← История

История · id 7331

نظم حكم الأمويين ورسومهم في الأندلس

سالم بن عبد الله الخلف

Полный текст (939 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

هذا، وقد أشار الأستاذ محمد خلاف عند دراسته لخطة الشرطة إلى نقطة جديرة بالملاحظة، وهي تكرار ورود لفظ "صاحب الشرطة العليا" عند ابن حيان دونما تحديد منه لمكان شغل هذه الخطة، واستشهد على ذلك بما ورد في المقتبس عن رسوم جلوس الخليفة الحكم المستنصر بالله في عيد الفطر سنة (٣٦٢) هـ/٩٧٣ م (١) وكذلك في الاحتفال الذي أقيم بمناسبة عيد الأضحى سنة (٣٦٣) هـ (٩٧٤ م (٢)) بالإضافة إلى ما ورد في أحداث شهر رجب سنة (٣٦٤) هـ (٩٧٥ م (٣)). ومن ذلك استنتج الأستاذ خلاف أن تكرار لفظ "صاحب الشرطة العليا" المراد به تعدد كراسيها في قرطبة والزهراء وبقية الكور الأندلسية (٤)، ورغم وجاهة هذا الاستنتاج إلا أنني أميل إلى استنتاجه الآخر الذي قال فيه: "أو ربما كان يجلس في هذه المقاعد كل من كان يشغل خطة الشرطة العليا الذين ما زالوا على قيد الحياة والحاليين حسب أقدميتهم وسنهم (٥) ".

стр. 877

ومما يرجع هذا الرأي عندي، أن اللقب الذي يحصل عليه أحد رجالات الدولة، لا يسحب منه بمجرد عزله عن ذلك المنصب، كما أن عزله لا يعني إبعاده عن الأمير أو الخليفة الأموي، إذ أن الأمر مرتبط بولاء شديد تقدمه الأسر التي تنحصر فيها الخطط للأسرة الأموية، والأخيرة بدورها تحرص كل الحرص على استمرارية هذا الولاء؛ لأنه يمثل سياج الحماية لها ضد كل المناوئين. توارث خطة الشرطة: خطة الشرطة في دولة بني أمية بالأندلس، كانت متوارثة، شأنها في ذلك شأن معظم خطط الدولة، فقد تعاقب على خطط الشرطة بدرجاتها الثلاث أبناء أسر معينة، فقد تولاها: حارث بن أبي سعد، المتوفى سنة (٢٢٢) هـ (٨٣٧ (١)) وخلفه عليها ابنه محمد المتوفى سنة (٢٦٠) هـ (٨٧٤ م (٢)) ومن أسرة آل عاصم تولى الشرطة كل من: إبراهيم بن حسين بن عاصم، المتوفى سنة (٢٥٦) هـ (٨٧٠ م) (٣)، وعبد الله ابن عاصم الذي كان من جلساء الأمير محمد بن عبد الرحمن (٤)،

стр. 878

وحسين بن أحمد ابن عاصم (١)، وأخيراً عبد الله بن حسين بن إبراهيم بن عاصم المتوفى سنة (٤٠٣) هـ (١٠١٣ م (٢)). ومن أسرة مرتنيل، تولى خطة الشرطة كل من: محمد بن خالد بن مرتنيل، المعروف بالأشج المتوفى سنة (٢٢٠) هـ (٣) (٨٣٥ م) كما تولاها إبراهيم بن حسين بن خالد بن مرتنيل، المتوفى سنة (٢٤٩) هـ (٨٦٣ (٤)). وهناك ثلاثة من أسرة ابن حدير تولوا خطة الشرطة، هم: سعيد بن سعيد بن حدير، وهو أول من تولى الشرطة الوسطى في عهد الخليفة عبد الرحمن الناصر سنة (٣١٧) هـ (٩٢٩ م (٥)) وسعيد بن أحمد بن محمد بن سعيد بن موسى بن حدير، المتوفى سنة (٣٩١) هـ (٦) (١٠٠١ م) وأخيراً محمد بن يحيى بن عبد الرحمن بن حدير، المتوفى سنة (٤١٤) هـ (١٠٢٤ م) (٧).

стр. 879

ومن أسرة ابن أبي عبده، هناك عيسى بن أحمد بن أبي عبده (١)، وعباس بن أحمد بن محمد بن محمد بن أبي عبده (٢)، وعبد الله بن أحمد بن أبي عبد هـ (٣). السجون: عندما استولى الأمير عبد الرحمن بن معاوية على قرطبة وقصر إمارتها، كان السجن يقع بالقرب من ذلك القصر الذي اتخذه الأمير الأموي مقراً لإمارته. وعندما تحدث ابن الآبار عن ذلك السجن، ذكر أنه كان ملاصقاً للقصر، ويصل بين السجن وبين نهر الوادي الكبير سرداب اتخذ للمساجين ينتهي بهم إلى الجزء المنخفض من شاطئ النهر ليستخدموه للطهور والوضوء، والرقباء يتابعونهم ولا يغفلوا عنهم لحظة طيلة خروجهم إلى النهر (٤). ومن هذا السجن هرب أبو الأسود محمد بن يوسف الفهري عندما حبسه الأمير عبد الرحمن الداخل، إذ تمكن من التمثيل على الموكل به في السجن أنه أعمى وأجاد التمثيل إلى أن انطلت حيلته عليه فهرب (٥).

стр. 880

ولعل هذا الحبس هو الذي أراده ابن حوقل عندما ذكر أثناء حديثه عن قرطبة أن الحبس يقع بالقرب من المسجد الجامع (١)، وربما يكون هو الذي أطلق عليه ابن القوطية مسمى "دار الرهائن (٢) " إذ ذكر أنه مجاور لباب القنطرة المؤدي إلى قنطرة قرطبة المقامة فوق نهر الوادي الكبير، وبما أن السجناء كانوا يستخدمون حافة النهر للطهارة والوضوء، فمن الطبيعي أن يكون المكان عراء، يفتقد إلى شيء يستتر خلفه من أراد قضاء حاجته، وهذا أمر متعمد، لكي تسهل عملية المراقبة. وقد ذكر ابن حيان أن السجناء كانوا يغشون هذا الموضع من غير سترة (٣)، الأمر الذي جعل الفقيه محمد بن عبد السلام الخشني، المتوفى سنة (٢٨٦) هـ (٨٩٩ م) يأنف من هذه الصورة، وبسببها لم يذق الطعام طيلة ثلاثة أيام، وهي المدة التي قضاها في السجن وبذلك لم يضطر للذهاب إلى هذا المكان (٤). وهناك سجن آخر يسمى "حبس الدويرة" ذكره ابن القوطيه أثناء حديثه عن الأمير الحكم الربضي (٥)، ويرى الدكتور عبد العزيز سالم أن حبس الدويرة هو نفس الحبس القديم الذي كان أبو الأسود قد سجن به،

