← История

История · id 7331

نظم حكم الأمويين ورسومهم في الأندلس

سالم بن عبد الله الخلف

Полный текст (939 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

الرجل ما أتى بشيء مجهول، فاردد عليه المائة، وناد على مال التاجر فإنه مائة وعشرة (١) ". ويبدو أن الخليفة عبد الرحمن الناصر أخذ يهتم بالمظالم أكثر من ذي قبل، فعزم على تنظيمها وإقامة جهاز إداري خاص بها، فقد ذكر ابن حيان أنه في شهر ربيع الأول من سنة (٣٢٥) هـ (يناير (٩٣٧) م) أصدر الخليفة أمره بنقل "محمد بن قاسم بن طملس من خطة العرض إلى خطة المظالم، أفرد بها، وأجرى عليه الرزق لها، فكان أول من ارتزق بهذه الخطة، وصيرها الناصر لدين الله من هذا الوقت خطة بذاتها، وقد كان نظر في المظالم قبله جماعة أضيفت إليهم، منهم الوزير أحمد بن حدير، والوزير عبد الله بن جهور، فأفردت من هذا التاريخ، وجل قدرها وعظمت المنفعة بها (٢) ". من ما مضى ندرك أن خطة المظالم لم تأخذ تنظيمها النهائي إلا في آخر الربع الأول من القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي)، فرغم أنها كانت موجودة في السابق إلا أنها لم تكن قائمة بذاتها بل كانت مضافة إلى غيرها من الخطط، ومنذ أن أفردت خطة المظالم لوحدها، لم تتم إضافتها إلى غيرها من الخطط طيلة تاريخ الدولة الأموية في الأندلس، باستثناء مرة واحدة وذلك عندما أضافها الخليفة عبد الرحمن الناصر لذي

стр. 772

الوزارتين أحمد بن عبد الملك بن شهيد مجموعة له مع الشرطة العليا بالإضافة إلى قيامه بأعباء الوزارة وذلك سنة (٣٢٨) هـ (٩٤٠ م) (١). والخليفة عبد الرحمن الناصر رجل إداري صاحب تجديدات وإضافات ملموسة ذات تأثير على الجهاز الإداري للدولة ككل. من ذلك أنه في سنة (٣٤٤) هـ (٩٥٥ م) قام بتوزيع المهام الإدارية بين وزرائه، منها انه كلف وزيره محمد بن حدير القيام بمهام النظر في مطالب الناس وحوائجهم وتنجيز التوقيعات لهم (٢). وعندما تولى الحكم المستنصر الخلافة، كانت أول أعماله الاهتمام بإصلاح شأن رعيته، فأحسن إليها وحط وظائفها، وأمر بإطلاق سراح من في السجن من غير أهل الحدود، وتصدق من ماله الخاصة بمائة ألف دينار، وفدى الأسرى، وأدى عن أهل الديون ديونهم، وعدل في الرعية (٣). وقد بلغ اهتمامه بالعدل أنه بعث في سنة (٣٥٣) هـ (٩٦٤ م) أمناءه إلى سائر الكور والثغور وذلك لتفقد أحوال الرعية ومتابعة سير عمالهم فيهم (٤)، ورفع تقرير متكامل عن ذلك إليه لتتم محاسبة المسيء ومكافأة المنصف الحريص على تأدية الحق إلى مستحقه.

стр. 773

ووتكرر إرساله لأمنائه، ففي سنة (٣٥٥) هـ (٩٦٦ م) بعث عدة من ثقاته وذلك لتفقد أحوال الرعية في سائر بلاد الأندلس، وقبل أن يغادروا قرطبة متجهين حيث أرسلوا، خاطبهم الخليفة قائلاً "إن لم تنصحوا فأنا المباشر لها بنفسي، فإني أنا المسئول عنهم، فما العذر بين يدي السائل (١) ". ويبدو أن الخليفة قد وقف على تجاوزات كبيرة لبعض العمال، ولذا ففي سنة (٣٥٦) هـ، (٩٦٧ م) أوقع الخليفة بأولئك المتجاوزين الظالمين للرعية ونكل بهم (٢)، وكتب كتاباً بتعنيفهم قرئ على كافة منابر الأندلس، جاء فيه "أما بعد، فإن الله جل ثناؤه لا يظلم مثقال ذرة ولا يقوي الظالم، وهو الكفيل بنصرة المظلوم وقد أعد للظالمين عذاباً أليماً، وقد علمتم عنايتنا بالمسلمين وحفظهم حفيظتنا بالعباد، فأحفظتموها إلى العنف والاستبداد، وحماكم السخف المركب فيكم، ووصيتنا بالداني والقاصي والمطيع والعاصي ونبذتم بالعراء أمرنا، فلتراجع التوبة عما أنتم بسببه من الجور، وأثبتوا العدل ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ (سورة الشعراء من الآية رقم (٢٢٧)) والسلام (٣).

стр. 774

وميزان العدالة لدى الخليفة الحكم المستنصر لا يعرف المحاباة لأحد دون أحد، حتى أقاربه لا يمكن استثناؤهم من الخضوع للحق، ولذا ففي يوم الاثنين صدر شهر شوال من سنة (٣٦٢) هـ (يوليو (٩٧٣) م) انتدب الخليفة الحكم الوزير صاحب المظالم عبد الرحمن بن موسى بن حدير للنظر في القضية المرفوعة من أهل اشبيلية ضد واليهم ابن الخال سعيد الذي يبدو أنه استغل منصبه فيما يعود عليه بالمنفعة المادية دون تجنب وقوع الحيف على أهل اشبيلية (١). من ما مضى ندرك أن خطة المظالم أو بالأحرى صاحب المظالم جُعل لتنفيذ الحقوق ضد أولئك الأقوياء سواء كانوا أقارب للأمراء والخلفاء أو من يلوذ بهم، وإنصاف المستضعفين من طغيانهم. ويبدو أن قاضي الجماعة وبالذات في المدة الأخيرة من عهد الدولة الأموية لم يعد من القوة بحيث ينفذ الحق على من وقع عليه دونما اعتبار لمكانته، ولذا أصبح صاحب المظالم صاحب اليد الطولى في هذا المجال. فعندما عجز قاضي الجماعة عبد الرحمن بن فطيس عن إنفاذ الحق ضد وصيف مقرَّب من الحاجب المنصور بن أبي عامر، استغاث صاحب الحق بالمنصور ضد وصيفه، فما كان من المنصور إلا أن أمر صاحب

стр. 775

الشرطة بأخذ ذلك الوصيف وإيقافه مع خصمه عند صاحب المظالم لإنفاذ الحق في قضيتهما (١). وكان للفتنة أثرها على خطة المظالم، فأصبح يتصدى لها من ليس أهلاً لها، ويدعي حمل مسئوليتها من لا يقوى عليها، وقد وصف ابن حيان رجلاً من أصحاب المظالم الذين تسلطوا على الناس في الفتنة يدعى فزارة، فقال: "من رجل معدن من معادن الجهل والأفن والغباوة وحجة من حجج الله تعالى في الرزق، واستظهر بما رأى الناس فيه من شدة وطأة المجاعة بما شاء من وفور الزاد وكثرة الطعام ونفاسة البر وسعة الثروة، فاغتذى على فرط الزلزلة في المجاعة بكثرة القوت والطعام أرسى من ثهلان وثبير، بما يفوت التقدير وولي المظالم صدر اكتهاله أيام التخليط الواقع بمنبعث الفتنة: ومن المظالم أن وليت على المظالم يا فزاره (٢) ". وممن تقلد المظالم زمن الفتنة المشاور أبو عبد الله الحسين بن حي بن عبد الملك التميمي، المتوفى يوم الخميس لثمان خلون من ذي العقدة سنة (٤٠١) هـ (١٤ يونيو (١٠١١) م) وكان صدراً في المفتين بقرطبة وتولى خطة الوثائق في عهد الحاجب عبد الملك المظفر، كما تولى القضاء بعدة كور، ولكنه لم يلبث أن وقع في حب الدنيا، فاشترك في الفتنة، وكان أحد دعاة المهدي الذي ماأن تولى الخلافة حتى استوزره ثم ولاه المظالم (٣).

