معمر فأمر قوام المصلى بأن يقدموا السترة محتجاً بازدحام الناس، فلما قدمت السترة تثاقل الفقهاء ورجال الدولة عن القيام من أماكنهم في حين سارع سواد الناس فابتدروها وصار من كان بالأول متقدماً قد تأخر (١).
والصلاة على الجنائز من اختصاصات صاحب الصلاة، فعليه تقع مهمة القيام بها، وهو في الوقت نفسه لا يأذن لأحد بالتقدم عليه في هذا المجال، بل إن الأمر يصل إلى حد تأديب من يتجاهل أحقيته بها، وهذا ما فعله قاضي الجماعة وصاحب الصلاة ابن السليم، فقد حضر مرة جنازة رجل، فلما وضع النعش تقدم ابن الميت فصلى عن غير إذن، وبعد أن انتهت مراسم الدفن وتفرق الناس، أمر ابن السليم بحمل ابن الميت إلى الحبس، فلما سأله عن ذنبه، أجابه "جهلك إذ تقدمت بمحضري ولم تستأذني، ولا رعيت حق الخليفة، إذ الصلاة له وأنا خليفته، فليس لأحد أن يتقدم إلا بإذننا، فلم تفعل فلابد من تأديبك لأشرد بك مثلك من خلفك (٢) " إلا أن ابن الميت لم يمكث في الحبس إلا الوقت الذي استغرقه القاضي في الوصول إلى داره، فقد أمر بإطلاق سراح الرجل واعتبر ذلك كافياً لتأديبه (٣).
وإذا انحبس المطر وعم الجدب، خرجت الكتب من الأمير أو الخليفة إلى جميع العمال بالكور بالأمر بالاستسقاء، والكتب تكون على نسخة
стр. 737
واحدة، وقد حفظ لنا ابن حيان نصاً احتوى على نسخة من كتاب الخليفة عبد الرحمن الناصر الذي بعثه إلى جميع عماله للاستسقاء وذلك في أواخر سنة (٣١٧) هـ (٩٣٠ م) ذكَّرهم فيه بأن الله تعالى بيده مقاليد الأمور، وأنه يحتبس ما شاء عن عباده ليسألوه ويتضرعوا إليه، ويلحوا في المسألة ويصدقوا في التوبة، ثم ذكر الخليفة أن على صاحب الصلاة في كل جامع الدعاء بنزول الغيث في خطبة الجمعة والجمعة التي تليها إن لم ينزل المطر، ثم يخرج بجماعة المسلمين إلى مصلاهم لأداء صلاة الاستسقاء وذلك يوم الاثنين، وشدد على كل عامل من عماله أن يؤكد على الخطيب قبله بتنفيذ هذه الأوامر (١).
والأمير أو الخليفة إذا لم يخرج للمصلى مع الناس لأداء صلاة الاستسقاء، فإنه يصعد إلى مكان مرتفع في قصره، ويجلس فيه منفرداً بنفسه، لابساً أخشن ثيابه مفترشاً التراب، يبكي ويعترف بذنوبه، مناجياً ربه تعالى ألا يعذب الرعية بسببه (٢)، وإن خرج معهم فإن لباسه يكون البياض (٣)، وعلى رأسه أقرف وشيٍ أغبر، والخشوع ظاهر عليه، ودموعه تسيل على لحيته، فإذا وصل إلى جانب المحراب جلس عن يمين الإمام على
стр. 738
غير فراش، فإذا قضيت الصلاة أمر بتفريق الأموال والصدقات على الفقراء والمساكين تقرباً إلى الله تعالى (١).
وقد حفظت لنا المصادر هيئة قاضي الجماعة وصاحب الصلاة منذر بن سعيد البلوطي عند خروجه لأداء صلاة الاستسقاء، فقد ذكرت أنه عندما أجدبت الأرض من جراء احتباس المطر وذلك في أواخر عهد الخليفة عبد الرحمن الناصر، تأهب القاضي للخروج لأداء صلاة الاستسقاء بناء على أوامر الخليفة، فصام قبل اليوم المحدد ثلاثة أيام تقرباً لله تعالى، وفي مصلى الربض برز الناس في جمع عظيم، فلما غصَّ المصلى بالناس، أقبل القاضي نحوهم ماشياً متضرعاً مخبتاً متخشعاً ثم خطبهم ووعظهم فرقت قلوبهم فبكى الناس وضجوا بالدعاء، فما انقضى النهار حتى أرسل الله تعالى برحمته المطر وأزال القحط (٢).
وللعامة موقف من صاحب الصلاة إذا استسقى بهم ولم يمطروا، وهذا الموقف يأخذ طابع الشدة التدريجي بعد كل صلاة لا يسقوا عقبها، فهذا قاضي الجماعة وصاحب الصلاة ابن زرب صلى بالناس عشر مرات متتاليات صلاة الاستسقاء ولكن دون أن ينزل المطر، فسلّط العامة عليه ألسنتهم بالذم، وطعنوا بدينه، وعابوا عليه شدة التصاقه الحاجب المنصور بن أبي عامر وركونه إليه وقبوله لهداياه، ولما تكرر بروزه للاستسقاء ولم
стр. 739
ينزل المطر، هاجت العامة وثارت ضده، وخاطبوه بعد الصلاة بقولهم: "بئس الوسيلة أنت إلى الله تعالى والشفيع في إرسال الرحمة، إذ أصبحت إمام الدين، وقيم الشريعة، ثم لا تتورع عن قبول ما يُرسل إليك من الهدية التي لا تليق إلا بالجبابرة (١) " ثم هموا أن يبسطوا إليه أيديهم، لكنه هرب من أمامهم ولاذ بالتربة المنسوبة إلى السيدة مرجانة بمقبرة الربض (٢) فتحصن بها، واستغاث بصاحب المدينة، فسارع إلى نجدته بالفرسان ورجال الشرطة، فتم تفريق العوام عنه وأوصلوه إلى داره سالماً، وفي البروز الآخر أرسل معه المنصور بن أبي عامر خيلاً كثيراً أحاطت بالمصلى، فلم يجسر أحد من العوام والسفهاء التعرض له بشيء (٣).
وأما عن مكان الاستسقاء فقد كان مداولة بين مصلى المصارة ومصلى الربض لكن في عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط أصبحت الصلاة تؤدي في مصلى الربض بصورة أكثر، وذلك بتأثير نصر الفتى، كبير فتيان الأمير عبد الرحمن الأوسط ومدبر قصره والغالب على أمره، ذلك لأن مصلى الربض قريب من قصر نصر فلما هلك نصر وأمر الأمير عبد الرحمن الأوسط بأداء صلاة الاستسقاء وتم تحديد مصلى الربض لأدائها كما جرت العادة، اعترض الفقيه عبد الملك بن حبيب على أدائها في ذلك المكان، محتجاً بأن نصر الفتى هو الذي أعاق الناس عن مصلى المصارة،
стр. 740
وذلك على الرغم من حوادث الغرق التي كانت تحصل لبعض الناس بسبب تزاحمهم في القنطرة القائمة على نهر قرطبة والمؤدية إلى مصلى الربض، فضلاً عن ارتكاب الأحداث لبعض الأفعال المشينة بوسط ذلك الازدحام، بينما مصلى المصارة أرفق بالناس وأقرب للبلد، بالإضافة إلى أن الفرصة متاحة لمن أراد أن يجدد طهارته لسهولة استخدام شط النهر وتناثر الأشجار الكثيفة من حوله لتستخدم سترة لصاحب الحاجة، فصوب الأمير رأي الفقيه وأمر بأداء الصلاة في مصلى المصارة (١).
