ثم ألحق بهم ابن حيان مشيخة الفقهاء في عصر الأمير عبد الله بن محمد، وهم:
محمد بن غالب المعروف بابن الصفار، المتوفى سنة (٢٩٥) هـ (٩٠٨ م) وأصبغ بن مالك المتوفى سنة (٢٩٩) هـ (٩١٢ م) وأحمد بن بيطير، المتوفى سنة (٣٠٣) هـ (٩١٥ م) ويحيى بن إسحاق بن يحي بن أبي عيسى، المتوفى سنة (٣٠٣) هـ (٩١٥ م) ومحمد الزراد، وأحمد بن عيسى بن يحيى بن يحيى الملقب بالثائر (١).
وأما في عهد الخليفة عبد الرحمن الناصر فقد بلغ عدد فقهاء الشورى ستة عشر فقيها مشاوراً، وكان المكمل للستة عشر هو الفقيه أبو إبراهيم إسحاق بن إبراهيم بن مسرة المتوفى بطليطلة سنة (٣٥٢) هـ (٩٦٣ م) وقد تم تقديمه للشورى على يد قاضي الجماعة ابن أبي عيسى، دل عليه ولي العهد الحكم في عدة ارتيدوا لها، فكملت عدتهم إذ ذاك ستة عشر مشاورا (٢).
ومن ما مضى نلاحظ أن عدد فقهاء الشورى بقرطبة كان في بداية عهد الدولة الأموية قليلاً إذ لم يتجاوزوا الثلاثة، ثم أخذ عددهم بالازدياد تدريجياً، لكنه لم يتجاوز الستة عشر، وربما تكون الزيادة في العدد، ذات
стр. 807
ارتباط وثيق باتساع قرطبة وكثرة سكانها وأنها أصبحت مركزاً علمياً، وبذلك كثر عدد طلاب العلم فيها، وبسبب ذلك تزايد عدد الفقهاء.
وقد سبق أن عرفنا أن القالس والرداء هما علامة للفقيه المفتي، وقد كان المقلسون المتواجدون في القرى المحيطة بقرطبة، يأتون لأداء صلاة الجمعة مع أمراء وخلفاء بني أمية وبعد الصلاة يلتقون بهم ويسلمون عليهم ويطلعونهم على أحوال أماكنهم التي وفدوا منها (١).
وكان فقهاء الشورى يتم اختيارهم من بين المجموع الكلي للفقهاء لأجل هذا فلا غرابة أن يصل تعداد فقهاء الشورى زمن الخليفة عبد الرحمن الناصر إلى ستة عشر فقيها، خاصة إذا عرفنا أن عدد من يشهد معه صلاة الجمعة من الفقهاء والعلماء كانوا ثلاثة آلاف وخمسمائة مقلس (٢).
وبالمناسبة فإن فقهاء الشورى لا يقتصر عملهم على مشاورة القاضي لهم فيما يعرض عليه من قضايا، إذ أن منهم من كان الأمير أو الخليفة يعتمد على رأيه في معالجة مشاكل الرعية وتدبير شئون الحكم، فقد كان الفقيه يحيى بن يحيى الليثي مرجعاً للقضاة، ولكنه في الوقت نفسه كان شديد الصلة بالأمير عبد الرحمن الأوسط حتى أنه غلب على رأيه "وألوى بإيثاره فصار يلزم من إعظامه وتكريمه وتنفيذ أوامره ما يلتزمه الوالد
стр. 808
لأبيه (١)، وبالإضافة إلى أن الفقيه المشاور يقوم بعمله تجاه القاضي وأحياناً الأمير أو الخليفة، فإنه يحدث في بعض الأحيان أن تسند إليه مهام جسام في الدولة، من هؤلاء: -
الفقيه حارث بن أبي سعد كان مفتياً في آخر أيام الأمير الحكم الربضي وأحد أعضاء مجلس شورى قاضي الجماعة محمد بن بشير (٢)، ومع ذلك فقد ولاه الأمير عبد الرحمن الأوسط الشرطة الصغرى، ولم يزل عليها إلى أن توفي سنة (٢٢١) هـ أو (٢٢٢) هـ (٨٣٥ م) (٣).
أبو محمد إسماعيل بن البشر التجيبي، كان أحد فقهاء الشورى في آخر أيام الأمير محمد بن عبد الرحمن الذي ولاه الصلاة (٤).
أبو عبد الله محمد بن يوسف بن مطروح كان أحد الذين تدور عليهم الفتيا أيام الأمير محمد بن عبد الرحمن الذي ولاه كذلك الصلاة (٥).
الفقيه المشاور أبو عبد الملك حسن بن عبيد الله بن محمد بن عبد الملك، المتوفى سنة (٣٣٦) هـ (٩٤٨ م) كان قاضي الجماعة ابن أبي عيسى كثيراً ما يستخلفه على الصلاة بقرطبة (٦).
стр. 809
أبو محمد موسى بن أحمد بن سعيد اليحصبي المعروف بالوتد، المتوفى سنة (٣٧٧) هـ (٩٨٧ م) كان كاتباً لقاضي الجماعة محمد بن برطال، ثم قلد الشورى، وتولى رفع كتب المظالم وأصحاب الحوائج إلى المنصور بن أبي عامر (١).
وأبو عبد الله محمد بن قاسم بن محمد الأموي، المعروف بالجالطي، قلده قاضي الجماعة ابن فطيس الشورى سنة (٣٩٥) هـ (١٠٠٥ م) وتولى الصلاة بالمسجد الجامع بالزهراء، فكان آخر خطيب قام على منبره كما ولاه الخليفة هشام المؤيد أحكام الشرطة، قتله البربر يوم دخولهم قرطبة، في جوف بيته، يوم الاثنين لست خلون من شوال سنة (٤٠٣) هـ (٢١ إبريل (١٠١٣) م) (٢).
ومن المهام التي كانت تسند أحياناً للفقيه المشاور القيام بالإصلاح بين المتشاكسين، فقد اختار الأمير محمد بن عبد الرحمن الفقيه المشاور عبد الله بن محمد بن خالد بن مرتنيل المتوفى سنة (٢٥٦) هـ (٨٧٢ م) ليذهب إلى باجه لإصلاح ما وقع بين قبيلتي مضر واليمن بسبب العصبية (٣).
стр. 810
كما كان الفقيه المشاور أبو محمد عبد الله بن محمد الصابوني الشهير بابن بركة المتوفى سنة (٣٨٧) هـ (٩٨٨ م) كثيراً ما يستعين به القضاة للإصلاح بين الناس وذلك لما امتاز به من حسن تناوله للمشاكل وصدق نيته في الإصلاح بين المتخاصمين (١).
ومن المهام التي يقوم بها الفقيه المشاور الوصاية على الأيتام، ولكن دون أن يكون ملزماً بالاستجابة للقاضي إن طلب منه القيام بهذه المهمة. يدل على ذلك أن الخليفة الحكم المستنصر عندما عاتب قاضي الجماعة منذر بن سعيد البلوطي على تقديمه لأوصياء سوء ليكونوا مسئولين عن الأيتام رد عليه القاضي بأن هذا غير مستغرب طالماً أن الفقهاء المشاورين الذين يُتوسم الخير فيهم لا يتم إلزامهم بالقوة لتولي مهام الوصية على الأيتام (٢).