стр. 881

ويحتج على ذلك بأن الفترة الزمنية الفاصلة بين الأمير عبد الرحمن الداخل وبين حفيده الأمير الحكم الربضي من القصر بحيث لا تسمح باستحداث سجن جديد (١). ولكني أرى أنه سجن آخر، إذ أن اسمه أولاً يدل على صغر حجمه، وبذلك لا يصلح أن يكون سجناً عاماً، فضلاً عن أن ابن القوطيه عاد وذكر قصة تؤيد ما ذهبت إليه، وهي قصة الوزير صاحب المدينة أمية بن عيسى بن شهيد عندما استخلفه الأمير محمد بن عبد الرحمن عند خروجه إلى بعض مغازيه، وكان على سطح القصر أحد أولاد الأمير، وعندما حاول هذا الولد مغادرة السطح هدده الوزير ابن شهيد بأنه سوف يضع قيود الحديد في رجليه ويلقي به في حبس الدويره حتى يرجع والده (٢). وهذه القصة تؤكد على أن حبس الدويره غير الحبس القديم، إذ أنه يقع في القصر، فضلاً عن أنه من المستحيل وضع ولد الأمير مع بقية المساجين في السجن العام. ويمكن أن يكون حبس الدويره مخصصاً لعلية القوم، إن لم يكن خاصاً بأبناء البيت الأموي، فقد ذكر ابن حيان أن الأمير محمد بن عبد الرحمن عندما تولى الإمارة، كان أول أمر أصدره هو الإفراج عن القاسم وعبد الملك وعبد العزيز أبناء العباس المرواني، إذ كانوا مسجونين في

стр. 882

سجن الدويره (١)، وقبله كان الأمير الحكم الربضي قد سجن به مجموعة خاصة من الفقهاء الذين ثاروا ضده (٢). ويذكر بروفنسال أن هذا الحبس كان يقع تحت الأرض في القصر، وأنه كان مخصصاً لمن حكم عليه بالإعدام (٣). وهناك حبس آخر يحمل نفس المسمى "الدويره" أنشأه الخليفة الحكم المستنصر بالله سنة (٣٦١) هـ (٩٧٢ م) في الدار المنسوبة للسقائين بالقرب من سجن الزهراء (٤). وهناك سجن آخر يدعى "دار البنيقة (٥) " كان يقع داخل قصر الإمارة بقرطبة، وفيه حبس الأمير عبد الله بن محمد ولده محمد وأخاه القاسم بن محمد (٦). ومن أشهر سجون قرطبة سجن يدعى "المطبق" ويرى بعض المختصين بالدراسات الأندلسية أنه استحدث زمن الدولة الأموية (٧)، وإذا

стр. 883

كان الأمر كذلك، فيكون إنشاؤه قد تم قبل سنة (٢١٠) هـ (٨٢٥ م) إذ ان ابن حيان ذكر أنه في هذه السنة مات مالك بن القتيل في المطبق (١). ويقع سجن المطبق داخل قصر قرطبة، ومن أشهر نزلائه الوزير هاشم بن عبد العزيز، عندما سجنه الأمير المنذر بن محمد، ومن هذا السجن كتب الوزير هاشم إلى جاريته "عاج" عدة أبيات، أولها: وإني عداني أن أزورك مطبق وباب منيع بالحديد مضبب (٢) كما أن الأمير عبد الله بن محمد قد سجن في المطبق كلاً من: أخيه هشام، ومروان بن عبد الملك بن عبد الله بن أمية وسعيد بن وليد الشامي وأحمد بن هشام بن الأمير عبد الرحمن وموسى بن محمد بن زياد، وذلك يوم الخميس لست خلون من شعبان سنة (٢٨٤) هـ (٩ سبتمبر (٨٩٧) م (٣)) ويوجد في سجن المطبق، بيت يعرف "ببيت البراغيث" وفيه كان المنصور بن أبي عامر قد سجن به الحاجب جعفر بن عثمان المصحفي (٤). ومما تجدر الإشارة إليه أن الأمير أو الخليفة الأموي إذا سخط من أحد رجالات دولته، بسبب إهماله أو نحو ذلك، ففي هذه الحالة ليس بالضرورة أن يبعث به إلى السجن العام، بل يتم سجنه في أحد الأماكن بالقصر، مثل ما فعل الخليفة الحكم المستنصر بالله عندما سخط على الخازن

стр. 884

أحمد بن محمد بن حاجب فأمر بعزله عن الخزانة وحبسه في بيت العمال بفصيل باب الجنان من قصر قرطبة، وذلك في شهر المحرم من سنة (٣٦٤) هـ (أكتوبر (٩٧٤) م (١)). وفي السجون رجال اختصوا بتعذيب المساجين، يعرف كل منهم باسم "الضاغط" ولدينا عدة أسماء اشتهرت بالقسوة، فهناك ضاغط يدعى "عمير" كان مسئولاً عن التعذيب في السجن إبان عهد الأمير محمد بن عبد الرحمن، وهو الذي عناه الشاعر عبد الله بن حسين بن عاصم عندما خاطب الأمير محمد بن عبد الرحمن مغرياً إياه بابن عمه سعيد بن عبد الملك بن سعيد بن عاصم، صاحب الطراز، وذلك عندما نكبه الأمير، فقد قال عبد الله بن عاصم: - أحل عليهم عميرا أن يذيقهم … طيب العصافير إن القوم قد سمقوا (٢) وعمير هذا هو الذي عناه الشاعر السفير يحيى الغزال بقوله وهو يخوف أحد الظلماء: - فكأني بعمير منك … قد سل الحشاشة أنت والله كما حا مت … على النار الفراشة (٣) ويصف ابن حيان عميرا هذا بقوله: "كان ضاغطاً للأمير محمد، وكان يتولى له تعذيب من يسخط عليه، يبدع في ذلك مكاره يستعاذ بالله

стр. 885

منها، وكان شديد القساوة، فظاً لايعرف الرحمة، فله في شأنه أخبار معروفة، وكانت العصافير آلة من آلات تعذيبه (١) ". وكان الذي يلي تعذيب الحاجب المصحفي يدعى واثق الضاغط، وهو الذي سلطه المنصور بن أبي عامر على المصحفي، يضيق عليه في سجنه ويحضره مراراً إلى مجلس الوزراء لمحاسبته، وفي كل مرة كانت الشدة والقسوة السمة البارزة لتعامل واثق الضاغط معه (٢). ويذكر ابن حيان أن الخليفة المستظهر بالله عبد الرحمن بن هشام عندما قبض على جماعة من وزرائه لمصادرتهم، ولى مسئولية محاسبتهم وإخراج ما بأيديهم أحد مسئولي التعذيب ويدعى نجاح الضاغط (٣)، ولا نعرف أنواع التعذيب التي كانت تجري داخل السجون في تلك الفترة، لكن ابن حزم ذكر أن الخليفة عبد الرحمن الناصر كان يعلق أولاد السودان في ناعورة قصره بدلاً من الأقداس الغارقة في الماء (٤). كما كانت لديه دار خاصة بالأسود، اتخذها لإرهاب الناس، وهذه الدار تقع "ظهر قصره فوق القنطرة الماثلة على الخندق، وبجوفه المطبق به ينسب إليها اليوم فتدعى قنطرة الأسود (٥) ".

