← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 7332

نهاية السول شرح منهاج الوصول

الإسنوي

Полный текст (459 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

شربن بماء البحر ثم ترفعت ... متى لجج خضر لهن نئيج أي: شربن من ماء البحر, وقال الآخر: فلثمت فاها آخذا بقرونها ... شرب النزيف ببرد ماء الحشرج أي: من برد وأثبته الكوفيون، ونص عليه أيضا جماعة غيرهم منهم: الأصمعي والقتيبي والفارسي في التذكرة, وقال به من المتأخرين ابن مالك، وهذه المسألة تكلم الأصوليون فيها اعتقادا منهم أن الشافعي إنما اكتفى بمسح بعض الرأس لأجل الباء وليس كذلك, بل اكتفى به لصدق الاسم كما ستعرفه في المجمل والمبين، والمسألة السادسة: تقييد الحكم فإنما نحو إنما الشفعة فيما لو يقسم هل يفيد حصر الأول في الثاني على معنى أنه يفيد إثبات الشفعة في غير المقسوم، ونفيها عن غيره؟ وفيه مذهبان صحح الإمام وأتباعه أنها تفيد, وعلى هذا فهل هو بالمنطوق أو بالمفهوم؟ فيه مذهبان, حكاهما ابن الحاجب, ومقتضى كلام الإمام وأتباعه ومنهم المصنف أنه بالمنطوق؛ لأنه استدل بأن إن للإثبات وما للنفي كما سيأتي فافهم ذلك، واختار الآمدي أنها لا تفيد الحصر بل تفيد تأكيد الإثبات وهو الصحيح عند النحويين, ونقله شيخنا أبو حيان في شرح التسهيل عن البصريين، ولم يصحح ابن الحاجب شيئا، استدل الأولون بأمرين أحدهما وهو مركب من العقلي والنقلي: أن كلمة إن لإثبات الشيء وما لنفيه، والأصل عدم التغيير بالتركيب فيجب الجمع بينهما بقدر الإمكان، وحينئذ نقول: لا جائز أن يجتمع النفي والإثبات على شيء واحد للزوم التناقض, ولا أن يكون النفي راجعا إلى المذكور والإثبات للسكوت عنه؛ لأنه باطل بالاتفاق، فتعين العكس لأنه الممكن وهو المراد بالحصر، وهذا ضعيف لأن المعروف عند النحويين أن ما ليست نافية بل زائدة كافة موطئة لدخول الفعل. الثاني: أن العرب الفصحاء قد استعملوها في مواطن الحصر، قال الأعشى: ولست بالأكثر منهم حصى ... وإنما العزة للكاثر قال الجوهري: معناه أكثر عددا، قال: ومقصوده تفضيل عامر على علقمة وليست بفتح التاء كما ضبطه الجوهري وغيره، وقال الفرزدق: أنا الذائد الحامي الذمار وإنما ... يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي قال الجوهري: يقال: ذمر الأسد أي: زأر وتذامر القوم أي: حث بعضهم بعضا على الحرب, وقولهم: فلان حامي الذمار أي: إذا ذمر وغضب حمى، ثم قال: ويقال: الذمار ما وراء الرجل مما يجب عليه أن يحميه أي: من أهله وغيرهم، ووجه الاستدلال أن المقصود لا يحصل إلا بحصر العزة في الكاثر، وحصر الدفع فيه على أنها للحصر. قوله: "وعورض" أي: عورض ما ذكرناه بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ فإنه لو أفاد الحصر لكان من لم يحصل له الوجل لا يكون مؤمنا وليس كذلك, وجوابه أن المراد بالمؤمنين هم الكاملون في الإيمان جمعا بين الأدلة. "فائدة": من أدوات الحصر إلا على اختلاف فيها يأتي في بابه, ومنها حصر المبتدأ في الخبر نحو: العالم زيد وصديقي زيد، وفيها المذاهب الثلاثة المذكورة, ومنها تقديم المعمول على ما قاله الزمخشري وجماعة نحو: إياك نعبد.

стр. 177

الفصل التاسع: قال: "الفصل التاسع: في كيفية الاستدلال بالألفاظ وفيه مسائل: الأولى: لا يخاطبنا الله تعالى بالمهمل؛ لأنه هذيان، احتجت الحشوية بأوائل السور قلنا: أسماؤها وبأن الوقف على قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ واجب، وإلا لاختص المعطوف بالحال قلنا: يجوز حيث لا لبس مثل: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾ [الأنبياء: ٧٢] وبقوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُ رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ [الصافات: ٦٥] قلنا: مثل في الاستقباح الثانية لا يغني خلاف الظاهر من غير بيان؛ لأن اللفظ بالنسبة إليه مهمل, قالت المرجئة: يفيد إحجاما قلنا: حينئذ يرتفع الوثوق عن قوله تعالى". أقول: الاستدلال بالألفاظ يتوقف على معرفة كيفية الاستدلال من كونه بطريق المنطوق أو المفهوم؛ فلذلك عقد المصنف هذا الفصل لبيانه وذكر فيه سبع مسائل. ثم إن بيان ذلك يتوقف على أنه تعالى لا يجوز أن يخاطبنا بالمهمل ولا بما يخالف الظاهر؛ لأنه لو كان جائزا لتعذر الاستدلال بالألفاظ على الحكم فبدأ بهما لكونهما كالمقدمة, المسألة الأولى: لا يجوز أن يخاطبنا الله تعالى بالمهمل؛ لأنه هذيان وهو نقص والنقص على الله تعالى محال. وعبارة المحصول: لا يجوز أن يتكلم بشيء ولا يعني به شيئا وهو قريب من عبارة المصنف وعبارة المنتخب والحاصل بما لا يفيد، وبينهما فرق لأن عدم الفائدة قد لا يكون لإهماله بل لعدم فهمنا. وقد صرح ابن برهان بجواز هذا فقال: يجوز أن يشتمل كلام الله تعالى على ما لا يفهم معناه إلا أن يتعلق به تكليف فإنه لا يجوز. والصواب في التعبير ما ذكره في المحصول واقتضاه كلام المصنف, وقد صرح به أيضا عبد الجبار في العمد وأبو الحسين في شرحه له، واستدلا للخصم بأن فائدته التعبد بتلاوته, قال في المحصول: وحكم الرسول في الامتناع كحكم الله تعالى، قال الأصفهاني في شرحه له: لا أعلم أحدا ذكر ذلك ولا يلزم من كون الشيء نقصا في حق الله أن يكون نقصا في حق الرسول، فإن السهو والنسيان جائزان على الأنبياء. قوله: "احتجت الحشوية" أي: على جوازه بثلاثة أوجه, الأول: أوردوه في القرآن في أوائل كثير من السور نحو: ﴿الم﴾ و ﴿طه﴾ وجوابه: أن لها معاني, ولكن اختلف المفسرون فيها على أقوال كثيرة, والحق فيها أنها أسماء للسور. الثاني: قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ الآية, ووجه الدلالة أنه يجب الوقف على قوله: ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾ وحينئذ فيكون الراسخون مبتدأ ويقولون خبرا عنه، وإذا وجب الوقف عليه ثبت أن في القرآن شيئا لا يعلم تأويله إلا الله وقد خاطبنا به وهذا هو المدعى، وإنما قلنا: يجب الوقف عليه لأنه لو لم يجب لكان الراسخون معطوفا عليه حينئذ, فيتعين أن يكون قوله تعالى

стр. 178

﴿يَقُولُونَ﴾ جملة حالية بأن قائلين, ولا يجوز أن يكون حالا من المعطوف والمعطوف عليه لامتناع أن يقول الله تعالى: آمنا به، فيكون حالا من المعطوف فقط، وهو خلاف الأصل؛ لأن الأصل اشتراك المعطوف والمعطوف عليه في المتعلقات، وإذا انتفى هذا تعين ما قلناه وهذا الدليل لا يطابق دعوى المصنف؛ لأنه يقتضي أن الخلاف في الخطاب بلفظ له معنى لا نفهمه، ودعواه أولا في المهمل، وأجاب المصنف بأنه إنما يمتنع تخصيص المعطوف بالحال إذا لم تقم قرينة تدل عليه, أما إذا قدمت قرينة تدفع اللبس فلا بأس كقوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾ [الأنبياء: ٧٢] فإن ﴿نَافِلَةً﴾ حال من يعقوب خاصة لأن النافلة ولد الولد, وما نحن فيه كذلك؛ لأن العقل قاضٍ بأن الله تعالى لا يقول: آمنا به. الثالث: قوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُ رُؤُوسُ الشَّيَاطِين﴾ [الصافات: ٦٥] فإن هذا التشبيه إنما يفيد أن لو علمنا رءوس الشياطين ونحن لا نعلمها، والجواب أنه معلوم للعرب فإنه مثل في الاستقباح متداول بينهم؛ لأنهم يتخيلونه قبيحا. وهذا أيضا لا يطابق الدعوى لما تقدم. "فائدة": اختلف في الحشوية فقيل بإسكان الشين؛ لأن منهم المجسمة، والجسم محشو، والمشهور أنه بفتحها نسبة إلى الحشا؛ لأنهم كانوا يجلسون أمام الحسن البصري في حلقته، فوجد كلامهم رديئا، فقال: ردوا هؤلاء إلى حشا الحلقة أي: جانبها, والجانب يسمى حشا ومنه الأحشاء لجوانب البطن. المسألة الثانية: يجوز أن يريد الله تعالى بكلامه خلاف ظاهره, إذا كان هناك قرينة يحصل بها البيان كآيات التشبيه ولا يجوز، أو يعني خلاف الظاهر من غير بيان؛ لأن اللفظ بالنسبة إلى ذلك المعنى المراد مهمل لعدم إشعاره به، والخلاف فيه مع المرجئة فإنهم يقولون: إنه تعالى لا يعاقب أحدا من المسلمين، ولا يضر مع الإيمان معصية كما لا تنفع مع الكفر طاعة، قالوا: وأما الآيات والأخبار الدالة على العقاب فليس المراد ظاهرها, بل المراد بها التخويف, وفائدته الإحجام عن المعاصي، وأجاب المصنف بالمعارضة وهو أن فتح هذا الباب يرفع الوثوق عن أقوال الله تعالى وأقوال رسوله، إذ ما من خطاب إلا ويحتمل أن يراد به غير ظاهره, وأيضا فالإحجام إنما يكون عند العقاب، ولا عقاب, وهذه المسألة معرفتها تتوقف على معرفة مذهب المرجئة ومعرفة استدلالهم, وقد أشار إليه المصنف إشارة بعيدة، وتفصيله ما قلناه، وأما الأوامر والنواهي فلا خلاف فيها كما قال الأصفهاني في شرح المحصول ولم يذكر ابن الحاجب هذه ولا التي قبلها, والمرجئة -كما قال الجوهري- مشتقة من الإرجاء وهو التأخير, قال الله تعالى: ﴿أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾ [الشعراء: ٣٦] أي: أخره فسموه بذلك؛ لأنهم لم يجعلوا الأعمال سببا لوقوع العذاب ولا لسقوطه, بل أرجوها أي: أخروها وأدحضوها. قال: "الثالثة: الخطاب إما أن يدل على الحكم بمنطوقه فيحمل على الشرعي ثم العرفي ثم اللغوي ثم المجاز أو بمفهومه, وهو إما أن يلزم عن مفرد يتوقف عليه عقلا أو

стр. 179

شرعا، مثل: ارم وأعتق عبدك عني, ويسمى اقتضاء, أو مركب موافق وهو فحوى الخطاب كدلالة تحريم التأفيف على تحريم الضرب وجواز المباشرة إلى الصبح على جواز الصوم جنبا, أو مخالف كلزوم نفي الحكم عما عدا المذكور، ويسمى دليل الخطاب". أقول: المسألة الثالثة: في كيفية دلالة الخطاب على الحكم وتقديم بعض المدلولات على البعض، اعلم أن الدلالة قد تكون بالمنطوق، وقد تكون بالمفهوم. قال ابن الحاجب: المنطوق هو ما دل عليه اللفظ في محل النطق، والمفهوم ما دل عليه اللفظ لا في محل النطق كما سيأتي بيانه، الأول: أن يدل اللفظ بمنطوقه وهو المسمى بالدلالة اللفظية فيحمل أولا على الحقيقة الشرعية؛ لأن النبي ﷺ بعث لبيان الشرعيات، فإن لم يكن له حقيقة شرعية أو كان ولم يمكن الحمل عليها على الحقيقة العرفية الموجودة في عهده ﵊ لأنه المتبادر إلى الفهم، فإن تعذر حمل على الحقيقة اللغوية. وهذا إذا كثر استعمال الشرعي والعرفي بحيث صار يسبق أحدهما دون اللغوي، فإن لم يكن فإنه مشترك لا يترجح إلا بقرينة قاله في المحصول, ولقائل أن يقول: من القواعد المشهورة عند الفقهاء أن ما ليس له ضابط في الشرع ولا في اللغة يرجع فيه إلى العرف، وهذا يقتضي تأخير معرف عن اللغة فهل هو مخالف لكلام الأصوليين أو ليسا متواردين على محل واحد؟ فيه نظر يحتاج إلى تأمل. وذكر الآمدي في تعارض الحقيقة الشرعية واللغوية مذاهب أحدها هذا, وصححه ابن الحاجب. والثاني: يكون مجملا. والثالث قاله الغزالي: إن ورد في الإثبات حمل على الشرعي كقوله ﵊: "إني إذًا أصوم" ١ فإنه إذا حمل على الشرعي دل على صحة الصوم بنية من النهار, وإن ورد في النهي كان مجملا كنهيه ﵊ عن صوم يوم النحر، فإنه لو حمل على الشرعي دل على صحته لاستحالة النهي عما لا يتصور وقوعه، بخلاف ما إذا حمل على اللغوي. قال الآمدي: والمختار أنه إن ورد في الإثبات حمل على الشرعي؛ لأنه مبعوث لبيان الشرعيات, وإن ورد في النهي حمل على اللغوي لما قلناه من أن حمله على الشرعي يستلزم صحة بيع الخمر ونحوه ولا قائل به، وما ذكراه من أن النهي يستلزم الصحة قد أنكراه بعد ذلك وضعفا من قاله. فإن تعذرت الحقائق الثلاث حمل على المعنى المجازي صونا للكلام عن الإعمال, ويكون الترتيب في مجازات هذه الحقائق كالترتيب المذكور في الحقائق. الثاني: أن يدل الخطاب على الحكم بالمفهوم وهو المسمى بالدلالة المعنوية والدلالة الالتزامية، فتارة يكون اللازم مستفادا من معاني الألفاظ المفردة، وذلك بأن يكون شرطا للمعنى المدلول عليه بالمطابقة، وتارة لا يكون مستفادا من التركيب وذلك بأن لا يكون شرطا للمعنى المطابق بل تابعا له، فاللازم عن المفرد قد يكون العقل يقتضيه كقوله: ارم, فإنه يستلزم الأمر بتحصيل القوس والمرمى لأن العقل يحيل

