← История

История · id 7331

نظم حكم الأمويين ورسومهم في الأندلس

سالم بن عبد الله الخلف

Полный текст (939 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

فورد عليه كتاب لابد من الإجابة عليه فوراً، فطلب كاتبه عبد الله بن محمد الزجالي فلم يجده، فأراد أن يرسل في استدعائه، لكن القاضي النضر بن سلمة عرض نفسه على الأمير للرد على هذا الكتاب، فأذن له، فجاوب فأحسن وكتب فأبلغ، فأعجب الأمير به وشكر له فضله (١). ومن المهام الجسيمة التي كان يضطلع بها قاضي الجماعة أحياناً، الاستخلاف في سطح قصر الإمارة، وهذا لم يحدث إلا في عهد الخليفة عبد الرحمن الناصر قبل أن يكبر ولي عهده الحكم، فقد كان كثيراً ما يستخلف قاضي الجماعة أسلم بن عبد العزيز على سطح القصر عند خروجه لمغازيه (٢). والحق إن استخلاف القاضي على سطح القصر لهو أبلغ دلالة على مدى عظم منصب قاضي الجماعة، بالإضافة إلى الثقة القوية التي كانت متبادلة بين أمراء وخلفاء بني أمية وبين قضاتهم. كذلك كانت تناط بقاضي الجماعة مهمة الإشراف على البنيان، وفي هذا يذكر الخشني أن الخليفة عبد الرحمن الناصر كان كثيراً ما يكلف القاضي ابن أبي عيسى بالإشراف على الثغور وتفقد مصالحها وبنيان

стр. 702

حصونها، كما أنه هو الذي تولى للخليفة عبد الرحمن الناصر بناء مدينة سالم مع القائد غالب بن عبد الرحمن (١). والقاضي يتولى الإشراف على أموال الوقف في المسجد الجامع (٢) كما كان يقوم بمهمام النظر في شئون الأيتام (٣)، وهو الذي يعيِّن الأوصياء عليهم لاستصلاح أموالهم (٤). ولا يتم بيع شيء من ممتلكات الأيتام إلا بإذن القاضي (٥) حتى وإن كان ذلك ضد رغبة الخليفة (٦). كذلك كانت تسند للقاضي مهمة القيام بالسفارة لأجل الإصلاح، ففي شهر رمضان سنة (٣٢٨) هـ (يونيو (٩٤٠) م) انتدب الخليفة عبد الرحمن الناصر قاضي الجماعة منذر بن سعيد البلوطي للسفر إلى العدوة المغربية للتوسط بين الزعيمين الخير بن محمد بن خزر وبين مدين بن موسى بن أبي

стр. 703

العافية المكناسي لإيقاف الحرب بينهما ومنع سفك الدماء، فنفذ منذر لما ندب له، وعالج الأمر برؤية فوفق في مهمته (١). وفي عهد الفتنة أرسل الخليفة المهدي قاضي الجماعة أبا العباس بن ذكوان لإقناع هشام بن سليمان بن عبد الرحمن الناصر ومن معه من العبيد العامريين بالعدول عن إثارة الفتنة وترك الخروج ضد المهدي (٢). وقاضي الجماعة يؤخذ العهد أمامه بالطاعة، فقد ذكر ابن ذكوان أنه في غزوة ربيع الأخر سنة (٣٢٨) هـ (ديسمبر (٩٣٩) م) قدم إلى قرطبة موسى بن محمد صاحب مدينة وشقه وحكم بن منذر صاحب قلعة أيوب مستأمنين للخليفة عبد الرحمن الناصر، فأخرج إليهما كتب الأمان، وعقد لهما على أعمالهما، وذلك بعد أن أحلف كل واحد منهما في المسجد الجامع بقرطبة خمسين يميناً على الالتزام بالطاعة والوفاء بشروطها والنصح للخليفة في السر والعلن، كل هذا تم بمحضر قاضي الجماعة منذر بن سعيد البلوطي ومن معه من الحكام والفقهاء والعدول (٣). وأخيراً، إن القارئ ليقف موقف المتسائل من القدرة التي كان عليها قضاة الجماعة والتي أهلتهم للتصدي بكفاءة لكل ما وكل إليهم من المهام، وربما تسرب إلى الخاطر أن معظم تلك المهام لم تكن إلا تشريفية

стр. 704

لا أكثر (١)، لكن الصواب هو ما ذهب إليه أحد المختصين بدراسة القضاء في الأندلس حيث يقول "إن مجال التشريف بألقاب القاضي لم يكن معمولاً به في الأندلس، وأن الخطط التي جمعت إلى قضاة الأندلس كان القاضي يمارسها بنفسه، فإذا لم يستطع فبالاستخلاف أو التفويض أو بمعونة مساعديه وتحت مراقبته ومسئوليته" (٢). ويكفي لتأييد هذا الرأي وأن الألقاب لم تكن تشريفية ما ورد على لسان الحاجب المنصور بن أبي عامر عند وصفه لأحد رجال دولته، المدعو إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الحضرمي الشهير بابن الشرفي، المتوفى في شهر شعبان سنة (٣٩٦) هـ (مايو سنة (١٠٠٦) م) فقد قال "في أصحابي رجل بصير بدنياه، يصلح لكل خطة، من مكاني في الحجابة، إلى مكان بوابي فلان، فمن بينهما من ذي منزله، ويستقل بكل أمر، ويصلح لكل خطة فإذا استفسر عنه، قال هو الشرفي (٣) ". ولتأكيد مقولة المنصور أورد القاضي عياض وصف ابن حيان لابن الشرفي، فذكر أنه قال "كان من أحد رجالات قرطبة المعدودين في الجزالة والرجولة، مع جودة المعرفة وغزارة العلم ومتانة الخطابة، والسداد

стр. 705

في الحكومة مع الصلابة والنزاهة، ولي الشرطة والأحكام بقرطبة والصلاة والخطبة بجامعها مع المواريث (١) ". مستخلف القاضي: يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (٢) فطاعة ولي الأمر واجبة - بغير معصية - والقاضي هو وكيل عن ولي الأمر، ولا يجوز للوكيل إقامة وكيلاً له إلا بتفويض من الموكل، فكذلك لا يجوز للقاضي أن يستخلف قاضياً آخر مكانه مالم يأذن ولي الأمر بذلك (٣). وعليه "فليس للقاضي أن يستخلف قاضياً مكانه ينظر بين الناس ويريح نفسه إذا كان حاضراً ولا إن عاقه شغل، إلا بعد استئذان الذي قدمه أو يكون تقديمه انعقد على ذلك (٤) ". وقد حدد الفقيه ابن العطار في وثائقه المجال العام الذي يمكن للقاضي المستخلف أن يعمل فيه، فقد ذكر أن القاضي إذا استخلف قاضياً آخر مكانه فللمستخلف الاستماع لشهادة الشهود، وقبول عدالة

стр. 706

من عرف منهم بالعدالة، وأن يعدل من احتاج إلى تعديل. فبعد أن يثبت لديه حيازة ما شهد به الشهود، يرفع ذلك كله إلى القاضي الذي استخلفه، وذلك بحضرة شاهدي عدل، فيلزم القاضي حينئذ إقرار فعل مستخلفه، وتنفيذ ما ثبت عنده من ذلك، ويسجل به للمحكوم وينعقد التسجيل في ذلك والإشهاد على القاضي (١)، ثم أضاف أنه إذا كان المخلف غائباً، فإنه يسجل القضية بشهادة الشهود والإثباتات ثم يطبع على الكتاب الذي سجل فيه القضية ويبعثه مع عدلين، يتوجهان به إلى القاضي ويسلمانه الكتاب، ويشهدان عنده أن مخلفه فلان بن فلان قد دفعه إليهما وأشهدهما على ما فيه، وينفذ القاضي قولهما إذا قبلهما بمعرفته بهما أو بتعديل من عدلهما لديه (٢). وقد استخدم بعض قضاة الجماعة بقرطبة حق الاستخلاف، من هؤلاء قاضي الجماعة محمد بن عبد الله بن أبي عيسى الذي كان يستخلف على قضائه عند خروجه من قرطبة قاسم بن محمد صاحب الوثائق، وفي بعض الأحيان يستخلف عبد الرحمن بن علي (٣). وكان قاضي الجماعة ابن ذكوان ملازماً للحاجب المنصور بن أبي عامر لم يتخلف عنه في غزوة من غزواته ولا فارقه في إقامة ولا سفر،

