الفصل السادس
مدخل
...
الفصل السادس:
قال: "الفصل السادس: في الحقيقة والمجاز, الحقيقة فعيلة من الحق الثابت أو المثبت, نقل إلى العقد المطابق ثم إلى القول المطابق، ثم اللفظ المستعمل فيما وضع له في اصطلاح التخاطب والتاء لنقل اللفظ من الوصفية إلى الاسمية، والمجاز مفعل من الجواز بمعنى العبور وهو المصدر أو المكان، نقل إلى الفاعل ثم إلى اللفظ المستعمل في معنى غير موضوع له يناسب المصطلح, وفيه مسائل". أقول: ذكر في هذا الفصل مقدمة وثماني مسائل؛ أما المقدمة ففي الكلام على لفظتي الحقيقة والمجاز على معناهما لغة واصطلاحا، ومقصوده الأعظم بيان أن إطلاق لفظتي الحقيقة والمجاز على المعنى المعروف عند الأصوليين إنما هو على سبيل المجاز، فأما الحقيقة فوزنها فعيلة وهي مشتقة من الحق، والحق لغة: الثبوت، قال الله تعالى: ﴿وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الزمر: ٧١] أي: ثبتت، ومن أسمائه تعالى الحق؛ لأنه الثابت، ثم إن فعيلا قد يكون بمعنى فاعل الفاعل, فمعناها الثابتة من قولهم: حق الشيء يحق -بالضم والكسر- إذا وجب وثبت، وإن كانت بمعنى المفعول فمعناها المثبتة بفتح الباء من قولهم: حققت الشيء أحقه إذا أثبته، ثم نقلت الحقيقة من الثابت أو المثبت إلى الاعتقاد المطابق للواقع مجازا كاعتقاد وحدانية الله تعالى، قال في المحصول: لأنه أولى بالوجود من الاعتقاد الفاسد، وقد يقال: إنما كان مجازا لاختصاصه ببعض أفراد الثابت فصار كإطلاق الدابة على ذوات الأربع، ثم نقل من الاعتقاد المطابق إلى القول الدال على المعنى المطابق أي: الصدق لعين هذه العلة كما قال في المحصول١, ثم نق من القول المطابق إلى المعنى المصطلح عليه عند الأصوليين، وهو اللفظ المستعمل فيما وضع له في اصطلاح التخاطب، قال في المحصول: لأن استعماله فيما وضع له تحقيق لذلك الوضع. قال: فظهر أن إطلاق لفظ الحقيقة على هذا المعنى المعروف ليس حقيقة لغوية بل مجاز واقع في المرتبة الثالثة، لكنه حقيقة عرفية خاصة، ولقائل أن يقول: يجوز أن يكون لفظ الحق موضوعا للقدر المشترك بين الجمع وهو الثبوت، سلمنا لكن لا نسلم أن كل مجاز مأخوذ مما قبله بل الجميع مأخوذ من الحقيقة، وأما معنى الحقيقة في الاصطلاح فهو ما أشار إليه المصنف بقوله: اللفظ المستعمل ... إلخ فقوله: اللفظ جنس, لكنه جنس بعيد فالتعبير بالقول أصوب, وقوله: المستعمل خرج
стр. 142
عنه المهمل واللفظ الموضوع قبل الاستعمال, فإنه ليس بحقيقة ولا مجاز كما سيأتي, وقوله: فيما وضع له يخرج به المجاز, وقوله: في اصطلاح التخاطب يتناول اللغوية والشرعية والعرفية، فإن الصلاة مثلا في اصطلاح اللغة حقيقة في الدعاء, مجاز في الأركان المخصوصة، وفي اصطلاح الشرع بالعكس. واعلم أن المراد بالوضع في الحقيقة الشرعية والعرفية هو غلبة الاستعمال، وفي اللغوية هو تخصيصه به وجعله دليلا عليه، وإرادة المصنف لهما لا تستقيم إلا باستعمال المشترك في معنييه فافهمه. وهذا الحد يرد عليه الإعلام فإن الحد صادق عليها مع أنها ليست بحقيقة ولا مجاز كما سيأتي, وأيضا فالمجاز موضوع عنده؛ لأن المراد من وضعه هو اعتبار العرب لنوعه، وقد جزم باشتراط ذلك كما سيأتي فلا بد فيه من قيد في الحد لإخراجه؛ لأن المذكور هنا صادق عليه. قوله: "والتاء لنقل اللفظ" اعلم أن الفعيل إن كان بمعنى الفاعل فإنه يفرق بين مذكره ومؤنثه بالتاء, فتقول: مررت برجل عليم وامرأة عليمة، وكريم وكريمة، وإن كان بمعنى المفعول فيستوي فيه المذكر والمؤنث فتقول: مررت برجل قتيل وامرأة قتيل، ويستثنى من ذلك ما إذا سمي به أو استعمل استعمال الأسماء كما لو استعمل بدون الموصوف, كقوله تعالى: ﴿النَّطِيحَةُ﴾ أي: والبهيمة النطيحة فإنه لا بد من التاء للفرق، فالحقيقة إن كانت بمعنى الفاعل فتاؤها على الأصل, وإن كانت بمعنى المفعول فهي إنما دخلت لانتقال الحقيقة من الوصفية إلى الاسمية؛ لأنا بينا أنها نقلت إلى اللفظ المستعمل بالشروط وجعلت اسما له، ويجوز أن يكون المراد أن دخولها للإعلال بالنقل. قوله: "المجاز مفعل ... إلخ" يريد أن إطلاق لفظ المجاز على معناه المعروف عند العلماء بالمجاز اللغوي حقيقة عرفية؛ وذلك لأن المجاز مشتق من الجواز الذي هو التعدي والعبور تقول: جزت المكان الفلاني أي: عبرته ووزن المجاز مفعل؛ لأن أصله: مجوز فقلبوا واوه ألفا بعد نقل حركتها إلى الجيم؛ لأن المشتقات تتبع الماضي المجرد في الصحة والإعلال, وهم قد أعلوا فعله الماضي وهو جاز لتحرك واوه وانفتاح ما قبلها فلذلك أعلوا المجاز، والفعل يستعمل حقيقة في الزمان والمكان والمصدر تقول: قعدت مقعد زيد وتريد: قعود زيد أو زمان قعوده أو مكان قعوده، فيكون لفظ المجاز في الأصل حقيقة, إما في المصدر وهو الجواز وإما في مكان التجوز أو زمانه، وأهمل المصنف الزمان لما ستعرفه، ثم إن لفظ المجاز نقل من ذلك إلى الفاعل وهو الجائز أي: المنتقل لما بينهما من العلاقة؛ لأنه إن نقل من المجاز المستعمل في المصدر فالعلاقة هي الجزئية؛ لأن المشتق منه جزء من المشتق, فصار كإطلاقهم لفظ العدل وهو مصدر على فاعل العدالة فقالوا: رجل عدل أي: عادل، وإن نقل من المجاز المستعمل في المكان فالعلاقة هي إطلاق اسم المحل وإرادة الحال ويعبر عنه بالمجاوزة, وأما المجاز المستعمل في الزمان فإنه ليس بينه وبين الجائز علاقة معتبرة, فلا يصح أن يكون مأخوذا منه فلذلك أهمله المصنف فافهمه، فإنه
стр. 143
من محاسن كلامه، ثم إن الجائز يطلق حقيقة على الأجسام؛ لأن الجواز هو الانتقال من حيز إلى حيز، وأما اللفظ فعرَض يمتنع عليه الانتقال، فنقل لفظ المجاز من معنى الجائز إلى المعنى المصطلح عليه عند الأصوليين، وهو اللفظ المستعمل في معنى غير موضوع له يناسب المصطلح عليه، وإطلاقه على هذا المعنى على سبيل التشبيه، فإن تعدية اللفظ من معنى إلى معنى كالجائز من مكان إلى مكان آخر, فيكون إطلاق لفظ المجاز على المعنى المصطلح عليه مجازا لغويا في المرتبة الثانية حقيقة عرفية, فأما قوله: اللفظ المستعمل فقد عرفت شرحه مما تقدم، وأما قوله: في معنى غير موضوع له فاحترز به عن الحقيقة، ويؤخذ منه أن المجاز عند المصنف لا يستلزم الحقيقة؛ لأنه شرط تقدم الوضع لا تقدم الاستعمال، وهو اختيار الآمدي وجزم باستلزامه في المحصول في الكلام على إطلاق اسم الفاعل بمعنى الماضي، ونقله في الكلام على الحقيقة اللغوية عن الجمهور, ثم قال: وهو ضعيف على عكس ما جزم به أولا ولم يصحح ابن الحاجب شيئا، وأما قوله: يناسب المصطلح فأتى به لثلاثة أمور, أحدها: للاحتراز عن العلم المنقول كبكر وكلب, فإنه ليس بمجاز؛ لأنه لم ينقل لعلاقة. الثاني: اشتراط العلاقة. الثالث: ليكون الحد شاملا للمجازات الأربعة: المجاز اللغوي والشرعي والعرفي العام والعرفي الخاص, فأتى بالاصطلاح الذي هو أعم من كونه لغويا أو شرعيا أو عرفيا، وهذا الحد يرد عليه المجاز المركب، وذلك لأن شرط المجاز أن يكون موضوعا لشيء, ولكن يستعمل في غيره لعلاقة كما تقرر، والمركب عن المصنف غير موضوع فإنه قد قال في التخصيص: قلنا: المركب لم يوضع وقد وقعت للشارحين في هذا الفصل مواضيع ينبغي اجتنابها. واعلم أن هذه الأعمال كلها ما عدا الحدين لم يتعرض لها الآمدي ومن تابعه كابن الحاجب.
قال: "الأولى: الحقيقة اللغوية موجودة وكذا العامة كالدابة ونحوها, والخاصة كالقلب والنقض والجمع والفرق, واختلف في الشرعية كالصلاة والزكاة والحج؛ فمنع القاضي مطلقا واثبت المعتزلة مطلقا, والحق أنها مجازات لغوية اشتهرت لا موضوعات مبتدأة وإلا لم تكن عربية, فلا يكون القرآن عربيا وهو باطل لقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [طه: ١١٣] ونحوه قليل المراد بعضه، فإن الحالف على أن لا يقرأ القرآن يحنث بقراءة بعضه قلنا: معارض بما يقال: إنه بعضه قيل: تلك كلمات قلائل فلا تخرجه عن كونه عربيا كقصيدة فارسية فيها ألفاظ عربية, قلنا: تخرجه وإلا لما صح الاستثناء قيل: كفى في عربيتها استعمالها في لغتهم، قلنا: تخصيص الألفاظ باللغات بحسب الدلالة قيل: منقوض بالمشكاة والقسطاس والإستبرق وسجيل قلنا: وضع العرب فيها وافق لغة أخرى". أقول: لما فرغ من الكلام على الحقيقة لغة واصطلاحا شرع في بيان وجودها، والحقيقة تنقسم إلى أربعة أقسام أحدها: اللغوية ولا شك في وجودها؛ لأنا نقطع باستعمال بعض اللغات في موضوعاتها كالحر والبرد والسماء والأرض، وبدأ المصنف
стр. 144
باللغوية؛ لأن ما عداها فرع عنها. الثاني: العرفية العامة وهي التي انتقلت من مسماها اللغوي إلى غيره للاستعمال العام بحيث هجر الأول, قال في المحصول: وذلك إما بتخصيص الاسم اللغوي إلى غيره للاستعمال العام بحيث هجر الأول, قال في المحصول: وذلك إما بتخصيص الاسم ببعض مسمياته كالدابة فإنها وضعت في اللغة لكل ما يدب كالإنسان, فخصصها العرف العام بما له حافر، وإما باشتهار المجاز بحيث يستنكر معه استعمال الحقيقة كإضافتهم الحرمة إلى الخمر وهي في الحقيقة مضافة إلى الشرب. الثالث: العرفية الخاصة وهي ما لكل طائفة من العلماء من الاصطلاحات التي تخصهم كاصطلاح الفقهاء على القلب والنقص والجمع والفرق الآتي بيانها في القياس، واصطلاح النحاة على الرفع والنصب والجر. الرابع: الشرعية وهي اللفظة التي استفيد من الشارع وضعها كالصلاة للأفعال المخصوصة، والزكاة للقدر المخرج. قال في المحصول: سواء كان اللفظ والمعنى مجهولين عند أهل اللغة كأوائل السور عند من يجعلها اسما، أو كان معلوما لهم لكنهم لم يضعوا ذلك الاسم لذلك المعنى كلفظة الرحمن لله تعالى, فإن كلا منهما كان معلوما لهم، ولم يضعوا اللفظ لله تعالى ولذلك قالوا حين نزل قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ [الإسراء: ١١٠] : إنا لا نعرف الرحمن إلا رحمان اليمامة، أو كان أحدهما مجهولا والآخر معلوما كالصوم والصلاة، إذا علمت ذلك فقد اختلفوا في وقوعها, فمنعه القاضي أبو بكر وقال ابن الشارع: لم يستعملها إلا في الحقائق اللغوية فالمراد بالصلاة المأمور بها هو الدعاء، ولكن أقام الشارع أدلة أخرى على أن الدعاء لا يقبل إلا بشرائط مضمومة إليه، وأثبته المعتزلة فقالوا: نقل الشارع هذه الألفاظ عن مسمياتها اللغوية, وابتدأ وضعها لهذه المعاني لا للمناسبة فليست حقائق لغوية ولا مجازات عنها. وقوله: مطلقا أي: سواء كان فيها مناسبة أم لا, بخلاف مذهبنا كما سيأتي أو سواء كانت أسماء للفعل كالصوم والصلاة، أو للفاعل كالصائم وهي المسماة عندهم بالدينية كما سيأتي في فروع النقل, واختار إمام الحرمين والإمام المصنف أنها لم تستعمل في المعنى اللغوي، ولم يقطع النظر عنه حالة الاستعمال بل استعملها الشارع في هذه المعاني لما بينها وبين المعاني اللغوية من العلاقة، فالصلاة مثلا لما كانت في اللغة موضوعة للدعاء والدعاء جزء من المعنى الشرعي أطلقت على المعنى الشرعي مجازا تسمية للشيء باسم بعضه، ولا تكون هذه الألفاظ بذلك خارجة عن لغة العرب لانقسام اللغة إلى حقيقة ومجاز، فتلخص أن هذه الألفاظ مجازات لغوية ثم اشتهرت فصارت حقائق شرعية, وهذا هو اختيار ابن الحاجب أيضا، وتوقف الآمدي فلم يختر شيئا, وأشار إلى أنه الحق وهذا الخلاف في الوقوع, وأما الإمكان فقال في المحصول: إنه متفق عليه, وقال في الأحكام: لا شك فيه، وما قالاه فممنوع، فقد نقل أبو الحسن في المعتمد عن قوم أنهم منعوا بإمكانه، ونقله عنه الأصفهاني في شرح المحصول. قوله: "وإلا لم تكن عربية"