стр. 886

ويبدو أن المسئولين عن التعذيب قد اختيروا بعناية فائقة، فهم باختصار أجساد بلا قلوب، يدل على ذلك ما ذكره ابن حيان عن كيفية مقتل الشاعر الأديب عبد الملك بن إدريس الجزيري، في سجن المطبق بالزاهرة، حيث خُنق بداخل السجن على أيدي بعض السودان (١) وقد نقل لنا ابن حبان كيفية الخنق تلك، فقال: "أخبرني أبي خلف بن حسين، قال: سألت الذي تولى قتل الجزيري في محبسه، فجعل يصف لي سهولة ما عانه منه لقضافته وضعف أسره، ويقول: ما كان الشقي إلا كالفروج في يدي، دققت رقبته بركبتي فما زاد أن نفخ في وجهي، فعجبت من جهل هذا الأسود (٢) ". وكان التعذيب البدني يجري لبعض السجناء، فقد ذكر ابن بشكوال أن أبا عمر أحمد بن محمد بن فرج، أحد الشعراء، قد نقلت عنه كلمة عامية ضد الدولة، وذلك في عهد الخليفة الحكم المستنصر بالله، فسجن بسجن جيان مدة سبعة أعوام أو أكثر، وخلال هذه المدة نيل بمكروه في جسده ولم يخرج إلا بعد وفاة الخليفة الحكم، لكنه لم يلبث إلا يسيراً ثم توفي (٣). والدولة الأموية في الأندلس، كانت تحرص على تثقيف المساجين -من غير الأعلام- ثقافة موجهة، تخدم نظام الحكم في المقام الأول؛ ولأجل

стр. 887

تحقيق هذا الغرض يتم تكليف أحد رواة الأخبار بالاختلاف إلى السجن في أوقات محددة، حيث يجتمع بالمساجين، ويسمعهم قصص ذات نهج محدد، وإذا ما انحرف المؤدب عن هذا النهج تتم معاقبته. ومما يدل على ذلك ما ذكره ابن القوطية من أن الوزير صاحب المدينة في عهد الأمير محمد بن عبد الرحمن، أمية بن عيسى بن شهيد "خطر بدار الرهائن المجاورة لباب القنطرة ورهائن بني قسي ينشدون شعر عنترة، فقال لبعض الأعوان: "ايتني بالمؤدب … فقال له: لولا أني أعذرك بالجهل لأدبتك، تعمد إلى شياطين قد شجى الخلفاء بهم، فترويهم الشعر الذي يزيدهم بصيرة في الشجاعة، كفّ عن هذا ولا ترويهم إلا خمريات الحسن بن هانئ وشبهها من الأهزال (١) ". الشرطة في زمن الفتنة: اختفت في تلك الفترة التقسيمات التي عرفناها من قبل للشرطة، فلم يعد هناك إلا نوع واحد منها يتمتع بكافة صلاحيات الأنواع الأخرى من الشرطة (٢). ونظراً لأن فترة الفتنة كانت مضطربة، لم تعرف الاستقرار، لذا نرى كثرة الأسماء التي تعاقبت على خطة الشرطة، إذ أن كل من انتزى على كرسي الخلافة، أحضر صاحب شرطته معه (٣).

стр. 888

وممن تولى خطة الشرطة في تلك الفترة محمد بن المغيرة تولاها لابن عمه الخليفة المهدي في بداية وصوله للخلافة (١) كما تولاها اللغوي القرطبي عبد الله بن أحمد بن قند، المتوفى سنة (٤٠٠) هـ (٢) (١٠١٠ م). وأما ابن وداعة فقد تولى الشرطة للخليفة هشام المؤيد في بداية خلافته الثانية (٣). وقد ذكر ابن الأبار أن العالم ابن الغربالي عبد الله بن حسين بن إبراهيم بن حسين بن عاصم، قد تولى الشرطة بقرطبة، وقد قتله البربر يوم دخولهم قرطبة سنة (٤٠٣) هـ (٤) (١٠١٣ م). وتولى خطة الشرطة الفقيه أبو عمر أحمد بن محمد بن عفيف، المتوفى سنة (٤١٠) هـ (٥) (١٠١٩ م). ومحمد بن يحيى بن عبد الله بن قاسم القيسي المعروف بابن الخفاريه، المتوفى سنة (٤١١) هـ (٦) (١٠٢١ م). ومحمد بن يونس بن عبد الله المتوفى سنة (٤١٨) هـ (٧) (١٠٢٨ م).

стр. 889

وأبو عبد الله محمد بن علي بن هشام بن عبد الرؤوف، المتوفى سنة (٤٢٤) هـ (١) (١٠٣٣ م).

стр. 890

خطة المدينة ذكر الأستاذ حسين مؤنس أنه كان يوجد في النظام السائد في الأندلس قبل الفتح الإسلامي حاكم خاص للمدينة، يسمى DEFENSOR CIVITATIS أي حامي المدينة أو حارسها، ثم أصبحت في عجمية أهل الأندلس ZAHALMEDINA أو ZAFALMEDINA أو ZALMEDINA أي صاحب المدينة، واستمر هذا المصطلح متداولاً ومعمولاً به في ظل الحكم الإسلامي للأندلس (١). ولكن رغم أن المسلمين قد ورثوا هذا المصطلح عن القوط والرومان، إلا أن المصادر الإسلامية لم تستخدمه بوضوح إلا في عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط، ولعل هذا راجع إلى أن هذا الأمير هو المنظم للجهاز الإداري للدولة الأموية في الأندلس، بالإضافة إلى أن منصب "المدينة" كان متداخلاً مع غيره من المناصب، ولم يصبح مستقلاً بذاته إلا في أوائل القرن الثالث الهجري "التاسع الميلادي" وذلك عندما ميز الأمير عبد الرحمن الأوسط "ولاية السوق عن أحكام الشرطة المسماة بولاية المدينة (٢) ".

