← История

История · id 7331

نظم حكم الأمويين ورسومهم في الأندلس

سالم بن عبد الله الخلف

Полный текст (939 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

٩٢٦ م) حيث أصيب بعلة أبطلت حركته، فتولى السوق بدلاً منه يحيى بن يونس القبري (١). وهناك خطة أخرى موازنة لخطة السوق، وهي خطة تغيير المنكر، وقد ظهرت هذه الخطة في سنة (٣٢٦) هـ (٩٣٨ م) وهي السنة التي عُزل فيها حسين بن أحمد بن عاصم عن خطة السوق، وقدم إلى خطة تغيير المنكر (٢). وقد انحصر وجود خطة تغيير المنكر، في قرطبة فقط، دون بقية كور الأندلس، والسبب في إنشائها يعود إلى حرص الدولة الأموية، بقيادة الخليفة عبد الرحمن الناصر إلى الوقوف في وجه المد الباطني القادم بقوة من الشمال الأفريقي (٣)، بدعم شديد من العبيديين الذين حاولوا التسلل إلى الأندلس من خلال زحف أفكارهم الباطنية في الوسط الاجتماعي هناك. وعندما تسلط الحاجب المنصور بن أبي عامر على الخليفة هشام المؤيد، جعل على ولاية السوق وقضاء جيان، أبا المطرف عبد الرحمن بن محمد بن أحمد الرعيني، المعروف بابن المشاط، المتوفى في شهر جمادى الآخرة من سنة (٣٩٧) هـ (٤) (مارس (١٠٠٧) م).

стр. 842

والملاحظ أن هناك تقارباً شديداً بين خطتي السوق والشرطة، إذ أن كلاً منهما ذات اتصال وثيق الجماهير، وعليهما تقع مسئولية حفظ الأمن والنظام، ومن أجل تحقيق التكامل بين هذين الجهازين يحدث أحياناً الجمع بينهما في يد موظف واحد. فقد كان محمد بن الحارث المتوفى سنة (٢٦٠) هـ (٨٧٤) يلي الشرطة والسوق للأمير محمد بن عبد الرحمن (١)، كما كان أحمد بن يونس الجذامي، المعروف بالحراني، يلي خطتي الشرطة والسوق للخليفة هشام المؤيد بالله (٢). وآخر من جمع هاتين الخطتين محمد بن محمد بن إبراهيم القيسي، المتوفى لثلاث عشر ليلة خلت من شهر المحرم سنة (٣٤٢) هـ (١٠٤٠ م) فقد كان يلي الشرطة والسوق بقرطبة في عهد الخليفة هشام المعتد بالله، وكان القيسي معروفاً بالصرامة في أحكامه (٣). وهناك وظيفة نشأت داخل ولاية السوق، وهي وظيفة الإفتاء في السوق، وقد نشأت هذه الوظيفة منذ عصر الإمارة (٤)، فقد كان الفقيه القرطبي علي بن محمد العطار، المتوفى في شهر ربيع الأول سنة (٣٠٦) هـ

стр. 843

(أغسطس (٩١٨) م) يلي منصب المفتي في السوق، وذلك في عهد الأمير عبد الله بن محمد (١). وفي عصر الخلافة كان الفقيه أبو عبد الله محمد الحداد، فضيل بن هذيل، يتولى الفتيا في السوق وقد استشهد الحداد في موقعة الخندق، وذلك يوم الجمعة لعشر بقين من شهر شوال سنة (٣٢٧) هـ (٢) (يوليو (٩٣٩) م). يوسف بن سمؤال، كان مفتياً في السوق بقرطبة، توفي في القرن الرابع الهجري (٣). الفقيه أبو عمر أحمد بن هلال بن زيد العطار، كان مفتياً في السوق بقرطبة، توفي في أواخر شهر صفر سنة (٣٦٤) هـ (٤) (نوفمبر (٩٧٤) م).

стр. 844

خطة الشرطة يقول ابن سعيد الأندلسي: "وأما خطة الشرطة (١) بالأندلس فإنها مضبوطة إلى الآن، معروفة بهذه السمة، ويعرف صاحبها في ألسن العامة بصاحبة المدينة وصاحب الليل (٢) ". وعندما تحدث ابن خلدون عن "الشرطة" ذكر أن صاحبها يعرف بالأندلس بـ"صاحب المدينة (٣) ". من هذين النصين يتبادر إلى الذهن بأن صاحب الشرطة هو صاحب المدينة، أو أن امتزاجاً حصل بين المنصبين لدرجة أنه يصعب الفصل بينهما، وهذا ما وقع فيه البعض (٤)، لكن الحقيقة خلاف ذلك، فالمدينة لها موظف خاص كما هو الحال بالنسبة للشرطة، ويكفي للدلالة على ذلك أن القاضي ابن سهل الأندلسي، المتوفى سنة (٤٨٦) هـ (١٠٩٣ م) ذكر أن

стр. 845

هناك خططاً ستاً تجري على يد أصحابها الأحكام وهي: القضاء والشرطة والمظالم والرد والمدينة والسوق (١) ففصل بذلك خطتي الشرطة والمدينة، ولاشك أن ابن سهل أدرى بأخبار الأندلس من ابن سعيد وابن خلدون. وعندما نستعرض كتابات المؤرخ ابن حيان عن الاحتفالات التي تقام بمناسبة الأعياد أو الزيارات الدبلوماسية، نجد ان صاحب الشرطة يأتي في الترتيب بالجلوس بعد صاحب المدينة (٢). ومن هنا ندرك أن للشرطة في الأندلس جهازاً قائماً بذاته، كما أن الشرطة بأقسامها وصلاحيات أصحابها تعطي دلالة على ضخامتها وكثرة عدد أفرادها. ويعرف من يلي خطة الشرطة في الأندلس بصاحب الشرطة أو والي الشرطة أو الشرطة، أو صاحب الأحكام (٣). ويأتي تعيينه عن طريق الأمير (٤) أو الخليفة (٥)، ويصدر في هذه المناسبة سجل يحوي أمر التعيين (٦).