وعندما نقرأ تراجم فقهاء خطة الشورى، نجد أن العلاقة بينهم لم تكن على ما يرام بصفة دائمة، بل إنها للتوتر أقرب منها إلى الصفاء، ولعل هذا ناجم عن التنافس في العلم فيما بينهم.
والنماذج على التنافر الموجود بين الفقهاء لا حصر لها، فمن ذلك نجد: أن قاضي الجماعة يحيى بن معمر الألهاني كانت علاقته بالفقيه يحيى بن يحيى الليثي وبقية فقهاء قرطبة غير طيبة لأن القاضي ابن معمر كان
стр. 811
لا يلين لهم فيما يريدون، ولا يصغي لهم فيما يحبون، لذا كانوا كلهم ضده، وكانت النتيجة عزله عن القضاء (١).
كذلك العلاقة بين الفقيهين المشاورين يحيى بن يحيى وعبد الملك بن حبيب لم تكن على ما يرام، ورغم ما كان بينهما من شحناء إلا أن ذلك لم يخرج أي منهما عن جادة الحق، حتى أن الأمير عبد الرحمن الأوسط عندما بلغه أن الفقيه يحيى بن يحيى وقاضي الجماعة إبراهيم بن العباس يتآمران على خلعه، استدعى الفقيه ابن حبيب وسأله عن حقيقة هذه القصة، فأجابه قائلاً: "قد علم الأمير مابيني وبين يحيى ولكني لا أقول عليه إلا الحق ليس يجئ من يحيى إلا ما يجيء مني، وكل ما رفع عليه فباطل (٢) ".
وكان الفقيه عبد الملك بن حبيب محسوداً من قبل بقية الفقهاء لأنه مبرز في علوم هم على غير علم بها (٣).
وفي منتصف القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي) نجد أن الفقيهين ابن المكوي والمعيطي قد جرى بينهما خلاف شديد على من يكتب اسمه أولاً على الكتاب الذي جمعا به أقوال الإمام مالك بمائة جزء وأسمياه كتاب الاستيعاب الكبير (٤).
стр. 812
وهذا الفقيه الموثق ابن العطار يُعزل عن خطة الشورى ويُسقط عن الفتيا وذلك بسبب تمالؤ الفقهاء عليه (١).
وهكذا نجد أنفسنا أمام فئة أقل ما يقال عن العلاقة بين أفرادها أنها غير ودية نوعاً ما ولذا فلا عجب عندما نرى أن أحدهم يُسجَّل عليه بالسخطة ويعزل عن منصبه، ثم إن فقهاء الشورى بعلاقاتهم تلك قد فتحوا المجال أمام رجال السلطة من حجاب ووزراء وغيرهم، بالدخول بينهم وزيادة التوتر في علاقاتهم، مما يجعل أحدهم صيداً سهلاً للحكام، حتى أن المنصور بن أبي عامر لم يحتمل أن يصحح له الفقيه ابن العطار كلمة أخطأ فيها المنصور واعتبر ذلك إهانة، فوبخه وأمر بإخراجه واستمال الكثير من الفقهاء للشهادة ضده حتى أُسقط عن رتبته (٢).
رفض منصب الشورى:
كان الفقيه المشاور ينظر إلى منصبه نظرة كلها حذر، ويكفي للدلالة على نظرته تلك ومعاناته من ذلك المنصب، ما أورده ابن بشكوال من أن شيخ أهل الشورى في زمانه الفقيه محمد بن عتاب بن محسن الجذامي، المتوفى سنة (٤٦٢) هـ (١٠٧٠ م) كان يهاب الفتوى ويخاف عاقبتها بالآخرة، وكان يقول: "من يحسدني فيها جعله الله مفتياً" وإذا
стр. 813
رُغِّب في ثوابها وغُبط بالأجر عليها يقول: "وددت أني أنجو منها كفافاً لا علي ولا ليا (١) ".
لأجل هذا نجد أن الكثير من الفقهاء يرفضون منصب "الفقيه المشاور" منهم: أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن باز، المعروف بابن القزاز، المتوفى ليلة الخميس لثمانية أيام مضين من شهر ربيع الآخر سنة (٢٧٤) هـ (أغسطس (٨٨٧) م) فقد عرض عليه الأمير محمد بن عبد الرحمن قضاء الجماعة فرفض، ثم طلب منه الأمير أن يكون أحد الداخلين عليه ليستشيره في أموره، لكنه رفض أيضاً، وعندما حاول الأمير أن يضغط عليه لقبول المشاورة أخبره الفقيه ابن باز بأنه سوف يرحل عن الأندلس إن كرر عليه هذا الطلب، فما كان من الأمير إلا أن أعرض عنه (٢).
كذلك رفض منصب الشورى الفقيه أبو عبد الله محمد بن أحمد الجبليَّ، المتوفى سنة (٣١٣) هـ (٩٢٥ م) (٣) والفقيه أبو عمر أحمد بن عبادة بن علكدة الرعيني المتوفى في شهر رجب (٣٣٢) هـ (٩٤٤ م) (٤). وفي أوائل القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي) حاول الخليفة على بن حمود بإشارة من قاضي الجماعة عبد الرحمن بن بشر المتوفى سنة (٤٢٢) هـ (١٠٣١ م) أن يقدم الفقيه عبد الرحمن بن مروان بن عبد الرحمن
стр. 814
الأنصاري المعروف بالقنازعي، المتوفى سنة (٤١٣) هـ (١٠٢٢ م) لخطة الشورى، لكنه رفض، ولم يرهب سطوة الخليفة علي بن حمود التي قدَّر القاضي ابن بشر أن الفقيه القنازعي سيداريها، ثم اعتذر عن ذلك بأنه يحتاج لطلب العلم حتى يكون مؤهلاً لهذا المنصب (١).
وكما أن هناك من رفض منصب الشورى، فإن هناك من تقلده ثم طلب الاستعفاء منه، فهذا الفقيه محمد بن عبيد الله بن الوليد المعيطي، المتوفى سنة (٣٦٧) هـ (٩٧٨ م) قد قدم للفتيا وهو في شبابه، وصارت إليه رئاسة قرطبة بالعلم والشرف والقرب من الخليفة، ولكنه سرعان ما زهد في ذلك كله وطلب الإعفاء من الفتيا وانقطع للعبادة حتى وافته المنية (٢).
ولا يتم عزل الفقيه المشاور إلا إذا طلب هو الاستعفاء، أو تمت ترقيته إلى منصب أعلى (٣)، وكما ذكرنا من قبل أن هناك ظهير يصدر عند ترقية أحد الفقهاء للشورى، فإن ظهيراً آخر يصدر عند إعلان السخطة عليه وعزله عن منصبه، وكما أن الشهادات التي من قبل الفقهاء تسجل لصالحه في المرة الأولى، فهي في الثانية تثبت ضده، كلها تجرح في عدالته وتؤكد عدم أهليته لمنصبه. ويحدث أحياناً أن ترفع قضية من القضايا للأمير أو الخليفة فيها فتاوى الفقهاء، وبعد تقليبه لها، وتدقيقه
стр. 815
فيها، يصدر حكمه على ضوئها، فربما تكون تلك الفتاوى سبباً في عزل أحد فقهاء الشورى (١).