стр. 145
أي: لو لم تكن هذه الألفاظ مجازات عرفية ابتدأ الشارع وضعها لهذه المعاني, لكانت غير عربية؛ لأن العرب لم تضعها لها لا حقيقة ولا مجازا، وإذا لم تكن عربية فلا يكون القرآن عربيا, لكن القرآن عربي لقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [طه: ١١٣] وقوله تعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ [الزمر: ٣٨] وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٤] وهذا الدليل لا يثبت فيه المدعى؛ لأنه لا يبطل المذهبين الآخرين بل مذهب المعتزلة فقط. قوله: "قيل: المراد بعضه ... إلخ" أي: اعترضت المعتزلة على هذا الدليل بأربعة أوجه, أحدها: أن هذه الآية لا تدل على أن القرآن كله عربي بل على أن بعضه عربي؛ لأن القرآن يطلق على مجموعه وعلى كل جزء منه؛ ولهذا لو حلف: لا يقرأ القرآن حدث بقراءة بعضه، وجوابه: أن استدلالكم بالحلف وإن دل على أن المراد بالقرآن البعض فهو معارض لقولنا للسورة والآية: إنه بعض القرآن فإنه لو أطلق عليه بعض القرآن حقيقة لما كان لإدخال البعض معنى، وأيضا فلأن بعض الشيء غير الشيء، وإذا تعارضا تساقطا، وسلم ما قلناه أولا. واعلم أن ما ذكره من الحنث ممنوع, فقد نص الشافعي على ما حكاه الرافعي في أبواب العتق أنه لو قال لعبده: إن قرأت القرآن فأنت حر, لا يعتق إلا بقراءة الجميع. الثاني: أن هذه الألفاظ وإن كانت غير عربية, لكنها قلائل فلا يخرج القرآن عن كونه عربيا كقصيدة فارسية فيها ألفاظ عربية, فإنها لا تخرج بذلك عن كونها فارسية، والجواب: أنا لا نسلم بل يخرج عن كونه عربيا قطعا بدليل صحة الاستثناء فنقول: القرآن عربي إلا كذا وكذا، ومثله القصيدة أيضا. الثالث: أنه يكفي في كون هذه الألفاظ عربية استعمال العرب لها من حيث الجملة، وحينئذ فاستعمال الشارع لها في غير المعنى اللغوي لا يخرجه عن ذلك، وجوابه: أن تخصيص الألفاظ بكونها عربية أو فارسية ليس حكما حاصلا بذات الألفاظ من حيث هي هي, بل بحسب دلالتها على تلك المعاني في تلك اللغة، فلا يصير اللفظ عربيا إلا إذا دل على المعنى الذي وضعه العرب له، وفيما قال نظر، بل الحق أن العربي لا يخرج عن عربيته باستعماله في معنى آخر، ويدل على هذا أن الأعجمي كإبراهيم لا يخرج عن العجمة باستعمال العرب له في معنى آخر كما صرح به النحاة، ولهذا منعوا صرفه، وهذا إذا قلنا: إن اللغات اصطلاحية، فإن قلنا: توقيفية, ففي الحكم بتخصيص البعض بالعربي بحث يتقوى به جواب المصنف. الرابع: أنه منقوض بألفاظ واقعة في القرآن ليست عربية بل معربة, فإن المشكاة حبشية كما قال في المحصول، وهندية كما قال الآمدي وابن الحاجب، وهي الكوة والقسطاس رومية, وهي الميزان والإستبرق فارسية, وهي الديباج الغليظ وسجيل أيضا فارسية, وهي الحجر من الطين، وأجاب المصنف بأنا لا نسلم أن هذه الألفاظ ليست عربية، بل غايته أن وضع العرب لها وافق وضع غيرهم كالصابون والتنور, فإن اللغات متفقة فيهما. قال في المحصول: ولئن سلمنا خروج
стр. 146
هذه الألفاظ عن مقتضى الدليل, فيبقى ما عداها على الأصل، وهذا الذي صححه المصنف والإمام من كون المعرب لم يقع في القرآن, نقله ابن الحاجب عن الأكثرين, ونص عليه الشافعي في أوائل الرسالة فقال ما نصه: وقد تكلم في القرآن من لو أمسك عن بعض ما تكلم فيه, لكان الإمساك أولى به وأقرب من السلامة إن شاء الله تعالى, فقال منهم قائل: إن في القرآن عربيا وأعجميا, هذا لفظه بحروفه، ومن الرسالة نقلته، ثم إنه أطال الاستدلال في الرد على قائله، ثم قال: والله تعالى يغفر له ولهم ولم يصحح الآمدي شيئا, وصحح ابن الحاجب وقوعه مستدلا بإجماع النحاة على أن إبراهيم ونحوه لا ينصرف للعلمية والعجمية. واعلم أن المصنف لم يرتب هذه الاعتراضات على الوجه اللائق فإن اللائق الابتداء بالثالث، ثم بالثاني، ثم بالأول، فيقول أولا: لا نسلم أنها غير عربية بل يكفي فيها استعمالها عندهم, سلمنا لكن لا يخرج القرآن عن كونه عربيا؛ لأنها قلائل سلمنا خروجه، فليس بممتنع لأن المراد من قوله تعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [طه: ١١٣] هو البعض.
قال: "وعورض بأن الشارع اخترع معاني, فلا بد لها من ألفاظ, قلنا: كفى التجوز بأن الإيمان في اللغة هو التصديق، وفي الشرع فعل الواجبات لأنه الإسلام، وإلا لم يقبل من مبتغيه لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِينًا﴾ [آل عمران: ٨٥] فلن يقبل منه, ولم يجز استثناء المسلم من المؤمن وقد قال الله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات: ٣٥، ٣٦] والإسلام هو الدين لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ﴾ والدين فعل الواجبات لقوله تعالى: ﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ قلنا: الإيمان في الشرع تصديق خاص, وهو غير الإسلام والدين فإنهما الانقياد والعمل الظاهر؛ ولهذا قال تعالى: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ وإنما جاز الاستثناء لصدق المؤمن على المسلم بسبب أن التصديق شرط صحة الإسلام". أقول: إن المعتزلة طعنوا أولا في مقدمات دليلنا فأجبناهم, فانتقلوا إلى النقض بالمشكاة وشبهها، فأجبناهم فانتقلوا إلى المعارضة فقالوا: ما ذكرتم وإن دل على أن الشارع ما ابتدأ وضع هذه الألفاظ لهذه المعاني لكنه معارض بوجهين, أحدهما: إجمالي والآخر: تفصيلي, الأول وهو الإجمالي: أن الشارع اخترع معاني لم تكن معقولة للعرب فلا بد لها من ألفاظ تدل عليها، ويستحيل أن يكون الواضع لها هم العرب لأنهم لا يعقلونها فيكون الواضع لها وهو الله تعالى, فيكون شرعية وجوبه أنا لا نسلم أنه يجب إحداث وضع لها, بل يكفي التجوز بما وضعته العرب لحصول المقصود وهو الإفهام، وقد تقدم إيضاحه عند حكاية المذاهب. الدليل الثاني وهو التفصيلي: أن الإيمان يستعمل في غير معناه اللغوي فيكون شرعيا, بيانه أن الإيمان في اللغة هو التصديق, قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ [يوسف: ١٧] وفي الشرع فعل الواجبات؛ وذلك لأن الإيمان هو الإسلام، والإسلام هو الدين، والدين فعل الواجبات، ينتج أن الإيمان
стр. 147
فعل الواجبات، وإنما قلنا: إن الإيمان هو الإسلام لوجهين, أحدهما: أنه لو كان غيره لما كان مقبولا ممن ابتغاه لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥] الآية. الثاني: لو كان مغايرا له لامتنع استثناؤه منه؛ لأن الاستثناء إخراج بعض الأول ولكنه لا يمتنع لقوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات: ٣٦، ٣٦] ووجه الاستدلال أن غير هنا بمعنى إلا, إذ لو كانت على ظاهرها لكان التقدير فما وجدنا فيها المغاير لبيت المؤمنين, فيكون المنفي هو بيوت الكفار وهو باطل, فتقرر أنه استثناء، ثم إن هذا الاستثناء مفرغ فلا بد له من تقدير شيء عام منفي يكون هو المستثنى منه، وذلك العام لا بد من تقييده بكونه من المؤمنين، وإلا لزم انتفاء بيوت الكفار وهو باطل لما قلناه، فيكون التقدير: فما وجدنا فيها أحدا من المؤمنين إلا أهل بيت من المسلمين أي: منهم وأوقع الظاهر موقع المضمر، وذلك استثناء المسلمين من المؤمنين, فثبت أن الإيمان هو الإسلام، وإنما قلنا: إن الإسلام هو الدين لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ﴾ وإنما قلنا: الدين فعل الواجبات لقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥] أي: دين الملة المستقيمة, فقوله: وذلك إشارة إلى كل ما تقدم من إقام الصلاة وإيتاء الزكاة بتأويل المذكور فيكون دينا, ولك أن تقول في تقرير المصنف لهذا الدليل: إشكال لأن من جملة مقدماته، أن الإسلام هو الدين, وأن الدين هو فعل الواجبات وقد استدل عليهما بما ينتج العكس، والموجبة الكلية لا تنعكس كنفسها وقد قرره غيره على الصواب, فقالوا: إن فعل الواجبات هو الدين والدين هو الإسلام والإسلام هو الإيمان، واستدلوا عليه بما ذكره المصنف فينتج أن فعل الواجب هو الإيمان، وهو المطلوب, وهكذا قرره الإمام وأتباعه كصاحب الحاصل والآمدي ومن تبعه كابن الحاجب. قوله: "لنا: الإيمان في الشرع ... إلخ" شرع ﵀ في الجواب عن هذا الدليل فقال: الإيمان في الشرع أيضا هو التصديق كما هو في اللغة، لكنه تصديق خاص وهو تصديق محمد ﷺ في كل أمر ديني علم بالضرورة مجيئه به فيكون مجازا لغويا من باب تخصيص العام ببعض مفهوماته كالدابة, والإيمان بهذا التفسير غير الإسلام وغير الدين، فإن الإسلام والدين في اللغة هما الانقياد، وفي الشرع هما الأعمال الظاهرة كالصلاة والصوم؛ ولهذا قال تعالى: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ فأثبت لهم الإسلام ونفى عنهم الإيمان فدل على المغايرة، وبهذا يظهر الجواب عن تمسكهم بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِينًا﴾ فإن مدلول الآية إن ابتغى دينا يغاير الإسلام فهو غير مقبول, فإذا لم يكن الإيمان دينا كما بينا لم يلزم عدم قبوله، ولقائل أن يقول: يجوز أن يكون المراد في الآية هو المفهوم اللغوي, والمعنى أن الأعراب ما صدقوا محمدا، ولكن انقادوا له ضرورة وحينئذ فلا يلزم تغاير المفهوم اللغوي أن يكون المفهوم الشرعي متغايرا،
стр. 148
والنزاع فيه لا في الأول. قوله: "وإنما جاز الاستثناء ... إلخ" لما بين المصنف أن الإيمان غير الإسلام, احتاج أن يجيب عن الآية التي فيها استثناء المسلمين من المؤمنين, فقال: استثناؤه منه لا يدل على أنه هو، بل على أنه يصدق عليه كقولنا: ملكت الحيوانات إلا العبيد, فالحيوان غير العبيد قطعا؛ لأن الأعم غير الأخص، ومع ذلك فقد استثني منه لصدق الحيوان عليه، إذا علمت ذلك فنقول: الصدق حاصل في المؤمن مع المسلم؛ لأن شرط صحة الإسلام وهو العمل الظاهر كالصلاة وغيرها وجود الإيمان، وهو تصديق النبي ﷺ وكلما صدق المشروط صدق الشرط فكلما صدق المسلم صدق المؤمن، ولا ينعكس بدليل من كان مصدقا تاركا للأفعال. فلما ثبت صدق المؤمن على المسلم صح الاستثناء، ولا يلزم من كون المسلم مؤمنا أن يكون الإسلام هو الإيمان، فإن الكاتب ضاحك والكتابة غير الضحك، والنزاع إنما هو في الثاني أي: في الإسلام مع الإيمان لا في المسلم مع المؤمن وفي الجواب نظر؛ لأنه يلزم من كون التصديق شرطا لصحة الإسلام أن ينتفي الإسلام عند انتفائه، وهو غير منتفٍ لقوله تعالى: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤] وأكثر هذه الأجوبة المذكورة في الكتاب لا ذكر لها في المحصول ومختصراته.