стр. 180

الرمي بدونهما, وقد يكون هو الشرع كقوله: أعتق عبدك عني؛ فإنه يستلزم سؤال تمليكه حتى إذا أعتقه نبينا دخلوه في ملكه؛ لأن العتق شرعا لا يكون إلا في مملوك, وقد مثل في المحصول له بمثال فاسد فعدل عنه صاحب الحاصل والمصنف. وهذا القسم هو اللازم عن المفرد يسمى الاقتضاء أي: الخطاب يقتضيه, وأما اللازم عن المركب فهو قسمين أحدهما: أن يكون موافقا للمنطوق في الإيجاب والسلب، ويسمى فحوى الخطاب، أو معناه كما قال الجوهري. قال: وهو يمد ويقصر ويسمى أيضا تنبيه الخطاب ومفهوم الموافقة كقوله تعالى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ فإنه يدل أيضا على تحريم الضرب من باب أولى, فتحريم الضرب استفدناه من التركيب؛ لأن مجرد التأفيف لا يدل على تحريم الضرب ولا على إباحته بخلاف مجرد الرمي, فإنه يتوقف على القوس. وكقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ﴾ [البقرة: ١٨٧] إلى آخر الآية, فإنه يدل منطوقه على جواز المباشرة إلى الصبح، ويلزم منه صحة الصوم جنبا وهو ما بين الفجر إلى الغسل، إذ لو لم يكن كذلك لكان مقدار الغسل مستثنى من جواز المباشرة, ومثل المصنف بمثالين إشارة إلى معنيين, أحدهما: أن مفهوم الموافقة قد يكون أولى بالحكم من المنطوق كالمثال الأول, وقد يكون مساويا كالمثال الثاني، خلافا لابن الحاجب في اشتراطه الأولوية. الثاني ما قال الإمام في المحصول: وهو أن اللازم قد يكون من مكملات المعنى المنطوق كما في المثال الأول، وقد لا يكون كالثاني، ثم قال: والتمثيل بالتأفيف مبني على أن تحريم الضرب ليس من باب القياس، وعلى هذا فتمثيل المصنف به مناقض لما صححه في كتاب القياس فافهمه، وقد جعل ابن الحاجب دلالة الاقتضاء وجواز المباشرة إلى الصبح من دلالة المنطوق، قال: ولكن منطوق غير صريح بل لازم اللفظ، وجعل المصنف ذلك من المفهوم كما تقدم ولم يجعله الآمدي من المنطوق ولا من المفهوم، بل قسيما لهما، وكلام الإمام هنا ليس فيه تصريح بشيء. القسم الثاني: أن يكون مخالفا للمنطوق، ويسمى دليل الخطاب، ولحن الخطاب، ومفهوم المخالفة، وذلك كمفهوم الصفة ومفهوم الشرط ومفهوم الغاية ومفهوم العدد, وقد ذكر المصنف جميع ذلك عقب هذه المسألة إلا الغاية, فإنه أخرها إلى التخصيص وأهمل التصريح هنا بأمور بعضها يأتي في كلامه, وبعضها أذكره إن شاء الله تعالى. قال: "الرابعة: تعليق الحكم بالاسم يدل على نفيه عن غيره, وإلا لما جاز القياس خلافا لأبي بكر الدقاق وبإحدى صفتي الذات مثل: "في سائمة الغنم الزكاة" يدل ما لم يظهر للتخصيص فائدة أخرى، خلافا لأبي حنيفة وابن سريج والقاضي وإمام الحرمين والغزالي. لنا أنه المتبادر من قوله ﵊: "مطل الغني ظلم" ١ ومن ونحو قولهم: الميت

стр. 181

اليهودي لا يبصر، وأن ظاهر التخصيص يستدعي فائدة وتخصيص الحكم فائدة, وغيرها منتفٍ بالأصل فتعين, وأن الترتيب يشعر بالعلية كما ستعرفه. والأصل ينفي علة أخرى فينتفي بانتفائها. قيل: لو دل لدل إما مطابقة أو التزاما, قلنا: دل التزاما لما ثبت أن الترتيب يدل على العلية، وانتفاء العلة يستلزم انتفاء مدلولها المساوي! قيل: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ﴾ [الإسراء: ٣١] ليس كذلك قلنا: غير المدعي". أقول: شرع المصنف في ذكر مفاهيم المخالفة فبدأ بمفهوم اللقب, فنقول: تعليق الحكم أي: طلبا كان أو خبرا, بالاسم أي: وما في معناه كاللقب والكنية, لا يدل على نفيه عن غيره كقول القائل: زيد قائم فإنه لا يدل على نفي القيام عن زيد وهذا هو الصحيح عند الإمام والآمدي وأتباعهما, ونقله إمام الحرمين في البرهان عن نص الشافعي، واحتج المصنف بأنه لو دل على نفيه عن غيره لانسد باب القياس, وبيانه أن تحريم الربا مثلا في القمح يدل على هذا التقدير على إباحته في كل ما عداه, مطعوما كان أو غيره, فلا يقاس الحمص عليه لأن القياس على خلاف الدليل باطل وهذا الدليل ضعيف لأمرين, أحدهما: أن المفهوم على تقدير كونه حجة يدل على الإباحة في كل ما عدا البر، والقياس إنما يدل على تحريم في الأفراد التي شاركت المنصوص عليه في العلة وهي المطعومات دون غيرها كالنحاس والرصاص, فغاية ما يلزم من الأخذ بالقياس أن يكون مخصصا للمفهوم، وتخصيص عموم المنطوق بالقياس جائز، كما سيأتي, فتخصيص عموم المفهوم به أولى. الثاني ما ذكره الآمدي: وهو أنه إنما يؤدي إلى إبطال القياس إن لو كان النص دالا عليه بمنطوقه وليس كذلك, بل إنما دل عليه بمفهومه والقياس راجح على هذا النوع من المفهوم، وغاية ذلك أنهما دليلان تعارضا لأن كلا منهما دل على عكس ما دل عليه الآخر كالحمص في مثالنا إباحة المفهوم وحرمة القياس وحكم المتعارضين تقديم الراجح منهما، وذهب أبو بكر الدقاق من الشافعية إلى أنه حجة وكذلك الحنابلة كما قاله في الأحكام، واحتجوا بأن التخصيص لا بد له من فائدة، وجوابه أن غرض الإخبار عنه دون غيره فائدة، ومر بي في بعض التعاليق أن الدقاق وقع له ذلك في مجلس النظر ببغداد فألزم الكفر, إذا قال: محمد رسول الله لنفي رسالة عيسى وغيره فوقف. وحكى ابن برهان في التعجيز قولا ثالثا أنه حجة في أسماء الأنواع كالغنم دون أسماء الأشخاص كزيد. قوله: "وبإحدى صفتي الذات" أي: وتعليق الحكم بصفة من صفات الذات يدل على نفي الحكم عن الذات عند انتفاء تلك الصفة كقوله ﷺ : "في سائمة الغنم الزكاة" ١ فإن الغنم اسم ذات ولها صفتان: السوم والعلف، وقد علق الوجوب على إحدى صفتيها وهو السوم, فيدل ذلك على عدم الوجوب في المعلوفة لكن الصحيح في المحصول وغيره أنه يفي جميع الأجناس نظرا إلى أن العلف مانع،

стр. 182

والسوم مقتضٍ. وقد وجد هذا كله إذا لم يظهر لتخصيص تلك الصفة بالذكر فائدة أخرى غير نفي الحكم عما عدا الوصف المذكور. فإن ظهرت له فائدة فلا يدل على النفي, فمن الفائدة أن يكون جوابا لمن سأل عن سائمة الغنم, فإن ذكر السوم والحالة هذه يكون للمطابقة, أو يكون السوم هو الغالب، فإن ذكره إنما هو لأجل غلبة حضوره في ذهنه هذا هو المعروف. ونقله إمام الحرمين في البرهان عن الشافعي ثم خالفه وقال: إن الغلبة لا تدفع كونه حجة, وهذا الذي اختاره المصنف نقله الإمام والآمدي وأتباعهما عن الشافعي والأشعري وجماعة, وذهب أبو حنيفة والقاضي أبو بكر الباقلاني وابن شريح والغزالي إلى أنه ليس بحجة واختاره الآمدي والإمام فخر الدين في المحصول والمنتخب وقال في المعالم: المختار أنه يدل عرفا لا لغة، ولم يصحح ابن الحاجب شيئا. ونقل الإمام فخر الدين عن إمام الحرمين أنه ليس بحجة وتبعه المصنف عليه وهو غلط, فقد نص في البرهان على أنه حجة وجعله أقوى من مفهوم الشرط ومثل بالسائمة ومطل الغني كما مثل المصنف, قال: إلا أن تكون الصفة لا مناسبة فيها كقولنا: الأبيض يشبع إذا أكل, فإنه كاللقب في عدم الدلالة، ثم ذكر في آخر المسألة التي بعدها مثله أيضا، فقال: اعتبر الشافعي الصفة ولم يفصل, واستقر رأيه على إلحاق ما لا يناسب منها باللقب. لا جرم أن ابن الحاجب نقل عنه أنه يدل ولا يمكن حمل كلام المصنف في النقل عن إمام الحرمين على ما لا يناسب؛ لأنه نقل الخلاف عنه في مثل سائمة الغنم مع أنه مناسب. قوله: "لنا" أي: الدليل على أنه حجة ثلاثة أوجه, الأول: أن المتبادر إلى الفهم من قوله ﷺ : "مطل الغني ظلم" أن مطل الفقير ليس بظلم, وإذا ثبت ذلك في العرف ثبت أيضا في اللغة؛ لأن الأصل عدم النقل لا سيما وقد صرح به في هذا الحديث أبو عبيدة وهو من أئمة اللغة المرجوع إليهم. وكذلك أيضا يتبادر إلى الفهم من قولهم: الميت اليهودي لا يبصر, أن غيره يبصر ولهذا يسخرون من هذا الكلام ويضحكون منه. الثاني: أن تخصيص الوصف بالذكر يستدعي فائدة لأن تخصيص آحاد البلغاء يستدعي ذلك الشارع أولى, وتخصيص الحكم به فائدة محققة، والأصل عدم غيرها من الفوائد، فإن الكلام فيما إذا لم يظهر للتخصيص فائدة أخرى كما تقدم, فتعين ما قلناه وهو تخصيص الحكم، فإن قيل: لو صح هذا الدليل لكان مفهوم اللقب حجة لجريانه بعينه, قلنا: للقب فائدة أخرى وهي تصحيح الكلام؛ لأن الكلام بدون غير مفيد بخلاف الصفة. الثالث: ترتيب الحكم على الوصف يشعر بالعلية أي: يكون الوصف علة لذلك الحكم كما ستعرفه في القياس فيكون السوم مثلا علة للوجوب، والأصل عدم علة أخرى، وحينئذ ينتفي الحكم بانتفاء تلك الصفة؛ لأن المعلول يزول بزوال علته. قوله: "قيل: لو دل لدل" أي: استدل الخصم بوجهين أحدهما: أن تعليق الحكم على صفة من الصفات لو دل على نفي الحكم عما عدا تلك الصفة لدل إما مطابقة أو تضمنا أو التزاما؛ لأن الدلالة منحصرة

