمل فيه، فقد ذكر أن القاضي إذا استخلف قاضياً آخر مكانه فللمستخلف الاستماع لشهادة الشهود، وقبول عدالة