стр. 149
الفرع الأول:
قال: "فروع الأول: النقل خلاف الأصل, إذ الأصل بقاء الأول, ولأنه يتوقف على الأول ونسخه ووضع ثانٍ, فيكون مرجوحا. الثاني: الأسماء الشرعية الموجودة المتواطئة كالحج والمشتركة كالصلاة الصادقة على ذات الأركان وصلاة المصلوب والجنازة، والمعتزلة سموا أسماء الذوات دينية كالمؤمن والفاسق والحروف, والفاسق والحروف لم توجد والفعل يوجد بالتبع. الثالث: صيغ العقود كبعت إنشاء, إذ لو كانت أخبارا وكانت ماضيا أو حالا لم تقبل التعليق وإلا لم تقع, وأيضا إن كذبت لم تعتبر وإن صدقت فصدقها إما بها, فيدور أو بغيرها وهو باطل إجماعا. وأيضا لو قال المرجعية: طلقتك, لم يقع كما لو نوى الإخبار" أقول: قد تقدم الاستدلال على إثبات الحقيقة اللغوية والشرعية والعرفية, وقد تقدم أن العرفية والشرعية منقولان من اللغوية؛ فلذلك عقبه بفروع ثلاثة مبنية على النقل, الأول: النقل خلاف الأصل على معنى أن اللفظ إذا احتمل النقل من الحقيقة اللغوية إلى الشرعية أو العرفية وعدم النقل فالأصل عدم النقل لوجهين أحدهما: أن الأصل بقاء ما كان على ما كان كما سيأتي في القياس، والنقل فيه انتقال عما كان فيكون خلاف الأصل. الثاني: أن النقل يتوقف على الأول, أن الوضع اللغوي على نسخه، ثم الوضع الثاني، وأما الوضع اللغوي فإنه يتم بشيء واحد وهو الوضع الأول، وما يتوقف على ثلاثة أمور مرجوح بالنسبة إلى ما يتوقف على أمر واحد؛ لأن طرق عدمه أكثر. الفرع الثاني: أن الشارع هل نقل الأسماء والأفعال والحروف أم نقل بعضها دون بعض؟ فنقول: أما الأسماء فقد وجدت، وكان قد تقدم لنا أن الأسماء
стр. 150
اللغوية تنقسم إلى المتباينة والمترادفة والمشتركة والمشككة والمتواطئة، فشرع الآن يتكلم فيما وجد من تلك الأقسام في الحقيقة الشرعية، فنقول: أما المتباينة فموجودة كالصلاة والصوم، وأهمله المصنف لوضوحه وكذا المتواطئة كالحج فإنه يطلق على الإفراد والتمتع والقران، وهذه الثلاثة مشتركة في الماهية وهو الإحرام والوقوف والطواف والسعي، واختلفوا في وقوع المشتركة. قال في المحصول: والحق وقوعها؛ لأن اسم الصلاة صادق على المشتملة على الأركان كالظهر وغيرها، وعلى الخالية عن الركوع والسجود كصلاة المصلوب والجنازة، والخالية عن القيام كصلاة القاعد، وليس بين هذه الأشياء قدر مشترك فتعين الاشتراك، ومثله أيضا الطهور الصادق على الماء والتراب وآلة الدباغ، وأما المترادفة فأهملها المصنف وصاحب الحاصل, فإن الإمام في المحصول ذكر أن الأظهر أنها لم توجد، وليس كما قال فإنه قد تقدم من كلامه أن الفرض والواجب مترادفان وهما من الحقائق الشرعية، وقد تقدم أيضا أن للحرام اسما وللمندوب اسما فتكون أيضا مترادفة. قوله: "والمعتزلة سموا" يعني: أن المعتزلة لما أثبتوا الحقائق الشرعية قالوا: إنها تنقسم إلى أسماء الأفعال كالصوم والصلاة، وإلى أسماء الذوات المشتقة من تلك الأفعال كاسم الفاعل واسم المفعول والصفة وأفعل التفضيل، كقولنا: زيد مؤمن أو فاسق أو محجوج عنه أو أفسق من عمرو, وسموا هذا الضرب بالدينية تفرقة بينها وبين الأول، وإن كان الكل عندهم على السواء في أن شرعي, هكذا قاله في المحصول فتبعه المصنف، وفيه نظر فإن المنقول عن المعتزلة أن الدينية هي الأسماء المنقولة شرعا إلى أصل الدين كالإيمان والكفر, وأما الشرعية فكالصلاة والصوم, ومما نص عليه إمام الحرمين في البرهان والغزالي في المنخول والمستصفى، فقال: قالت المعتزلة والخوارج وطائفة من الفقهاء: الأسماء لغوية ودينية وشرعية، أما اللغوية فظاهرة، وأما الدينية فما نقلته الشريعة إلى أصل الدين كالإيمان والكفر والفسق، أما الشرعية فكالصلاة انتهى لفظ الغزالي، ولم يذكر الآمدي هذا القسم أعني: الدينية, وذكره ابن الحاجب في المختصر ولم يبينه. قوله: "والحروف ... إلخ" يعني أن الحروف الشرعية لم توجد لأنها لا تفيد وحدها، وقال في المحصول: إنه الأقرب للاستقراء، وأما الفعل فلم يوجد بطريق الأصالة للاستقراء, ووجد بالتبع لنقل الاسم الشرعي نحو: صلى الظهر، فإن الفعل عبارة عن المصدر والزمان، فإن كان المصدر شرعيا استحال أن يكون الفعل إلا شرعيا، وإن كان لغويا فكذلك. الفرع الثالث: صيغ العقود كبعث وكذلك الفسوخ كفسخت، وأعتقت وطلقت إخبارات في أصل اللغة, وقد تستعمل في الشرع أيضا كذلك، فإن استعملت لإحداث حكم كانت منقولة إلى الإنشاء، وقالت الحنفية: إنها إخبارات عن ثبوت الأحكام وذلك بتقدير وجودها قبل اللفظ، وغايته أن تكون مجازا وهو أولى من النقل كما سيأتي، والفرق بين الإنشاء والخبر من وجود أحدها أن الإنشاء لا يتحمل التصديق والتكذيب بخلاف
стр. 151
الخبر. الثاني: أن الإنشاء لا يكون معناه إلا مقارنا للفظ بخلاف الخبر, فقد يتقدم وقد يتأخر. الثالث: الإنشاء هو الكلام الذي ليس له متعلق خارجي يتعلق الحكم النفساني به بالمطابقة وعدم المطابقة بخلاف الخبر. الرابع: الإنشاء سبب لثبوت متعلقه، وأما الخبر فمظهر له، واستدل المصنف على كونه إنشاء بثلاثة أدلة, أحدها: أنه لو كانت إخبارا فإن كان عن ماض أو حال فيلزم أن لا يقبل الطلاق التعليق؛ لأن التعليق عبارة عن توقف وجود الشيء على شيء آخر, والماضي والحال موجود فلا يقبله وليس كذلك, وإن كان خبرا عن مستقبل يقع؛ لأن قوله: طلقتك في قوة قوله: سأطلقك على هذا التقدير والطلاق لا يقع به. والدليل الثاني: لو كانت إخبارات فإن كانت كاذبة, فلا اعتبار بها، وإن كانت صادقة فصدقها إن حصل بهذه الصيغ نفسها، أي: يتوقف حصوله على حصول الصيغة فيلزم الدور؛ لأن كون الخبر صدقا، وهو قوله: طلقتك مثلا, موقوف على وجود المخبر عنه وهو وقوع الطلاق، فلو توقف المخبر عنه وهو وقوع الطلاق على الخبر وهو قوله: طلقتك لزم الدور، وإن حصل الصدق بغيرها فهو باطل إجماعا للاتفاق منها ومنهم على عدم الوقوع عند عدم هذه الصيغة. الدليل الثالث: إذا قال لمطلقته الرجعية في حال العدة: طلقتك ونوى الإخبار فإنه لا يقع عليه شيء فإن لم ينو شيئا أو نوى الإنشاء فإنه يقع بالاتفاق، ولو كان إخبارا لم يقع كما لو نوى به الإخبار، وفيه نظر لجواز أن يكون خبرا عن الحال؛ فلذلك يقع.
стр. 152
الفرع الثاني:
قال: " الثانية: المجاز إما في المفرد مثل: الأسد الشجاع, أو في المركب مثل:
أشاب الصغير وأفنى الكبير ... كر الغداة ومر العشي
أو فيهما مثل: "أحياني اكتحالي بطلعتك" ومنعه ابن داود في القرآن والحديث. لنا قوله تعالى: ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف: ٧٧] قال: فيه إلباس قلنا: لا إلباس مع القرينة، قل: لا يقال لله تعالى: إنه متجوز, قلنا: لعدم الإذن أو لإبهامه الاتساع فيما لا ينبغي". أقول: لما فرغ من مباحث الحقيقة شرع في مباحث المجاز, فذكر أن المجاز على ثلاثة أقسام, أحدها: أن يكون في مفردات الألفاظ فقط كقولك: رأيت أسدا تعني: الرجل الشجاع. الثاني: أن يقع في التركيب فقط وذلك بأن يستعمل كل واحد من تلك الألفاظ في موضوعه ويكون الإسناد غير مطابق كقول الشاعر وهو الصلتان العبدي: الله تعالى هو الفاعل لهما, فإن قيل: هذا البيت من القسم الثالث؛ لأن المراد بالصغير أيضا من تقدم له الصغر قلنا: الصغير لما وقع مفعولا لم يكن ركنا في الإسناد لكونه فضلة, فلم يجتمع المجاز التركيبي والإفرادي. الثالث: أن يكون في الإفراد والتركيب معا، كقولك: أحياني اكتحالي بطلعتك أي: سرتني رؤيتك, فاستعمل الإحياء في السرور والاكتحال في الرؤية, وذلك مجاز ثم أسند الإحياء إلى الاكتحال مع أن المحيي هو الله تعالى، وههنا أمور أحدها: أن هذا التقسيم نقله الإمام عن عبد القاهر الجرجاني وارتضاه هو وأتباعه، ومنهم المصنف وفي متابعته إياهم إشكال تقدم في حد المجاز،
стр. 153
ومستنده أن المركبات عنده غير موضوعة, وقد منع ابن الحاجب وقوع المجاز في التركيب، وحصره في الإقراء الثاني أن التعبير عن النسبة بالمركب غير مستقيم والصواب التعبير بالتركيب، إذ لو قلت: هلك الأسد وأوردت أن الرجل الشجاع مرض مرضا شديدا, فإنه مجاز واقع في المركب في النسبة، وكذا ورد أمير المؤمنين أي: كتابه أوامره، فإنه مجاز واقع في مركب تركيب إضافة وليس هو المراد بل كل مجاز في غير النسبة فهو مركب، فإن الأسد من قولنا: جاء الأسد مركب لانضمام غيره إليه وإذا تقرر إيراد هذه الأشياء على التعبير بالمركب لدخولها فيه فهي واردة على المفرد لخروجها منه. الثالث: التمثيل بالبيت وشبهه إنما يصح أن لو علم اعتقاد المتكلم فقد يكون القائل دهريا فيكون قد استعمل اللفظ فيما وضع له في اعتقاده. الرابع: المجاز في التركيب عقلي؛ لأن نقل الإسناد عن متعلقه إلى غيره نقل لحكم عقلي لا للفظة لغوية, هكذا قال في المحصول١ وهو بناء على أن المركبات غير موضوعة. قوله: "ومنعه ابن داود" يعني: أن أبا بكر بن داود الأصفهاني الظاهري منع من دخول المجاز في القرآن والحديث, دليلنا قوله تعالى: ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف: ٧٧] وشبهه عبر عن الميل بإرادة السقوط المختصة بمن له شعور، وإذا جاز ذلك في القرآن جاز في الحديث؛ لأنه أولى ولأن لا قائل بالفرق، والخلاف في الحديث ليس بمشهور؛ ولهذا قال الأصفهاني في شرح المحصول: إنه لا يعرف في غير المحصول على أن الإمام لم يصرح به بل كلامه محتمل، احتج ابن داود بوجهين, أحدهما: أن وقوعه إن كان مع القرينة ففيه تطويل من غير فائدة، وإن كان بدونها ففيه التباس المقصود بغيره، وجوابه: أن ذلك مع القرينة فلا التباس؛ ولذلك فوائد ستأتي، وهذا الدليل يؤدي إلى منع المجاز مطلقا، وهو مذهب الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني وجماعة. الثاني: لو تكلم البارئ تعالى بالمجاز, لقيل: به متجوز وهو لا يقال له اتفاقا, وجوابه أن أسماء الله تعالى توقيفية على المشهور فلا يطلق عليه إلا بالإذن ولا إذن، سلمنا أنها دائرة مع المعنى وهو مذهب القاضي أبي بكر لكن شرطه أن لا يوهم نقصا, وما نحن فيه ليس كذلك فإن المتجوز يوهم تعاطي ما لا ينبغي لاشتقاقه من الجواز, وهو التعدي.
стр. 154
الفرع الثالث:
قال: "الثالثة: شرط المجاز العلاقة المعتبر نوعها نحو السببية القابلية مثل: سال الوادي, والصورية كتسمية اليد قدرة، والفاعلية مثل نزل السحاب, والغائية كتسمية العنب خمرا, والمسببية كتسمية المرض المهلك بالموت, والأولى أولى لدلالتها على التعيين, وأولاها الغائية؛ لأنها علة في الذهن ومعلولة في الخارج, والمشابهة كالأسد للشجاع والمنقوش ويسمى الاستعارة المضادة مثل: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]
стр. 155