وأما إذ كان الفقيه المشاور سيء الذكر فإن العزل مصيره، فالفقيه المشاور محمد بن يحيى بن لبابه لم يكن بالمرضي في نفسه وكان الثناء عليه من أقرانه قليلاً (٢)، ولذا فقد سجل عليه قاضي الجماعة الحبيب بن زياد سخطته، ثم رفع ذلك إلى الخليفة عبد الرحمن الناصر الذي أصدر ظهيراً بإسقاط ابن لبابه عن منزلة الشورى، وأمره بلزوم بيته وعدم إفتاء أحد (٣).
وللأمور السياسية دور في العزل عن خطة الشورى، وهذا ما فعله المنصور بن أبي عامر مع الفقيهين أصبغ بن الفرج الطائي وأبي بكر بن وافد بسبب عدم إفتائهما بجواز التجميع بمسجد الزاهرة (٤).
وقد عرفنا من قبل أنه لا يتم إسقاط الفقيه المفتي عن مرتبته إلا بشهادة الفقهاء ضده بأنه غير أهل للرتبة التي هو فيها، وعلى هذا الأساس يرفع قاضي الجماعة كتاباً للأمير أو الخليفة بهذا الخصوص، فيصدر من لدنه ظهيراً بإسقاط ذلك المفتي من مرتبته.
стр. 816
وبالرغم من أن الفقيه المشاور ابن العطار قد أُسقط عن منزلته نتيجة موقف سياسي، إلا أننا وجدنا في قصته أنموذجاً واضحاً لمشاور جُرِّد من منصبه ثم أعيد إليه.
فبعد أن سلَّط عليه الحاجب المنصور بن أبي عامر قاضي الجماعة ابن زرب وبقية الفقهاء، جاءت الشهادات ضده من جميع الفقهاء إلا القلة، وعلى ضوء ذلك تم إسقاط ابن العطار عن منزلته وأوصى إليه المنصور بأن لا يغادر منزله ومنعه من الاختلاط بالناس، وبعد وفاة القاضي ابن زرب الذي كان المنصور يستحي منه كلما أراد إعادة ابن العطار لمنصبه، أصدر المنصور أمره لصاحب الشرطة بالبحث في شأن عدالة ابن العطار فظهرت وثيقة بصلاحه وإقتدائه بالسلف واعتدال طريقته، شهد فيها ثقاتهم وعلماؤهم، ثم رفعت الوثيقة للمنصور، فجمع أهل العلم وأفتوا بسقوط السخطة عنه، فرفع المنصور الوثيقة إلى الخليفة هشام المؤيد، فأصدر ظهيراً أمر به قاضي الجماعة ابن برطال بإعادة ابن العطار إلى منصبه (١).
من هذه القصة - بغض النظر عن ملابساتها - نعرف أن ليس بالإمكان إسقاط فقيه مفتي عن منصبه إلا بإجماع أغلب شهادات الفقهاء ضده، وتُذكر الأشياء المأخوذة عليه، ثم إذا صلحت حاله وشهد الثقات بعدالته، بعد أن يبحث صاحب الشرطة في شأن حال ذلك الفقيه، يرفع
стр. 817
ذلك كله للحاجب، والذي هو بدوره يوصلها للخليفة فيصدر من قبله ظهيراً يأمر فيه قاضي الجماعة بإعادة ذلك الفقيه إلى منصبه السابق.
نماذج لبعض فقهاء الشورى:
هذه صور لبعض فقهاء الشورى، لأصحابها شخصيات خاصة بهم ميزتهم عن بقية نظرائهم، ولا يعني التميز هنا الأفضلية، بل لتخلقهم بأخلاق نأت بهم على الأقل عما عُرف عن زملائهم من سعة في العلم واتصاف بالورع والقدوة بالسلف الصالح.
فهذا الفقيه عبد الأعلى بن وهب، المتوفى سنة (٢٦١) هـ (٨٧٤ م) تأثر بكتب المعتزلة وأهل الكلام وكان يقول أن الأرواح تموت (١)، وذكر القاضي عياض أن عبد الأعلى بن وهب "كان يُزن بالقدر (٢) " وكانت نظرة الفقهاء المعاصرين له بالذات يحيى بن يحيى وعبد الملك بن حبيب وإبراهيم بن حسين بن عاصم لا تنم عن القبول (٣)، وعندما أفتى ابن وهب بعدم سفك دم ابن أخي عجب الذي تطاول على جناب الله تعالى، أرسل الأمير عبد الرحمن الأوسط فتاه حسان ليوصل رسالته لصاحب المدينة فيبلغها بدوره لابن وهب، وقد جاء في رسالة الأمير " … وأما أنت يعني
стр. 818
عبد الأعلى فكان يحيى بن يحيى يشهد عليكم بالزندقة ومن كانت هذه حالة فحري ألا يسمع فتياه (١) ".
الفقيه أبو عبد الله محمد بن غالب المعروف بابن الصفار، المتوفى سنة (٢٩٥) هـ (٩٠٨ م) كانت الفتيا دائرة عليه مع عبد الله بن يحيى ومحمد بن لبابه وأصحابهم، لكنه مالت به الدنيا فكان يتبع الهوى في فتياه ويخلط (٢).
الفقيه أبو عبد الله محمد بن وليد بن محمد، المتوفى سنة (٣٠٩) هـ (٩٢٢ م) كانت للأمير عبد الله ابن محمد عناية به، وكان طويل اللسان، كثير الملق، وكان يضع الأحاديث وينسبها للرسول ﷺ ، ويرفعها للأمير عبد الله، وقد اشتهر أمره بالكذب حتى أن خالد بن سعد كان يقول "محمد بن وليد كذاب" (٣).
الفقيه أبو محمد عبد الله بن محمد الأنصاري المعروف بابن واقزن المتوفى سنة (٣٢٠) هـ (٩٣٢ م) ذكر ابن الفرضي عن أبي أيوب سليمان بن أيوب أن ابن واقزن كان "يضرب على الخطوط في الشهادات ويدلس في العقود، شهد بذلك مرة وثانية، فأوصى إليه أسلم بن عبد العزيز القاضي أن يلزم بيته ويترك الوثائق والشهادات والفتيا، فلم يزل كذلك إلى أن توفي (٤) ".
стр. 819
الفقيه المشاور أبو بكر محمد بن إبراهيم الكتاني، المعروف بابن جيويه، المتوفى سنة (٣٢٨) هـ (٩٤٠ م) وصف بأنه كان متشبها بأهل الدنيا، خارجاً من طبقة أهل العلم (١).
الفقيه أبو الأصبع عيسى بن مكرم الغافقي المتوفى سنة (٣٣٦) هـ (٩٤٧ م) كان متصرفاً في الفتيا وعقد الشروط، وفي نفسه لم يكن بالمشهور في العلم ولا بالنافذ فيه (٢).
الفقيه أبو الأصبغ عيسى بن محمد بن إبراهيم الكتاني، المتوفى سنة (٣٧٤) هـ (٩٨٥ م) كان مشاوراً في الأحكام، فلما تولى محمد بن إسحاق بن السليم قضاء الجماعة، ترك مشاورته فقد كان أقرب في العلم إلى الأدب من الفقه والحديث، وهو أشبه بأهل الدنيا من طلبة العلم ولذا لم يؤخذ عنه لأنه لم يكن أهلاً لذلك (٣).