стр. 707

وكذلك كانت حالته مع ولديه عبد الملك المظفر وعبد الرحمن شنجول (١) ولذا فقد كان القاضي ابن ذكوان يستخلف أخاه أبا حاتم صاحب المظالم طيلة غيابه عن قرطبة (٢). والمستخلف ربما حاول أن يقنع ولي الأمر بأنه أولى بالمنصب ممن استخلفه، وأنه أقدر عليه منه، وقد حدث ذلك في قرطبة مرة واحدة، فقد استخلف قاضي الجماعة محمد بن عبد الله بن أبي عيسى في إحدى خرجاته عن قرطبة الفقيه ابن زونان، فصلى بهم الجمعة ثم استغل غيبة القاضي، فكتب للخليفة عبد الرحمن الناصر كتاباً ذكر فيه "أنه شيخ من شيوخ المسلمين، ومن أهل العلم فيهم، وولاؤه أشرف الولاء، إذ كان مولى رسول الله ﷺ فكيف يكون مع هذا مخالفاً لابن أبي عيسى؟ وهو صبي في عدد ولده، يسأل أمير المؤمنين أن يأنف من هذا (٣) " لكن الخليفة لم يلتفت إلى كتابة ابن زونان، ولم ير بديلاً لابن أبي عيسى الذي ما إن علم بالأمر حتى عاد مسرعاً وصرف ابن زونان ولم يستخلفه بعدها (٤). والاستخلاف في القضاء لم يقتصر العمل به على قضاة الجماعة بقرطبة، فقد كان معمولاً به في الكور، فالفقيه الحافظ أبو الفرج عبد الله

стр. 708

بن عبد الوارث (١) بن منتيل، المتوفى ليلة السبت لسبع عشرة ليلة مضت من شهر رمضان سنة (٣٧٣) هـ (فبراير (٩٨٤) م) كان مستفتياً في الأحكام ببلدة طليطلة، ومن أهل الثقة والورع في جميع أموره، ولذا فقد كان محمد بن يحيى بن عبد العزيز يستخلفه أيام قضائه بطليطلة (٢). وقد نظر ابن عبد ون إلى مسألة الاستخلاف نظرة حذرة، خشية ماقد يطرأ على الحقوق من ظلم بسبب هذا الاستخلاف، فبعد أن ذكر الشروط التي على القاضي التحلي بها، بدأ يعدد الأمور التي يجب عليه أن يأخذ حذره منها "ألا يستخلف في ذلك لأنه باب فساد لحاله، وباب من الهوان كبير قد فتحه على نفسه، فإن الناس يميلون إلى مستخلفه ويبقى هو مهوناً لا يعبأ به، ويحدث المستخلف عليه خلافاً عظيماً، لاسيما إذا ارتشى أو كان ذا غفلة، ولم تكن له حنكة (٣) ". ثم حدد ابن عبد ون السمات التي على القاضي أن يراعيها في مستخلفه، وحدد له الصلاحيات التي يمنحها المستخلف لكي يضمن السلامة، فقال "أن يجعل حاكماً عالماً خيراً غنياً يجعله للعوام في الأمر القريب من الأحكام لا في رقاب الأموال، ولا حكم على الأيتام، ولا فيما فيه أمر من أمور السلطان والعمال (٤) ".

стр. 709

العزوف عن القضاء: من الملاحظ أنه بالرغم من الأهمية البالغة، والمكانة السامية، للقاضي في المجتمع الإسلامي، إلا أن بعض الفقهاء يرفض بشدة تولي القضاء، ورفض هذا المنصب مدعاة للتساؤل. لكن إذا وضعنا في الاعتبار احتياط ذلك الفقيه لنفسه من الوقوع في المحذور، وخشيته من القضاء لشدة عقوبة من اتبع هواه فيه، فسوف نعذره، فقد وردت أحاديث عديدة كلها تحذر من القضاء، من ذلك ما روي عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من جعل قاضياً بين الناس فقد ذُبح بغير سكين (١) ". لكن العزوف عن القضاء لمجرد التحذير أمر فيه نظر، إذ أن في رسول الله ﷺ وصحابته الكرام رضوان الله عليهم أسوة حسنة، كما أن القاضي الذي يقضي بالحق ويجهد نفسه في مرضاة الله تعالى لاشك أن له من الله تعالى أجر عظيم، والرسول الكريم ﷺ لم يغلق الباب أمام تولي القضاء، فهو كما أنه حذر منه، تجده في أحاديث أخرى يرغب فيه فقد قال: "إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد وأخطأ فله أجر" (٢).

стр. 710

ويرى الخشني أن قبول بعض الفقهاء للقضاء ناتج عن رغبة منهم في شرف الدنيا والاتكال على عفو الله تعالى ورحمته، وأما من نفر منه فذلك لخشيته من موقف يوم القيامة، وحذراً من وقوع حيف على يديه يستجلب به غضب الله تعالى (١) ". وفي الأندلس وجد الكثير من الفقهاء الذين رفضوا منصب القضاء، شأنهم في ذلك شأن من رفضه من المشارقة، وقد علل أحد المهتمين بدراسة القضاء في الأندلس هذا الرفض "بالخوف من عدم القدرة على إقامة العدل على الأقوياء، وتحرجاً من خدمة أمراء لا يرضون عن تصرفاتهم، وخوف الفقهاء من الدسائس التي تحدث بين بعضهم ورجال السلطة وأصحاب النفوذ في الدولة، وخوفهم أيضاً من التنكيل بهم بيد أصحاب السلطة إذا عارضوا ووقفوا أمام ظلمهم (٢) ". وإذا طبقنا هذا الرأي على الواقع في الأندلس، نجد أنه بحاجة لإعادة نظر، فهو لا ينطبق إلا على عهد الخليفة هشام المؤيد، وهذا أيضاً في حالات معدودة بالإضافة إلى مدة الفتنة وهي مدة لا يمكن اعتبارها صورة لحالة الدولة بأي حال من الأحوال، أما منذ قيام الدولة سنة (١٣٨) هـ وحتى وفاة الخليفة الحكم المستنصر سنة (٣٦٦) هـ (٩٧٧ م) فإن أغلب

стр. 711

الصور عن القضاء ومن تولاه هي صور طيبة تبرز بجلاء موقف أمراء وخلفاء بني أمية من العدل. هذا ولدينا شخصيات أندلسية كثيرة رفضت منصب القضاء، ولعل الفقيه يحيى بن يحيى الليثي هو خير مثال على ذلك، إذ يمكن اعتباره أبرز شخصية دينية أندلسية على الأقل في عصره. وعندما نحاول الوصول إلى معرفة الأسباب الحقيقية التي حالت دون تولي الفقيه الليثي للقضاء، نضع في الاعتبار مسألة تأثير الإمام مالك بن أنس على أتباع مذهبه بصفة عامة وتلاميذه بصفة خاصة. فالمذهب المالكي يمتاز عن بقية المذاهب بالتأثير السلوكي الذي يظهر جلياً على اتباعه، فهو غير مقتصر على كونه مذهباً فقهياً فحسب، بل هو مذهب سلوكي (١) وإذا حاولنا التعرف على الأسباب التي أدت إلى أخذ الأندلسيين بالمذهب المالكي، نجد أن من بينها "العامل التربوي" والذي أقصده هو القول بأن تأثيراً تربوياً تمت ممارسته بطريق غير مباشر من قبل الإمام مالك على تلاميذه الأندلسيين، فقد وجد هؤلاء التلاميذ إماماً مهيباً (٢)، على درجة كبيرة من العلم والوقار وحسن الهيئة، لذا فليس

