← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 7332

نهاية السول شرح منهاج الوصول

الإسنوي

Полный текст (459 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

مفهومه أنه غير جسم لكان نقضا، نعم قد يعلم ذلك بطريق الالتزام. "فائدة": الكلي على ثلاثة أقسام: طبيعي ومنطقي وعقلي؛ فالإنسان مثلا فيه حصة من الحيوانية, فإذا أطلقنا عليه أنه كلي فههنا ثلاثة اعتبارات, أحدها: أن يراد به الحصة التي شارك بها الإنسان غيره, فهذا هو الكلي الطبيعي وهو موجود في الخارج فإنه جزء الإنسان الموجود وجزء الموجود موجود، والثاني: أن يرد به أنه غير مانع من الشركة فهو هذا الكلي المنطقي, وهذا لا وجود له لعدم تناهيه، والثالث: أن يراد به الأمران معا, الحصة التي يشارك بها الإنسان غيره مع كونه غير مانع من الشركة، وهذا أيضا لا وجود له لاشتماله على ما لا يتناهى، وذهب أفلاطون إلى وجوده، وقد ذكر الإمام تقسيمات أخرى في الكلي كانقسامه إلى: الجنس والنوع، وأهمله المصنف هنا لذكره إياه في المصباح. قوله: "وجزئي, إن لم يشترك" أي: لم يشترك في معناه كثيرون، وهو قسيم لقوله: أولا كلي, إن اشترك معناه، ثم إن الجزئي إن استقل بالدلالة أي: كان لا يفتقر إلى شيء يفسرها فهو العلم كزيد، وإن لم يستقل فهو المضمر كأنا وأنت؛ لأن المضمرات لا بد لها من شيء يفسرها، وفي كلامه نظر من وجوه أحدها: أن عدم الاستقلال موجود في أسماء الإشارة والأسماء الموصولة وغيرها مع أنها ليست بمضمرات، الثاني: أن هذا التقسيم كله في الاسم، وقد تقدم أن الاسم هو الذي يستقل بمعناه, فكيف يقسم إلى ما لا يستقل؟ الثالث: أن عدم الاستقلال قد جعله أولا حدّا للحرف، فإن أراد بالاستقلال الأول غير ما أراد بالاستقلال الثاني فليبين. "فائدة": ذهب الأكثرون إلى أن المضمر جزئي كما ذهب إليه المصنف, واحتجوا بأن الكلي نكرة والمضمر أعرف المعارف فلا يكون كليا، وبأنه لو كان كليا لما دل على الشخص المعين؛ لأن الدال على الأعم غير دال على الأخص. ونقل القرافي في شرح المحصول, وشرح التنقيح عن الأقلين أنه كلي، وقال: إنه الصحيح، وقال الأصفهاني في شرح المحصول: إنه الأشبه وهذا القول هو الصواب؛ لأن أنا وأنت وهو صادق على ما لا يتناهى فكيف يكون جزئيا؟ وأيضا فإن مدلولاتها لا تتعين إلا بقرينة بخلاف الإعلام، وعلى هذا فأنا موضوع لمفهوم المتكلم، وأنت لمفهوم المخاطب، وهو لمفهوم الغائب، وأما استدلالهم بالوجهين فعنهما جواب واحد, وهو أن إفادة اللفظ للشخص المعين له سببان, أحدهما: وضع اللفظ له بخصوصه كالإعلام، والثاني: أن يوضع لقدر مشترك ولكن ينحصر في شخص معين, فيفهم الشخص لحصر المسمى فيه, لا لوضع اللفظ له بخصوصه, كفهم الكوكب المعين من لفظ الشمس وإن كان كليا, وكذلك القول أيضا فيما عدا العلم من المعارف, كاسم الإشارة والموصول والمعرف بأل؛ ولهذا قال شيخنا أبو حيان: الذي نختاره أنها كليات وضعا، جزئيات استعمالا. قال: "تقسيم آخر: اللفظ والمعنى إما أن يتحدا وهو المفرد, أو يتكثرا وهي المتباينة تفاصلت معانيها كالسواد والبياض، أو تواصلت كالسيف والصارم

стр. 107

والناطق والفصيح، أو يتكثر اللفظ ويتحد المعنى وهي المترادفة، أو بالعكس فإن وضع للكل فمشترك إلا فإن نقل لعلاقة واشتهر في الثاني, سمي بالنسبة إلى الأول منقولا عنه والثاني "منقولا" إليه، وإلا فحقيقة ومجاز، والثلاثة الأول المتحدة المعنى نصوص, وأما الباقية فالمتساوي الدلالة مجمل، والراجح ظاهر، والمرجوح مؤول، والمشترك بين النص والظاهر المحكم, وبين المجمل والمؤول المتشابه" أقول: هذا تقسيم آخر للفظ باعتبار وحدة تعدده ووحدة المعنى وتعدده فيكون تقسيما له باعتبار ما يعرض له؛ ولهذا أخره عن التقسيم الأول المعقود للتقسيم الذاتي كما تقدم بيانه. وحاصله أن اللفظ والمعنى على أقسام أربعة؛ لأنهما إما أن يتحدا أو يتكثرا، أو يتكثر اللفظ مع اتحاد المعنى أو عكسه, الأول: أن يتحد اللفظ، والمعنى كلفظ الله فإنه واحد ومدلوله واحد، ويسمى هذا بالمنفرد؛ لانفراد لفظه بمعناه، وقال الإمام: وهذا هو التقسيم إلى جزئي وكلي, الثاني: أن يتكثر اللفظ ويتكثر المعنى كالسواد والبياض، ويسمى بالألفاظ المتباينة لأن كل واحد منها متباين لآخر أي: مخالف له في معناه, ثم إن الألفاظ المتباينة قد تكون معانيها متفاصلة، أي: لا تجتمع كما مثلناه وكالأسود للإنسان والفرس، وقد تكون متواصلة أي: يمكن اجتماعها إما بأن يكون أحدهما اسما للذات والآخر صفة لها كالسيف والصارم، فإن السيف اسم للذات المعروفة سواء كانت آلة أم لا والصارم مدلوله الشديد القطع فهما متباينان، وقد يجتمعان في سيف قاطع، وأما أن يكون أحدهما صفة والآخر صفة للصفة كالناطق والفصيح، فإن الناطق صفة للإنسان مع أن الناطق قد يكون فصيحا، وقد لا يكون فالفصيح للناطق، وإذا قلت: زيد متكلم فصيح فقد اجتمعت الثلاثة، وكذلك إذا كان مدلول أحدهما جزءا من مدلول الآخر كالحيوان والإنسان، ولم يذكره المصنف, الثالث: أي: يتكثر اللفظ ويتحد المعنى, فنسمي تلك الألفاظ مترادفة سواء كانا من لغة واحدة أو من لغتين كلغة العرب، ولغة الفرس مثلا، والترادف مأخوذ من الرديف, وهو ركوب اثنين دابة واحدة، الرابع: أن يكون اللفظ واحدا والمعنى كثيرا فإن وضع لكل أي: لكل واحد من تلك المعاني فهو المشترك كالقرء الموضوع للطهر والحيض، وفي كثير من النسخ، فإن وضع للكل بأن المعرفة وهو منقوض بأسماء الأعداد فإن العشرة مثلا موضوعة لكل الأفراد, ومع ذلك ليست مشتركة؛ لأنها ليست موضوعة لكل منها، وكذا لفظ البلقة الموضوع للسواد والبياض إلا أن يقال: لا نسلم أن المعنى متعدد بل واحد وهو المجموع أو يقال: أراد بالكل الكلي العددي كما تقدم بسطه في تقسيم الدلالة، فيصبح على أن تعريف كل ممتنع من جهة اللغة، وإن لم يوضع لكل واحد بل وضع لمعنى, ثم نقل إلى غيره نظر، فإن كان لا لعلاقة قال في المحصول: فهو المرتجل واستشكله القرافي بأن المرتجل في الاصطلاح هو اللفظ المخترع أي: لم يتقدم له وضع, قال: وأما تفسيره بما قاله الإمام فغير معروف، ولم يذكر المصنف هذا التقسيم

стр. 108

ولعله لهذا السبب وإن نقل لعلاقة, فإن اشتهر في الثاني أي: بحيث صار فيه أغلب من الأول كما في المحصول، وذلك كالصلاة سمي بالنسبة إلى المعنى الأول منقولا عنه، وبالنسبة إلى الثاني منقولا إليه, إما شرعيا أو عرفيا أو عاما أو خاصا بحسب الناقلين كما سيأتي إيضاحه وتمثيله في حد المجاز. واعلم أن اشتراط المناسبة في المنقول مردود, فإن كثيرا من المنقولات لا مناسبة بينها وبين المنقول عنها, ألا ترى أن الجوهر لغة هو الشيء النفيس ثم نقله المتكلمون إلى تقسيم للعرض وهو القائم بنفسه، وإن كان في غاية الخسة؟ وأجاب الأصفهاني في شرح المحصول بأن القيام بنفسه نفاسة وهو ضعيف، وإن لم يشتهر في الثاني كالأسد فهو حقيقة بالنسبة إلى الأول وهو الحيوان المفترس, مجاز بالنسبة إلى الثاني وهو الرجل الشجاع، وعلم من هذا أن المجاز عند المصنف غير موضوع، وسيأتي ما يخالفه وهذا التقسيم مردود؛ لأن المجاز أيضا قد يكون أشهر من الحقيقة وهي المسألة المعروفة بالحقيقة المرجوحة والمجاز الراجح وسيأتي, وأيضا فالوضع على حدته لا يكفي في إطلاق لفظ الحقيقة على المعنى الأول, بل لا بد من استعمال، وكذا في المجال أيضا. قوله: "والثلاث الأول" أي: متحد اللفظ والمعنى, ومتكثر اللفظ والمعنى, ومتكثر اللفظ متحد المعنى, فإنها نصوص لأن كلا منها يدل على معنى لا يحتمل غيره، وهذا هو معنى النص وسمي بذلك؛ لأن النص في اللغة على ما حكاه الجوهري وغيره هو بلوغ الشيء منتهاه وغايته، وهذه الألفاظ كذلك لأنها في الدرجة الغاية والمرتبة النهائية من وجوه الدلالة، واحترز بقوله: المتحدة المعنى عن القرء والعين والجون, فإنها متباينة مع أنها ليست بنصوص لأن كل لفظ منها مشترك بين معانٍ، وكذلك الألفاظ المترادفة قد تكون مشتركة أيضا كلفظ العين والذهب. قوله: "وأما الباقية" أي: الأقسام الداخلة في كون اللفظ واحدا، والمعنى كثيرا وهو المشترك، فالمنقول عنه والمنقول إليه, والحقيقة والمجاز, فإنها تنقسم إلى مجمل وظاهر ومؤول وذلك لأن اللفظ إن كانت دلالته على تلك المعاني بالسوية كالقرء والعين وغيرهما من الألفاظ المشتركة فهو المجمل مأخوذا من الجمل -بفتح الجيم وإسكان الميم- وهو الاختلاط كما حكاه القرافي فسمي بذلك لاختلاط المراد بغيره وسيأتي أن قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧] ، ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] وغير ذلك من المجملات, فلا يكون محصورا في المشترك، وإن كانت دلالته على بعض المعاني أرجح من بعض, سمي بالنسبة إلى الراجح ظاهرا وبالنسبة إلى المرجوح مؤولا؛ لكونه يؤول إلى الظهور عند اقتران الدليل به المنقول لعلاقة, ولم يشتهر كالأسد دلالته على الأول ظاهرة، وعلى الثاني مؤولة فإن اشتهر وهو المسمى بالمنقول كالصلاة فهو على العكس. قوله: "والمشترك" يعني أن النص والظاهر مشتركان في الرجحان إلا أن النص فيه رجحان بلا احتمال لغيره كأسماء الأعداد, والظاهر فيه رجحان مع احتمال كدلالة اللفظ على المعنى الحقيقي, فالقدر المشترك بينهما من الرجحان يسمى المحكم, فالمحكم

стр. 109

جنس لنوعين: النص والظاهر، ثم إن المجمل والمؤول مشتركان في أن كلا منهما يفيد معناه إفادة غير راجحة, إلا أن المؤول مرجوح أيضا والمجمل ليس مرجوحا بل مساويا, فالقدر المشترك بينهما من عدم الرجحان يسمى بالمتشابه, فهو جنس لنوعين: المجمل والمؤول, وهذا الاصطلاح مأخوذ من قوله تعالى: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧] . قال: "تقسيم آخر: مدلول اللفظ إما معنى, أو لفظ مفرد, أو مركب مستعمل, أو مهمل نحو الفرس والكلمة وأسماء الحروف والخبر والهذيان, والمركب صيغ للإفهام, فإن أفاد بالذات طلبا فالطلب للماهية استفهام, والتخيل مع الاستعلاء أمر، ومع التساوي التماس، ومع التسفل سؤال، وإلا فمحتمل التصديق والتكذيب خبر وغيره تنبيه, ويندرج فيه والتمني والترجي والقسم والنداء" أقول: مدلول اللفظ قد يكون معنى وقد يكون لفظا, فإن كان لفظا فقد يكون مفردا وقد يكون مركبا, وكل منها قد يكون مستعملا وقد يكون مهملا، ومجموع ذلك خمسة أقسام وقد ذكرها المصنف بأمثلتها من باب اللف والنشر, الأول: يكون المدلول معنى أي: شيئا أي: بلفظ كالفرس وزيد, وهذا هو الذي تقدم انقسامه إلى جزئي وكلي. الثاني: أن يكون المدلول لفظا مفردا مستعملا كالكلمة, فإن مدلولها لفظ وضع لمعنى مفرد وهو الاسم والفعل والحرف. الثالث: أن يكون المدلول لفظا مفردا مهملا كأسماء حروف الهجاء, ألا ترى أن حروف: ضرب وهى ضه وره وبه, لم توضع لمعنى مع أن كلا منها قد وضع له اسم: للأول الضاد، وللثاني الراء، وللثالث الباء، وهكذا ذكره سيبويه، ونقله عن الخليل فافهمه واجتنب غيره من التقديرات والهاء اللاحقة لضه وره وبه وهي هاء السكت. الرابع: أن يكون المدلول لفظا مركبا مستعملا نحو الخبر، فإن مدلوله لفظ مركب موضوع كاقم زيد. الخامس: أن يكون المدلول لفظا مركبا مهملا, قال الإمام: والأشبه أنه غير موجود؛ لأن الغرض من التركيب هو الإفادة، وجزم به في المنتخب وتبعه على ذلك صاحب الحاصل والتحصيل وهو ضعيف، فإن ما قالوه دليل على أن المهمل غير موضوع لا على أنه لم يوضع له اسم لا جزم بأن المصنف خالفهم، وزاد على ذلك فمثل له بالهذيان فإن لفظ مدلوله لفظ مركب مهمل وهو مصدر هذى بالذال المعجمة. قال الجوهري: هذى في منطقه يهذي ويهذو هذوا وهذيانا. قوله: "والمركب صيغ للإفهام" لما فرغ من تقسيم المفرد شرع في تقسيم المركب, ولا شك أن المتكلم إنما صاغ المركب من المفردات وألفه منها لإفهام الغير ما في ضميره، فتارة يفيد طلبا وتارة يفيد غير ذلك، فإن أفاد طلبا بذاته نظر فإن كان الطلب للماهية أي: لذكرها كما قال في المحصول١ فهو الاستفهام، كقولك: ما حقيقة الإنسان؟ وهل قام زيد؟ وهذا التقرير