стр. 776

وعندما تولى الخلافة على بن حمود، أخذ الناس بالإرهاب والسطوة، وأخضع البرابر للحق، فبعد أن كانت مطالبتهم من الأمور العسيرة، إن لم تكن مستحيلة، صار أقل الرعية يرفع دعواه ضد أعتاهم وهو مطمئن لنيل حقوقه كاملة، واهتم علي بن حمود بالمظالم، فجلس لها بنفسه، وجعل بابه مفتوحاً للوارد والصادر والكبير والصغير. ويصف ابن حيان حال الناس بقرطبة في ظل اهتمام علي بن حمود بالمظالم، فبعد أن كان الناس منقبضين قد زهدوا الدنيا وزينتها من شدة وطأة الفتنة عليهم، "انتشروا في الأرض ذات الطول والعرض، وسلكت السبل، ورخا السعر، وأرقوا الأغذية وشاموا النساء، وطلبوا النسل، وكان أكثرهم يقول بالعزلة، واتخذوا الحلواء على طول عهد بها" (١). وقد باشر علي بن حمود المظالم، فجلس لها وكان يقيم الحدود بنفسه على من وقع عليه الحق دون مراعاة لمكانته، فقد ذكر ابن حيان أنه قُدِّم لعلي بن حمود مجموعة من كبار البربر ارتكبوا من الجرائم ما تجاوز حد النكال، فأمر بضرب أعناقهم وعشائرهم تنظر إليهم لا يستطيع أحد أن يدلي بشفاعته (٢). كما أمر بقتل أحد البربر بسبب حمل عنب قال إنه أخذه كما يأخذ الناس، فضرب عنقه ورفع رأسه في الحمل وطيف به سائر البلد (٣).

стр. 777

وأما الخليفة الأموي الأخير المعتد بالله، فقد كان أول شيء فعله بعد دخوله قرطبة هو جلوسه للمظالم بنفسه (١)، ونظراً للضعف الذي اتصف به هذا الخليفة فقد عُدَّ جلوسه للمظالم بنفسه نادرة من النوادر، إذ أنه عاجز عن ضبط أي أمر من أمور الدولة، فكيف يمكن أن ينفذ الأحكام على من توجه إليه الحق. هذا وقد حفظت لنا المصادر أسماء بعض من اشتغل بالمظالم، منهم: أبو محمد عبد الله بن أصبغ، المعروف بابن الصناع، كان يتصرف في رفع كتب المظالم إلى أن توفي في شهر رجب سنة (٣٧٣) هـ (ديسمبر (٩٨٣) م) (٢). أبو محمد موسى بن أحمد بن سعيد اليحصبي، المعروف بالوتد، تصرف في رفع كتب المظالم وأصحاب الحوائج للمنصور بن أبي عامر، ظل كذلك إلى أن توفي ليلة الخميس لعشر بقين من شهر ربيع الأول سنة (٣٧٧) هـ (٢١ مايو (٩٨٧) م) (٣). أبو المطرف عبد الرحمن بن محمد بن عيسى بن فطيس المتوفى سنة (٤٠٢) هـ (١٠١١ م) من علماء قرطبة المعدودين، وأبرزهم في جمع

стр. 778

الحديث وتدوينه، اشتهر بالزهد والفقه والصلابة، فقلد المظالم والأحكام للمنصور بن أبي عامر ومن بعده، فقام بها أحسن قيام (١). أبو حاتم محمد بن عبد الله بن ذكوان كان طلق اللسان، حسن الطبع، ولاه الحاجب عبد الملك المظفر خطة المظالم، فحُمدت سيرته فيها، توفي في منتصف شهر رمضان سنة (٤١٤) هـ (نوفمبر (١٠٢٣) م) (٢).

стр. 779

خطة الشورى عندما تحدث ابن خلدون عن الخطط الدينية الشرعية، ذكر خطة الشورى تحت مسمى: الفتيا. فقال: "اعلم أن الخطط الدينية الشرعية من الصلاة والفتيا والقضاء والجهاد والحسبة كلها مندرجة تحت الإمامة الكبرى التي هي الخلافة (١) ". وبما أن كلمة مفتي تعني كلمة مشاور، فلا حرج علينا هنا من استخدام أي اللفظين لأنهما يؤديان نفس المعنى. ومن تولى مهمة الإفتاء فقد تصدر لأمر جسيم، لأن المفتي يوضح ماغَمُض على العامة من أمور دينهم ويدلهم على المسلك القويم الذي في انتهاجه الفلاح والنجاح. ويكفي للدلالة على عظم منصب الإفتاء أن الباري جل وعلا قد تولاه بنفسه، فقد قال تعالى ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ (٢). كما أن متوليه نائب عن النبي ﷺ وذلك في رواية العلم الشرعي الذي تركه المصطفى ﵊ فيبلغه للناس وينشره بينهم، فقد روى البخاري ومسلم بسنديهما عن ابن عمر ﵄، عن النبي ﷺ أنه قال: "بينا أنا نائم إذ أتيت بقدح لبن، فشربت منه حتى لأرى

стр. 780

الري يجري في أظفاري، ثم أعطيت فضلى عمر بن الخطاب"، فقالوا: فما أولتها يا رسول الله؟ قال: "العلم" (١). من هنا تتضح عظم منزلة المفتي فهو مخبر عن الله تعالى، ونائب عن النبي ﷺ في تبليغ الأحكام الشرعية، وعليه فإن علم الفتوى "علم تروى فيه الأحكام الصادرة عن الفقهاء في الوثائق الجزئية ليسهل الأمر على القاصرين من بعدهم (٢) ". وبما أن الأمر متعلق بالأحكام، إذاً ربما تساءل البعض عن الفرق بين المفتي والقاضي؟ وقد أجاب ابن فرحون عن هذا، فذكر أنه لا فرق بينهما سوى أن المفتي مخبر بحكم شرعي ولكنه لا يملك صفة الإلزام، بعكس القاضي الذي تكون أحكامه ملزمة (٣). والملاحظ أن كل مجتمع من المجتمعات، وفي أي عصر من العصور، يسير وفق أنظمة محددة دينية أو اقتصادية ونحوها. وفي كل مجتمع تبرز ظواهر ذات أثر ملموس على سلوك أفراد المجتمع وتوجيه طاقاتهم. والواجب على من اختص بتتبع الظواهر الاجتماعية محاولة توظيف الإيجابي منها لصالح المجتمع والعمل على الحد إن لم يمكن إزالة السلبي منها.