стр. 183

في هذه الثلاثة لكنه لا يدل. أما المطابقة والتضمن فواضح لأن نفي الحكم عما عدا المذكور ليس هو عين إثبات الحكم في المذكور حتى يكون مطابقة لا جزأه حتى يكون تضمنا. وأما الالتزام فلأن شرطه سبق الذهن من المسمى إليه وقد يتصور السامع إيجاب الزكاة في السائمة مع غفلته عن المعلوفة وعن عموم وجوب زكاتها, وقد أهمل المصنف ذكر التضمن فقال: إما مطابقة أو التزاما ولقائل أن يجيب بأن الالتزام صادق عليه؛ لأن تصور الكل مستلزم لتصور جزئه كما أنه مستلزم لتصور لازمه، وأجاب المصنف بأنه يدل بالالتزام لما ثبت أن ترتيب الحكم على الوصف يشعر بالعلية، أي: بكونه علة, يستلزم انتفاء المعلول المساوي، والمراد بالمساوي أن لا يكون له علة أخرى غير هذه العلة، واحترز بذلك عما يكون له علة أخرى كالحرارة المعلولة للنار تارة وللشمس أخرى, إذ لو كان له علة أخرى لكان يثبت بالعلة الأولى، ويثبت بدونها فيكون أعم منها, والعلة أخص والأعم لا ينتفي بانتفاء الأخص, وحينئذ فلا يلزم انتفاء هذه العلة انتفاء المعلول لجواز ثبوته مع العلة الأخرى. الثاني: قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ﴾ [الإسراء: ٣١] فإنه لو كان كما قلنا لكان في الآية دليل على جواز القتل عند انتفاء خشية الإملاق وهو الفقر, وليس كذلك بل هو حرام, وجوابه أن هذا غير المدعى؛ لأن مدعانا أنه يدل حيث لا يظهر للتخصيص فائدة أخرى كما تقدم هنا له فائدتان, إحداهما: أنه الغالب من أحوالهم أو الدائم. والثاني: أنه يدل على المسكوت عنه بطريق الأولى. قال: "الخامسة: التخصيص بالشرط مثل: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ [الطلاق: ٦] فينتفي المشروط بانتفائه قيل: تسمية إن حرف شرط اصطلاح قلنا: الأصل عدم النقل، قيل: يلزم ذلك لو لم يكن للشرط بدل قلنا: حينئذ يكون الشرط أحدهما وهو غير المدعى ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [النور: ٣٣] ليس كذلك قلنا: لا نسلم بل انتفاء الحرمة لامتناع الإكراه. السادسة: التخصيص بالعدد لا يدل على الزائد, والناقص". أقول: تعليق الحكم على الشيء بكلمة إن أو غيرها من الشروط اللغوية كقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [الطلاق: ٦] فيه أمور أربعة: ثبوت المشروط عند ثبوت الشرط, ودلالة إن عليه, وعدم المشروط عند عدم الشرط, ودلالة إن عليه؛ فالثلاثة الأول لا خلاف فيها, وأما الرابع وهو دلالة إن على العدم فهو محل الخلاف. والصحيح عند المصنف أنها عليه وهو الصحيح عند الإمام وأتباعه، وهو مقتضى اختيار ابن الحاجب ونقله ابن التلمساني عن الشافعي, ودليله أن النحاة قد نصوا على أنها للشرط ويلزم من انتفاء الشرط انتفاء المشروط. وذهب القاضي أبو بكر وأكثر المعتزلة إلى أنها لا تدل عليه بل هو منفي بالأصل, واختاره الآمدي ونقله ابن التلمساني عن مالك وأبي حنيفة, واعترضوا على الدليل السابق بثلاثة أوجه أحدها: أن تسمية حرف شرط

стр. 184

إنما هو اصطلاح للنحاة كاصطلاحهم على النصب والرفع وغيرهما، وليس ذلك مدلولا لغويا فلا يلزم من انتفائه انتفاء الحكم وجوابه إنما نستدل باستعمالها الآن للشرط على أنها في اللغة كذلك؛ إذ لو لم تكن لكانت منقولة عن مدلولها، والأصل عدم النقل, وهذا الجواب ينفع في كثير من المباحث. الثاني: أنه شرط لغة لا نسلم أنه يلزم من انتفائه انتفاء المشروط فإنه يكون له بدل يقوم مقامه وإنما يلزم ذلك أن لو لم يكن له بدل, والجواب أنه إذا وجد ما يقوم مقامه لم يكن ذلك الشيء بعينه شرطا، بل الشرط أحدهما، وحينئذ فيتوقف انتفاؤه على انتفائهما معا؛ لأن مسمى أحدهما لا يزول على أنه شرط بعينه. الثالث: ولو كان المتعلق بأن ينتفي عند انتفاء ما دخلت عليه إن لكان قوله تعالى: ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [النور: ٣٣] دليلا على أن الإكراه لا يحرم إذا لم يردن التحصن وليس كذلك بل هو حرام مطلقا قلنا: لا نسلم أنه ليس كذلك أي لا نسلم أن الحرمة غير منتفية عنه بل هو غير حرام, ولكنه غير جائز, فإن عدم حرمته لا يستلزم جوازه؛ لأن زوالها قد يكون لطرآن الحل وقد يكون لامتناع وجوده عقلا لأن السالبة تصدق بانتفاء المحمول تارة والموضوع أخرى، وههنا قد انتفى الموضوع لأنهن إذا لم يردن التحصن فقد أردن البغاء, وإذا أردن البغاء امتنع إكراههن عليه؛ لأن الإكراه هو إلزام الشخص شيئا على خلاف مراده, وإذا كان ممتنعا فلا تتعلق به الحرمة؛ لأن المستحيل لا يجوز للتكليف به. المسألة السادسة: الحكم المتعلق بعدد لا يدل بمجرده على حكم الزائد والناقص عنه لا نفيا ولا إثباتا، ومنهم من قال: يدل ونقله الغزالي في المنحول عن الشافعي فقال في كتاب المفهوم ما نصه: وأما الشافعي فلم ير للتخصيص باللقب مفهوما ولكنه قال بمفهوم التخصيص بالصفة والزمان والمكان والعدد, وأمثلته لا تخفى, هذا لفظه ونص عليه في البرهان أيضا فقال: إن الشافعي والجمهور يقولون بهذه الأشياء وضم إلى ذلك أيضا مفهوم الحد يعني الغاية. قال في المحصول: وقد يدل عليه لدليل منفصل كما إذا كان العدد علة لعدم أمر فإنه يدل على امتناع ذلك الأمر في الزائد أيضا لوجود العلة, وعلى ثبوته في الناقص لانتفائها كقوله ﷺ : "إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثًا" ١ وكذلك إن لم يكن علة، ولكن أحد العددين إما الزائد أو الناقص داخل في العدد المذكور على كل حال, كما إذا كان الحكم حظرا أو كراهة, فإنه يدل على ثبوته في الزائد, فإن تحريم جلد المائة مثلا أو كراهته يدل على ذلك في المائتين, ولا يدل على شيء في الناقص عن المائة فإن كان الحكم وجوبا أو ندبا أو إباحة فإنه يدل على ثبوت ذلك الحكم في الناقص ولا يدل في الزائد لا على نفيه ولا على إثباته. وهذه المسألة لم يذكر ابن الحاجب حكمها وقد ذكره الآمدي موافقا لما قاله الإمام والمصنف.

стр. 185

قال: "السابعة: النص إما أن يستقل بإفادة الحكم أو لا, المقارن له إما نص آخر مثل دلالة قوله تعالى: ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ [طه: ٩٣] مع قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ [الجن: ٢٣] على أن تارك الأمر يستحق العقاب ودلالة قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] مع قوله: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر أو إجماع كالدال على أن الخالة بمثابة الخال في إرثها إذا دل نص عليه". أقول: قد تقدم أن الخطاب قد يدل على الحكم بمنطوقه, وقد يدل بمفهومه. قال الإمام: والكلام في هذه المسألة فيما إذا لم يدل بمنطوقه ولا مفهومه، وحاصله أن النص المستدل به على حكم قد يستقل بإفادة ذلك الحكم أي: لا يحتاج إلى أن يقارنه غيره كقوله تعالى: ﴿وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] ونحوه وقد يحتاج إليه, والمقارن له قد يكون نصا وقد يكون إجماعا, فإن كان نصا فله صورتان إحداهما: أن يدل أحد النصين على إحدى المقدمتين والنص الآخر على المقدمة الأخرى, فيحصل المدعى منهما كدلالة قوله تعالى: ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ مع قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية على أن تارك الأمر يستحق العقاب فإن الآية الأولى دالة على أنه يسمى عاصيا, والثانية دالة على استحقاق العاصي العقاب فينتج تارك الأمر يستحق العقاب. الصورة الثانية: أن يدل أحد النصين على ثبوت حكم لشيئين ويدل النص الآخر على أن بعض ذلك لأحدهما فوجب القطع بأن باقي الحكم ثابت. الثاني: كقوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ فهذا يدل على أن مدة الحمل والرضاع ثلاثون شهرا, وقوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ الآية تدل على أن أكمل مدة الرضاع سنتان, فيلزم أن يكون أقل مدة الحمل ستة أشهر. وأما الإجماع فكما إذا دل نص على أن الخال يرث وأجمعوا على أن الخالة بمثابته فنستفيد إرثها من ذلك النص بواسطة الإجماع، وذكر الإمام في المحصول أن المقارن قد يكون أيضا قياسا كإثبات الربا في التفاح وقد يكون قرينة المتكلم كما إذا نطق الشارع بلفظ متردد بين حكم شرعي وعقلي, فإنا نحمله على الشرعي لأن النبي ﷺ بعث لبيان الشرعيات مثال قوله: "الاثنان فما فوقهما جماعة" ١ فنحمله على جماعة الصلاة لا على أقل الجمع "والله أعلم".

стр. 186

الباب الثاني: في الأوامر والنواهي الفصل الأول: في لفظ الأمر ... الجزء الثاني: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الباب الثاني: في لفظ والنواهي الفصل الأول: في لفظ الأمر الباب الثاني: في الأوامر والنواهي: وفيه فصول: "الأول: في لفظ الأمر وفيه مسألتان, الأولى: أنه حقيقة في القول الطالب للفعل واعتبرت المعتزلة العلو وأبو الحسين الاستعلاء ويفسدهما قوله تعالى حكاية عن فرعون: ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ [الشعراء: ٣٥] فليس حقيقة في غيره دفعا للاشتراك، وقال بعض الفقهاء: إنه مشترك بينه وبين الفعل؛ لأنه يطلق عليه مثل: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ﴾ [القمر: ٥٠] ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ [هود: ٩٧] والأصل في الإطلاق الحقيقة قلنا: المراد الشأن مجازا. البصري إذا قيل: أمر فلان ترددنا بين القول والفعل والشيء والصفة والشأن، وهو آية الاشتراك قلنا: لا بل يتبادر القول". أقول: الأمر والنهي وزنهما فعل والقياس في جمعه أفعل لا فواعل, سواء كان صحيحا أو متصلا بالواو أو بالياء. قالوا: كلب وأكلب ودلو وأدل وظبي وأظب، وأصله: أدلو وأظبي, فقلبوا الضمة كسرة والواو ياء فصار ذلك كقاضٍ وغازٍ، فالقياس هنا أمر ونهي, لكنهم قالوا: أوامر ونواهٍ. قال الجوهري: وأمرته بكذا أمرا, والجمع الأوامر هذا لفظه، وتخريجه من وجهين أحدهما: أن يكون الأمر قد جمع على قياسه وهو آمر على وزن أفعل, ثم جمع آمر على أوامر ككلب وأكلب وأكالب فعلى هذا وزنه أفاعل، وهذا لا يأتي في نواهٍ فإن النون فاء الكلمة فنجعله من باب المجانسة كقولهم: الغدايا والعشايا, فإن جمع العشية عليه مقيس كسرية وغزية، وأما الغدو فللمجانسة. الثاني: أنه يصدق على الصيغة أنها طالبة وآمرة وناهية كما سيأتي, فيكونان جمعا لها وهو مقيس كضاربة وضوارب ووزنها على هذا فواعل. واعلم أن الأمر والنهي يطلقان عند الأشاعرة على اللساني، وعلى النفساني أيضا وهو الطلب، وعبر الإمام عنه بالترجيح، واختلفوا: هل هو حقيقة فيهما أم لا؟ فنقل الإمام في المحصول والمنتخب في أول اللغات عن المحققين هنا أن الكلام بأنواعه مشترك بينهما, واقتصر عليه، وصحح هنا في الكتابين المذكورين أيضا أنه حقيقة في اللساني فقط، ورأي الأشعري الظاهر كما قال في البرهان أنه حقيقة في النفساني فقط، وقال في جواب المسائل البصرية: إنه حقيقة في اللساني أيضا، وكلام المصنف إنما هو تعريف اللساني، فإن النفساني هو نفس الطلب كما تقدم مبسوطا في آخر خطاب

стр. 187

المعدوم، ولأن أبا الحسين من المتكلمين في هذه المسألة كما سيأتي، وهو منكر لكلام النفس وهذان الأمران يدلان على أن الكلام عند المصنف حقيقة في اللساني فقط. وقوله: "في لفظ الأمر" أي: في لفظ ألف ميم راء لا في مدلولها, وهو أفعل، وفي نفس الطلب، وهذا اللفظ يطلق مجازا على الفعل والشأن وغيرهما مما سيأتي, وحقيقة على ما ذكره المصنف لتبادر الفهم إليه، فعلى هذا مسمى الأمر لفظ وهو صيغة أفعل، ومسمى صيغة أفعل هو الوجوب أو الندب أو غيرهما مما سيأتي. فقوله: القول يدخل فيه الأمر وغيره سواء كان بلغة العرب أم لا, وسواء كان نفسانيا أم لا كما صرح به الأصفهاني شارح المحصول قيل: الكلام على الحدود المربعة وهو أولى من اللفظ لأنه جنس بعيد لإطلاقه على المهمل, والمستعمل بخلاف القول؛ لأن الكلام أخص من القول أيضا لإطلاقه على المفرد والمركب، وبخلاف الكلام. فالصواب التعبير به؛ لأن لفظ الأمر وإن كان مفردا فمدلوله لفظ مركب مفيد فائدة خاصة, واستفدنا من التعبير بالقول أن الطلب بالإشارة والقرائن المفهمة لا يكون أمرا حقيقة. وقوله: "الطالب" احترز به عن الخبر وشبهه، وعن الأمر النفساني فإنه هو الطلب لا الطالب، وهذا التقرير هو الصواب فاعتمده, لكن الطالب حقيقة إنما هو المتكلم وإطلاقه على الصيغة مجازا من باب تسمية المسبب باسم سببه الفاعلي. وقوله: للفعل احترز به عن النهي, فإنه قول طالب للترك، ولقائل أن يقول: النهي قول طالب للفعل أيضا ولكن فعل الضد، وسيأتي في كلامه حيث قال: مقتضى النهي فعل الضد ولهذا قيده ابن الحاجب بقوله: طلب فعل غير كف؛ لأن الفعل المطلوب بالنهي هو الكف عن المنهي عنه, والكف فعل على الصحيح. وأيضا فيرد على الحد قول القائل: أنا طالب منك كذا, أو أوجبته عليك، وإن تركته عاقبتك، فإن الحد صادق عليه مع أنه خبر فلا بد أن يقول بالوضع أو بالذات كما ذكره في تقسيم الألفاظ، وقد زاد في المحصول قيدا آخر فقال قبل المسألة الثالثة: إن الحق في حده أن يقال: هو اللفظ الدال على الطلب المانع من النقيض لما سيأتي أن الأمر حقيقة في الوجوب, وتبعه عليه صاحب الحاصل وغيره، والصواب ما قاله المصنف؛ فإن الذي سيأتي أنه حقيقة في الوجوب إنما هو صيغة أفعل. وكلامنا الآن في لفظ الأمر فهما مسألتان وقد صرح بالفرق بينهما الآمدي وابن الحاجب، فأما ابن الحاجب فإنه صحح في أوائل الكتاب أن المندوب مأمور به ولم يحك الخلاف إلا عن الكرخي والرازي. ثم ذكر بعد ذلك في الأوامر أن الجمهور على أن صيغة أفعل حقيقة في الوجوب وهذا هو عين كلام المصنف, ولا يمكن أن يكون مراد ابن الحاجب بالكلام الأول الإطلاق المجازي, فإنه مما لا خلاف فيه كما نقله الآمدي هنا. وأما الآمدي فإنه نقل في أوائل الكتاب عن القاضي أنه مأمور به واقتضى كلامه ترجيحه، ونقل هنا عنه التوقف في صيغة أفعل وصححه فدل على المغايرة قطعا. قوله: "واعتبر المعتزلة" أي: شرطوا في