стр. 110

الذي ذكره لا دليل عليه في كلام المصنف مع أنه لا بد منه، وإلا يرد الأمر لكونه طلبا للماهية أيضا، والمصنف تبع في ذلك صاحب الحاصل وإنما سمي بالاستفهام؛ لأنه طلب للفهم، كاستعطى إذا طلب أن يعطى له إذ السين دالة على الطلب لكن الطلب في الحقيقة إنما هو بالأداة كهل ومتى، فإطلاق الاستفهام والطلب على اللفظ المركب من باب إطلاق اسم الجزء على الكل. وإن كان مع التسفل أي التذلل، فهو السؤال كقول العبد: اللهم اغفر لي. وقوله: "بالذات" يعني بالوضع، ومنهم من يعبر عنه بقوله: إفادة أولية, والكل بمعنى واحد, واحترز به المصنف عما يفيد بالطلب باللازم كقولك: أنا طالب منك أن تذكر حقيقة الإنسان، وأن تسقيني الماء، وأن لا تفعل كذا, فإنه لا يسمى الأول استفهاما، ولا الثاني أمرا, لا الثالث نهيا, بل هي إخبارات وكذلك التمني والترجي والقسم والنداء تفيد أيضا الطلب باللازم، وهذا الذي قرره فيه نظر من وجوه، منها أنه مناقض للمذكور في الأوامر والنواهي حيث قال: ويفسدهما أي: ويفسد اشتراط العلو والاستعلاء قول فرعون: ماذا تأمرونني؟ ومنها أنه خلط مذهبا بمذهب, فإن التساوي ليس قسيما للاستعلاء والتسفل بل للعلو، وهو أن يكون الطالب أعلى مرتبة كما سيأتي في باب الأوامر والنواهي، لكنه قلد الإمام في ذلك، ومنها أنه أهمل الطلب للترك تبعا لصاحب الحاصل, وهو وارد على التقسيم، وقد ذكره الإمام وغيره. وقالوا: فإنه ينقسم إلى الأقسام الثلاثة المذكورة في طلب التحصيل, لكنه مع الاستعلاء يسمى نهيا. قوله: "وإلا" أي: وإن لم يفد بالذات طلبا, وذلك بأن لا يدل على طلب أصلا كقام زيد أو يدل عليه لكن لا بالذات كقولك: أنا طالب كذا، ومنه التمني وغيره مما تقدم فينظر فيه, فإن كان محتملا للتصديق والتكذيب فهو الخبر كقولنا: قام زيد، وإنما عدل المصنف عن الصدق والكذب إلى التصديق والتكذيب؛ لأن الصدق مطابقة الواقع، والكذب عدم مطابقته. ونحن نجد من الأخبار ما لا يحتمل الكذب كخبر الصادق وقولنا: محمد رسول الله وما لا يحتمل الصدق كقول القائل: مسيلمة صادق، مع أن كل ذلك يحتمل التصديق والتكذيب؛ لأن التصديق هو كونه يصح من جهة اللغة أن يقال لقائله: صدق, وكذلك التكذيب وقد وقع ذلك فالمؤمن صدق خبر الله تعالى والكافر كذبه، وهذا الحد الذي ذكره المصنف للخبر قد ذكره الإمام في المحصول هنا وجزم به ثم أعاده في باب الأخبار وقال: إنه حد رديء؛ لأن التصديق والتكذيب عبارة عن الأخبار عن كون الخبر صدقا أو كذبا فتعريفه به دوري، ثم قال: والحق أن الخبر تصوره ضروري لا يحتاج إلى حد ولا رسم. قوله: "وغيره تنبيه" أي: غير محتمل التصديق والتكذيب هو التنبيه أي: نبهت به على مقصودك؛ وقال في المحصول: سمي به تمييزا له عن غيره، قال: وأنواعه تعلم بالاستقراء لا بالحصر، وتندرج فيه الأربعة التي ذكرها المصنف, والفرق بين التمني والترجي أن الترجي لا يكون إلا في الممكنات كقولك: لعل زيدا يقدم، والتمني يكون فيهما كقولك: ليت الشباب يعود. واعلم أن قولنا: أنا طالب كذا لم يصرح المصنف بكونه داخلا في قسم الخبر أو التنبيه, وفيه نظر.

стр. 111

الفصل الثالث مدخل ... الفصل الثالث: قال: "الفصل الثالث: في الاشتقاق, وهو رد لفظ إلى آخر لموافقته له في حروفه الأصلية ومناسبته له في المعنى ولا بد من تغيير بزيادة أو نقصان حرف أو حركة أو كليهما أو بزيادة أحدهما ونقصانه, أو نقصان الآخر أو بزيادته أو نقصانه بزيادة الآخر ونقصانه أو بزيادتهما ونقصانهما نحو: كاذب ونصر وضارب وخف وضرب على مذهب الكوفيين وعلي ومسلمات وحذر وعاد ونبت واضرب وخاف وعد وكال وارم" أقول: ذكر المصنف في هذا الفصل حد الاشتقاق ثم أقسامه ثم أحكامه، فالاشتقاق في اللغة هو الاقتطاع، وأما في الاصطلاح ففيه حدود أشهرها حد الميداني ونقله الإمام عنه فقال: هو أن تجد بين اللفظين تناسبا في المعنى والتركيب فترد أحدهما إلى الآخر، وارتضاه الإمام وأتباعه، ويعترض عليه بأن الاشتقاق ليس هو نفس الوجدان حتى تقول هو أن تجد أي: وجدانك، بل الاشتقاق هو الرد عند الوجدان، كما تفطن له المصنف؛ فلذلك أصلحه كما تراه وهو من محاسن كلامه، لكنه يقتضي أن الاشتقاق فعل الشخص حتى يعدم بعدمه وفيه نظر، وأيضا فإن المعدوم والتصغير ونحوهما قد يردان على الحد. وللاشتقاق أربعة أركان تأتي في كلام المصنف, الأول: المشتق والثاني: المشتق منه والثالث: الموافقة في الحروف الأصلية والمناسبة في المعنى, والرابع: التغيير، فقوله: رد لفظ, دخل فيه الاسم والفعل وهذا هو الركن الأول وهو المشتق، وقوله: إلى لفظ آخر أراد به المشتق منه وهو الركن الثاني، ويؤخذ منه أيضا الركن الثالث، وهو التغيير؛ لأنه لو انتفى التغيير بينهما لم يصدق عليه أنه لفظ آخر بل هو هو، ودخل فيه الاسم والفعل كما قلنا في الأول، وإنما أتى بذلك -أعني باللفظ- فيهما لصدقه على كل فرد بحيث لا يخرج منه شيء، وعلى كل مذهب أيضا، إذ لو قال: رد فعل إلى اسم لكان يرد عليه اشتقاق الاسم من الاسم كضارب ومضروب وضراب وغيرها, فإنها مشتقات من الضرب الذي هو المصدر، ويرد عليه أنه مختص بمذهب البصريين, فإن الكوفيين يخالفونهم ويقولون بأن المصادر والصفات مشتقة من الأفعال, ولو عكس فقال: رد اسم إلى فعل لما كان ينطبق على رأي البصريين، ولو قال: رد الاسم إلى الاسم لما كان يصح على رأي الكوفيين، ويرد عليه الفعل على رأي البصريين، ولو قال: رد فعل إلى فعل لكان باطلا بالإجماع. قوله: "لموافقته له في حروفه الأصلية" هو الركن الرابع واحترز به عن الألفاظ المتوافقة في المعنى وهي المترادفة كالبر والقمح، وإنما قيد الحروف بكونها أصلية للاحتراز عن الزوائد, فإن الاختلاف فيها لا يضر كضرب وضارب، ولم يشترط في الحروف الأصلية أن تكون موجودة؛ لأنه ربما حذف بعضها لمانع كخف من الخوف. وقوله: "ومناسبته في المعنى" هو من تتمة الركن الرابع, واحترز به عن مثل اللحم والملح والحلم, فإن كلا منها يوافق الآخر في حروفه الأصلية

стр. 112

ومع ذلك فلا اشتقاق بينهما لانتفاء المناسبة في المعنى لتباين مدلولاتها. قوله: "ولا بد أي: من تغيير" بين اللفظين؛ لأنه فسره بقوله: بزيادة أو نقصان والتغيير بذلك إنما هو من جهة اللفظ, نعم يحصل التغيير المعنوي بطريق التبع لك أن تقول: هرب هربا لا تغيير فيه, وكذلك طلب وحلب وغيرهما إلا أن يقال: إن حركة الإعراب ساقطة الاعتبار في الاشتقاق لعدم استقرارها, ولأنها طارئة على الصيغة بخلاف حركة البناء، أو يقال: إن التغيير حاصل ولكن في التقدير فيقدر حذف الفتحة التي في آخر المصدر والإتيان بفتحة أخرى في آخر الفعل، فالفتحة غير الفتحة، ويدل على التغاير أن أحدهما لعامل والآخر لغير عامل, وقد ذكر سيبويه نظير ذلك في جنب فإنه قدر زوال ضمة النون التي فيه في حال إطلاقه على المفرد كقولك: رجل جنب، والإتيان بغيرها حال إطلاقه على الجمع كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا﴾ [المائدة: ٦] وحصر الإمام التغيير في تسعة أقسام فقط "فقط" ولم يمثل لها فقال: التغيير إما بحرف أو بحركة أو بهما معا، وكل واحد من الثلاثة إما أن يكون بالزيادة أو بالنقصان أو بهما, صارت تسعة. ثم قال: وهذه هي الأقسام الممكنة منها، وعلى اللغوي طلب ما وجد من أمثلتها، وأما المصنف فإنه زاد عليها ستة أقسام فجعلها خمسة عشر ومثل لها لكن بأمثلة في كثير منها نظر، كما سيأتي وهذه الأقسام منها أربعة فيها تغيير واحد، ثم ستة فيها تغييران، ثم أربعة تلي هذه الستة فيها ثلاثة تغييرات، والقسم الخامس عشر فيه أربعة تغييرات وستقف عليه واضحا. قوله: "بزيادة أو نقصان حرف أو حركة أو كليهما" دخل فيه ستة أقسام, أربعة تغييرها فرادي، واثنان ثنائيان، فإن قوله: بزيادة ليس هو منونا بل مضافا إلى حرف وحركة وكليهما، وكذلك نقصان مضاف إلى الثلاثة أيضا فتكون ستة أقسام الأول: زيادة الحرف الثاني: زيادة الحركة الثالث: زيادتهما معا، وكذلك النقصان، وقوله: أو بزيادة أحدهما ونقصانه، أو نقصان الآخر، وتقديره: أو بزيادة أحدهما ونقصانه، أو بزيادة أحدهما ونقصان الآخر، فيدخل فيه أربعة أقسام ثنائية أيضا، فإن زيادة أحدهما ونقصانه يدخل فيه زيادة الحرف ونقصانه وزيادة الحركة ونقصانها، وزيادة الحركة ونقصان الحرف. وقوله: "أو بزيادته أو نقصانه بزيادة الآخر ونقصانه" تقديره: أو بزيادة أحدهما مع زيادة الآخر ونقصانه, أو نقصان أحدهما مع زيادة الآخر ونقصانه, فيدخل فيه أربعة أقسام ثلاثية التغيير، فإن وجود أحدهما مع زيادة الآخر ونقصانه يدخل فيه صورتان إحداهما: زيادة الحرف مع زيادة الحركة ونقصانها، والثانية: زيادة الحركة مع زيادة الحرف ونقصانه، ويدخل في نقصان أحدهما مع زيادة الآخر ونقصانه صورتان أيضا إحداهما: نقصان الحرف مع زيادة الحركة ونقصانها، والثانية: نقصان الحركة مع زيادة الحرف ونقصانها. قوله: "أو بزيادتهما ونقصانهما" أي: بزيادة الحرف والحركة معا، ونقصان الحرف والحركة معا، وهو قسم واحد رباعي التغيير, وبه تكمل الخمسة عشر. قوله: "نحو كاذب" شرع في مثل الأقسام السالفة, ولنقدم عليه أن المراد

стр. 113

بزيادة الحرف مثلا ونقصانه إنما هو جنس الحرف سواء كان واحدا أو أكثر، وكذلك الحركة فإن حركة الأعراف في الاعتداد بها نظر كما قدمناه، وكذلك همزة الوصل لسقوطها في الدرج, إذا علمت ذلك فلنذكر هذه المثل كما ذكرها، فإن كان المثال صحيحا فلا كلام, وإلا نبهت عليه ذكرت له مثالا صحيحا, الأول: زيادة الحرف فقط نحو: كاذب من الكذب زيدت الألف بعد الكاف. الثاني: زيادة الحركة نحو: نصر الماضي من النصر زيدت حركة الصاد. والثالث: زيادة الحرف والحركة جميعا نحو: ضارب من الضرب زيدت الألف بعد الضاد وزيدت أيضا حركة الراء. الرابع: نقصان الحرف نحو: خف فعل أمر للمذكر من الخوف، نقصت الواو، وأما سكون الفاء إن كانت متحركة فلم يعتبره المصنف؛ لأنه نقصان لحركة الإعراب، إذ لو اعتبره لكان نقصانا للحرف والحركة لكنه سيأتي ما يخالفه في القسم العاشر، فالأولى تمثيله بصهل اسم فعل من الصهيل نقصت الياء فقط, الخامس: نقصان الحركة ومثل له المصنف بضرب -ساكن الراء- مصدرا من ضرب الماضي, نقصت حركة الراء, لكن هذا إنما يأتي على مذهب الكوفيين في اشتقاقهم الاسم من الفعل كما نبه عليه المصنف, فالأولى تمثيله بقولك: سفر بسكون الفاء من السفر, نقصت فتحة الفاء قال الجوهري: تقول: سفرت أسفر سفورا أي: خرجت إلى السفر, فأنا سافر وجمعه سفر كصاحب وصحب وسفار كركاب. السادس: نقصان الحرف والحركة جميعا نحو علي ماضيا من العليان نقصت الألف والنون ونقصت فتحة الياء وفي الاعتداد بسكون الياء نظر، والأولى تمثيله بصب اسم فاعل من الصبابة. السابع: زيادة الحرف ونقصانه ومثل له المصنف بمسلمات زيدت الألف والتاء ونقصت تاء مسلمة في الوقف إذ تصبح هاء وفي كون هذا مما نحن فيه ففيه نظر، فإن الجمع لا يصدق عليه أنه مشتق من مفرده فالأولى تمثيله بقولك: صاهل من الصهيل. الثامن: زيادة الحركة ونقصانها نحو حذر بكسر الذال اسم فاعل من الحذر, حذفت فتحة الذال وزيدة كسرتها. التاسع: زيادة الحرف ونقصان الحركة مثل عاد بالتشديد اسم فاعل من العدد, زيدت الألف بعد العين ونقصت حركة الدال الأولى للإدغام. العاشر: زيادة الحركة ونقصان الحرف ومثل له المصنف بقوله: نبت وهو ماضٍ من النبات, نقصت ألف وزيدت حركة وهي فتحة التاء, وهذا جعل البناء الطارئ من سكون أو حركة كزيادة على ما كان في المصدر، وقد تقدم ما يخالفه في القسم الرابع فالأولى تمثيله بقولك: رجع من الرجعى. الحادي عشر: زيادة الحرف مع زيادة الحركة ونقصانها نحو: اضرب من الضرب, زيدت الألف للوصل وحركة الراء ونقصت حركة الضاد وفي الاعتداد بهمزة الوصل نظر لسقوطها في الدرج، والأولى تمثيله بموعد من الوعد زيدت فيه الميم وكسرة العين ونقصت منه فتحة الواو. الثاني عشر: زيادة الحركة مع زيادة الحرف ونقصانه, ومثل له المصنف بخاف وهو ماض من الخوف, زيدت الألف وحركة الفاء وحذفت الواو, وهذا بناء على أن لزوم الفتحة كزيادة

стр. 114

حركة وفيه نظر كما قدمناه، وأيضا فليس في الحرف هنا لا زيادة ولا نقصان بل الواو نفسها انقلبت ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، والأولى تمثيله بمكمل اسم فاعل أو مفعول من الكمال, زيد فيه حرف وحركة وهما الميم الأولى وضمتها, ونقصت الألف. الثالث عشر: نقصان الحرف مع زيادة الحركة ونقصانها ومثل له المصنف بقوله: عد فعل أمر من الوعد, نقصت الواو وحركة الدال وزيدت كسرة العين, وفيه أيضا النظر المتقدم في حسبان حركة الإعراب, والأولى تمثيله بقنط اسم فاعل من القنوط. الرابع عشر: نقصان الحركة مع زيادة الحرف ونقصانه نحو: كالّ بتشديد اللام اسم فاعل من الكلال, نقصت حركة اللام الأولى للإدغام، ونقصت الألف التي بين اللامين, وزيدت ألف قبل اللامين. الخامس عشر: زيادة الحرف والحركة معا ونقصانهما معا نحو: ارم من الرمي, زيدت الهمزة للوصل وحركة الميم ونقصت الياء وحركة الراء، والأولى اجتناب همزة الوصل لما تقدم والتمثيل بكامل من الكمال, ولم يتعرض الآمدي ولا ابن الحاجب لتقسيم هذه المسألة ولا لتمثيلها.