стр. 781

وبما أن المجال الذي نتحدث فيه هو عن الفتوى أو الإفتاء، فإن من الظواهر الملموسة جهل الكثير من أبناء الأمة الإسلامية بالكثير من أمور دينهم، وهنا يأتي دور المفتي في الإجابة على أسئلة الذين يعانون من نقص في معلوماتهم الشرعية. والمستفتي يسير في معالجة هذا النقص وفق الإرشاد الذي يقدمه له المفتي، من هنا تتضح عظم المهمة الملقاة على عاتق المفتي تجاه أمته، ولذا فإن من عُرف بالتساهل والتسرع لا يجوز أن يستفتى، لأنه في هذه الحالة عرضة لأن يَضل أو يُضل، بل إن المفتي الذي يتعمد إفتاء العامة بالتشديد والخاص من ولاة الأمور بالتخفيف وذلك في المسائل التي فيها أكثر من قول، هو رجل قد فرغ قلبه من تعظيم الله تعالى، وانصرف بكليته إلى الدنيا وحب الرئاسة والتقرب إلى الخلق دون الخالق (١). وما أشبه هذا بالمفتي الماجن "الذي لا يبالي أن يُحرم حلالاً أو بالعكس" (٢) وبمقابل هذا فإن الفتيا لا تجوز إلا بما يرويه العدل عن المجتهد الذي يقلده المفتي (٣). ثقافة المفتي: اهتم الأندلسيون بشدة في المفتي أو المشاور، حتى أن بني أمية كانوا لا يقدمون لهذا المنصب إلا من كان عالماً، ولا يكتفى بذلك، بل لابد من

стр. 782

اختباره بواسطة مجالس مذاكرة متعددة تعقد لذلك (١)، وعلى هذا فلابد أن يكون المتقدم لهذا المنصب صاحب ثقافة دينية قوية، تمكنه من اجتياز تلك المجالس، والحد الأدنى من هذه المعرفة الفقهية هي أن يكون قد نظر في المدونة والموطأ والمختصر، أو بقول لابن القاسم أو لأحد من نظرائه أو لسحنون أو لابن المواز أو لأصبغ أو لابن عبد وس أو أمثالهم (٢). وإلى جانب هذه الكتب والأقوال؛ هناك مصادر أخرى على من أراد أن يكون راسخ القدم في الإفتاء إتقان تلك المصادر، من ذلك ما ذكره ابن بشكوال عند ترجمته لأبي القاسم خلف مولى يوسف بن بهلول الشهير بالبربلي، المتوفى سنة (٤٤٣) هـ (١٠٥١ م) أن أبا الوليد هشام بن أحمد كان يقول: "من أراد أن يكون فقيهاً من ليلته فعليه بكتاب البربلي (٣) ". ومن أضاف كتاب الأحكام الكبرى للقاضي ابن سهل ومنتخب ابن أبي زمنين وغيرهما من كتب الأحكام إلى الكتب التي سبق ذكرها بالإضافة إلى المداومة على دراسة الأصول، فإنه على حد قول ابن سهل، يحرز علم الأحكام على وجهه، ويدرك معرفة الأقضية على حقائقها، ويتعرف على المسلك الذي سار عليه شيوخ الفتيا في هذا المجال (٤).

стр. 783

ولكن مهما بلغت ثقافة المفتي الدينية، وتبحره في المسائل، فإنه لا يستغني أبداً عن الدربة التي تمكنه من فهم ما يلقى إليه من أسئلة، وقد اعترف كبار أهل الفتيا بالأندلس أنهم في مجالسهم الأولى عانوا بشدة من قلة الدربة، وفي هذا يقول ابن سهل: "وكثيرا ما سمعت شيخنا أبا عبد الله بن عتاب ﵁ يقول: "الفتيا صنعة"، وقد قاله قبله أبو صالح أيوب بن سليمان بن صالح ﵀، قال: "الفتيا دربة، وحضور الشورى في مجالس الحكام منفعة وتجربة، وقد ابتليت بالفتيا فما دريت ما أقول في أول مجلس شاورني فيه سليمان بن أسود، وأنا أحفظ المدونة والمستخرجة الحفظ المتقن والتجربة أصل في كل فن ومعنى مفتقر إليه (١) ". وهناك شروط لابد من توافرها في من سيتم اختياره للفتيا، وهي نفس الشروط الواجب توفرها فيمن يلي القضاء، إلا أن سلامة الحواس أمر يمكن تجاوزه عند اختيار المفتي. ولدينا نماذج متعددة لفقهاء تولوا الفتيا بالأندلس لم يكونوا سليمي الحواس بصورة مكتملة من هؤلاء: - الفقيه القرطبي محمد بن يوسف بن مطروح، المتوفى يوم عاشوراء سنة (٢٧١) هـ (يوليو (٨٨٤) م) كانت الفتيا دائرة عليه أيام الأمير محمد بن عبد الرحمن رغم أنه كان أعرجاً (٢).

стр. 784

الفقيه أحمد بن محمد بن زكرياء، الشهير بالرصافي، قرطبي مفتي، كان مكفوفاً، يجتمع حوله أهل الحسبة. توفي في شهر صفر (٣٦٢) هـ (نوفمبر (٩٧٢) م) (١). الفقيه سعيد بن حمدون بن محمد القيسي، المتوفى يوم الخميس لأربع بقين من ذي القعدة سنة (٣٧٨) هـ (مارس (٩٨٩) م) فقد كان أعور (٢) العين اليمنى، ولذا فقد كانت العامة تسميه: دجال الفقهاء (٣). سن المفتي: ورد لدى القاضي عياض أن الفقيه العدل القرطبي محمد بن محمد بن أبي دليم، المتوفى ليلة الجمعة لأربع عشرة ليلة من شهر رمضان سنة (٣٧٢) هـ (مارس (٩٨٣) م) "كان لا يرى أن يسمى طالب العلم فقيهاً حتى يكتهل ويكمل سنه (٤) ". من هذا النص يتضح لنا أن هناك سناً قانونية لابد من بلوغها لمن أراد أن يتخذ لقب فقيه، والمفتي بطبيعة الحال لابد أن يكون فقيهاً، وعليه فكأن المسألة فيها تحديد عمر المفتي، لكن هذه القاعدة لم تطبق دوماً في الأندلس، إذ وجد من قُدِّم للفتيا وهو دون سن الكهولة بكثير.

стр. 785

فالفقيه أحمد بن بقي بن مخلد قدمه الأمير عبد الله بن محمد للشورى وهو ابن خمس وعشرين سنة، وذلك لأنه "كان في حداثة سنه معظماً، موسوماً بالخير، معروفاً بالفضل، ظاهر السؤدد (١) ". وكان الفقيه عبد الملك بن العاص بن محمد بن بكر السعدي، المتوفى يوم السبت لثمان بقين من شهر المحرم (٣٣٠) هـ (أكتوبر (٩٤١) م) قد ظهر فقهه مبكراً، ولذا نرى قاضي الجماعة أسلم بن عبد العزيز يقدمه للشورى حتى قبل أن يرحل للمشرق (٢). وكان قاضي الجماعة أحمد بن بقي بن مخلد يشاور الفقيه محمد بن عبد الله بن أبي عيسى المتوفى سنة (٣٣٩) هـ (أغسطس (٩٥٠) م) مع سائر الفقهاء وهو لم يتجاوز الثلاثين من عمره (٣). ولم يقف الأمر عند تقديم من بلغ سن الثلاثين من عمره للشورى، فقد قُدِّم لها من هو دون ذلك بكثير، فالفقيه ابن الباجي أحمد بن عبد الله بن محمد اللخمي، المتوفى ليلة الجمعة لإحدى عشرة ليلة خلت من شهر