стр. 846

وأول من تولى الشرطة لبني أمية في الأندلس هو عبد الرحمن بن نعيم، فقد ولاه الأمير عبد الرحمن الداخل الشرطة بمجرد أن وضع يده على قصر قرطبة بعد انتهاء معركة المصارة (١). وبعد أن استوثق الأمر للأمير عبد الرحمن الداخل ولى شرطته الحصين بن الدجن بن عبد الله العقيلي، لما عرف عنه الأمير من صالح بلائه وشدة بأسه ونجدته وموقفه من يوسف الفهري ووزيره الصميل (٢). ومن خلال كتاب أرسله الخليفة الأموي بالشام مروان بن محمد إلى ولده عبد الله يمكن الوقوف على السمات التي يجب توافرها فيمن يلي الشرطة فقد جاء في الكتاب: "فول شرطتك وأمر عسكرك أوثق قوادك عندك، وأظهرهم نصيحة لك، وأنفذهم بصيرة في طاعتك، وأقواهم شكيمة في أمرك، وأمضاهم صريمة، وأصدقهم عفافاً، وأجزأهم غناء، وأكفاهم أمانة، وأصحهم ضميراً، وأرضاهم في العامة ديناً، وأحمدهم عند الجماعة خلقاً، وأعطفهم على كآفتهم رأفة، وأحسنهم لهم نظراً، وأشدهم في دين الله وحقه صلابة، … مجرباً، ذا رأي وتجربة وحزم في المكيدة، له نباهة في الذكر، وصيت في الولاية، معروف البيت، مشهور الحسب (٣) ". كما تحدث ابن عبد ون عن تلك السمات فذكر أن صاحب الشرطة -الحاكم- لابد "أن يكون رجلاً خيراً، عفيفاً، غنياً، عالماً، متحنكاً في

стр. 847

علم الوثائق ووجوه الخصومات، ويكون ورعا، لا يرتشي ولا يميل، ويجري في حكمه وأمره إلى الحق والاعتدال، ولا يخاف في الله لومة لائم، ويكون أكثر جريه في حكمه إلى الإصلاح بين الناس (١) ". ولقد كانت تلك السمات متوفرة في معظم أصحاب الشرطة لدى بني أمية في الأندلس، فأبو عبد الله محمد بن خالد الأشج، المعروف بابن مرتنيل، المتوفى سنة (٢٢٠) هـ (٨٣٥) كان فقيها فاضلاً، ورعاً صليباً، ولاه الأمير عبد الرحمن الأوسط الشرطة والصلاة معاً (٢). ولكن وجد بالمقابل من تولى الشرطة وهو خالٍ من بعض تلك السمات، فقد وجد من أصحاب الشرطة من كان متأخراً في علمه وعقله (٣)، وهناك من كان قليل العلم (٤)، "ولعل سبب اختيار هؤلاء وأمثالهم في خطة الشرطة هو شرف بيوتاتهم ونباهتها (٥) " فضلاً عن أن الخطط لدى أمويي الأندلس متوارثة، أي أنها محصورة في بيوتات معينة، ولذا فإنه يتم تعيين أحد أبناء تلك الأسرة في تلك الخطة حتى وإن كان يعاني من نقص معرفي وعقلي نوعاً ما، وحفاظاً على عدم خروج أي خطة في الدولة عن أي من الأسر المساندة لبني أمية.

стр. 848

أقسام الشرطة: عندما وجدت الشرطة في الدولة الأموية في الأندلس، لم تكن خطة قائمة بذاتها، وإنما كانت مضافة إلى غيرها من الخطط، بالذات ولاية السوق؛ ولأجل هذا لم تكن مقسمة إلى أقسام، واستمر الوضع على هذه الصورة حتى أوائل القرن الثالث الهجري، ففي عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط تم فصل الشرطة عن ولاية السوق (١)، وأصبحت الشرطة منقسمة إلى قسمين: الشرطة الكبرى، والشرطة الصغرى، وإلى هذين القسمين أشار ابن خلدون أثناء حديثه عن الشرطة لدى بني أمية في الأندلس (٢). ولكن ابن سهل الأندلسي ذكر أن الشرطة لدى بني أمية كانت منقسمة إلى ثلاثة أقسام: شرطة كبرى، شرطة صغرى، وشرطة وسطى (٣)، ولا ريب أن ابن سهل آكد من ابن خلدون في هذا؛ لقربه من الأحداث؛ ولوجود ما يؤيد قوله، وذلك ما ذكره ابن حيان من إنشاء الشرطة الوسطى سنة (٣١٧) هـ (٤) (٩٢٩). وهناك فروع للشرطة، منها: فرع مختص بالعسس، وهو الطواف بالليل أو ما يسمى في الأندلس بالدرابين، ومهمة أولئك الدرابين المحافظة على الأمن عند حلول المساء، إذ ينشط الأشرار، فلا "تكاد في الأندلس

стр. 849

تخلو من سماع دار فلان دخلت البارحة، وفلان ذبحه اللصوص على فراشه (١) "، وقد سمي هذا الفرع بالدرابين ذلك "لأن بلاد الأندلس لها دروب بأغلاق تغلق بعد العتمة، ولكل زقاق باءت فيه، له سراج معلق وكلب يسهر وسلاح معدّ (٢) ". وأما الفرع الآخر فهو "شرطة العدو" وهذا الفرع أنشأه الأمير عبد الرحمن الأوسط، وعندما حقق الدكتور محمود مكي كتاب المقتبس لابن حيان، لم يهتد إلى إعطاء تفسير لها، واكتفى بالقول بأن تحريفاً وقع في ألفاظها أو سقط منها شيء، (٣) وتابعه في ذلك بعض الباحثين (٤)، إلا أن أحد الأساتذة المهتمين بالدراسات التاريخية الأندلسية وهو الدكتور محمد خلاف ذكر أن شرطة العدو هي فرقة من الشرطة أشبه ما تكون برجال الدرك إذ أن كلا الطرفين يستخدمان الخيل في عملهما، ويكون مكان تواجد شرطة العدو خارج أبواب قرطبة، وذلك لمراقبة الخارجين منها والداخلين إليها، من اللصوص وقطاع الطرق الذين يستخدمون الخيل في تنقلاتهم فتقوم شرطة العدو بمطاردتهم والقبض عليهم؛ لينالوا

стр. 850

جزاء أفعالهم المشيئة (١)، وهذا هو التفسير المقنع والذي يمكن أن تطمئن إليه النفس. وهذان الفرعان: الدرابون وشرطة العدو يتبعان الشرطة الصغرى، إذ أنها مختصة بالعامة؟ (٢). أما الشرطة الكبرى فهي المختصة بكبار رجالات الدولة، وكل من يشغل وظيفة فيها، بالإضافة إلى أقاربهم ومن إليهم من أهل الجاه والسلطان (٣). ونظرًا للنقلة الكبيرة التي عاشتها الدولة الأموية بتولي الأمير عبدالرحمن بن محمد مقاليد الحكم بها، وفرضه لكلمته على أرجاء البلاد، ومن ثم تسميه بالخلافة وكل هذا جعل قاطبة تستقبل قاطنين جدد، ومع الاستقرار السياسي والأمن الذي أصبحت الأندلس تعيشه فى عهد في عهد الخليفة عبدالرحمن الناصر فقد ازدهرت التجارة، وارتفع المستوى الإقتصادي في البلاد عامة، وفي قرطبة خاصة، الأمر الذي نتج عنه ظهور فئة ثالثة في المجتمع وهي فئة التجار، والتي تشمل أيضا أصحاب المهن الراقية، وهذه الفئة تقع بين فئتي الأثرياء وكبار الشخصيات وبين فئة العامة (٤)، وبما أن