стр. 115

المسألة الأولى: قال: "وأحكامه في مسائل: الأولى: شرط المشتق صدق أصله خلافا لأبي علي وابنه, فإنهما قالا بعالمية الله تعالى دون علمه، وعللاها فينا به. لنا أن الأصل جزؤه فلا يوجد دونه" أقول: لما ذكر تعريف الاشتقاق وأقسام المشتق ذكر أحكامه في ثلاث مسائل؛ الأولى: شرط صدق المشتق أي: سواء كان اسما أو فعلا صدق أصله وهو المشتق منه, فلا يصدق ضارب مثلا على ذات إلا إذا صدق الضرب على تلك الذات, وسواء كان الصدق في الماضي أو في الحال أو في الاستقبال كقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ﴾ [الزمر: ٣٠] لكنه هل يكون حقيقة أو مجازا؟ فيه تفصيل يأتي في المسألة الآتية إن شاء الله تعالى. ولقصد شمول الأقسام الثلاثة غيّر المصنف بقول: صدق أصله إذ لو قال: وجود أصله لكان يرد عليه إطلاقه باعتبار المستقبل, فإنه جائز قطعا مع أن الأصل لم يوجد, وهذه المسألة وإن كانت واضحة لكن ذكرها الأصوليون للرد بها على المعتزلة، فإنهم ذهبوا إلى مسألة خالفت هذه القاعدة كما ستعرفه فنقول: ذهب أبو علي الجبائي وابنه أبو هاشم وغيرهما من المعتزلة إلى نفي العلم عن البارئ ، وكذلك الصفات التي أثبتها الأشعري كلها وهي ثمانٍ, مجموعة في قول بعضهم: حياة وعلم قدرة وإرادة ... كلام وإبصار وسمع مع البقا واعتمدوا في ذلك على شبهة سأذكرها في آخر المسألة, ومع ذلك قالوا بعالمية الله تعالى أي: بكونه عالما والعالم مشتق من العلم, فأطلقوا العالم وغيره من المشتقات على الله تعالى وأنكروا حصول المشتق منه, مع أن العلة في العالمية هو حصول العلم، وكذلك كل مشتق فإن العلة في صحة إطلاقه وجود المشتق منه، وقد عللوا العالمية التي فينا أي: في المخلوقات بالعلم, لكنهم قالوا: إن ذاته تعالى اقتضت عالميته وليست معللة بالعلم؛ لأن عالميته واجبة والواجب لا يعلل بالغير بخلاف عالميتنا. قوله: "لنا"

стр. 116

أي: دليلنا على امتناع إطلاق المشتق بدون المشتق منه أن الأصل وهو المشتق منه, جزء من المشتق, فإن العالم مثلا مدلوله ذات قام بها العلم, فلا يصدق المشتق بدونه؛ لأن صدق المركب بدون جزئه محال، وهذا الدليل إنما يستقيم على رأي البصريين من كون المصدر هو المشتق منه, أما شبهتهم في إنكار الصفات فقالوا: لو اتصف البارئ بها, فإن كانت حادثة لزم أن يكون البارئ تعالى محلا للحوادث، وإن كانت قديمة لزم تعدد القدماء، وقد قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٤] فمن أثبت الذات مع الصفات الثماني فقد أثبت تسعة أشياء وكان كفره أعظم من كفر النصارى ثلاث مرات، وأما والعالمية ونحوها فإنها من النسب التي لا ثبوت لها في الخارج، وأجاب الإمام في الأربعين وغيرها بأنها قديمة ولا امتناع في إثبات قدماء هن صفات لذات واحدة، والنصارى إنما كفروا بإثبات قدماء هن ذوات، ثم قال في الأربعين أيضا: وهذه الصفات ممكنة لذاتها واجبة الوجود لوجوب الذات, فتخلص مما قاله الإمام أن الصفات واجبة للذات لا بالذات أي: واجبة لأجل الذات المقدسة, لا أن ذات الصفات اقتضت وجوب وجود نفسها.

стр. 117

المسألة الثانية: قال: "الثانية: شرط كونه حقيقة دوام أصله خلافا لابن سينا وأبي هاشم؛ لأنه يصدق نفيه عند زواله فلا يصدق إيجابه قيل: مطلقتان فلا تتناقضان قلنا: مؤقتتان بالحال؛ لأن أهل العرف يرفع أحدهما بالآخر". أقول: لما تقدم في المسألة السابقة أن شرط المشتق صدق المشتق منه, شرع الآن في بيان الصدق الحقيقي من المجاز, وحاصله أن المشتق إن أطلق باعتبار الحال أو كان المعنى موجودا حال الإطلاق فهو حقيقة بالاتفاق، وإن كان باعتبار المستقبل كقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ﴾ [الزمر: ٣٠] فهو مجاز اتفاقا كما صرح به المصنف في أثناء استدلاله، وإن كان باعتبار الماضي ففيه ثلاثة مذاهب, أحدها: أنه مجاز مطلقا سواء أمكن مقارنته كالضرب وغيره أو لم يمكن كالكلام، وطريق من أراد الإطلاق الحقيقي في الكلام وشبهه أو يأتي به مقارنا لآخر حرف كما. والثاني: أنه حقيقة مطلقا وهو مذهب ابن سينا وأبي هاشم وكذلك أبو علي كما قال في الحاصل. والثالث: التفصيل بين الممكن وغيره وتوقف الآمدي في هذه المذاهب فلم يصحح شيئا منها، وكذلك ابن الحاجب وصحح المصنف الأول، وقال في المحصول: إنه الأقرب، فإن قيل: قد تقدم في المسألة السابقة أن أبا علي وابنه لا يشترطان صدق الأصل فلا معنى للنقل عنهما؛ لأنهما إذا لم يشترطا الصدق فالاستمرار بطريق الأولى، وأيضا فلأنه يوهم اشتراط وجود الأصل عندهما، وجوابه أنهما لم يخالفا هناك إلا في صفات الله تعالى خاصة، وأما ما عداها كالضارب والمتكلم وهو الذي يتكلم فيه الآن, فإنهما لم يخالفا فيه كما تقدم التنبيه عليه، ومن فوائد الخلاف صحة الاحتجاج على جواز الرجوع للبائع إذا مات المشتري قبل وفاء الثمن, من قوله ﵊: "أيما رجل مات أو أفلس فصاحب المتاع أحق

стр. 118

بمتاعه" ١ فإن قلنا: إنه صاحب حقيقة باعتبار ما مضى رجع فيه؛ لاندراجه تحته, وإن قلنا: إنه مجاز فلا ويتعين الحمل على المستعير وههنا أمور لا بد من معرفتها أحدها: أن الفعل من المشتقات مع أن إطلاق الماضي منه اعتبار ما مضى حقيقة بلا نزاع، وقد دخل في كلام المصنف حيث قال: شرط كونه حقيقة أي: كون المشتق، وأما المضارع فينبني على الخلاف المشهور من كونه مشتركا أم لا، فإن جعلناه مشتركا أو حقيقة في الاستقبال فيستثنى أيضا. الثاني: أن التعبير بالدوام إنما يصح فيما يصح عليه البقاء وحينئذ فتخرج المشتقات من الأعراض السيالة كالمتكلم ونحوه، فالصواب أن يقول: شرط المشتق وجود أصله حال الإطلاق. الثالث: أن الإمام في المحصول والمنتخب قد رد على الخصوم في آخر المسألة بأن لا يصح أن يقال لليقظان: إنه نائم اعتبارا بالنوم السابق، وتابعه عليه صاحب الحاصل والتحصيل وغيرهما، وهو يقتضي أن ذلك محل اتفاق وصرح به الآمدي في الأحكام في آخر المسألة فقال: لا يجوز تسمية القائم قاعدا والقاعد قائما للقعود والقيام السابق بإجماع المسلمين وأهل اللسان، وإذا تقرر هذا فينبغي استثناؤه من كلام المصنف, وضابطه كما قال التبريزي في مختصر المحصول المسمى بالتنقيح أن يطرأ على المحل وصف وجودي يناقض المعنى الأول أو يضاده كالسواد ونحوه بخلاف القتل والزنا. والرابع: أن ما قاله المصنف وغيره محله إذا كان المشتق محكوما به كقولك: زيد مشرك أو زانٍ أو سارق فأما إذا كان متعلق الحكم كقولك: السارق تقطع يده, فإنه حقيقة مطلقا, كما قال القرافي إذ لو كان مجازا لكان قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥١] ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ [النور: ٢] ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ [المائدة: ٣٨] وشبهها مجازات باعتبار من اتصف بهذه الصفات في زماننا؛ لأنه مستقبل باعتبار زمن الخطاب عند إنزال الآية, وعلى هذا التقدير يسقط الاستدلال بهذه النصوص إذ الأصل عدم التجوز ولا قائل بهذا. قوله: "لأنه" أي: الدليل على أنه ليس بحقيقة أنه يصدق نفي المشتق عند زوال المشتق منه فيقال مثلا: زيد ليس بضارب، وإذا صدق ذلك فلا يصدق إيجابه وهو زيد ضارب، وإلا لزم اجتماع النقيضين, فإن أطلق عليه كان مجازا لما سيأتي أن من علامة المجاز صحة النفي، أما الدليل على أنه يصدق نفيه عند زواله, فلأنه بعد انقضاء الضرب يصدق عليه أنه ليس بضارب في الحال، وإذا صدق هذا صدق ليس بضارب؛ لأنه جزؤه، ومتى صدق الكل صدق الجزء، واعترض الخصم فقال: قولنا: ضارب وقولنا: ليس بضارب قضيتان مطلقتان أي: لم يتحد وقت الحكم فيهما فلا تتناقضان؛ لجواز أن يكون وقت السلب غير وقت الإثبات كما تقرر في علم المنطق، والجواب: أنهما مؤقتتان بحال التكلم وأغنى عن هذا التقييد فهم أهل العرف له, إذ لو لم يكن كذلك لما جاز استعمال كل

стр. 119

واحد منهما في تكذيب الآخر ورفعه، لكن أهل العرف يستعملون ذلك فتكونان متناقضتين كما قلنا. هذا حاصل كلام المصنف وفيه نظر من وجوه, أحدها: أن هذا الدليل ينقلب على المستدل, بيانه أنه يصدق قولنا: زيد ضارب في الماضي فيصدق قولنا: إنه ضارب؛ لأن صدق المركب يستلزم صدق أجزائه, وإذا صدق أنه ضارب فلا يصدق ليس بضارب وإلا لاجتمع النقيضان، وكذلك أيضا تفعل بالنسبة إلى المستقبل فنقول: زيد ضارب غدا ... إلخ. الثاني: إذا كانت القضيتان مؤقتتين بالحال على ما قاله، وفرضنا أيضا القضية السالفة صادقة فتكون الموجبة المقيدة بالحال هي الكاذبة فلا يصدق قولنا: ضارب في الحال ولكن لا يلزم كذبه كذب المطلق الذي هو قولنا: ضارب وهو محل النزاع. الثالث: لا يخلو إما أن يكون المشتق المتنازع في صحة إطلاقه بعد الزوال المشتق منه هو المقيد بالحال كقولنا: ضارب في الحال، أم النزاع في مجرد الإطلاق العاري عن التقييد, فإن كان النزاع في الثاني, فبطلان الدليل المذكور واضح لكون القضية مطلقة واعتراض الخصم باق على حاله، وأما استعماله في التكاذيب فنحن نعلم ضرورة أن ذلك عند توافق المتخاطبين على إرادة زمان معين، وإن كان النزاع في المقيد بالحال وهو الذي يوافق جواب المصنف, فالاستدلال بنفيه باطل؛ لأنه مصادرة على المطلوب إذ هو محل النزاع. وبتقدير أن يكون المقصود ذلك فيصرح به في الدليل فنقول: لما صح ليس بضارب في الحال لم يصح ضارب في الحال, ولا نتكلف إقامته على الوجه الذي قرره حتى يورد عليه عن القضايا مطلقة فلا تتناقض فتتكلف إلى الجواب عنها بجواب غير محقق. الرابع أورده الآمدي في الأحكام وأخذه منه جماعة: أن الضارب في الحال أخص من مطلق الضارب, فقولنا: ليس بضارب في الحال نفي للأخص، ولا يلزم من نفي الأخص نفي الأعم, فلا يلزم من صدقه صدق ليس بضارب، كقولنا: الحمار ليس بحيوان ناطق فإنه صادق مع أنه لا يصدق قولنا: إنه ليس بحيوان فإن قيل: إنما يكون ليس بضارب في الحال أخص من ليس بضارب أن لو كان في الحال متعلقا بضارب، ولا نسلم ذلك بل يجوز أن يكون متعلقا بليس ومعناه: ليس في الحال بضارب فيكون السلب مقيدا بقوله: في الحال فيكون أخص من قولنا: ليس بضارب؛ لأن السلب الأخص أخص من السلب المطلق والأخص يستلزم الأعم، والجواب: أنا لا نسلم أنه بعد انقضاء الضرب يصدق عليه أنه ليس في الحال بضارب؛ لأنه عين المتنازع فيه. وإلى هذا أشار في التحصيل بقوله: لا نسلم أن هذا سلب أخص أي: بالتنوين, بل سلب أخص أي: بالإضافة. قال: "وعورض بوجوه, الأول: أن الضارب من له الضرب وهو أعم من الماضي, ورد بأنه أهم من المستقبل أيضا وهو مجاز اتفاقا. الثاني: أن النحاة منعوا عمل النعت الماضي ونوقض بأنهم أعملوا المستقبل أيضا. الثالث: أنه لو شرط لم يكن المتكلم ونحوه حقيقة, وأجيب بأنه لما تعذر اجتماع أجزائه اكتفى بآخر جزء. الرابع: أن المؤمن

стр. 120

يطلق حالة الخلو عن مفهومه, وأجيب بأنه مجاز وإلا لأطلق الكافر على أكابر الصحابة ﵃ حقيقة" أقول: اعترض الخصم فقال: هذا الدليل الذي ذكرتم وإن دل على أن المشتق لا يصدق حقيقة عند زوال المشتق منه, لكنه معارض بأدلة أربعة تدل على أن يصدق حقيقة، ولو قال المصنف بأوجه لكان أوجه من الوجوه؛ لأنها جمع كثرة، الأول: أن الضارب مثلا عبارة عن ذات ثبت لها الضرب أعم من أن يكون في الحال أو في الماضي بدليل صحة تقسيمه إليها, وهو في الحال حقيقة بالاتفاق فكذلك في الماضي، ورد هذا الدليل بأن من ثبت له الضرب كما أنه أعم من الماضي والحال فهو أعم من الاستقبال, فيلزم أن يكون حقيقة في المستقبل وهو مجاز بالاتفاق، وفي الجواب نظر لأن من ثبت له الضرب أو حصل له لا ينقسم إلى المستقبل. الثاني: أن النحاة أي: جمهورهم قالوا: إن النعت يعني المشتق كاسم الفاعل واسم المفعول إذا كان بمعنى الماضي أي: وليس معه أن لا ينصب بل يتعين جره إليه بالإضافة كقولك: مررت برجل ضارب زيد أمس، وهذا يدل على جواز استعماله بمعنى الماضي، والأصل في الاستعمال الحقيقة. والجواب أن هذا الدليل منتقض بإجماعهم على إعماله إذا كان بمعنى الاستقبال، فإن ما قلتموه في الماضي يأتي بعينه في المستقبل مع أنه مجاز اتفاقا، وأجاب في التحصيل عن جوابنا بأنه يوجب تكثير المجاز وهو خلاف الأصل. الثالث: لو شرط بقاء المشتق منه إلى حالة الإطلاق لم يكن المشتق من الألفاظ كالمتكلم والمخبر والمحدث حقيقة البتة؛ لأن الكلام ونحوه اسم لمجموع الحروف ويستحيل اجتماع تلك الحروف وفي وقت واحد؛ لأنها أعراض سيالة لا يوجد منها حروف إلا بعد انقضاء الآخر، والجواب: أنه لما تعذر اجتماع أجزاء الكلام وشبهه اكتفينا في الإطلاق الحقيقي بمقارنته لآخر جزء لصدق وجود المشتق منه مع مقارنته لشيء منه، فمن قال: قام زيد مثلا إنما يصدق عليه متكلم حقيقة عند مقارنة الدال فقط لا قبلها ولا بعدها. الرابع: أن لفظ المؤمن يطلق على الشخص حالة خلوه عن مفهوم الإيمان، والأصل في الإطلاق الحقيقة, بيانه: أن الواحد منا إذا نام يصدق عليه أنه مؤمن أو لا يصدق عليه الإيمان في تلك الحالة؛ لأنه إما عبارة عن التصديق كما هو مذهب الأشعري, أي: عن العمل كما هو مذهب المعتزلة، وكل منهما ليس بحاصل في حال نومه، وأجيب بأن هذا الإطلاق مجاز؛ لأنه لو كان إطلاق المؤمن على الشخص باعتبار الإيمان السابق حقيقة, لكان إطلاق الكافر على أكابر الصحابة حقيقة باعتبار الكفر السابق وهو باطل اتفاقيا فيبطل الأول، وأجاب صاحب التحصيل وغيره عن جوابنا بأن الحقيقة قد تهجر لعارض شرعي, فلا يلزم من امتناع إطلاق اسم الذم لكونه مخلا بتعظيمهم امتناع عكسه وهو المؤمن، وفي الجواب نظر؛ لأن القاعدة أن امتناع الشيء متى دار إسناده بين عدم المقتضى ووجود المانع كان إسناده إلى عدم المقتضى أولى؛ لأنا لو أسندناه إلى وجود المانع لكان المقتضى قد وجد وتخلف أثره والأصل عدمه، وعلى هذه القاعدة لا يصح جوابهم؛ لأن المصنف يدعي أن امتناع إطلاق الكافر لعدم المقتضى وهو وجود المشتق منه حالة الإطلاق، والمجيب يدعي أن امتناعه لوجود المانع فكان الأول أولى، وهذه القاعدة تنفع في كثير من المباحث.