стр. 891

وخطة المدينة هي إحدى الخطط الدينية التي تخوّل صاحبها حق إصدار الأحكام، وفي هذا يقول القاضي ابن سهل "وللحكام الذين تجري على أيديهم الأحكام ست خطط: أولها القضاء .. والشرطة .. وصاحب المظالم، وصاحب الرد … وصاحب المدينة، وصاحب السوق (١) ". ومن هنا يتضح لنا أن خطة المدينة أصبحت قائمة بذاتها، لها كيانها الذي يميزها عن سواها، وإذا كان البعض يرى أن هناك ازدواجية بين عمل صاحب المدينة وأصحاب الشرطة (٢)، فذلك راجع إلى أن أصحاب الشرطة -العليا والوسطى والصغرى- هم تحت إمرة صاحب المدينة الذي يعتبر المسئول عما يجري داخلها، فهو أشبه ما يكون بوزير داخلية، المسئول الأول عن الأمن. ومن يشغل هذه الخطة يسمى "حاكم المدينة (٣) " أو "متقلد المدينة (٤) " وكذلك "والي المدينة (٥) " ولكن المصطلح الذي اشتهر استخدامه هو: "صاحب المدينة (٦) ".

стр. 892

وصاحب المدينة -كما يرى ابن عبد ون- لابد أن يكون "رجلاً عفيفاً فقيهاً شيخاً؛ لأنه في موضع الرشوة وأخذ أموال الناس، وربما فجر إن كان شاباً شريباً (١) ". ولابد له من أعوان ينفذون أوامره ويساعدونه على أداء المهام المناطة به، ونظراً لحساسية منصبه، فعليه أن يكون حذراً في التعامل مع أعوانه، فلا يقبل منهم شيئاً إلا ببينة لا تحتمل الشك، ذلك لأنهم إلى الشر أقرب منهم إلى الخير (٢). ولقاضي الجماعة دور في عمل صاحب المدينة، فهو رقيب عليه، ومن أجل ضبط هذه الرقابة، فمن حق القاضي استخلافه أحياناً من أجل اختبار فقهه وحسن تصرفه (٣). وبأمر القاضي فليس من حق صاحب المدينة أن يرسل أكثر من واحد برسالة خارج البلد، وعلل ابن عبد ون ذلك بقوله "لئلا يكثر الجُعل والأذى والنهب (٤) ". وبالجملة فليس من حق صاحب المدينة أن يقدم على تنفيذ أي أمر من الأمور الجسيمة، إلا بعد إطلاع الأمير أو الخليفة، وقاضي الجماعة على ذلك (٥).

стр. 893

ويبدو أن ابن عبد ون قد أدلى بآرائه هذه، وهو متأثر بأحداث عصره "عصر ملوك الطوائف" أما في عهد دولة بني أمية، وبالذات الأقوياء من الأمراء والخلفاء، فليس من الضروري أن تصدق تلك الآراء في تلك المدة أو تطبق (١). ومهما يكن، فالأمر لم يترك مفتوحاً أمام الأعوان ليمارسوا سلطاتهم، كما تمليه عليهم رغباتهم، بل إن ابن عبد ون، الذي استفاد مما كان سائداً قبله في عهد الأمويين، وضع لأولئك الأعوان ضوابط يسيروا وفقها في أداء مهامهم، لكي لا ينحرف الهدف الذي من أجله تمت الاستعانة بهم، وهذه الضوابط هي بالنهاية سياج يحمي كرامة الآخرين من تسلطهم، فقد ذكر أن الحد يقام على من استحقه منهم، إذ ليس أقبح من أن يكونوا يغيروا المنكر بزعمهم وهم يفعلونه، كما يجب أن يمنعوا من التفتيش ليلاً كان أو نهاراً، فذلك فيه هتك لستر من يتم تفتيشه، كما أن من ألقوا عليه القبض في الليل، وهو ممن لاتأخذه تهمة ولا ظنه، فعليهم أن يوصلوه إلى داره وهو موفور الكرامة، وأما من اشتبه بأمره فعليهم ألا يلحقوا به الأذى سواء مادياً أو معنوياً، بل يحضروه عند صاحب المدينة

стр. 894

بالهيئة التي وجدوه عليها، فإن سجنوه، يتم سجنه في أحد الفنادق بكفالة ساكنيه حتى الصباح (١). ولقاضي الجماعة الحق في إحضار صاحب المدينة إلى مجلسه، وذلك لمساءلته عن تجاوزاته، فقد ذكر الخشني أن قاضي الجماعة سليمان بن أسود، أحضر صاحب المدينة إلى مجلسه، ليقضي بينه وبين من رفع دعوى ضده (٢). وعندما جرى في قرطبة أمر أخل بالأمن، ولم يتخذ صاحب المدينة أمية بن عيسى الحلول اللازمة، قام قاضي الجماعة سليمان بن أسود برفع الأمر للأمير محمد بن عبد الرحمن طالبه فيه بعزل صاحب المدينة عن منصبه لتقصيره (٣). وبمقابل ذلك فإنه عندما يهيج العوام ضد قاضي الجماعة، مثلما فعلوا بالقاضي محمد بن يبقى بن زرب، المتوفى سنة (٣٨١) هـ (٩٩١ م) بسبب تكراره لصلاة الاستسقاء وعدم نزول المطر، فإن صاحب المدينة هو الذي يتولى حمايته منهم (٤)، كما أنه إذا تطاول أحدهم على الخطيب

стр. 895

أثناء خطبة الجمعة، فإن صاحب المدينة يأمر بالقبض على ذلك المتطاول وحمله إلى السجن (١). مهام صاحب المدينة: نظراً لفخامة منصب صاحب المدينة، فإن المهام المناطة به، تبدو جسيمة تناسب أهمية المنصب، ولعل من أعظم المهام الملقاة على صاحب المدينة، أن الأمير أو الخليفة الأموي، يستخلفه أحياناً أثناء غيابه عن العاصمة (٢). وقد عرفنا من قبل أن من رسوم بني أمية أنه عند مغادرة الأمير أو الخليفة للعاصمة، فإنه يترك أحد أولاده، سواء كان ولي العهد أو غيره، على سطح القصر، ويجعل صاحب المدينة ملازماً له على الدوام، ويكون من حقه منع الولد من مغادرة السطح حتى وإن اضطر إلى تهديده بوضع قيد الحديد في رجله، وهذا ما كاد أن يفعله صاحب المدينة أمية بن عيسى بن شهيد بأحد أولاد الأمير محمد ابن عبد الرحمن (٣)، الأمر الذي يعطي دلالة أكيدة على قوة شخصية صاحب المدينة، حتى أنه لم يأبه بولد الأمير مادام في الأمر مصلحة للدولة.