والكلية كالقرآن لبعضه والجزئية كالأسود الزنجي والأول أقوى للاستلزام والاستعداد كالمسكر على الخمر في الدن, وتسمية الشيء باعتبار ما كان عليه كالبعد والمجاورة كالرواية والزيادة والنقصان مثل ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ و ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ والتعلق كالخلق المخلوق". أقول: يشترط في استعمال المجاز وجود العلاقة بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي وإلا لجاز إطلاق كل لفظ على كل معنى وهو باطل, وهل يكفي وجود العلاقة أم لا بد من اعتبار العرب لها, أي تستعملها؟ فيه مذهبان حكاهما الآمدي من غير ترجيح، ويعبر عنهما بأن المجاز هل هو موضوع أم لا؟ أصحهما عند ابن الحاجب أنه لا يشترط؛ لأن أهل العربية لا يتوقفون عليه وأصحها عند الإمام وأتباعه أنه يشترط لأن الأسد له صفات وهي: الشجاعة والحمى والبخر والجذام، ومع ذلك لا يجوز إطلاقه لغير الشجاع، ولو كانت المشابهة كافية من غير نقل لما امتنع، وللخصم أن يقول: المشابهة كافية في صفة ظاهرة وهذه لا يتبادر الذهن إليها. قال القرافي: والخلاف إنما هو في الأنواع لا في الجزئيات، النوع الوحد كالقائل بالاشتراك يقول: لا بد أن تضع العرب نوع التجوز بالكل إلى الجزء مثلا, وبالسبب إلى المسبب، وإلى هذا أشار المصنف بقوله: المعتبر نوعها. قال في المحصول: والذي يحضرنا من أنواعها اثنا عشر قسما، وقد ذكر المصنف كما ذكرها إلا أنه أسقط العاشر للاستغناء عنه بالثالث، وقال الشيخ صفي الدين الهندي: الذي يحضرنا من أنواعها أحد وثلاثون نوعا وعددها، فلنقتصر على ما ذكره المصنف, فإن الزائد عليه إما مداخل أو مذكور في غير هذا الموضوع, أحدها: علاقة السببية وإطلاق اسم السبب على المسبب أي: العلة على المعلول، ثم إن السبب على أربعة أقسام: قابلي ويعبر عنه بالمادي، وصوري، وفاعلي، وغائي، وكل موجود لا بد له من هذه الأربعة كالسرير, فإن مادته الخشب وفاعله النجار وصورته الانسطاح وغايته الاضطجاع عليه, وإنما سميت الثلاثة الأولى أسبابا لتأثيرها في الاضطجاع وسمي الرابع وهو الغائي سببا لأنه الباعث على ذلك، فإنه إذا استحضر في ذهنه الاضطجاع حمله ذلك على العمل وهو معنى قولهم: أول الفكر آخر العمل, ومعنى العلة الغائية علة العلل الثلاث في الأذهان, ومعلولة العلل الثلاث في الأعيان، أي: في الخارج مثل تسمية الشيء باسم سببه القابلي، وقولهم: سال الوادي أي: الماء الذي في الوادي فعبر عن الماء السائل بالوادي؛ لأن الوادي سبب قابل له، فأطلق السبب على المسبب وفيه نظر، فإن المادي في اصطلاحهم جنس ماهية الشيء كما تقدم في الخشب مع السرير، وههنا ليس كذلك، ويظهر أن هذا من باب تسمية الحال باسم المحل، أو من مجاز النقصان الآتي وتقديره: ماء الوادي، ومثال تسمية الشيء باسم سببه الصوري إطلاق اليد على القدرة في قوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠] أي: قدرة الله تعالى فوق قدرتهم, فاليد لها صورة خاصة يتأتى بها الاقتدار على الشيء وهو تجويف راحتها، وصغر عظمها، وانفصال بعضها عن بعض
стр. 156
لتلتوي على الأشياء بقوة, فشكل اليد على الاقتدار كشكل السرير مع الاضطجاع, وقد تقدم أنه سبب صوري فتكون اليد كذلك, فإطلاقها على القدرة من باب إطلاق اسم السبب الصوري على المسبب، وقد انعكس المثال على الإمام وأتباعه ومنهم المصنف فقالوا: كتسمية اليد قدرة والصواب: كتسمية القدرة يدا كما قررناه فاعتمده، واجتنب غيره وقد ذكره الإمام في المنتخب على الصواب، مثال تسمية الشيء باسم سببه الفاعلي قولهم: نزل السحاب يعنون المطر، فإن السحاب سبب فاعلي في المطر عرفا, كما تقول: الشمس تنضج الثمار هكذا مثل المصنف تبعا للحاصل، ومثل له الإمام بقولهم: نزل السماء، وأشار إلى قول الشاعر:
إذا نزل الغمام بأرض قوم ... رعيناه وإن كانوا غضابا
وفيه نظر؛ فإن المطر فوقنا فهو سماء، والظاهر أنه مراد المصنف أيضا، وكأنه فهم أن المراد بالسماء المعبر بها عن المطر هو السحاب لا السماء المعهودة؛ لعدم تأثيرها في المطر فصرح به، ومثال تسمية الشيء باسم سببه الغائي قوله تعالى: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٣٦] أي: عنبا, فأطلق الخمر على العنب؛ لأنها العلة الغائية عندهم. النوع الثاني: علاقة المسببية وهو إطلاق اسم المسبب على السبب كتسمية المرض المهلك بالموت، وإذا تعارض الأمر بين العلاقة الأولى وهي إطلاق اسم السبب على المسبب، وبين الثانية وهي إطلاق اسم المسبب على السبب, فالأول أولى؛ لأن السبب المعين يدل على السبب المعين بخلاف العكس, ألا ترى أن البول مثلا يدل على انتقاض الوضوء, وانتقاض الوضوء لا يدل على البول, فقد يكون عن لمس أو غيره، فلما كان فهم المسبب عن السبب أقرب من عكسه كان أولى, وقد يقال: العكس أولى؛ لأن وجود المسبب بدون السبب محال، فالسبب لازم للمسبب، ولا ينعكس لجواز تخلف المسبب عن السبب، ثم إن العلة الأولى قد عرفت انقسامها إلى علل أربع، فإذا تعارضت فأولاها العلة الغائية لاجتماع علامتي السببية والمسببية فيها؛ لأنها علة في الذهن من جهة أن الخمر مثلا هو الداعي إلى عصير العنب، ومعلولة في الخارج؛ لأنها لا توجد إلى آخر كما قدمناه. والنوع الثالث: المتشابهة، وهي تسمية الشيء باسم ما يشابهه، إما في الصفة وهو ما أقصر عليه الإمام وأتباعه كإطلاق الأسد على الشجاع، أو في الصورة كإطلاقه على الصورة المنقوشة على الحائط، وهذا النوع يسمى المستعار لأنه لما أشبهه في المعنى أو الصورة استعرنا له اسمه فكسوناه إياه، ومنهم من قال: كل مجاز مستعار, حكاه القرافي. الرابع: المضادة, وهي تسمية الشيء باسم ضده، كقوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] فأطلق على الجزاء سيئة مع أن الجزاء حسن, ويمكن أن يكون من مجاز المشابهة كما قاله في المحصول١؛ لأن المماثلة شرط, ويمكن أن يكون أيضا حقيقة؛ لأنه يسوء
стр. 157
الجاني, فالأولى التمثيل بالمفازة للبرّية المهلكة. الخامس: الكلية وهو إطلاق اسم الكل على الجزء كإطلاق القرآن على بعضه، ومثله الإمام وأتباعه بإطلاق العام على الخاص وفيه نظر، فإن العموم من باب الكلية لا من باب الكل، والفرد منه من باب الجزئية لا من باب الجزء كما تقدم إيضاحه في تقسيم الدلالة, لا جرم أن المصنف مثل بالقرآن وفيه نظر أيضا، فإن نزاعا تقدم في الكلام على الحقيقة الشرعية, فالأولى التمثيل بقوله تعالى: ﴿جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ [نوح: ٧] أي: أناملهم. السادس: الجزئية, وهو إطلاق اسم الجزء على الكل، كإطلاق الأسود على الزنجي, فإن بياض عينيه وأسنانه من كونه حقيقة, واعلم أن هذا المثال ذكره الإمام وأتباعه فتابعهم المصنف وهو على عكس المدعي فإنه من باب تسمية الجزء باسم الكل كالقسم الذي قبله، وأيضا فالمفهوم من الأسود قيام السواد بظاهر جلده فقط، وأيضا فحمل المشتق على الشيء أعم من كونه ثابتا لكله أو بعضه بدليل الأعرج المكسور إحدى الرجلين، والصواب التمثيل بقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ والأول وهو إطلاق اسم الكل على الجزء أقوى من إطلاق اسم الجزء على الكل؛ لأن الكل يستلزم الجزء من غير عكس. السابع: الاستعداد وهو أن يسمى الشيء المستعد لأمر باسم ذلك الأمر كتسمية الخمر وهو في الدن بالمسكر, فإن الخمر في تلك الحالة ليس بمسكر بل مستعد له، وعبر الإمام عن هذا بتسمية إمكان الشيء باسم وجوده، وعبر عنه ابن الحاجب بتسمية الشيء باسم ما يؤول إليه. والثامن: تسمية الشيء باعتبار ما كان عليه سواء كان جامدا كإطلاق العبد على العتيق، أو مشتقا كالضارب على من فرغ من الضرب، وهذا النوع ساقط في كثير من النسخ اكتفاء بما تقدم في الاشتقاق. التاسع: المجاورة وهو تسمية الشيء باسم ما يجاوره كإطلاق الراوية على ظرف الماء وهو القربة, فإن الراوية لغة اسم للجمل أو البغل أو الحمار الذي يستقى عليه، كما قاله الجوهري، وأطلق على القربة لمجاورتها له. العاشر: الزيادة وهو أن ينتظم الكلام بإسقاط كلمة فيحكم بزيادتها كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] قال: الكاف زائدة تقديره: ليس مثله شيء إذ لو كانت أصلية لكان تقديره: ليس مثل مثله شيء؛ لأن الكاف بمعنى مثل وحينئذ فيلزم إثبات مثل الله تعالى وهو محال، ولك أن تقول: ليست الكاف زائدة وتجيب عما قالوه بوجهين، أحدهما: أن هذه قضية سالبة والسالبة تصدق بانتفاء الذات وبانتفاء النسبة, فإذا قلنا: ليس زيد في الدار يصدق ذلك بانتفاء زيد أو انتفاء الدار أو انتفاء حصوله فيها، فكذلك في الآية. الثاني: أن المثل يلزم منه بالضرورة أن يكون له مثل, فإن زيدا إذا كان مثلا لعمرو كان عمرو مثلا له أيضا وحينئذ فيلزم من نفي مثل المثل نفي المثل؛ لأنه يلزم من نفي اللازم نفي اللزوم, فإن قيل: فيلزم انتفاء ذات البارئ على هذا التقدير؛ لأنه من جملة الأمثال قلنا: لا يلزم فإن المراد نفي المثل عن الله تعالى لا نفيه تعالى، أو نقول: خص بالعقل. الحادي عشر: النقصان وهو
стр. 158
أن ينتظم الكلام بزيادة كلمة, فيعلم نقصانها كقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] أي: أهل القرية، فإن القرية هي الأبنية المجتمعة وهي لا تسأل وهذا المجاز إنما هو من مجاز التركيب؛ لأن المجاز في الإفراد هو اللفظ المستعمل في غير ما وضع له، والمحذوف لم يستعمل البتة، بل الحاصل هو إسناد السؤال إلى القرية، وهو شأن المجاز الإسنادي، ويظهر أن يكون هذا النوع المتقدم وهو المجاز بالزيادة كذلك أيضا؛ لأن الزائد لم يستعمل في شيء البتة، ويقتضي كلام المحصول أن هذين القسمين من مجاز الإفراد. الثاني عشر: لتعلق الحاصل بين المصدر واسم المفعول واسم الفاعل, فإن كلا منهما يطلق على الآخر مجازا، فيدخل فيه ستة أقسام أحدها: إطلاق اسم الفاعل على اسم المفعول، كقوله تعالى: ﴿مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ [الطارق: ٦] أي: مدفوق ومنه قولهم: سر كاتم أو مكتوم, الثاني: عكسه كقوله تعالى: ﴿حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ [الإسراء: ٤٥] أي: ساترا وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾ [مريم: ٦١] أي: آتيا على بعض الأقوال. الثالث: إطلاق المصدر على اسم الفاعل كقولهم: رجل صوم وعدل أي: صائم وعادل. الرابع: عكسه كقولهم: قم قائما، واسكت ساكتا أي: قياما وسكوتا. الخامس: إطلاق اسم المفعول على المصدر كقوله تعالى: ﴿بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ [القلم: ٦] أي: الفتنة. السادس: عكسه وعليه اقتصر المصنف كقوله تعالى: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ١١] أي: مخلوق الله, وقوله تعالى: ﴿لا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] أي من معلوماته, ولك أن تقول: هذا من باب إطلاق اسم الجزء وإرادة الكل؛ لأن المشتق منه جزء من المشتق. واعلم أن ابن الحاجب ذكر خمسة أقسام فقط وهي في الحقيقة أربعة, وحذف ما عداها مما ذكر في هذا الفصل من الأقسام والتقارير.
стр. 159
الفرع الرابع:
قال: "الرابعة: المجاز بالذات, لا يكون في الحرف لعدم الإعادة والفعل والمشتق؛ لأنهما يتبعان الأصول والعلم؛ ولأنه لم ينقل لعلاقة". أقول: دخول المجاز في الكلام قد يكون بالذات أي: بالأصالة وقد يكون بالتبعية فالذي لا يدخل فيه المجاز بالذات أمور, أحدها: الحرف لأنه لا يفيد معناه وحده بل لا يفيده إلا بذكر متعلق, فإذا لم يفد وحده فلا يدخله المجاز؛ لأن دخوله فرع من كون الكلام مفيدا, وأما بيان دخوله فيه بالتبع فبأن تستعمل متعلقاتها استعمالا مجازيا فيسري التجوز من المتعلقات إليها, كقوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨] فإن تعليل الالتقاط بصيرورته عدوا لما كان مجازا, كان إدخال لام العلة أيضا مجازا، وهذا في الحقيقة يرجع إلى مجاز التركيب لكون الحرف قد ضم إلى ما لا ينبغي ضمه إليه, هكذا قاله في المحصول وفيه نظر, فإن هذا الضم قد يوجد في المجاز الإفرادي كقولنا: رأيت أسدا يرمي بالنشاب، وأيضا فلو لم يدخل المجاز بالذات في الحرف لكونه غير مفيد بنفسه لم تدخل فيه الحقيقة بالذات أيضا، لكنه سيأتي في الفصل الثامن في تفسير الحروف أنها وضعت لمعانٍ واستعملت فيها. الثاني: الفعل بأقسامه
стр. 160
والمشتق بأقسامه كضارب ونحوه؛ لأن كلا من الفعل والمشتق تابع لأصله وهو المصدر في كونه حقيقة أو مجازا، فإطلاق ضارب مثلا بعد انقضاء الضرب أو قبله إنما كان مجازا؛ لأن إطلاق الضرب والحالة هذه كقولنا: زيد ذو ضرب مجاز لا حقيقة. الثالث: العلم؛ لأنه إن كان مرتجلا أو منقولا لغيره علاقة فلا إشكال في كونه ليس بمجاز، وإن نقل لعلاقة كمن سمى ولده مباركا، لما اقترن بحمله أو وضعه من البركة, فكذلك لأنه لو كان مجازا لامتنع إطلاقه عند زوال العلاقة, وليس كذلك, وتعليل المصنف بكونه لم ينقل لعلاقة لا يستقيم بل الصواب ما قلناه، نعم لو قارن الاستعمال وجود العلاقة فإن التزام كونه مجازا فيرد عليه هنا وإلا ورد عليه في حد المجاز, وأيضا يرد عليهم قولهم: هذا حاتم جودا أو زهير شعرا وقرأت سيبويه فإنها أعلام دخلها التجوز، إلا أن يقال: الكلام إنما هو في استعمال العلم فيما جعل علم عليه, لكنه على هذا التقدير لا بد من تخصيص الدعوى وأيضا فكلامه يوهم أن العلم قد يدخل فيه المجاز بطريق التبع، وليس كذلك، وإذا علمت ما ذكرناه علمت أن ما عداه يدخل فيه المجاز بالذات، قال في المحصول: وهو اسم الجنس فقط نحو: أسد وفي المستصفى للغزالي أن المجاز قد يدخل في الأعلام أيضا.