стр. 121

المسألة الثالثة: قال: "المسألة الثالثة: اسم الفاعل لا يشتق لشيء والفعل لغيره للاستقراء, قالت المعتزلة: الله تعالى متكلم بكلام يخلقه في الجسم كما أنه الخالق، والخلق هو المخلوق فقلنا: الخالق هو التأثير قالوا: إن قدم العالم وإلا لافتقر إلى خلق آخر وتسلسل, قلنا: هو نسبة, فلم يحتج إلى تأثير آخر" أقول: لا يجوز إطلاق اسم الفاعل على شيء والفعل أي: المصدر والمشتق منه قائم بغير ذلك الشيء, بل يجب بمقتضى اللغة إطلاق ذلك المشتق على الذي قام به؛ لأنا استقرأنا اللغة فوجدنا الأمر كذلك، وخالفت المعتزلة في المسألتين فقالوا: الله ﵎ يصدق عليه أنه متكلم والكلام المشتق منه لا يقوم به؛ لأن الكلام النفساني باطل, ولا كلام إلا الحروف والأصوات وهي مخلوقة، فلو قامت بذاته تعالى لكانت ذاته تعالى محلا للحوادث بل يخلق الله تعالى ذلك الكلام في اللوح المحفوظ، أو في غيره من الأجسام كخلقه تعالى إياه في الشجرة حين كلم موسى, وذلك الجسم لا يسمى متكلما وإن قام به الكلام، وذكر الأصوليون هذه القاعدة ليردوا بها على المعتزلة في هذه المسألة، ثم استدلت المعتزلة على مذهبهم بأن الخالق يطلق على الله تعالى وهو مشتق من الخلق والخلق هو المخلوق؛ لقوله تعالى: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾ المخلوق ليس قائما بذاته، والجواب: أنه إنما أطلق المتكلم على الله تعالى باعتبار الكلام النفساني القائم بذاته كما تقدم في الحكم على المعدوم واستدلالكم بالخلق باطل بأن الخلق ليس هو المخلوق بل هو تأثير الله تعالى في المخلوق والتأثير قائم بذات الله تعالى، وأما الإطلاق الواقع في الآية فهو مجاز من باب تسمية المتعلق باسم المتعلق كما سيأتي في قول المصنف، والمتعلق كالخلق للمخلوق. قوله: قالوا: إن قدم أي: قالت المعتزلة: لا جائز أن يكون الخلق هو التأثير؛ لأنه إن كان قديما لزم قدم العالم، وإن كان حادثا لزم التسلسل وكلاهما محال. بيان الأول من ثلاثة أوجه أحدها: أن المؤثر قديم والتأثير قد فرضناه قديما, وإذا وجد المؤثر والتأثير استحال تخلف الأثر وهو العالم فيلزم من وجودهما في الأزل وجود العلم. الثاني: أن العالم هو ما سوى الله تعالى والتأثير غير الله تعالى، فلو كان قديما لكان العالم قديما. الثالث: أن التأثير نسبة والنسبة متوقفة على المنتسبين، وهما الخالق والمخلوق, فلو كانت قديمة مع أنها متوقفة على المخلوق لكان المخلوق قديما من طريق الأولى، وأما بيان الثاني وهو التسلسل فلأن التأثير إذا كان حادثا فهو محتاج إلى خلق آخر أي تأثير آخر؛ لأن كل حادث لا بد له من تأثير مؤثر فيعود الكلام إلى ذلك التأثير، ويتسلسل وهذه الشبهة لا جواب عنها في المحصول ولا في الحاصل، وقد أجاب المصنف بأن التأثير نسبة فلم يحتج إلى تأثير

стр. 122

آخر وتقريره من وجهين أحدهما: أن النسب والإضافات كالبنوة والأخوة أمور عدمية لا جود لها في الخارج, وإنما هي أمور اعتبارية أي: يعتبرها العقل, فلا تحتاج إلى مؤثر. الثاني: أن النسبة متوقفة على المنتسبين فقط فإذا حصلا حصلت, وتحتاج إلى مؤثر آخر, وهذا الجواب فيه التزام لحدوث التأثير، والجواب الأول مانع للحدوث والقدم معا؛ لأنهما من صفات الوجود، وقد فرضناه معدوما وأجاب في التحصيل بجوابين, أحدهما: أن الممتنع إنما هو تقدم النسبة على محلها وأما ثبوتها مع محلها عند عدم المنسوب إليه فلا استحالة فيه. ألا ترى أن تقدم البارئ على العالم نسبة بينه وبين العالم, ويستحيل القول بتوقف وجودها على المنتسبين. الثاني: أن المحال من التسلسل إنما هو التسلسل في المؤثرات والعلل، وأما التسلسل في الأثر فلا نسلم أنه ممتنع وهذا التسلسل إنما هو في الآثار. قال الأصفهاني في شرح المحصول: وفيه نظر؛ لأنه يلزم منه تجويز حوادث لا أول لها, وهو باطل على رأينا, وهذه المسألة لا ذكر لها في المنتخب قال.

стр. 123

الفصل الرابع: قال: "الفصل الرابع في الترادف وهو توالي الألفاظ المفردة الدالة على معنى واحد باعتبار واحد كالإنسان والبشر, وللتأكيد يقوى الأول والتابع لا يفيد وحده" أقول: الترادف مأخوذ من الرديف وهو ركوب اثنين على دابة واحدة، وفي الاصطلاح ما قاله المصنف. فقوله: توالي الألفاظ جنس دخل فيه الترادف وغيره, وتوالي الألفاظ هو تتابعها لأن اللفظ الثاني تبع الأول في مدلوله وإنما عبر بذلك ولم يعبر بالألفاظ المتوالية لأنه شرع في حد المعنى، وهو الترادف لا في حد اللفظ وهو المترادف كما فعل الإمام وعبر بالألفاظ ليشمل ترادف الأسماء كالبر والقمح, والأفعال كجلس وقعد, والحروف كفي والباء من قوله تعالى: ﴿مُصْبِحِينَ، وَبِاللَّيْلِ﴾ لكن الترادف قد يكون بتوالي اللفظين فقط وأيضا فاللفظ جنس بعيد لإطلاقه على المهمل والمستعمل وهو مجتنب في الحد أو الحدود فالصواب أن يقول: توالي كلمتين فصاعدا، وقوله: المفردة احترز به عن شيئين أحدهما: أن يكون البعض مركبا والبعض مفردا كالاسم مع الحد نحو الإنسان والحيوان الناطق, فإنهما وإن دلا على ذات واحدة فليسا مترادفين على الأصح؛ لأن الحد يدل على الأجزاء بالمطابقة والمحدود يدل عليها بالتضمن والدالة بالمطابقة غير الدال بالتضمن. الثاني: أن يكون الكل مركبا كالحد والرسم نحو قولنا: الحيوان الناطق والحيوان الضاحك، فليسا مترادفين أيضا، وإن دلا على مسمى واحد وهو الإنسان؛ لأن دلالة أحدهما بواسطة الذاتيات، والآخر بواسطة الخاصة, لكن التقييد بأفراد غير محتاج إليه؛ لأن ما ذكره خارج بقوله باعتبار واحد. وأيضا فالتقييد به على تقدير الاحتياج إليه في إخراج الحد وشبهه مما قلناه يخرج به بعض المترادفات كقولنا: خمسة ونصف العشرة, وكذلك خمسة مع عشرة إلا خمسة على ما سيأتي في الاستثناء. وقوله: الدال على مسمى واحد أي: الدال كل منها على مسمى

стр. 124

واحد واحترز به المتباينة كالإنسان والفرس. وقوله: باعتبار واحد قال في المحصول: احترزنا به عن الألفاظ المفردة الدالة على مسمى واحد, لكن باعتبارين كالسيف والصارم فإن كلا منهما يدل على الذات المعروفة, لكن دلالة السيف باعتبار الشكل سواء كان كالا أو قاطعا، والصارم باعتبار شدة القطع وكذلك الصفة وصفة الصفة كالناطق والفصيح، وهذا القيد لا يحتاج إليه, فإن هذه الأشياء لم تدل على مسمى واحد بل على معنيين مجتمعين في ذات واحدة, وكيف لا وقد تقدم في كلامه في تقسيم الألفاظ أن هذه ألفاظ متباينة والمتباين هو الذي تغاير لفظه ومعناه، ويمكن أن يقال: احترز به على الألفاظ المفردة الدالة على معنى واحد لكن أحدهما يدل بطريق الحقيقة, والآخر بطريق المجاز كالأسد والشجاع, وهذا الحد منطبق على تكرار اللفظ الواحد كقولنا: قام زيد زيد وليس ذلك من الترادف, بل من التأكيد اللفظي كما سيأتي فلا بد أن يقول: توالي الألفاظ المفردة المتغايرة. قوله: "كالإنسان والبشر" مثال للمترادف من جهة اللغة, فإن الإنسان يطلق على الواحد, رجلا كان أو امرأة كما قال الجوهري, وكذلك البشر يطلق أيضا على الواحد, قال الله تعالى: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ وقد يكون الترادف بحسب العرف كالأسد والسبع, أو بحسب لغتين كالله وخداي بالفارسية. قوله: "والتأكيد يقوي الأول" لما كان التأكيد والتابع فيهما شبه بالمترادف حتى ذهب بعضهم إلى أن التابع منه أي: من المترادف شرع في الفرق بما قاله في المحصول, وحاصل ما قاله في الفرق بين المترادف والمؤكد أن المترادفين يفيدان فائدة واحدة من غير تفاوت أصلا, وأما المؤكد فإنه لا يفيد عن فائدة المؤكد بل تفويته, والأولى للمصنف أن يقول: والتأكيد تقوية الأول أو يقول: والمؤكد يقوي الأول قال: وأما الفرق بين المترادف والتابع كقولنا: شيطان ليطان وحسن بسن وخراب يباب وجيعان نيعان وشبه ذلك, فهو أن التابع وحده لا يفيد شيئا البتة, فإن تقدم المتبوع عليه أفاد تفويته بخلاف المترادف فإنه يفيد وحده كالإنسان, ومقتضى كلام المصنف أن التابع لا فائدة له أصلا، وبه صرح الآمدي في الأحكام ولم يتعرض ابن الحاجب لفائدته, وقد عرفت مما قلناه أن التأكيد والتابع, كل منهما يفيد التقوية, ولكن يفترقان من جهة أن التابع يشترط فيه أن يكون على زنة الأصل كشيطان ليطان بخلاف التأكيد. قال: "وأحكامه في مسائل: الأولى في سببه: المترادفان إما من واضعين والتبسا أو واحد لتكثير الوسائل والتوسع في مجال البديع. الثانية: أنه خلاف الأصل؛ لأنه تعريف المعرف ومحوج إلى حفظ الكل. الثالثة: اللفظ يقوم بدل مرادفه من لغته إذ التركيب يتعلق بالمعنى دون اللفظ. الرابعة: التوكيد تقوية مدلول ما ذكر بلفظ ثانٍ، فإما أن يؤكد بنفسه مثل قوله ﵊: "والله لأغزون قريشا" ثلاثا ١ أو بغيره للمفرد كالنفس والعين وكلا وكلتا وكل وأجمعين وأخواته أو الجملة كإن, وجوازه ضروري ووقوعه في

стр. 125

اللغات معلوم" أقول: حصر المصنف أحكام الترادف في أربع مسائل؛ الأولى: في سبب وقوعه, وهو أمران أحدهما: أن يكون من واضعين, قال الإمام: ويشبه أن يكون هو السبب الأكثري, وذلك بأن تضع قبيلة لفظ القمح مثلا للحب المعروف، وقبيلة أخرى لفظ البر له أيضا. ثم يشتهر الوضعان، ويخفى الواضعان أو يعلمان ولكن متلبس وضع أحدهما بوضع الآخر، وهذا الشرط يقتضي أنا إذا علمنا الواضعين بأعيانهما لا يكون اللفظ مترادفا بل ينسب كل لغة إلى قوم وفيه نظر، ثم إن هذا إنما يتأتى إذا قلنا: اللغات اصطلاحية والمصنف لم يختره بل اختار الوقف. والثاني: أن يكون من واضع وحد إما لتكثير الوسائل والإخبار عما في النفس, فإنه ربما نسي أحد اللفظين أو عسر عليه النطق به كالألثغ الذي يعسر عليه النطق بالراء فيعبر بالقمح, أو تعذرت القافية أو الوزن به فيبقى الآخر وسيلة للمقصود، وإما للتوسع في مجال البديع، والبديع هو اسم لمحاسن الكلام كالسجع والمجانسة والقلب، والواضع له بإزاء هذه المعاني هو ابن المعتز١ كما قال ابن أبي الإصبع في تحرير التحبير٢. قال السكاكي: فالسجع يكون في النثر كالقافية في الشعر كقولك: ما أبعد ما فات, وما أقرب ما هو آت, فلو عبرت بمضي ونحوه لما حصل هذا المعنى والمجانسة كقولك: اشتريت البر وأنفقته في البر فلو عبرت بالقمح لفات المطلوب, والقلب كقوله تعالى: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [المدثر: ٣] فلو عبر بالله تعالى ونحوه لفات هذا المطلوب. "المسألة الثانية": الترادف على خلاف الأصل أي: خلاف الراجح حتى إذا تردد لفظ بين كونه مترادفا وكونه غير مترادف فحمله على عدم الترادف أولى، وإن كان خلاف الأصل؛ لأنه تعريف لما سبق تعريفه, ولأنه محوج إلى ارتكاب مشقة وهي حفظ الكل لاحتمال أن يكون الذي يقتصر على حفظه خلاف الذي يقتصر عليه غيره، فعند التخاطب لا يعلم كل واحد منهما مراد الآخر, وهذان الدليلان إنما ينفيان الوضع من واحد، وهو السبب الأقلي كما تقدم فلا يحصل المدعى, لا جرم أن الإمام في المحصول والمنتخب لم يحرم بكونه على خلاف الأصل بل نقله عن بعضهم فقال في المنتخب: وقيل, وقال في المحصول: ومن الناس وكذلك في الحاصل والتحصيل وأيضا فتعريف المعرف يستدلون به على استحالة الشيء, وقد صرح به صاحب الحاصل وجعله ابن الحاجب دليلا للقائل باستحالته، وأشار إليه الآمدي أيضا ولم يتعرض هو ولا ابن الحاجب لهذه المسألة. المسألة الثالثة: هل يجب صحة إقامة كل واحد من