ولكن يبدو أن أداء صلاة الاستسقاء لم يستمر بمصلى المصارة، إذ أن قرطبة اتسعت، وتم إنشاء مدينتي الزهراء والزاهرة، فأصبحت الصلاة تؤدي بمصلى الربض لقربه منهما.
بقى أن نشير إلى أنه كان لقصر الإمارة بقرطبة أو الخلافة بالزهراء إمام خاص، فقد كان الأمير الحكم الربضي يستدعي أبا عمر حفص بن عبد السلام السلمي، من أهل سرقسطة، ليؤم به في الصلاة طيلة شهر رمضان من كل عام (٢) كما كان أبو عمر أحمد بن محمد بن عبد الله الشهير بابن الحذَّاء يصلي بالأمير عبد الله بن محمد مدة أربعة عشر عاماً
стр. 741
وذلك من سنة ٢٨٦ - (٣٠٠) هـ (٨٩٩ - (٩١٣)) ثم صلى بالأمير عبد الرحمن بن محمد من أول إمارته إلى أن توفي ابن الحذّاء يوم الاثنين لثلاث بقين من ذي الحجة سنة (٣٠٥) هـ (يونيو (٩١٨) م (١)) ".
وكان نمئ بن علي بن نمئ القاري، المتوفي سنة (٣٢٢) هـ (٩٣٤ م) يصلي بالخليفة عبد الرحمن الناصر (٢)، ثم اتخذ من بعده محمد بن يوسف الجهني، المتوفى يوم السبت للنصف من شهر رمضان سنة (٣٧٢) هـ (مارس (٩٨٢) م) ليصلي به في قصره بالزهراء (٣) وكان أبو عثمان سعيد بن إدريس بن يحيى السلمي إماماً للخليفة هشام المؤيد بقصره في قرطبة، وظل على ذلك مدة طويلة فلما وقعت الفتنة سنة (٣٩٩) هـ (١٠٠٩) خرج من قرطبة وتوجه إلى موطنه اشبيلية فسكنها إلى أن توفي بها سنة (٤٢٩) هـ (١٠٣٨ م) (٤).
وهناك من عُرض عليه منصب "صاحب الصلاة" فرفضه وطلب الاستعفاء، فقد ذكر ابن الفرضي أن أبا الحسن عبد الرحمن بن أحمد بن بقي بن مخلد، المتوفى في شهر ربيع الأول سنة (٣٦٦) هـ (نوفمبر (٩٧٦) م)
стр. 742
أُريد على الصلاة عند علة محمد بن يحيى فاستعفى من ذلك، فجمعت الصلاة والقضاء لمحمد بن إسحاق بن السليم (١).
وصاحب الصلاة إن لم يكن حائزاً على رضى أقارب الأمير ورجالات الدولة فما أسهل أن يعملوا على طرده عن منصبه بأي وسيلة كانت حتى وإن دعت الضرورة إلى الكذب عليه والتلفيق ضده، وهذا ما جرى لأبي الجودي بن محمد بن سلمة، فقد كان أبوه يتولى القضاء والصلاة للأمير عبد الله بن محمد، فحدث أن اعتل ابن سلمة في بعض الجمع فصلى بالناس بدلاً منه ابنه أبو الجودي وذلك بأمر الأمير، إلا أن رجالات الدولة لم يرتضوه، لصلابة أبيه فحاولوا تشويه صورة أبي الجودي لدى الأمير وذلك من خلال بطائق رفعوها إليه تشير بكل قبيحة لأبي الجودي، وبما أن سياسة بني أمية تقوم على عدم الأخذ بالوشايات، لذا فقد فشلت تلك البطائق في تحقيق مراد خصوم أبي الجودي، لأجل هذا فقد لجأوا إلى حيلة أخرى، فقد أرسل الحاجب ابن حدير إلى الفقيه محمد بن وليد بن محمد بن عبد الله، المتوفى في النصف من ذي القعدة سنة (٣٠٩) هـ (١٨ مارس سنة (٩٢٢) م) فلما حضر عنده أخبره بمراده فاستعد الفقيه لتأدية ما طلب منه، وكان الفقيه طويل اللسان كثير الملق يضع الأحاديث على رسول الله ﷺ (٢)، بالإضافة إلى أنه كان
стр. 743
يكره القاضي ابن سلمة وولده أبا الجودي، وكان الأمير معجباً بهذا الفقيه لأنه كان يخدعه بإظهار الزهد (١)، ولذا عندما أعاد الحاجب ابن حدير الحديث مع الأمير حول أبي الجودي ووجد الأمير على رأيه السابق فيه وأنه لن يتغير عن موقفه إلا بدليل لا يقبل الشك، عندها أشار عليه الحاجب أن يستدعي الفقيه محمد بن وليد ويسأله عن رأيه بأبي الجودي، ففعل الأمير وسأل الفقيه عن مراده، فأجابه ذلك الفقيه بكل خبث، "إني - أكرم الله الأمير - ليست بيني وبين ولد القاضي خلطة، ولا أعرفه، غير أني رأيت الناس بعد صلاة الجمعة يعيدون الصلاة، فسألت عن ذلك، فقالوا: لما اعتل القاضي تقدم بالناس ابنه، فلم يرضوه فأعاد أكثر الناس الصلاة، فلما سمع الأمير هذا قال: لا يعيد الناس إلا من أمر عرفوه منه، لا يصلي بعد هذا" (٢).
стр. 744
هذا، وقد وجد في كور الأندلس وثغورها كما في قرطبة والزهراء صاحب الصلاة، ففي إلبيرة أحمد بن عبد الله الأنصاري، يلي الصلاة في أهلها طيلة السنوات الأخيرة من عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط، وظل في منصبه حتى توفي في صدر أيام الأمير محمد بن عبد الرحمن (١).
ومحمد بن أشعب بن قيس، من أهل رية، كان فاضلاً دينا، تولى الصلاة في بلده ريه حتى ضعف عنها، فعزله الأمير محمد بن عبد الرحمن (٢) وولى عوضاً عنه محمد بن عوف العكي الذي استمر في منصبه حتى وفاته (٣).
وفي باجه كان صاحب الصلاة بها أبو إسحاق إبراهيم بن عيسى بن أصبغ، المتوفى سنة (٢٧٨) هـ (٨٨٢ م) (٤) وفي طليطلة كان حزم بن غالب الرعيني يلي القضاء والصلاة وذلك في عهد الأمير محمد بن عبد الرحمن (٥)، ثم تولاهما عيسى بن محمد بن دينار بن واقد، وذلك في عهد الأمير عبد الله
стр. 745
بن محمد (١)، وأما في قبرة فكان زيد بن شريح هو صاحب الصلاة بها وذلك في عهد الأمير عبد الله بن محمد (٢).
وفي لاردة كان عبد الملك بن نمير الفارسي، المتوفى قريباً من سنة (٢٩٠) هـ (٩٠٢) يلي الصلاة بها (٣)، بينما كان معاصره أبو زكريا يحيى بن قطام يتولى القضاء والصلاة معاً في بلده طليطلة، واستمر في منصبه حتى نقم عليه بعض ولاتها فقتله سنة (٢٩٣) هـ (٩٠٦ م) (٤).