стр. 712

من المستغرب أن يقتدوا به، ويتخلقوا بأخلاقه وحرصوا كل الحرص على أن يسلكوا السبيل الذي اختطه لنفسه (١). ومن أجل محاولة الوصول إلى الأسباب التي حالت دون تولي الفقيه يحيى الليثي للقضاء يجب أن نتذكر أن رفض الإمام مالك للقضاء جعل العباسيين يرمقونه بنظرة إجلال واحترام، وهي صورة يسعى الكثير من الطلاب لنيلها، ولذا فلا عجب أن يرفض الفقيه يحيى الليثي منصب القضاء، وهو مدرك لمعنى هذا الرفض، إذ أنه نصب نفسه مشرفاً عاماً على القضاء، وذلك عندما قال لرسول الأمير عبد الرحمن بن الحكم عندما ألح عليه في القضاء: "المكان الذي أنا به لما تريدون خير لكم، إنه إذا تظلم الناس من قاض أجلستموني فنظرت عليه، وإن كنت القاضي فتظلم الناس مني، من تجلسون للنظر علي؟ من هو أعلم مني أو من هو دوني في العلم (٢) " وإذا علمنا أن أكبر عدد من القضاة في قرطبة وجد في عهد الأمير عبد الرحمن بن الحكم ٢٠٦ - (٢٣٨) هـ (٨٢٢ - (٨٥٢) م) وأن ذلك كان بسبب الفقيه يحيى الليثي، إذ كان مستشاراً للأمير في تعيين القضاة وعزلهم، ولا يولي الأمير أحداً إلا بمشورته (٣)، كما أن هو الذي يولي مكان القاضي المعزول (٤)، بل لقد بلغ من سلطانه في مجال تعيين القضاة وعزلهم

стр. 713

أنه إذا أنكر من القاضي شيئاً قال له "استعف و إلا رفعت بعزلك (١) " إذا عرفنا هذا أدركنا لماذا امتنع الفقيه يحيى عن القضاء. ولابد من الإشارة هنا إلى أنه ما ينطبق على الفقيه يحيى الليثي لا يمكن تعميمه على كل من رفض القضاء في الأندلس، إذ أن المصادر لم تتطرق لذكر الأسباب الحقيقية وراء الرفض كما أن هناك من رفض القضاء وقبل بتولي خطة أخرى مثل خطة الشورى وخطة الصلاة والخطبة والتعليم في المسجد (٢). وبمقابل الامتناع عن تولي القضاء، هناك من عمل بالقضاء ثم طلب الإعفاء منه، ولدينا أمثلة عدة، فمن هؤلاء: محمد بن إبراهيم بن مزين الأودي، من أهل أكشونبه غربي الأندلس، ولاه الأمير عبد الرحمن الداخل قضاء الجماعة بقرطبة، وذلك في شهر المحرم سنة (١٧٠) هـ (يوليو (٧٨٦) م) فاستمر في منصبه عدة أشهر ثم طلب الاستعفاء فأعفي ورحل للحج وقابل الإمام مالكا ثم عاد إلى الأندلس ومات سنة (١٨٣) هـ (٧٩٩ م) (٣). العزل عن القضاء: من الملاحظ أن بالرغم من المكانة السامية لخطة القضاء إلا أنه كان عرضه للعزل، ورغم أن ذلك كان أمراً مألوفاً في المجتمع الأندلسي حتى

стр. 714

نهاية القرن الخامس الهجري (١) (الحادي عشر الميلادي)، إلا أن الأمر غير مرتبط برضى أو سخط حاكم الدولة الأموية، والمصادر الأندلسية تعج بالأمثلة المؤيدة لذلك، فكم من موقف خالف فيه القاضي رغبة الأمير أو الخليفة الأموي ولم يعزله عن منصبه (٢). ومادام الأمر على هذه الصورة، فلابد أن تكون هناك أسباب للعزل، إذ أن العزل بدون سبب مقنع هو نوع من التعسف في استعمال السلطة، وإخلال بالعدالة، فالقاضي متى ما شعر أنه عرضة لهوى الحاكم أصبح غير مطمئن، وبالتالي تأتي أحكامه بعيدة عن العدالة المنشودة (٣). وهناك هيئة من الفقهاء تتولى متابعة القاضي ومؤاخذته إذا دعت الضرورة لذلك، وفي الوقت نفسه تركت للقاضي حق الدفاع عن نفسه، والأمثلة على ذلك متوفرة، فقد ورد لدى الخشني أن الفقيه يحيى بن يحيى الليثي ذكر أن حمدون بن فطيس تظلم من قاضي الجماعة محمد بن بشير في شيء حكم به عليه، ورفع الشكوى للأمير الحكم الربضي، الذي أصدر أوامره بتكوين مجلس من الفقهاء للنظر في حكم القاضي الذي سبب هذا التظلم (٤).

стр. 715

وعندما تورط قاضي الجماعة عمرو بن عبد الله بالثلث الذي أوصى ابن القصيبي بتفرقته، وذلك بسبب تواطئ ولد القاضي مع أولاد العدل الذي عنده المال، فأراد الأمير محمد بن عبد الرحمن التثبت من براءة القاضي، فبعث إليه أحد فتيانه، وحلفه في بيته سراً وذلك بمشورة الفقيه بقي بن مخلد (١). وإذا حاولنا التعرف على الأسباب التي كانت وراء عزل القضاة في الأندلس، نجد أنها متعددة، منها: انتهاء مدة ولاية القاضي، فهو إذا حددت مدته بسنة واحدة مثلاً، فإنه يعتبر معزولاً بانتهائها، ومثال ذلك ما عرفناه في عهد الأمير عبد الرحمن الداخل، فقد كان يداول بين معاوية بن صالح وعمر ابن شراحيل المعافري على قضاء الجماعة، فكان كل واحد منهما يتولى القضاء سنة واحدة ثم يلي صاحبه، وإذا تجاوز أحدهما السنة فإن الآخر ينبه الأمير على ذلك ليعزله (٢). كذلك ما يمكن اعتباره عداوة بين الفقهاء والقاضي، تكون سبباً في عزله، وهذا ما جرى لقاضي الجماعة يحيى بن معمر الألهاني (٣) وبسبب اتباع قاضي الجماعة محمد بن سعيد لهواه، وحكمه برضى الناس، اضطر الفقيه يحيى الليثي إلى طلب الاستعفاء، بعد أن قال له " … فأما إذا صرت