стр. 126

المترادفين مقام الآخر؟ فيه ثلاثة مذاهب, أصحها عند ابن الحاجب: الوجوب؛ لأن المقصود من التركيب إنما هو المعنى دون اللفظ, فإذا صح المعنى مع أحد اللفظين وجب بالضرورة أن يصح مع اللفظ الآخر؛ لأن معناهما واحد. والثاني: لا يجب مطلقا واختاره في الحاصل والتحصيل, وقال في المحصول: إنه الحق؛ لأن صحة الضم قد تكون من عوارض الألفاظ أيضا؛ لأنه يصح قولك: خرجت من الدار ولو أبدلت لفظه من وحدها بمرادفها من الفارسية لم يجز قال: وإذا عقلنا ذلك في لغتين فلم لا يجوز مثله في لغة؟ والثالث وصححه المصنف: التفصيل, فيجب إن كانا من لغة واحدة لما قلناه أو لا بخلاف اللغتين، والفرق أن اختلاف اللغتين يستلزم ضم مهمل إلى مستعمل, فإن لفظة إحدى اللغتين بالنسبة إلى الأخرى مهملة. وقوله: "إذ التركيب يتعلق بالمعنى" إشارة إلى أن الخلاف إنما هو في حال التركيب، وأما في حال الإفراد كما في تعديد الأشياء من غير عامل ملفوظ به، ولا مقدر فيجوز اتفاقا, ولم يذكر الإمام هذه المسألة في المنتخب الآمدي في كتبه أيضا، ومن فوائدها نقل الحديث بالمعنى وسيأتي إيضاحها. المسألة الرابعة: في التوكيد قال في المحصول والمنتخب: هو اللفظ الموضوع لتقوية ما يفهم من لفظ آخر ويرد عليه أمور, أحدها: أن التأكيد ليس هو اللفظ بل التقوية باللفظ, إنما اللفظ هو المؤكد. الثاني: أن التأكيد قد يكون بغير لفظ موضوع له, بل بالتكرار كقولنا: قام زيد قام زيد, وكذلك بالحروف الزوائد كما في قوله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾ [المائدة: ١٣] أي: فينقضهم, والباء من قوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [الفتح: ٢٨] أي: كفى الله شهيدا, قال ابن جني: كل حرف زِيد في كلام العرب فهو التوكيد. الثالث: أن التعبير آخر فيه إشعار بالمغايرة, فيخرج من الحد التأكيد بالتكرار نحو: جاء زيد كما مثلنا، وقد تفطن صاحب الحاصل لما أوردناه, فعدل إلى قوله: تقوية مدلول اللفظ المذكور أولا بلفظ مذكور ثانيا, والباء التي في اللفظ متعلقة بالتقوية وقد تبعه المصنف على هذه الحدود ويرد عليه أمران, أحدهما: القسم وإن واللام فإنها تؤكد الجملة، وليس ذلك بلفظ ثانٍ بل بلفظ أول، فحقه أن يقول بلفظ آخر, وهذا لا يرد على الإمام، وفي بعض الشروح أن الثاني هنا بمعنى واحد كهو في قوله تعالى: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾ [التوبة: ٤٠] وعلى هذا فلا إيراد وهو غلط، فإن شرط ذلك أن يضاف إلى مثله. الثاني: أن التابع يدخل في هذا الحد, فإنه يعيد التأكيد كما تقدم, فينبغي أن يقول: بلفظ ثان مستقل بالإفادة أو نحو ذلك, إذا علمت ذلك فاعلم أن اللفظ تارة يؤكد بنفسه أي: بأن يكرر مثل قوله ﵊: "والله لأغزون قريشا" بتكراره ثلاثا١، وهذا الحديث رواه أبو داود عن عكرمة مرسلا وتارة يؤكد بغيره، وهو على قسمين, أحدهما: أن يكون مؤكدا للمفرد. والثاني: أن يكون مؤكدا للجملة، والمؤكد للمفرد إما أن يكون مؤكدا للواحد كقولك: جاء زيد نفسه أو عينه، وإما للمثنى كقولك: جاء الزيدان كلاهما والمرأتان كلتاهما، وإما للجمع كقوله تعالى:

стр. 127

﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ [الحجر: ٣] ومنه أخوات أجمعين كأكتعين أبصعين أبتعين. والثاني: أن يكون مؤكدا للجملة كان, نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦] إذا علمت هذا علمت أن المصنف أطلق المفرد على المثنى والمجموع وهو صحيح؛ لأن المفرد يطلق ويراد به ما ليس بجملة، ومن الناس من منع الترادف والتوكيد قال في المحصول: فإن كان نزاعه في الجواز العقلي فهو باطل بالضرورة؛ لأن العقل لا يحيل الاهتمام ولا تعدد الوسائل، وإن كان الوقوع فكذلك أيضا؛ لأن من استقرأ لغة العرب علم أنه واقع, لكن إذا دار الأمر بين التأكيد والتأسيس، فالتأسيس أولى كما في الترادف. فقول المصنف: وجوازه ضروري يحتمل عوده إلى كل من الترادف والتأكيد، أو إليهما معا، وتقدير كلامه: وجواز ما ذكر في هذا الفصل. واعلم أن هذه المسألة ليست من الترادف معه أنه جعلها من أحكامه, حيث قال: وأحكامه في مسائل يعني: أحكام الترادف, فلو قال أولا: الفصل الرابع في الترادف والتأكيد كما قال الإمام وأتباعه, لاستقام.

стр. 128

الفصل الخامس: المسألة الأولى: قال: "الفصل الخامس: في الاشتراك, وفيه مسائل: الأولى: في إثباته, أوجبه قوم لوجهين, الأول: أن المعاني غير متناهية والألفاظ متناهية، فإذا وزع لزم الاشتراك ورد بعد تسليم المقدمتين بأن المقصود بالوضع متناهٍ. والثاني: أن الوجود يطلق على الواجب والممكن, ووجود الشيء عينه, ورد بأن الوجود زائد مشترك, وإن سلم فوقوعه لا يقتضي وجوبه, وأحاله آخرون؛ لأنه لا يفهم الغرض فيكون مفسدة ونقص بأسماء الأجناس والمختار إمكانه لجواز أن يقع من واضعين أو واحد لغرض الإبهام حيث جعل التصريح سببا للمفسدة, ووقوعه للتردد في المراد من القرء ونحوه, ووقع في القرآن العظيم مثل ثلاثة قروء: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ [التكوير: ١٧] " أقول: المشترك هو اللفظ الموضوع لكل واحد من معنيين فأكثر, وزاد الإمام فيه قيودا لا حاجة إليها, وقد ذكر المصنف هذا الحد في تقسيم الألفاظ حيث قال: فإن وضع لكل فمشترك؛ فلذلك لم يذكره هنا، فإن قيل: فلم ذكر حد الترادف مع تقدمه في التقسيم؟ قلنا: ليفرق بينه وبين التأكيد والتابع كما مر، وقد اختلف في الاشتراك على أربعة مذاهب حكاها المصنف, أحدها: أنه واجب أي: يجب بحكم المصلحة العامة أن يكون في اللغات ألفاظ مشتركة. والثاني: أنه مستحيل. والثالث: أنه ممكن غير واقع. والرابع: أنه ممكن واقع واختاره المصنف، واستدل القائلون بالوجوب بوجهين الأول: أن المعاني غير متناهية لأن الأعداد أحد أنواع المعاني وهي غير متناهية, إذ ما من عدد إلا وفوقه عدد آخر، والألفاظ متناهية؛ لأنها مركبة من الحروف المتناهية وهي ثمانية وعشرون حرفا، والمركب من المتناهي متناهٍ فإذا وزعت المعاني غير المتناهية على الألفاظ المتناهية, لزم أن تشترك المعاني الكثيرة في اللفظ الواحد، وإلا يلزم خلو بعض المعاني عن لفظ يدل عليه وهو محال، وأجاب المصنف بوجهين, أحدهما: منع المقدمتين ولم يذكر مستند المنع تبعا

стр. 129

للإمام, وتقريره: أنا لا نسلم أن المعاني غير متناهية؛ لأن حصول ما لا نهاية له في الوجود محال، وأما الأعداد فالداخل منها في الوجود متناهٍ, وأيضا فأصولها متناهية، وهي الآحاد والعشرات والمئات والألوف، والوضع للمفردات لا للمركبات، ولا نسلم أيضا أن الألفاظ متناهية. قولهم: لأن المركب من المتناهي متناهٍ, ممنوع لإمكان تركيب كل حرف مع آخر إلى ما لا نهاية له, وأيضا فأسماء الأعداد غير متناهية على ما قالوه مع أنها مركبة من الحروف المتناهية، وقد صرح في المحصول هنا بأن هاتين المقدمتين باطلتان، وناقض كلامه فجزم بكون المعاني غير متناهية في النظر. الرابع: من باب اللغات والجواب الثاني وهو بعد تسليم المقدمتين: أن المقصود بالوضع متناهٍ، وتقريره من وجهين, أحدهما وهو المذكور في المحصول ومختصراته: أن المعاني التي يقصدها الواضع بالتسمية متناهية؛ لأن الوضع للمعاني فرع عن تصورها، وتصور ما لا يتناهى محال، فإن قيل: لا استحالة فيه إذا قلنا: الواضع هو الله تعالى وهو الراجح قلنا: الوضع لفائدة مخاطبة الناس بها، وهو موقوف على تصورهم أيضا، والثاني وهو المذكور في المنتخب: أن المعاني على قسمين, منها ما تشتد الحاجة إلى الوضع له، ومنها ما ليس كذلك كأنواع الروائح, فإنه لم يوضع لكل رائحة منها اسم يخصه، فإذا تقرر خلو بعض المعاني عن الأسماء وأن الوضع إنما يكون لما تشتد الحاجة إليه, فلا نسلم أن هذا المحتاج إليه غير متناهٍ، وأجاب ابن الحاجب بجواب آخر, وهو أن الاشتراك إنما يكون بين معانٍ متضادة أو مختلفة، وأما المتماثلة فلا اشتراك فيها, فإقامة الدليل على أن المعاني من حيث هي غير متناهية, لا يلزم منه إثباته في المختلفة والمتضادة، وهو المقصود، وأيضا فلو كانت الألفاظ مستوعبة للمعاني لكان بعض الألفاظ موضوعا لمعانٍ لا نهاية لها وهو باطل. الدليل الثاني: أن الوجود يطلق على الواجب , وعلى الممكن كالمخلوقات ووجود كل شيء ليس زائدا على ماهيته, بل هو عين ماهيته على مذهب الأشعري, فالوجود الذي يطلق على الذات المقدسة هو عين الذات، والذي يطلق على المخلوق هو عين المخلوق، والذاتان مختلفتان بالماهية فيكون الوجود أيضا مختلفا بالماهية، وقد أطلق عليه لفظ واحد إطلاقا حقيقيا بدليل عدم صحة النفي فيكون مشتركا، وأجاب المصنف بوجهين أحدهما: لا نسلم أن الوجود هو عين الماهية بل هو زائد عليها كما ذهب إليه المعتزلة, وذلك الزائد معنى واحد يشترك فيه الواجب والممكن، فيكون متواطئا لا مشتركا، وذهبت الفلاسفة إلى أن وجود الواجب عين ذاته، ووجود الممكن زائد عليه. والثاني: سلمنا أنه مشترك لكن وقوع الاشتراك لا يدل على وجوبه وهو المدعى. واعلم أن الإمام وأتباعه قد قرروا هذا الدليل على وفق الدعوى وهو الوجوب فقالوا: إن الألفاظ العامة كالوجود والشيء, واجبة الوقوع في اللغات لاشتداد الحاجة إليها, ثم ذكروا الدليل إلى آخره فغيره المصنف, ثم أورد عليه: وجوابه على تقرير الإمام أنه لا يلزم

стр. 130

من وجوب الوضع أن يكون لفظا وحدا. قوله: "وأحال آخرون" هذا هو المذهب الثاني, وهو استحالة الاشتراك، واحتج الذاهبون إليه بأن المشترك لا يفهم منه غرض المتكلم الذي هو المقصود بالوضع, فيكون وضعه سببا للمفسدة, والواضع حكيم فيستحيل أنه يضعه، والجواب: أن ما قالوه منتقض بأسماء الأجناس كالحيوان والإنسان, ألا ترى أنه لو قال: اشتر لي عبدا لم يفهم منه مراده؟ وكذلك الأسود وغيره من المشتقات فإنه لا يدل على خصوص تلك لذات كما تقدم في تقسيم الألفاظ، وفي الجواب نظر؛ فإن اسم الجنس موضوع للقدر المشترك، وهو معلوم من اللفظ بخلاف المشترك، فإن المقصود منه فرد معين وهو غير معلوم, فالأولى أن يجيب بأنه لا ينفي وقوع الاشتراك من قبيلتين, وبأن ما قالوه من المحذور ينتفي عند الحمل على المجموع. قوله: "والمختار إمكانه" هذا هو المذهب الثالث، وهو إمكانه الاشتراك؛ وذلك لأنه يمكن أن يكون من واضعين لم يعلم كل منهما بوضع الآخر, وهذا هو السبب الأكثري كما قال في المحصول١, وعلى هذا فلا يقدح فيه ما قالوه من المفاسد؛ لأن اجتنابها متوقف على العلم بوقوع الاشتراك، والغرض أن لا علم وأن يكون من واضع واحد لغرض الإبهام على السامع حيث يكون التصريح سببا للمفسدة كما روي عن أبي بكر ﵁ أنه قال لكافر سأله عن رسول الله ﷺ وقت ذهابهما إلى الغار: من هذا؟ فقال: "رجل يهديني السبيل". قوله: "ووقوعه" هو معطوف على خبر المختار وهو الإمكان أي: والمختار إمكانه ووقوعه. وهذا هو المذهب الرابع، وبانضمام هذا إلى ما قبله استفدنا الثالث وهو أنه ممكن غير واقع, وبه صرح في المحصول فقال: وبعضهم سلم إمكانه وخالف في وقوعه وقال: وما يظن أنه مشترك فهو إما متواطئ أو حقيقة ومجاز. ثم استدل المصنف على الوقوع بأنا نتردد في المراد من القرء والعين والجواب ونحوها, فإنا إذا سمعنا القرء مثلا ترددنا بين الطهر والحيض على السواء, فلو كان حقيقة في أحدهما فقط أو في القدر المشترك لما كان كذلك وقد وقع في القرآن العظيم كقوله تعالى: ﴿ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ أي: أقبل وأدبر, وإنما أورد المصنف هذين المثالين؛ لأن أحدهما من الأسماء والآخر من الأفعال، وأيضا فأحدهما مجموع والآخر مفرد فتبين بذلك وقوع النوعين في القرآن ومنهم من منع وقوعه في القرآن والحديث, كما قال في المحصول؛ لأنه إن وقع مبينا طال من غير فائدة، وإن كان غير مبين فلا يفيد، وجوابه: أن فائدته الاستعداد للامتثال بين البيان, وأيضا فإنه كأسماء الأجناس.