стр. 786

المحرم سنة (٣٩٦) هـ (أكتوبر (١٠٠٠) م) شاوره قاضي اشبيلية ابن أبي الفوارس وهو ابن ثماني عشرة سنة فقط (١). وبصفة عامة فإن مسألة تقديم الشباب للشورى هي مسألة استثنائية يحكمها في الغالب النبوغ الفقهي المبكر لذلك الشاب، أما في الأحوال العادية فلا يقدم لها إلا من اكتهل سنه كما ذكر ذلك الفقيه ابن أبي دليم (٢). معايير التقديم للفتيا "الشورى": إذا اشتهر أمر أحد طلاب العلم بسعة المعرفة ورسوخ القدم في الفقه، لاشك أنه سيقدم لمرتبة الإفتاء لكفاءته. لكن يحدث أحياناً أن يُقَّدم أحدهم للشورى ويُستدعى من موطنه إلى قرطبة لتوليها نتيجة لعداوة تنشب بين فقهاء قرطبة، فقد وصل الفقيه عبد الملك بن حبيب إلى خطة الشورى بقرطبة بعد أن طلب قاضي الجماعة يحيى بن معمر من الأمير عبد الرحمن الأوسط استدعاءه من إلبيرة، وذلك ناتج عن تلك العداوة المستحكمة بين القاضي وبقية فقهاء قرطبة (٣). كما أن الفقيه عبد الأعلى بن وهب بن عبد الأعلى، المتوفى سنة (٢٦١) هـ (٨٧٥ م) وصل إلى خطة الشورى بعد أن "شهد يحيى بن يحيى

стр. 787

وسعيد بن حسان وقاضي الجماعة آنذاك وبعض الفقهاء عند الأمير عبد الرحمن الأوسط بأنه يستحق التقديم لخطة الشورى، فأمر بتقديمه (١). ووصل الفقيهان "أبو عمر أحمد بن عبد الملك المعروف بابن المكوي وأبو بكر محمد بن عبد الله المعيطي إلى خطة الشورى بعد أن تمكنا من جميع أقوال الإمام مالك بن أنس ﵀ من كافة الروايات بمائة جزء وأسمياه "الاستيعاب الكبير" وبعد أن تصفحه الخليفة الحكم المستنصر "سُرَّ به ووصل كل واحد منهما بألف دينار، ومنديل كتب وقدمهما للشورى (٢) ". لباس المفتي: جرت العادة في الأندلس على أن لا يقدم للفتوى إلا من توفرت فيه شروط سبق معرفتها فإذا اتفقت الكلمة على تقديم أحدهم لهذا المنصب، جعلوا له لباساً خاصاً يكون دلالة على المرتبة التي وصلها، واللباس الذي يختص به هو "القالس والرداء (٣) " إذ لا يضع القالس عندهم إلا من حفظ المدونة وحفظ عشرة آلاف حديث بأسانيدها عن النبي المصطفى الكريم ﷺ (٤).

стр. 788

وقد كان عدد الذين يلبسون القالس والرداء في الأندلس كثيراً، ومن كان منهم سكنه بالقرب من قرطبة حضر للصلاة يوم الجمعة في قرطبة ثم يسلم على الأمير أو الخليفة ويطالعه بأخبار بلده (١)، وكان يشهد صلاة الجمعة بجامع الزهراء مع الخليفة عبد الرحمن الناصر من العلماء والفقهاء ثلاثة آلاف وخمسمائة مقلس (٢). وعلى المفتي أن يهتم بهيئته، وذلك فيما يتعلق بجمال المظهر وحسن الزي وفق الوضع الشرعي، لأن في الحرص على ذلك وقع ملموس على نفس المقابل، إذ الخلق مجبولون على تعظيم الصور الظاهرة، واهتمام المفتي بهيئته تجعل له مكانة في قلوب العامة، الأمر الذي يجعل هناك مجالاً واسعاً للإقتداء به. ويكفي للدلالة على أهمية المظهر أن الذي لديه رغبة أكيدة في التعلم عليه أن يهتم بمظهره، وهذا ما نصح به الفقيه الأندلسي زياد بن عبد الرحمن الفقيه يحيى بن يحيى الليثي في بداية طلبه العلم عند زياد، فقد قال له "يابني إن كنت عازماً على التعلم، فخذ من شعرك وأصلح زيك (٣) ". ثم لابد أن يلتزم بمظهر الاحتشام والأدب، ويتصف بالسكينة والوقار لأن ذلك مدعاة لأن يرغب المستمع في قبول ما يقوله وينصح به.

стр. 789

وعندما سئل الفقيه يحيى بن يحيى الليثي عن عدم انبساطه أمام الناس في المحافل العامة كانبساطه في مجالسه الخاصة، قال: "لو فعلت ذلك لتلوعب بين يدي، وأنا أحب أن يقتدى بي كما اقتديت أنا بغيري (١) ". موارد دخل المفتي: إن ارتفاع المستوى المادي نوعاً ما للمفتي أمر محبب وذلك خشية أن يميل به الفقر إلى الطمع فيما في أيدي الناس فيبيع به حقوق الدين (٢). وقد أورد المقري قصة الأمير الحكم الربضي عندما أراد تقديم أحد الفقهاء للإفتاء، فقد جمع كبار أهل الفيتا أمثال يحيى بن يحيى وعبد الملك بن حبيب وغيرهما، وعندما طرح الأمير رغبته عليهم، أجابوه بأنه أهل لذلك إلا أنه فقير لا مال له، وهو في هذه الحالة على خطر عظيم، لأنه سوف يتعرض للمواريث والوصايا وما شابههما واضطر الحكم الربضي أمام صلابة موقف الفقهاء بالإضافة إلى رأي ابنه الأمير عبد الرحمن إلى إعطاء ذلك الفقيه الذي يريد ترشيحه للإفتاء من المال ما أغناه به وأهلَّه لتلك المنزلة، وأعطاه من اصطبله الخاص مركوباً، فكانت هذه الأعطية مكرمة لا خفاء فيها (٣).

стр. 790

وإذا أتينا للتطبيق الفعلي على أهل الفتيا بالأندلس لنرى أحوالهم المادية، سنجدهم من الموسرين بصفة عامة، فالفقيه العدل محمد بن عيسى بن عبد الواحد المعافري المعروف بالأعشى، المتوفى سنة (٢٢٢) هـ (٨٣٧ م) كان من الميسورين حتى أنه عندما غلت الأسعار بقرطبة أمر بتفريق مخازن أطعمته على الناس بطريقة جعلت الكل فيها يأخذ حتى الشريف المحتاج والمتعفف المستور ومن لا ينكشف لأخذ الصدقة (١). وكان شيخ الفقهاء يحيى بن يحيى الليثي يلبس ملابس غالية الثمن كلها من الوشي الرفيع وذلك في الأعياد والمناسبات الرسمية أو عندما يريد الدخول على الأمراء (٢). كما كان نعل زوجته مرصعاً بالدر والياقوت الأمر الذي عرضه لانتقاد بعض زملائه من الفقهاء (٣). وكان الفقيه المشاور عبد الملك بن حبيب المتوفى سنة (٢٣٨) هـ (٨٥٣ م) قد حبَّس أملاكه بالبيرة على المسجد الجامع بقرطبة (٤)، وكان أبوه حبيب يعمل عطاراً، ولذا فقد ذكر أن ابنه عبد الملك كان يعصر الأذهان ويستخرجها (٥).