стр. 716

تتبع الهوى وتقضي برضى مخلوق ضعيف فلا خير فيما تجيء به ولا في إن رضيته منك (١) ". ومن دواعي عزل القاضي اشتراكه مع الحاكم بالنسب، وقد ظهرت هذه الصورة جلية في حادثة عزل قاضي الجماعة إبراهيم بن عباس القرشي، فقد حدثت شحناء بين هذا القاضي وبين الحاجب موسى بن حدير في عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط، فأضمر الحاجب في نفسه الانتقام من القاضي، فدس عليه امرأة خاطبت القاضي بمجلس قضائه قائلة له: "يا ابن الخلائف (٢) " فلم ينكر عليها القاضي ذلك فرفعت الكلمة للأمير، وصور الأمر له بأن هناك مؤامرة ضده يدبرها القاضي مع الفقيه يحيى الليثي، إلا أن الفقيه عبد الملك بن حبيب أقنع الأمير بأن ذلك غير صحيح، ثم أشار عليه بعزل القاضي حيث قال له: " … وأما القاضي فلا ينبغي للأمير أن يشركه في عدله من يشركه في نسبه (٣) " فكان ذلك سبباً لعزل القاضي سنة (٢٢٠) هـ (٨٣٥ م). وكذلك قد تكون الأخلاق الصعبة سبباً في العزل عن القضاء، فالقاضي يخامر بن عثمان الشعباني كان يعامل الناس "بخلق صعب، ومذهب وعر، وصلابة جاوزت المقدار (٤) " فلم يحتمل الناس من ذلك،

стр. 717

وتسلطت عليه الألسن، ورفع أمره للأمير عبد الرحمن، فكلف الوزراء بتولي السؤال عن القاضي وكشف أمره، وبعد أن ظهرت الحقيقة أمر الأمير بعزله (١). ولقد كانت كثرة القضايا التي ينظرها القاضي في فترة وجيزة مدعاة لعزله، وهذا ما حدث للقاضي معاذ بن عثمان الشعباني، فقد مكث في منصبه مدة سبعة عشر شهراً، أحصى عليه خلالها تنفيذ سبعين قضية، فاستكثرت منه (٢) وخيف عليه الزلل، فرفع الفقهاء أمره للأمير عبد الرحمن الأوسط فأمر بعزله (٣). وللخشني موقف من مسألة القاضي معاذ بن عثمان، فهو يرى أن القول بأن كثرة القضايا التي نظر بها، والأحكام التي أصدرها في فترة حكمه أنها هي السبب بعزله أمر غير مقبول، ويرى "أنها حكاية مدخولة لأنه لا تذكر تنفيذ الأقضية وكثرتها مع حضور الحق وانكشاف الصدق (٤) " فإذا صح رأيه فإنها لا تعدو أن تكون من تحامل بعض الفقهاء من مشاورين وعدول وأهل فتيا، إذ أن من مصلحتهم التريث في الأحكام لأنه كلما طالت الخصومات كان ذلك أنفع لهم مادياً (٥).

стр. 718

وإذا جيء القاضي بمن عرَّض بسب الله تعالى ولم يأمر بقتله، كان مدعاة لعزله، وهذا ما حصل لقاضي الجماعة الحبيب محمد بن زياد، فقد جيء إليه بابن أخي عجب (١)، وقد شُهِدَ عليه بأنه عَرَّض بسب الله تعالى، وذلك أنه خرج يوماً فأخذه المطر، فقال: "بدأ الخرَّاز يرش جلوده (٢) " تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، فأفتى القاضي حينئذ بتأديبه فقط، وبه أفتى بعض الفقهاء، في حين أفتى عبد الملك بن حبيب وأصبغ بن خليل بوجوب قتله، وعندما رفعت الآراء للأمير عبد الرحمن الأوسط، أمر بعزل القاضي وتأنيبه ومن تابعه من الفقهاء وعزلهم عن مناصبهم كما أمر بقتل ابن أخي عجب (٣). وإذا أحدث أحد أولاد القاضي حدثاً يمس أمن الدولة، فإن ذلك يكون سبباً في عزله، فقاضي الجماعة أحمد بن زياد أحدث أحد أولاده بشذونه حدثاً أقلق الأمير محمد بن عبد الرحمن فأمر بعزل القاضي عن منصبه (٤)، وبوشاية الحاقدين أصدر الأمير محمد بن عبد الرحمن أوامره بعزل قاضي الجماعة سليمان بن أسود سنة (٢٦٠) هـ (٨٧٤ م) وهي نهاية ولايته الأولى (٥).

стр. 719

ويحدث أن يكون فساد الولد مدعاة لعزل أبيه، وهذا ما ينطبق على قاضي الجماعة عمرو بن عبد الله ففي ولايته الثانية سنة (٢٦٢) هـ (٨٧٦ م) تغيرت حالته، وأصبحت الهدايا تدخل بيته وذلك بسبب ولده المكنى بأبي عمرو، والذي نسب إليه التدليس في الديوان في مال قد أوصى به تاجر يدعى ابن القصيبي، فكثر الحديث وتناولته الألسن، وهجاه بعض الشعراء، فلما وصلت هذه الأخبار إلى الأمير قال: قد أكثر الناس في عمرو وفي ولده، فعزله حينئذ وذلك سنة (٢٦٣) هـ (٨٧٧ م) (١). والقاضي يعتبر معزولاً إذا خرج للغزو ثم عاد ولم يُصدر الأمير أو الخليفة ظهيراً يجدد به ولايته، إذ أنه لا يستطيع العودة إلى مجلس قضائه حتى يُعهد إليه بذلك، فقد "كان الرسم حينئذ إذا غزا القاضي ثم قدم لم ينظر حتى يعهد إليه بالنظر" (٢). وبسبب الهرم وكبر السن أصدر الأمير المنذر بن محمد أوامره سنة (٢٧٣) هـ (٨٨٦ م) بعزل قاضي الجماعة سليمان بن أسود (٣). وعزل قاضي الجماعة النضر بن سلمة لأنه رفض أن يحكم بصرف المال الموقف بالجامع إلى بيت المال إلا باجتماع آراء الفقهاء، فرفع موقفه

стр. 720

ذلك إلى الأمير عبد الله بن محمد بعد أن حُرّف معناه، وصُرف القول إلى أسوأ الوجوه فعزله الأمير حينئذ (١). كذلك يتم عزل القاضي مباشرة عن منصبه إذا علم فساد حاله، فبعد أن عزل الأمير عبد الله ابن محمد قاضي الجماعة النضر بن سلمة الكلابي عين بدلاً منه موسى بن محمد بن زياد الجذامي، إلا أنه لم يمكث في منصبه سوى أسبوعاً واحداً فقط، ثم عزله الأمير بعد أن وصلت إليه أخبار تفيد بأن ظاهره غير باطنه، كما لم يثن عليه زملاؤه من الفقهاء (٢). ويعزل قاضي الجماعة عن منصبه في حالة استبداله بمن هو أفضل منه، فعندما تولى الأمير عبد الرحمن بن محمد الإمارة أقر قاضيه الحبيب أحمد بن زياد على منصبه فترة وجيزة ثم عزله وجعل مكانه أسلم بن عبد العزيز بعد عودته من رحلته إلى المشرق وما سمعه عنه من اتصافه بالمذهب الحسن والمروءة الكاملة وذلك سنة (٣٠٠) هـ (٩١٣ م) (٣). وقد يعزل القاضي عن منصبه نتيجة موقف سياسي، وهذا لم يحدث طيلة عصر الدولة الأموية إلا عندما تسلط العامريون على الخلافة الأموية، فقد أمر الحاجب المنصور بن أبي عامر بعزل القاضي أصبغ بن الفرج