стр. 161
الفرع الخامس:
قال: "الخامسة: المجاز خلاف الأصل لاحتياجه إلى الوضع الأول والمناسبة والنقل, ولإخلاله بالفهم, فإن غلب كالطلاق تساويا, والأولى الحقيقة عند أبي حنيفة, والمجاز عند أبي يوسف ﵄". أقول: الأصل في الكلام هو الحقيقة حتى إذا تعارض المعنى الحقيقي والمجازي فالحقيقي أولى؛ لأن المجاز خلاف الأصل، والمراد بالأصل هنا إما الدليل، أو الغائب، والدليل عليه أمران أحدهما: أن المجاز إنما يتحقق عند نقل اللفظ من شيء إلى شيء لعلاقة بينهما، وذلك يستدعي أمورا ثلاثة: الوضع الأول والمناسبة والنقل، وأما الحقيقة فإنه يكفي فيها أمر واحد وهو الوضع الأول, وما يتوقف على شيء واحد أغلب وجودا مما يتوقف على ذلك الشيء مع شيئين آخرين, وقد أهمل المصنف الاستعمال ولا بد منه فيهما. الثاني: أن المجاز يخلى بالفهم، وتقريره من وجهين أحدهما: أن الحمل على المجاز يتوقف على القرينة الحالية أو المقالية، وقد تخفى هذه القرينة على السامع, فيحمل اللفظ على المعنى الحقيقي مع أن المراد هو المجازي, معاني أن اللفظ إذا تجرد عن القرينة فلا جائز أن يحمل على المجاز لعدم القرينة ولا على الحقيقة؛ لأنه يلزم الترجيح بلا مرجح؛ لأن المجاز والحقيقة متساويان على هذا التقدير، وقد نص عليه في المحصول كما سأذكره في أثناء هذه المسألة، ولا عليهما معا للوقوع في الاشتراك فيلزم التوقف هو مخل بالفهم. قوله: "فإن غلب" أي: هذا فيما إذا لم يكن المجاز غالبا على الحقيقة, فإن غلب فقال أبو حنيفة: الحقيقة أولى لكونه حقيقة، وقال أبو يوسف: المجاز أولى لكونه غالبا, وقال القرافي في شرح التنقيح: وهو الحق؛ لأن الظهور هو المكلف به وفي المحصول
стр. 162
والمنتخب عن بعضهم أنهما يستويان فلا ينصرف لأحدهما إلا بالنية؛ لأن كل واحد راجح من وجه ومرجوح من وجه، وأسقطه صاحب الحاصل وجزم به الإمام في المعالم، ومثل له بالطلاق فقال: إنه حقيقة في اللغة في إزالة القيد سواء كان عن نكاح أو ملك يمين أو غيرهما, ثم اختص في العرف بإزالة قيد النكاح فلأجل ذلك إذا قال الرجل لأمته: أنت طالق لا تعتق إلا بالنية، ثم قال: فإن قيل: فيلزم أن لا يصرف إلى المجاز الراجح وهو إزالة قيد النكاح إلا بالنية وليس كذلك قال: فالجواب أنه إنما لم يحتج إلى النية؛ لأنا إن حملناه على المجاز الراجح وهو إزالة قيد النكاح فلا كلام، وإن حمل على الحقيقة المرجوحة وهو إزالة مسمى القيد من حيث هو فيلزم زوال قيد النكاح أيضا لحصول مسمى القيد فيه، فلا جرم أن أحد الطرفين في هذا المثال بخصوصه لم يحتج إلى النية بخلاف الطرف الآخر وقد تبع المصنف كلام المعالم في اختيار التساوي والتمثيل بالطلاق، ولم يذكرهما في المحصول ولا المنتخب، وههنا أمور مهمة أحدها: أنه لم يحرر محل النزاع وقد حرره الحنفية في كتبهم، فإن مرجع هذه المسألة إليهم ونقله عنهم القرافي أيضا، فقالوا: المجاز له أقسام أحدها: أن يكون مرجوحا لا يفهم إلا بقرينة كالأسد الشجاع, فلا إشكال في تقديم الحقيقة، وهذا واضح. الثاني: أن يغلب استعماله حتى يساوي الحقيقة, فقد اتفق أبو حنيفة وأبو يوسف على تقديم الحقيقة، ولا خلاف أيضا نحو النكاح فإنه يطلق على العقد والوطء إطلاقا متساويا مع أنه حقيقة في أحدهما, مجاز في الآخر, وجعل ابن التلمساني في شرح المعالم هذه الصورة محل النزاع قال: لأنه إجمالي عارض, فلا يتعين إلا بقرينة، وقد ذكر في المحصول هذه الصورة في المسألة السابعة من الباب التاسع وجزم بالمتساوي. الثالث: أن يكون راجحا والحقيقة مماتة لا تراد في العرف, فقد اتفقا على تقديم المجاز؛ لأنه إما حقيقة شرعية كالصلاة أو عرفية كالدابة ولا خلاف في تقديمها على الحقيقة اللغوية, مثاله: حلف لا يأكل من هذه النخلة فإنه يحنث بثمرها لا بخشبها وإن كان هو الحقيقة لأنها قد أميتت. الرابع: أن يكون راجحا والحقيقة تتعاهد في بعض الأوقات فهذا موضع الخلاف، كما قال: والله لأشربن من هذا النهر فهو حقيقة في الكرع من النهر بفيه، وإذا اغترف بالكوز وشرب فهو مجاز لأنه شرب من الكوز لا من النهر, لكنه المجاز الراجح المتبادر، والحقيقة قد تراد لأن كثيرا من الرعاة وغيرهم يكرع بفيه, وقال الأصفهاني في شرح المحصول: محل الخلاف أن يكون المجاز راجحا على الحقيقة بحيث يكون هو المتبادر إلى الذهن عند الإطلاق كالمنقول الشرعي والعرفي, وورود اللفظ على غير الشرع وغير العرف, فأما إذا ورد من أحدهما فإنه يحمل على ما وضعه له. الأمر الثاني: أن الحكم بالتساوي الموجب للتوقف على القرينة مطلقا يستقيم إذا لم يكن المجاز من بعض أفراد الحقيقة كالراوية فإن كان فردا فلا, فإنه إذا قال القائل مثلا: ليس في الدار دابة فليس فيها حمار قطعا؛ لأنا إن حملنا
стр. 163
اللفظ على المجاز الراجح وهو الحمار وشبهه, فلا كلام أو على نفي الحقيقة وهو مطلق ما دبّ فينتفي الحمار, وأيضا لأنه يلزم من نفي الأعم نفي الأخص, فصار الكلام دالا على نفي المجاز على كل تقدير, فلا يتوقف على القرينة أما الحقيقة المرجوحة فهي منتفية على تقدير دون تقدير, فحسن التوقف وإن كان الكلام في سياق الثبوت كان دالا على ثبوت الحقيقة المرجوحة فإذا قال: في الدار دابة, فإن حملناه على الحقيقة المرجوحة فلا كلام أو المجاز الراجح ثبت أيضا؛ لأنه يلزم من ثبوت الأخص ثبوت الأعم, أما المجاز فثابت على تقدير دون تقدير فيتوقف على القرينة فصارت الصور خمسا: ثلاث تتوقف على القرينة، واثنتان لا تتوقفان. الأمر الثالث: أن التمثيل بالطلاق فيه نظر؛ لأنه صار حقيقة عرفية عامة في حل قيد النكاح, وهي مقدمة على اللغوية كما سيأتي ولا ذكر للمسألة في كتب الآمدي، ولا في كلام ابن الحاجب.
стр. 164
الفرع السادس:
قال: "السادسة: يعدل إلى المجاز لثقل لفظ الحقيقة كالخنفقيق أو لحقارة معناه، كقضاء الحاجة, أو لبلاغة لفظ المجاز, أو لعظمة في معناه كالمجلس, أو لزيادة بيان كالأسد. السابعة: اللفظ قد لا يكون حقيقة ولا مجازا كما في الوضع الأول والأعلام, وقد يكون حقيقة ومجازا باصطلاحين كالدابة. الثامنة: علامة الحقيقة سباق الفهم والعراء عن القرينة, وعلامة المجاز الإطلاق على المستحيل مثل: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] والإعمال في المنسى كالدابة للحمار". أقول: المسألة السادسة في سبب العدول عن الحقيقة إلى المجاز, وهو إما أن يكون بسبب لفظ الحقيقة أو معناها أو بسبب لفظ المجاز أو معناه "فالأول": أن يكون لفظ الحقيقة ثقيلا على اللسان كالخنفقيق, قال الجوهري: وهو الداهية ثم ذكر أعني الجوهري في الكلام على الداهية أن الداهية هو ما يصيب الشخص من نوب الدهر العظيمة, قال: وهو أيضا الجيد الرأي, إذا تقرر هذا فلك أن تعدل عن هذا اللفظ لثقله إلى لفظ آخر بينه وبين المصيبة علاقة كالموت مثلا فيقال: وقع في الموت, وزعم كثير من الشارحين أن المجاز هنا في الانتقال من الخنفقيق إلى الداهية وهو غلط, فإن موضوع الخنفقيق لغة هو الداهية كما نقلناه عن الجوهري. "وأما الثاني" فهو أن يكون معناها حقيرا كقول السائل لسلمان الفارسي: علمكم نبيكم كل شيء حتى الخراءة بكسر الخاء المعجمة على وزن الرسالة؟ فقال له سلمان: أجل نهانا عن كذا وكذا, فلما كان معناه حقيرا عدل عنه إلى التعبير بالغائط الذي اسم للمكان المطمئن أي: المنخفض، وبقضاء الحاجة أيضا الذي هو عام في كل شيء، وظن جمع من الشارحين أن الغائط هو الحقيقة, فعدل عنه إلى قضاء الحاجة وهو غلط فاحش أوقعهم فيه صاحب الحاصل، فإنه قد غلط في اختصاره لكلام المحصول. "وأما الثالث" فهو أن يحصل باستعمال لفظ المجاز شيء من أنواع البديع والبلاغة كالمجانسة والمقابلة والسجع ووزن الشعر ولا يحصل بالحقيقة, وفسر بعض الشارحين البلاغة بما يرجع حاصله إلى كونه أقوى وأبلغ في المعنى من الحقيقة، وليس كذلك
стр. 165
فإن القوة قسم آخر سيأتي. "وأما الرابع" فهو أن يكون في المجاز عظمة أي: تعظيم كقولك: سلام على المجلس العالي، فإن فيه تعظيما بخلاف المخاطبة، كقولك: سلام عليك أو يكون فيه زيادة بيان أي: يكون فيه تقوية لما يريده المتكلم كما قاله في المحصول١ كقولك: رأيت أسدا يرمي فإن فيه من المبالغة ما ليس في قولك: رأيت إنسانا يشبه الأسد في الشجاعة, ولا ذكر لهذه المسألة في المنتخب ولا في كتب الآمدي وابن الحاجب. والمسألة السابعة: اللفظ قد لا يكون حقيقة ولا مجازا وذلك في شيئين ذكرهما الإمام والآمدي, أحدهما وعليه اقتصر ابن الحاجب: إذا وضع الواضع لفظا لمعنى ولم يستعمل فيه لما تقدم، لك في حد الحقيقة والمجاز أن كلا منهما هو اللفظ المستعمل، فإذا لم يستعمل لا يكون حقيقة ولا مجازا، وأهمل المصنف هذا القيد، ولا بد منه، وقيده تبعا للإمام بالوضع الأول ليحترز عن المجاز، فإنه موضوع على الصحيح كما تقدم عند ذكر العلاقة، لكن الوضع الحقيقي سابق على الوضع المجازي، ووجه الاحتراز أن المراد من كون المجاز موضوعا أن استعماله يتوقف على اعتبار العرب لتلك العلاقة الحاصلة في ذلك المجاز، إما باستعمالهم له أو لمثله, وإما بتنصيصهم عليه، فلما كان وضعه قد يكون بالاستعمال لم يمكن إطلاق القول بأن الموضوع ليس بحقيقة ولا مجاز، فإن هذا النوع من الوضع مجاز لوجود شرطه فيه. الثاني: الأعلام كثور وأسد وغيرهما فلا يكون حقيقة؛ لأنها ليست بوضع واضع اللغة, ولأنها مستعملة في غير موضوعها الأصلي, ولا مجازا لأنها مستعملة لغير علاقة, وهذا الكلام ضعيف، أما الأول فلأن العرب قد وضعت أعلاما كثيرة وأما الثاني فلأنه إنما يأتي إذا فرعنا على مذهب سيبويه، وهو أن الأعلام كلها منقولة وقد خالفه الجمهور، وقالوا: إنها تنقسم إلى منقولة ومرتجلة، سلمنا لكن ينبغي أن تكون حقيقة عرفية خاصة, وأما الثالث فقد تقدم منعه في المسألة الرابعة. قوله: "وقد يكون" أي: قد يكون اللفظ الواحد بالنسبة إلى المعنى الواحد حقيقة ومجازا, لكن باصطلاحين كإطلاق الدابة على الإنسان مثلا فإنه حقيقة لغوية مجاز عرفي, وقد علمت من هذا ومما قبله أن اللفظ الواحد بالنسبة إلى المعنى الواحد قد يكون حقيقة فقط، أو مجازا فقط, أو حقيقة ومجازا، أو لا حقيقة ولا مجازا. المسألة الثامنة: في علاقة كون اللفظ حقيقة في المعنى المستعمل فيه وهو أمران أحدهما: سبقه إلى أفهام جماعة من أهل اللغة بدون قرينة؛ لأن السامع لو لم يعلم أن الواضع وضعه له لم يسبق فهمه إليه دون غيره, وقد أهمل المصنف التقييد بالقرينة مع أن الإمام وأتباعه ذكروه ولا بد منه ليخرج قولك: رأيت أسدا يرمي بالنشاب ونحوه، فإن قيل: المشترك إذا تجرد عن القرينة لا يسبق إلى الفهم منه شيء مع أنه حقيقة في كل من أفراده، قلنا: العلامة
стр. 166
تستلزم الاطراد لا الانعكاس. الثاني: تعرية اللفظ عن القرينة، فإذا سمعنا أهل اللغة يعبرون عن المعنى الواحد بلفظين لكن أحدهما لا يستعملونه إلا بقرينة فيكون الآخر حقيقة؛ لأن حذف القرينة دليل على استحقاق اللفظ لذلك المعنى عندهم، وأما المجازفة فلها أيضا علامتان إحداهما: إطلاق الشيء على ما يستحيل منه؛ لأن الاستحالة تقتضي أنه غير موضوع له فيكون مجازا, كقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] . الثانية: إعمال اللفظ المنسي بأن يكون اللفظ موضوعا لمعنى له أفراد, فتترك أهل العرف استعماله في بعض تلك الأفراد بحيث يصير ذلك البعض منسيا، ثم تستعمل اللفظ في ذلك البعض المنسي فيكون مجازا أي: عرفيا كما قاله الإمام, مثاله الدابة, فإنها موضوعة في اللغة لكل ما دبّ كالفرس والحمار وغيرهما, فترك أهل بلاد العراق استعمالها في الحمار بحيث صار منسيا فإطلاقها عليه مجاز عندهم، وأما إطلاقها على غير المنسي فقد أطلقوا بأنه مجاز لغوي لأن قصرها على الحمار بأرض مصر وللفرس بأرض العراق وضع آخر، ولقائل أن يقول: إن استعمالها المتكلم ملاحظة للوضع الأول كان حقيقة، وإلا كان مجازا، فإن الوضع الثاني لا يخرج الأول هما وضعا له، وقد نقل الإمام علامات أخرى للحقيقة والمجاز وضعفها؛ فلذلك تركها المصنف.