стр. 131

المسالة الثانية: قال: "الثانية: أنه خلاف الأصل, وإلا لم يفهم ما لم يستفسر, ولامتنع الاستدلال بالنصوص، ولأنه أقل بالاستقراء, ويتضمن مفسدة السامع؛ لأنه ربما لم يفهم وهاب استفساره أو استنكف أو فهم غير مراده, وحكى لغيره فسيؤدي إلى جهل عظيم واللافظ؛ لأنه قد يحوجه إلى العبث، أو يؤدي إلى الإضرار أيضا, أو يعتمد فهمه فيضيع غرضه فيكون مرجوحا". أقول: الاشتراك وإن كان جائزا أو واقعا لكنه خلاف الأصل, قال في المحصول: ونعني به أن اللفظ متى دار بين احتمال الاشتراك والانفراد, كان الغالب على الظن هو الانفراد واحتمال الاشتراك مرجوح، ثم استدل المصنف عليه بوجوه, أحدها: أنه لو لم يكن كذلك لما حصل التفاهم حال التخاطب إلا بالاستفسار، ثم يحتاج البيان إلى استفسار آخر، ويلزم التسلسل وليس كذلك, فإن الفهم يحصل بمجرد إطلاق اللفظ. الثاني: لو تساوى الاحتمالان لامتنع الاستدلال بالنصوص على إفادة الظنون, فضلا عن تحصيل العلوم لجواز أن تكون ألفاظها موضوعة لمعانٍ أخر, وتكون تلك المعاني هي المرادة. الثالث: الاستقراء يدل على أن الكلمات المشتركة أقل من المفردة، والكثرة تفيد ظن الرجحان. الرابع: الاشتراك يتضمن مفاسد السامع واللافظ, فيقتضي أن لا يكون موضوعا، أما السامع فلأمرين أحدهما: أن الغرض من الكلام وهو حصول الفهم, وربما فقدت القرائن فلم يفهم وهاب استفسار المتكلم لعظمته، أو استنكف إما لحقارته وإما لكون الاستفسار يشعر بعدم الفهم، والناس يستنكفون منه. الثاني: أنه قد يفهم غير مراد المتكلم فيقع في الجهل ويحكيه لغيره, فيوقعهم فيه أيضا فيصير ذلك سببا لجهل جمع كثير وهو جهل عظيم، وأما تضمنه لمفاسد اللافظ فلأن السامع قد لا يفهم فيحتاج المتكلم إلى ذكره باسمه المفرد, فيكون تلفظه باللفظ المشترك عبثا لا فائدة فيه، وأيضا فإنه يؤدي إلى إضراره لاحتياجه دائما إلى التفسير، وقد يشق عليه التعبير لعارض وأيضا فلأنه ربما يعتمد فهم السامع أنه لا يفهم فيضع غرضه، كمن قال لعبده: أعط الفقير عينا أو ائتني بعين على ظن أنه يفهم الماء فيفهم هو الذهب. قوله: "فيكون مرجوحا" أي: لهذه الوجوه الأربعة وإذا كان مرجوحا كان خلاف الأصل وهو المدعي، وقد وقع في كثير من الشروح هنا مخالفة لما قررته فاجتنبه على أن نسخ الكتاب أيضا مختلفة هنا، واعلم أن أكثر هذه الوجوه لا ينفي وقوع الاشتراك مطلقا بل من واضع واحد وهو السبب الأعلى.

стр. 132

المسألة الثالثة: قال: "الثالثة: مفهوما المشترك, إما أن يتباينا كالقرء للطهر والحيض، أو يتواصلا فيكون أحدهما جزءا للآخر كالممكن للعام والخاص، أو لازما له كالشمس للكوكب وضوئه". أقول: المشترك لا بد له من مفهومين فصاعدا أي: معنيين, فالمفهومان إما أن يتباينا أو يتواصلا، فإن تباينا أي: لم يصدق أحدها الآخر فإن لم يصح اجتماعهما فهما متضادان كالقرء الموضوع للطهر والحيض، وإن صح اجتماعهما فهما متخالفان ولم نظفر له بمثال، وإن تواصلا فقد يكون أحدهما جزءا من الآخر وقد يكون لازما له, مثال الأول: لفظ الممكن, فإنه موضوع للممكن بالإمكان العام والممكن بالإمكان الخاص، فالإمكان الخاص هو سلب الضرورة عن طرفي الحكم, أعني الطرف الموافق له, والمخالف كقولنا: كل إنسان كاتب بالإمكان الخاص, معناه: أن ثبوت الكتابة للإنسان

стр. 133

ليس بضروري ونفيها عنه أيضا ليس بضروري, فقد سلبنا الضرورة عن الطرف الموافق وهو ثبوت الكتابة وعن المخالف وهو نفيها، وأما الإمكان العام فهو سلب الضرورة عن الطرف المخالف للحكم أي: إن كانت موجبة فالسلب غير ضروري, فإن كانت سالبة فالإيجاب غير ضروري, كقولنا: كل إنسان حيوان بالإمكان العام, معناه: أن سلب الضرورة عن أحد الطرفين جزء من سلب الضرورة عن الطرفين جميعا, فيكون الممكن العام جزءا من الممكن الخاص، ولفظ الممكن موضوع لهما فيكون مشتركا بين الشيء وجزئه. قال في المحصول: وإطلاقه أيضا على الخاص وحده من باب الاشتراك بالنظر إلى ما فيه من المفهومين المختلفين، وإنما سمي الأول بالإمكان الخاص، والثاني بالعام؛ لأن الأول أخص, فإنه متى وجد سلب الضرورة عن الطرفين وجد سلبها على الطرف المخالف بخلاف العكس، فصار كالإنسان والحيوان. قوله: "كالشمس" تمثيل للمشترك بين الشيء ولازمه، فإن الشمس تطلق على الكوكب المضيء، كما تقول: طلعت الشمس وعلى ضوئه كما تقول: جلسنا في الشمس, مع أن الضوء لازم له، فإن توقف في هذا المثال متوقف فليمثل له بالرحيم, فإن الجوهري نص على أن يكون تارة بمعنى المرحوم وتارة بمعنى الراحم, وكل منهما يستلزم الآخر, فيكون مشتركا بين الشيء ولازمه، ويمثل له أيضا بالكلام فإنه مشترك عند المحققين بين النفساني واللساني كما قاله في المحصول١، مع أن اللسان دليل على النفساني والدليل يستلزم المدلول فيصدق عليه أنه مشترك بين الشيء ولازمه على قول الإمام, ومختصرو كلامه لم يذكروا هذا القسم بل ذكروا عوضا عنه الاشتراك بين الشيء وصفته, ومثلوه بما إذا سمينا رجلا أسود اللون بالأسود, وفي التمثيل أيضا نظر لأن شرط المشترك أن يكون حقيقة في معنييه بلا خوف؛ ولهذا استدل به من قال: إنه أولى من المجاز، وإطلاق العلم عن مدلوله ليس بحقيقة ولا مجاز كما سيأتي، وقد تلخص مما قالوه أن الاشتراك قد يكون بين الشيء وجزئه، أو لازمه أو صفته, وهذه المسألة ليست في المنتخب. "فرع": قال الإمام: لا يجوز أن يكون اللفظ مشتركا بين النقيضين؛ لأن الواقع لا يخلو عن أحدهما فلا يستفيد السامع بإطلاقه شيئا, فيصير الوضع لذلك عبثا، واعترض عليه في التحصيل بأنه لا ينفي إلا وقوعه من واضع واحد وهو السبب الأقلي، واعترض القرافي أيضا أنه بدون الإطلاق يحتاج إلى دليل مستقل ومع الإطلاق لا يحتاج إلا إلى قرينة تعين المراد, ونقل القيراوني في المستوعب عن جماعة أنهم منعوا الاشتراك بين الضدين أيضا, والمشهور الجواز كما تقدم.

стр. 134

المسالة الرابعة: قال: "الرابعة: جوز الشافعي ﵁ والقاضيان وأبو علي إعمال المشترك في جميع مفهوماته غير المتضادة, ومنعه أبو هاشم والكرخي والبصري والإمام. لنا: الوقوع في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦] والصلاة من الله مغفرة ومن غيره استغفار, قيل: الضمير متعدد فيتعدد الفعل, قلنا: يتمدد معنى لا لفظا وهو المدعى, وفي قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ [الحج: ١٨] الآية قيل: حرف العطف بمثابة العامل قلنا: إن سلم فبمثابته بعينه قيل: يحتمل وضعه أيضا، فالإعمال في البعض، قلنا: فيكون المجموع مسندا إلى كل واحد وهو باطل". أقول: ذهب الشافعي ﵁ إلى جواز استعمال المشترك في جميع معانيه وتبعه القاضيان وهما القاضي أبو بكر الباقلاني١ والقاضي عبد الجبار بن أحمد المعتزلي واختاره المصنف وابن الحاجب, ونقله القرافي عن مالك ونقله المصنف عن أبي علي الجبائي٢, ورأيت في الوجيز٣ لابن برهان أن الجبائي منعه. قال: إلا أن يتفق المعينات في حقيقة واحدة فيجوز كالقرء, فإنه حقيقة في الانتقال، ومنعه أبو هاشم والكرخي والبصري أي: أبو الحسين كما قاله في المحصول٤، واختاره الإمام فخر الدين في كتبه كلها، ونقله الآمدي عن أبي عبد الله البصري أيضا، والقرافي عن أبي حنيفة، ثم ذكر الإمام في المحصول أيضا ما يخالف هذا، فإنه جزم في الكلام على أن الأصل عدم الاشتراك بأن المضارع مشترك بين الحال والاستقبال، ثم جزم في الإجماع بأن المضارع يحمل عليهما، فقال مجيبا عن سؤال: قلنا: لأن صيغة المضارع بالنسبة إلى الحال والاستقبال كاللفظ العام, ذكر ذلك في الاستدلال بقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ [آل عمران: ١١٠] وتوقف الآمدي فلم يختر شيئا، فإن جوزنا قال الآمدي: فشرطه أن لا يمتنع الجمع بينهما، أي: بأن يكون المعنى يصح إسناده إلى الأمرين, فقولنا: العين جسم ونريد به العين الجارية والذهب، والعدة بثلاثة قروء ونريد به الطهر والحيض، والجون ملبوس وزيد ونريد به الأبيض والأسود، أو يكون المحكوم عليه بالمشترك متعددا كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦] فإن المغفرة والاستغفار يستحيل عودهما إلى الله تعالى, كذلك إلى الملائكة، بل المغفرة عائدة إلى الله تعالى والاستغفار للملائكة. قال: فإن امتنع الجمع بينهما كاستعمال صفة أفعل في الأمر بالشيء والتهديد عليه، فإنه لا يجوز؛ لأن الأمر يقتضي التحصيل والتهديد يقتضي الترك، وعبر المصنف عن هذا القيد بقوله: غير المتضادة فهو فاسد؛ لأن القرء والجون من المتضادات وقد بينا أنه لا يمنع،

стр. 135

وقد مثل الإمام في المحصول محل النزاع بلفظ القرء وذكره في أثناء الاستدلال، وإنما قيده المصنف بالمتضادة دون المتناقضة؛ لأن الوضع للنقيضين ممنوع على ما تقدم نقله عن الإمام وبتقدير جواز الوضع فإن التقييد بالمتضادة يدل على منع المتناقضة بطريق الأولى، ولم يتعرض الإمام لهذا القيد وقبل الخوض في الاحتجاج لا بد من التنبيه على أمور أحدها: أن محل هذا الخلاف في اللفظة الواحدة من المتكلم الواحد في الوقت الواحد كما قاله الآمدي, فإن تعددت الصيغة أو اختلف المتكلم أو الوقت جاز تعدد المعنى. الثاني: أن هذا الخلاف المذكور في استعمال اللفظ في حقيقته يجري في استعماله في حقيقته ومجازه، كما قاله الآمدي, وفي مجازيه كما قاله القرافي، فالأول كقولك: والله لا أشتري وتريد الشراء الحقيقي والسوم. والثاني: كأن تريد السوم وشراء الوكيل. الثالث: محل الخلاف بين الشافعي وغيره في استعمال اللفظ في معانيه إنما هو في الكلي العددي كما قاله في التحصيل أي: في كل فرد, وذلك بأن نجعله يدل على كل واحد منهما على حدة بالمطابقة في الحالة التي تدل على المعنى الآخر بها، وليس المراد هو الكلي المجموعي أي: يجعل مجموع المعنيين مدلولا مطابقيا كدلالة العشرة على آحادها، ولا الكلي البدلي أن يجعل كل واحد منهما مدلولا مطابقيا على البدل, ونقل الأصفهاني في شرح المحصول أنه رأى في تصنيف آخر لصاحب التحصيل أن الأظهر من كلام الأئمة وهو الأشبه، أن الخلاف في الكلي المجموعي فإنهم صرحوا بأن المشترك عند الشافعي كالعام. الرابع: اختلفوا في هذا الاستعمال هل هو حقيقة أم لا؟ فقال القرافي: إنه مجاز, وصححه ابن الحاجب؛ لأن الذي يتبادر إلى الذهن إنما هو أحدهما, والتبادر علامة الحقيقة فإذا أطلق عليهما كان مجازا، ونقل الآمدي عن الشافعي القاضي أنه حقيقة, قال: وهو عندهما من باب العموم، ووافق على كونه من باب العموم الغزالي في المستصفى والإمام في البرهان حتى إنهم لم يذكروا المسألة إلا في باب العموم، وفي كونه من العموم إشكال؛ لأن مسمى العموم واحد كما سيأتي، والمشترك مسمياته متعددة. وأيضا فالمشترك يجب أن تكون أفراده متناهية بخلاف العام، وأيضا فالقاضي ينكر صيغ العموم فإنكاره ههنا أولى. الخامس: الفرق بين الوضع والاستعمال والحمل، فالوضع هو جعل اللفظ دليلا على المعنى كتسمية الولد زيدا وهذا أمر متعلق بالواضع، والاستعمال إطلاق اللفظ وإرادة المعنى وهو من صفات المتكلم، والحمل اعتقاد السامع مراد المتكلم أو ما اشتمل على مراده كحمل الشافعي المشترك على معنييه؛ لكونه مشتملا على المراد وهذا من صفات السامع, وقد تقدم الكلام على وضع المشترك والكلام الآن في استعماله، وسيأتي الكلام على حمله. قوله: "لنا الوقوع" أي: الدليل على جواز الاستعمال أمران أحدهما: وقوعه في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦] ووجه الدلالة: أن الصلاة لفظ مشترك بين المغفرة والاستغفار، وإنما تعدت بعلى لا باللام لمعنى

стр. 136

التعطف والتحنن، وقد استعملت فيها دفعة واحدة فإنه أسندها إلى الله تعالى وإلى الملائكة, ومن المعلوم أن الصادر من الله تعالى هو المغفرة لا الاستغفار ومن الملائكة عكسه فثبت المدعي، وإنما فسر المصنف الصلاة من الله تعالى بالمغفرة تبعا للحاصل, ولم يفسرها بالرحمة تبعا للإمام والآمدي لأمرين أحدهما: أن إطلاق الرحمة على البارئ تعالى مجاز؛ لأنها رقة القلب بخلاف المغفرة. الثاني: أن التفسير بذلك يكون جمعا بين الحقيقة والمجاز وليس هو دعوى المصنف، وإنما دعواه الحقيقتين, ألا تراه قد عبر أولا بالمشترك لكن الخلاف في الحقيقة والمجاز كالخلاف في الحقيقتين كما تقدم, قوله: "قيل: الضمير" هذا الاعتراض لصاحب الحاصل ولم يذكره الإمام, وتقريره أن قوله تعالى: ﴿يُصَلُّونَ﴾ فيه ضمير عائد إلى الله تعالى, وضمير يعود إلى الملائكة وتعدد الضمائر بمثابة تعدد الأفعال, فكأنه قيل: إن الله يصلي والملائكة تصلي، وقد عرفت من القواعد المتقدمة أن النزاع إنما هو استعمال اللفظ الواحد في معنييه, وأجاب المصنف بأن الفعل لم يتعدد في اللفظ قطعا وإنما تعدد في المعنى, فاللفظ واحد والمعنى متعدد وهو عين الدعوى, وفي الاستدلال بالآية نظر من وجهين, أحدهما ما قاله الغزالي في المستصفى: أنه يجوز أن تكون الصلاة قد استعملت في معنى مشترك بين المغفرة والاستغفار وهو الاعتناء بإظهار الشرف. وجوابه: أن إطلاقها على الاعتناء مجاز لعدم التبادر وقد ثبت أنها مشتركة بين المغفرة والاستغفار, فالحمل عليهما أولى مراعاة للمعنى الحقيقي, ولك أن تقول: قد تقدم أن ابن الحاجب وجماعته ذهبوا إلى أن الحمل على المجموع مجاز, فلم رجحتم أحد المجازين على الآخر بل المجاز المجمع عليه أولى؟ الثاني: أنه يجوز أن يكون قد حذف الخبر للقرينة، ويكون أصله: إن الله يصلي وملائكته تصلي, وأجيب بأن الإضمار مثل المجاز فلم رجحتم المجاز؟ قوله: "وفي قوله تعالى" هذا هو الدليل الثاني على جواز الاستعمال, وهو عطف على ما تقدم وتقديره لنا الوقوع في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ﴾ [الأحزاب: ٥٦] وفي قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوُابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ [الحج: ١٨] ووجه الدلالة: أن الله تعالى أراد بالسجود ههنا الخشوع؛ لأنه هو المتصور من الدواب، وأراد به أيضا وضع الجبهة على الأرض، وإلا لكان تخصيص كثير من الناس بالذكر لا معنى له لاستواء الكل في السجود بمعنى الخشوع والخضوع للقدرة، فثبت إرادة المعنيين، وأجيب بأن حرف العطف بمثابة تكرار العامل, فكأنه قيل: ﴿يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ إلى آخر الآية, فليس فيه إعمال للمشترك في مدلوليه، بل أعمل مرة في معنى، ومرة في معنى آخر وهو جائز، وهذا الاعتراض لصاحب الحاصل ولم يذكره الإمام وأجاب عنه المصنف بوجهين أحدهما: لا نسلم أن العاطف كالعامل, بل هو موجب لمساواة الثاني للأول في مقتضى العامل إعرابا وحكما، والعامل في الثاني هو الأول بواسطة