وفي سرقسطة كان صاحب الصلاة بها خطاب بن إسماعيل الغافقي، المتوفى سنة (٢٩٧) هـ (٩١٠ م) (٥)، وكان محمد بن يوسف يلي الصلاة في بلدة شذونة وذلك على عهد الأمير عبد الله بن محمد (٦).
وفي القرن الرابع الهجري كان أبو هاشم خالد بن زكريا صاحب الصلاة ببلدة وادي آش (٧)، وأما في بطليوس فكان صاحب الصلاة بها أبو الحكم منذر بن حزم بن سليمان، المتوفى سنة (٣٠٦) هـ (٩١٨ م) (٨) في
стр. 746
حين كان معاصره أبو عثمان عفان بن محمد، المتوفى سنة (٣٠٧) هـ (٩١٩ م) يلي الصلاة في بلدة وشقة (١).
وفي إلبيرة كان صاحب الصلاة بها أبو جعفر أحمد بن عمرو بن منصور، المتوفى سنة (٣١٢) هـ (٩٢٤ م) (٢).
وفي رية تولى الصلاة بها سعدان بن إبراهيم الشهير بابن الجرز سنة (٣١٦) هـ (٩٢٨ م) (٣). يعاصره في سرقسطة أبو عبد الحميد إسحاق بن عبد الرحمن، المتوفى قريباً من سنة (٣٢٠) هـ (٩٣٢ م) (٤).
وفي طرطوشة كان صاحب الصلاة بها أحمد بن سعيد بن ميسرة الغفاري، المتوفى سنة (٣٢٢) هـ (٩٣٤ م) (٥).
أما في الجزيرة فكان الفقيه يوسف بن خطار بن سليمان بن خالد هو صاحب الصلاة فيها، والملاحظ أنه استمر في منصبه أربعين سنة، فقد تولى الصلاة ببلده سنة (٢٨٢) هـ (٨٩٥ م) وذلك في عهد الأمير عبد الله بن محمد، وظل في منصبه إلى أن توفي سنة (٣٢٢) هـ (٩٣٤ م) في عهد الخليفة عبد الرحمن الناصر (٦).
стр. 747
وكان أبو الحسن علي بن عبد القادر بن أبي شيبة الكلاعي، المتوفى سنة (٣٢٥) هـ (٩٣٧ م) يلي الصلاة ببلدة اشبيلية وقد ذكر ابن الفرضي أن أبا الحسن الكلاعي قد كُتب على قبره أنه كان كذاباً (١).
وكان أبو عبد الله محمد بن حبيب بن كسرى اليحصبي قد تولى الصلاة ببلدة استجه إلى أن توفي ليلة الجمعة لإحدى عشرة ليلة خلت من شهر المحرم سنة (٣٢٧) هـ (نوفمبر (٩٣٨) م) (٢).
وفي رية كان إبراهيم بن سليمان بن أبي زكريا، يلي الصلاة بها إلى أن توفي سنة (٣٢٦) هـ (٩٣٨ م) (٣)، فتولاها من بعده الفقيه الزاهد أحمد بن عبد الله القيني (٤)، وكان الفقيه أبو محمد بن قاسم بن نضير بن رقاص بن عيشون الشهير بأبي الفتح، من أهل شذونه، كان خطيب أهل قلسانه، وصاحب صلاتهم، إلى أن توفي في شهر ذي الحجة سنة (٣٣٨) هـ (٩٥٠ م) (٥).
وفي إلبيرة كان صاحب الصلاة بحاضرتها أبو سعيد عثمان بن سعيد بن كليب، المتوفى سنة (٣٤٠) هـ أو (٣٤١) هـ (٩٥٢ م) (٦).
стр. 748
وفي قلعة أيوب كان أبو عبد الله محمد بن نصر هو صاحب الصلاة بها إلى أن توفي سنة (٣٤٥) هـ (٩٥٦ م) (١).
وكان أبو إسحاق إبراهيم الباجي، المتوفى في أوائل سنة (٣٥٠) هـ (٩٦١ م) يلي الصلاة ببلده باجه (٢).
أما في تطيله فكان أبو بكر محمد بن الشبل بن بكر القيسي، المتوفى سنة (٣٥٣) هـ (٩٦٤ م) يلي الصلاة بها (٣).
وكان أحمد بن مطرف بن محمد بن خلف الأشعري، من أهل رية، تولى الصلاة بحاضرة بلده إلى أن توفي في أيام الخليفة الحكم المستنصر (٤).
وأبو القاسم أصبغ بن قاسم بن أصبغ من أهل أستجه، تولى الصلاة والقضاء بإستجه إلى أن توفي سنة (٣٦٣) هـ (٩٧٤ م) وكان أهل موضعه لا يثنون عليه (٥).
وأبو محمد عبد الله بن محمد إبراهيم بن إسحاق، المتوفى يوم الجمعة لسبع بقين من رجب سنة (٣٦٩) هـ (فبراير (٩٧٠) م) من أهل باجه تولي الصلاة ببلدة (٦).
стр. 749
وفي بجانة كان صاحب الصلاة والخطبة بها أبو القاسم أحمد بن خالد بن يزيد الأسدي المعروف بابن أبي هاشم، توفي يوم الثلاثاء لست خلون من شوال سنة (٣٦٨) هـ (٨ مايو (٩٧٩) م) (١).
وأبو خالد يزيد بن أسباط المخزومي، المتوفى في أواسط القرن الرابع الهجري، من أهل شذونه، سكن شريش وكان صاحب الصلاة بها (٢).
وهذا أبو عبد الله محمد بن إسماعيل، المتوفى ليلة الأحد لثلاث عشرة ليلة بقيت من شوال سنة (٣٨٧) هـ (أكتوبر (٩٩٧) م) تولى الصلاة ببلدة استجه (٣).
وأبو عبد الله محمد بن سعيد بن سليمان بن أسود الغافقي، المتوفى سنة (٣٨٩) هـ (٩٩٩ م) من أهل فحص البلوط، تولى الصلاة بموضعه (٤).
وأبو عبد الله محمد بن يزيد، من أهل بطليوس، كان رجلاً صالحاً فاضلاً، تولى الصلاة بموضعه نحو سنة ثم توفي في أواخر سنة (٣٩٠) هـ (١٠٠٠ م) (٥).
стр. 750
وأبو يزيد أسباط بن يزيد المخزومي، من أهل شذونة، سكن شريش وأصبح صاحب الصلاة بعد وفاة والده، ولم يزل عليها إلى أن توفي في أواخر سنة (٣٩٢) هـ (١٠٠٢ م) (١).
وأبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن محمد الأنصاري، من أهل رية، كان زاهداً تولى الصلاة بموضعه مدة طويلة إلى أن توفي ليلة الجمعة لثمان بقين من شعبان سنة (٣٩٤) هـ (يونيو (١٠٠٣) م) (٢).
وأبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله بن عباس بن عبد الله بن النعمان، من أهل شذونه كان صاحب الصلاة ببلده، توفي يوم الاثنين أول يوم من ربيع الأول سنة (٤١٣) هـ (٤ يونيو (١٠٢٢) م) (٣).