стр. 167
الفصل السابع:
قال: "الفصل السابع: في تعارض ما يخل بالفهم وهو الاشتراك والنقل والمجاز والإضمار والتخصيص, وذلك على عشرة أوجه, الأول: النقل أولى من الاشتراك لإفراده في الحالتين كالزكاة. الثاني: المجاز خير منه لكثرته وإعمال اللفظ مع القرينة ودونها كالنكاح. الثالث: الإضمار خير منه؛ لأن احتياجه إلى القرينة في صورة، واحتياج الاشتراك إليها في صورتين مثل: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] . الرابع: التخصيص خير منه؛ لأنه خير من المجاز كما سيأتي مثل: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٢] فإنه مشترك أو مختص بالعقد وخص عنه الفاسد. الخامس: المجاز خير من النقل لعدم استلزامه نسخ الأول كالصلاة. السادس: الإضمار خير منه؛ لأنه مثل المجاز كقوله تعالى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبا﴾ [البقرة: ٢٧٥] فإن الأخذ مضمر، والربا نقل إلى العقد. السابع: التخصيص أولى لما تقدم، مثل: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ فإنه المبادلة مطلقا وخص عنه الفاسد أو نقل إلى المستجمع لشرائط الصحة. الثامن: الإضمار مثل المجاز لاستوائهما في القرينة مثل: "هذا ابني". التاسع: التخصيص خير من المجاز؛ لأن الباقي متعين والمجاز ربما لا يتعين مثل: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] فإن المراد التلفظ وخص النسيان أو الذبح. العاشر: التخصيص خير من الإضمار لما مر مثل: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩] . تنبيه: الاشتراك خير من النسخ؛ لأنه لا يبطل والاشتراك بين علمين خير منه بين علم ومعنى, وهو خير منه بين معنيين". أقول: الخلل الحاصل في فهم مراد المتكلم يحصل من احتمالات خمسة, وهي: الاشتراك والنقل والمجاز والإضمار والتخصيص؛ لأنه إذا انتفى احتمال الاشتراك كان اللفظ موضوعا لمعنى واحد, وإذا انتفى احتمال
стр. 168
المجاز والإضمار كان المراد باللفظ ما وضع له, وإذا انتفى احتمال التخصيص كان المراد باللفظ جميع ما وضع له فلا يبقى عند ذلك خلل في الفهم, هكذا قاله الإمام. ولا شك أن هذه الاحتمالات إنما تحل باليقين لا بالظن, وقد نص هو على أن الأدلة السمعية لا تفيد اليقين إلا بعد شروط عشرة وهي هذه الخمسة, انتفاء النسخ والتقديم والتأخير وتغيير الإعراب والتصرف والمعارض العقلي, فبطل كون الخلل منحصرا في الخمسة التي ذكرها وليس المراد بالمجاز هنا مطلق المجاز وهو المقابل للحقيقة بل المراد به مجاز خاص وهو المجاز الذي ليس بإضمار ولا تخصيص ولا نقل؛ لأن كل واحد من هذه الثلاثة مجاز أيضا؛ ولهذا اقتصر بعض المحققين على ذكر التعارض بين الاشتراك والمجاز. وإنما أفرد هذه الثلاثة لكثرة وقوعها أو لقوتها حتى اختلف في بعضها أو هو التخصيص هل هو سالب الإطلاق الحقيقي أم لا؟ سيأتي. واعلم أن التعارض بين الاحتمالات الخمسة المذكورة في الكتاب يقع على عشرة أوجه, وضابطه أن يؤخذ كل واحد مع ما بعده فالاشتراك يعارض الأربعة الباقية, والنقل يعارض الثلاثة الباقية, وأما معارضته للاشتراك والنقل تقدمت, فهذه سبعة أوجه, المجاز يعارض الإضمار والتخصيص ومعارضته للاشتراك والنقل تقدمت فهذه تسعة, والإضمار يعارض التخصيص ومعارضته للثلاثة المتقدمة تقدمت فهذه عشرة أوجه، ولم يتعرض الإمام وأتباعه لمثلها وقد تعرض المصنف لذلك. وإذا أردت معرفة الأولى من هذه الخمسة عند التعارض من غير تكلف البتة فاعلم أي كل واحد منها مرجوح بالنسبة إلى كل ما بعده, راجح على ما قبله إلا الإضمار والمجاز فهما سيان، فإذا استحضرت هذه الخمسة كما رتبها المصنف أتيت بالجواب سريعا، وهي دقيقة غفلوا عنها؛ الأول: النقل أولى من الاشتراك؛ لأن المنقول مدلوله مفرد في الحالين، أي: قبل النقل وبعده, أما قبل النقل فإن مدلوله المنقول عنه وهو المعنى اللغوي, وأما بعده فالمنقول إليه وهو الشرعي أو العرفي. وإذا كان مدلوله مفردا فلا يمتنع العمل به بخلاف المشترك, فإن مدلوله متعدد في الوقت الواحد فيكون مجملا لا يعمل به إلا بقرينة عند من لا يحمله على المجموع, مثاله لفظ الزكاة يحتمل أن يكون مشتركا بين النماء وبين القدر المخرج من النصاب, وأن يكون موضوعا للنماء فقط، ثم نقل إلى القدر المخرج شرعا فالنقل أولى لما قلناه. الثاني: المجاز أولى من الاشتراك لوجهين أحدهما: أن المجاز أكثر من الاشتراك بالاستقراء، حتى بالغ ابن جني وقال: أكثر اللغات مجاز, والكثرة تفيد الظن في محل الشك. الثاني: أن فيه إعمالا للفظ دائما؛ لأنه إن كان معه قرينة تدل على إرادة المجاز أعملناه فيه, وإلا أعملناه في الحقيقة بخلاف المشترك, فإنه لا بد في إعماله من القرينة مثاله النكاح يحتمل أن يكون مشتركا بين العقد والوطء، وأن يكون حقيقة في أحدهما مجازا في الآخر, فيكون المجاز أولى لما قلناه. الثالث: الإضمار أولى من الاشتراك؛ لأنه لا يحتاج إلى القرينة إلا في
стр. 169
صورة واحدة وهي حيث لا يمكن إجراء اللفظ على ظاهره, فحينئذ لا بد من قرينة تعين المراد. وأما إذا أجري على ظاهره فلا يحتاج إلى قرينة بخلاف المشترك فإنه مفتقر إلى القرينة في جميع صوره, مثاله قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] فيحتمل أن يكون لفظ القرية مشتركا بين الأهل والأبنية، وأن يكون حقيقة في الأبنية فقط ولكن أضمر الأهل والإضمار أولى لما قلناه. الرابع: التخصيص أولى من الاشتراك؛ لأن التخصيص خير من المجاز كما سيأتي, والمجاز خير من الاشتراك كما تقدم, والخبر من الخبر خير, مثاله استدلال الحنفي عن أنه لا يحل له نكاح امرأة زنى بها أبوه بقوله تعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ ﴿النساء: ٢٣] بناء على أن المراد بالنكاح هنا هو الوطء, فيقول الشافعي: يلزمك الاشتراك لأنه قد تقرر أن النكاح حقيقة في العقد كما في قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢] فينبغي حمله هنا عليه فرارا من ذلك, فيقول الشافعي: وأنت أيضا يلزمك التخصيص؛ لأن العقد الفاسد لا يقتضي التحريم فيقول الشافعي: التخصيص أولى؛ لما قلناه. الخامس: المجاز أولى من النقل يستلزم نسخ المعنى الأول بخلاف المجاز, مثاله الصلاة, فإن المعتزلة يدعون نقلها من الدعاء إلى الأفعال الخاصة, والإمام وأتباعه يقولون: إن استعمالها فيها بطريق المجاز فيكون المجاز أولى لما قلناه. السادس: الإضمار أولى من النقل؛ لأن الإضمار والمجاز متساويان كما سيأتي والمجاز خير من النقل لما عرفت, والمساوي للخير خير, مثاله قوله تعالى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبا﴾ [البقرة: ٢٧٥] فالآية لا بد فيها من تأويل لأن الربا هو الزيادة ونفس الزيادة لا توصف بحل ولا حرمة, فقالت الحنفية: التقرير أخذ الزيادة، فإذا توافقا على إسقاطها صح العقد. وقال الشافعي: الربا نقل إلى العقد المستعمل على الزيادة لقرينة قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] فيكون المنهي عنه هو نفس العقد فيفسد سواء اتفاقا على حط الزيادة أم لا. السابع: التخصيص أولى من النقل؛ لأن التخصيص خير من المجاز كما سيأتي والمجاز خير من النقل لما تقدم والخير من الخير خير, مثاله قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ فإن الشافعي يقول: المراد بالبيع هو البيع اللغوي وهو مبادلة الشيء بالشيء مطلقا, ولكن الآية خصت بأشياء ورد النهي عنها, فعلى هذا يجوز بيع ابن الآدميات مثلا ما لم يثبت تخصيص, ويقول الحنفي: نقل الشارع لفظ البيع من مدلوله اللغوي إلى المستجمع لشرائط الصحة, فليس باقيا على عمومه حتى يستدل به على كل مبادلة فيقول له الشافعي: التخصيص أولى وهذه الآية للشافعي فيها خمسة أقوال, وهذان الاحتمالان قولان من جملتها. الثامن: الإضمار مثل المجاز أي: فيكون اللفظ مجملا حتى لا يترجح أحدهما إلا بدليل لاستوائهما في الاحتياج إلى القرينة وفي احتمال خفائها؛ وذلك لأن كلا منها يحتاج إلى قرينة تمنع المخاطب عن فهم الظاهر. وكما يحتمل وقوع الخفاء في تعيين المضمر يحتمل وقوعه في تعيين المجاز، فاستويا هذا ما جزم
стр. 170
به الإمام في المحصول والمنتخب، وجزم في المعالم بأن المجاز أولى لكثرته لكنه ذكر بعد ذلك في تعليل المسألة العاشرة أنهما سيان, مثاله: إذا قال السيد لعبده الأصغر منه سنا: هذا ابني, فيحتمل أن يكون قد عبر بالبنوة عن العتق فيحكم بعتقه, ويحتمل أن يكون فيه إضمار تقديره مثل هذا ابني أي: في الحنو أو في غيره فلا يعتق. والمسألة فيها خلاف في مذهبنا, والمختار أنه لا يعتق بمجرد هذا اللفظ. التاسع: التخصيص خير من المجاز؛ لأن الباقي بعد التخصيص يتعين لأن العام يدل على جميع الأفراد, فإذا خرج البعض بدليل بقيت دلالته على الباقي من غير تأمل. وأما المجاز فربما لا يتعين لأن اللفظ وضع ليدل على المعنى الحقيقي, فإذا انتفى بقرينة اقتضى صرف اللفظ إلى المجاز إلى نوع تأمل واستدلال لاحتمال تعدد المجازات, مثاله استدلال أبي حنيفة على أن الذابح إذا ترك التسمية عمدا لا تحل ذبيحته بقوله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] أي: لا تأكلوا مما لا يتلفظ عليه اسم الله تعالى, فيلزمه التخصيص لأنه يسلم أن الناس تحل ذبيحته فيقول الشافعي: المراد بذكر الله تعالى هو الذبح مجازا عن الذبح غالبا تقارنه التسمية فيكون نهيا عن أكل غير المذبوح, أو يقول: هو مجاز عن ذبح عبدة الأوثان, وما أحل لغير الله لملازمته ترك التسمية. والعاشر: التخصيص خير من الإضمار؛ لأنه قد مر أن التخصيص خير من المجاز, وأن المجاز والإضمار متساويان والخير من المساوي خير, مثاله قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩] فقال بعضهم: الخطاب مع الورثة؛ لأنهم إذا اقتضوا فقد سلموا وحيوا بدفع شر هذا القاتل الذي صار عدوا لهم بالقتل، وقال بعضهم: الخطاب للقائلين؛ لأن الجاني إذا اقتص منه فقد انمحى إثمه فيبقى حيا حياة معنوية. فعلى هذين الوجهين لا إضمار ولا تخصيص، وقال بعضهم: الخطاب للناس كلهم وحينئذ يحتمل أن يكون فيه إضمار وتقديره: ولكم في مشروعية القصاص حياة؛ لأن الشخص إذا علم أنه يقتص منه فينكث عن القتل فتحصل الحياة، وعلى هذا فلا تخصيص. ويحتمل أن لا يقدر شيء ويكون القصاص نفسه فيه الحياة, إما الحقيقة ولكن لغير الجاني للمعنى الذي قلناه وهو الانكفاف, أو المعنوية ولكن للجاني بخصوصه لأنه قد سلم من الإثم. وعلى هذا فلا إضمار فيه لكن فيه تخصيص، واعلم أن الآمدي وابن الحاجب لم يتعرضا إلا للاشتراك مع المجاز فقط، وأهملا التسعة الباقية. قوله: "تنبيه ... إلخ" اعلم أن التخصيص الذي سبق ترجيحه على الاشتراك هو التخصيص في الأعيان. أما التخصيص في الأزمان وهو النسخ فإن الاشتراك خير منه, وحينئذ فيكون الباقي خيرا منه بطريق الأولى؛ وذلك لأن الاشتراك ليس فيه إبطال بل يقتضي التوقف إلى القرينة, والنسخ يكون مبطلا والاشتراك بين علمين خير من الاشترك بين علم ومعنى؛ لأن العلم يطلق على شخص مخصوص. قال: المراد إنما هو العلم الشخصي لا الجنسي, والمعنى يصدق على أشخاص كثيرة، فكان اختلال الفهم بجعله مشتركا بين علمين
стр. 171
أقل فكان أولى, مثاله: أن يقول شخص: رأيت الأسودين, فحمله على شخصين كل منهما اسمه الأسود, أولى من حمله على شخص اسمه الأسود وآخر لونه أسود. والاشتراك بين علم ومعنى خير من الاشتراك بين معنيين لقلة الاشتراك فيه, فقوله: "وهو" عائد على الاشتراك بين علم ومعنى ومثاله: الأسودان أيضا, فحمله على العلم والمعنى أولى من شخصين لونهما أسود، ولقائل أن يقول: المشترك لا بد أن يكون حقيقة في إفراده, والعلم ليس بحقيقة ولا مجاز كما سبق.