الفقيه موسى اليحصبي المعروف بالوتد، المتوفى سنة (٣٧٧) هـ (٩٧٨ م) يقول عنه ابن الفرضي بأنه "كان ينُسب إليه تخليط كثير شُهر به وعُرف منه (٤) ".
الفقيه أبو محمد عبد الله بن محمد الصابوني، المعروف بابن بركه، المتوفى سنة (٣٧٨) هـ (٩٨٨ م) قدمه قاضي الجماعة ابن زرب للشورى،
стр. 820
فلم يزل يستفتى مع المشاورين إلى وفاته، رغم أنه كان موصوفاً بقلة العلم (١).
الفقيه أبو العاص أمية بن أحمد بن حمزة القرشي الأموي، المتوفى سنة (٣٩٣) هـ (١٠٠٣ م) شاوره قاضي الجماعة ابن زرب، وتولى أحكام الشرطة، والذي تجدر ملاحظته أن أبا العاص كان متأخراً في علمه وعقله (٢).
أبو الوليد عبد الله بن محمد بن السليم، المتوفى سنة (٤٠٢) هـ (١٠١٢ م) قدمه الخليفة سليمان المستعين لخطة الشورى، وذلك أيام الفتنة تنويها بمكانه، رغم أنه لم يكن أهلاً لذلك (٣).
الشورى زمن الفتنة:
عندما اندلعت الفتنة وعمت قرطبة وما جاورها، تركت أثراً قويا على خطة الشورى، فهي من جهة جعلت الكثير من فقهاء الشورى يهربون من قرطبة ينشدون الأمان في بلد غيرها، وهذا لا يعني أنهم سوف يتولون الشورى في البلاد التي هربوا إليها، ذلك أن الخليفة الذي عينهم أساساً هو لا يملك من الأمر شيء، إذ أن البلاد أخذت بالتجزؤ، وأصبح لكل مقاطعة حاكم جديد، وتم تولية من هرب من قرطبة من فقهاء الشورى في وظائف قضائية وتنفيذية في الكور التي لجأوا إليها.
стр. 821
ومن جهة أخرى فإن الفتنة فتحت المجال أمام من هم ليسو أكفاء لتولي خطة الشورى، فرغبتهم في المناصب ازدادت، وأصبحت أمامهم فرصة أخذ الأموال دون تمييز طيبها من خبيثها، بل المجاهرة فيها هي ديدنهم، وازدادت أعدادهم فإذا كنا قد عرفنا أن أعلى عدد لهم هو ستة عشر فقيهاً مشاوراً، فإن عددهم في عهد الخليفة المستكفي كان أربعين رجلاً. وقد حفظ لنا ابن بسام نصاً لابن حيان يصف به حال الشورى زمن الفتنة، فبعد أن ذكر تهافت الناس بكافة فئاتهم على الخطط، قال: " … فأسهم منهم الفقهاء، فآثر العلية منهم المشاورين أصحاب الفتوى بالإرقاء إلى خطة الوزارة، .. ففتنوا بهذه الخطة وشدوا أيديهم عليها وهجروا من حطهم في خطاب عنها، معرضين بما يعاب من ذلك، إلى أن مضوا بسبيلهم، وارتقى المستكفي أيضاً بكثير ممن يحمل المحابر، ويدرس مسائل الدفاتر، ومن أصاغر الطبقة الفقهية، إلى ما بلغت عليتهم من منزلة الشورى، فوسم كافتهم بوسم الفتوى، فأسرف في ذلك، حتى بلغ عددهم بقرطبة يومئذ إلى الأربعين، وذلك مالم يعهد في الغابرين (١) ".
وأما عن حال الشورى في عهد الخليفة هشام المعتد بالله، فقد قال ابن حيان: "وزاد في رزق مشيخة الشورى من مال العين، ففرض لكل واحد خمسة عشر ديناراً مشاهرة، فقبلوا ذلك على خبث أصله، وتساهلوا في مأكل لم يستطبه فقيه قبلهم على اختلاف السلف في قبول جوائز
стр. 822
الأمراء الذين سكبوا خبائث الضرائب والمكوس القبيحة، فاستدر القوم مرية هذه الطعمة الخبيثة، وكنت أحسب فقهاء الشورى بعده أنهم يكتمون شأن ذلك الراتب حتى سمعت أبرهم يُلح في طلبه، وينتظر بلوغ وقته، فانكشف لي شأنه، والقوم أعلم بما يأتونه وهم القدوة لا جعلهم الله لنا فئة وقد حُدثتُ أن هشاماً أطعمهم من قمح ولد القاضي ابن ذكوان أيام فرَّ عنه وأخذ ماله فقبلوه قبول مال الفيء (١) ".
الفقهاء المشاورون في الكور:
كان عدد الفقهاء المشاورين في كور الأندلس أقل من نظرائهم في قرطبة، فعلى سبيل المثال نجد أن قاضي شذونه يشاور ثلاثة فقهاء سوية هم: أبو مروان حمدان بن سعدون بن بطال التميمي المتوفى سنة (٣٦٤) هـ (٩٧٥ م) (٢)، وأبو عثمان سعيد بن يوسف الخولاني، المعروف بابن البيضاء (٣)، المتوفى آخر سنة (٣٦٥) هـ (٩٧٦ م) (٤) وأبو عثمان سعيد بن مرشد العكي كان مشاوراً في الأحكام مع أصحابه، ثم رحل حاجاً وعند عودته توفي بمصر سنة (٣٧٣) هـ (٩٨٤ م) (٥).
стр. 823
وقد حفظت لنا المصادر أسماء من كان في الكور من فقهاء مشاورين، منهم: الفقيه حفص بن عمر، المتوفى سنة (٢٨٨) هـ (٩٠١ م) من أهل وادي الحجارة، كان مفتياً ببلده (١).
الفقيه أبو عبد الله محمد بن سليمان بن محمد بن تليد المعافري، المتوفى سنة (٢٩٥) هـ (٩٠٨ م) من أهل وشقه، كان مفتي موضعه وإليه كانت الرحلة في وقته، وكان شديد العصبية للمولدين (٢)، كما كان "رأس فقهاء الثغر، المتقدم فيهم، يقر له بذلك الجميع ويقفون عند أمره ولا يعدون فتياه (٣) ".
الفقيه أبو إبراهيم إسحاق بن إبراهيم بن عيسى المرادي، من أهل استجة، وكان له ببلده قدر عظيم في الفتيا والرئاسة، ثم انتقل إلى قرطبة حيث توفي بها أواخر أيام الأمير عبد الله بن محمد (٤).
الفقيه أبو علي حسن بن شرحبيل، من أهل بطليوس، كان فقيهاً عالماً في موضعه، وكان مدار الفتيا عليه في وقته إلى أن توفي أخر أيام الأمير عبد الله بن محمد (٥).
стр. 824
الفقيه عبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم، من أهل طليطلة، كان صاحب فتيا ببلده، توفي قريباً من سنة (٣٠٠) هـ (٩١٢ م) (١).
الفقيه محمد بن سعيد بن حكم، من أهل بجانة، تولى الإفتاء بها حتى وفاته سنة (٣٠٣) هـ (٩١٥ م) (٢).
الفقيه أبو وهب حزم بن الأحمر، تولى الإفتاء ببلده بطليوس حتى وفاته سنة (٣٠٥) هـ (٩١٧ م) (٣).