стр. 791

وأما الفقيه عبد الأعلى بن وهب فقد كان موسراً، إذ كانت له جنة بالقرب من مقبرة قريش يعمل بها مع بعض تلاميذه والكل يشاركه في طعامه (١). وقد بلغ ثراء الفقيه المشاور أبو زيد عبد الرحمن بن سعيد التميمي الشهير بالجزيري المتوفى في شهر شعبان (٢٧٥) هـ (ديسمبر (٨٨٨) م) درجة كبيرة، حتى أن الوصفاء كانوا يقفون على رأسه فقد كان متشبهاً بأمراء بني أمية ورجالهم من حجاب ووزراء مخالطاً لهم، حتى كانوا يأتونه ويأتيهم (٢). وأما الفقيه المشاور عبيد الله بن يحيى بن يحيى الليثي المتوفى يوم الاثنين لعشر خلون من رمضان سنة (٢٩٨) هـ (١٣ مايو (٩١١) م) فقد كان كريماً عظيم المال والجاه، وبجوده تضرب الأمثال حتى قال فيه أحدهم: وإنك غيث آخر الدهر هامع … كما أنت بدر آخر الليل طالع وقد سرني أن فزت بالحمد والعلا … وأنك للدنيا وللدين جامع (٣)

стр. 792

وكان الفقيه المشاور محمد بن إبراهيم بن عيسى الكتاني الشهير بابن حيوه، المتوفى سنة (٣٢٨) هـ (٩٤٠ م) عظيم الوجاهة، مشبهاً بأهل الدنيا، خارجاً من طبقة أهل العلم (١). وأما الفقيه عبد الله بن محمد بن موسى، المتوفى بحاضرة استجة يوم الأربعاء للنصف من جمادى الأولى سنة (٣٧٩) هـ (٢٣ أغسطس (٩٨٩) م) فقد كان صدرا فيمن يستفتى ببلده استجة، ويصفه ابن الفرضي بقوله أنه "كان عظيم الجاه والحرمة، كريم النفس، سرياً متصرفاً في أمور الناس، مداخلاً للسلطان (٢) ". والفقيه المشاور أبو بكر عبد الله بن أحمد بن غالب بن زيدون المخزومي، والد الوزير ابن زيدون، توفي بالبيرة في توجهه إليها لتفقد ضيعته، وذلك لست خلون من ربيع الآخر سنة (٤٠٥) هـ (أكتوبر (١٠١٤) م) (٣). وكان الفقيه أبو بكر بن زهر الإيادي من أهل اشبيلية، توفي بطلبيرة سنة (٤٢٢) هـ (١٠٣١ م) وكان يمتلك باشبيلية الأموال الكثيرة والضياع (٤).

стр. 793

مما سبق نلاحظ أن جل أولئك الفقهاء الذين تصدروا للإفتاء والمشاورة كانوا من المستورين إن لم يكونوا من المياسير. لكن هذه الصورة لا يمكن أن تشمل الكل فقد وجد بين أهل الإفتاء من كان أقرب إلى الفقر منه إلى الغنى، فالفقيه أصبغ بن خليل، المتوفى سنة (٢٧٣) هـ (٨٨٦ م) كان يلي رئاسة الإفتاء بالأندلس مدة خمسين عاماً (١). ومع ذلك فقد كان فقيراً لم يكتسب شيئاً، حتى أن أبا عمر ابن عبد البر يذكر أن تركة أصبغ عند وفاته بلغت مائة دينار فقط (٢). ونظراً لأهمية منصب المفتي في الأندلس، فلنا أن نتوقع أن لا يتصدر أحد للإفتاء إلا من بعد صدور ظهير رسمي من قبل الأمير أو الخليفة، ولعل من الأدلة المؤيدة لهذا ما جرى في عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط عندما قام قاضي الجماعة آنذاك بمشاورة الفقيه عبد الأعلى بن وهب دون إذن مسبق من الأمير الذي ما إن علم بالأمر حتى عنَّف قاضي الجماعة وأغلظ له، كما لحقت الفقيه ابن وهب غضاضة (٣).

стр. 794

تولى الإفتاء بقرطبة، بل إن عبيد الله كان منفرداً برئاستها (١)، كما أن أحمد بن حكم بن محمد العاملي تولى الشورى بقرطبة بعد وفاة أخيه يحيى في عهد الحاجب المنصور بن أبي عامر (٢). رئاسة الإفتاء بقرطبة: يحتل فقهاء قرطبة المالكيون مكانة رفيعة لدى أهل المغرب والأندلس، حتى أنه إذا وقعت مسألة فقهية في إحدى النواحي، وأفتى فيها فقهاء تلك الناحية، ربما أصرَّ صاحب المسألة على ضرورة الوقوف على رأي فقهاء الحضرة بقرطبة. وقد ذكر القاضي عياض قصة حادثة وقعت بمدينة سبتة في أواخر القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي) أفتى فقهاء سبتة بفتوى لم يقتنع بها صاحب الدعوى، فطلب من القاضي أن يرسل بتفاصيل المسألة إلى فقهاء قرطبة، فأتتهم الفتوى من الفقيه ابن المكوي بخلاف رأي فقهاء سبتة الذين تلقوه بالقبول (٣). ولا يصل لرئاسة فقهاء الفتيا بقرطبة إلا من كان متميزاً عن أقرانه من معاصريه بمزايا علمية تؤهله لذلك المنصب، ويلاحظ أحياناً اشتراك أكثر من فقيه بالرئاسة، ومن خلال تتبع تراجم فقهاء الأندلس حاولت أن أخرج بترتيب زمني لرئاسة الفتيا بقرطبة وهم:

стр. 795

الفقيه قاضي الجماعة معاوية بن صالح، المتوفى سنة (١٦٨) هـ (٧٨٥ م) هو رأس أهل الإفتاء في الأندلس طيلة ستة وعشرين عاماً، وذلك على عهد الأمير عبد الرحمن الداخل، فهو "إمام فقيه (١) " وكان من طبقة الإمام مالك بن أنس ﵀ بل إنه شاركه في بعض رجاله (٢) " وكان ممن يستغني بعقله وعلمه وفهمه عن مشاورة غيره (٣) ". الفقيه عامر بن أبي جعفر المتوفى في أيام الأمير هشام الرضا، كانت الفتيا بقرطبة تدور عليه مع من عاصره من شيوخ الفتيا بقرطبة (٤). الفقيه أبو عبد الله صعصعة بن سلام الشامي، توفي سنة (١٩٢) هـ (٨٢٧ م) كانت الفتيا دائرة عليه في الأندلس (٥). الفقيه أبو عبد الله عيسى بن دينار بن واقد الغافقي، المتوفى سنة (٢١٢) هـ (٨٧٢ م) كان أفقه من يحيى بن يحيى الليثي، وفي زمانه كانت الفتيا دائرة عليه، وذلك طيلة أيام الأمير الحكم الربضي ومطلع أيام الأمير عبد الرحمن الأوسط (٦).