стр. 188

حد الأمر العلو دون الاستعلاء، وتابعهم الشيخ أبو إسحاق الشيرازي١، ونقله القاضي عبد الوهاب في الملخص عن أهل اللغة وجمهور أهل العلم واختاره، والعلو هو أن يكون الطالب أعلى مرتبة, فإن كان مساويا فهو التماس, فإن كان دونه فهو سؤال, وشرط أبو الحسين الاستعلاء دون العلو, والاستعلاء هو الطلب لا على وجه التذلل بل بغلظة ورفع صوت وقد تقدم إيضاح هذا في تقسيم الألفاظ. وحاصله أن العلو هيئة في المتكلم، والاستعلاء هيئة في الكلام, واشتراط الاستعلاء صححه الآمدي في الأحكام ومنتهى السول٢ ثم ابن الحاجب، وقال في المحصول قبيل المسألة الثالثة: إنه الصحيح وصححه أيضا في المنتخب وجزم به في المعالم, لكنه ذكر في المحصول أيضا بعد ذلك بأوراق في أوائل المسألة الخامسة ما حاصله: أن لا يشترط. واحتج أبو الحسين ومن تبعه بأن المتضرع لا يصدق عليه أنه آمر بخلاف المستعلي؛ ولهذا يذمونه لكونه يأمر من هو أعلى منه، ولقائل أن يقول: الذم لمجرد الاستعلاء, ثم إن الاستعلاء غير متحقق في أمر الله تعالى فماذا يقولون فيه؟ وشرط القاضي عبد الوهاب العلو والاستعلاء معا. والعلم أن أبا الحسين قد نص في المعتمد على أن الشرط هو انتفاء التدليل وهو غير ما في الكتاب. وقوله: "ويفسدهما" أي: يفسد اشتراط العلو والاستعلاء قوله تعالى حكاية عن فرعون لقومه: ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ فأطلق الأمر على ما يقولونه عند المشاورة ومن المعلوم انتفاء العلو والاستعلاء. أما العلو فواضح، وأما الاستعلاء فلوقوعه في حال المشاورة ولاعتقادهم الإلهية في فرعون. ولك أن تقول: هذا يدل على أن الأمر في تلك اللغة لا يشترط فيه علو ولا استعلاء. أما في لغة العرب فلا وقد قدم المصنف في تقسيم الألفاظ ما يناقض هذا حيث قال: ومع الاستعلاء أمر, فإن التقسيم في الموضعين في مدلولات الألفاظ من جهة اللغة وقد تقدم التنبيه عليه. وقوله: "فليس حقيقة في غيره" لما ثبت أن لفظ الأمر حقيقة في القول المخصوص ذكر المصنف أنه لا يكون حقيقة في غيره أيضا، إذ لو كان لكان مشتركا، والأصل عدمه, وقال بعض الفقهاء: إنه مشترك بين القول المخصوص والفعل، ونقل الأصفهاني شارح المحصول عن ابن برهان أنه قول كافة العلماء، ودليل هذا المذهب أنه يطلق عليه كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ﴾ ﴿القمر: ٥٠] أي: فعلنا؛ لأن الأمر القولي مختلف صيغة ومدلولا, ولقوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ [هود: ٩٧] أي: فعله، والأصل في الإطلاق

стр. 189

الحقيقة، وجوابه أن المراد بالأمر هنا هو الشأن مجازا وهو أولى من الاشتراك، ووجه المجاز أن الشأن أعم من القول والفعل، فالتعبير عنه بالقول من باب إطلاق اسم الخاص وإرادة العام، وقال أبو الحسين البصري: إنه مشترك بين خمسة أشياء, أحدها: القول المخصوص لما قلنا. الثاني: الشيء كقولنا: تحرك هذا الجسم لأمر, أي لشيء. الثالث: وقد أبدله الإمام في بعض المواضع بالعرض ودليله قول الشاعر: عزمت على إقامة ذي صباح ... لأمر ما يسود من يسود أي: لصفة عظيمة من الصفات. الرابع: الشأن كقولنا: أمر فلان مستقيم أي: شأنه. الخامس: الفعل وقد تقدم تمثيله، فإذا تجرد عن القرائن كقول القائل: أمر فلان أو هذا أمر ترددنا بين هذه الخمسة، والتردد آية الاشتراك أي: علامته, وجوابه أنا لا نسلم حصول التردد بل يتبادر القول، وههنا تنبيهان: أحدهما: أن ما نقله المصنف عن أبي الحسين من كون الأمر موضوعا للفعل بخصوصه حتى يكون مشتركا, غلط في المنتخب والتحصيل وبعض كتب القرافي, فقد نص أبو الحسين في المعتمد وشرح العمد على أنه ليس موضوعا له، وإنما يدخل في الشأن، فقال مجيبا عن احتجاج الخصم ما نصه: وجوابنا عن هذا أن اسم الأمر ليس يقع على الفعل من حيث هو فعل لا على سبيل الحقيقة ولا على سبيل المجاز، وإنما يقع على جملة الشأن حقيقة، هذا لفظه وممن نقله عنه الأصفهاني شارح المحصول ووقع في المحصول والحاصل على الصواب, فإنهما حذفا القول. الثاني: أن أبا الحسين في شرح العمد قد جعل الطريق والشأن شيئا واحدا كما نقله عنه الأصفهاني المذكور؛ فلذلك لم يذكره المصنف اكتفاء بدخوله في الشأن، وقد غاير بينهما صاحب التحصيل والقرافي لإبهام في كلام الإمام. قال: "الثانية: الطب بديهي التصور، وهو غير العبارات المختلفة والإرادة خلافا للمعتزلة. لنا أن الإيمان من الكافر مطلوب وليس بمراد لما عرفت، وأن الممهد لعذره في ضرب عبده يأمره ولا يريد, واعترف أبو علي وابنه بالتغاير، وشرطا الإرادة في الدلالة ليتميز عن التهديد، قلنا: كونه مجازا كافٍ". أقول: شرع في الفرق بين الطلب والإرادة والصيغة لتعلق الأمر بها، ولأن الطلب مشتبه بالباقين، وقد وقع في حد الأمر حيث قال: هو القول الطالب للفعل، فلذلك ذكر الثلاثة, فأما الطلب فإن تصوره بديهي أي: لا يحتاج في معرفته إلى تعريف بحد أو رسم كالجوع والعطش وسائر الوجدانيات, فإن من لم يمارس العلوم ولم يعرف الحدود والرسوم يأمر وينهى ويدرك تفرقة ضرورية بينهما، ولك أن تقول: التفرقة البديهية لا تتوقف على العلم البديهي بحقيقة كل واحد منهما، بل على العلم البديهي بهما من وجه بدليل أنا نفرق بالبديهة بين الإنسان والملائكة. وقوله: "وهو" أي: الطلب غير العبارات وغير الإرادة, أما مغايرته للعبارات فلأن الطلب معناه واحد لا يختلف باختلاف الأمم، والعبارات مختلفة باختلاف اللغات، وأشار المصنف

стр. 190

بقوله: المختلفة إلى هذا وليس لإخراج شيء، ولو قال: لاختلافهما لكان أصرح، وأما مغايرته للإرادة فقد خالف فيه المعتزلة، وقالوا: إنه هو. و"الحاصل" أن الأمر اللساني دال على الطلب بالاتفاق, لكن الطلب عندنا غير الإرادة وعندهم عينها, أي: لا معنى لكونه طالبا إلا كونه مريدا، والتزموا أن الله تعالى يريد الشيء ولا يقع، ويقع وهو لا يريده. قوله: "لنا" أي: الدليل على أن الطلب غير الإرادة من وجهين: أحدهما: أن الإيمان من الكافر الذي علم الله تعالى أنه لا يؤمن كأبي لهب, مطلوب بالاتفاق، مع أنه ليس بمراد الله تعالى؛ لأن الإيمان والحالة هذه ممتنع إذ لو آمن لانقلب علم الله تعالى جهلا, وإذا كان ممتنعا فلا تصح إرادته بالاتفاق منا ومنهم كما قال في المحصول١. قال: ولأن الإرادة صفة من شأنها ترجيح أحد الجائزين على الآخر, وقد أشار المصنف إلى هذا الدليل بقوله: لما عرفت ولم يتقدم له في المنهاج ذكر، وقد قرره كثير من الشراح على غير هذا الوجه، فإنهم استدلوا على عدم إرادته بعدم وقوعه، وهذا مصادرة على المطلوب كما تقدم. الثاني: أن السلطان إذا أنكر على السيد ضرب عبده فاعتذر إليه بأنه يأمره فلا يمتثل، ثم يأمره بين يديه إظهارًا لتمرده فإن هذا الأمر لا إرادة معه؛ لأن العاقل لا يريد تكذيب نفسه، ولقائل أن يقول: العاقل أيضا لا يطلب تكذيب نفسه، فلو كان هذا الدليل صحيحا لكان الأمر ينفك عن الطلب، وليس كذلك عند المصنف, فالموجود من السيد إنما هو صيغة الأمر لا حقيقة الأمر, واستدل الشيخ أبو إسحاق في شرح اللمع بأن الدَّيْن الحالّ مأمور بقضائه ولو حلف ليقضينه غدا إن شاء الله تعالى فإنه لا يحنث، فدل على أن الله تعالى ما شاءه فثبت الأمر بدون المشيئة. وقوله: "واعترف أبو علي وابنه" أي: أبو هاشم بأن الطلب غير الإرادة ولكن شرطا في دلالة الصيغة على الطلب إرادة المأمور به فلا يوجد الأمر الذي هو الطلب إلا ومعه الإرادة، وتابعهما أبو الحسين والقاضي عبد الجبار. قال ابن برهان: لنا ثلاث إرادات: إرادة إيجاد الصيغة وهي شرط اتفاقا، وإرادة صرف اللفظ عن غير جهة الأمر إلى جهة الأمر شرطها المتكلمون دون الفقهاء، وإرادة الامتثال وهي محل النزاع بيننا وبين أبي علي وابنه وقد ذكر هذه الثلاث أيضا الإمام والغزالي وغيرهما، واحتج أبو علي ومن تبعه على اشتراط الإرادة بأن الصيغة كما ترد للطلب فقد ترد للتهديد كقوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠] مع أن التهديد ليس فيه طلب فلا بد من مميز بينهما ولا مميز سوى الإرادة، والجواب أن الصيغة لو كانت مشتركة لاحتيج إلى مميز لكنها حقيقة في الوجوب، مجاز في التهديد فإذا أوردت فيجب الحمل على المعنى الحقيقي عند عدم القرينة الصارفة إلى غيره؛ لأن دلالة الألفاظ على المعاني تابعة الموضع فحيث ثبت الوضع ثبتت الدلالة كسائر الألفاظ، فهذا القدر وهو كونه حقيقة في الإيجاب, مجازا في التهديد كافٍ في التمييز. قال:

стр. 191

الفصل الثاني: في صيغته "الفصل الثاني: في صيغته وفيه مسائل؛ الأولى: أن صيغة افعل ترد لستة عشر معنى, الأول: الإيجاب مثل: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [البقرة: ١١٠] الثاني: الندب ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾ [النور: ٣٣] ومنه التأديب: " كل مما يليك" الثالث: الإرشاد: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢] الرابع: الإباحة ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ [البقرة: ١٨٧] الخامس: التهديد ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠] ومنه الإنذار ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا﴾ [إبراهيم: ٣٠] السادس: الامتنان ﴿وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٨٨] السابع: الإكرام ﴿ادْخُلُوهَا﴾ [الحجر: ٤٦] الثامن: التسخير ﴿كُونُوا قِرَدَةً﴾ [البقرة: ٦٥] التاسع: التعجيز ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ﴾ [يونس: ٣٨] العاشر: الإهانة ﴿ذُقْ﴾ [الدخان: ٤٩] الحادي عشر: التسوية ﴿فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا﴾ [الطور: ١٦] الثاني عشر: الدعاء "اللهم اغفر لي" الثالث عشر: التمني: ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي ... ............................. الرابع عشر: الاحتقار ﴿بَلْ أَلْقُوا﴾ [طه: ٦٦] الخامس عشر: التكوين ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [ياسين: ٨٢] السادس عشر: الخبر "فاصنع ما شئت" وعكسه ﴿الْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣] قال ﷺ : "لا تنكح المرأةُ المرأةَ" "١. أقول: لما تقدم أن الأمر هو القول الطالب للفعل, شرع في ذكر صيغته وهي افعل ويقوم مقامها اسم الفعل, والمضارع المقرون باللام والضمير في صيغته إما عائد إلى الأمر أو إلى القول الطالب وهو الأقرب. وهذه الصيغة ترد لستة عشر معنى يمتاز بعضها عن بعض بالقرائن, وقال في المحصول: لخمسة عشر، وجعل السادس عشر مسألة مستقلة, وسيأتي أن إطلاقها على ما عدا الإيجاب من هذه المعاني مجاز, والمجاز لا بد فيه من علاقة وسنذكر ذلك محررا في موضعه فاعتمده فإن بعض شراح المحصول قد تعرض لذلك فغلط في كثير منه غلطا إلا يظهر بالتأمل، الأول: الإيجاب كقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاة﴾ [البقرة: ١١٠] والثاني: الندب كقوله تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾ "ومنه" أي: ومن الندب "التأديب" كقوله ﵊: "كل مما يليك" ٢ فإن الأدب مندوب إليه وعبارة المحصول يقرب منه، وإنما نص على أنه منه؛ لأن الإمام قد نقل عن بعضهم أنه جعله قسما آخر, والفرق بينهما هو الفرق ما بين العام والخاص؛ لأن الأدب متعلق بمحاسن الأخلاق والمندوب أعم, وقد نص الشافعي ﵁ على أن الأكل مما لا يليه حرام. ذكر ذلك في الربع الأخير من كتاب الأم في باب صفة نهي النبي ﷺ ، وهو بعد باب من أبواب الصوم, وقيل: باب من أبواب إبطال الاستحسان، فقال ما نصه: فإن أكل مما لا يليه، ومن رأس الطعام، أو عرس على قارعة الطريق، أي: برك ليلا أثم بالفعل الذي فعله إذا كان عالما بما نهى النبي ﷺ .