الفقيه محمد بن ميمون، تولى الإفتاء ببلده طليطلة حتى وفاته سنة (٣٠٥) هـ (٩١٧ م) (٤) الفقيه محمد بن عبد الله بن محمد بن بدرن الحضرمي، تولى الإفتاء ببلده الجزيرة حتى وفاته سنة (٣١١) هـ (٩٢٣ م) (٥).
الفقيه نابغة بن إبراهيم بن عبد الواحد المتوفى سنة (٣١٣) هـ (٩٢٥ م) من أهل إلبيرة من قلعة يحصب، كان متصرفاً في الفتيا وعقد الشروط (٦).
стр. 825
الفقيه سعدان بن إبراهيم بن عبد الوارث، يعرف بابن الجرز، من أهل رية، ومن ساكني أرجذونه، كان حافظاً للمسائل مفتياً بموضعه إلى أن توفي سنة (٣١٦) هـ (٩٢٨ م) (١) الفقيه محمد بن أحمد بن حزم بن تمام، المتوفى قريباً من سنة (٣٢٠) هـ (٩٣٢ م) من أهل طليطلة، كان مفتيا فيها (٢).
الفقيه عثمان بن محمد بن أحمد بن مدرك، من أهل قبره، كان معتنياً بالعلم، حافظاً للمسائل، عاقداً للشروط، تولى الإفتاء ببلده حتى وفاته سنة (٣٢٠) هـ (٩٣٢ م) (٣).
الفقيه عمر بن عبد الخالق من أهل الجزيرة، تولى الإفتاء بها حتى وفاته سنة (٣٢٠) هـ (٩٣٢ م) (٤).
الفقيه أبو الحسن علي بن عبد الله بن أبي شيبه الكلابي المتوفى سنة (٣٢٥) هـ (٩٣٧ م) من أهل اشبيلية، كان مشاوراً في الأحكام مع نظرائه، كما أنه كان بصيراً بالفتيا، لكنه كان مشهوراً بالكذب (٥).
стр. 826
الفقيه سعدان بن معاوية المتوفى سنة (٣٢٧) هـ (٩٣٩ م) انتقل من بلده قرطبة وسكن إقليم القصب فكان مفتي أهل ذلك الموضع وعاقد شروطهم (١).
الفقيه جحاف بن يمن، المتوفى سنة (٣٢٧) هـ (٩٣٩ م) من أهل بلنسية، وعليه كان مدار الفتيا ببلده (٢).
الفقيه محمد بن إبراهيم بن إسحاق، المتوفى سنة (٣٢٨) هـ (٩٤٠ م) كان فقيه حاضرة باجه وصاحب فتياهم نحواً من ثلاثين سنة (٣).
الفقيه أبو المطرف عريف مولى ليث بن فضيل، المتوفى سنة (٣٢٨) هـ (٩٤٠ م) من أهل لورقه كان ضابطاً للفقه، بصيراً بالفتيا، جامعاً للعلم، بلغ مبلغ السؤدد في موضعه وكان معوّل أهل لورقه في وقته عليه (٤).
الفقيه أبو رزين هشام بن محمد بن أبي رزين، من أهل شذونه، كان حافظاً للمسائل، مفتي أهل شذونه وما والاها، وكان يرحل إليه للسماع منه، كان معظماً في موضعه حتى أدركته الوفاة بحاضرة شريش سنة (٣٣٦) هـ (٩٤٧ م) (٥).
стр. 827
الفقيه أبو القاسم عيسى بن خلف الخولاني، المتوفى سنة (٣٤٢) هـ (٩٥٣ م) من أهل اشبيلية، كان حافظاً للمسائل، عالماً بها، مقدماً في الفتيا بموضعه (١).
الفقيه أبو سعيد فرج بن سلمة بن زهير البلوي، المتوفى سنة (٣٤٥) هـ (٩٥٦ م) أصله من باجه، وانتقل إلى فحص البلوط، كان حافظاً للرأي على مذهب مالك، عاقداً للشروط، مشاوراً في الأحكام (٢).
الفقيه أبو عثمان سعيد بن أحمد بن رمح الخولاني، المتوفى بعد سنة (٣٥٠) هـ (٩٦١ م) من أهل شذونه، كان معتنياً في موضعه مقدماً في الشورى ببلده (٣).
الفقيه محمد بن حصين، المتوفى سنة (٣٥١) هـ (٩٦٢ م) من أهل بلنسية كان عالماً فقيهاً نبيهاً نبيلاً حاد الفهم، وعليه وعلى أبي جعفر جحاف بن يمن كان مدار الفتيا في وقتهما ببلنسيه (٤).
الفقيه أبو عبيد قاسم بن خلف بن فتح بن عبد الله، المتوفى سنة (٣٧١) هـ (٩٨١ م) يعرف بالجبيري، أصله من طرطوشه، كان فقيهاً
стр. 828
عالماً، حسن النظر. وقد عهد الخليفة الحكم المستنصر إلى الحكام بمشاورته، فكان صدراً في أهل الشورى (١).
الفقيه أبو محمد عبد الله بن محمد الحارث بن منتيل، المتوفى سنة (٣٧٩) هـ (٩٨٩ م) كان صدراً فيمن يستفتى ببلده استجه (٢).
الفقيه أبو الأصبغ عيسى بن أبي العلاء، من أهل تدمير، تولى الفتيا في موضعه حتى توفي سنة (٣٩١) هـ (١٠٠١ م) (٣).
الفقيه أبو محمد قاسم بن حامد الأموي، من أهل ريه، كان مدار الفتيا ببلده عليه وعلى صاحبه محمد بن عوف (٤).
الفقيه مهدي بن عمر الجذامي، من أهل استجه، تولى الفتيا ببلده، ثم رحل أيام الفتنة إلى قرطبة فتوفي بها (٥).
стр. 829
خطة السوق "الحسبة"
عُرفت هذه الخطة في المشرق باسم "الحسبة" (١) لكنها في الأندلس كانت تعرف باسم: خطة السوق ويطلق على من يتولاها: صاحب السوق، وهذا هو الاسم الذي استخدمه القاضي ابن سهل عند تعديده للخطط التي من حق أصحابها إصدار الأحكام (٢).
ولعل الأندلسيين استخدموا مصطلح "صاحب السوق" دون "الحسبة" ربما لكون عمل صاحب السوق كان أكثره متعلق بالأسواق و ما يجري فيها، فمن ذلك قد يكون اكتسب التسمية.
إلا أن الأندلسيين لم يتمادوا في استخدام هذا المصطلح، إذ ما إن حل القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي) حتى أصبح استخدام مصطلح "المحتسب" شائعاً في الأندلس (٣).
لأجل ذلك آثرت استخدام مصطلح "خطة السوق" لأنه هو السائد في الأندلس طيلة فترة الدراسة.
وتجمع المصادر على ما لهذه الخطة من أهمية، وذلك لارتباطها الوثيق بخطط القضاء والشرطة والمظالم.
стр. 830
فالماوردي يرى أنها "واسطة بين أحكام القضاء وأحكام المظالم (١) " وقد وافقه السقطي على ذلك (٢)، بينما يرى المجيلدي أنها "بين خطة القضاء وخطة الشرطة جامعة بين نظر شرعي ديني وزجر سياسي سلطاني (٣) ".