стр. 896

ومما يدل على نزاهة صاحب المدينة أمية بن عيسى بن شهيد، وقوة شخصيته أنه وقف أمام رغبة الأمير محمد عندما أمره أن يحبس أحد أهل العلم. والقصة كما رواه ابن القوطية تدور حول فقيه كان يقطن في إحدى الكور، لكنه فر من عاملها إلى قرطبة، فكتب ذلك العامل للأمير محمد كتاباً يغريه فيه بذلك الفقيه، ويزين له ضمه إلى الحبس، فأصدر الأمير أوامره لابن شهيد بحبس ذلك الفقيه، فرد عليه قائلاً: "لاوالله، ماأحبس رجلاً من أهل العلم والرواية، فرَّ من جور ظالم مشهور بالظلم، ولو كان فيه خير مافرّ مثله عنه (١) " فما كان من الأمير إلا أن عدل عن رأيه وكتب إلى ذلك العامل كتاباً يوبخه فيه على فعله (٢). ولم يقتصر الأمر في قوة الشخصية والنزاهة على أمية بن عيسى بن شهيد فقط، فلدينا صاحب المدينة وليد بن عبد الرحمن بن غانم، المتوفى سنة (٢٩٢) هـ (٩٠٥ م) ففي أثناء ولايته للمدينة، حدثت مجاعة شديدة سنة (٢٦٠) هـ (٣) (٨٧٤ م) " لم يزرع فيها بالأندلس حبة ولا رفعت (٤) " "ومات فيها أكثر الخلق (٥) " فاستشار الأمير محمد الوزراء وأصحاب

стр. 897

المشورة، وعرض عليهم رأيه في فرض العشور على الغلات، والزام الرعية بذلك لمواجهة تلك الأزمة، فوافقوه على ذلك، ولم يعترض عليه إلا صاحب المدينة وليد بن عبد الرحمن الذي طلب من الأمير أن يرفق بالرعية في ظل هذه المحنة، وأن يخرج مما في مستودعات الدولة وبيت المال، لينفق على الجنود والرعية المتعبة من شدة المجاعة (١)، ثم قال له: "فإنه الحق على مثلك من ولاة العدل، فقد بلغنا أن طواغيت الروم فعلته بقسطنطينة ورومه، وأنتم أولى بذلك (٢) ". إلا أن الأمير لم يقتنع برأي ابن غانم، الذي أصر على موقفه، فكانت فرصة لأحد الطغاة الظلمة، يدعى حمدون بن بسيل المعروف بالأشهب، الذي عرض على الأمير أن يوليه المدينة، وهو يتكفل له بتنفيذ مراده، فوافق ذلك هوى في نفس الأمير، فعزل ابن غانم وولى الأشهب الذي "هتك الستور وضرب الظهور وقتل الأنفس بالتعليق (٣) " فضج الناس عليه بالدعاء في كل جمعة، حتى أماته الله تعالى، وهنا استدعى الأمير محمد وليد بن غانم وأراده أن يعود إلى المدينة، فأجابه قائلاً: "أما وقد صرت

стр. 898

عندك في محل من يديله حمدون بن بسيل أو مثله، فلا والله لا خدمتك في المدينة أبداً، فولى غيره" (١). ومن بين مهام صاحب المدينة، التحقيق في حوادث القتل التي تحدث في البلد، مثل حادثة الرجل الذي وجد مقتولاً في قرطبة، وذلك في يوم الأول لولاية محمد بن السليم للمدينة في عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط (٢). وإذا احتاج الأمير إلى رأي الفقهاء في أمر ما، فإنه يكلف صاحب المدينة بالقيام في هذه المهمة، مثل ما حدث في قصة ابن أخي عجب، وما نسب إليه من ألفاظ تطاول على الباري جل وعلا (٣)، فبعد أن اجتمع بهم صاحب المدينة ابن السليم في مجلسه المسمى: مجلس النشمه (٤)، عرض عليهم القضية وطلب أن يكتب كل واحد منهم رأيه في صك منفرد ليعرضها جميعاً على الأمير، الذي ما أن تصفحها حتى أصدر قراره بعزل

стр. 899

قاضي الجماعة الحبيب محمد بن زياد عن منصبه ومن تابع رأيه من فقهاء الشورى، كما أمر بصلب ابن أخي عجب (١). من هذه القصة، ندرك أن لدى صاحب المدينة مجلس خاص به، وأنه هو الذي يتولى رفع الآراء التي تتم في هذا المجلس للأمير، كما أنه هو الذي يبلغ قاضي الجماعة وفقهاء الشورى بعزلهم عن مناصبهم. ومن مهام صاحب المدينة، تفقد السجن العام وما يدور فيه (٢) وإخراج بعضهم منه بأمر الأمير (٣) أو الخليفة (٤)، وإذا مات قاضي الجماعة أو عزل، تولى صاحب المدينة قبض ديوان القاضي، ويتحفظ عليه حتى يعين الأمير قاضٍ آخر (٥). ونظراً لأن من رسوم الدولة أن الأمير أو الخليفة إذ أراد الخروج للصيد والنزهة، فإنه لا يسمح لأحد بعبور قنطرة قرطبة أو الاقتراب من مكان النزهة، فإن صاحب المدينة يقوم بهذه المهمة، ومن وجده مخالفاً للأوامر فإنه يحبسه (٦).

стр. 900

كما أن صاحب المدينة يتولى أخذ البيعة الخاصة والعامة للأمير عند توليه للإمارة (١). وعندما يكون هناك وفد رفيع المستوى، يقوم بزيارة رسمية للدولة، فإن الخليفة يصدر أوامره لصاحب المدينة، بأن يجمع فتيان قرطبة وأحداثها، ويظهروا قوتهم للوفد الزائر، وذلك من خلال حملهم السلاح، وهذا ما قام به الوزير صاحب المدينة جعفر بن عثمان المصحفي في الاحتفال الذي أقيم بمناسبة وفود جعفر ويحيى ابني علي بن حمدون على الخليفة الحكم المستنصر بالله، وذلك في أواخر شهر ذي القعدة سنة (٣٦٠) هـ (سبتمبر (٩٧١) م) (٢). كما يتولى تقديم الخلع والهبات للوافدين على الخليفة (٣)، ويشرف على نقل بعض الأجهزة الإدارية من موقع لآخر (٤)، ومعاقبة المفسدين ومثيري الفتن بسجنهم وتعقب الفارين منهم (٥)، وكذلك مطاردة أهل البدع والتضييق عليهم وإخافتهم والزج بمن قبض عليه منهم في السجن (٦).