стр. 192

وهذا لفظ الشافعي بحروفه ومن الأم نقلته, ونص في البويطي في الباب المذكور على نحوه أيضا، وكذلك في الرسالة قبيل باب أصل العلم. الثالث: الإرشاد كقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ﴾ وقوله تعالى: ﴿فَاكْتُبُوهُ﴾ والفرق بين الندب والإرشاد على ما قاله في المحصول تبعا للمستصفى أن المندوب مطلوب لثواب الآخرة, والإشارد لمنافع الدنيا إذ ليس في الإشهاد على البيع ولا في تركه ثواب, والعلاقة التي بين الواجب وبين المندوب والإرشاد هي المشابهة المعنوية لاشتراكها في الطلب. الرابع: الإباحة كقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ﴾ هكذا قرره وفيه نظر، فإن الأكل والشرب واجبان لإحياء النفس, والصواب حمل كلام المصنف على إرادة قوله تعالى: ﴿كلوا من الطيبات﴾ ثم إنه يجب أن تكون الإباحة معلومة من غير الأمر حتى تكون قرينة لحمله على الإباحة كما وقع العلم به هنا والعلاقة هي الإذن, وهي مشابهة معنوية أيضا. الخامس: التهديد كقوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ﴾ [الإسراء: ٦٤] "ومنه" أي: ومن التهديد "الإنذار" كقوله تعالى: ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ﴾ وعبارة المحصول ويقرب منه, وإنما نص عليه لأن جماعة جعلوه قسما آخر, والفرق بينهما ما قاله الجوهري في الصحاح, فإنه ذكر في باب الدال أن التهديد هو التخويف، ثم ذكر في باب الراء أن الإنذار هو الإبلاغ ولا يكون إلا في التخويف, هذا كلامه، فقوله تعالى: ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا﴾ أمر بإبلاغ هذا الكلام المخوف الذي عبر عنه بالأمر وهو ﴿تَمَتَّعُوا﴾ فيكون أمرا بالإنذار. وقد فرق الشارحون بفروق أخرى لا أصل لها فاجتنبها، والعلاقة التي بينه وبين الإيجاب هي المضادة؛ لأن المهدد عليه إما حرام أو مكروه. السادس: الامتنان كقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ والفرق بينه وبين الإباحة أن الإباحة هي الإذن المجرد والامتنان أن يقترن به ذكر احتياجنا إليه، أو عدم قدرتنا عليه ونحوه, كالتعرض في هذه الآية إلى أن الله تعالى هو الذي رزقه، وفرق بعضهم بأن الإباحة تكون في الشيء الذي سيوجد بخلاف الامتنان والعلاقة هي مشابهة الإيجاب في الإذن؛ لأن الامتنان إنما يكون في مأذون فيه. السابع: الإكرام كقوله تعالى: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾ فإن قرينة قوله: ﴿بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾ يدل عليه والعلاقة هي المشابهة في الإذن أيضا. الثامن: التسخير كقوله تعالى: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ والفرق بينه وبين التكوين الآتي أن التكوين سرعة الوجود عن العدم وليس فيه انتقال من حالة إلى حالة, والتسخير هو الانتقال إلى حالة ممتهنة إذ التسخير لغة هو الذلة والامتهان في العمل, ومنه قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا﴾ [الزخرف: ١٣] أي: ذلله لنا لنركبه وقولهم: فلان سخره السلطان، والبارئ تعالى خاطبهم بذلك في معرض التذليل، والعلاقة فيه وفي التكوين هي المشابهة المعنوية، وهي التحتم في وقوع هذين، وفي فعل الواجب. وقد يقال: العلاقة فيهما هو الطلب

стр. 193

والتعبير بالتسخير صرح به القفال في كتاب الإشارة ثم الغزالي في المستصفى ثم الإمام وأتباعه. وادعى بعض الشارحين أن الصواب السخرية وهي الاستهزاء, ومنه قوله تعالى: ﴿لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ﴾ [الحجرات: ١١] هذا عجيب, فإن فيه ذهولا عن المدلول السابق الذي ذكرته وتغليظا لهؤلاء الأئمة، وتكرارا لما يأتي, فإن الاستهزاء لا يخرج عن الإهانة أو الاحتقار وكلاهما سيأتي، والتاسع: التعجيز كقوله تعالى: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ﴾ والعلاقة بينه وبين الإيجاب هي المضادة؛ لأن التعجيز إنما هي من الممتنعات، والإيجاب في الممكنات. العاشر: الإهانة كقوله تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ والعلاقة فيه وفي الاحتقار هو المضادة؛ لأن الإيجاب على العباد تشريف لهم لما فيه من تأهيلهم لخدمته, إذ كل أحد لا يصلح لخدمة الملك ولما فيه من رفع درجاتهم, قال ﷺ : "وما تقرب إليّ المتقربون بمثل أداء ما افترضته". الحادي عشر: التسوية بين الشيئين كقوله تعالى: ﴿فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ﴾ وعلاقته هي المضادة أيضا؛ لأن التسوية بين الفعل والترك مضادة لوجوب الفعل. الثاني عشر: الدعاء كقول القائل: اللهم اغفر لي, والعلاقة فيه وفيما بعده ما عدا الأخير هو الطلب, وقد تقدم لبعضها علاقة أخرى. الثالث عشر: التمني كقول امرئ القيس: ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي ... بصبح, وما الإصباح منك بأمثل وإنما جعل المصنف هذا الشاعر متمنيا ولم يجعله مترجيا؛ لأن الترجي يكون في الممكنات، والتمني في المستحيلات, وليل المحب لطوله كأنه مستحيل الانجلاء؛ ولهذا قال الشاعر: وليل المحب بلا آخر فلذلك جعله متمنيا. الرابع عشر: الاحتقار كقوله تعالى حكاية عن موسى يخاطب السحرة: ﴿أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ يعني: أن السحر في مقابلة المعجزة حقير, والفرق بينه وبين الإهانة أن الإهانة إنما تكون بقول أو فعل, أو ترك قول أو ترك فعل, كترك إجابته, والقيام له عند سبق عادته, ولا يكون بمجرد الاعتقاد, فإن من اعتقد في شيء أنه لا يعبأ به ولا يلتفت إليه لا يقال: إنه احتقره ولا يقال: إنه أهانه, والحاصل أن الإهانة هي الإنكار كقوله تعالى: ﴿ذُقْ﴾ والاحتقار عدم المبالاة كقوله: بل ألقوا. الخامس عشر: التكوين كقوله تعالى: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ . السادس عشر: الخبر كقوله ﷺ : "إذا لم تستح فاصنع ما شئت" ١ أي صنعت ما شئت. وقيل: المعنى إذا لم تستح من شيء لكونه جائزا فاصنعه, إذ الحرام يستحيا منه بخلاف الجائز. قوله: "وعكسه" أي: إن الخبر قد يستعمل لإرادة الأمر كقوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ﴾ أي: ليرضعن قال في المحصول: والسبب في جواز هذا المجاز أن الأمر والخبر يدلان على وجود الفعل، وأراد أن بين المعنيين مشابهة في المعنى وهي المدلولية فلهذا يجوز إطلاق اسم أحدهما على الآخر، وقوله ﷺ : "ولا تنكح المرأة المرأة"

стр. 194

يعني أن الخبر قد يقع موقع النهي أيضا, كما يقع موقع الأمر كقوله ﷺ : "لا تنكح المرأة المرأة, ولا المرأة نفسها" فإن المراد منه النهي وصيغته صيغة الخبر لوروده مضموم الحاء, إذ لو كان نهيا لكان مجزوما مكسورا على أصل التقاء الساكنين. وأهمل المصنف عكس هذا القسم تبعا لصاحب الحاصل وقد ذكره الإمام ومثل له, لكن بمثال فيه نظر. قال: ووجه المجاز أن النهي وهذا الخبر النافي يدلان على عدم الفعل. قال: "الثانية: أنه حقيقة في الوجوب مجاز في الباقي، وقال أبو هاشم: إنه للندب وقيل: للإباحة وقيل: مشترك بين الوجوب والندب وقيل: للقدر المشترك بينهما وقيل: لأحدهما ولا نعرفه وهو قول الحجة، وقيل: مشترك بين الثلاثة، وقيل: بين الخمسة". أقول: اتفقوا على أن صيغة افعل ليست حقيقة في جميع المعاني المتقدمة؛ لأن التسوية مثلا ونحوها إنما استفدناها من القرائن لا من الصيغة. قال في المحصول: وإنما وقع الخلاف في الأحكام الخمسة التي هي: الإيجاب والندب والإباحة والكراهة والتحريم، ووجه دلالة افعل على الكراهة والتحريم أنها تستعمل في التهديد كما تقدم، والتهديد يستدعي ترك الفعل فيكون إما حراما أو مكروها, لكن دعوى الإمام حصر الاختلاف في الخمسة ممنوعة لما سيأتي في آخر المسألة, والخلاف الناشئ من هذه الخمسة كبير. وحكى المصنف منه ثمانية مذاهب تبعا للإمام، الأول: أنه حقيقة في الوجوب فقط, وصححه المصنف وابن الحاجب ونقله في المحصول عن أكثر الفقهاء والمتكلمين. وفي شرح اللمع للشيخ أبي إسحاق الشيرازي أنه الذي أملاه الأشعري على أصحاب أبي إسحاق الإسفرائيني ببغداد. ولكن هل يدل على الوجوب بوضع اللغة أم بالشرع؟ فيه مذهبان محكيان في شرح اللمع المذكور, والأول هو كونه بالوضع نقله في البرهان عن الشافعي. ثم اختار هو أنه بالشرع، وفي المستوعب قول ثالث أنه بالعقل، ولقائل أن يقول: قد جزم الإمام في المحصول والمنتخب في أثناء الاشتراك بأن الماضي مشترك بين الخبر والدعاء نحو: غفر الله لزيد، فلم يجعل الماضي حقيقة في الدعاء ولم يجعل الأمر حقيقة. الثاني: أنه حقيقة في الندب ونقله الغزالي في المستصفى والآمدي في كتابيه قولا للشافعي. ونقله المصنف عن أبي هاشم وليس مخالفا لما نقله عنه صاحب المعتمد كما ظنه بعض الشارحين فافهمه. الثالث: أنه حقيقة في الإباحة؛ لأن الجواز محقق والأصل عدم الطلب. الرابع: أنه مشترك بين الوجوب والندب وجزم به الإمام في المنتخب وكذلك صاحب التحصيل, كلاهما في أثناء الاشتراك. وهذا المذهب نقله الآمدي في منتهى السول عن الشيعة, ونقل في الأحكام عنهم أنه مشترك بينهما وبين الإرشاد. الخامس: أنه حقيقة في القدر المشترك بينهما وهو الطلب, وفي المستوعب للقيرواني والمستصفى للغزالي أن الشافعي نص على أن الأمر متردد بين الوجوب والندب, وهذا محتمل لهذا المذهب ولما قبله. السادس: أنه حقيقة في أحدها أي الوجوب أو الندب، ولكن لا يعرف هل هو حقيقة في الوجوب, مجاز في الندب