وأبو محمد عبد الله بن أحمد بن عثمان الشهير بابن القشاوي، من أهل طليطلة كان ديناً ثقة ورعاً شاعراً، تولى الصلاة والخطبة بجامع طليطله، توفي ليلة السبت لليلتين خلتا من شهر شعبان سنة (٤١٧) هـ (سبتمبر (١٠٢٦) م) (٤).
وأبو بكر محمد بن عبد الغني بن حبيب، صاحب الصلاة بأستجة، توفي سنة (٤٢٤) هـ (١٠٣٣ م) (٥).
стр. 751
ومن خلال التراجم السابقة لمن كان يتولى الصلاة سواء في قرطبة أو غيرها من حواضر الأندلس، نجد أن كل واحد منهم قد تولى الصلاة ببلده، أو في بلد سبق وأن عاش بها فترة طويلة، كما أن الصفة العلمية المشتركة بينهم هي الفقه وإتقان اللغة العربية وآدابها، الأمر الذي يمكن كل منهم من أداء الخطابة بصورة جيدة.
ويظهر لنا أن هذه الخطة متوارثة في بعض الأسر التي اشتهر رجالها بالفقه مع إتقان العربية، ونالت حظاً وافراً من التدين والخلق والسمعة العالية الرفيعة بين فئات المجتمع التي تتوارث الإمامة في الصلاة في هذه الأسر أمراً محبباً إلى نفوسهم، وقد تعرفنا فيما سبق على بعض تلك الأسر.
стр. 752
خطة الرد
هذه الخطة من الخطط التي انفرد بها المغرب والأندلس عن بقية بلاد العالم الإسلامي (١)، وكذلك انفرد القاضي ابن سهل بالتعريف بها دون كل من سبق وكتب عن القضاء، إذ أن المصادر لم تحفظ لنا إلا قوله عن هذه الخطة، فقد ذكر ابن سهل أن خطة الرد من بين الخطط الست التي كانت تجري على يد أصحابها الأحكام. وهي القضاء، الشرطة، المظالم، الرد، المدينة السوق (٢)، ثم تحدث ابن سهل عن اختصاصات صاحب الرد. فقال: "وإنما كان يحكم صاحب الرد فيما استرابه الحكام وردوه عن أنفسهم (٣) ".
ويمكن أن نفهم من كلام ابن سهل أنه كان للقاضي حرية الامتناع عن النظر في أي قضية لم تكن واضحة المعالم لديه، ولكي يتخلص منها يحيلها إلى صاحب الرد كي يبت فيها.
وقد حفظت لنا كتب التراجم أسماء الذين تولوا هذه الخطة في عهد الدولة الأموية بالأندلس، منهم:
الفقيه أبو عمر حارث بن أبي سعد المتوفى سنة (٢٢١) هـ (٨٣٦ م) كان يتولى الشرطة الصغرى والرد في عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط (٤) ".
стр. 753
كما كان موسى بن محمد الجذامي يتولى خطتي الشرطة والرد في عهد الأمير عبد الله بن محمد (١).
وفي مطلع القرن الرابع الهجري كان أبو الوليد محمد بن محمد بن أبي زيد، المتوفى يوم الخميس لعشر بقين من صفر سنة (٣٣٣) هـ (أكتوبر (٩٤٤) م) يتولى خطة الرد، رغم اتصافه بقلة العلم (٢)، ثم عزل عن منصبه سنة (٣٠٤) هـ (٩١٦ م) وعين بدلاً عنه يحيى بن إسحاق الطبيب مضافة إليه الشرطة الصغرى (٣).
وكان الفقيه أبو عيسى يحيى بن عبد الله الليثي، المتوفى ليلة الثلاثاء لثمان خلت من رجب سنة (٣٦٧) هـ (٢٠ فبراير سنة (٩٧٨) م) (٤) يتولى خطة الرد.
وكان أبو عبد الله محمد بن تمليخ التميمي المتوفى في شهر رمضان سنة (٣٦١) هـ (يونيو (٩٧١) م) يتولى خطتي الرد والشرطة في عهد الخليفة الحكم المستنصر بالله، وأنه كان يتمتع بمنزلة رفيعة لديه (٥).
ثم تولى خطة الرد بعد ابن تمليخ عبد الملك بن منذر بن سعيد البلوطي، واستمر في منصبه طيلة عهد الخليفة الحكم المستنصر بالله، وأقره
стр. 754
على منصبه ابنه الخليفة هشام المؤيد، ثم اتُهم عبد الملك بن منذر أنه يتآمر ضد الخليفة هشام وحاجبه المتسلط عليه المنصور بن أبى عامر، فألقي القبض عليه وصُلب على باب سدة السلطان وذلك يوم الخميس للنصف من جمادى الآخرة سنة (٣٦٨) هـ (١٩ يناير (٩٧٩) م) (١).
ثم أُسندت خطة الرد لأبي بكر عبد الله بن هرثمة بن ذكوان، واستمر عليها إلى أن توفي بكركي في غزوة الصائفة وذلك في صدر شهر رمضان سنة (٣٧٠) هـ (مارس (٩٨١) م) (٢). ومن بعده تولاها ابنه أبو العباس أحمد بن عبد الله بن هرثمة بن ذكوان فلم يزل قائماً بخطة الرد مشاوراً في الأحكام إلى أن قلده المنصور بن أبي عامر قضاء الجماعة وذلك يوم الأربعاء لأربع عشرة ليلة خلت من شهر المحرم سنة (٣٩٢) هـ (ديسمبر (١٠٠١) م) (٣).
وبعد أحمد بن ذكوان تولى خطة الرد الفقيه يونس بن عبد الله بن محمد، المعروف بابن الصفار المتوفى ليلة الجمعة لليلتين بقيتا لشهر رجب سنة (٤٢٩) هـ (مايو (١٠٣٨) م).
ويبدو أن ابن الصفار لم يستمر في منصبه طويلاً، إذ ولي خطة القضاء والصلاة والخطبة بجامع قرطبة مع الوزارة (٤) فتولى خطة الرد من
стр. 755
بعده أبو عبد الملك راشد بن عبد الله، لكنه لم يلبث فيها إلا أياماً من سنة (٤٠١) هـ (١٠١١ م) وهي السنة التي تولى فيها خاله أبو بكر بن وافد قضاء القضاة بقرطبة مع الوزارة وعندما حلت المحنة بابن وافد من جراء دخول المستعين إلى قرطبة (١) هرب أبو عبد الملك راشد بن إبراهيم عن قرطبة متوجها إلى الشمال، لكنه قبض عليه في الطريق فُذبح وذلك سنة (٤٠٤) هـ (١٠١٤ م) (٢).
ويمكن اعتبار الفقيه عبد الله بن سعيد بن عبد الله الأموي، المعروف بابن الشقاق، آخر من تولى خطة الرد في عهد الدولة الأموية، وظل على مرتبته إلى أن توفي يوم الثلاثاء الثامن عشر من شهر رمضان سنة (٤٢٦) هـ (يوليو (١٠٣٥) م) (٣).
والملاحظ أن معظم الأسماء التي تولت خطة الرد كانت تلي أيضاً خطة الشرطة أي الجمع بين الخطتين، ولعل الهدف من هذا هو ضمان سرعة تنفيذ الأحكام (٤).