стр. 851

الشرطة الكبرى مختصة بشئون الخاصة، والشرطة الصغرى مختصى بالعامة، ونظراً لأن الخليفة عبد الرحمن الناصر كان صاحب تجديدات في الدولة، فإنه لم يشأ أن يزيد تكاليف أي من الشرطتين الكبرى والصغرى، ولأجل هذا فقد أمر بإنشاء الشرطة الوسطى سنة (٣١٧) هـ (٩٢٩ م) لتتولى شئون تلك الفئة الجديدة وأول من تولاها هو سعيد بن جدير (١). وقد ذكر ابن حيان أن الخليفة عبد الرحمن الناصر جعل الرزق الشهري لصاحب الشرطة الوسطى وسطاً بين الشرطتين الكبرى والصغرى (٢) وعلى هذا الأساس وبناء على التطور الهائل الذي أصبحت عليه الدولة الأموية في زمن الخليفة عبد الرحمن الناصر يمكن أن نتوقع رزقاً شهرياً لأصحاب الشرطة الثلاثة يتناسب والرخاء الاقتصادي الذي كانت تعيشه الدولة آنذاك (٣). والمصادر لم تحدثنا عن الزي الذي يرتديه صاحب الشرطة، لكننا من خلال قصة رويت عن عالم المرية القاضي أبي الحسن الرعيني، المتوفى سنة (٤٣٥) هـ (١٠٤٣ ـ (١٠٤٤) م) يمكن أن نتصور الشكل العام الذي

стр. 852

يظهر به صاحب الشرطة، فهو رجل يمشي مظهراً قوته من خلال سرعة مشيته، بعد أن يشمر ثيابه ويمسك بيده عصا (١)، وإن كنّا نتوقع أن الأمير أو الخليفة لابد وأن يمنح صاحب الشرطة زياً خاصاً يعرف به بين الناس. أهمية منصب صاحب الشرطة: تتضح أهمية منصب صاحب الشرطة، من خلال المهام المناطة به، وقبل الحديث عن هذه المهام نشير إلى قول شيخ الإسلام ابن تيمية من أن صاحب الشرطة في المغرب ليس له حكم في شيء وإنما هو منفذ لأحكام القاضي (٢)، وفي هذا دلالة على تبعية صاحب الشرطة للقضاء، ويبدو أن هذا كله كان في بداية عهد الدولة الأموية في الأندلس، إذ أن ابن خلدون يذكر في حديثه عن الشرطة أنها كانت في البداية تقوم "باستيفاء الحدود (٣) " أي تنفيذ الأحكام التي يصدرها القاضي، بعد أن تقوم بجمع الأدلة ضد المتهم، وإثباتها عليه، ثم أنهم أرداوا أن ينزهوا القاضي عن النظر في بعض الجرائم التي تتعلق بالحدود كالزنا وشرب الخمر، فاختصروا الوقت الذي يستلزم عرض مثل هذه القضايا على القاضي وجعلوها مناطة بالشرطة؛ لأنها هي التي تستوفي الأدلة، الأمر الذي أدى إلى انفصال الشرطة عن القضاء.

стр. 853

وقد سبق أن عرفنا أن في الدولة الأموية بالأندلس تنقسم الشرطة إلى ثلاثة أقسام: - الشرطة الصغرى: أنشأها الأمير عبد الرحمن الأوسط، وذلك عندما ميَّز الشرطة عن ولاية السوق، ويُذكر أن الفقيه المفتي حارث بن سعيد هو أول من تولى الشرطة الصغرى، ولم يزل عليها إلى أن توفي سنة (٢٢١) هـ (٨٣٦ م) (١) ومجلس صاحب الشرطة يكون في مشبَّك يُبنى له خصيصاً في سقيفة المسجد الجامع بقرطبة مع مشبك مجلس القاضي (٢) وذلك لكي يحضر مجلس القاضي للتشاور معه في الأمور التي تحتاج لابداء المشورة، بالإضافة إلى إيجاد رقابة من القاضي عليه، فيكون دائماً تحت نظره، يراجع أحكامه ويبحث في سيرته (٣).

стр. 854

الشرطة الوسطى: أنشأها الخليفة عبد الرحمن الناصر سنة (٣١٧) هـ (٩٢٩ م) وأول من تولاها سعيد بن حدير، ولعل مجلس صاحبها يكون مع صاحب الشرطة الصغرى في المسجد الجامع أو أحد مساجد البلد (١). الشرطة العليا: وهذه من ابتكارات الأمير عبد الرحمن الأوسط، ولعل محمد بن خالد بن مرتنيل المعروف بالأشج، المتوفى سنة (٢٢٠) هـ (٨٣٥ م) هو أول من تولاها (٢). ويذكر ابن خلدون أن صاحب الشرطة الكبرى - العليا - كان ينصب له "كرسي بباب دار السلطان ورجاله يتبوءون المقاعد بين يديه، فلا يبرحون عنها إلا في تصريفه (٣) ". والشرطة العليا هي أهم أنواع الشرطة وأعلاها مرتبة، ولأجل هذا فقد "كانت ولايتها للأكابر من رجالات الدولة، حتى كانت ترشيحاً للوزارة والحجابة (٤) ".

стр. 855

ومن خلال تتبع المصادر الأندلسية حاولت أن أخرج بقائمة تحوي أسماء أصحاب الشرطة بأنواعها الثلاث، مسلسلة زمنياً قدر الاستطاعة. فعندما وصل الأمير عبد الرحمن الداخل إلى الأندلس واصطدم بواليها يوسف الفهري، جعل عبد الرحمن بن نعيم والياً لشرطته مكافأة له على نصحه إياه وتحذيره ممن أراد الفتك به (١). وبعد أن استوثق الأمر للأمير عبد الرحمن الداخل جعل على شرطته الحصين بن الدَّجْن بن عبد الله العُقيلي، الذي كان على خيل الداخل يوم المصارة، كما أنه يعتبر فارس أهل الشام بأساً ونجده، وعندما كُتب عقد الأمان بين الأمير عبد الرحمن الداخل وبين يوسف الفهري كان الحصين أحد شهود العقد (٢) وبعده تولى الشرطة قاسم بن أبي … (٣). وفي عهد الأمير هشام الرضا بن عبد الرحمن الداخل تولى الشرطة كل من: الحسن بن بسام وعبد الغافر بن أبي عبده (٤). وفي عهد الأمير الحكم الربضي تولى الشرطة كل من جودي بن أسباط السعدي (٥) ومن بعده محمد بن كليب بن ثعلبة (٦) وعندما وصل

стр. 856

عبد الرحمن بن الحكم للإمارة أقر محمد بن كليب بن ثعلبة على الشرطة ثم رقاه إلى الوزارة (١)، ثم نظم الشرطة وقسمها قسمين كما عرفنا من قبل، فتولى الشرطة الصغرى شخصيات عدة، منها: - حارث بن أبي سعد الفقيه المفتي، المتوفى سنة (٢٢٢) هـ (٨٣٧ م) (٢)، ومن بعده تولاها محمد بن الحارث، ورغم أنه اتصف بقلة العلم، إلا أن الأمير عبد الرحمن الأوسط ولاه الشرطة الصغرى؛ لأن من سياسة الأمويين إبقاء الخطط متوارثة في أسر معينة، ولم يزل محمد بن الحارث يلي الشرطة الصغرى طيلة عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط فلما توفي تولى الإمارة ابنه محمد أقر ابن الحارث على الشرطة الصغرى، وولاه السوق، وظل بالولاية حتى وفاته سنة (٢٦٠) هـ (٨٧٤ م) (٣). وفي عهد الأمير محمد بن عبد الرحمن تولى الشرطة الصغرى أبو سعيد محمد ابن عبد الرحمن بن إبراهيم، وقد ذكر الخشني قصة وقوف صاحب الشرطة محمد بن عبد الرحمن في وجه قاضي الجماعة أحمد بن زياد اللخمي عندما أراد أن يحبس محمد بن يوسف (٤).