стр. 796

الفقيه أبو محمد يحيى بن يحيى الليثي، المتوفى سنة (٢٣٤) هـ (٨٤٨ م) رحل إلى المشرق وعمره ثمان وعشرون سنة، وبعد عودته إلى الأندلس عادت فتيا الأندلس بعد عيسى بن دينار إلى رأيه (١) ورغم مكانة الفقيهين عيسى بن دينار ويحيى بن يحيى إلا أنهما كانا يمتنعان عن الإفتاء إذا قدم إلى قرطبة أبو موسى عبد الرحمن بن موسى الهواري حتى يرحل عنها (٢). وذلك إجلالاً لقدره واعترافاً بسعة علمه وفضله. ورغم هذه المكانة السامية للهواري إلا أنه لم يتولى رئاسة أهل الإفتاء، ولعل السبب في هذا يعود إلى عوامل منها أنه ربما لم يكن أسن نظرائه، إذ أن عامل السن مهم في هذا الأمر، كذلك لم يكن من سكان قرطبة إذ كان يقيم ببلدة استجة، إضافة إلى أن للعلاقة التي بينه وبين إمارة قرطبة أثر في هذه المسألة. الفقيه أبو مروان عبد الملك بن حبيب، اشتهر بالعلم والرواية في بلده البيرة، وسمع الأمير عبد الرحمن الأوسط به وبفضله، فأمر بنقله إلى قرطبة، فتولى فيها زعامة الإفتاء مع الشيخ الفقيه يحيى ابن يحيى، وبعد وفاته سنة (٢٣٤) هـ (٨٤٨ م) انفرد ابن حبيب برئاسة الفتيا من بعده إلى أن أدركته الوفاة في أوائل أيام الأمير محمد بن عبد الرحمن سنة (٢٣٨) هـ (٣).

стр. 797

وفي عهد الأمير محمد بن عبد الرحمن كانت الفتيا في الأندلس دائرة على ثلاثة من فقهاء قرطبة هم: عبد الأعلى بن وهب (١)، ومحمد بن يوسف بن مطروح (٢)، وأصبغ بن خليل (٣)، ومن بعد هؤلاء الثلاثة برزت شخصية الفقيه أبو عبد الرحمن بقي بن مخلد، المتوفى ليلة الثلاثاء لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة سنة (٢٧٦) هـ (٢٩ أكتوبر (٨٨٩) م) فقد بلغ رتبة الإمامة والاجتهاد وجمع فتاوى الصحابة والتابعين، وكثيراً ما كان الأمير عبد الله بن محمد يستشيره (٤). وطيلة عهد الأمير عبد الله بن محمد كانت الفتيا دائرة على أبي مروان عبيد الله بن يحيى الليثي المتوفى يوم الاثنين لعشر خلون من شهر رمضان سنة (٢٩٨) هـ (١٣ مايو (٩١١) م) فقد كان مقدماً في الفتيا، منفرداً برئاستها غير مدافع (٥). وخلال السنتين الأخيرتين من عهد الأمير عبد الله بن محمد والأربعة عشر عاماً الأولى من عهد الأمير عبد الرحمن بن محمد كانت رئاسة الفتيا

стр. 798

بالأندلس للفقيه أبي عبد الله محمد بن عمر بن لبابه، المتوفى ليلة الاثنين لأربع بقين من شعبان سنة (٣١٤) هـ (نوفمبر (٩٢٦) م) (١). والفقيه أبو بكر أحمد بن عبد الله بن أحمد الأموي، المعروف باللؤلؤي المتوفى يوم الأربعاء لثلاث ليال خلون من جمادى الأولى سنة (٣٤٨) هـ (١٣ يوليو (٩٥٩) م) كان إماماً في حفظ الرأي على مذهب الإمام مالك، ولذا فقد كان مقدماً في الفتيا على أصحابه واستمر على منصبه قرابة ثلاثة عقود (٢) وانتهت رئاسة الإفتاء في عهد الخليفة الحكم المستنصر إلى عبيد الله بن الوليد، المعروف بالمعيطي، المتوفى في شهر محرم سنة (٣٧٨) هـ (٩٨٨ م) فقد كان عالماً بصيراً في المسائل والشروط، ومشاوراً في الأحكام (٣). ومن أواخر عهد الخليفة الحكم المستنصر إلى مطلع القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي)، كانت رئاسة الإفتاء لأبي عمر أحمد بن عبد الملك المعروف بابن المكوي، فقد كان شيخ فقهاء الأندلس في وقته (٤)، مقدماً على جميع من إليه الفتوى بقرطبة إذ انتهت إليه الرئاسة في ذلك (٥)، قلده الخليفة الحكم المستنصر الإفتاء برأي قاضي الجماعة ابن

стр. 799

السليم سنة (٣٦٥) هـ (٩٧٦ م) (١) ودارت الفتيا بالأندلس على ابن المكوي إلى وفاته في جمادى الأولى سنة (٤٠١) هـ (ديسمبر (١٠١٠) م) (٢). وبعد الفقيه ابن المكوى، آلت رئاسة الإفتاء للفقيه عبد الله بن سعيد بن عبد الله الأموي، الشهير بابن الشقاق، المتوفى يوم الثلاثاء الثامن عشر من شهر رمضان سنة (٤٢٦) هـ (٣) (١٠٣٥ م) فقد كان أخر العلماء الأندلسيين النحارير المبرزين في الفقه والحفظ والحذق بالفتوى والشروط (٤). وقد كان مشيخة الإفتاء يجتمعون عند قاضي الجماعة في المسجد الجامع أو أحد المساجد الصغيرة وهذه الجلسات لا يحضرها سواهم، يقول الفقيه ابن عتاب: كنا نجتمع مع شيوخ الإفتاء عند قاضي الجماعة ابن بشر، فتطرح مسألة يختلف فيها القاضي مع الشيوخ، فيحاجهم ويناظرهم ويستظهر عليهم بالروايات والكتب حتى ينصرفوا وهو يقولون بقوله (٥).

стр. 800

وقد حذر ابن عبد ون من أن المشاور لا يشاور في داره أبداً، إذ أن ذلك مدعاة إلى أكل أموال الناس بالباطل، فضلاً عن أن مقابلته في داره ليس أمراً متيسراً دائماً (١). والفتيا في الأندلس كانت دائرة في عصر الولاة على رأي السلف الذي وصل إلى هناك بواسطة التابعين ومن أتى بعدهم رحمهم الله تعالى (٢)، ثم أصبحت الفتيا قائمة على مذهب الإمام الأوزاعي المتوفى سنة (١٥٧) هـ (٧٧٤ م) وذلك عندما عرف الأندلسيون ذلك المذهب في السنوات الأولى من عهد الأمير عبد الرحمن الداخل على يدي الفقيه أسد بن عبد الرحمن السبئي (٣) وعند مطلع القرن الثالث الهجري أخذ المذهب

стр. 801

المالكي يحل بقوة محل مذهب الأوزاعي، واختص الأندلسيون بآراء عبد الرحمن بن القاسم المتوفى سنة (١٩١) هـ (٨٠٦ م) (١) من بين أراء تلاميذ الإمام مالك حتى أنه أطلق على المغاربة عامة والأندلسيين خاصة أنهم "مالكية قاسميون (٢) " فقضاة الأندلس يعتبرون ابن القاسم مرجعهم الأول، حتى أن يحيى بن معمر الألهاني قاضي الجماعة في عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط، رفض أن يحكم في إحدى القضايا برأي أشهب بن عبد العزيز، المتوفى سنة (٢٠٤) هـ (٨١٩ م) رغم أنه تلميذه، وعدل عنه إلى رأي ابن القاسم محتجاً بأن هذا ما وجد عليه إجماع أهل قرطبة (٣). وبعد وفاة ابن القاسم كان قضاة الأندلس يستشيرون تلميذه أصبغ بن الفرج، المتوفى سنة (٢٢٥) هـ (٨٤٠ م) (٤) فقد تمسك الأندلسيون بآرائه بنحو لا يقبل التجديد والتعديل أبداً ولعل أكثر من يمثل هذا الاتجاه المتشدد الفقيه المفتي أصبغ بن خليل القرطبي المتوفى سنة (٢٧٣) هـ (٨٨٦ م) الذي تتلمذ على ابن الفرج، وقد بلغ من شدة تمسك أصبغ بن خليل بآراء ابن القاسم أنه رغم فقره الشديد فقد كان يرفض الإغراءات