فهي تهدف إلى العناية بكل ما يكفل السعادة للإنسان من أبواب الدين والدنيا (٤)، ولأجل هذا كان لابد من وجود سمات معينة، يتحلى بها من يلي هذه الخطة، إذ ينبغي أن يكون فقيهاً نزيه النفس، عالي الهمة، ظاهر العدالة، معروفاً بالأناة والحلم، يقظاً، حاد الفهم، بحيث لا ترتجى لشدة يقظته غفلته، ولا تؤمن على ذي منكر سطوته (٥)، خبيراً بأحوال المجتمع وسياسة أفراده، لا يستفزه مطمع، قوي الشخصية بحيث لايجرؤ أحد على الاستهانة به، وفي الوقت نفسه لا تأخذه في الله لومة لائم (٦).
стр. 831
وبالجملة فإن الصفات التي يجب أن يتحلى بها صاحب السوق، هي نفسها التي يجب أن يكون عليها أصحاب الخطط الدينية لأن الأمر مرتبط بأمور شرعية لها وضع خاص.
ويتم تعيين صاحب السوق من قبل الأمير أو الخليفة الأموي، وذلك بعد استشارة قاضي الجماعة بالنسبة لمن يلي السوق بقرطبة، وقضاة الكور لمن يلي الأسواق بها (١).
وأما ابن عبد ون فيرى أن القاضي هو الذي يعين صاحب السوق، شريطة أن يستشير ولي الأمر، وعلل ذلك بقوله: "لتكون للقاضي حجة عليه إن أراد أن يعزله أو يبقيه (٢) ".
ويتسلم صاحب السوق مرتبه الشهري، من بيت المال، ورغم أن المصادر لم توضح مقدار هذا المرتب، إلا أنه لابد أن يكون قد روعي فيه أن يكفي حاجته (٣).
وقد ذكر ابن سعيد أثناء حديثه عن عبد الرحمن الأوسط أنه هو الذي ميَّز ولاية السوق عن غيرها من الخطط، وجعل رزق صاحبها ثلاثين ديناراً في كل شهر (٤).
стр. 832
ونظراً لكون أحوال الناس في المجتمع الإسلامي، لا تضبط إلا من خلال أمور الدين، لأجل هذا، نرى اهتماماً كبيراً من بني أمية في الأندلس، بأمر السوق ومن يتولاه، و يتضح هذا الاهتمام بصورة مجملة من خلال بعض الأحداث التي ذكرتها كتب التراجم.
فقد ذكر ابن الفرضي أن العباس بن قرعوس الثقفي كان يلي السوق بقرطبة، في عهد الأمير الحكم الربضي، وقد عُرف العباس بالشدة وأنه لا تأخذه في الله لومة لائم، فقد التقى في أحد الأيام أثناء خروجه من قرطبة، برسول لسعيد الخير الكبير وهو يحمل وعاءً فيه شراب، فنظر إليه العباس، وأمر بأخذه، فأخبر الرسول بأن مولاه عند الأمير، وأنه أمره بإحضاره، فما كان من العباس إلا أن أمر بكسر الإناء و إهراق ما فيه، ثم ضرب الرسول ضرباً موجعاً، فلما علم سعيد الخير بأمر رسوله، أنهى الخبر للأمير، وحرضه ضد العباس، لكن الأمير لم يلتفت لقول سعيد، بل خاطبه قائلاً: "هذا قوة لملكنا، ألا استتر رسولك؟ (١) ".
وهذا الفقيه محمد بن خالد بن مرتنيل، المعروف بالأشج، المتوفى سنة (٢٢٤) هـ (٨٣٩ م) تولى عدة خطط في عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط، من بينها السوق، وقد كان صلباً لا تأخذه في الله لومة لائم، كان لا يهاب أحداً من جلاس الأمير، وكان ينفذ عليهم من الحقوق ما ينفذه على السوقة والعوام، وقد ضرب رجلاً من أصحاب الأمير يعرف
стр. 833
بالتمار أصاب منكراً، أربعمائة سوطاً ثم حبسه، فضج فيه أصحاب الأمير وأكثروا عليه عنده، وزينوا له عزله، لكنه أبى واكتفى بان أمرهم بالتحفظ منه، وحدث أن عزله الأمير عشية، لكنه رده صباحاً لما رأى من سداده (١).
وعندما حدثت المجاعة الشديدة في عهد الأمير محمد بن عبد الرحمن، وحاول بعض الأشرار الاستفادة من هذا الظرف الطارئ لمصلحتهم، على حساب أمن الآخرين وحرياتهم، وعندما كثرت الشكاوى من ذلك، لجأ الأمير محمد للقضاء على ذلك العبث، إلى تولية إبراهيم بن حسين بن عاصم، المتوفى سنة (٢٥٦) هـ (٨٧٠ م) خطة السوق، ومنحه صلاحيات واسعة، بحيث أذن له بالتنفيذ في القطع والصلب بلا مؤامرة منه ولا استئذان (٢).
وفي عهد الأمير عبد الله بن محمد: ٢٧٥ - (٣٠٠) هـ (٨٨٨ - (٩١٢)) كان سعيد بن محمد السليم يلي خطة السوق، فظهرت منه صرامة في عمله أكسبته مهابة، لما فعله بأحد غلمان المطرف بن الأمير عبد الله، فقد تطاول ذلك الغلام على ابن السليم وهو في مجلس نظره بوسط السوق، فما كان من ابن السليم إلا أن أمر أعوانه بإحضار الغلام عنده، فشق أثوابه، وضربه مائتي سوط، وأرسل به إلى السجن، وخاطب من وقته
стр. 834
الأمير عبد الله بخبره بما جرى، فما كان من الأمير إلا أن صوَّب فعله واستحسنه، وأدرك عظم كفاءته، ولذا فبعد مدة يسيرة، رفعه إلى الوزارة ثم ولاه الحجابة (١).
وصاحب السوق لا يستطيع أن يقوم بكل شيء بمفرده، فهناك أعوان له يساعدونه في أداء مهامه، وهو بدوره يقوم بمراقبتهم، ويتفقدهم دائماً، فلا يجعل لأحد شغلاً معيناً كوزن الخبز على الخبازين وغيره، لأن ذلك مدعاة لرشوته، كما يجب على صاحب السوق ألا يخبر أعوانه عن وجهته لأمر من أمور الخطة، إذ ربما حدث تواطؤ من أحدهم مع أحد أصحاب المهن، فيرسل إليه يعلمه بمقدم صاحب السوق، فيغير كل فاسد لديه، وبذلك لا يمكن إقامة الحجة عليه، ويتولى صاحب السوق بنفسه إعدام الشيء الفاسد (٢).
ولصاحب السوق مجلس في وسط السوق، يجري فيه أحكامه (٣) فإذا أراد التجول في الأسواق، نهض ومعه أعوانه، وفي يد أحدهم ميزان، يزن به الخبز، لأنه معلوم الوزن لديهم، كما أن اللحم موضح عليه سعره من خلال ورقة تلصق به، لذا لا يمكن التدليس على أحد بقيمتها، لأن الكل يخشى من صاحب السوق الذي كان يعمد إلى إرسال صبي صغير أو جارية فتشتري إما خبزاً أو لحماً، فيزنه بميزانه، فإن وجده ناقصاً، علم أنه
стр. 835
غشاش، فيعاقبه بالضرب والتجريس في الأسواق، فإن لم يتب نفاه من البلد (١).