ومعظم من تولى خطة الرد، قد وصل إلى منصب قضاء الجماعة مباشرة وهذا يعني أن من يلي خطة الرد لابد وأن يكون متصفاً بالصفات
стр. 756
المؤهلة لمنصب قاضي الجماعة، كما يعني أيضاً أن منصب قاضي الجماعة أعلى من منصب صاحب الرد كما أنها خطة قابلة للتوارث.
ولصاحب الرد مهام غير ما ذُكر، فقد كانُ يكلَّف بمطالعة رعايا الكور والوقوف على أحوالهم، ففي جمادى الآخرة من عام (٣٦٢) هـ (مارس (٩٧٣) م) كلف الخليفة الحكم المستنصر بالله صاحب الرد عبد الملك بن منذر البلوطي بالخروج إلى الكور الغربية وهي شريش ولقنت واشبيلية ولبله وقرمونه ومورور واستجة وشذونة، وذلك لمطالعة رعاياها والتعرف على أحوالهم والكشف عن سير عمالهم فيهم (١).
وذكر ابن حيان أنه في شهر رجب من سنة (٣٦٢) هـ (إبريل (٩٧٢)) خرج صاحب الرد قاضي فحص البلوط (٢) عبد الملك بن منذر بن سعيد ومعه الخازن أحمد بن محمد الكلبي إلى مدينة الفرج أمينين ليتعرفا حقيقة ما رفعه أهلها على قائدها رشيق بن عبد الرحمن صاحب الركاب فينصفانهم منه (٣) ".
стр. 757
ونظراً لأن صاحب الرد يتمتع بأحقية ولاية النظر في الطعن في الأحكام فإنه يملك سلطة رد الحكم وتعديله وتصويبه إذا خالف الشرع، وبذلك فإن صاحب الرد يملك سلطة نقض الحكم ونظر دعوى المخاصمة (١).
стр. 758
خطة المظالم
نظام المظالم هو لون من ألوان القضاء، امتزجت فيه سطوة السلطان بنصفة القضاء ولذا فقد عرفه الماوردي بقوله: "ونظر المظالم هو قود المتظالمين إلى التناصف بالرهبة وزجر المتنازعين عن التجاحد بالهيبة (١) ".
والناظر في المظالم يختلف عن القاضي، فهو أوسع صلاحيات وأكثر سلطة. إذ يكفي في هذا المجال أن له النظر فيما تنظر إليه القضاة، وما لا تنظر فيه من الحكومات، وبالجملة فهو يمتاز عن القاضي بأشياء كثيرة منها أن له من الهيبة وقوة اليد ما ليس للقضاة، كما أن الناظر في المظالم أفسح مجالاً وأوسع مقالاً، وأن له من قوة الإرهاب ما ليس للقضاة، وله حرية التعامل مع الخصمين وفق مجريات القضية، وكذلك له الحق في استدعاء الشهود وأطراف الدعوى والعمل على اتخاذ كافة الإجراءات التي تزيل الشك عنده (٢) وعندما تناول الحديث عنها الكاتب الأعرج ذكر أن لصاحب المظالم" النظر قبل التظلم إليه في الجرائم والظلامات، وله إرهاب المتهوم بالظلم والجريمة قبل الثبوت بالإقرار أو البينة القوية، وله الحمل على الاعتراف بالحق، والحبس في المظالم، وله الضرب للاعتراف عند ظهور الإمارات في الجرائم وله تأديب المدعى عليه
стр. 759
إذا ثبت الحق بالبينة بعد الإنكار، وله حمل المجرمين على التوبة بالإجبار (١) ".
ومجلس صاحب المظالم لابد وأن يضم خمسة أصناف من أهل الاختصاص هم: الحماة والأعوان، والقضاة والحكام، والفقهاء، والكتاب، والشهود (٢) فإذا انتظم المجلس بأعضائه، فلصاحب المظالم حينئذ النظر في عدة قضايا، وهذه القضايا عشرة أقسام هي: النظر في تعدي الولاة على الرعية، وجور العمال فيما يجبونه من الأموال، وكُتَّاب الدواوين لأنهم أمناء المسلمين على أموالهم، وتظلم المسترزقة من نقص أرزاقهم أو تأخرها عنهم، والنظر في الغصوب بنوعيها، السلطانية وماتغلب عليه ذوو الأيدي القوية، والنظر في مشارفة الأوقاف العامة والخاصة، وتنفيذ ما وقف القضاة من أحكام لضعفهم عن إنفاذها وعجزهم عن المحكوم عليه لتعزيره وقوة يده أو لعلو قدره وعظم خطره. كما أن له النظر فيما عجز عنه الناظرون في الحسبة من المصالح العامة، وله مراعاة العبادات الظاهرة كالجمع والأعياد والحج والجهاد من تقصير فيها وإخلال بشروطها، وكذلك له النظر بين المتشاجرين والحكم بين المتنازعين (٣).
ومن أجل هذه المهام الجسيمة الملقاة على عاتق صاحب المظالم، فإنه لابد وأن يكون متصفاً بصفات تؤهله لتحمل تلك المهام، وعليه فلابد،
стр. 760
"أن يكون جليل القدر، نافد الأمر، عظيم الهيبة، ظاهر الفقه، قليل الطمع كثير الورع، لا تأخذه في الله لومة لائم، ولا تُدنس دينه ولا عرضه الرشوة بالقائم، إذ يحتاج إلى سطوة الولاة وتثبت القضاة، فينبغي أن يكون جامعاً بين صفتي الفريقين، ويكون لجلالة قدره نافذ الأمر من الجهتين" (١).
وخطة المظالم في الأندلس هي إحدى الخطط الدينية الست التي ذكرها ابن سهل وجعل لأصحابها الحق في إصدار الأحكام (٢).
والملاحظ أنه في بداية الدولة الأموية بالأندلس لم يكن يوجد صاحب مظالم، إذ أن هذه الخطة لم تنشأ هناك إلا متأخرة، ولكن هذا لا يعني عدم الاهتمام بها، إذ أن الأمير عبد الرحمن الداخل كان "يقعد للعامة، ويسمع منهم، وينظر بنفسه فيما بينهم ويتوصل إليه من أراده من الناس فيصل الضعيف منهم إلى رفع ظلامته إليه دون مشقة (٣) ".
وذكر ابن حيان أن الأمير عبد الرحمن الداخل بلغ من شدة اهتمامه بالمظالم أنه كان يتصدى لها في أي مكان وزمان، وفي أثناء عودته من حضور جنازة في إحدى الأيام تصدى له أحد العوام وخاطبه بصوت عال طالباً منه أن ينصفه ممن ظلمه، فوقف الأمير ودعا بالقاضي المرافق له وأنصف الرجل (٤).
стр. 761
كذلك نجد الأمير عبد الرحمن الداخل يعطي الشاعر أبا المخشي ألفي دينار ويضاعف له دية عينيه (١)، رغم أن الرجل لم يتظلم له من مصابه، ولكن شعور الأمير بأن الرجل قد ظلم دفعه لمواساته ومحاولة إنصافه.
وأما الأمير هشام الرضا بن عبد الرحمن الداخل فإنه انتصف لأحد أعوانه المظلومين قبل أن يلي الإمارة (٢)، وبعد أن تولاها كان أول شيء اهتم به هو تسريح السجون من غير أهل الحدود ورد المظالم (٣) كما أنه كان يبعث برجال عدول يذهبون إلى الكور يسألون الناس عن سير عمالهم فيهم، ثم ينصرفون إليه ويطلعونه على حقيقة الأوضاع فيصدر على ضوئها أوامره بما يحقق العدالة (٤).