стр. 721

الطائي قاضي بطليوس، المتوفى سنة (٣٩٧) هـ (١٠٠٧ م) عن منصبه لأنه عارضه في القول بالتجميع في مسجد الزاهرة (١). وبسبب وشاية الوزير عيسى بن سعيد أصدر الحاجب عبد الملك المظفر أوامره بعزل قاضي الجماعة ابن ذكوان عن منصبه وذلك يوم الخميس لثلاث خلون من ذي الحجة سنة (٣٩٤) هـ (٢١ سبتمبر (١٠٠٤) م) (٢). وفي الولاية الثانية لابن ذكوان صدرت أوامر الخليفة هشام المؤيد بطرد بني ذكوان من الأندلس قاطبة وذلك سنة (٤٠١) هـ (١٠١١ م) كل هذا بسبب تآمر الحاجب واضح الصقلبي ضد القاضي الذي سبق وأن أشار على الخليفة بضرورة مسالمة البربر وعدم الاستماع لآراء حاجبه واضح (٣). وبسبب الموقف الذي اتخذه قاضي الجماعة ابن وافد من البربر وخليفتهم سليمان المستعين، فإنه تعرض بمجرد دخول المستعين لقرطبة في يوم الاثنين لثلاث بقين من شوال سنة (٤٠٣) هـ (مايو (١٠١٣) م) للعزل والتنكيل والإهانة وكاد أن يصلب لولا شفاعات الكثير من الفقهاء والصالحين، حتى أن والد الخليفة المستعين قد شفع به، فاكتفى المستعين

стр. 722

بسجنه في المطبق وظل كذلك إلى أن مات في منتصف ذي الحجة سنة (٤٠٤) هـ (يونيو (١٠١٤) م) (١). ونختتم أسباب العزل بقاضي الجماعة عبد الرحمن بن أحمد بن سعيد بن أحمد بن بشر بن غرسيه المشهور بابن الحصّار، تولى القضاء سنة (٤٠٧) هـ (١٠١٦ م) في عهد علي بن حمود، وتمادى في منصبه إلى أن عزله الخليفة هشام المعتد بالله سنة (٤١٩) هـ بسبب وشايات بعض الفقهاء وسعيهم ضده (٢). والقاضي إذا عُزل عن منصبه فإن كتاباً يصدر بذلك وتصله نسخة منه (٣) وعلى القاضي المعزول أن يقوم بتسليم ما لديه من سجلات وهو ما كان يعرف بالديوان، ويتولى مهمة الاستلام أربعة من عدول قرطبة يختارهم صاحب المدينة ويكلفهم باستلام الديوان من القاضي المعزول ووضعه في بيت الوزراء إلى حين يتم اختيار قاضٍ آخر ليستكمل فيه القضايا (٤). لكن هذا الرسم كان يُخرق أحياناً، من ذلك أن قاضي الجماعة أحمد بن زياد عندما عزل عن منصبه وتم تعيين كاتبه عمرو بن عبد الله بدلاً منه، أصر الأخير على ألا يستلم الديوان إلا من يد القاضي ابن زياد

стр. 723

شخصياً، فلم يكن أمام ابن زياد إلا أن حمل الديوان بنفسه وذهب به إلى المسجد الجامع حيث سلمه لعمرو بن عبد الله وقال له: "يا عمرو قد فتحت على القضاء باباً لا يخطئك شره" (١). بقي أن نشير أخيراً إلى المذهب الذي سار عليه القضاة في إصدار أحكامهم فالمذهب المالكي هو المذهب الرسمي للدولة، وعلى وفقه تصدر أحكام القضاة (٢)، ولا يسمح للقاضي أن يتجاوز المذهب المالكي إلى ما عداه، حتى ولو كان القاضي غير مالكي، فقد كان قاضي الجماعة منذر بن سعيد البلوطي ظاهري المذهب، لكنه كان إذا جلس للقضاء سار على مذهب الإمام مالك وأصحابه رحمهم الله تعالى (٣). وأخيراً أود أن أختم الحديث عن القضاء بذكر ما يمكن تسميته بأوليات في القضاء بالأندلس، فأول قاض من الموالي تم تعيينه في منصب "قاضي الجماعة" هو عمرو بن عبد الله بن ليث القبعة، ويذكر الخشني أن العرب قد شق عليهم ذلك، وأخذوا يتحدثون في مجالسهم بما ينبئ عن عدم رضاهم، فلما بلغ الأمير محمد بن عبد الرحمن ذلك، قال: "وجدت فيه مالم أجد فيهم (٤) ".

стр. 724

وفي عهد الخليفة عبد الرحمن الناصر عين مولداً يدعى عبد الله بن الحسن المعروف بابن السندي قاضياً على وشقة وما جاورها، وقد أفاد ابن السندي من ولايته أموالاً عظيمة ونعماً جسيمة، كما أنه كان شديد التعصب للمولدين، عظيم الكراهية للعرب، منتقصاً لهم، حافظاً لمثالبهم، ولأجل ذلك فقد استوزره عبد الملك بن محمد الطويل ومن بعده أخوه فرتون طيلة حياته، حتى أنهما كان لا يصدران إلا عن رأيه (١). وذكر ابن عبد البر أن قاضي الجماعة موسى بن محمد بن زياد الجذامي الذي ولي القضاء بعد النضر بن سلمة الكلابي في عهد الأمير عبد الله بن محمد، هو أول من أفسد في خطة القضاء، إذ أن ظاهره كان خلاف باطنه، وكان صديقه أسلم بن عبد العزيز يصفه بأشياء قبيحة (٢) كما أن محمد بن عمر بن لبابه لايحسن الثناء عليه، ولذا فقد عُزل الجذامي عن منصبه بعد أسبوع من ولايته (٣). وركوب القاضي إلى السلاطين والدخول معهم في أمورهم يعتبر إهانة لخطة القضاء، وبسبب هذا الصنيع اعتبر ابن عبد البر أن أبا القاسم أحمد بن محمد بن زياد اللخمي، الذي تولى قضاء الجماعة في عهد الأمير

стр. 725

عبد الله بن محمد وبعض السني الأولى من عهد الأمير عبد الرحمن بن محمد، أنه قد أهان خطة القضاء بكثرة دخوله على السلاطين وتبذله في ذلك (١). ويعتبر أبو العباس أحمد بن عبد الله بن ذكوان قاضي الجماعة أول من تولى الوزارة والقضاء معاً، وذلك في عهد الحاجب عبد الرحمن بن المنصور بن أبي عامر سنة (٣٩٩) هـ (١٠٠٩ م) وكان يكتب عنه "من الوزير قاضي القضاة" وهو أول من كتب عنه بذلك من قضاة الأندلس (٢).

стр. 726

خطة الصلاة والخطبة عندما عدد ابن خلدون الخطط الدينية، جعل خطة الصلاة في أولها، ثم قال: "فهي أرفع هذه الخطط كلها، وأرفع من الملك بخصوصه المندرج معها تحت الخلافة" (١). وللدلالة على أهميتها نجد أن إمامتها كانت من الأدلة الأكيدة على استخلاف النبي الكريم ﷺ لأبي بكر الصديق ﵁ (٢). لأجل هذا، كان الخلفاء الراشدون رضوان الله عليهم لا يقلدونها غيرهم، وسار الأمويون في الشام على نهجهم استئثاراً بها واستعظاماً لرتبتها، إلا أن الأمر لم يستمر على هذا المنوال، إذ أن الملك قد عظمت مظاهره، وبالذات لدى العباسيين الذين غلظ لديهم الحجاب، لذا نراهم يقيمون نواباً عنهم للإمامة في الصلاة، إلا أنهم تحملوا مهام الإمامة في بعض الأحيان، مثل صلاة العيدين والجمعة للإشادة بهم والتنويه بذكرهم (٣). وامتداداً لاهتمام الخلفاء الأمويين في الشام بالإمامة في الصلاة، نجد أن حفيدهم الأمير عبد الرحمن الداخل كان واعياً لمعنى الإمامة في الصلاة، ولذا نراه منذ بداية الأمر يؤكد على أحقيته في هذا الجانب، فقبل أن يعبر