стр. 802

المادية على أن يتنازل في الإفتاء عن رأي ابن القاسم، يقول أبو عمر بن عبد البر: سمع أحمد بن خالد يقول "دخلت على أصبغ بن خليل فقال لي: ياأحمد، فقلت نعم، فقال انظر إلى هذه الكوة، لكوة فوق رأسه في حائط بيته، فقلت نعم، فقال: والله الذي لا إله إلا هو، لقد رددت منها ثلاثمائة دينار صحاحاً على أن أفتي في مسألة بغير رأي ابن القاسم مما قاله غيره من أصحاب مالك فما رأيت نفسي في سعة من ذلك (١) ". من هنا نخلص إلى أن الإفتاء في الأندلس كان معتمداً على المذهب المالكي وبالذات آراء ابن القاسم. عرض فقهاء الشورى لآرائهم: إذا كانت هناك ضرورة لانعقاد مجلس الشورى لمناقشة أمر ما، أو الإفتاء في قضية من القضايا، فالمتوقع أنه لابد أن يتم توزيع نص المشكلة على كل عضو من أعضاء المجلس قبل إنعقاده بوقت كاف، ليتمكن كل منهم من مراجعة أقوال العلماء إن كان ناسياً ويتثبت من معلوماته إن كان غير متيقن. وكان من المتبع أن يقوم كاتب القاضي بتسجيل أراء أولئك الفقهاء، لكن عندما تولى قضاء الجماعة الحبيب أحمد بن محمد بن زياد اللخمي، سنة (٢٩١) هـ (٩٠٤ م) طلب من الفقهاء المشاورين أن يقوم

стр. 803

كل منهم بتسجيل فتواه بيده في السجل، فكان هو أول من وضع هذا الرسم وأصبح معمولاً به من بعده في الأندلس (١). وطريقة التسجيل بالكتابة لآراء الفقهاء المشاورين هي إحدى طرق وصول رأي المشاور للقاضي، إذ أن هناك طريقة أخرى هي المشافهة وطريقة ثالثة تقوم على المناقشة والمناظرة (٢) وكذلك تعتمد طريقتي المشافهة (٣) والكتابة (٤) لوصول آراء فقهاء الشورى للأمير أو الخليفة. عدد فقهاء الشورى: كانت الفتيا في عهد الأمير عبد الرحمن الداخل والأيام الأولى من عهد ابنه الأمير هشام دائرة على ثلاثة فقهاء هم: عامر بن أبي جعفر (٥)، وصعصعة بن سلام (٦)، والغازي بن قيس المتوفى سنة (١٩٩) هـ (٨١٥ م) (٧). وفي عهد الأمير هشام الرضا كان مجلس الشورى لدى قاضي الجماعة المصعب بن عمران يتكون من صعصعة بن سلام، والغازي بن

стр. 804

قيس وعبد الرحمن بن موسى الهواري، وعبد الملك بن حسن المعروف بزونان، المتوفى سنة (٢٣٢) هـ (٨٤٧ م) (١). وكان مجلس شورى القاضي محمد بن بشير المعافري يتكون من: الغازي بن قيس وأبو محمد إسماعيل بن البشر التجيبي، المتوفى في أيام الأمير عبد الرحمن بن الحكم، وأبو عمرو حارث بن أبي سعد، المتوفى سنة (٢٢١) هـ أو (٢٢٢) هـ (٨٣٥ م أو (٨٣٦) م) وعبد الملك بن حسن المعروف بزونان ومحمد بن سعيد السبائي (٢). وقد ذكر ابن عبد البر أن الفتيا في أيام الأمير الحكم الربضي وابنه الأمير عبد الرحمن الأوسط كانت تدور على عيسى بن دينار ومحمد بن خالد الأشج، المتوفى سنة (٢٢٠) هـ (٨٣٥ م) وأبو عبد الله محمد بن عيسى بن عبد الواحد المعافري المعروف بالأعشى المتوفى سنة (٢٢١) هـ (٨٣٦ م) وزونان، ويحيى بن يحيى الليثي وسعيد بن حسان، المتوفى سنة (٢٣٦) هـ (٨٥٠ م) وعبد الملك بن حبيب (٣). وفي عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط كانت الفتيا في الأندلس تدور على الفقيه عيسى بن دينار وبعد وفاته أصبحت الفتيا تدور على الفقيه ١ - هذه الشخصيات هي مزيج من الأوزاعية والمالكية، وبصفة عامة يعتبر القاضي المصعب بن عمران ومجلس شوراه ممثلين للفترة الانتقالية من المذهب الأوزاعي إلى المذهب المالكي. انظر: سالم الخلف، المرجع

стр. 805

يحيى بن يحيى الليثي وحده من سنة (٢١٢) هـ (٨٢٧ م) إلى سنة (٢١٨) هـ تقريباً (٨٣٣ م) إذ شاركه منذ ذلك التاريخ في زعامة الفتيا الفقيه أبو مروان عبد الملك ابن حبيب (١). وقد ذكر ابن حيان أن خمسة عشر فقيهاً دارت عليهم الفتيا في عهد الأمير محمد بن عبد الرحمن وولديه المنذر وعبد الله، وهؤلاء الفقهاء هم: بقي بن مخلد، وحسن بن يحيى بن مزين المتوفى في صدر أيام الأمير عبد الله بن محمد، ومحمد بن أسباط المخزومي، المتوفى سنة (٢٨٦) هـ (٨٩٩ م) ومحمد بن وضاح المتوفى سنة (٢٨٧) هـ (٩٠٠ م) ويحيى بن عبد الله المعروف بابن الخراز المتوفى سنة (٢٩٥) هـ (٩٠٧ م) وعبيد الله بن يحيى بن يحيى المتوفى في سنة (٢٩٨) هـ (٩١١ م) ومطرف بن قيس، وأبو صالح أيوب بن سليمان بن صالح، وسعيد بن خمير، المتوفى سنة (٣٠١) هـ (٩١٣ م) وخالد بن وهب المعروف بالصغير، المتوفى سنة (٣٠٢) هـ (٩١٤ م) وسعد بن معاذ الشعباني، المتوفى سنة (٣٠٨) هـ (٩٢٠ م) ومحمد بن وليد. المتوفى سنة (٣٠٩) هـ (٩٢٢ م) ومحمد بن عمر بن لبابه، المتوفى سنة (٣١٤) هـ (٩٢٦ م) وسعيد بن عبد الملك بن السمح (٢).