وتحدثنا كتب التراجم الأندلسية، عن مهام صاحب السوق، فهو بالإضافة إلى مراقبته للأسواق، وما يجري فيها من عمليات البيع والشراء، يقوم بمعاقبة من يشهد زوراً، فقد ذكر القاضي عياض أن إبراهيم بن حسين خالد بن مرتنيل، المتوفى سنة (٢٤٩) هـ (٨٦٣ م) "ضرب شاهد زور عند باب الجامع أربعين سوطاً وحلق لحيته وسخَّم وجهه (٢) ".
كما يتولى صاحب السوق، أمر من يأتي بشيء من الأمور الدينية غير معروف في البلد، مثلما جرى في عهد الأمير محمد بن عبد الرحمن عندما قام صاحب السوق أبو عبد الله محمد بن الحارث بن أبي سعيد القرطبي، المتوفى سنة (٢٦٠) هـ (٨٧٤ م) باستدعاء الفقيه محمد بن عبد السلام الخشني، المتوفى سنة (٢٨٦) هـ (٨٩٩ م) بعد عودته من المشرق، وذلك عندما بلغه أنه يقول إن في القرآن ناسخاً ومنسوخاً (٣).
ومن بين المهام التي يضطلع بها صاحب السوق، الإشراف على توسعة الشوارع الضيقة، وبالذات ما يمكن أن يطلق عليها الشوارع التجارية، فقد ذكر ابن حيان أنه يوم السبت لثمان خلون من جمادى
стр. 836
الأولى سنة (٣٦١) هـ (فبراير (٩٧٢) م) أصدر الخليفة الحكم المستنصر بالله أمره لصاحب الشرطة والسوق أحمد بن نصر "بتوسيع المحجة العظمى بسوق قرطبة؛ لضيقها عن مخترق الناس وازدحامهم فيها، وهدّ الحوانيت المتحيّفة لعرضها، المضيقة لسبيلها، كيما ينفسح الطريق ولا يضيق بالواردين والصادرين (١) ".
وقد تولى السوق بقرطبة عدد من الأعلام الأندلسيين، منهم:
العباس بن أبي قرعوس بن عبيد الثقفي، تولى السوق في عهد الأمير الحكم الربضي، وقد كان معروفاً بالشدة والقسوة على أهل الريب، حتى أنه كان يضربهم ضرباً شديداً، الأمر الذي أقلق ابنه قرعوس، فسأل الإمام مالك عن الضرب الذي كان والده يضربه للناس فأجابه الإمام بقوله: "إن كان فعل هذا غضباً لله وذباً عن محارمه فأرجو أن يكون خفيفاً (٢) ".
وقد ورث الفقيه قرعوس بن العباس خطة السوق عن أبيه وسلك سبيله في التشدد على أهل الريب (٣)، وكان ممن اتُهم بأمر هيج الربض سنة (٢٠٢) هـ (٨١٨ م) فوقاه الله شر سطوة الأمير الربضي، وقد توفي قرعوس سنة (٢٢٠) هـ (٨٣٥ م) في عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط (٤).
стр. 837
الفقيه محمد بن مرتنيل، المعروف بالأشج، المتوفى سنة (٢٢٤) هـ (٨٣٩ م) ولي السوق بقرطبة، وكان صلباً في أحكامه، ورعاً فاضلاً لا تأخذه في الله لومة لائم (١).
الفقيه أبو إسحاق إبراهيم بن حسين بن خالد بن مرتنيل، المتوفى في شهر رمضان سنة (٢٤٩) هـ (٢) (أكتوبر (٨٦٣) م) كان يلي السوق بقرطبة سنة (٢٣٢) هـ (٨٤٧ م) وفي ذلك الوقت هدم ابن مرتنيل حوانيت بني قتيبة، مخالفاً في ذلك علماء عصره، فتظاهروا عليه، وأبانوا خطأه، وأيد قاضي الجماعة معاذ بن عثمان الشعباني رأيهم وفسخ حكم ابن مرتنيل (٣).
الفقيه أبو الوليد حسين بن عاصم بن كعب الثقفي، تولى السوق بقرطبة في عهد الأمير محمد بن عبد الرحمن، وقد اتصف بالشدة على أهل الريب فكان يضرب ضرباً شديداً (٤).
الفقيه أبو إسحاق إبراهيم بن حسين بن عاصم، المتوفى شهر رجب سنة (٢٥٦) هـ (٥) (يونيو (٨٧٠) م) ورث خطة السوق عن والده في أيام الأمير محمد بن عبد الرحمن وقد عهد إليه الأمير بالتحفظ، وأذن له
стр. 838
بالعقوبات بلا مؤامرة ولا استئذان، فبلغ من الشدة مبلغاً حاد فيه عن سنن القضاء (١).
أبو عبد الله محمد بن الحارث بن أبي سعيد، أقره الأمير محمد بن عبد الرحمن على الشرطة، وولاه السوق، فلم يزل في منصبه حتى توفي سنة (٢٦٠) هـ (٢) (٧٨٤ م)، وقد كان ابن الحارث أشد الثلاثة القائمين على الفقيه بقي بن مخلد، المتوفى سنة (٢٧٦) هـ (٨٨٩ م) والفقيه محمد بن عبد السلام الخشني، المتوفى سنة (٢٨٦) هـ (٨٩٩ م) وذلك بعد عودتهما من المشرق، وقد عُرف ابن الحارث بقلة الفقه (٣)، و بالأفن والجهالة (٤).
عبد الله بن حسين بن عاصم الثقفي، تصرف للأمير محمد في خطط عدة، منها خطة السوق، وقد كان "عسوفاً فيها متمرداً على الغاشين من التجار والصناع له في ذلك أخبار معروفة (٥) ".
وممن تولى خطة السوق في عهد الأمير محمد بن عبد الرحمن أحد رجال البربر، يدعى سليمان بن محمد بن أصبغ بن وانسوس، كان من
стр. 839
الأدباء والأشراف وقد عزله الأمير محمد عن السوق بسبب كلمة بدرت منه استهجنها الأمير وعابها عليه فعزله (١).
ومن الذين تولوا خطة السوق في عهد الأمير عبد الله بن محمد الفقيه المشاور أبو صالح أيوب بن سليمان المعافري، المتوفى يوم الخميس لسبع بقين من شهر المحرم سنة (٢٠٣) هـ (٢) (أغسطس (٩١٤) م).
وقد ذكر القاضي عياض أن أبا صالح المعافري تولى السوق "ضرورة وحمية وذلك لذلة نالته من بعض العامة، وقيل بسبب فران رفضه (٣) " وقد عزل عن السوق كراهية من أهلها كما يقول ابن الفرضي (٤) لكن هذا القول لا يمكن الاطمئنان إليه متى ما عرفنا أن أبا صالح، كان جواداً سمحاً على قلة ماله، حسن الأخلاق والمعاشرة (٥) " فمن كانت هذه صفاته، كيف يكون مكروهاً من الآخرين؟ لكن لعل سبب العزل ما ذكره الخشني من أن أبا صالح صاحب السوق "كان له ختن جعل إليه شيئاً من أمور السوق، فكان ذلك سبب عزله (٦) ".
стр. 840
وذكر ابن عذاري أنه في سنة (٢٩٥) هـ (٩٠٨ م) توفي محمد بن يحيى بن أبي غسان صاحب السوق، وتولى الخطة بدلاً منه يحيى بن سعيد بن غسان (١).