стр. 727

مع وفد الموالي الأندلسيين الذي أتى لاصطحابه من الشاطئ المغربي إلى الشاطئ الأندلسي، نجده عندما حان وقت صلاة العصر، يتقدم ويصلي بهم (١). ثم إن الأمير عبد الرحمن الداخل ما أن استولى على قرطبة في يوم الجمعة العاشر من ذي الحجة سنة (١٣٨) هـ (١٦ مايو (٧٥٦) م) حتى خرج إلى الجامع وصلى بالناس صلاة الجمعة (٢). ولكن نظراً لاشتغاله بتثبيت قواعد ملك أسرته، فقد كان كثير الغياب عن قرطبة، ولذا فقد كان لزاماً عليه إقامة إمام يتولى الصلاة بالناس في المسجد الجامع بقرطبة، وممن كان يتولى هذه المهمة صعصعة بن سلام، المتوفى سنة (١٩٢) هـ (٨٠٨ م) وذلك معظم أيام الأمير عبد الرحمن الداخل وصدراً من أيام ابنه الأمير هشام الرضا (٣). ولقد كان الأمير هشام الرضا بن عبد الرحمن الداخل يتولى مسئولية إمامة الناس بالصلاة والخطبة بهم أثناء مقامه بقرطبة، فإذا غاب عن عاصمته، تولى المهمة نيابة عنه قاضي الجماعة المصعب بن عمران الهمداني (٤).

стр. 728

ويبدو أن من أتى بعد الأمير هشام الرضا من الأمراء والخلفاء قد تنازلوا عن الإمامة في الصلاة فضلاً عن الخطبة إذ لا نسمع لهم ذكراً في المصادر فيما يتعلق بهذه المسألة. والمساجد تأتي على صنفين، فالمساجد الكبيرة المعدة للصلوات العامة، والتي يغشاها خلق كثير، يكون أمرها راجع إلى الأمير أو الخليفة، أو من يفوض إليه الأمر من سلطان أو زير أو قاضٍ، فعن طريق أحد هؤلاء يتم تعيين إمام لها لأداء الصلوات الخمس والجمعة والعيدين والخسوفين و الاستقساء، وأما المساجد المختصة بقوم أو محلة فأمرها راجع إلى الجيران يقدمون من يتفقون عليه، دونما حاجة من نظر أمير أو خليفة أو من يفوضه (١). هذا، وقد جُعل أمر الصلاة في المسجد الجامع بقرطبة أو الزهراء لقاضي الجماعة، فقد كان معاوية بن صالح يلي القضاء والصلاة في عهد الأمير عبد الرحمن الداخل، وكذلك كان المصعب بن عمران يلي القضاء والصلاة في عهد الأمير هشام الرضا وبعد أن تولى الإمارة ابنه الحكم الربضي أقره عليها (٢)، وبعد وفاته تولاهما محمد بن بشير المعافري (٣).

стр. 729

وعندما نستعرض تراجم قضاة الجماعة نجد أن معظمهم قد تولى بالإضافة إلى القضاء مهام الصلاة والخطبة (١). ويحدث في بعض الأحيان أن تسند مهمة القيام بشئون الصلاة والخطبة لأحد الفقهاء، دون أن يكون للقاضي علاقة بالأمر، فقد كان أحمد بن بقي بن مخلد يتولى الصلاة، ثم ولاه الأمير عبد الرحمن بن محمد قضاء الجماعة سنة (٣١٤) هـ (٩٢٦) (٢) وفي الوقت الذي كان فيه محمد بن عبد الله بن أبي عيسى يتولى قضاء الجماعة سنة (٣٢٦) هـ (٩٣٨) كان الفقيه محمد بن أيمن هو صاحب الصلاة، فلما ضعف ابن أيمن استعفى، فأعفاه الخليفة عبد الرحمن الناصر وأسند الخطبة والصلاة لابن أبي عيسى (٣). ورسوم الدولة الأموية في الأندلس، كانت تقتضي ألا يقدم للإمامة في الصلاة إلا العرب (٤) ونظراً لتأصل العصبية في المجتمع الأندلسي، فقد كان السبب في اندلاع الفتنة بين المولدين والعرب في استجه زمن الأمير عبد الرحمن الأوسط يعود إلى رفض المولدين الصلاة خلف إمام عربي،

стр. 730

ولقد أطفئت تلك الفتنة بعد أن تراضى الطرفان على أن يتولى الفقيه عبد الرحمن بن موسى الهواري إمامة الصلاة (١). وعندما أسند الأمير محمد بن عبد الرحمن القضاء والصلاة لعمرو بن عبد الله بن ليث القبعة، عارض العرب توليه الصلاة لأنه من الموالي، وقالوا: "أما القضاء فإنا لا نعترض عليه لأنه من سلطانه -أي من سلطان الأمير- وأما الصلاة فإنا لا نصلي وراءه، فولى الأمير - رحمة الله عليه - الصلاة النميري عبد الله بن الفرج (٢) ". والملاحظ على هاتين الحادثتين، أنهما بقدر ما تدلان على تغلغل العصبية في الوسط الأندلسي، بقدر ما تؤكدان على أن الإمامة في الصلاة هي زعامة ذات مستوى غير عادي، فهي تعبير حقيقي عن القيادة في أسمى الأعمال والأماكن. وهناك قصة تكفي للدلالة على إحساس أفراد المجتمع الأندلسي عامة والفقهاء بصفة خاصة، بما للإمامة في الصلاة من مكانة يشعر متوليها بالسؤدد والرفعة، ولذا ترى الحرص من بعض الفقهاء على توليها بأية وسيلة. والقصة التي نحن بصددها رواها محمد بن أيمن، فقد ذكر أن قاضي الجماعة وصاحب الصلاة سليمان بن أسود كان يدرك مدى حرص

стр. 731

الفقيه إبراهيم بن قلزم على تولي الصلاة، فأراد أن يتلاعب به، ويكشف ما في نفسه للآخرين، وقد حانت الفرصة للقاضي لتنفيذ مراده عندما أراد الحضور إلى بيته إبراهيم بن قلزم وذلك في أحد أيام الجمعة وقت الضحى، فلما علم القاضي بمقدمه أمر غلامه أن يخرج إلى ابن قلزم وهو يبكي ويخبره أن القاضي يحتضر، واضطجع القاضي وسجى على نفسه، وأخذ يتنفس بطريقة توحي لمن عنده بأنه في سياق الموت، فدخل عليه ابن قلزم، فلما رآه استرجع واستعبر، ثم خرج مسرعاً إلى الوزير هاشم بن عبد العزيز لأنه تربطه به علاقة خاصة، فذكر له أن القاضي يحشرج، وأنه لا يحين وقت صلاة الجمعة إلا وقد مات، ونظراً لكون ابن قلزم مترشحاً للصلاة، فقد طلب من الوزير أن يرسل كتاباً بسرعة للأمير محمد بن عبد الرحمن يخبره فيها عن حالة القاضي، فلما وصل كتاب الوزير للأمير لم يستعجل في إصدار أوامره، بل إنه فكر في الأمر فعلم أن ابن قلزم شديد التطلع للإمامة بالإضافة إلى أن عيون الأمير لم تأتيه بأخبار مرض قاضيه، ولذا فقد أدرك أن في الأمر سراً، فأرسل أحد فتيانه، لينظر حالة القاضي، ويأتيه بالخبر اليقين فلما وصل الفتى إلى القاضي وجده جالساً جلوساً صحيحاً، وبعد أن ذكر له الفتى الغرض من مجيئه إليه، قام القاضي وتوضأ ولبس ثيابه وخرج مع الفتى راجلاً إلى الجامع، فلما رجع الفتى إلى الأمير