стр. 857

كما تولاها موسى بن محمد بن زياد الجذامي (١)، قبل أن يلي قضاء الجماعة، وكذلك تولاها مسرور المعلم (٢). وفي عهد الأمير عبد الله بن محمد كان الفقيه أبو عبد الله محمد بن سعيد الموثق، المعروف بابن الملون، يلي الشرطة الصغرى بعهد من الأمير لكنه لم يستمر في منصبه إذ مات في صدر أيام الأمير عبد الله (٣). وعندما توفي الأمير عبد الله كان أحمد بن محمد بن حدير يلي الشرطة الصغرى، فأقره عليها الأمير عبد الرحمن بن محمد، ثم نقله منها إلى الوزارة والقيادة وذلك لثمان بقين من شهر ربيع الآخر سنة (٣٠٠) هـ (ديسمبر سنة (٩١٢) م) وولي مكانه محمد بن محمد بن أبي زيد، ثم عزله عنها وولاها يحيى بن إسحاق سنة (٣٠٤) هـ (٩١٦) (٤) ثم أعاد ابن أبي زيد للشرطة الصغرى وذلك يوم السبت لخمس بقين من شوال سنة (٣١٠) هـ (فبراير (٩٢٣) م) (٥) وفي سنة (٣١١) هـ (٩٢٤ م) تولى الشرطة الصغرى يحيى بن يونس القبري (٦).

стр. 858

وتولاها مع السوق والسكة يحيى بن عبد الله بن يونس المرادي، المتوفى سنة (٣٢٦) هـ (٩٣٨ م) (١) ثم تولاها حسين بن أحمد بن عاصم الذي تنازع مع الفقيه ابن لبابه في مجلس قاضي الجماعة محمد بن عبد الله بن أبي عيسى فاحتدم الخصام بين الاثنين مما تسبب في اضطراب جسم بن لبابة ففلج، وحمل إلى داره، وذلك يوم الخميس لثلاث خلون من ذي الحجة، وتوفي يوم الأحد لست خلون من ذي الحجة سنة (٣٣٠) هـ (أغسطس (٩٤٢) م) (٢). ومن الذين تولوا خطة الشرطة في القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي) أبو محمد عبد الله بن محمد بن عبد الله بن أبي دليم، المتوفى في شهر جمادى الأولى سنة (٣٥١) هـ (يونيو (٩٦٢)) كان نبيلاً في الحديث، ضابطاً لما روى، بصيراً في الإعراب، تولى قضاء إلبيرة وبجانه وأحكام الشرطة، وكانت له لدى الخليفة المستنصر منزلة خاصة (٣). ونظراً لشدة تعلق الخليفة المستنصر، بالعلم والعلماء، نجده يميل إلى تولية بعض العلماء لمناصب دولته، ومنها الشرطة، فبالإضافة إلى ابن أبي دليم نجد أبا عبد الله محمد بن أبان ابن سيد اللخمي، الذي كان عالماً

стр. 859

بالعربية واللغة، وحافظاً للأخبار والأنساب والأيام والمشاهد والتواريخ، يلي أحكام الشرطة للخليفة الحكم وله مكانة عنده (١). وكذلك تولى الشرطة الصغرى أبو عبد الله محمد بن تمليخ التميمي، المتوفى في شهر رمضان سنة (٣٦١) هـ (يوليو (٩٧٢) م) تولى خطة الرد والشرطة، وقد كانت له منزلة عند الخليفة الحكم المستنصر، كما كان عالماً بالطب (٢). ويذكر ابن حيان أنه في يوم السبت السادس من شهر شوال سنة (٣٦١) هـ (٢١ يوليو (٩٧٢)) عُزل خالد بن هشام عن الشرطة الصغرى (٣) وكان قبل ذلك في شهر رمضان من العام نفسه قد تمت تولية علي بن محمد بن أبي الحسن الشرطة الصغرى مجموعة له إلى القضاء بالثغر، وبلغ رزقه ثلاثين ديناراً، وفي اليوم نفسه قدم أخوه حسن بن علي إلى الشرطة الصغرى أيضاً إلى ما يليه من قضاء الثغر (٤)، كما تولاها لفترة وجيزة محمد بن يحيى بن عبد العزيز المعروف بابن الخراز، الذي لزم داره طيلة السنوات السبع الأخيرة من عمره، حيث توفي يوم الأحد لسبع خلون من شوال سنة (٣٦٩) هـ (٢٨ إبريل (٩٨٠) م) (٥).

стр. 860

وفي صدر دولة الخليفة هشام المؤيد بالله، تولى أحكام الشرطة أبو عثمان سعيد بن أحمد بن محمد بن سعيد بن موسى بن حدير، ثم لزم بيته وانقبض عن الخدمة إلى أن توفي غداة يوم الثلاثاء لتسع بقين من ربيع الأول سنة (٣٩١) هـ (فبراير (١٠٠١) م) (١). كما تولاها في عهد الخليفة هشام المؤيد عدد من أعلام قرطبة، منهم: - أبو عبد الله محمد بن يحيى بن الخليل توفي لليلتين خلتا من رجب سنة (٣٧٠) هـ (٨ يناير (٩٨١) م) (٢)، والعالم اللغوي محمد بن حسن الزبيدي، المتوفى يوم الخميس مستهل جمادى الآخرة سنة (٣٧٩) هـ (٥ ديسمبر (٩٨٩) م) (٣)، والأديب العالم أحمد بن أبان بن سيد، المتوفى سنة (٣٨٢) هـ (٩٩٢ م) (٤)، أبو عبد الله محمد بن قاسم بن محمد الأموي، المعروف بالجالطي، كان من أهل العلم والأدب والدراية والرواية، تولى أحكام الشرطة للخليفة هشام المؤيد بالله، فكان محموداً في حكومته، قتلته البرابرة يوم تغلبهم على قرطبة في جوف بيته مدافعاً عن أهله وولده، وذلك يوم الاثنين لست خلون من شوال سنة (٤٠٣) هـ (٢١ إبريل (١٠١٣) م) (٥).