стр. 195

أو بالعكس؟ ونقله المصنف عن حجة الإسلام الغزالي تبعا لصاحب الحاصل، وليس كذلك فإن الغزالي نقل في المستصفى عن قوم أنه حقيقة في الوجوب فقط، وعن قوم أنه حقيقة في الندب فقط, وعن قوم أنه مشترك بينهما، قال: كلفظ العين، ثم نقل عن قوم التوقف بين هذه المذاهب الثلاثة, قال: وهو المختار، ونقله في المحصول عنه على الصواب. وقال في المنخول: وظاهر الأمر الوجوب وما عداه فالصيغة مستعارة فيه. هذا لفظه وهو مخالف لكلامه في المستصفى. السابع: أنه مشترك بين الثلاثة وهي: الوجوب والندب والإباحة, وقيل: إنه مشترك بينهما ولكن بالاشتراك المعنوي، وهو الإذن، حكاه ابن الحاجب. الثامن: أنه مشترك بين الخمسة وهذا محتمل لأمرين أحدهما: أن يكون مراده الخمسة المذكورة في كلامه أولا للقرينة إرادته في المذهب الذي قبله وهو الاشتراك بين الثلاثة؛ لأنه صرح به في بعض النسخ فقال: بين الخمسة الأول، فإن أراده فهو صحيح صرح به المعالمي والغزالي في المستصفى، قال ما نصه: فالوجوب والندب والإرشاد والإباحة والتهديد خمسة وجوه محصلة. ثم قال: فقال قوم: هو مشترك بين هذه الوجوه الخمسة كلفظ العين والقرء، هذا لفظه وترتيبه وهو ترتيب المصنف بعينه. والثاني: أن يكون مراده الأحكام الخمسة وهي عبارة الحاصل يعني الخمسة المعهودة وهي: الوجوب والندب والإباحة والكراهة والتحريم، وقد تقدم أن دلالتها على الكراهة والتحريم لكونها تستعمل في التهديد, والتهديد يستدعي ترك الفعل المنقسم إلى الحرام والمكروه، فإن أراد هذه الخمسة فهو صحيح أيضا صرح به الإمام في المحصول وذكره الآمدي في الأحكام بالمعنى ونقله إمام الحرمين في البرهان عن الشيخ أبي الحسن الأشعري فقال: ذهب الشيخ إلى التردد بين هذه الأمور، فقال قائلون: لكونه مشتركا، وقائلون: لكونه موضوعا لواحد منها ولا ندريه، هذا معنى كلامه ونقل ابن برهان في الوجيز عن الأشعري أنه مشترك بين الطلب والتهديد والتعجيز والإباحة والتكوين، وقد استفدنا من كلام المعالمي والغزالي أنه حقيقة في الإرشاد، وحكاه في الأحكام أيضا، واستفدنا من كلام ابن برهان أنه حقيقة في التعجيز والتكوين أيضا. والإمام نفى الخلاف عن ذلك كله كما تقدم, وذهب الأبهري في أحد أقواله على ما حكاه في المستوعب إلى أن أمر الله تعالى للوجوب، وأمر رسوله ﷺ للندب. وصحح الآمدي التوقف لكن بين الوجوب والندب والإرشاد كما صرح به في الأحكام لاشتمال الثلاثة على طلب الفعل ونفي ما عداها, وقد نقلت عن الشيعة مذاهب أخرى غير ما تقدم وكذلك عن الأشعري لكن اتفق جمهورهم على أن مذهبه التوقف بين أمور، ويعبر عنه أيضا بأن الأمر ليست له صيغة تخصه. وقال في البرهان: والمتكلمون من أصحابنا مجمعون على اتباعه في الوقت ولم يساعد الشافعي على الوجوب إلى الإسناد. قال: "لنا وجوه, الأول: قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: ١٢] ثم على ترك المأمور فيكون واجبا.

стр. 196

الثاني: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ [المرسلات: ٤٨] قيل: ذم على التكذيب قلنا: الظاهر أنه للترك والويل للتكذيب قيل: لعل هناك قرينة أوجبت قلنا: رتب الذم على ترك مجرد افعل. الثالث: أن تارك الأمر مخالف له كما أن الآتي به موافق والمخالف على صدد العذاب لقوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] قبل الموافقة اعتقاد حقيقة الأمر, فالمخالفة اعتقاد فساده. قلنا: ذلك لدليل الأمر لا له. قيل: الفاعل ضمير والذين مفعول، قلنا: الإضمار خلاف الأصل, ومع هذا فلا بد له من مرجع قيل: الذين ينسلون قلنا: هم المخالفون, فيكف يؤمرون بالحذر عن أنفسهم؟ وإن سلم فيضيع. قوله تعالى: ﴿أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ قيل: فليحذر لا يوجب قلنا: يحسن وهو دليل مقام المقتضى، قيل: عن أمره لا يعم قلنا: عام لجواز الاستثناء. الرابع: أن تارك الأمر عاصٍ لقوله تعالى: ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ [طه: ٩٣] ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦] والعاصي يستحق النار لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن: ٢٣] قيل: لو كان العصيان ترك الأمر لتكرر في قوله تعالى: ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦] قلنا: الأول ماض أو حال، والثاني: مستقبل قيل: المراد الكفار لقرينة الخلود قلنا: الخلود المكث الطويل. الخامس: أنه ﵊ احتج لذم أبي سعيد الخدري على ترك استجابته وهو يصلي بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ ". أقول: استدل المصنف على أن صيغة افعل حقيقة في الوجوب بخمسة أوجه, الأول: أن الله ذم إبليس على مخالفته قوله: ﴿اسْجُدُوا﴾ فقال: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ لأن هذا الاستفهام ليس على حقيقته, فإنه تعالى عالم بالمانع فتعين أن يكون للتوبيخ والذم وإذا ثبت الذم على ترك المأمور ثبت أن الأمر للوجوب, إذ لو لم يكن لكان لإبليس أن يقول: إنك ما ألزمتني ففيم الذم؟ وأيضا لو لم يكن لم يذم عليه؛ لأن غير الواجب لا يذم تاركه. الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ [المرسلات: ٤٨] أي: صلوا وتقريره كما قبله اعترض الخصم بأمرين أحدهما: لا نسلم أن الذم على ترك المأمور بل على تكذيب الرسل في التبليغ بدليل قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ١٩] قلنا: الظاهر أن الذم على الترك؛ لأنه مرتب عليه والترتيب مشعر بالعلية، والويل على التكذيب لما قلناه, وأيضا فلتكثير الفائدة في كلام الله تعالى وحينئذ فإن صدور الترك والتكذيب من طائفتين عذبت كل منهما على ما فعلته، وإن صدرا من طائفة واحدة عذبت عليهما معا، فإن الكافر عندنا يعاقب على الفروع كالأصول. الثاني: سلمنا أن الذم على الترك, لكن الصيغة تفيد الوجوب إجماعا عند انضمام قرينة إليها، فلعل الأمر بالركوع قد اقترن به ما يقتضي إيحاءه، وجوابه أن الله تعالى رتب الذم على مجرد افعل فدل على أنه منشأ الذم لا القرينة. الدليل الثالث: تارك الأمر أي: المأمور به مخالف لذلك الأمر؛ لأن الآتي بالمأمور به موافق له، والمخالف ضد الموافق فإذا ثبت

стр. 197

أن الآتي موافق ثبت أن التارك مخالف، والمخالف ضد الموافق فإذا ثبت أن الآتي موافق ثبت أن التارك مخالف، والمخالف للأمر على صدد العذاب لقوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] أمر الله مخالف أمره بالحذر عن العذاب بقوله: ﴿فَلْيَحْذَرِ﴾ والأمر بالحذر عنه إنما يكون بعد قيام المقتضي لنزوله وإذا ثبت المقدمتان ثبت أن تارك الأمر على صدد العذاب ولا معنى للوجوب إلا هذا. واعترض الخصم بأربعة أوجه مرتبة بالترتيب الجدلي, أحدها وهو اعتراض عن المقدمة الأولى: لا نسلم أن موافقة الأمر عبارة عن الإتيان بمقتضاه حتى ينتج ما قلتم, بل الموافقة عبارة عن اعتقاد حقية الأمر أي: كونه حقا صدقا واجبا قبوله, وعلى هذا فالمخالفة عبارة عن اعتقاد بطلانه وكذبه, لا ترك الأمر قلنا: فرق بين الأمر وبين الدليل الدال على أن ذلك الأمر حق وهو المعجزة الدالة على صدق الرسول, فاعتقاد حقية الأمر موافقة الدليل الدال على أن ذلك الأمر حق يجب قبوله له موافقة الأمر, فإن موافقة الشيء عبارة عما يستلزم تقرير مقتضاه, فإن دل على كون الشيء صدقا لدليل الأمر, فموافقته الشيء عبارة عما يستلزم تقرير مقتضاه, فإن دل على كون الشيء صدقا لدليل الأمر فموافقته هي اعتقاد الحقية وإن دل على إيقاع الفعل كالأمر فموافقته هي الإتيان بذلك الفعل. الثاني وهو اعتراض على المقدمة الثانية: لا نسلم أن الآية تدل على أنه تعالى أمر المخالفين بالحذر بل على أنه تعالى أمر بالحذر عن المخالفين فيكون فاعل قوله: ﴿فَلْيَحْذَرِ﴾ ضميرا و ﴿الَّذِينَ يُخَالِفُونَ﴾ مفعولا به وجوابه وجهين, أحدهما ولم يذكره في المحصول: أن الإضمار على خلاف الأصل. الثاني: أنه لا بد للضمير من اسم ظاهر يرجع إليه وهو مفقود هنا, فإن قيل: يعود على الذين يتسللون قلنا: الذين يتسللون هم المخالفون لأن المنافقين كان يثقل عليهم المقام في المسجد واستماع الخطبة, وكانوا يلوذون بمن يستأذن للخروج فإذا أذن له انسلوا معه, فنزلت هذه الآية وقيل: نزلت في المتسللين عن حفر الخندق, وإذا كنا سلمنا هذا لكن يلزم منه أن يصير التقدير: فليحذر الذين يتسللون منكم لو إذا الذين يخالفون وحينئذ يكون لفظ الحذر قد استوفى فاعله ومفعوله وليس هو مما يتعدى إلى مفعولين, فيصير قوله تعالى: ﴿أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ [النور: ٦٣] ضائعا ليس له تعلق بما قبله ولا بما بعده, فإن قيل: يكون مفعولا لأجله, فإن الحذر لأجل إصابة ذلك قلنا: أجاب بعضهم بأنه لو كان كذلك لوجب الإتيان باللام؛ لأنه غير متحد به في الفاعل؛ لأن الحذر هو فعل المتسللين والإصابة فعل الفتنة أو فعل الله تعالى. وهذا الجواب مردود, فإن القاعدة النحوية أنه لا يجب الإتيان بالجار إذا كان المجرور أنّ أو أن نحو عجبت من أنك قائم وعجبت من أن تقوم, فيجوز حذف من في الموضعين بل الجواب أنه لو كان مفعولا لأجله لكان مجامعا للحذر؛ لأن الفعل يجب أن يجامع علته واجتماعهما مستحيل، ولقائل أن يجيب أيضا عن قولهم أولا أن الفاعل ضمير يعود على

стр. 198

المتسللين بأنه لو كان كذلك لوجب إبرازه فيقال: فليحذر؛ لأنه عائد على جمع. سلمنا لكن تحذير الناس عنهم لما وقعوا فيه أبلغ في الذم من تحذيرهم أنفسهم, ويستلزمه أيضا بخلاف تحذير أنفسهم فإنه لا يستلزم تحذير الغير منهم. الاعتراض الثالث: وهو اعتراض على المقدمة الثالثة أيضا وتقريره أن يقال: سلمنا أن قوله: ﴿فَلْيَحْذَرِ﴾ أمر للمخالفين وأنه لا ضمير في الآية, ولكن لم قلتم: إنه يوجب عليه الحذر؟ أقصى ما في الباب أنه ورد الأمر به وكون الأمر للوجوب هو محل النزاع وقلنا: نحن لا ندعي أنه يدل على وجوب الحذر, ولكن يدل على حسنه وحسن الحذر من العذاب دليل على قيام المقتضي للعذاب؛ لأنه لو لم يوجد المقتضي لكان الحذر عنه سفها وعبثا وذلك محال على الله تعالى. وإذا ثبت وجود المقتضي ثبت أن الأمر للوجوب؛ لأن المقتضى للعذاب هو ترك الواجب دون المندوب. الرابع وهو أيضا اعتراض على المقدمة الثانية: أن قوله عن أمره مفرد, فيفيد أن أمرا واحدا للوجوب ونحن نسلمه، ولا يفيد كون جميع الأوامر كذلك مع أن المدعي هو الثاني. وأجاب في المحصول بثلاثة أوجه أحدها وعليه اقتصر المصنف: أنه عام بدليل جواز الاستثناء, فإنه يصح أن يقال: فليحذر الذين يخالفون عن أمره إلا الأمر الفلاني وسيأتي أن معيار العموم جواز الاستثناء. الثاني: أنه تعالى رتب استحقاق العقاب على مخالفة الأمر وترتيب الحكم على الوصف يشعر بالعلية. الثالث: أنه إنما استحق العقاب في بعض الصور لعدم المبالاة وهو موجود في الباقي. الدليل الرابع: تارك الأمر أي: المأمور به عاصٍ لقوله تعالى حكاية عن قول موسى لأخيه هارون ﵉: ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ [طه: ٩٣] وقوله تعالى: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ﴾ [التحريم: ٦] وكل عاص يستحق النار لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن: ٢٣] عبر بمن التي هي للعموم, فدل على ما قلناه؛ فينتج أن تارك الأمر يستحق النار ولا معنى للوجوب إلا ذلك. وقد جعل المصنف كبرى الشكل الأول مهملة فقال: والعاصي يستحق النار مع أن شرطها أن تكون كلية، والصواب أن يقول: وكل عاص كما قررته. اعترض الخصم بوجهين أحدهما: لا نسلم المقدمة الأولى؛ لأنه لو كان العصيان عبارة عن ترك المأمور لكان قوله تعالى: ﴿يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ﴾ معناه: لا يتركون أي: يفعلون فيكون قوله بعد ذلك: ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ تكرارا, وجوابه أن الأمر المذكور أولا للماضي أو الحال، والأمر المذكور ثانيا للاستقبال فلا تكرار، وتقدير الآية: لا يعصون الله ما أمرهم به في الماضي أو الحال, ويفعلون ما يؤمرون به في الاستقبال هذا هو الصواب في تقريره على ما أراده المصنف فاعتمده، ولك أن تقول: النزاع في أن تارك الأمر عاصٍ أم لا، وأما العكس وهو أن العصيان بترك الأمر فليس النزاع فيه ودعواه باطلة لأن العصيان قد يكون بترك الأمر وقد يكون بترك الفعل الواجب اتباعه، وقد يكون بارتكاب النهي وغير ذلك، فالصواب أن يقول في تقرير الاعتراض: قيل: لو كان تارك