стр. 732

أخبره بما جرى، فتعجب الأمير من فعل القاضي وضحك على ذلك ضحكاً عظيماً (١). ولقد كان قاضي الجماعة وصاحب الصلاة سليمان بن أسود شديد الحرص على أن تقام الصلاة في وقتها، ولذا فقد كان يقول لمؤذني جامع قرطبة "إذا حضر وقت الصلاة فلا تؤخروها عن وقتها وإن أحسستم أني نزلت عند باب الصومعة فلا تنتظروني وأقيموا الصلاة وصلوا (٢) ". وخطبة الجمعة التي يلقيها صاحب الصلاة هي فرصة للتحدث عن بعض الأمور الهامة وذلك بصورة لا لبس فيها ولا غموض حتى وإن كان في الأمر تقريع للأمير أو الخليفة، من ذلك، أن الخليفة عبد الرحمن الناصر اشتغل ببناء مدينة الزهراء، فأخذت جل وقته، حتى أنه لم يشهد الصلاة ثلاث جمع متتالية، وعندما حضر الجمعة الرابعة أراد قاضي الجماعة وصاحب الصلاة منذر بن سعيد البلوطي تذكير الخليفة وموعظته، فاختار كلمات مناسبة لهذا الموقف وأجاد في الموعظة، فرقت قلوب الحاضرين وضجوا بالبكاء، ورغم أن الخليفة كان على علم تام بأنه هو المقصود، فقد كان أكثرهم بكاءً وتأثراً، لكنه حمل في نفسه على القاضي وأقسم ألا يصلي خلفه، فكان يذهب ويصلي في جامع قرطبة خلف صاحب الصلاة فيها أحمد بن مطرف، وعندما زيَّن له ابنه وولي عهده الحكم المستنصر

стр. 733

عزل منذر بن سعيد عن الصلاة في الزهراء زجره وانتهره وقال له "أمثل منذر بن سعيد في فضله وعلمه وخيره؟ لا أم لك! يعزل لإرضاء نفس ناكبة عن الحق! هذا مما لا يكون، وإني لأستحي من الله أن لا أجعل بيني وبينه في صلاة الجمعة شفيعا مثل منذر في ورعه وصدقه، ولكنه أحرجني فأقسمت، و لوددت أني أجد سبيلاً إلى كفارة يميني، بل يصلي بالناس حياته وحياتنا إن شاء الله (١) ". ولم يقتصر الأمر بالنسبة للخليفة عبد الرحمن الناصر أن يُقَرَّع فقط من قبل قاضي الجماعة منذر ابن سعيد، بل لقد كان على موعد لموقف آخر مع صاحب الصلاة بجامع قرطبة الفقيه أحمد بن مطرف الأزدي الشهير بابن المشاط، المتوفى سنة (٣٥٢) هـ (٩٦٣ م) فقد عُرف هذا الفقيه بأنه كان يطيل خطبة الجمعة نوعاً ما، وهذا ما كان على خلاف رغبة الخليفة عبد الرحمن الناصر، ولذا فقد أرسل في أحد أيام الجمعة وزيره عثمان بن إدريس إلى ابن المشاط لإقناعه بضرورة قصر الخطبة، فوعد الفقيه الوزير أنه سيفعل إن تمكن، لكن الذي حصل خلاف ذلك، إذ أن ابن المشاط ألقى خطبة تعمد فيها الإطالة، وركز فيها على الوعظ حتى بكى وأبكى الناس وتحول المسجد إلى شبه مأتم، فما كان من الخليفة بعد

стр. 734

الصلاة إلا أن دعا ابن المشاط وأثنى عليه وجزاه خيراً، وأعطاه ألف دينار يتصدق بها عنه (١). هذه القصص ومثيلاتها هي صورة رائعة عن حاكم مسلم، لا يحتاج إلا إلى التذكير بالحسنى بكلام منتقى لا يراد به إلا وجه الله تعالى فالخليفة رغم سلطانه وقدرته إلا أنه لم يمس أحداً من أولئك الفقهاء بسوء، بل الملاحظ أنهم كلما قسوا عليه بالموعظة ازداد لهم إكراماً. وبالمقابل فإن ذلك العصر ضم نخبة من الفقهاء هم زينة الحياة لما يتوسم فيهم من الصلاح والتقى ولعدم خشيتهم في الله لائم، لا يريدون من نصائحهم للخليفة إلا وجه الله تعالى وابتغاء رضوانه، ولذا كان التأييد لهم من الله تعالى مضموناً. والمرء أمام هذه الشخصيات سواء الخليفة أو الفقهاء لا يملك إلا أن ينظر إليها بعين الإكبار والتقدير، وباختصار فهي جديرة بالقيادة مؤهلة للنجاح في كل معترك، ومثلها من يبني وينهض بالأمة. ويحدث أن يستمع الأمير لخطبة فيستحسنها، فيأمر صاحب الصلاة بالتزامها وعدم استبدالها، فالأمير عبد الله بن محمد استمع في بداية دولته لخطبة ألقاها قاضي الجماعة وصاحب الصلاة النضر بن سلمة فأعجب بها، فأمره بتكرارها في كل جمعة، فالتزم بها طيلة ولايته الأولى البالغة نحواً

стр. 735

من عشر سنوات حتى حفظت عنه، بل إن كل قاضٍ أتى بعده كان يعيد نفس الخطبة في مبتدأ ولايته (١). وفي أوائل القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي) حدث ما يمكن أن نطلق عليه رسم جديد في الخطبة، وذلك تمشياً على طريقة قاضي الجماعة وصاحب الصلاة أحمد بن بقي بن مخلد في خطبة الجمعة، فقد استبحر في الدعاء في إحدى خطبة، فلما وصل إلى قوله "واخلصوا لله دعائكم" سكت ملياً إلى أن قدَّر أن الناس دعوا بدعائه، ثم وصل خطبته ودعاءه لهم، وأصبحت هذه الطريقة سنة لمن جاء بعده من الخطباء، وعُمل بها إلى منتصف القرن السادس الهجري وفي هذا يقول القاضي عياض: "وامتثل كثير من الخطباء طريقته في هذه السكتة في آخر الخطبة الثانية أثناء الدعاء إلى يومنا هذا في بلاد الأندلس (٢) ". وبمناسبة الحديث عن خطبة الجمعة تجدر الإشارة إلى أنها كانت موضع اختبار من الفقهاء لصاحب الخطبة والصلاة، وبالذات صلاة العيد، من ذلك أن قاضي الجماعة يحيى بن معمر الألهاني في ولايته الأولى ٢٠٩ - (٢١٠) هـ (٨٢٤ - (٨٢٥) م) عندما جاء إلى مصلى العيد فوجئ بأن كبار الفقهاء وكبار رجالات الدولة قد جلسوا بالقرب من سترة الإمام، ففطن أن السبب في تجمعهم هو حرصهم على اختبار خطبته، فبادر القاضي ابن