ولعل سعيد بن محمد السليم هو أشهر من تولى السوق في عهد الأمير عبد الله، والسبب في شهرته يعود إلى فعلته بغلام المطرف بن الأمير عبد الله مما أهله للوزارة ومن ثم الحجابة (٢).
وفي شهر ربيع الآخر من سنة (٣٠١) هـ (نوفمبر (٩١٣) م) أصدر الأمير عبد الرحمن بن محمد أوامره بعزل عمر بن أحمد بن فرج، المتوفى سنة (٣٠٥) هـ (٣) (٩١٧ م) عن خطة السوق، وجعل مكانه محمد بن عبد الله الخروبي (٤)، لكنه لم يلبث إلا أقل من سنة، ثم تولى السوق بدلاً منه أحمد بن حبيب بن بهلول، وذلك سنة (٣٠٢) هـ (٥)(٩١٤).
ويبدو أن ابن بهلول قد استمر في ولاية السوق فترة طويلة، وهو أمر يخالف ما عُرف عن سياسة الأمير عبد الرحمن بن محمد "الناصر" القائمة على عدم بقاء أحد من رجاله في منصبه أكثر من سنة أو سنتين، وقد ظل ابن بهلول في ولاية السوق حتى شهر شوال من سنة (٣١٣) هـ (يناير
стр. 841
٩٢٦ م) حيث أصيب بعلة أبطلت حركته، فتولى السوق بدلاً منه يحيى بن يونس القبري (١).
وهناك خطة أخرى موازنة لخطة السوق، وهي خطة تغيير المنكر، وقد ظهرت هذه الخطة في سنة (٣٢٦) هـ (٩٣٨ م) وهي السنة التي عُزل فيها حسين بن أحمد بن عاصم عن خطة السوق، وقدم إلى خطة تغيير المنكر (٢).
وقد انحصر وجود خطة تغيير المنكر، في قرطبة فقط، دون بقية كور الأندلس، والسبب في إنشائها يعود إلى حرص الدولة الأموية، بقيادة الخليفة عبد الرحمن الناصر إلى الوقوف في وجه المد الباطني القادم بقوة من الشمال الأفريقي (٣)، بدعم شديد من العبيديين الذين حاولوا التسلل إلى الأندلس من خلال زحف أفكارهم الباطنية في الوسط الاجتماعي هناك.
وعندما تسلط الحاجب المنصور بن أبي عامر على الخليفة هشام المؤيد، جعل على ولاية السوق وقضاء جيان، أبا المطرف عبد الرحمن بن محمد بن أحمد الرعيني، المعروف بابن المشاط، المتوفى في شهر جمادى الآخرة من سنة (٣٩٧) هـ (٤) (مارس (١٠٠٧) م).
стр. 842
والملاحظ أن هناك تقارباً شديداً بين خطتي السوق والشرطة، إذ أن كلاً منهما ذات اتصال وثيق الجماهير، وعليهما تقع مسئولية حفظ الأمن والنظام، ومن أجل تحقيق التكامل بين هذين الجهازين يحدث أحياناً الجمع بينهما في يد موظف واحد.
فقد كان محمد بن الحارث المتوفى سنة (٢٦٠) هـ (٨٧٤) يلي الشرطة والسوق للأمير محمد بن عبد الرحمن (١)، كما كان أحمد بن يونس الجذامي، المعروف بالحراني، يلي خطتي الشرطة والسوق للخليفة هشام المؤيد بالله (٢).
وآخر من جمع هاتين الخطتين محمد بن محمد بن إبراهيم القيسي، المتوفى لثلاث عشر ليلة خلت من شهر المحرم سنة (٣٤٢) هـ (١٠٤٠ م) فقد كان يلي الشرطة والسوق بقرطبة في عهد الخليفة هشام المعتد بالله، وكان القيسي معروفاً بالصرامة في أحكامه (٣).
وهناك وظيفة نشأت داخل ولاية السوق، وهي وظيفة الإفتاء في السوق، وقد نشأت هذه الوظيفة منذ عصر الإمارة (٤)، فقد كان الفقيه القرطبي علي بن محمد العطار، المتوفى في شهر ربيع الأول سنة (٣٠٦) هـ
стр. 843
(أغسطس (٩١٨) م) يلي منصب المفتي في السوق، وذلك في عهد الأمير عبد الله بن محمد (١).
وفي عصر الخلافة كان الفقيه أبو عبد الله محمد الحداد، فضيل بن هذيل، يتولى الفتيا في السوق وقد استشهد الحداد في موقعة الخندق، وذلك يوم الجمعة لعشر بقين من شهر شوال سنة (٣٢٧) هـ (٢) (يوليو (٩٣٩) م).
يوسف بن سمؤال، كان مفتياً في السوق بقرطبة، توفي في القرن الرابع الهجري (٣).
الفقيه أبو عمر أحمد بن هلال بن زيد العطار، كان مفتياً في السوق بقرطبة، توفي في أواخر شهر صفر سنة (٣٦٤) هـ (٤) (نوفمبر (٩٧٤) م).
стр. 844
خطة الشرطة
يقول ابن سعيد الأندلسي: "وأما خطة الشرطة (١) بالأندلس فإنها مضبوطة إلى الآن، معروفة بهذه السمة، ويعرف صاحبها في ألسن العامة بصاحبة المدينة وصاحب الليل (٢) ".
وعندما تحدث ابن خلدون عن "الشرطة" ذكر أن صاحبها يعرف بالأندلس بـ"صاحب المدينة (٣) ".
من هذين النصين يتبادر إلى الذهن بأن صاحب الشرطة هو صاحب المدينة، أو أن امتزاجاً حصل بين المنصبين لدرجة أنه يصعب الفصل بينهما، وهذا ما وقع فيه البعض (٤)، لكن الحقيقة خلاف ذلك، فالمدينة لها موظف خاص كما هو الحال بالنسبة للشرطة، ويكفي للدلالة على ذلك أن القاضي ابن سهل الأندلسي، المتوفى سنة (٤٨٦) هـ (١٠٩٣ م) ذكر أن
стр. 845
هناك خططاً ستاً تجري على يد أصحابها الأحكام وهي: القضاء والشرطة والمظالم والرد والمدينة والسوق (١) ففصل بذلك خطتي الشرطة والمدينة، ولاشك أن ابن سهل أدرى بأخبار الأندلس من ابن سعيد وابن خلدون.
وعندما نستعرض كتابات المؤرخ ابن حيان عن الاحتفالات التي تقام بمناسبة الأعياد أو الزيارات الدبلوماسية، نجد ان صاحب الشرطة يأتي في الترتيب بالجلوس بعد صاحب المدينة (٢).
ومن هنا ندرك أن للشرطة في الأندلس جهازاً قائماً بذاته، كما أن الشرطة بأقسامها وصلاحيات أصحابها تعطي دلالة على ضخامتها وكثرة عدد أفرادها.
ويعرف من يلي خطة الشرطة في الأندلس بصاحب الشرطة أو والي الشرطة أو الشرطة، أو صاحب الأحكام (٣).
ويأتي تعيينه عن طريق الأمير (٤) أو الخليفة (٥)، ويصدر في هذه المناسبة سجل يحوي أمر التعيين (٦).