стр. 199

الأمر عاصيا بدلا عن قوله: لو كان العصيان ترك الأمر، وأيضا فينبغي أن يقول في الجواب قلنا: الأول ماض والثاني حال أو مستقبل؛ لأن الثاني مضارع وهو يصلح للحال والاستقبال، والأول لا يصلح لكون ماضيا ولم يتعرض في المحصول لذكر الحال. الاعتراض الثاني: لا نسلم المقدمة الثانية؛ لأن المراد بالعصاة في الآية هم الكفار لا تارك الأمر لقرينة الخلو، فإن غير الكفار لا يخلد في النار كما تقرر في علم الكلام، وجوابه أن الخلود لغة هو المكث الطويل سواء كان دائما أو غير دائم، أي: يكون حقيقة في القدر المشترك حذرا من الاشتراك والمجاز, ويدل على ما قلناه قولهم: خلد الله ملك الأمير. الدليل الخامس: أن النبي ﷺ دعا أبا سعيد الخدري وهو في الصلاة فلم يجبه فقال: "ما منعك أن تجيب وقد سمعت الله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا﴾ [الأنفال: ٢٤] الآية؟ " ١ وهذا الاستفهام ليس على حقيقته؛ لأنه ﵊ علم أنه في الصلاة كما نقله ابن برهان وغيره، فتعين أن يكون للتوبيخ والذم حينئذ، فالذم عند ورود الأمر دليل على أنه للوجوب، واعلم أن المصنف ذكر أن أبا سعيد هذا هو الخدري وهو غلط تبع فيه صاحب الحاصل وصاحب الحاصل تبع الإمام في المحصول والإمام تبع الغزالي في المستصفى، والصواب أنه أبو سعيد بن المعلى, كذا وقع في صحيح البخاري في أول كتاب التفسير، وفي سنن أبي داود في الصلاة وفي جامع الأصول في كتاب الفضائل وفي غيرها أيضا، واسمه الحارث بن أوس بن المعلى الأنصاري الخزرجي الرزقي، واسم الخدري: سعد بن مالك بن سنان من بني خدرة, أنصاري خزرجي أيضا, وقد وقع على الصواب في بعض نسخ الكتاب وهو من إصلاح الناس. قال: "احتج أبو هاشم بأن الفارق بين الأمر والسؤال هو الرتبة والسؤال للندب، فكذلك الأمر. قلنا: السؤال إيجاب وإن لم يتحقق, وبأن الصيغة لما استعملت فيهما, والاشتراك والمجاز خلاف الأصل, فتكون حقيقة في القدر المشترك. قلنا: يجب المصير إلى المجاز لما بينا من الدليل, وبأن تعرف مفهومها لا يمكن بالعقل ولا بالفعل؛ لأنه لم يتواتر والآحاد لا تفيد القطع. قلنا: المسألة وسيلة إلى العمل فيكفيها الظن وأيضا يتعرف بتركيب عقلي من مقدمات نقلية كما سبق". أقول: ذكر المصنف هنا أدلة ثلاثة, واختلف النسخ في التعبير عن المحتج بها, ففي أكثرها احتج أبو هاشم كما ذكره وهو غير مستقيم؛ لأن الثالث لا يطابق مذهبه ولا الثاني على أحد التقريرين الآتيين وفي بعضها احتج المخالف وهو صحيح مطابق لتعبير الإمام, وفي بعضها احتجوا وهو قريب مما قبله وهما من إصلاح الناس. الدليل الأول: وهو احتجاج أبي هاشم على أن افعل حقيقة في الندب، وتقريره أن أهل اللغة قالوا: لا فارق بين السؤال والأمر إلا في الرتبة فقط أي: إن رتبة الأمر أعلى من رتبة السائل، والسؤال إنما يدل على الندب فكذلك الأمر

стр. 200

لأن الأمر لو دل على الإيجاب لكان بينهما فرق آخر وهو خلاف ما نقلوه, وجوابه أن السؤال يدل على الإيجاب أيضا؛ لأن أهل اللغة وضعوا افعل لطلب الفعل مع المنع مع الترك عند من يقول: الأمر للإيجاب، وقد استعملها السائل لكنه لا يلزم منه الوجوب, إذ الوجوب لا يثبت إلا بالشرع فلذلك لا يلزم المسئول القبول من السائل، ولقائل أن يقول على تقدير أن يدل السؤال على الإيجاب، فيلزم أن يفترقا من وجه آخر؛ لأن إيجاب الأمر دال على الوجوب بخلاف إيجاب السؤال, وقد يجاب بأن المعنى بالرتبة هو كون إيجاب الأمر يقتضي الوجوب بخلاف السؤال وفيه نظر، فإنهما مدلولان متغايران, ولك أن تمنع ما ذكره من تفريقه بالرتبة, فإنه مذهب المعتزلة كما تقدم، بل الفرق أن السؤال أمر صادر بتذلل، والأمر أعم، وقد يترتب الوجوب على إيجاب السؤال كسؤال العطشان، وقد لا يترتب على إيجاب الأمر كطلب السيد من عبده ما لا يقدر عليه, فتخلص أنها سواء في الإيجاب والوجوب. قوله: "وبأن الصيغة" معطوف على قوله: بأن الفارق, وتقريره من وجهين أحدهما: أن الصيغة قد استعملت في الوجوب كقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ وفي الندب كقوله: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾ [النور: ٣٣] فإن كانت موضوعة لكل لزم الاشتراك أو لأحدهما فقط فيلزم المجاز، فتكون حقيقة في القدر المشترك وهو طلب الفعل دفعا للاشتراك والمجاز. وعلى هذا التقرير يكون دليلا للقائل بأنها حقيقة في القدر المشترك وهو مدلول كلام المصنف, لكن عطفه على دليل أبي هاشم فاسد. التقرير الثاني وهو تقرير الإمام وأتباعه كلهم: أن نضم إلى التقرير الأول زيادة أخرى فنقول: والدال على المعنى المشترك وهو الأعم غير دال على الأخص, فيكون لفظ الأمر غير دال على الوجوب ولا على الندب بل على الطلب, وجواز الترك معلوم بالبراءة الأصلية, فتحصلنا على طلب الفعل مع جواز الترك, ولا معنى للندب إلا ذلك، وعلى هذا فيصح عطفه على دليل أبي هاشم لكنه بعيد من كلام المصنف, وجوابه: أن المجاز وإن كان على خلاف الأصل لكنه يجب المصير إجماعا إذ دل عليه دليل، وههنا كذلك للأدلة الخمسة التي أقمناها على أنه حقيقة في الوجوب فقط. وقوله: "وبأن تعرف ... إلخ" هذا دليل الغزالي وموافقيه على التوقف, وقد تقدم أن عطفه على دليل أبي هاشم لا يصح, وتقريره أن الطريق إلى معرفة مدلول افعل إما أن يكون بالعقل وهو محال؛ لأنه لا مجال له في اللغات، وإما بالنقل المتواتر وهو محال أيضا، وإلا لكان بديهيا حاصلا لكل أحد من هذه الطائفة فلا يبقى بينهم نزاع, وإما بالآحاد وهو باطل لأن الآحاد إن أفادت فإنما تفيد الظن, والشارع إنما أجاز الظن في المسائل العملية وهي الفروع دون العلمية كقواعد أصول الدين وكذلك قواعد أصول الفقه, كما نقله الأنباري شارح البرهان عن العلماء قاطبة؛ وذلك لفرط الاهتمام بالقواعد، وإذا انتفت طرق المعرفة تعين الوقف، وأجاب المصنف بوجهين أحدهما: لا نسلم أنها علمية؛ لأن المقصود من كون الأمر للوجوب

стр. 201

إنما هو العمل به لا مجرد اعتقاده, والعمليات مظنونة يكتفي فيها بالظن فكذلك ما كان وسيلة إليها، هذا هو الصواب في تقريره وأما قول بعض الشارحين أنه يكتفي فيها بالظن مع كونها علمية لكونها وسيلة للعمل فباطل؛ لأن المعلوم يستحيل إثباته بطريق مظنونة، وقد منع في المحصول أيضا كونها علمية ولم يذكر تعليل المصنف بل قال: لأنا بينا أنه لا تعين في المباحث اللغوية وذلك لتوقفها على نفي الاحتمالات العشرة. ونفيها ما ثبت إلا بالأصل الثاني لا نسلم الحصر؛ لأنا قد نتعرفه بتركيب عقلي من مقدمات نقلية كقولنا: تارك الأمر عاص, وكل عاص يستحق النار فإنه يدل على أن الأمر للوجوب وقد تقدم ذكره في الدليل الرابع من هذه المسألة. وقولنا: إن الجمع المحلى بالألف واللام يدخله الاستثناء وإن الاستثناء إخراج ما لولاه لوجب دخوله, فإنه يدل على أن الجمع المحلى للعموم كما تقدم في آخر الفصل الأول من باب اللغات، وذلك بالطريق الذي قلناه؛ لأن نفس المقدمتين نقلية وتركيبهما تركيب عقلي علم من العلوم العقلية, وعبر الإمام في المحصول والمنتخب عن هذا بقوله: إنه يعرف بدليل مركب من العقل والنقل, فأورد عليه أن هذا الدليل نقل محض لأن المقدمتين نقليتان وحظ العقل إنما هو تفطنه لاندراج الصغرى في الكبرى؛ فلذلك عدل صاحب الحاصل إلى ما تقدم وتبعه عليه المصنف، وقول المصنف كما سبق يحتمل كلا من المثالين المتقدمين، والأول أولى للتصريح به في الحاصل والمحصول, ولكونه دليلا على نفس المسألة المتنازع فيها، ولأنه أقرب. وعن هذا الدليل جواب ثالث لم يذكره المصنف ينفع في مواضع, وهو التزام حصوله بالتواتر, ولا يلزم منه رفع الخلاف لأنه قد يصل إلى بعضهم بكثرة المطالعة لأقضيتهم وتواريخهم, وغيره لم يشتغل بذلك فيقع الخلاف, ولقائل أن يقول: ينبغي للمصنف على طريقة الجدليين تقديم جوابه الثاني على الأول كما فعل في الحاصل والمحصول، فيقول: أولا لا نسلم الحصر, سلمنا لكن نختار تعرفه بالآحاد، وذلك لأن الثاني فيه تسليم للحصر فلا يحسن منه منعه بعد ذلك فإن قيل: دعواه أنه يعلم بتركيب عقلي من مقدمات نقلية لا يدفع السؤال؛ لأن هذه المقدمات النقلية إما أن يكون نقلها بالتواتر أو بالآحاد، ويعود السؤال بعينه وجوابه باختيار التواتر، ولا يلزم منه أن يعرف كل أحد أنه للوجوب, وإنما يلزم ذلك أن لو كان التركيب العقلي ضروريا وهو ممنوع. قال: "الثالثة: الأمر بعد التحريم للوجوب وقيل: للإباحة. لنا أن الأمر يفيده، ووروده بعد الحرمة لا يدفعه. قيل: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢] للإباحة قلنا: معارض بقوله: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا﴾ [التوبة: ٥] واختلف القائلون بالإباحة في النهي بعد الوجوب". أقول: إذا فرعنا على أن الأمر للوجوب فورد بعد التحريم ففيه مذهبان, أصحهما عند الإمام وأتباعه، ومنهم المصنف أن يكون أيضا للوجوب ونقله ابن برهان في الوجيز عن القاضي والآمدي عن المعتزلة, والثاني أنه يكون للإباحة وهو الذي نص عليه الشافعي كما نقله

стр. 202

عنه القيرواني في كتاب المستوعب وابن التلمساني في شرح المعالم١ والأصفهاني في شرح المحصول٢ ونقله ابن برهان في الوجيز عن أكثر الفقهاء والمتكلمين, ورجحه ابن الحاجب وتوقف إمام الحرمين وصرح أيضا به الآمدي في الأحكام ومع ذلك فله ميل إلى الإباحة, قال عقبه: واحتمال الإباحة أرجح نظرا لغلبته, قال في المحصول: والأمر بعد الاستئذان كالأمر بعد التحريم وذلك بأن استأذن على فعل شيء فقال له: افعله, واستدل المصنف على الوجوب بأن الأمر يفيده إذ التفريع عليه ووروده بعد الحرمة ليس معارضا حتى يدفع ما ثبت له؛ لأن الوجوب والإباحة منافيان للتحريم ومع ذلك لا يمتنع الانتقال من التحريم إلى الإباحة فكذلك الوجوب احتج الخصم بورودها للإباحة كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٤٢] ، ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ ﴿فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ . وفي الحديث: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها, وكنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث, فكلوا وادخروا" ٣ وجوابه أن هذه الأدلة معارضة بقوله: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ فإن القتال فرض كفاية بعد أن كان حراما, وكذلك قوله ﷺ : "فإذا أدبرت الحيضة, فاغسلي عنك الدم وصلي" ٤ فإذا تعارضا تساقطا وبقي دليلنا سالما عن المنبع فيفيد الوجوب. قوله: "واختلف القائلون" يعني: إن القائلين بالإباحة في الأمر الوارد بعد الحظر اختلفوا في النهي الوارد بعد الوجوب, فمنهم من طرد القياس وحكم بالإباحة؛ لأن تقدم الوجوب قرينة, ومنهم من حكم بأنه للتحريم كما لو ورد ابتداء بخلاف الأمر بعد التحريم, والفرق في وجهين أحدهما: أن حمل النهي على التحريم يقتضي الترك وهو على وفق الأصل؛ لأن الأصل عدم الفعل وحمل الأمر على الوجوب يقتضي الفعل وهو خلاف الأصل. الثاني: أن النهي لدفع المفسدة المتعلقة بالمنهي عنه والأمر لتحصيل المصلحة المتعلقة بالمأمور واعتبار الشرع بدفع المفاسد أكثر من جلب المصالح, وأما القائلون: إن الأمر بعد التحريم للوجوب فلا خلاف عندهم أن النهي بعد الوجوب للتحريم. قال: "الرابعة: الأمر المطلق لا يفيد التكرار ولا يدفعه وقيل: للتكرار، وقيل: للمرة, وقيل: بالتوقف للاشتراك أو الجهل بالحقيقة. لنا تقييده بالمرة والمرات من غير تكرار ولا نقض, وأنه ورد مع التكرار ومع عدمه فيجعل حقيقة في القدر المشترك وهو طلب الإتيان به دفعا للاشتراك والمجاز. وأيضا لو كان للتكرار لعم الأوقات, فيكون تكليفا بما لا يطاق ولنسخه كل تكليف بعده لا يجامعه". أقول: إذا ورد الأمر مقيدا بالمرة أو بالتكرار حمل عليه, وإن ورد مقيدا بصفة