стр. 901

وبأمر من الخليفة يتولى صاحب المدينة إذلال وتوبيخ من سخط عليه الخليفة، حتى وإن كان من كبار رجالات الدولة (١). ومن مهام صاحب المدينة تنفيذ أوامر الأمير أو الخليفة باستنفار الناس للجهاد، ولا يأذن لأحد بالتخلف إلا إن كان من أهل الأعذار، أو أن صاحب المدينة تغاضى عنه شريطة ألا يظهر من داره حتى يعود الجيش الغازي (٢)، ومن فر من أرض المعركة فإن صاحب المدينة يتولى مسئولية القبض عليه بأمر من الأمير أو الخليفة، وإذا صدرت الأوامر بصلبهم تولى الإشراف على تنفيذه (٣)، كما أنه يتولى مصادرة من نكب من رجالات الدولة ومصادرة المقربين إليه (٤). والأمير أو الخليفة الأموي حريص على صلة رحمة من خلال تفقد أحوالهم، وإن كان الأمر لا يخلو من نظرة أمنية، وصاحب المدينة هو الذي يقوم بهذه المهمة، إذ يعمد إلى تكليف أمناء العطب والنوازل بتحديد يوم من كل أسبوع لا يخلون فيه أبداً، يقومون فيه بتفقد أحوالهم، وإبلاغ صاحب المدينة بكل شيء، ليرفع ذلك بتفاصيله للخليفة ليرى فيه رأيه (٥).

стр. 902

وصاحب المدينة لا يسير إلا في موكب خاص يرافقه أثناء ذهابه إلى مجلسه الكائن بجوار مجلس الخزَّان (١)، في حين أن من جمعت له المدينة مع الشرطة العليا فإنه يستخدم كرسي الشرطة العليا بباب قصر قرطبة أو قصر الزهراء مكاناً له (٢). ومن رسوم الدولة الأموية في الأندلس أن الوزير صاحب المدينة بقرطبة مقدم على نظيره الوزير صاحب المدينة بالزهراء، و يتضح ذلك من خلال ترتيب جلوسهما أثناء الاحتفالات الرسمية التي تقام في قرطبة، سواء عند السلام على الخليفة لتهنئته بأحد العيدين أو بمناسبة زيارة وفد رفيع المستوى. ففي الاحتفال الذي أقامه الخليفة الحكم المستنصر بالله عند جلوسه لرعيته، لتهنئته بعيد الفطر سنة (٣٦٢) هـ (يوليو (٩٧٣) م) كان الوزير صاحب المدينة بقرطبة جعفر بن عثمان المصحفي يحجب الخليفة عن يمينه، وقام عن يساره صاحب المدينة بالزهراء محمد بن أفلح (٣). ولكن إذا تعذر جلوس صاحب المدينة بقرطبة عن يمين الخليفة، فعندها يصبح مكانه عن يسار الخليفة، ويجلس تحته صاحب المدينة بالزهراء، وهذا ما جرى في الاحتفال بمناسبة قدوم الوزير القائد الأعلى غالب بن عبد الرحمن الناصري من العدوة المغربية، ففي هذا الاحتفال

стр. 903

الذي أقيم في يوم السبت لسبع خلون من شهر المحرم سنة (٣٦٤) هـ (سبتمبر (٩٧٤) م) جلس الخليفة الحكم المستنصر بالله، وقام للحجابة عن يمينه الوزير القائد الأعلى غالب بن عبد الرحمن وعن يساره الوزير صاحب المدينة بقرطبة جعفر بن عثمان المصحفي وتحته محمد بن أفلح صاحب المدينة بالزهراء (١). وصاحب المدينة إن لم يحمل لقب وزير، ففي هذه الحالة يكون أقل مرتبة من الوزير، دل على ذلك ما ذكره ابن حيان من أن الأمير عبد الرحمن الأوسط ولي عبد الواحد بن يزيد الاسكندراني خطة المدينة، ثم رقاه بعد ذلك إلى الوزارة والقيادة (٢). وممن تولى خطة المدينة بقرطبة، بالإضافة إلى خطة إحدى المدينتين الزهراء أو الزاهرة، فإنه يطلق عليه لقب "صاحب المدينتين" ولم يرد في المصادر طوال فترة الدراسة أن أحداً حمل هذا اللقب إلا عمرو بن عبد الله بن أبي عامر (٣) الملقب بعسكلاجه، فقد ولاه ابن عمه الحاجب المنصور بن أبي عامر مدينة قرطبة، وعندما أتم المنصور بناء مدينة الزاهرة أقامه عليها، فأصبح يلقب بـ"صاحب المدينتين (٤) ".

стр. 904

وكان مرتب صاحب المدينة في عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط يبلغ مائة دينار، فهو عندما مّيز ولاية السوق عن أحكام الشرطة المسماة بولاية المدينة، فأفردها وصير لواليها ثلاثين ديناراً في الشهر ولوالي المدينة مائة دينار (١) ". ونظراً للوضع الاقتصادي المتميز الذي عاشته الأندلس بالذات في القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي)، فمن المتوقع أن يكون مرتبه الشهري قد تجاوز ما كان عليه أيام الأمير عبد الرحمن الأوسط. من تولى خطة المدينة: المصادر الأندلسية لم تورد ذكراً للقب "صاحب المدينة" قبل عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط، ولكن هذا لا يعني أبداً أن هذا اللقب أو المصطلح لم يكن مستعملاً. وبصفة عامة يمكن القول بأن أبا عثمان عبيد الله بن عثمان، كبير موالي بني أمية بالأندلس، هو أول من قام بأعباء "صاحب المدينة" في الدولة الأموية، ونستشف ذلك من خلال ما أورده أحد المؤرخين من أن الأمير عبد الرحمن الداخل عندما بلغه أن يوسف الفهري والصميل بن حاتم قد استوليا على إلبيره، جمع قواته ثم غادر قرطبة وخلف عليها أبا

стр. 905

عثمان (١)، كما كان الأمير عبد الرحمن الداخل يستخلف أحياناً مولاه بدراً على قرطبة عند مغادرته لها (٢). وغير هذين الخبرين لا نجد ذكراً لصاحب المدينة إلا في عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط. ورغم هذا النقص، فإننا لا نعرف من تولى المدينة منذ بداية عهده، إذ نفاجأ بما ذكره ابن القوطية من أن الأمير عبد الرحمن الأوسط قد سئم من كثرة الشكاوى المقدمة إليه ضد كل من تولى المدينة، وكانوا جميعاً من القرطبيين، فأقسم ألا يوليها رجلاً من أهل قرطبة، ثم أخذ يسأل عَمن يستحقها فاستدل على رجل من أهل إحدى الكور، عُرف بالفطنة وحسن العقل، يدعى محمد بن السليم، فاستدعاه وولاه المدينة (٣). وذكر ابن الفرضي أن ممن تولى المدينة للأمير عبد الرحمن الأوسط، رجلاً يدعى ابن لُبيد، وفي سجنه ختم الفقيه يحيى بن يزيد الأزدي، القرآن أربعين مرة، وفي هذا يقول الفقيه يحيى بن يحيى الليثي، مخاطباً يحيى الأزدي: "ما أشقى من ختمت القرآن في حبسه أربعين مرة (٤) ".