стр. 806

ثم ألحق بهم ابن حيان مشيخة الفقهاء في عصر الأمير عبد الله بن محمد، وهم: محمد بن غالب المعروف بابن الصفار، المتوفى سنة (٢٩٥) هـ (٩٠٨ م) وأصبغ بن مالك المتوفى سنة (٢٩٩) هـ (٩١٢ م) وأحمد بن بيطير، المتوفى سنة (٣٠٣) هـ (٩١٥ م) ويحيى بن إسحاق بن يحي بن أبي عيسى، المتوفى سنة (٣٠٣) هـ (٩١٥ م) ومحمد الزراد، وأحمد بن عيسى بن يحيى بن يحيى الملقب بالثائر (١). وأما في عهد الخليفة عبد الرحمن الناصر فقد بلغ عدد فقهاء الشورى ستة عشر فقيها مشاوراً، وكان المكمل للستة عشر هو الفقيه أبو إبراهيم إسحاق بن إبراهيم بن مسرة المتوفى بطليطلة سنة (٣٥٢) هـ (٩٦٣ م) وقد تم تقديمه للشورى على يد قاضي الجماعة ابن أبي عيسى، دل عليه ولي العهد الحكم في عدة ارتيدوا لها، فكملت عدتهم إذ ذاك ستة عشر مشاورا (٢). ومن ما مضى نلاحظ أن عدد فقهاء الشورى بقرطبة كان في بداية عهد الدولة الأموية قليلاً إذ لم يتجاوزوا الثلاثة، ثم أخذ عددهم بالازدياد تدريجياً، لكنه لم يتجاوز الستة عشر، وربما تكون الزيادة في العدد، ذات

стр. 807

ارتباط وثيق باتساع قرطبة وكثرة سكانها وأنها أصبحت مركزاً علمياً، وبذلك كثر عدد طلاب العلم فيها، وبسبب ذلك تزايد عدد الفقهاء. وقد سبق أن عرفنا أن القالس والرداء هما علامة للفقيه المفتي، وقد كان المقلسون المتواجدون في القرى المحيطة بقرطبة، يأتون لأداء صلاة الجمعة مع أمراء وخلفاء بني أمية وبعد الصلاة يلتقون بهم ويسلمون عليهم ويطلعونهم على أحوال أماكنهم التي وفدوا منها (١). وكان فقهاء الشورى يتم اختيارهم من بين المجموع الكلي للفقهاء لأجل هذا فلا غرابة أن يصل تعداد فقهاء الشورى زمن الخليفة عبد الرحمن الناصر إلى ستة عشر فقيها، خاصة إذا عرفنا أن عدد من يشهد معه صلاة الجمعة من الفقهاء والعلماء كانوا ثلاثة آلاف وخمسمائة مقلس (٢). وبالمناسبة فإن فقهاء الشورى لا يقتصر عملهم على مشاورة القاضي لهم فيما يعرض عليه من قضايا، إذ أن منهم من كان الأمير أو الخليفة يعتمد على رأيه في معالجة مشاكل الرعية وتدبير شئون الحكم، فقد كان الفقيه يحيى بن يحيى الليثي مرجعاً للقضاة، ولكنه في الوقت نفسه كان شديد الصلة بالأمير عبد الرحمن الأوسط حتى أنه غلب على رأيه "وألوى بإيثاره فصار يلزم من إعظامه وتكريمه وتنفيذ أوامره ما يلتزمه الوالد

стр. 808

لأبيه (١)، وبالإضافة إلى أن الفقيه المشاور يقوم بعمله تجاه القاضي وأحياناً الأمير أو الخليفة، فإنه يحدث في بعض الأحيان أن تسند إليه مهام جسام في الدولة، من هؤلاء: - الفقيه حارث بن أبي سعد كان مفتياً في آخر أيام الأمير الحكم الربضي وأحد أعضاء مجلس شورى قاضي الجماعة محمد بن بشير (٢)، ومع ذلك فقد ولاه الأمير عبد الرحمن الأوسط الشرطة الصغرى، ولم يزل عليها إلى أن توفي سنة (٢٢١) هـ أو (٢٢٢) هـ (٨٣٥ م) (٣). أبو محمد إسماعيل بن البشر التجيبي، كان أحد فقهاء الشورى في آخر أيام الأمير محمد بن عبد الرحمن الذي ولاه الصلاة (٤). أبو عبد الله محمد بن يوسف بن مطروح كان أحد الذين تدور عليهم الفتيا أيام الأمير محمد بن عبد الرحمن الذي ولاه كذلك الصلاة (٥). الفقيه المشاور أبو عبد الملك حسن بن عبيد الله بن محمد بن عبد الملك، المتوفى سنة (٣٣٦) هـ (٩٤٨ م) كان قاضي الجماعة ابن أبي عيسى كثيراً ما يستخلفه على الصلاة بقرطبة (٦).

стр. 809

أبو محمد موسى بن أحمد بن سعيد اليحصبي المعروف بالوتد، المتوفى سنة (٣٧٧) هـ (٩٨٧ م) كان كاتباً لقاضي الجماعة محمد بن برطال، ثم قلد الشورى، وتولى رفع كتب المظالم وأصحاب الحوائج إلى المنصور بن أبي عامر (١). وأبو عبد الله محمد بن قاسم بن محمد الأموي، المعروف بالجالطي، قلده قاضي الجماعة ابن فطيس الشورى سنة (٣٩٥) هـ (١٠٠٥ م) وتولى الصلاة بالمسجد الجامع بالزهراء، فكان آخر خطيب قام على منبره كما ولاه الخليفة هشام المؤيد أحكام الشرطة، قتله البربر يوم دخولهم قرطبة، في جوف بيته، يوم الاثنين لست خلون من شوال سنة (٤٠٣) هـ (٢١ إبريل (١٠١٣) م) (٢). ومن المهام التي كانت تسند أحياناً للفقيه المشاور القيام بالإصلاح بين المتشاكسين، فقد اختار الأمير محمد بن عبد الرحمن الفقيه المشاور عبد الله بن محمد بن خالد بن مرتنيل المتوفى سنة (٢٥٦) هـ (٨٧٢ م) ليذهب إلى باجه لإصلاح ما وقع بين قبيلتي مضر واليمن بسبب العصبية (٣).

стр. 810

كما كان الفقيه المشاور أبو محمد عبد الله بن محمد الصابوني الشهير بابن بركة المتوفى سنة (٣٨٧) هـ (٩٨٨ م) كثيراً ما يستعين به القضاة للإصلاح بين الناس وذلك لما امتاز به من حسن تناوله للمشاكل وصدق نيته في الإصلاح بين المتخاصمين (١). ومن المهام التي يقوم بها الفقيه المشاور الوصاية على الأيتام، ولكن دون أن يكون ملزماً بالاستجابة للقاضي إن طلب منه القيام بهذه المهمة. يدل على ذلك أن الخليفة الحكم المستنصر عندما عاتب قاضي الجماعة منذر بن سعيد البلوطي على تقديمه لأوصياء سوء ليكونوا مسئولين عن الأيتام رد عليه القاضي بأن هذا غير مستغرب طالماً أن الفقهاء المشاورين الذين يُتوسم الخير فيهم لا يتم إلزامهم بالقوة لتولي مهام الوصية على الأيتام (٢). وعندما نقرأ تراجم فقهاء خطة الشورى، نجد أن العلاقة بينهم لم تكن على ما يرام بصفة دائمة، بل إنها للتوتر أقرب منها إلى الصفاء، ولعل هذا ناجم عن التنافس في العلم فيما بينهم. والنماذج على التنافر الموجود بين الفقهاء لا حصر لها، فمن ذلك نجد: أن قاضي الجماعة يحيى بن معمر الألهاني كانت علاقته بالفقيه يحيى بن يحيى الليثي وبقية فقهاء قرطبة غير طيبة لأن القاضي ابن معمر كان
следующие страницы →