стр. 736

معمر فأمر قوام المصلى بأن يقدموا السترة محتجاً بازدحام الناس، فلما قدمت السترة تثاقل الفقهاء ورجال الدولة عن القيام من أماكنهم في حين سارع سواد الناس فابتدروها وصار من كان بالأول متقدماً قد تأخر (١). والصلاة على الجنائز من اختصاصات صاحب الصلاة، فعليه تقع مهمة القيام بها، وهو في الوقت نفسه لا يأذن لأحد بالتقدم عليه في هذا المجال، بل إن الأمر يصل إلى حد تأديب من يتجاهل أحقيته بها، وهذا ما فعله قاضي الجماعة وصاحب الصلاة ابن السليم، فقد حضر مرة جنازة رجل، فلما وضع النعش تقدم ابن الميت فصلى عن غير إذن، وبعد أن انتهت مراسم الدفن وتفرق الناس، أمر ابن السليم بحمل ابن الميت إلى الحبس، فلما سأله عن ذنبه، أجابه "جهلك إذ تقدمت بمحضري ولم تستأذني، ولا رعيت حق الخليفة، إذ الصلاة له وأنا خليفته، فليس لأحد أن يتقدم إلا بإذننا، فلم تفعل فلابد من تأديبك لأشرد بك مثلك من خلفك (٢) " إلا أن ابن الميت لم يمكث في الحبس إلا الوقت الذي استغرقه القاضي في الوصول إلى داره، فقد أمر بإطلاق سراح الرجل واعتبر ذلك كافياً لتأديبه (٣). وإذا انحبس المطر وعم الجدب، خرجت الكتب من الأمير أو الخليفة إلى جميع العمال بالكور بالأمر بالاستسقاء، والكتب تكون على نسخة

стр. 737

واحدة، وقد حفظ لنا ابن حيان نصاً احتوى على نسخة من كتاب الخليفة عبد الرحمن الناصر الذي بعثه إلى جميع عماله للاستسقاء وذلك في أواخر سنة (٣١٧) هـ (٩٣٠ م) ذكَّرهم فيه بأن الله تعالى بيده مقاليد الأمور، وأنه يحتبس ما شاء عن عباده ليسألوه ويتضرعوا إليه، ويلحوا في المسألة ويصدقوا في التوبة، ثم ذكر الخليفة أن على صاحب الصلاة في كل جامع الدعاء بنزول الغيث في خطبة الجمعة والجمعة التي تليها إن لم ينزل المطر، ثم يخرج بجماعة المسلمين إلى مصلاهم لأداء صلاة الاستسقاء وذلك يوم الاثنين، وشدد على كل عامل من عماله أن يؤكد على الخطيب قبله بتنفيذ هذه الأوامر (١). والأمير أو الخليفة إذا لم يخرج للمصلى مع الناس لأداء صلاة الاستسقاء، فإنه يصعد إلى مكان مرتفع في قصره، ويجلس فيه منفرداً بنفسه، لابساً أخشن ثيابه مفترشاً التراب، يبكي ويعترف بذنوبه، مناجياً ربه تعالى ألا يعذب الرعية بسببه (٢)، وإن خرج معهم فإن لباسه يكون البياض (٣)، وعلى رأسه أقرف وشيٍ أغبر، والخشوع ظاهر عليه، ودموعه تسيل على لحيته، فإذا وصل إلى جانب المحراب جلس عن يمين الإمام على

стр. 738

غير فراش، فإذا قضيت الصلاة أمر بتفريق الأموال والصدقات على الفقراء والمساكين تقرباً إلى الله تعالى (١). وقد حفظت لنا المصادر هيئة قاضي الجماعة وصاحب الصلاة منذر بن سعيد البلوطي عند خروجه لأداء صلاة الاستسقاء، فقد ذكرت أنه عندما أجدبت الأرض من جراء احتباس المطر وذلك في أواخر عهد الخليفة عبد الرحمن الناصر، تأهب القاضي للخروج لأداء صلاة الاستسقاء بناء على أوامر الخليفة، فصام قبل اليوم المحدد ثلاثة أيام تقرباً لله تعالى، وفي مصلى الربض برز الناس في جمع عظيم، فلما غصَّ المصلى بالناس، أقبل القاضي نحوهم ماشياً متضرعاً مخبتاً متخشعاً ثم خطبهم ووعظهم فرقت قلوبهم فبكى الناس وضجوا بالدعاء، فما انقضى النهار حتى أرسل الله تعالى برحمته المطر وأزال القحط (٢). وللعامة موقف من صاحب الصلاة إذا استسقى بهم ولم يمطروا، وهذا الموقف يأخذ طابع الشدة التدريجي بعد كل صلاة لا يسقوا عقبها، فهذا قاضي الجماعة وصاحب الصلاة ابن زرب صلى بالناس عشر مرات متتاليات صلاة الاستسقاء ولكن دون أن ينزل المطر، فسلّط العامة عليه ألسنتهم بالذم، وطعنوا بدينه، وعابوا عليه شدة التصاقه الحاجب المنصور بن أبي عامر وركونه إليه وقبوله لهداياه، ولما تكرر بروزه للاستسقاء ولم

стр. 739

ينزل المطر، هاجت العامة وثارت ضده، وخاطبوه بعد الصلاة بقولهم: "بئس الوسيلة أنت إلى الله تعالى والشفيع في إرسال الرحمة، إذ أصبحت إمام الدين، وقيم الشريعة، ثم لا تتورع عن قبول ما يُرسل إليك من الهدية التي لا تليق إلا بالجبابرة (١) " ثم هموا أن يبسطوا إليه أيديهم، لكنه هرب من أمامهم ولاذ بالتربة المنسوبة إلى السيدة مرجانة بمقبرة الربض (٢) فتحصن بها، واستغاث بصاحب المدينة، فسارع إلى نجدته بالفرسان ورجال الشرطة، فتم تفريق العوام عنه وأوصلوه إلى داره سالماً، وفي البروز الآخر أرسل معه المنصور بن أبي عامر خيلاً كثيراً أحاطت بالمصلى، فلم يجسر أحد من العوام والسفهاء التعرض له بشيء (٣). وأما عن مكان الاستسقاء فقد كان مداولة بين مصلى المصارة ومصلى الربض لكن في عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط أصبحت الصلاة تؤدي في مصلى الربض بصورة أكثر، وذلك بتأثير نصر الفتى، كبير فتيان الأمير عبد الرحمن الأوسط ومدبر قصره والغالب على أمره، ذلك لأن مصلى الربض قريب من قصر نصر فلما هلك نصر وأمر الأمير عبد الرحمن الأوسط بأداء صلاة الاستسقاء وتم تحديد مصلى الربض لأدائها كما جرت العادة، اعترض الفقيه عبد الملك بن حبيب على أدائها في ذلك المكان، محتجاً بأن نصر الفتى هو الذي أعاق الناس عن مصلى المصارة،

стр. 740

وذلك على الرغم من حوادث الغرق التي كانت تحصل لبعض الناس بسبب تزاحمهم في القنطرة القائمة على نهر قرطبة والمؤدية إلى مصلى الربض، فضلاً عن ارتكاب الأحداث لبعض الأفعال المشينة بوسط ذلك الازدحام، بينما مصلى المصارة أرفق بالناس وأقرب للبلد، بالإضافة إلى أن الفرصة متاحة لمن أراد أن يجدد طهارته لسهولة استخدام شط النهر وتناثر الأشجار الكثيفة من حوله لتستخدم سترة لصاحب الحاجة، فصوب الأمير رأي الفقيه وأمر بأداء الصلاة في مصلى المصارة (١). ولكن يبدو أن أداء صلاة الاستسقاء لم يستمر بمصلى المصارة، إذ أن قرطبة اتسعت، وتم إنشاء مدينتي الزهراء والزاهرة، فأصبحت الصلاة تؤدي بمصلى الربض لقربه منهما. بقى أن نشير إلى أنه كان لقصر الإمارة بقرطبة أو الخلافة بالزهراء إمام خاص، فقد كان الأمير الحكم الربضي يستدعي أبا عمر حفص بن عبد السلام السلمي، من أهل سرقسطة، ليؤم به في الصلاة طيلة شهر رمضان من كل عام (٢) كما كان أبو عمر أحمد بن محمد بن عبد الله الشهير بابن الحذَّاء يصلي بالأمير عبد الله بن محمد مدة أربعة عشر عاماً
следующие страницы →