стр. 906

وكان الأمير محمد بن عبد الرحمن يداول في ولاية المدينة بين أمية بن عيسى بن شهيد وبين وليد بن عبد الرحمن بن غانم، وذلك لإدراكه رجاحة عقليهما، وأنهما لا يراقبان في أحكامهما إلا الله تعالى (١). وفي عهد الأمير المنذر بن محمد كان حفص بن بسيل يلي المدينة (٢). وورد لدى ابن حيان أن في سنة (٢٨١) هـ (٨٩٤ م) عزل الأمير عبد الله بن محمد حفص ابن بسيل عن المدينة وجعل مكانه عبد الله بن محمد بن نصر (٣)، لكنه لم يستمر في منصبه أكثر من سنة، فقد صُرف وولي مكانه مروان بن عبد الملك بن أمية وذلك سنة (٢٨٢) هـ (٤) (٨٩٥ م) ولأمر ما فقد سخط الأمير على ابن أمية فعزله وجعل بدلاً منه أحمد بن محمد بن أبي عبد هـ سنة (٢٨٣) هـ (٥) (٨٩٦ م). ثم تولى المدينة محمد بن أمية بن عيسى بن شهيد، ولا ندري متى كان ذلك، لكن خبراً ورد لدى الخشني أفاد بأنه في سنة (٢٨٩) هـ (٩٠٢ م) كان محمد بن أمية هو صاحب المدينة في ذلك الوقت (٦)، وقد تمادى في منصبه إلى أن عزل سنة (٢٩٣) هـ (٩٠٦ م) ووليها محمد بن

стр. 907

وليد بن غانم، وكانت ولايته ستة أشهر، ووليها مكانه موسى بن محمد بن حدير (١) الذي عزل عنها سنة (٢٩٥) هـ (٩٠٨ م) ووليها محمد بن عبيد الله بن أبي عثمان، وذلك يوم الخميس، لكنه طلب الإعفاء سريعاً، فعزل ثاني يوم ولايته، وولي مكانه علي بن محمد المعروف باليابسه، الذي لم يستمر أكثر من ثلاثة أيام، إذ سُرعان ما عُزل وأعيد إليها موسى بن محمد بن حدير، فتمادى في ولايتها طيلة ما بقي من عهد الأمير عبد الله (٢)، وأقره عليها الأمير عبد الرحمن بن محمد إلى سنة (٣٠٢) هـ (٩١٥ م) ثم عزله عنها في شهر شوال من تلك السنة، وجعل مكانه محمد بن عبد الله الخروبي (٣)، فظل في منصبه إلى أن توفي في أوائل شهر صفر سنة (٣١٤) هـ (إبريل (٩٢٦) م). ثم تولى المدينة عيسى بن أحمد بن أبي عبد هـ، الذي كان إذا غادر قرطبة بصحبة الأمير عبد الرحمن بن محمد، يخلف عليها ولده أحمد بن عيسى (٤). وفي سنة (٣١٦) هـ (٩٢٨ م) عزل الخليفة عبد الرحمن الناصر أحمد بن عيسى عن المدينة وجعل مكانه أحمد بن عبد الوهاب بن

стр. 908

عبد الرؤوف (١)، ثم عزله عنها في غرة جمادى الأولى (٢) سنة (٣١٩) هـ (مايو (٩٣١) م) وولاها يحيى بن يونس القبري (٣)، لكنه لم يستمر أكثر من أربعة أشهر، إذ عزل عنها ووليها عبد الحميد بن بسيل وذلك في شهر شوال من تلك السنة (٤) واستمر في منصبه إلى أن عزل عنها في شهر شوال من سنة (٣٢٠) هـ (أكتوبر (٩٣٢) م) ووليها بدلاً منه فطيس بن أصبغ (٥). وقد ذكر ابن حيان أنه في شهر ربيع الأول من سنة (٣٢٦) هـ (يناير (٩٣٨) م) ولي خطة المدينة الوزير جهور بن عبيد الله مكان أحمد بن عيسى بن أبي عبد هـ (٦)، وفي سنة (٣٢٧) هـ (٩٣٩ م) عزل الوزير جهور عن المدينة ووليها الخال سعيد بن أبي القاسم (٧). وفي سنة (٣٢٨) هـ (٩٤٠ م) تولى المدينة عبيد الله بن بدر بن أحمد بدلاً من ابن أبي القاسم (٨).

стр. 909

وكان جعفر بن عثمان المصحفي يتولى خطة المدينة بقرطبة، بينما كان محمد بن أفلح يشغل خطة المدينة بالزهراء، وذلك في عهد الخليفة الحكم المستنصر بالله (١). وفي سنة (٣٦٦) هـ (٩٧٧ م) صدر أمر الخليفة هشام المؤيد بالله بتولية محمد ابن عبد الله بن أبي عامر خطة المدينة بقرطبة، بدلاً من محمد بن جعفر المصحفي (٢). ثم إن ابن أبي عامر استخلف على المدينة ابن عمه عمرو بن عبد الله بن أبي عامر، الملقب بعسكلاجه (٣) "فسلك في أهل الشر سبيله، بل أربى عليه في ذلك (٤) ".

стр. 910

ونظراً لكفاءة عمرو بن عبد الله فقد ولاه ابن أبي عامر خطة مدينتي قرطبة والزهراء، فأصبح يعرف بصاحب المدينتين (١). كما تولى مفرج العامري خطة المدينة في زمن المنصور وابنه عبد الملك المظفر (٢)، وأما في عهد الحاجب شنجول فقد كان يلي المدينة عبد الله بن عمر الذي قتله الخليفة المهدي عند استيلائه على قرطبة (٣). توارث خطة المدينة: خطة المدينة خطة متوارثة، شأنها في ذلك شأن بقية الخطط في الدولة الأموية، ولدينا عدة أسر تعاقب أفرادها على خطة المدينة. فعبيد الله بن عثمان الذي يعتبر أول من تولى خطة المدينة لدى الأمويين، نجد من ذريته محمد بن عبيد الله يلي المدينة في آخر عهد الأمير عبد الله بن محمد، ومن أسرة ابن شهيد تولى المدينة كل من: أمية بن عيسى بن شهيد وولده محمد بن أمية. ومن أسرة ابن غانم وليد بن عبد الرحمن بن غانم وولده محمد بن وليد، وهناك ثلاثة من أسرة ابن أبي عبد هـ تولوا المدينة، وهم: أحمد بن محمد بن أبي عابده وابنه عيسى ومن بعده أحمد بن عيسى. والأسرة الأموية تحرص على أن تحصر خطط الدولة في أسر معينة؛ ولذا نجد الخليفة الحكم المستنصر بالله عندما بلغه نبأ وفاة صاحب المدينة

стр. 911

بالزهراء محمد بن أفلح يوم السبت إحدى عشرة ليلة خلت من جمادى الآخرة سنة (٣٦٤) هـ (فبراير (٩٧٥) م) سارع إلى تعيين زياد بن أفلح مكان أخيه المتوفى مجموعة إلى ما بيده من خطتي الخيل والحشم وولاية كورة فريش (١).