стр. 137

العاطف, فإنه الصحيح عند النحويين وذهب جماعة منهم إلى أن العاطف هو العامل, وآخرون إلى أن العامل مقدر بعد العطف. الثاني: أنا وإن سلمنا أن العاطف بمثابة العامل لكنه على هذا التقدير يلزم أن يكون بمثابة العامل الأول بعينه وهو هنا باطل؛ لأنه يلزم أن يكون المراد من سجود الشمس والقمر والجبال والشجر هو وضع الجبهة؛ لأنه مدلول الأول وهذا التقدير هو الصواب، ويحتمل أن يكون المراد أنه إذا كان بمثابة الأول بعينه يكون اللفظ واحدا والمعنى كثيرا وهو المدعى ويقع في بعض النسخ: فبمثابة في العمل أي: يقوم مقامه في الإعراب لا في المعنى. قوله: "قيل: يحتمل وضعه للمجموع" يعني: أن ما تقدم من الاستدلال بالآيتين لا حجة فيه؛ لأنه يحتمل أن يكون استعمال السجود والصلاة في المجموع إنما هو لكون اللفظ قد وضع له أيضا كما وضع للأفراد, بل لا بد من ذلك وإلا لكان اللفظ مستعملا في غير ما وضع له, وحينئذ فيكون السجود مثلا موضوعا لثلاثة معانٍ للخضوع على انفراده، ولوضع الجبهة على انفراده، وللمجموع من حيث هو مجموع، وعلى هذا التقدير يكون إعمال اللفظ في المجموع إعمالا له بعض ما وضع له لا في كلها وهو خلاف المدعى, ولهذا الجواب اقتصر عليه الإمام في المحصول وفي غيره, وأجاب عند المصنف بأنه يلزم أن يكون في المجموع من وضع الجبهة، والخضوع مسندا إلى كل واحد من الشجر والدواب وغيره، فلما ذكر أن يكون المجموع من الرحمة والاستغفار مسندا إلى كل واحد من الله تعالى والملائكة وهو باطل بالضرورة وهذا الجواب ضعيف؛ لأنه إنما يلزم ذلك أن لو أسند المجموع إلى واحد فقط, أما إذا استعمل في بعض المعاني مع اتحاد المسند إليه كقولك: الدابة تسجد أي: تخشع, أو في المجموع مع تعدد المسند إليه ليرجع كل واحد إلى واحد, فلا يأتي فيه هذا المحذور، والدليلان المذكوران من هذا القبيل، وأيضا فالذي قاله مشترك الإلزام فإنه قد تقرر أن اللفظ قد استعمل في الجميع, فيلزم إسناده إلى كل واحد، فإن قيل: إنما حصل المحال من وضعه للمجموع، قلنا: لا محذور في مجرد الوضع بل ولا في الاستعمال من حيث هو, فإن المتكلم قد لا يستعمله في المجموع عند اتحاد المحكوم عليه، بل يستعمله فيه عند تعدده. وإذا علمت ذلك فالجواب الصحيح عما قاله الإمام أن نقول: لا نسلم أنه وضع للمجموع، فإن قيل: فكيف استعمل فيه؟ قلنا: سيأتي جوابه، وأيضا فالنزاع إنما هو في الجميع لا في المجموع كما تقدم، وسيأتي أيضا بسطه. قال: " احتج المانع بأنه إن لم يضع التواضع للمجموع لم يجز استعماله فيه. قلنا: لم لا يكفي الوضع لكل واحد من الاستعمال في الجميع؟ ومن المانعين من جوز في الجمع والسلب والفرق ضعيف, ونقل عن الشافعي ﵁ والقاضي الوجوب حيث لا قرينة احتياطا". أقول: استدل المانع من استعمال المشترك في جميع معانيه بأن

стр. 138

المشترك إن لم يوضع للمجموع ولم يجز استعمال فيه؛ لأنه استعمال اللفظ في غير مدلوله، وإن وضع له أيضا كان استعماله فيه استعمالا له في بعض معانيه كما تقدم وهو غير المدعى، وسكت المصنف عن هذا القسم الثاني اكتفاء بذكره فيما تقدم. واعلم أن المانعين اختلفوا فقيل: إن المنع لمعنى يرجع إلى الوضع وهو كونه غير موضوع له، وقيل: لمعنى يرجع إلى الإرادة، أي: يستحيل أن يراد باللفظ الواحد في وقت واحد أكثر من معنى واحد. قال في المحصول: والمختار الأول وعليه اقتصر المصنف؛ فلذلك قال: احتج المانع، ولم يقل: المانعون وأجاب المصنف بقوله: لم لا يكفي الوضع ... ؟ وتقريره من وجهين أحدهما: أن يكون الوضع لكل واحد كافيا لاستعماله في الجميع, بمعنى أنه يستعمل في هذا ليدل عليه بالمطابقة في الآخر كذلك، وحينئذ فيكون استعماله في الجميع استعمالا له فيما وضع له؛ لأن كل واحد من تلك المعاني قد وضع له ذلك اللفظ، وإنما يستقيم اشتراط الوضع للمجموع أنه لو كان المراد أن يكون مستعملا في المجموع بحيث يكون المجموع مدلولا واحدا كدلالة العشرة على آحادها وليس هو المدعى؛ ولهذا عبر المصنف بقوله: في الجميع، لكن سكوته على المجموع الواقع في كلام الخصم موهم جدا، فكان من حقه أن ينبه أولا على هذا المنع، ثم يذكر ما في الكتاب، وإلى جميع ما قلناه أشار صاحب التحصيل بقوله: ولقائل أن يقول: النزاع في استعماله في كل واحد من المفهومات لا في كلها وبينهما فرق، وهذا التقرير بناء على أن الخلاف في الكلي العددي, التقرير الثاني وهو بناء على الكلي المجموعي: أنه لم لا يكون الوضع لكل واحد كافيا في الاستعمال في المجموع, مجازًا من باب إطلاق اسم الجزء على الكل؟ قوله: "ومن المانعين" يعني أن المانعين من الاستعمال اختلفوا؛ فمنهم من منع مطلقا كما تقدم، ومنهم من فصّل فجوّز استعمال المشترك في معنييه في حال الجمع, سواء كان إثباتا نحو: اعتدي بالأقراء، أو نفيا نحو: لا تعتدي بالأقراء؛ لأن الجمع متعدد في التقدير, فجاز تعدد مدلولاته بخلاف المفرد، ومنهم من فصل أيضا فأجاز استعماله في السلب وإن لم يكن جمعا نحو: لا تعتدي بقرء، ومنعه في الإثبات؛ لأن السلب يفيد العموم فيتعدد بخلاف الإثبات، وهذا المذهب -أعني: التفصيل بين النفي وغيره- لم يحكه الإمام ولا مختصر كلامه فاعلمه، فإن كلامه يوهم ذلك, نعم حكاه الآمدي عن أبي الحسين البصري، وكلام المصنف يقتضي أن التفصيل بين السلب والإثبات, وبين الجمع والإفراد لقائل واحد وليس كذلك, وأيضا فالتثنية ملحقة بالجمع وكلامه يقتضي إلحاقها بالإفراد عند هذا القائل؛ لأنه استثنى الجمع فقط. قوله: "والفرق ضعيف" أي: بين الجمع والإفراد, وبين النفي والإثبات، فأما في النفي فقلد فيه الآمدي، فإنه قال في الأحكام: الحق عدم الفرق؛ لأن النفي إنما هو للمعنى المستفاد عند الإثبات، وأما في الجمع فقلد فيه الإمام, فإنه قال في المحصول: الحق عدم الفرق؛ لأن الجمع لا يفيد التعدد إلا للمعنى المستفاد

стр. 139

من المفرد، فإن أفاد المفرد أفاد الجمع وإلا فلا، قال: فأما إذا قال: لا تعتدى بالأقراء وأراد مسمى القرء فهو جائز؛ لأن مسمى القرء معنى صادق عليهما فيكون متواطئا. واعلم أن الفرق قوي وقد تقدم ذكره، وللنحو بين أيضا في تثنية المشترك وجمعه مذهبان, صحح ابن مالك أنه يجوز، وقال شيخنا أبو حيان: المشهور المنع. قوله: "ونقل عن الشافعي والقاضي الوجوب" أي: وجوب حمل المشترك على جميع معانيه عند عدم القرينة المخصصة احتياطا في تحصيل مراد المتكلم, إذ لو لم يجب ذلك فإن لم يحمله على واحد منهما لزم التعطيل، أو حمله على واحد منهما فيلزم الترجيح بلا مرجح، وضعف بعضهم هذه المقالة وليست ضعيفة وقد تقدم من كلام الآمدي, والشافعي إنما يحمله على المجموع لكونه عنده من باب العموم وهو ينافي التعليل بالاحتياط، فإن الاحتياط يقتضي ارتكاب زيادة على مدلول اللفظ لأجل الضرورة، ومقتضى العموم خلافه، وكلام المصنف يوهم أن هذه المسألة في الاستعمال فإن الحمل لم يتقدم له ذكر البتة, وبه صرح بعض الشارحين وهو غلط، وفي البرهان أن الشافعي يوجب حمل اللفظ على حقيقته ومجازه أيضا, قال: ولقد اشتد تكبر القاضي على القائل به.

стр. 140

المسألة الخامسة: قال: "الخامسة: المشترك إن تجرد عن القرينة فمجمل, وإن اقترن به ما يوجب اعتبار واحد تعين, أو أكثر فكذا عند من يجوز الإعمال في معنيين وعند المانع مجمل أو إلغاء البعض, فينحصر المراد في الباقي أو الكل فيحمل على المجاز, فإن تعارضت حمل على الراجح هو أو أصله, وإن تساويا أو ترجح أحدهما وأصل الآخر فمجمل". أقول: اللفظ المشترك قد يقترن به قرينة مبينة للمراد وقد يتجرد عنها, فإن تجرد عن القرائن فهو مجمل إلا عند الشافعي والقاضي, فإنه يحمله على الجميع كما تقدم، وعن هذا يعلم أن المصنف اختار مذهب الشافعي في الاستعمال لا في الحمل، وإن اقترنت به قرينة فقد يدل على الاعتبار أي: الإعمال إما للبعض أو للكل, وقد يدل على الإلغاء إما للبعض أو للكل أيضا, فتحصلنا على أربعة أقسام ذكرها المصنف على الترتيب: الأول: أن يقترن به ما يوجب إعماله في واحد فيتعين الحمل عليه, وهذا إذا كان الواحد معينا فإن لم يكن فيبقى اللفظ على إجماله وقد أهمله المصنف. الثاني: ما يجب إعماله في أكثر منه فيحمل على الكل عند من يجوز الإعمال في المعنيين، ومن منع منه قال: إنه مجمل. الثالث: أن يقترن به ما يوجب إلغاء البعض, فينحصر المراد في الباقي، فإن كان الباقي واحدا حمل عليه، وإن تعدد فهو مجمل، إلا عند الشافعي والقاضي، وهذا إذا كان البعض الملغى معينا وإلا فهو مجمل بين الجميع. الرابع: أن يقترن به ما يوجب إلغاء الكل, فيحمل على المعنى المجازي لتعذر الحقيقي, فإن كان البعض فقط ذا مجاز حملناه عليه، وإن كان لكل واحد منهما مجاز فقد تعارضت، وحينئذ فإن ترجح بعض المجازات على بعض حمل عليه، ورجحانه إما بنفسه وذلك بأن تتساوى الحقائق وتكون بعض المجازات أقرب إلى الحقيقة من الآخر، وإما بأصله وهو الحقيقة، وذلك بأن تتساوى المجازات, ولكن تكون بعض الحقائق أرجح من بعض لو عدمت القرينة الملغية، فإن تساويا أي: الحقائق والمجازات بقي الإجمال، وكذلك إن ترجح بعض المجازات على البعض الآخر، ولكن رجح أصل ذاك وهو حقيقته على أصل هذا, فيبقى الإجمال أيضا لتعادلهما، وهذه المسألة ليست في المنتخب ولا في كتب الآمدي وابن الحاجب.

стр. 141

الفصل السادس مدخل ... الفصل السادس: قال: "الفصل السادس: في الحقيقة والمجاز, الحقيقة فعيلة من الحق الثابت أو المثبت, نقل إلى العقد المطابق ثم إلى القول المطابق، ثم اللفظ المستعمل فيما وضع له في اصطلاح التخاطب والتاء لنقل اللفظ من الوصفية إلى الاسمية، والمجاز مفعل من الجواز بمعنى العبور وهو المصدر أو المكان، نقل إلى الفاعل ثم إلى اللفظ المستعمل في معنى غير موضوع له يناسب المصطلح, وفيه مسائل". أقول: ذكر في هذا الفصل مقدمة وثماني مسائل؛ أما المقدمة ففي الكلام على لفظتي الحقيقة والمجاز على معناهما لغة واصطلاحا، ومقصوده الأعظم بيان أن إطلاق لفظتي الحقيقة والمجاز على المعنى المعروف عند الأصوليين إنما هو على سبيل المجاز، فأما الحقيقة فوزنها فعيلة وهي مشتقة من الحق، والحق لغة: الثبوت، قال الله تعالى: ﴿وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الزمر: ٧١] أي: ثبتت، ومن أسمائه تعالى الحق؛ لأنه الثابت، ثم إن فعيلا قد يكون بمعنى فاعل الفاعل, فمعناها الثابتة من قولهم: حق الشيء يحق -بالضم والكسر- إذا وجب وثبت، وإن كانت بمعنى المفعول فمعناها المثبتة بفتح الباء من قولهم: حققت الشيء أحقه إذا أثبته، ثم نقلت الحقيقة من الثابت أو المثبت إلى الاعتقاد المطابق للواقع مجازا كاعتقاد وحدانية الله تعالى، قال في المحصول: لأنه أولى بالوجود من الاعتقاد الفاسد، وقد يقال: إنما كان مجازا لاختصاصه ببعض أفراد الثابت فصار كإطلاق الدابة على ذوات الأربع، ثم نقل من الاعتقاد المطابق إلى القول الدال على المعنى المطابق أي: الصدق لعين هذه العلة كما قال في المحصول١, ثم نق من القول المطابق إلى المعنى المصطلح عليه عند الأصوليين، وهو اللفظ المستعمل فيما وضع له في اصطلاح التخاطب، قال في المحصول: لأن استعماله فيما وضع له تحقيق لذلك الوضع. قال: فظهر أن إطلاق لفظ الحقيقة على هذا المعنى المعروف ليس حقيقة لغوية بل مجاز واقع في المرتبة الثالثة، لكنه حقيقة عرفية خاصة، ولقائل أن يقول: يجوز أن يكون لفظ الحق موضوعا للقدر المشترك بين الجمع وهو الثبوت، سلمنا لكن لا نسلم أن كل مجاز مأخوذ مما قبله بل الجميع مأخوذ من الحقيقة، وأما معنى الحقيقة في الاصطلاح فهو ما أشار إليه المصنف بقوله: اللفظ المستعمل ... إلخ فقوله: اللفظ جنس, لكنه جنس بعيد فالتعبير بالقول أصوب, وقوله: المستعمل خرج