стр. 172
الفصل الثامن:
قال: "الفصل الثامن: في تفسير حروف يحتاج إليها, وفيه مسائل: الأولى: الواو للجمع المطلق بإجماع النحاة, ولأنها تستعمل حيث يمتنع الترتيب مثل: تقاتل زيد وعمرو, وجاء زيد وعمر وقبله ولأنها كالجمع والتثنية وهما لا واجبا الترتيب, قيل: أنكر ﵊ ومن عصاهما ملقنا "ومن عصى الله تعالى ورسوله" قلنا ذلك؛ لأن الإفراد بالذكر أشد تعظيما قيل: لو قال لغير الممسوسة: أنت طالق وطالق, طلقت واحدة بخلاف ما لو قال: أنت طالق طلقتين قلنا: الإنشاءات مترتبة بترتيب اللفظ وقوله: طلقتين تفسير" لوقوعها في أدلته, وذكر فيه ست مسائل, الأولى: في حكم الواو وفيها ثلاثة مذاهب حكاها في البرهان أحدها: أنها للترتيب, قال: وهو الذي اشتهر عن أصحاب الشافعي. والثاني: أنها للمعية قال: وإليه ذهب الحنفية. والمختار أنها لمطلق الجمع أي: لا تدل على ترتيب ولا معية وقيدها الإمام بالواو العاطفة؛ ليحترز عن واو بمعنى مع نحو: جاء للبرد والطيالسة وواو الحال نحو: جاء زيد والشمس طالعة, فإنهما يدلان على المعية, وأهمله المصنف وأيضا فتعتبره بالجمع المطلق غير مستقيم؛ لأن الجمع المطلق هو الجمع الموصوف بالإطلاق؛ لأنا نفرق بالضرورة بين الماهية بلا قيد والماهية المقيدة ولو بقيد ولا الجمع الموصوف بالإطلاق ليس له معنى هنا, بل المطلوب هو مطلق الجمع بمعنى: أي جمع كان, سواء كان مرتبا أو غير مرتب كمطلق الماء، والماء المطلق. واستدل المصنف على أنها لمطلق الجمع بأمور أحدها إجماع النحاة, وقال السيرافي والسهيلي والفارسي: أجمع عليه نحاة البصرة والكوفة وليس الأمر كا قالوا, فقد ذهب جماعة إلى أنها للترتيب منهم: ثعلب وقطرب وهشام وأبو جعفر الدينوري وأبو عمر الزاهد. الثاني: أنها تستعمل فلا يستحيل فيه الترتيب وهو شيئان أحدهما: المفاعلة كقولنا: تقاتل زيد وعمرو, فإن المفاعلة تقتضي وقوع الفعلين معا؛ ولهذا لا يصح أن تقول: تقاتل زيد ثم عمرو, والأصل في الاستعمال الحقيقة فتكون حقيقة في غير الترتيب, وحينئذ فلا تكون حقيقة في الترتيب أيضا دفعا للاشتراك, وهذا الدليل لا يثبت به المدعى فإنه نفى الترتيب فقط، ولم ينف المعية. الثاني: التصريح بالتقديم كقولنا: جاء زيد وعمرو وقبله, ولك أن تقول: إنها مستعملة هنا في غير موضوعها مجازا جمعا بين الأدلة. الدليل الثالث: قال أهل اللغة: والعطف في الأسماء المختلفة كواو الجمع وألف التثنية في الأسماء المتماثلة, فإنهم لما لم يتمكنوا من جمع المختلفة أتوا
стр. 173
بالواو، ولا شك أن التثنية والجمع لا يوجبان الترتيب, فكذلك الواو وهذا الدليل ينفي المعية أيضا. قوله: "قيل: أنكر" أي: استدل على من قال: إنها للترتيب بوجهين الأول: ما رواه مسلم أن خطيبا قام بين يدي النبي ﷺ فقال: من يطع الله ورسوله فقد رشد, ومن يعصهما فقد غوى, فقال ﵊: "بئس الخطيب أنت, قل: ومن يعص الله ورسوله فقد غوى" ١, فلو كانت الواو لمطلق الجمع لم يكن بين العبارتين فرق. وجوابه أن الإنكار إنما هو لأن إفراد اسم الله تعالى بالذكر أشد تعظيما له يدل عليه أن الترتيب في معصية الله ورسوله لا يتصور لكونهما متلازمين, فاستعمال الواو هنا مع انتفاء الترتيب دليل لنا عليكم, فإن قيل: قد قال ﵊: "لا يؤمن أحدكم حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما" فقد جمع بينهما في الضمير كما جمع الخطيب, فما الفرق؟ قلنا: منصب الخطيب قابل للزلل فيتوهم أنه جمع بينهما لتساويهما عنده بخلاف الرسول ﷺ . وأيضا فكلام الرسول ﷺ جملة واحدة، فإيقاع الظاهر فيه موقع المضمر قليل في اللغة، بخلاف كلام الخطيب فإنه جملتان. الثاني: أنه إذا قال لغير المدخول بها: أنت طالق وطالق, طلقت طلقة واحدة على الجديد الصحيح, ولو كانت الواو للجمع لكان قوله: أنت طالق, طلقتين. وجوابه أن قوله: وطالق معطوف على الإنشاء فيكون إنشاء آخر والإنشاءات تقع معانيها مترتبة بترتب ألفاظها؛ لأن معانيها مقارنة لألفاظها، فيكون قوله: وطالق إنشاء لإيقاع طلقة أخرى في وقت لا يقبل الطلاق؛ لأنها بانت الأولى بخلاف قوله: طلقتين, فإنه تفسير لطالق وليس بإنشاء.
قال: "الثانية: الفاء للتعقيب إجماعا؛ ولهذا ربط بها الجزاء إذا لم يكن فعلا, وقوله تعالى: ﴿لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ﴾ [طه: ٦١] مجاز. الثالثة: في الظرفية ولو تقديرا مثل: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١] ولم يثبت مجيئها للسببية. الرابعة: من تكون لابتداء الغاية وللتبعيض وللتبيين وهي حقيقة في التبيين دفعا للاشتراك". أقول: المسألة الثانية: الفاء للتعقيب أي: تدل على وقوع الثاني عقب الأول بغير مهلة, لكن في شكل شيء يحبسه فلو قال: دخلت مصر فمكة أفادت التعقيب على ما يمكن، واستدل المصنف عليه بالإجماع، وليس كذلك فقد ذهب الفراء إلى أن ما بعدها يجوز أن يكون سابقا، وذهب الجرمي إلى أنها دخلت على الأماكن أو المطر فلا ترتب, تقول: نزلنا نجدا فتهامة، ونزل المطر نجدا فتهامة, وإن كانت تهامة في هذا سابقة. قوله: "ولهذا" أي: ولأجل كونها للتعقيب ربط بها الجزاء أي: وجوبا إذا لم يكن فعلا، نحو: إن قام زيد فعمرو قائم فإن الجزاء يجب أن يوجد ةعقب الشرط, فلو لم تكن الفاء مناسبة لهذا المعنى مفيدة للتعقيب لم يجب دخولها عليه كالواو وثم, فإنه لم لا يجب بل يجوز, وإنما قيده بغير الفعل لأن الفعل إن كان ماضيا فلا يجوز دخولها عليه نحو
стр. 174
إن قام زيد قام عمرو, وإن كان مضارعا جاز لكنه لا يجب: إن قام زيد يقوم عمرو وفيه تفصيل يطول ذكره, محله كتب النحو. وهذا الذي ذكره المصنف نقل الإمام عن بعضهم أنه استدل به وفيه نظر ظاهر, فقد تكون الفائدة هي الدلالة على أن الثاني جزاء عن الأول ومسبب عنه, وكونه جزاء دليل على التأخير والتعقيب. ولأجل هذا لم يجعله المصنف دليلا كما جعله الإمام بل استدل بالإجماع وجعل هذا من باب التحسين والتقوية وهو من محاسن كلامه. ثم شرع المصنف في الجواب عن دليل القدر وهو استدلال الخصم على أنها ليست للتعقيب بقوله تعالى: ﴿لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ﴾ [طه: ٦١] فإن الافتراء في الدنيا، والسحت وهو الاستئصال إنما هو في الآخرة, وهذا يحتمل أن يكون دليلا مستقلا وأن يكون نقضا لما قررناه، وجوابه أن الاستئصال لما كان يقطع بوقوعه جزاء للمفتري جعل كالواقع عقب الافتراء مجازًا. ولا شك أن المجاز خير من الاشتراك. المسألة الثالثة: في "تدل على الظرفية أي: يجعل ما دخلت عليه ظرفا لما قبلها, وإما تحقيقا نحو: جلست في المسجد" أو تقديرا كقوله تعالى: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١] فإنه لما كان المصلوب متمكنا على الجذع كتمكن الشيء في المكان عبر عنه بفي وهذا مذهب سيبويه والجمهوري, وذهب الكوفيون والقتيبي وابن مالك إلى أنها تأتي بمعنى على فيكون التقدير: "لأصلبنكم على جذوع النخل". وظاهر كلام المصنف تبعا للإمام أن في حقيقة "في" الظرفية الحقيقية والتقديرية بأن تكون متواطئة أو مشككة أو مشتركة, ومقتضى كلام النحويين والأصوليين أن استعمالها في الظرفية التقديرية على سبيل المجاز. ومن الفقهاء من قال: إنها قد ترد للسببية واختاره من النحاة ابن مالك فقط لقوله تعالى: ﴿لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ﴾ [النور: ١٤] أي: بسبب قوله تعالى: "لمسكم فيما أخذتم" وقوله ﵊: "إن امرأة دخلت النار في هرة" ١ وقوله: "في النفس المؤمنة مائة من الإبل" ٢ ولم يثبته المصنف. قال الإمام: لأن المرجع فيه إلى أهل اللغة ولم يذكره أحد منهم, وأما ما استدلوا به فيمكن حمله على الظرفية التقديرية مجازا. المسألة الرابعة: لفظة من تكون لابتداء الغاية, أي: في المكان اتفاقا كقولك: خرجت من البيت إلى المسجد، وفي الزمان عند الكوفيين والمبرد وابن درستويه وصححه ابن مالك واختاره شيخنا أبو حيان لكثرة وروده نظما ونثرا كقوله تعالى: ﴿مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ [التوبة: ١٠٨] وتكون أيضا لتبيين الجنس كقوله تعالى: ﴿فَاجتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ [الحج: ٣٠] وتكون أيضا للتبعيض كقوله: أخذت من الدراهم. وتعرف صلاحية إقامة البعض مقامها, وقال الإمام: والحق عندي أنها للتبيين لوجوده في الجميع, ألا ترى أنها بينت في هذه الأمثلة مكان الخروج والمجتنب والمأخوذ منه
стр. 175
فتكون حقيقة في القدر المشترك؛ لأنها إن كانت حقيقة في كل واحد لزم الاشتراك أو في البعض خاصة لزم المجاز، فتعين ما قلناه, ولو قال المصنف: رفعا للاشتراك والمجاز لكان أولى.
قال: "الخامسة: الباء تعدي وتجزئ المتعدى لما يعلم من الفرق بين مسحت المنديل ومسحت بالمنديل ونقل إنكاره عن ابن جني, ورد بأنه شهادة نفي. السادسة: إنما للحصر؛ لأن إن للإثبات وما للنفي, فيجب الجمع على ما أمكن, وقد قال الأعشى:
....... ... وإنما العزة للكاثر
والفرزدق:
....... وإنما ... يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي
وعورض بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: ٢] قلنا: المراد الكاملون". أقول: هذه المسألة تتضح بكلام المحصول فلنقل كلامه ثم تنزل كلام المصنف عليه فنقول: قال في المحصول: الباء إذا دخلت على فعل لازم فإنها تكون للإلصاق نحو: كتبت بالقلم ومررت بزيد, وعبر المصنف عنه بالتعدية وليس كذلك فقد لا تكون كهذه الأمثلة وإنما تكون للتعدية إذا كانت بمعنى الهمزة في نقل الاسم من الفاعلية إلى المفعولية كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٠] أي: أذهب سمعهم، والتعبير بالإلصاق هو الصواب. ولم يذكر سيبويه للباء معنى غيره, ويدخل فيه ستة أقسام, منها ما هو حقيقة ومنها ما هو مجاز كما هو معروف في كتب النحو. ثم قال: وإن دخلت على فعل متعد كقوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] فتكون للتبعيض خلافا للسقية، وعبر المصنف عنه بقوله: وتجزئ المتعدى قال في المعالم: لأنها لا بد أن تفيد فائدة زائدة صونا للكلام عن العبث وهذا أيضا غير مستقيم, فقد تكون زائدة للتوكيد كقوله تعالى: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠] أي: تنبت الدهن وقوله تعالى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٥] أي: أيديكم، وأيضا فإن مسح يتعدى إلى مفعول بنفسه وهو المزال عنه, وإلى آخر بحرف الجر وهو المزيل. والباء فيه للاستعابة فيكون تقدير الآية: "وامسحوا أيديكم برءوسكم" وحاصل ما فيه أن اليد جعلت ممسوحة والرأس ماسحة وهو صحيح. وأيضا فجزم المصنف بأنها للتبعيض مناقض لما جزم به في المجمل والمبين كما ستعرفه. ثم قال: لأنا نعلم بالضرورة الفرق بين مسحت المنديل ومسحت يدي بالمنديل, فإنه يعم في الأول ويبعض في الثاني, وهو معنى قول المصنف: لما يعلم من الفرق، وهذا أيضا مردود فإن الفرق بينهما كونهما في الأول ممسوحة، وفي الثاني ماسحة لا ما قاله، ثم قال: وأنكر ابن جني ورودها للتبعيض وقال: إنه شيء لا يعرفه أهل اللغة ثم رده بأنه شهادة على نفي غير محصور فلا يسمع, وتابعه عليه المصنف. وهذا أيضا ممنوع فإن العالم بفن إذا علم منه الفحص قبل منه النفي فيه. ثم إنه قد ذكر ما يناقض ذلك في المسألة الثالثة, فإنه قد رد كونها للسببية بعدم ذكر أهل اللغة له الذي هو دون تصريحهم بنفيه. نعم طريق الرد على ابن جني بوروده في كلامهم فإنه قد اشتهر. قال الشاعر:
стр. 176
شربن بماء البحر ثم ترفعت ... متى لجج خضر لهن نئيج
أي: شربن من ماء البحر, وقال الآخر:
فلثمت فاها آخذا بقرونها ... شرب النزيف ببرد ماء الحشرج
أي: من برد وأثبته الكوفيون، ونص عليه أيضا جماعة غيرهم منهم: الأصمعي والقتيبي والفارسي في التذكرة, وقال به من المتأخرين ابن مالك، وهذه المسألة تكلم الأصوليون فيها اعتقادا منهم أن الشافعي إنما اكتفى بمسح بعض الرأس لأجل الباء وليس كذلك, بل اكتفى به لصدق الاسم كما ستعرفه في المجمل والمبين، والمسألة السادسة: تقييد الحكم فإنما نحو إنما الشفعة فيما لو يقسم هل يفيد حصر الأول في الثاني على معنى أنه يفيد إثبات الشفعة في غير المقسوم، ونفيها عن غيره؟ وفيه مذهبان صحح الإمام وأتباعه أنها تفيد, وعلى هذا فهل هو بالمنطوق أو بالمفهوم؟ فيه مذهبان, حكاهما ابن الحاجب, ومقتضى كلام الإمام وأتباعه ومنهم المصنف أنه بالمنطوق؛ لأنه استدل بأن إن للإثبات وما للنفي كما سيأتي فافهم ذلك، واختار الآمدي أنها لا تفيد الحصر بل تفيد تأكيد الإثبات وهو الصحيح عند النحويين, ونقله شيخنا أبو حيان في شرح التسهيل عن البصريين، ولم يصحح ابن الحاجب شيئا، استدل الأولون بأمرين أحدهما وهو مركب من العقلي والنقلي: أن كلمة إن لإثبات الشيء وما لنفيه، والأصل عدم التغيير بالتركيب فيجب الجمع بينهما بقدر الإمكان، وحينئذ نقول: لا جائز أن يجتمع النفي والإثبات على شيء واحد للزوم التناقض, ولا أن يكون النفي راجعا إلى المذكور والإثبات للسكوت عنه؛ لأنه باطل بالاتفاق، فتعين العكس لأنه الممكن وهو المراد بالحصر، وهذا ضعيف لأن المعروف عند النحويين أن ما ليست نافية بل زائدة كافة موطئة لدخول الفعل. الثاني: أن العرب الفصحاء قد استعملوها في مواطن الحصر، قال الأعشى:
ولست بالأكثر منهم حصى ... وإنما العزة للكاثر
قال الجوهري: معناه أكثر عددا، قال: ومقصوده تفضيل عامر على علقمة وليست بفتح التاء كما ضبطه الجوهري وغيره، وقال الفرزدق:
أنا الذائد الحامي الذمار وإنما ... يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي
قال الجوهري: يقال: ذمر الأسد أي: زأر وتذامر القوم أي: حث بعضهم بعضا على الحرب, وقولهم: فلان حامي الذمار أي: إذا ذمر وغضب حمى، ثم قال: ويقال: الذمار ما وراء الرجل مما يجب عليه أن يحميه أي: من أهله وغيرهم، ووجه الاستدلال أن المقصود لا يحصل إلا بحصر العزة في الكاثر، وحصر الدفع فيه على أنها للحصر. قوله: "وعورض" أي: عورض ما ذكرناه بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ فإنه لو أفاد الحصر لكان من لم يحصل له الوجل لا يكون مؤمنا وليس كذلك, وجوابه أن المراد بالمؤمنين هم الكاملون في الإيمان جمعا بين الأدلة.