ومن شدة حرص الأمير هشام الرضا على العدل أن رجلاً اعترض طريقه وهو يستغيث من ظلم أحد العمال له، فحاول بعض مرافقي الأمير إرضاء ذلك الرجل خشية من سخط الأمير على ذلك العامل، إلا أن الأمير بعث إلى الشاكي وأحضره وقال له: "احلف على كل ما ظلمك فيه، فإن كان ضربك فاضربه، أو هتك لك ستراً فاهتك ستره، أو أخذ لك مالاً فخذ من ماله مثله، إلا أن يكون أصاب منك حداً من حدود
стр. 762
الله، فجعل الرجل لا يحلف على شيء إلا أقيد منه، فكان زجره هكذا لعماله أبلغ فيهم من النكال والأدب (١) ".
وقد وصُف الأمير هشام بأنه كان عادلاً فاضلاً جواداً كريماً ورعاً … متشبهاً بورعه وزهده بعمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى "يجري في أحكامه على القريب والبعيد وينصف الصغير من الكبير والفقير من الغني والضعيف من القوي وينصف من نفسه وقرابته (٢) ".
وأما الأمير الحكم الربضي فرغم القسوة التي عرف بها، إلا أنه كان محباً للعدل، وقد حُفظت عنه كلمة كان يداوم على ترديدها تدل على حرصه على الإنصاف، فقد كان يقول: "ما تحلى الخلفاء بمثل العدل (٣) " وعندما أفضت الإمارة إليه خصص يومين من كل أسبوع يقعد فيهما للعامة بنفسه وينظر في أمورهم (٤).
وحدث في عهده أن عاملاً في جيان (٥) اغتصب جارية من صاحبها، فلما عزل العامل عن الولاية تقرَّب إلى الأمير الحكم بأن أهدى إليه
стр. 763
الجارية، فحضر صاحبها عند قاضي الجماعة المصعب بن عمران وشرح له القصة، وأقام البينة على ذلك، فدخل القاضي على الأمير وأنهى إليه خبر الجارية، وطلب منه إبرازها تمهيداً لإصدار الحكم، ورفض عرض الأمير بشراء الجارية بالسعر الذي يبتغيه سيدها فخضع الأمير لرأي القاضي وسُلِّمت الجارية لسيدها، وأمره القاضي ألا يبيعها إلا في بلدة جيان لينتشر ذكر العدل ويقوى من ظلم على رفع ظلامته (١).
وتكرر موقف القاضي المصعب بن عمران مع الأمير الحكم وذلك في مظلمة رفعها أيتام من جيان ضد العباس بن عبد الله القرشي، المتوفى سنة (٢١٩) هـ (٨٣٤ م) الذي اغتصب ضيعة أبيهم، ورغم محاولات الأمير التدخل في القضية لصالح القرشي إلا أنه في النهاية خضع لحكم القاضي، وقال للقرشي "ما أشقاه من لطمه قلم القاضي (٢) ".
стр. 764
وبالإضافة إلى ما سبق فقد جرت في عهده عدة قضايا خاصة بالمظالم كانت له فيها مواقف مشرفة. (١) ورغم ما يمكن أن نلمسه في بعض مواقف الأمير الحكم مع قضاته بخصوص المظالم من أنه يحاول التحيز نوعاً لمن يعنى به، إلا أننا لا يمكن أن ننكر موقفه من مناصرة الحق في النهاية، وذلك من خلال خضوعه للحكم الذي يصدره القاضي وقد توَّج اهتمامه بالمظالم عندما أحدث خطة خاصة بها، فهو أول من أحدثها بالأندلس، وولى عليها مولاه مسرة الخصي (٢).
وأما الأمير عبد الرحمن الأوسط فبعد أن استلم الإمارة كان أول شيء فعله أن سرَّح السجون -من غير أهل الحدود- ورد المظالم (٣).
ومن المظالم التي ردها الأمير عبد الرحمن الأوسط مظلمة حسانة التميمية التي وفدت إليه من إلبيرة شاكية واليها جابر بن لبيد عندما لم يمتثل لكتاب معها سبق وأن كتبه لها الأمير الحكم الربضي بيده (٤).
وقد تولى عيسى بن شهيد، المتوفى سنة (٢٤٣) هـ (٨٥٧ م) خطة المظالم في عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط فقد "ولاه النظر في المظالم وتنفيذ الأحكام على طبقات أهل المملكة (٥) ".
стр. 765
وبذلك أصبح من صلاحيات صاحب المظالم مساءلة ذوي المناصب الإدارية العليا في الدولة عن أي تجاوزات تحدث من قبلهم، وممن تعرض لمساءلة صاحب المظالم الشاعر السفير يحيى الغزال، المتوفى سنة (٢٥٠) (٨٦٤ م) وقصة ذلك أن الغزال كان قد مدح الأمير عبد الرحمن الأوسط بقصيدة ولاه بسببها قبض الأعشار ببلاط مروان واختزانها في الأهراء (١)، وحدث أن عم القحط في ذلك العام، وقل الطعام وارتفعت الأسعار، فأخذ الغزال يبيع ما في مستودعات الدولة لديه حتى نفذ ما بها، وبعد أن نزل الغيث وتوفر الطعام، علم الأمير بما حدث، فغضب و أنكر تصرف الغزال، وأمر باستيفاء الثمن منه، ولكنه أبى فحمل إلى قرطبة مقيداً، حيث سجن هناك ثم أطلق سراحه (٢).
стр. 766
وفي عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط تولى قضاة الجماعة بقرطبة وكذلك قضاة الكور رد المظالم إلى أهلها (١).
وأما الأمير محمد بن عبد الرحمن فقد وصف بأنه كان "مهتبلاً بأمور رعيته مراقباً لمصالحها (٢) " كما أنه اهتم بالمظالم، وأشرف على الكثير منها، من ذلك قصة الثلث الذي أوصى ابن القصيبي بتفريقه (٣)، وكذلك اغتصاب وزيره هاشم بن عبد العزيز لأرض بوثيقة مزورة، واللطيف في هذه القصة هي الطريقة التي تمت بها عرض المظلمة، فقد ذكر ابن حيان أن صاحب الأرض عندما فشل في إقناع الوزير بالعدول عن الأرض، تصدى للأمير محمد عند ركوبه إلى بعض منتزهاته، ونظراً لضخامة الموكب وصعوبة الاقتراب من الأمير، فقد ابتكر الرجل حيلة مناسبة، حيث صعد على حائط يمر الأمير بالقرب منه، وكتب مظلمته على منشور وربطها بعصا ورفعها فوق رأسه فلما حاذاه الأمير، أخذ الرجل يستغيث به ويشير بعصاه والكتاب فيها، فأمر الأمير بأخذ الكتاب فلما قرأه أحضر وزيره هاشم الذي حاول عبثاً تكذيب الرجل، لكن الأمير ضيق عليه حتى اعترف وأقر بظلمه له وتعديه عليه فأنصفه الأمير منه (٤).