стр. 861

وهذا الشاعر الطبني أبو عبد الله محمد بن الحسين بن محمد بن أسد الحماني، مشرقي، قدم الأندلس سنة (٣٣١) هـ (٩٤٣ م) وكانت له عند العامريين حظوة خاصة، تولى بسببها الشرطة عندهم، وعاش إلى أن علت سنه، توفي غداة يوم الاثنين لثلاث بقين من ذي الحجة سنة (٣٩٤) هـ (أكتوبر (١٠٠٤) م) (١). ومحمد بن يحيى بن زكريا بن برطال، كان يلي الشرطة حتى سنة (٣٨١) هـ (٩٩١ م) (٢). وعبد الرحمن بن محمد بن أحمد الرعيني المعروف بابن المشاط، المتوفى سنة (٣٩٧) هـ (١٠٠٧ م) كان يلي للحاجب المنصور بن أبي عامر أحكام الشرطة وخطة الوثائق السلطانية وقضاء إستجه وأشونه وقرمونة ومورور وتاكرنا، جمعهن له، وقد تنقل في وظائف عدة إلى أن توفي سنة (٣٩٧) هـ (١٠٠٧ م) (٣). وعبد الله بن أحمد بن قند، المتوفى سنة (٤٠٠) هـ (١٠١٠ م) (٤). وعبد الله بن حسين بن إبراهيم بن حسين بن عاصم، المتوفى سنة (٤٠٣) هـ (١٠١٣ م) (٥) وعبد الملك بن

стр. 862

مروان بن أحمد بن شهيد، المتوفى سنة (٤٠٨) هـ (١٠١٧ م) (١) ومحمد بن يحيى بن عبد الرحمن بن حدير، المتوفى سن (٤١٤) هـ (٢) (١٠٢٤ م). وأما الشرطة الوسطى فقد تعاقب على ولايتها شخصيات عدة، والأسماء التي سوف أوردها على أنها قد تولت الشرطة الوسطى، لم تصرح المصادر بتولي بعضها لتلك الخطة، وهذا قليل، وقد أدرجتها ضمن القائمة بناء على استقراء لبعض الأحداث التاريخية، وإن كان الأمر لا يمكن القطع به، فعندما أنشأ الخليفة عبد الرحمن الناصر الشرطة الوسطى، كان أول ولاتها هو: سعيد بن سعيد بن حدير، كما تولاها جعفر بن عثمان المصحفي المتوفى سنة (٣٧٢) هـ (٩٨٢ م) فقد استخدمه الحكم بن عبد الرحمن الناصر عندما كان وليا للعهد فاستكتبه "ورقاه إلى خطة الشرطة الوسطى والنظر في عدة من الأعمال والكور (٣) ". وفي سنة (٣٢٩) هـ (٩٤١ م) تولى عبيد الله بن يحيى بن إدريس خطة الشرطة الوسطى (٤) وقد بلغ من تواضعه ﵀، انه رغم توليه الوزارة فيما بعد فقد كان يؤذن في مسجده، ولم تزده الخطط الرفيعة إلا تواضعاً، وقد توفي في أواخر ذي القعدة سنة (٣٥٢) هـ (نوفمبر (٩٦٢) م (٥)).

стр. 863

كما شغل هذه الخطة في عهد الخليفة الحكم المستنصر بالله أبو محمد قاسم بن محمد بن قاسم بن سيار، المتوفى سنة (٣٥٣) هـ (٩٦٤ م (١)). ويذكر ابن حيان أنه في شهر جمادى الأولى من سنة (٣٦١) هـ (فبراير (٩٧٢) (٢)) قدم الخليفة الحكم المستنصر بالله "محمد بن عبد الله بن أبي عامر إلى خطة الشرطة الوسطى مجموعة له إلى مافي يده من خطة المواريث والقضاء بإشبيلية ووكالة الأمير أبي الوليد هشام (٣) ". ويذكر ابن حيان أنه في الاحتفال الذي أقامه الخليفة الحكم المستنصر بالله بمناسبة عيد الأضحى لعام (٣٦٢) هـ (سبتمبر (٩٧٤) م) كان عبد الرحمن بن يحيى بن هشام التجيبي يلي الشرطة الوسطى حيث كان من بين الذين حجبوا الأمير هشام بن الحكم المستنصر (٤). وحدث أن عتب الخليفة الحكم المستنصر بالله على صاحب الشرطة الوسطى يعلى بن أحمد بن يعلى فأمر بإقصائه عن منصبه وذلك يوم السبت لسبع بقين من شهر رمضان سنة (٣٦٤) هـ (يونيو (٩٧٥) م (٥)).

стр. 864

وفي يوم الثلاثاء لخمس بقين من شعبان سنة (٣٦٤) هـ قدم عبد العزيز بن حكم التجيبي من الشرطة الوسطى إلى الشرطة العليا (١). وفي يوم السبت العاشر من شهر صفر سنة (٣٦٦) هـ (أكتوبر (٩٧٦)) أصدر الخليفة هشام المؤيد بالله أوامره بترقية محمد بن أبي عامر من الشرطة الوسطى إلى خطة الوزارة (٢)، وتولى بدلاً منه أبو القاسم نزار بن كوثر، المتوفى قريباً من سنة (٣٨٠) هـ (٩٩٠ م (٣)). وفي عهد تسلط الحاجب المنصور بن أبي عامر على الخليفة هشام المؤيد بالله، تولى الشرطة الوسطى عبد الله بن سعيد بن محمد بن بتري، المتوفى سنة (٤٠١) هـ (١٠١١ م) وقد كلفه المنصور في ذلك الوقت بالإشراف على الزيادة التي أجراها على جامع قرطبة سنة (٣٧٧) هـ (٩٨٧ م (٤)). ويمكن اعتبار الفقيه إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الحضرمي، المعروف بابن الشرفي، المتوفى في نصف شهر شعبان سنة (٣٩٦) هـ (مايو (١٠٠٦) م) آخر أصحاب الشرطة في عهد الحاجب المنصور بن أبي عامر، فقد تولى خطط الشرطة والمواريث والصلاة والخطبة بالمسجد الجامع بقرطبة ولم يزل يشغلها حتى وفاته (٥).

стр. 865

ومجلس صاحب الشرطة الوسطى يكون دائماً بعد صاحب الشرطة العليا ففي عيد الفطر الكائن في سنة (٣٦١) هـ (١٦ يوليو (٩٧٢) م) جلس الخليفة الحكم المستنصر بالله وجلس كبار رجالات الدولة من حوله بالترتيب، وكان جلوس صاحب الشرطة الوسطى آنذاك محمد بن عبد الله بن أبي عامر تحت صاحب الشرطة العليا محمد بن سعد (١). وعند استقبال الخليفة رجال دولته يكون ترتيب صاحب الشرطة الوسطى بالتسليم على الخليفة بعد صاحب الشرطة العليا (٢). وأما الشرطة العليا فيمكن اعتبار محمد بن خالد بن مرتنيل، المعروف بالأشج أول من تولاها في الأندلس، وذلك بالنظر إلى سلطته الواسعة، حتى أنه أدب أحد أصحاب الأمير عبد الرحمن الأوسط وحبسه، وعندما عاتبه الأمير على ذلك أجابه ابن مرتنيل بأنه عندما تولى الشرطة لم يوصه الأمير بمراعاة أحد دون أحد (٣)، ومما يقوي اعتبار أن ابن مرتنيل أول من تولى الشرطة العليا أن معاصره حارث بن أبي سعد كان يلي الشرطة الصغرى، وهذا كانت وفاته سنة (٢٢٢) هـ (٨٣٧) وابن مرتنيل توفي سنة (٢٢٠) هـ (٨٣٥ م).