"فائدة": من أدوات الحصر إلا على اختلاف فيها يأتي في بابه, ومنها حصر المبتدأ في الخبر نحو: العالم زيد وصديقي زيد، وفيها المذاهب الثلاثة المذكورة, ومنها تقديم المعمول على ما قاله الزمخشري وجماعة نحو: إياك نعبد.
стр. 177
الفصل التاسع:
قال: "الفصل التاسع: في كيفية الاستدلال بالألفاظ وفيه مسائل: الأولى: لا يخاطبنا الله تعالى بالمهمل؛ لأنه هذيان، احتجت الحشوية بأوائل السور قلنا: أسماؤها وبأن الوقف على قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ واجب، وإلا لاختص المعطوف بالحال قلنا: يجوز حيث لا لبس مثل: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾ [الأنبياء: ٧٢] وبقوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُ رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ [الصافات: ٦٥] قلنا: مثل في الاستقباح الثانية لا يغني خلاف الظاهر من غير بيان؛ لأن اللفظ بالنسبة إليه مهمل, قالت المرجئة: يفيد إحجاما قلنا: حينئذ يرتفع الوثوق عن قوله تعالى". أقول: الاستدلال بالألفاظ يتوقف على معرفة كيفية الاستدلال من كونه بطريق المنطوق أو المفهوم؛ فلذلك عقد المصنف هذا الفصل لبيانه وذكر فيه سبع مسائل. ثم إن بيان ذلك يتوقف على أنه تعالى لا يجوز أن يخاطبنا بالمهمل ولا بما يخالف الظاهر؛ لأنه لو كان جائزا لتعذر الاستدلال بالألفاظ على الحكم فبدأ بهما لكونهما كالمقدمة, المسألة الأولى: لا يجوز أن يخاطبنا الله تعالى بالمهمل؛ لأنه هذيان وهو نقص والنقص على الله تعالى محال. وعبارة المحصول: لا يجوز أن يتكلم بشيء ولا يعني به شيئا وهو قريب من عبارة المصنف وعبارة المنتخب والحاصل بما لا يفيد، وبينهما فرق لأن عدم الفائدة قد لا يكون لإهماله بل لعدم فهمنا. وقد صرح ابن برهان بجواز هذا فقال: يجوز أن يشتمل كلام الله تعالى على ما لا يفهم معناه إلا أن يتعلق به تكليف فإنه لا يجوز. والصواب في التعبير ما ذكره في المحصول واقتضاه كلام المصنف, وقد صرح به أيضا عبد الجبار في العمد وأبو الحسين في شرحه له، واستدلا للخصم بأن فائدته التعبد بتلاوته, قال في المحصول: وحكم الرسول في الامتناع كحكم الله تعالى، قال الأصفهاني في شرحه له: لا أعلم أحدا ذكر ذلك ولا يلزم من كون الشيء نقصا في حق الله أن يكون نقصا في حق الرسول، فإن السهو والنسيان جائزان على الأنبياء. قوله: "احتجت الحشوية" أي: على جوازه بثلاثة أوجه, الأول: أوردوه في القرآن في أوائل كثير من السور نحو: ﴿الم﴾ و ﴿طه﴾ وجوابه: أن لها معاني, ولكن اختلف المفسرون فيها على أقوال كثيرة, والحق فيها أنها أسماء للسور. الثاني: قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ الآية, ووجه الدلالة أنه يجب الوقف على قوله: ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾ وحينئذ فيكون الراسخون مبتدأ ويقولون خبرا عنه، وإذا وجب الوقف عليه ثبت أن في القرآن شيئا لا يعلم تأويله إلا الله وقد خاطبنا به وهذا هو المدعى، وإنما قلنا: يجب الوقف عليه لأنه لو لم يجب لكان الراسخون معطوفا عليه حينئذ, فيتعين أن يكون قوله تعالى
стр. 178
﴿يَقُولُونَ﴾ جملة حالية بأن قائلين, ولا يجوز أن يكون حالا من المعطوف والمعطوف عليه لامتناع أن يقول الله تعالى: آمنا به، فيكون حالا من المعطوف فقط، وهو خلاف الأصل؛ لأن الأصل اشتراك المعطوف والمعطوف عليه في المتعلقات، وإذا انتفى هذا تعين ما قلناه وهذا الدليل لا يطابق دعوى المصنف؛ لأنه يقتضي أن الخلاف في الخطاب بلفظ له معنى لا نفهمه، ودعواه أولا في المهمل، وأجاب المصنف بأنه إنما يمتنع تخصيص المعطوف بالحال إذا لم تقم قرينة تدل عليه, أما إذا قدمت قرينة تدفع اللبس فلا بأس كقوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾ [الأنبياء: ٧٢] فإن ﴿نَافِلَةً﴾ حال من يعقوب خاصة لأن النافلة ولد الولد, وما نحن فيه كذلك؛ لأن العقل قاضٍ بأن الله تعالى لا يقول: آمنا به. الثالث: قوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُ رُؤُوسُ الشَّيَاطِين﴾ [الصافات: ٦٥] فإن هذا التشبيه إنما يفيد أن لو علمنا رءوس الشياطين ونحن لا نعلمها، والجواب أنه معلوم للعرب فإنه مثل في الاستقباح متداول بينهم؛ لأنهم يتخيلونه قبيحا. وهذا أيضا لا يطابق الدعوى لما تقدم. "فائدة": اختلف في الحشوية فقيل بإسكان الشين؛ لأن منهم المجسمة، والجسم محشو، والمشهور أنه بفتحها نسبة إلى الحشا؛ لأنهم كانوا يجلسون أمام الحسن البصري في حلقته، فوجد كلامهم رديئا، فقال: ردوا هؤلاء إلى حشا الحلقة أي: جانبها, والجانب يسمى حشا ومنه الأحشاء لجوانب البطن. المسألة الثانية: يجوز أن يريد الله تعالى بكلامه خلاف ظاهره, إذا كان هناك قرينة يحصل بها البيان كآيات التشبيه ولا يجوز، أو يعني خلاف الظاهر من غير بيان؛ لأن اللفظ بالنسبة إلى ذلك المعنى المراد مهمل لعدم إشعاره به، والخلاف فيه مع المرجئة فإنهم يقولون: إنه تعالى لا يعاقب أحدا من المسلمين، ولا يضر مع الإيمان معصية كما لا تنفع مع الكفر طاعة، قالوا: وأما الآيات والأخبار الدالة على العقاب فليس المراد ظاهرها, بل المراد بها التخويف, وفائدته الإحجام عن المعاصي، وأجاب المصنف بالمعارضة وهو أن فتح هذا الباب يرفع الوثوق عن أقوال الله تعالى وأقوال رسوله، إذ ما من خطاب إلا ويحتمل أن يراد به غير ظاهره, وأيضا فالإحجام إنما يكون عند العقاب، ولا عقاب, وهذه المسألة معرفتها تتوقف على معرفة مذهب المرجئة ومعرفة استدلالهم, وقد أشار إليه المصنف إشارة بعيدة، وتفصيله ما قلناه، وأما الأوامر والنواهي فلا خلاف فيها كما قال الأصفهاني في شرح المحصول ولم يذكر ابن الحاجب هذه ولا التي قبلها, والمرجئة -كما قال الجوهري- مشتقة من الإرجاء وهو التأخير, قال الله تعالى: ﴿أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾ [الشعراء: ٣٦] أي: أخره فسموه بذلك؛ لأنهم لم يجعلوا الأعمال سببا لوقوع العذاب ولا لسقوطه, بل أرجوها أي: أخروها وأدحضوها.
قال: "الثالثة: الخطاب إما أن يدل على الحكم بمنطوقه فيحمل على الشرعي ثم العرفي ثم اللغوي ثم المجاز أو بمفهومه, وهو إما أن يلزم عن مفرد يتوقف عليه عقلا أو
стр. 179
شرعا، مثل: ارم وأعتق عبدك عني, ويسمى اقتضاء, أو مركب موافق وهو فحوى الخطاب كدلالة تحريم التأفيف على تحريم الضرب وجواز المباشرة إلى الصبح على جواز الصوم جنبا, أو مخالف كلزوم نفي الحكم عما عدا المذكور، ويسمى دليل الخطاب". أقول: المسألة الثالثة: في كيفية دلالة الخطاب على الحكم وتقديم بعض المدلولات على البعض، اعلم أن الدلالة قد تكون بالمنطوق، وقد تكون بالمفهوم. قال ابن الحاجب: المنطوق هو ما دل عليه اللفظ في محل النطق، والمفهوم ما دل عليه اللفظ لا في محل النطق كما سيأتي بيانه، الأول: أن يدل اللفظ بمنطوقه وهو المسمى بالدلالة اللفظية فيحمل أولا على الحقيقة الشرعية؛ لأن النبي ﷺ بعث لبيان الشرعيات، فإن لم يكن له حقيقة شرعية أو كان ولم يمكن الحمل عليها على الحقيقة العرفية الموجودة في عهده ﵊ لأنه المتبادر إلى الفهم، فإن تعذر حمل على الحقيقة اللغوية. وهذا إذا كثر استعمال الشرعي والعرفي بحيث صار يسبق أحدهما دون اللغوي، فإن لم يكن فإنه مشترك لا يترجح إلا بقرينة قاله في المحصول, ولقائل أن يقول: من القواعد المشهورة عند الفقهاء أن ما ليس له ضابط في الشرع ولا في اللغة يرجع فيه إلى العرف، وهذا يقتضي تأخير معرف عن اللغة فهل هو مخالف لكلام الأصوليين أو ليسا متواردين على محل واحد؟ فيه نظر يحتاج إلى تأمل. وذكر الآمدي في تعارض الحقيقة الشرعية واللغوية مذاهب أحدها هذا, وصححه ابن الحاجب. والثاني: يكون مجملا. والثالث قاله الغزالي: إن ورد في الإثبات حمل على الشرعي كقوله ﵊: "إني إذًا أصوم" ١ فإنه إذا حمل على الشرعي دل على صحة الصوم بنية من النهار, وإن ورد في النهي كان مجملا كنهيه ﵊ عن صوم يوم النحر، فإنه لو حمل على الشرعي دل على صحته لاستحالة النهي عما لا يتصور وقوعه، بخلاف ما إذا حمل على اللغوي. قال الآمدي: والمختار أنه إن ورد في الإثبات حمل على الشرعي؛ لأنه مبعوث لبيان الشرعيات, وإن ورد في النهي حمل على اللغوي لما قلناه من أن حمله على الشرعي يستلزم صحة بيع الخمر ونحوه ولا قائل به، وما ذكراه من أن النهي يستلزم الصحة قد أنكراه بعد ذلك وضعفا من قاله. فإن تعذرت الحقائق الثلاث حمل على المعنى المجازي صونا للكلام عن الإعمال, ويكون الترتيب في مجازات هذه الحقائق كالترتيب المذكور في الحقائق. الثاني: أن يدل الخطاب على الحكم بالمفهوم وهو المسمى بالدلالة المعنوية والدلالة الالتزامية، فتارة يكون اللازم مستفادا من معاني الألفاظ المفردة، وذلك بأن يكون شرطا للمعنى المدلول عليه بالمطابقة، وتارة لا يكون مستفادا من التركيب وذلك بأن لا يكون شرطا للمعنى المطابق بل تابعا له، فاللازم عن المفرد قد يكون العقل يقتضيه كقوله: ارم, فإنه يستلزم الأمر بتحصيل القوس والمرمى لأن العقل يحيل
стр. 180
الرمي بدونهما, وقد يكون هو الشرع كقوله: أعتق عبدك عني؛ فإنه يستلزم سؤال تمليكه حتى إذا أعتقه نبينا دخلوه في ملكه؛ لأن العتق شرعا لا يكون إلا في مملوك, وقد مثل في المحصول له بمثال فاسد فعدل عنه صاحب الحاصل والمصنف. وهذا القسم هو اللازم عن المفرد يسمى الاقتضاء أي: الخطاب يقتضيه, وأما اللازم عن المركب فهو قسمين أحدهما: أن يكون موافقا للمنطوق في الإيجاب والسلب، ويسمى فحوى الخطاب، أو معناه كما قال الجوهري. قال: وهو يمد ويقصر ويسمى أيضا تنبيه الخطاب ومفهوم الموافقة كقوله تعالى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ فإنه يدل أيضا على تحريم الضرب من باب أولى, فتحريم الضرب استفدناه من التركيب؛ لأن مجرد التأفيف لا يدل على تحريم الضرب ولا على إباحته بخلاف مجرد الرمي, فإنه يتوقف على القوس. وكقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ﴾ [البقرة: ١٨٧] إلى آخر الآية, فإنه يدل منطوقه على جواز المباشرة إلى الصبح، ويلزم منه صحة الصوم جنبا وهو ما بين الفجر إلى الغسل، إذ لو لم يكن كذلك لكان مقدار الغسل مستثنى من جواز المباشرة, ومثل المصنف بمثالين إشارة إلى معنيين, أحدهما: أن مفهوم الموافقة قد يكون أولى بالحكم من المنطوق كالمثال الأول, وقد يكون مساويا كالمثال الثاني، خلافا لابن الحاجب في اشتراطه الأولوية. الثاني ما قال الإمام في المحصول: وهو أن اللازم قد يكون من مكملات المعنى المنطوق كما في المثال الأول، وقد لا يكون كالثاني، ثم قال: والتمثيل بالتأفيف مبني على أن تحريم الضرب ليس من باب القياس، وعلى هذا فتمثيل المصنف به مناقض لما صححه في كتاب القياس فافهمه، وقد جعل ابن الحاجب دلالة الاقتضاء وجواز المباشرة إلى الصبح من دلالة المنطوق، قال: ولكن منطوق غير صريح بل لازم اللفظ، وجعل المصنف ذلك من المفهوم كما تقدم ولم يجعله الآمدي من المنطوق ولا من المفهوم، بل قسيما لهما، وكلام الإمام هنا ليس فيه تصريح بشيء. القسم الثاني: أن يكون مخالفا للمنطوق، ويسمى دليل الخطاب، ولحن الخطاب، ومفهوم المخالفة، وذلك كمفهوم الصفة ومفهوم الشرط ومفهوم الغاية ومفهوم العدد, وقد ذكر المصنف جميع ذلك عقب هذه المسألة إلا الغاية, فإنه أخرها إلى التخصيص وأهمل التصريح هنا بأمور بعضها يأتي في كلامه, وبعضها أذكره إن شاء الله تعالى.
قال: "الرابعة: تعليق الحكم بالاسم يدل على نفيه عن غيره, وإلا لما جاز القياس خلافا لأبي بكر الدقاق وبإحدى صفتي الذات مثل: "في سائمة الغنم الزكاة" يدل ما لم يظهر للتخصيص فائدة أخرى، خلافا لأبي حنيفة وابن سريج والقاضي وإمام الحرمين والغزالي. لنا أنه المتبادر من قوله ﵊: "مطل الغني ظلم" ١ ومن ونحو قولهم: الميت