стр. 767
وهناك عدة قضايا خاصة بالمظالم نظرها قضاة الجماعة في عهد الأمير محمد، منها: قصة إخفاء الأمير أبي إسحاق لرجل استحق الحكم عليه وكذلك اغتصاب أحد المرشحين لخطة المدينة منزلاً لأحد الناس، واغتصاب الفتى بدرون الصقلبي وصيف الأمير منزلاً لامرأة، وتظلم أحدهم من صاحب المدينة، بالإضافة إلى الدعوى التي رفعت ضد يوسف بن بسيل الذي كان عاملاً على شذونة (١).
وأما الأمير المنذر بن محمد فقد كانت مدة إمارته قصيرة لا تتجاوز السنتين ٢٧٣ - (٢٧٥) هـ (٨٨٦ - (٨٨٨)) كما أن تلك الفترة قضاها في حروب متصلة لإخضاع المتمردين، لأجل هذه فلا يوجد أثر للمظالم في عهده، ونكتفي في هذا المجال بالقول بأنه في اليوم الثاني لبيعته بالإمارة أمر بتفريق "العطاء في الجند، وتحبب إلى أهل قرطبة والرعايا بأن أسقط عنهم عشر العام وما يلزمهم من جميع المغرم (٢) ".
وقد عُرف الأمير عبد الله بن محمد بشدة وطأته على أهل الظلم (٣)، ومن أجل نصرة المظلوم كان يجلس في الساباط قبل صلاة الجمعة وبعدها، يرى الناس ويشرف على تصرفاتهم ويسمع قول المتظلم منهم (٤).
стр. 768
ثم ازداد اهتمام الأمير عبد الله بالمظالم، فأمر بفتح باب عند أحد أركان قصره أطلق عليه اسم باب العدل (١)، وجعل عليه باب حديد صنع مشرجباً ليلقي كل متظلم رقعته من خلاله (٢)، وذلك في حال عدم تواجد الأمير في قرطبة، أما إذا كان في القصر فبإمكان أي متظلم مناداته من قبل ذلك الباب دون أن تكون لحاجب سلطة عليه، فتؤخذ الرقعة سريعاً أو يصل المتظلم للأمير فيخاطبه بظلامته ويعمل الأمير على إنصافه، فعظمت المنفعة بهذا الباب (٣)، وأخذ أهل المكانات وذوو الأقدار يأخذون حذرهم من كل أمر يوجب الشكوى بهم، ويتحاشون ظلم من هم دونهم، مهابة للأمير وخشية من افتضاح أمرهم أمامه (٤).
وفي أوائل عهد الأمير عبد الرحمن بن محمد رفع إليه عجم أهل أبطليش دعوى ضد أسماء بنت ابن حيون، فأمر الأمير قاضي الجماعة بالنظر فيها (٥).
وقد كان الخليفة عبد الرحمن الناصر يترفع عن النظر في المظالم وبالذات ما كان منها يتعلق بمشاكل العوام، ومن ذلك، أنه كان يسير في موكب فاعترضه أحد العوام وهو يصيح بصوت منكر، فلما وقف
стр. 769
واستفسر منه، وجد أن قضيته تدور حول حمار اشتراه وظهر فيه عيب، فغضب الخليفة و أنكر عليه تجاوزه للقاضي وأهل السوق ورفع هذا الأمر التافه له، ثم أمر به فُضرب ونودي عليه بذلك مجرَّساً ليكون عبرة لسواه (١).
والخليفة عبد الرحمن الناصر لم يترفع عن النظر في المظالم فحسب، بل إنه عدَّ الجلوس لها مضيعة للوقت وسببا في تدهور الدولة وعاب على جده الأمير عبد الله بن محمد جلوسه لها، وعدَّ اهتمامه بها سبباُ في الاضطراب الذي أصاب الدولة في عهده، فقد خاطب الخليفة عبد الرحمن الناصر وزراءه قائلاً: "أعلمتم أن الأمير عبد الله جدي بنزوله للعامة في الحكم للمرأة في غزلها والحمال في ثمن ما يحمله، والدلال في ثمن ما ينادي عليه، وإضاعة كبار الأمور ومهامتها، والنظر في حروبه، ومداراة المتوثبين عليه، حتى اضطرمت جزيرة الأندلس وكادت الدولة ألا يبقى لها رسم، أي مصلحة في نظر غزل امرأة ينظر فيه أمين سوق الغزل، وإضاعة النظر في قطع الطرق وسفك الدماء وتخريب العمران (٢) " والذي يمكن قوله في هذا المقام، أن تصرف الخليفة عبد الرحمن الناصر مع صاحب الحمار فيه تأديب له لأمثاله، وفي الوقت نفسه تكريس لهيبة الدولة في نفوس الرعية والمناوئين لها، كما أن فيه تأكيد على التسلسل الوظيفي إذ لا يجوز لأحد
стр. 770
عرض قضية على ذي منصب كبير قبل أن تأخذ تدرجها الطبيعي ابتداء من أدنى السلم. وولي الأمر لابد وأن يهتم دائماً وأبداً بالصالح العام للرعية، وعليه أن يكرس جهده فيما يعود بالنفع عليها.
ولاشك أن الاهتمام بقمع المناوئين وقطَّاع الطرق أعظم أهمية من صرف الانتباه لقضايا أقل ما يقال عنها أن بالإمكان حلها بأيسر السبل دون أن يكون لها أي ذكر في المجتمع.
وملامة الخليفة لجده هي في الواقع أمر منطقي، إذ أن الدولة في عهده كانت معرضة للإنهيار، بل إن حكومة قرطبة في بعض الأحيان لم يعد لها سيطرة في الأندلس إلا على قرطبة والأماكن القريبة منها فقط، فأي مصلحة والوضع بهذه الصفة من الخطر في الاستماع لامرأة تدور قضيتها حول الغزل، وترك الفتن تستعر في أرجاء البلاد، الأمر الذي يترتب عليه انعدام الأمن وتدهور الحالة الاقتصادية إلى خلاف ذلك من أمور، المجتمع في غاية الغنى عن خوض تجربتها.
ومن الطرائف التي جرت على يدي الخليفة عبد الرحمن الناصر أن تاجراً زعم أن صرة له قد ضاعت وهي تحوي مائة دينار، وجعل لمن وجدها مكافأة مقدارها عشرة دنانير، فجاء بها رجل عليه سمة أهل الخير، فلما قبضها التاجر ادعى أنه كان بها مائة وعشرة دنانير وأن الرجل أخذ عشرة دنانير وهي المكافأة، وأبى أن يدفع الشرط، فرفع الأمر للخليفة فوقع على الكتاب "صدق التاجر والرجل الذي وجد المال، ولولا صدق
стр. 771
الرجل ما أتى بشيء مجهول، فاردد عليه المائة، وناد على مال التاجر فإنه مائة وعشرة (١) ".
ويبدو أن الخليفة عبد الرحمن الناصر أخذ يهتم بالمظالم أكثر من ذي قبل، فعزم على تنظيمها وإقامة جهاز إداري خاص بها، فقد ذكر ابن حيان أنه في شهر ربيع الأول من سنة (٣٢٥) هـ (يناير (٩٣٧) م) أصدر الخليفة أمره بنقل "محمد بن قاسم بن طملس من خطة العرض إلى خطة المظالم، أفرد بها، وأجرى عليه الرزق لها، فكان أول من ارتزق بهذه الخطة، وصيرها الناصر لدين الله من هذا الوقت خطة بذاتها، وقد كان نظر في المظالم قبله جماعة أضيفت إليهم، منهم الوزير أحمد بن حدير، والوزير عبد الله بن جهور، فأفردت من هذا التاريخ، وجل قدرها وعظمت المنفعة بها (٢) ".