стр. 866

كما تولى الشرطة العليا في عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط سعيد بن عياض القيسي (١)، وكان حارث بن أبي سعد يلي الشرطة الصغرى في الوقت نفسه. وفي عهد الأمير محمد بن عبد الرحمن كان على الشرطة العليا إبراهيم بن حسين بن خالد بن مرتنيل، المتوفى في شهر رمضان سنة (٢٤٩) هـ (نوفمبر (٨٦٣) م) وكما نلاحظ من نسبه فإنه من أسرة أفرادها هم أول ولاة الشرطة العليا، وقد عرف إبراهيم بن حسين بأنه كان خبيراً فقيهاً عالماً بالتفسير، واتصف بالصلابة في حكمه، والعدالة عندما كان والياً للشرطة وقد ذكر ابن لبابة أن إبراهيم هذا قد عاقب أحد شهود الزور بأن أقامه عند الباب الغربي لجامع قرطبة ثم ضربه أربعين سوطاً وحلق لحيته وسخم وجهه (٢). وممن كان يلي الشرطة العليا في عهد الأمير محمد بن عبد الرحمن الأديب الشاعر عبد الله بن عاصم، فقد كان رجلاً سريع البديهة كثير النوادر، ولذا فقد كان من جلساء الأمير محمد (٣). وكذلك إبراهيم بن حسين بن عاصم، المتوفى في شهر رجب من سنة (٢٥٦) هـ (يونيو (٨٧٠) م) (٤) ويبدو أنه في عهد ولايته للشرطة العليا

стр. 867

قد كثر أهل الشر والفساد ولأجل هذا فقد قال عنه القاضي عياض، أنه قد غلب "على أهل الشر، وقد قتل وصلب كثيراً بلا مشاورة سلطان ولا فقيه (١) ". وفي عهد الأمير عبد الله بن محمد كان مروان بن عبد الملك بن عبد الله بن أمية يلي الشرطة العليا، وظل في منصبه حتى عزله الأمير عن سخطه في سنة (٢٨٣) هـ (٨٩٦ م (٢)) ثم أودع مع غيره في سجن المطبق بداخل قصر الإمارة حيث قتل ليلة الأربعاء لاثنتي عشرة ليلة خلت من شعبان سنة (٢٨٤) هـ (١٤ سبتمبر (٨٩٧) م) (٣). ثم تولى الشرطة من بعده موسى بن محمد بن زياد الجذامي، فقد كان على الشرطة الصغرى والرد ثم نقله الأمير للشرطة العليا (٤)، واستمر في منصبه حتى تولى قضاء الجماعة بعد النضر بن سلمة الذي عزله الأمير عبد الله عن منصبه سنة (٢٨٥) هـ (٨٩٨ م) بعد أن استمر في القضاء مدة عشرة أعوام تقريباً (٥).

стр. 868

وبعد موسى بن محمد بن زياد تولى الشرطة العليا عمه يحيى بن زياد، فلما توفي بقيت الشرطة دون والٍ مدة سنتين ثم وليها قاسم بن وليد الكلبي فظل عليها حتى توفي الأمير عبد الله بن محمد (١). فلما تولى الإمارة الأمير عبد الرحمن بن محمد أقر قاسم بن وليد على الشرطة العليا (٢)، ثم عزله عنها وجعل مكانه عيسى بن أحمد بن أبي عبد هـ (٣) ولأربع بقين من ربيع الآخر سنة (٣٠٠) هـ (ديسمبر (٩١٢) م) عزل عيسى وجعل مكانه قاسم بن وليد (٤)، ثم عزله عنها وجعل مكانه أحمد بن محمد بن مسلمة وذلك في شهر رجب من سنة (٣٠١) هـ (مارس (٩١٤) م (٥)). ثم عُزل عنها ابن سلمه وأعيد قاسم بن وليد إلى ولايتها (٦)، ثم عزل مسخوطاً عليه وذلك أواخر ذي الحجة سنة (٣٠١) هـ (يوليو (٩١٤) م) وتولاها عباس بن الوزير القائد أبي عباس أحمد بن محمد بن أبي عبد هـ (٧) فاستمر في منصبه إلى أن قتل يوم الأحد مستهل ذي الحجة سنة (٣٠٢) هـ

стр. 869

(١٨ يونيو (٩١٥) م) أثناء محاصرته مُنت روبي، فولى الأمير مكان عباس أخاه عبد الله بن أحمد إكراماً لأبيه ومواساة له (١). وفي سنة (٣٠٣) هـ (٩١٥ م) تولى الشرطة العليا محمد بن أبي زيد (٢)، ثم عزل عنها في أواخر شهر ربيع الآخر من سنة (٣٠٨) هـ (سبتمبر (٩٢٠) م) وولاها مولاه دري بن عبد الرحمن (٣) الذي استمر في ولايته إلى سنة (٣١٦) هـ (٩٢٨ م) فعزله الخليفة عبد الرحمن الناصر وولى مكانه أحمد بن أبي قابوس، وبعد شهر من ذلك أعاد الخليفة مولاه دري إلى الشرطة العليا (٤). ويذكر ابن حيان أنه في سنة (٣٢٥) هـ (٩٣٨) كان صاحب الشرطة العليا عبد الله بن بدر أحد شهود عقد الأمان الذي أبرمه الخليفة عبد الرحمن الناصر لمحمد بن هاشم التجيبي (٥). وفي سنة (٣٢٨) هـ (٩٤٠ م) عزل عبد الله بن بدر عن الشرطة العليا وأضيفت مع خطة المظالم والوزارة لذي الوزارتين أحمد بن عبد الملك بن شهيد (٦). وفي سنة (٣٣٠) هـ (٩٤٢ م) أزاح الخليفة الشرطة عن ابن شهيد

стр. 870

وولاها مولاه نجدة بن حسين الحيري (١). وفي سنة (٣٤٧) هـ (٩٥٨ م) كان أحمد بن يعلى هو صاحب الشرطة العليا (٢). هذا، وقد شغل خطة الشرطة العليا في عهد الخليفة الحكم المستنصر بالله عدد من الشخصيات هم بالترتيب: عبد الله بن بدر بن أحمد، محمد بن جهور (٣)، هشام بن محمد بن عثمان، أحمد بن سعد الجعفري، أحمد بن نصر، يحيى بن عبيد الله بن يحيى بن إدريس، محمد بن سعد، عبد الرحمن بن رماحس، قاسم بن محمد بن قاسم بن طملس، أحمد بن عيسى بن فطيس، محمد بن عبد الله بن أبي عامر، رائق بن حكم الجعفري، رزق بن الحكم الجعفري، أحمد بن عبد الله بن بسيل وعبد العزيز بن حكم التجيبي (٤). وطيلة عهد الخليفة هشام المؤيد بالله وهي فترة تسلط الحجاب العامريين على الخلافة، تعاقب على الشرطة العليا مجموعة من رجالات الدولة منهم:

стр. 871

زياد بن أفلح (١)، محمد بن بسيل (٢) عبد الرحمن بن محمد بن أحمد الرعيني المعروف بابن المشاط، المتوفى سنة (٣٩٧) هـ (١٠٠٧ م (٣)). وآخر من تولى الشرطة العليا في عهد الحجاب العامريين هو المدعو: ابن الرسان، كان رجلاً من سفَّال أهل قرطبة، ورغم ذلك ولاه الحاجب عبد الرحمن بن المنصور بن أبي عامر، ولاه الشرطة العليا، وكان يصطحبه معه في عزواته، ويأمره أن ينادي في المعسكر بأن أمير المؤمنين المأمون -يعني نفسه- يأمركم بكذا وكذا (٤). وعندما تمكن محمد بن عبد الجبار المهدي من الاستيلاء على قرطبة، وصلب شنجول على باب السدة، أمر ابن الرسان صاحب شرطة شنجول أن ينادي عليه هذا شنجول المأبون، ثم يلعنه ويلعن نفسه، وذلك يوم السبت لأربع خلون من شهر رجب سنة (٣٩٩) هـ (١ مارس (١٠٠٩) م) (٥). ولصاحب الشرطة دور أساسي في استتاب الأمن، والأمر متوقف على قوة شخصيته، ويعتبر محمد بن عبد الله بن أبي عامر أشهر من تولى خطة الشرطة في الأندلس، خاصة بعد انقضاء عهد الأمراء والخلفاء

стр. 872

الأقوياء، ويمكن أن نتصور قوة ابن أبي عامر في هذا المجال من خلال ما ذكره ابن عذاري من أن أهل قرطبة كانوا، قبل سيطرة ابن أبي عامر على كرسي شرطة المدينة "في بلاء عظيم، يتحارسون الليل كله، ويكابدون من روعة طراقه ما لا يكابد أهل الثغور من العدو (١) " ولأجل القضاء على هذه المشكلة الحساسة قام "بسد باب الشفاعات وقمع أهل الفسق والذراعات، حتى ارتفع البأس، وأمن الناس، وأُمنت عادية المتجرمين من حاشية السلطان، حتى لقد عثر على ابن عم له يعرف بعسقلاجة، فاستحضره في مجلس الشرطة وجلده جلداً مبرحاً كان فيه حمامه (٢) ". وبذلك "ضبط المدينة ضبطاً أنسى أهل الحضرة من سلف من أفراد الكفاة وأولي السياسة (٣) ". وفي الاحتفالات الرسمية التي تقيمها الدولة سواء بمناسبة الأعياد أو الاستقبالات الدبلوماسية يكون ترتيب صاحب الشرطة العليا سواء في السلام على الخليفة أو حجابته بعد الوزير صاحب المدينة (٤)، ويكون مكان جلوسه في القصر في المجلس القبلي بدار الوزراء مع أصحابه (٥).

стр. 873

أما المهام التي يضطلع بها صاحب الشرطة العليا فهي جسيمة ومتعددة، منها: قيادة الجيش وفرض الحصار (١) وحضور عقد الأمان الذي يعقده الخليفة لأحد المناوئين التائبين (٢)، كما يتم أحياناً تكليفه بقيادة الأساطيل البحرية (٣)، وكذلك دفع التعويضات المالية للأهالي في إحدى الكور لقاء ما أخذته منهم الدولة من مواد بغية تجهيز السفن الحربية (٤) وفي بعض الأحيان يخرج صاحب الشرطة العليا على رأس طائفة من الجند؛ ليكون مددا لبعض قادة الجيش (٥)، وبناءً على أوامر الخليفة يقوم صاحب الشرطة العليا بنفسه بإلقاء القبض على أحد كبار رجالات الدولة ووضعه في السجن (٦). ومن ناحية الأمور المتعلقة بالمسائل الدبلوماسية يتم تكليفه باصطحاب الرسل والوفود من مكان إقامتهم إلى قصر الخليفة لمقابلته (٧).

стр. 874

وعندما يريد الخليفة أن يخرج أموالاً خاصة به، ليتم تفريقها على الفقراء والمساكين، تعبيراً منه على شكره لله تعالى لقاء أمر أدخل السرور على قلبه مثل ما فعل الخليفة الحكم المستنصر بالله عندما عاين إقبال ولده الأمير هشام على التعلم من مؤدبه الفقيه أحمد بن محمد بن يوسف الملقب بالقسطلي، ففي هذه الحالة يتم تكليف صاحب الشرطة العليا بتولي تفريق الأموال على الضعفاء والمساكين وأبناء السبيل (١). ومن أجل نشر العدل في الرعية يتولى صاحب الشرطة العليا التحقيق في الشكاوى المرفوعة ضد بعض العمال (٢) كما يقوم بتنفيذ أوامر الخليفة أو الحاجب في الإفراج عن بعض المسجونين (٣). وفيما يتعلق بولي العهد فإن صاحب الشرطة العليا يقوم بأخذ البيعة لولي العهد من الناس على مراتبهم (٤) كما يقوم بأخذها له بعد استلامه الحكم (٥). وعندما يأمر الخليفة بإقامة بعض المنشآت العمرانية (٦) أو إجراء توسعة لبعض الشوارع الضيقة (٧)، فإن صاحب الشرطة العليا يتولى

стр. 875

مسئولية الإشراف على إنجازها كما يتولى الإشراف على نقل الأشياء الهامة مثل النقل الذي تم لدار البرد من غرب قرطبة إلى دار الزوامل التي بالمصارة في طرف قرطبة (١). لأجل هذا، فإن منصب الشرطة العليا من أهم مناصب الدولة الأموية في الأندلس، ولذا فلا يليه إلا كبار رجالات الدولة. وقد بلغ من اهتمام بني أمية في صاحب هذا المنصب أن من يليه يصبح ركوبه من على حجر يعرف بـ"حجر الأعزة (٢) " في داخل القصر ولا يؤذن لأحد بالركوب منه إلا لخواص كبار رجالات الدولة. وصاحب الشرطة العليا حتى وإن بدا منه أحياناً العنف ضد بعض أصحاب أمراء وخلفاء بني أمية، فإن هذا لا يدفعهم إلى عزله أو تعنيفه، بل يعمدون إلى تحذير خواصهم من الوقوع بيده (٣)، ويقرونه على منصبه؛ لإدراكهم أن في قوته ضمان للأمن، مما يكفل لهم عدم الاصطدام برعيتهم، وذلك بسبب إعطاء كل ذي حق حقه، دونما اعتبار إلى مكانة من ترتب عليه الحق، الأمر الذي يشعر الجميع بالرضا، وهو ما ينتج عنه بالنهاية استمرار حكم الأسرة الأموية.