стр. 142

عنه المهمل واللفظ الموضوع قبل الاستعمال, فإنه ليس بحقيقة ولا مجاز كما سيأتي, وقوله: فيما وضع له يخرج به المجاز, وقوله: في اصطلاح التخاطب يتناول اللغوية والشرعية والعرفية، فإن الصلاة مثلا في اصطلاح اللغة حقيقة في الدعاء, مجاز في الأركان المخصوصة، وفي اصطلاح الشرع بالعكس. واعلم أن المراد بالوضع في الحقيقة الشرعية والعرفية هو غلبة الاستعمال، وفي اللغوية هو تخصيصه به وجعله دليلا عليه، وإرادة المصنف لهما لا تستقيم إلا باستعمال المشترك في معنييه فافهمه. وهذا الحد يرد عليه الإعلام فإن الحد صادق عليها مع أنها ليست بحقيقة ولا مجاز كما سيأتي, وأيضا فالمجاز موضوع عنده؛ لأن المراد من وضعه هو اعتبار العرب لنوعه، وقد جزم باشتراط ذلك كما سيأتي فلا بد فيه من قيد في الحد لإخراجه؛ لأن المذكور هنا صادق عليه. قوله: "والتاء لنقل اللفظ" اعلم أن الفعيل إن كان بمعنى الفاعل فإنه يفرق بين مذكره ومؤنثه بالتاء, فتقول: مررت برجل عليم وامرأة عليمة، وكريم وكريمة، وإن كان بمعنى المفعول فيستوي فيه المذكر والمؤنث فتقول: مررت برجل قتيل وامرأة قتيل، ويستثنى من ذلك ما إذا سمي به أو استعمل استعمال الأسماء كما لو استعمل بدون الموصوف, كقوله تعالى: ﴿النَّطِيحَةُ﴾ أي: والبهيمة النطيحة فإنه لا بد من التاء للفرق، فالحقيقة إن كانت بمعنى الفاعل فتاؤها على الأصل, وإن كانت بمعنى المفعول فهي إنما دخلت لانتقال الحقيقة من الوصفية إلى الاسمية؛ لأنا بينا أنها نقلت إلى اللفظ المستعمل بالشروط وجعلت اسما له، ويجوز أن يكون المراد أن دخولها للإعلال بالنقل. قوله: "المجاز مفعل ... إلخ" يريد أن إطلاق لفظ المجاز على معناه المعروف عند العلماء بالمجاز اللغوي حقيقة عرفية؛ وذلك لأن المجاز مشتق من الجواز الذي هو التعدي والعبور تقول: جزت المكان الفلاني أي: عبرته ووزن المجاز مفعل؛ لأن أصله: مجوز فقلبوا واوه ألفا بعد نقل حركتها إلى الجيم؛ لأن المشتقات تتبع الماضي المجرد في الصحة والإعلال, وهم قد أعلوا فعله الماضي وهو جاز لتحرك واوه وانفتاح ما قبلها فلذلك أعلوا المجاز، والفعل يستعمل حقيقة في الزمان والمكان والمصدر تقول: قعدت مقعد زيد وتريد: قعود زيد أو زمان قعوده أو مكان قعوده، فيكون لفظ المجاز في الأصل حقيقة, إما في المصدر وهو الجواز وإما في مكان التجوز أو زمانه، وأهمل المصنف الزمان لما ستعرفه، ثم إن لفظ المجاز نقل من ذلك إلى الفاعل وهو الجائز أي: المنتقل لما بينهما من العلاقة؛ لأنه إن نقل من المجاز المستعمل في المصدر فالعلاقة هي الجزئية؛ لأن المشتق منه جزء من المشتق, فصار كإطلاقهم لفظ العدل وهو مصدر على فاعل العدالة فقالوا: رجل عدل أي: عادل، وإن نقل من المجاز المستعمل في المكان فالعلاقة هي إطلاق اسم المحل وإرادة الحال ويعبر عنه بالمجاوزة, وأما المجاز المستعمل في الزمان فإنه ليس بينه وبين الجائز علاقة معتبرة, فلا يصح أن يكون مأخوذا منه فلذلك أهمله المصنف فافهمه، فإنه

стр. 143

من محاسن كلامه، ثم إن الجائز يطلق حقيقة على الأجسام؛ لأن الجواز هو الانتقال من حيز إلى حيز، وأما اللفظ فعرَض يمتنع عليه الانتقال، فنقل لفظ المجاز من معنى الجائز إلى المعنى المصطلح عليه عند الأصوليين، وهو اللفظ المستعمل في معنى غير موضوع له يناسب المصطلح عليه، وإطلاقه على هذا المعنى على سبيل التشبيه، فإن تعدية اللفظ من معنى إلى معنى كالجائز من مكان إلى مكان آخر, فيكون إطلاق لفظ المجاز على المعنى المصطلح عليه مجازا لغويا في المرتبة الثانية حقيقة عرفية, فأما قوله: اللفظ المستعمل فقد عرفت شرحه مما تقدم، وأما قوله: في معنى غير موضوع له فاحترز به عن الحقيقة، ويؤخذ منه أن المجاز عند المصنف لا يستلزم الحقيقة؛ لأنه شرط تقدم الوضع لا تقدم الاستعمال، وهو اختيار الآمدي وجزم باستلزامه في المحصول في الكلام على إطلاق اسم الفاعل بمعنى الماضي، ونقله في الكلام على الحقيقة اللغوية عن الجمهور, ثم قال: وهو ضعيف على عكس ما جزم به أولا ولم يصحح ابن الحاجب شيئا، وأما قوله: يناسب المصطلح فأتى به لثلاثة أمور, أحدها: للاحتراز عن العلم المنقول كبكر وكلب, فإنه ليس بمجاز؛ لأنه لم ينقل لعلاقة. الثاني: اشتراط العلاقة. الثالث: ليكون الحد شاملا للمجازات الأربعة: المجاز اللغوي والشرعي والعرفي العام والعرفي الخاص, فأتى بالاصطلاح الذي هو أعم من كونه لغويا أو شرعيا أو عرفيا، وهذا الحد يرد عليه المجاز المركب، وذلك لأن شرط المجاز أن يكون موضوعا لشيء, ولكن يستعمل في غيره لعلاقة كما تقرر، والمركب عن المصنف غير موضوع فإنه قد قال في التخصيص: قلنا: المركب لم يوضع وقد وقعت للشارحين في هذا الفصل مواضيع ينبغي اجتنابها. واعلم أن هذه الأعمال كلها ما عدا الحدين لم يتعرض لها الآمدي ومن تابعه كابن الحاجب. قال: "الأولى: الحقيقة اللغوية موجودة وكذا العامة كالدابة ونحوها, والخاصة كالقلب والنقض والجمع والفرق, واختلف في الشرعية كالصلاة والزكاة والحج؛ فمنع القاضي مطلقا واثبت المعتزلة مطلقا, والحق أنها مجازات لغوية اشتهرت لا موضوعات مبتدأة وإلا لم تكن عربية, فلا يكون القرآن عربيا وهو باطل لقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [طه: ١١٣] ونحوه قليل المراد بعضه، فإن الحالف على أن لا يقرأ القرآن يحنث بقراءة بعضه قلنا: معارض بما يقال: إنه بعضه قيل: تلك كلمات قلائل فلا تخرجه عن كونه عربيا كقصيدة فارسية فيها ألفاظ عربية, قلنا: تخرجه وإلا لما صح الاستثناء قيل: كفى في عربيتها استعمالها في لغتهم، قلنا: تخصيص الألفاظ باللغات بحسب الدلالة قيل: منقوض بالمشكاة والقسطاس والإستبرق وسجيل قلنا: وضع العرب فيها وافق لغة أخرى". أقول: لما فرغ من الكلام على الحقيقة لغة واصطلاحا شرع في بيان وجودها، والحقيقة تنقسم إلى أربعة أقسام أحدها: اللغوية ولا شك في وجودها؛ لأنا نقطع باستعمال بعض اللغات في موضوعاتها كالحر والبرد والسماء والأرض، وبدأ المصنف

стр. 144

باللغوية؛ لأن ما عداها فرع عنها. الثاني: العرفية العامة وهي التي انتقلت من مسماها اللغوي إلى غيره للاستعمال العام بحيث هجر الأول, قال في المحصول: وذلك إما بتخصيص الاسم اللغوي إلى غيره للاستعمال العام بحيث هجر الأول, قال في المحصول: وذلك إما بتخصيص الاسم ببعض مسمياته كالدابة فإنها وضعت في اللغة لكل ما يدب كالإنسان, فخصصها العرف العام بما له حافر، وإما باشتهار المجاز بحيث يستنكر معه استعمال الحقيقة كإضافتهم الحرمة إلى الخمر وهي في الحقيقة مضافة إلى الشرب. الثالث: العرفية الخاصة وهي ما لكل طائفة من العلماء من الاصطلاحات التي تخصهم كاصطلاح الفقهاء على القلب والنقص والجمع والفرق الآتي بيانها في القياس، واصطلاح النحاة على الرفع والنصب والجر. الرابع: الشرعية وهي اللفظة التي استفيد من الشارع وضعها كالصلاة للأفعال المخصوصة، والزكاة للقدر المخرج. قال في المحصول: سواء كان اللفظ والمعنى مجهولين عند أهل اللغة كأوائل السور عند من يجعلها اسما، أو كان معلوما لهم لكنهم لم يضعوا ذلك الاسم لذلك المعنى كلفظة الرحمن لله تعالى, فإن كلا منهما كان معلوما لهم، ولم يضعوا اللفظ لله تعالى ولذلك قالوا حين نزل قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ [الإسراء: ١١٠] : إنا لا نعرف الرحمن إلا رحمان اليمامة، أو كان أحدهما مجهولا والآخر معلوما كالصوم والصلاة، إذا علمت ذلك فقد اختلفوا في وقوعها, فمنعه القاضي أبو بكر وقال ابن الشارع: لم يستعملها إلا في الحقائق اللغوية فالمراد بالصلاة المأمور بها هو الدعاء، ولكن أقام الشارع أدلة أخرى على أن الدعاء لا يقبل إلا بشرائط مضمومة إليه، وأثبته المعتزلة فقالوا: نقل الشارع هذه الألفاظ عن مسمياتها اللغوية, وابتدأ وضعها لهذه المعاني لا للمناسبة فليست حقائق لغوية ولا مجازات عنها. وقوله: مطلقا أي: سواء كان فيها مناسبة أم لا, بخلاف مذهبنا كما سيأتي أو سواء كانت أسماء للفعل كالصوم والصلاة، أو للفاعل كالصائم وهي المسماة عندهم بالدينية كما سيأتي في فروع النقل, واختار إمام الحرمين والإمام المصنف أنها لم تستعمل في المعنى اللغوي، ولم يقطع النظر عنه حالة الاستعمال بل استعملها الشارع في هذه المعاني لما بينها وبين المعاني اللغوية من العلاقة، فالصلاة مثلا لما كانت في اللغة موضوعة للدعاء والدعاء جزء من المعنى الشرعي أطلقت على المعنى الشرعي مجازا تسمية للشيء باسم بعضه، ولا تكون هذه الألفاظ بذلك خارجة عن لغة العرب لانقسام اللغة إلى حقيقة ومجاز، فتلخص أن هذه الألفاظ مجازات لغوية ثم اشتهرت فصارت حقائق شرعية, وهذا هو اختيار ابن الحاجب أيضا، وتوقف الآمدي فلم يختر شيئا, وأشار إلى أنه الحق وهذا الخلاف في الوقوع, وأما الإمكان فقال في المحصول: إنه متفق عليه, وقال في الأحكام: لا شك فيه، وما قالاه فممنوع، فقد نقل أبو الحسن في المعتمد عن قوم أنهم منعوا بإمكانه، ونقله عنه الأصفهاني في شرح المحصول. قوله: "وإلا لم تكن عربية"

стр. 145

أي: لو لم تكن هذه الألفاظ مجازات عرفية ابتدأ الشارع وضعها لهذه المعاني, لكانت غير عربية؛ لأن العرب لم تضعها لها لا حقيقة ولا مجازا، وإذا لم تكن عربية فلا يكون القرآن عربيا, لكن القرآن عربي لقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [طه: ١١٣] وقوله تعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ [الزمر: ٣٨] وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٤] وهذا الدليل لا يثبت فيه المدعى؛ لأنه لا يبطل المذهبين الآخرين بل مذهب المعتزلة فقط. قوله: "قيل: المراد بعضه ... إلخ" أي: اعترضت المعتزلة على هذا الدليل بأربعة أوجه, أحدها: أن هذه الآية لا تدل على أن القرآن كله عربي بل على أن بعضه عربي؛ لأن القرآن يطلق على مجموعه وعلى كل جزء منه؛ ولهذا لو حلف: لا يقرأ القرآن حدث بقراءة بعضه، وجوابه: أن استدلالكم بالحلف وإن دل على أن المراد بالقرآن البعض فهو معارض لقولنا للسورة والآية: إنه بعض القرآن فإنه لو أطلق عليه بعض القرآن حقيقة لما كان لإدخال البعض معنى، وأيضا فلأن بعض الشيء غير الشيء، وإذا تعارضا تساقطا، وسلم ما قلناه أولا. واعلم أن ما ذكره من الحنث ممنوع, فقد نص الشافعي على ما حكاه الرافعي في أبواب العتق أنه لو قال لعبده: إن قرأت القرآن فأنت حر, لا يعتق إلا بقراءة الجميع. الثاني: أن هذه الألفاظ وإن كانت غير عربية, لكنها قلائل فلا يخرج القرآن عن كونه عربيا كقصيدة فارسية فيها ألفاظ عربية, فإنها لا تخرج بذلك عن كونها فارسية، والجواب: أنا لا نسلم بل يخرج عن كونه عربيا قطعا بدليل صحة الاستثناء فنقول: القرآن عربي إلا كذا وكذا، ومثله القصيدة أيضا. الثالث: أنه يكفي في كون هذه الألفاظ عربية استعمال العرب لها من حيث الجملة، وحينئذ فاستعمال الشارع لها في غير المعنى اللغوي لا يخرجه عن ذلك، وجوابه: أن تخصيص الألفاظ بكونها عربية أو فارسية ليس حكما حاصلا بذات الألفاظ من حيث هي هي, بل بحسب دلالتها على تلك المعاني في تلك اللغة، فلا يصير اللفظ عربيا إلا إذا دل على المعنى الذي وضعه العرب له، وفيما قال نظر، بل الحق أن العربي لا يخرج عن عربيته باستعماله في معنى آخر، ويدل على هذا أن الأعجمي كإبراهيم لا يخرج عن العجمة باستعمال العرب له في معنى آخر كما صرح به النحاة، ولهذا منعوا صرفه، وهذا إذا قلنا: إن اللغات اصطلاحية، فإن قلنا: توقيفية, ففي الحكم بتخصيص البعض بالعربي بحث يتقوى به جواب المصنف. الرابع: أنه منقوض بألفاظ واقعة في القرآن ليست عربية بل معربة, فإن المشكاة حبشية كما قال في المحصول، وهندية كما قال الآمدي وابن الحاجب، وهي الكوة والقسطاس رومية, وهي الميزان والإستبرق فارسية, وهي الديباج الغليظ وسجيل أيضا فارسية, وهي الحجر من الطين، وأجاب المصنف بأنا لا نسلم أن هذه الألفاظ ليست عربية، بل غايته أن وضع العرب لها وافق وضع غيرهم كالصابون والتنور, فإن اللغات متفقة فيهما. قال في المحصول: ولئن سلمنا خروج
следующие страницы →