من ما مضى ندرك أن خطة المظالم لم تأخذ تنظيمها النهائي إلا في آخر الربع الأول من القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي)، فرغم أنها كانت موجودة في السابق إلا أنها لم تكن قائمة بذاتها بل كانت مضافة إلى غيرها من الخطط، ومنذ أن أفردت خطة المظالم لوحدها، لم تتم إضافتها إلى غيرها من الخطط طيلة تاريخ الدولة الأموية في الأندلس، باستثناء مرة واحدة وذلك عندما أضافها الخليفة عبد الرحمن الناصر لذي
стр. 772
الوزارتين أحمد بن عبد الملك بن شهيد مجموعة له مع الشرطة العليا بالإضافة إلى قيامه بأعباء الوزارة وذلك سنة (٣٢٨) هـ (٩٤٠ م) (١).
والخليفة عبد الرحمن الناصر رجل إداري صاحب تجديدات وإضافات ملموسة ذات تأثير على الجهاز الإداري للدولة ككل. من ذلك أنه في سنة (٣٤٤) هـ (٩٥٥ م) قام بتوزيع المهام الإدارية بين وزرائه، منها انه كلف وزيره محمد بن حدير القيام بمهام النظر في مطالب الناس وحوائجهم وتنجيز التوقيعات لهم (٢).
وعندما تولى الحكم المستنصر الخلافة، كانت أول أعماله الاهتمام بإصلاح شأن رعيته، فأحسن إليها وحط وظائفها، وأمر بإطلاق سراح من في السجن من غير أهل الحدود، وتصدق من ماله الخاصة بمائة ألف دينار، وفدى الأسرى، وأدى عن أهل الديون ديونهم، وعدل في الرعية (٣).
وقد بلغ اهتمامه بالعدل أنه بعث في سنة (٣٥٣) هـ (٩٦٤ م) أمناءه إلى سائر الكور والثغور وذلك لتفقد أحوال الرعية ومتابعة سير عمالهم فيهم (٤)، ورفع تقرير متكامل عن ذلك إليه لتتم محاسبة المسيء ومكافأة المنصف الحريص على تأدية الحق إلى مستحقه.
стр. 773
ووتكرر إرساله لأمنائه، ففي سنة (٣٥٥) هـ (٩٦٦ م) بعث عدة من ثقاته وذلك لتفقد أحوال الرعية في سائر بلاد الأندلس، وقبل أن يغادروا قرطبة متجهين حيث أرسلوا، خاطبهم الخليفة قائلاً "إن لم تنصحوا فأنا المباشر لها بنفسي، فإني أنا المسئول عنهم، فما العذر بين يدي السائل (١) ".
ويبدو أن الخليفة قد وقف على تجاوزات كبيرة لبعض العمال، ولذا ففي سنة (٣٥٦) هـ، (٩٦٧ م) أوقع الخليفة بأولئك المتجاوزين الظالمين للرعية ونكل بهم (٢)، وكتب كتاباً بتعنيفهم قرئ على كافة منابر الأندلس، جاء فيه "أما بعد، فإن الله جل ثناؤه لا يظلم مثقال ذرة ولا يقوي الظالم، وهو الكفيل بنصرة المظلوم وقد أعد للظالمين عذاباً أليماً، وقد علمتم عنايتنا بالمسلمين وحفظهم حفيظتنا بالعباد، فأحفظتموها إلى العنف والاستبداد، وحماكم السخف المركب فيكم، ووصيتنا بالداني والقاصي والمطيع والعاصي ونبذتم بالعراء أمرنا، فلتراجع التوبة عما أنتم بسببه من الجور، وأثبتوا العدل ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ (سورة الشعراء من الآية رقم (٢٢٧)) والسلام (٣).
стр. 774
وميزان العدالة لدى الخليفة الحكم المستنصر لا يعرف المحاباة لأحد دون أحد، حتى أقاربه لا يمكن استثناؤهم من الخضوع للحق، ولذا ففي يوم الاثنين صدر شهر شوال من سنة (٣٦٢) هـ (يوليو (٩٧٣) م) انتدب الخليفة الحكم الوزير صاحب المظالم عبد الرحمن بن موسى بن حدير للنظر في القضية المرفوعة من أهل اشبيلية ضد واليهم ابن الخال سعيد الذي يبدو أنه استغل منصبه فيما يعود عليه بالمنفعة المادية دون تجنب وقوع الحيف على أهل اشبيلية (١).
من ما مضى ندرك أن خطة المظالم أو بالأحرى صاحب المظالم جُعل لتنفيذ الحقوق ضد أولئك الأقوياء سواء كانوا أقارب للأمراء والخلفاء أو من يلوذ بهم، وإنصاف المستضعفين من طغيانهم.
ويبدو أن قاضي الجماعة وبالذات في المدة الأخيرة من عهد الدولة الأموية لم يعد من القوة بحيث ينفذ الحق على من وقع عليه دونما اعتبار لمكانته، ولذا أصبح صاحب المظالم صاحب اليد الطولى في هذا المجال.
فعندما عجز قاضي الجماعة عبد الرحمن بن فطيس عن إنفاذ الحق ضد وصيف مقرَّب من الحاجب المنصور بن أبي عامر، استغاث صاحب الحق بالمنصور ضد وصيفه، فما كان من المنصور إلا أن أمر صاحب
стр. 775
الشرطة بأخذ ذلك الوصيف وإيقافه مع خصمه عند صاحب المظالم لإنفاذ الحق في قضيتهما (١).
وكان للفتنة أثرها على خطة المظالم، فأصبح يتصدى لها من ليس أهلاً لها، ويدعي حمل مسئوليتها من لا يقوى عليها، وقد وصف ابن حيان رجلاً من أصحاب المظالم الذين تسلطوا على الناس في الفتنة يدعى فزارة، فقال: "من رجل معدن من معادن الجهل والأفن والغباوة وحجة من حجج الله تعالى في الرزق، واستظهر بما رأى الناس فيه من شدة وطأة المجاعة بما شاء من وفور الزاد وكثرة الطعام ونفاسة البر وسعة الثروة، فاغتذى على فرط الزلزلة في المجاعة بكثرة القوت والطعام أرسى من ثهلان وثبير، بما يفوت التقدير وولي المظالم صدر اكتهاله أيام التخليط الواقع بمنبعث الفتنة: ومن المظالم أن وليت على المظالم يا فزاره (٢) ".
وممن تقلد المظالم زمن الفتنة المشاور أبو عبد الله الحسين بن حي بن عبد الملك التميمي، المتوفى يوم الخميس لثمان خلون من ذي العقدة سنة (٤٠١) هـ (١٤ يونيو (١٠١١) م) وكان صدراً في المفتين بقرطبة وتولى خطة الوثائق في عهد الحاجب عبد الملك المظفر، كما تولى القضاء بعدة كور، ولكنه لم يلبث أن وقع في حب الدنيا، فاشترك في الفتنة، وكان أحد دعاة المهدي الذي ماأن تولى الخلافة حتى استوزره ثم ولاه المظالم (٣).