стр. 912

النتائج: وبعد هذه الدراسة التي تعرفنا من خلالها على نظم حكم الأمويين ورسومهم في الأندلس أود أن أختم ذلك بذكر عدد من النتائج. نظام الحكم في الدولة الأموية وراثي، يرثه الأبناء عن الآباء، ولم يحدث أن تولى الأخ بعد أخيه إلا مرة واحدة، وذلك عندما تولى الأمير عبد الله بن محمد رئاسة الدولة بعد أخيه المنذر، فولاية العهد كانت تسند للأصلح من الأبناء دونما اعتبار للسن. الصراع الذي شهدته الدولة الأموية يمكن تقسيمه إلى قسمين، وقعا في فترتين مختلفتين، ففي النصف الأول من ذلك العصر كان الصراع منحصراً في أبناء البيت الأموي، وعندما اختفى هذا النمط من الصراع ظهر نوع آخر، حيث اندلعت حركات التمرد والعصيان في كافة أرجاء الأندلس، وإذا كان هدف النوع الأول من الصراع الوصول إلى السلطة، فإن النوع الثاني كان تعبيراً لزعماء تم تجاهلهم والاستئثار دونهم بكل شيء، وهو نتاج طبيعي للفساد الإداري الذي عاشته الدولة في النصف الثاني من عهد الأمير محمد بن عبد الرحمن. عمد الأمير عبد الرحمن الداخل منذ تأسيس دولته إلى اصطناع الموالي والرقيق والصقالبة، فاستعان بهم على تدعيم سلطانه، وسار من أتى بعده من الأمراء والخلفاء على هذه السياسة.

стр. 913

الدولة الأموية قدمت كل من هو شامي على نظيره البلدي، سواء في الإدارة أو الجيش أو رسوم الدخول على الحكام أو ما سوى ذلك، وهذا الرسم وضعه الأمير عبد الرحمن الداخل منذ بداية قيام دولته. إن ظهور الزعامات القبلية في الأندلس يعود سببه إلى توزيع الأراضي إقطاعاً على القبائل التي شاركت في الفتح، وهذا الإجراء جعل كل قبيلة تحافظ على وحدتها، مما حال دون انصهار طوائف المجتمع، الأمر الذي أدى إلى اندلاع الحروب بين تلك الفئات فيما بعد. الدولة الأموية اعتمدت على أسر مساندة حصرت الخطط في أبنائها، فعاشت قوية متماسكة، وصمدت أما الهزات، هذه السياسة حاربها المنصور بن أبي عامر، فأخمل ذكر تلك الأسر، واختار أسوأ الرجال وأقلهم كفاءة، فجعل الخطط في أيديهم، ولذا فقد عاشت الدولة من بعده فراغاً سياسياً كبيراً، أدى إلى انهيارها بسرعة بعد وفاته. تعيين الولاة في الثغور البرية والبحرية غالباً ما يخضع لاعتبارات خاصة، فالأمير عبد الرحمن الداخل جعل الرماحس والياً على الجزيرة الخضراء لأنه كان من رجال البحر، وأما عمال الثغور البرية فهم في الغالب من أرباب السيف ورجال الحرب

стр. 914

هيمنة الوزراء على الأمير أو الخليفة وتسلطه عليه، هو نذير شؤم على الدولة ككل، إذ أن أهل الطموح يتحركون للتخلص من ذلك المتسلط بأي وسيلة، وهذا ما عاشته الدولة في عهد الأمير محمد بن عبد الرحمن بسبب تسلط الوزير هاشم بن عبد العزيز علي، وتكرر في عهد الخليفة الحكم المستنصر بالله عندما تسلط عليه جعفر المصحفي، مما دفع بقية أبناء البيوتات المساندة للأسرة الأموية أن تسعى جاهدة للتخلص من المصحفي، وعندما تم لهم ذلك كانت النتيجة وصول المنصور بن أبي عامر للسلطة، والقضاء على هيبة بني أمية. الدولة الأموية دولة رجال، تحرص دائماً على الأكفأ، يدل على ذلك أن قاضي الجماعة منذر بن سعيد البلوطي عندما قرع الخليفة عبد الرحمن الناصر في خطبة الجمعة بسبب تخلفه ثلاث مرات عن شهودها، لم يعزله الخليفة بل ثبته في منصبه. الخليفة عبد الرحمن الناصر لم يهتم إلا بابنه الحكم، فقد أعده إعداداً سياسياً وإدارياً، وأما بقية أبنائه فلا نصيب لهم من ذلك الاهتمام، وهذا ما كان له أثره القوي في سرعة انهيار الدولة لعدم وجود المؤهل من الأسرة الأموية بعد الحكم المستنصر بالله. الخليفة الحكم المستنصر بالله لم يستطع التخلص من أزمة السلطة الوراثية التي لا تعترف بالأكفاء، وإنما بالابن المحبب، فجره ذلك

стр. 915

إلى تقديم ولده الصبي هشام لولاية العهد من بعده، دون أن يدرك أنه في تصرفه هذا قد مهد الطريق بقوة لسقوط الدولة. المنصور بن أبي عامر لم يعمل قط إلا لمصلحة نفسه، ورفعة شأنه، ولأجل هذا فقد وجه سهامه ضد الخلافة الأموية، ناسياً أنها الرمز القوي لوحدة البلاد. الأمويون عند معالجتهم للأحداث الطارئة، ساروا على منهج يقوم على نبذ العجلة وعدم التسرع، فكل خبر يرفع إليهم، يعملون على كشفه والتأكد من، فإذا ثبتت صحته، عالجوا ما يمكن معالجته، بالصفح والمصالحة أو التأديب الذي لا يتلف الروح، هذه السياسة غيرها المنصور بن أبي عامر، فقد جعل مكان اللين غلظة، والسكون حركة، واستخدم البطش بدلا الأناة، وجعل المحاربة مكان السلم والموادعة. المنصور بن أبي عامر كان حريصاً على نيل الخلافة، ولكن خشيته من قيام الرعية ضده، حال بينه وبين ما يشتهي، وهذا ما غفل عنه ابنه شنجول عندما تسمى بولاية العهد، مما تسبب في هيجان شعبي أودى به. منصب الحاجب منذ بداية الدولة الأموية وحتى نهاية عهد الخليفة الحكم المستنصر بالله، لم يختلف عن منصب الوزارة بشيء، إذا استثنيا بعض الرسوم، فهو أشبه ما يكون بوزير تنفيذ، ولكن هذا المنصب بلغ أوج عظمته عندما تسلط العامريون على
следующие страницы →