стр. 876

هذا، وقد أشار الأستاذ محمد خلاف عند دراسته لخطة الشرطة إلى نقطة جديرة بالملاحظة، وهي تكرار ورود لفظ "صاحب الشرطة العليا" عند ابن حيان دونما تحديد منه لمكان شغل هذه الخطة، واستشهد على ذلك بما ورد في المقتبس عن رسوم جلوس الخليفة الحكم المستنصر بالله في عيد الفطر سنة (٣٦٢) هـ/٩٧٣ م (١) وكذلك في الاحتفال الذي أقيم بمناسبة عيد الأضحى سنة (٣٦٣) هـ (٩٧٤ م (٢)) بالإضافة إلى ما ورد في أحداث شهر رجب سنة (٣٦٤) هـ (٩٧٥ م (٣)). ومن ذلك استنتج الأستاذ خلاف أن تكرار لفظ "صاحب الشرطة العليا" المراد به تعدد كراسيها في قرطبة والزهراء وبقية الكور الأندلسية (٤)، ورغم وجاهة هذا الاستنتاج إلا أنني أميل إلى استنتاجه الآخر الذي قال فيه: "أو ربما كان يجلس في هذه المقاعد كل من كان يشغل خطة الشرطة العليا الذين ما زالوا على قيد الحياة والحاليين حسب أقدميتهم وسنهم (٥) ".

стр. 877

ومما يرجع هذا الرأي عندي، أن اللقب الذي يحصل عليه أحد رجالات الدولة، لا يسحب منه بمجرد عزله عن ذلك المنصب، كما أن عزله لا يعني إبعاده عن الأمير أو الخليفة الأموي، إذ أن الأمر مرتبط بولاء شديد تقدمه الأسر التي تنحصر فيها الخطط للأسرة الأموية، والأخيرة بدورها تحرص كل الحرص على استمرارية هذا الولاء؛ لأنه يمثل سياج الحماية لها ضد كل المناوئين. توارث خطة الشرطة: خطة الشرطة في دولة بني أمية بالأندلس، كانت متوارثة، شأنها في ذلك شأن معظم خطط الدولة، فقد تعاقب على خطط الشرطة بدرجاتها الثلاث أبناء أسر معينة، فقد تولاها: حارث بن أبي سعد، المتوفى سنة (٢٢٢) هـ (٨٣٧ (١)) وخلفه عليها ابنه محمد المتوفى سنة (٢٦٠) هـ (٨٧٤ م (٢)) ومن أسرة آل عاصم تولى الشرطة كل من: إبراهيم بن حسين بن عاصم، المتوفى سنة (٢٥٦) هـ (٨٧٠ م) (٣)، وعبد الله ابن عاصم الذي كان من جلساء الأمير محمد بن عبد الرحمن (٤)،

стр. 878

وحسين بن أحمد ابن عاصم (١)، وأخيراً عبد الله بن حسين بن إبراهيم بن عاصم المتوفى سنة (٤٠٣) هـ (١٠١٣ م (٢)). ومن أسرة مرتنيل، تولى خطة الشرطة كل من: محمد بن خالد بن مرتنيل، المعروف بالأشج المتوفى سنة (٢٢٠) هـ (٣) (٨٣٥ م) كما تولاها إبراهيم بن حسين بن خالد بن مرتنيل، المتوفى سنة (٢٤٩) هـ (٨٦٣ (٤)). وهناك ثلاثة من أسرة ابن حدير تولوا خطة الشرطة، هم: سعيد بن سعيد بن حدير، وهو أول من تولى الشرطة الوسطى في عهد الخليفة عبد الرحمن الناصر سنة (٣١٧) هـ (٩٢٩ م (٥)) وسعيد بن أحمد بن محمد بن سعيد بن موسى بن حدير، المتوفى سنة (٣٩١) هـ (٦) (١٠٠١ م) وأخيراً محمد بن يحيى بن عبد الرحمن بن حدير، المتوفى سنة (٤١٤) هـ (١٠٢٤ م) (٧).

стр. 879

ومن أسرة ابن أبي عبده، هناك عيسى بن أحمد بن أبي عبده (١)، وعباس بن أحمد بن محمد بن محمد بن أبي عبده (٢)، وعبد الله بن أحمد بن أبي عبد هـ (٣). السجون: عندما استولى الأمير عبد الرحمن بن معاوية على قرطبة وقصر إمارتها، كان السجن يقع بالقرب من ذلك القصر الذي اتخذه الأمير الأموي مقراً لإمارته. وعندما تحدث ابن الآبار عن ذلك السجن، ذكر أنه كان ملاصقاً للقصر، ويصل بين السجن وبين نهر الوادي الكبير سرداب اتخذ للمساجين ينتهي بهم إلى الجزء المنخفض من شاطئ النهر ليستخدموه للطهور والوضوء، والرقباء يتابعونهم ولا يغفلوا عنهم لحظة طيلة خروجهم إلى النهر (٤). ومن هذا السجن هرب أبو الأسود محمد بن يوسف الفهري عندما حبسه الأمير عبد الرحمن الداخل، إذ تمكن من التمثيل على الموكل به في السجن أنه أعمى وأجاد التمثيل إلى أن انطلت حيلته عليه فهرب (٥).

стр. 880

ولعل هذا الحبس هو الذي أراده ابن حوقل عندما ذكر أثناء حديثه عن قرطبة أن الحبس يقع بالقرب من المسجد الجامع (١)، وربما يكون هو الذي أطلق عليه ابن القوطية مسمى "دار الرهائن (٢) " إذ ذكر أنه مجاور لباب القنطرة المؤدي إلى قنطرة قرطبة المقامة فوق نهر الوادي الكبير، وبما أن السجناء كانوا يستخدمون حافة النهر للطهارة والوضوء، فمن الطبيعي أن يكون المكان عراء، يفتقد إلى شيء يستتر خلفه من أراد قضاء حاجته، وهذا أمر متعمد، لكي تسهل عملية المراقبة. وقد ذكر ابن حيان أن السجناء كانوا يغشون هذا الموضع من غير سترة (٣)، الأمر الذي جعل الفقيه محمد بن عبد السلام الخشني، المتوفى سنة (٢٨٦) هـ (٨٩٩ م) يأنف من هذه الصورة، وبسببها لم يذق الطعام طيلة ثلاثة أيام، وهي المدة التي قضاها في السجن وبذلك لم يضطر للذهاب إلى هذا المكان (٤). وهناك سجن آخر يسمى "حبس الدويرة" ذكره ابن القوطيه أثناء حديثه عن الأمير الحكم الربضي (٥)، ويرى الدكتور عبد العزيز سالم أن حبس الدويرة هو نفس الحبس القديم الذي كان أبو الأسود قد سجن به،
следующие страницы →