стр. 203

أو شرط فسيأتي أنه يتكرر قياسا لا لفظا، وإن كان مطلقا أي: عاريا من هذه القيود ففيه مذاهب، أحدها: أنه لا يدل على التكرار ولا على المرة بل يفيد طلب الماهية من غير إشعار بتكرار أو مرة إلا أنه لا يمكن إدخال تلك الماهية في الوجود بأقل من المرة الواحدة فصارت المرة من ضروريات الإتيان بالمأمور به، لا جرم أنه يدل عليها من هذا الوجه، وهذا المذهب اختاره الإمام وأتباعه ونقله عن الأقلين, واختاره أيضا الآمدي وابن الحاجب والمصنف وعبر عن المرة بقوله: ولا يدفعه لأنه لو كان للمرة لكان دافعا للتكرار؛ لأنهما متقابلان. الثاني: أنه يدل على التكرار المستوعب لزمان العمل وهو رأي الأستاذ وجماعة من الفقهاء والمتكلمين, لكن بشرط الإمكان كما قاله الآمدي. الثالث: يدل على المرة وهو قول أكثر أصحابنا, كما حكاه الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في شرح اللمع، ونقل القيرواني في المستوعب عن الشيخ أبي حامد أنه مقتضى قول الشافعي. الرابع: أنه مشترك بين التكرار والمرة فيتوقف أيضا, واختار إمام الحرمين التوقف, ونقل عنه ابن الحاجب المذهب الأول تبعا للآمدي وليس كذلك فافهمه. قوله: "لنا" أي: الدليل على ما قلناه من ثلاثة أوجه, أحدها: أنه يصح أن يقال: افعل ذلك مرة أو مرات وليس فيه تكرار ولا نقض إذ لو كان للمرة لكان تقييده بالمرة تكرارا وبالمرات نقضا، ولو كان للتكرار لكان تقييده به تكرارا وبالمرة نقضا, وهذا الدليل لا يثبت به المدعى؛ لأن عدم التكرار والنقض قد لا يكون لكونه موضوعا للماهية من حيث هي, بل لكونه مشتركا أو لأحدهما, ولا نعرفه كما قد قيل به, فيكون التقييد للدلالة على أحدهما. الثاني: أن الأمر المطلق ورد تارة مع التكرار شرعا كآية الصلاة، وعرفا نحو: احفظ دابتي، وورد تارة للمرة شرعا كآية الحج، وعرفا كقوله: ادخل الدار، فيكون حقيقة في القدر المشترك بين التكرار والمرة وهو طلب الإتيان بالفعل، مع قطع النظر عن التكرار والمرة؛ لأنه لو كان حقيقة في كل منهما لزم الاشتراك، وإن كان في أحدهما فقط لزم المجاز وهما خلاف الأصل. وهذا الدليل قد استعمله الإمام وأتباعه في مواضع كثيرة وفيه نظر؛ لأنه إذا كان موضوعا لمطلق الطلب ثم استعمل في طلب خاص فقد استعمل في غير ما وضع له؛ لأن الأعم غير الأخص, ولكنه مشتمل على ما وضع له فيجوز على سبيل المجاز. وأيضا فلأن الألفاظ موضوعة بإزاء المعاني الذهنية كما تقدم، فإذا استعمل فيما تشخص منها في الخارج فيكون مجازا؛ لأنه غير ما وضع له فاستعمال الأمر في المقيد بالتكرار وبالمرة مجاز لما قلناه، ففر من مجاز واحد فوقع في مجازين، وهذا البحث يجري في سائر الألفاظ الموضوعة لمعنى كلي, وإن كان مستبعدا لكن القواعد قد أدت إليه، وقد صرح الآمدي في الأحكام بموافقة ما ذكرته، فقال في أوائل الكتاب في القسمة الثانية جوابا عن سؤال ما نصه: لأنه لا يخفى أن حقيقة المطلق مخالفة لحقيقة المقيد من حيث هما كذلك, فإذا كان لفظ الدابة حقيقة في مطلق دابة فاستعماله في الدابة

стр. 204

المقيدة على الخصوص يكون استعمالا له في غير ما وضع له هذا لفظه. الثالث وهو دليل على إبطال التكرار خاصة: أنه لو كان للتكرار لعم الأوقات كلها؛ لعدم أولوية وقت دون وقت والتعميم باطل بوجهين أحدهما: أنه تكليف بما لا يطاق. الثاني: أنه يلزم بنسخه كل تكليف يأتي بعده لا يمكن أن يجامعه في الوجود؛ لأن الاستغراق الثابت بالأول يزول بالاستغراق الثابت بالثاني، وليس كذلك. واحترز بقوله: لا يجامعه عن نحو الصوم مع الصلاة، ولك أن تقول: قد تقدم أن القائل بالتكرار يقول: إنه بشرط الإمكان فلا يرد ما قاله من التكليف بما لا يطاق. قال: "قيل: تمسك الصديق على التكرار بقوله تعالى: ﴿وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾ من غير نكير قلنا: لعله ﵊ بين تكراره وقيل: النهي يقتضي التكرار، فكذلك الأمر, قلنا: الانتهاء أبدا ممكن دون الامتثال, قيل: لو لم يتكرر لم يرد النسخ, قلنا: وروده قرينة التكرار, قيل: حسن الاستفسار دليل الاشتراك, قلنا: قد يستفسر عن أفراد المتواطئ". أقول: احتج من قال بأن الأمر يفيد التكرار بثلاثة أوجه الأول: أن أهل الردة لما منعوا الزكاة تمسك أبو بكر الصديق ﵁ في وجوب تكرارها بقوله تعالى: ﴿وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾ ولم ينكر عليه أحد من الصحابة. قال في المحصول: فكان ذلك إجماعا منهم على أنها للتكرار والجواب أنه لعل النبي ﷺ بين للصحابة أن هذه الآية للتكرار, فإن قيل: الأصل عدمه قلنا: لما أجمعوا على التكرار مع أن الصيغة المجردة لا تقتضي ذلك كما بيناه تعين ما قلناه جمعا بين الأدلة, وهذا الدليل وجوابه يقتضيان أن الإمام يسلم أن ذلك إجماع وهو مناقض لما سيأتي من كونه ليس بإجماع ولا حجة. الثاني: النهي يقتضي التكرار فكذلك الأمر قياسا عليه والجامع أن كلا منهما للطلب, وجوابه أن الانتهاء عن الشيء أبدا ممكن؛ لأن فيه بقاء على العدم وأما الاشتغال به أبدا فغير ممكن, وهذا الكلام من المصنف مناقض لقوله بعد ذلك: إن النهي كالأمر في التكرار والفور. الثالث: لو لم يدل على التكرار بل دل على المرة, لم يجز ورود النسخ؛ لأن وروده إن كان بعد فعلها فهو محال لأنه لا تكليف وإن كان قبله فهو يدل على البداء وهو ظهور المصلحة بعد خفائها أو بالعكس, وهو على الله تعالى محال. ولكن ورود النسخ جائز فدل على أنه للتكرار, وجوابه أن النسخ لا يجوز وروده على الأمر الذي يقتضي مرة واحدة، ولكن إذا ورد على الأمر المطلق صار ذلك قرينة في أنه كان المراد به التكرار، وحمل الأمر على التكرار لقرينة جائز، هكذا ذكره في المحصول فتبعه عليه المصنف. ولك أن تقول: إن صح هذا الجواب فيلزم أن لا يكون جواز الاستثناء دليلا على العموم البتة، لا مكان دعواه في كل استثناء وذلك مبطل؛ لقوله بعد ذلك: ومعيار العموم جواز الاستثناء. وأيضا فهو مناقض لقولهم: إن النسخ قبل الفعل جائز لا سيما أنهم استدلوا عليه بقصة إبراهيم مع أن الذبح يستحيل تكراره. وأيضا فيلزم منه التكليف بما لا يعلمه الشخص. قوله: "قيل: حسن الاستفسار" أي: استدل من قال بأن الأمر مشترك بين التكرار والمرة بأنه

стр. 205

يحسن الاستفسار فيه فيقال: أردت بالأمر واحدة أم دائما؛ ولذلك قال سراقة للنبي ﷺ : أحجنا هذا لعامنا أم للأبد؟ مع أنه من أهل اللسان وأقره عليه، فلو كان الأمر موضوعا في لسان العرب للتكرار أو للمرة لاستغنى عن الاستفسار، وجوابه أن ما قاله ممنوع فإنه قد يستفسر عن أفراد المتواطئ كما إذا قال: أعتق رقبة فتقول: أمؤمنة أم كافرة؟ سليمة أم معيبة؟ قال: "الخامسة: الأمر المعلق بشرط أو صفة، مثل ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦] ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] لا يقتضي التكرار لفظا ويقتضيه قياسا، أما الأول فلأن ثبوت الحكم مع الصفة أو الشرط يحتمل التكرار وعدمه, ولأنه لو قال: "إن دخلت الدار فأنت طالق" لم يتكرر، وأما الثاني فلأن الترتيب يفيد العلية فيتكرر الحكم بتكررها، وإنما لم يتكرر الطلاق لعدم اعتبار تعليله". أقول: الأمر المعلق بشرط كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦] أو بصفة كقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] يقتضي تكرار المأمور به عند تكرر شرطه أو صفته, إن قلنا: الأمر المطلق يقتضيه, فإن قلنا: إنه لا يقتضيه ولا يدفعه فهل يقتضيه هنا؟ فيه ثلاثة مذاهب, أحدها: يقتضيه من جهة اللفظ أي: إن هذا اللفظ قد وضع للتكرار. والثاني: لا يقتضيه أي: لا من جهة اللفظ ولا من جهة القياس, وهذا هو القائل بأن ترتيب الحكم على الوصف لا يدل على العلية. والثالث: أنه لا يقتضيه لفظا ويقتضيه من جهة ورود الأمر بالقياس, قال في المحصول: وهذا هو المختار؛ فلذلك جزم به المصنف واختار الآمدي وابن الحاجب أنه لا يدل عليه, قالا: ومحل الخلاف فيما لم يثبت كونه علة كالإحصان, فإن ثبت كالربا فإنه يتكرر بتكرر علته اتفاقا وهذا منافٍ لكلام الإمام حيث مثل بالسرقة والجنابة مع أنه قد ثبت التعليل بهما. قوله: "أما الأول" أي: الدليل على الأول وهو أنه لا يقتضي التكرار لفظا من وجهين, أحدهما: أن ثبوت الحكم مع الصفة أو الشرط يحتمل التكرار وعدمه, فإن اللفظ إنما دل على تعليق شيء على شيء وهو أعم من تعليقه عليه في كل الصور أو في صورة واحدة بدليل صحة تقسيمه إليهما والأعم لا يدل على الأخص فلزم من ذلك أن التعليق لا يدل على التكرار. الثاني: أنه لو قال لامرأته: إن دخلت الدار فأنت طالق, فإن الطلاق لا يتكرر بتكرر الدخول ولو كان يدل عليه من جهة اللفظ لكان يتكرر كما لو قال: كلما, لكن هذا الدليل من باب تعليق الإنشاء على الشرط وكلامنا في تعليق الأمر فينبغي أن يقال: وإذا ثبت في هذا ثبت في ذلك القياس أو يمثل بقوله لوكيله: طلق زوجتي إن دخلت الدار, نعم إن كان تعليق الخبر والإنشاء كتعليق الأمر في ثبوت الخلاف حصل المقصود, لكن كلام الآمدي في الأحكام يقتضي أن الإنشاء لا يتكرر اتفاقا وصرح به في الخبر كقولنا: إن جاء زيد, جاء عمرو. وأما الدليل على الثاني وهو أنه يقتضي التكرار قياسا فلأن ترتيب الحكم على الصفة أو الشرط يفيد علية الشرط أو الصفة لذلك الحكم, كما سيأتي في القياس فيتكرر الحكم بتكرر ذلك؛ لأن

стр. 206

المعلول يتكرر بتكرر علته. قوله: "وإنما لم يتكرر الطلاق" جواب عن سؤال مقدر وتوجيه السؤال أن يقال: لو كان تعليق الحكم بالشرط دالا على تكراره بالقياس لكان يلزم تكرار الطلاق بتكرار القيام فيما إذا قال: إن قمت فأنت طالق وليس كذلك. وجوابه أن تعبيره بذلك دال على أنه جعل القيام علة للطلاق ولكن المعتبر تعليل الشارع؛ لأن وقوع الطلاق حكم شرعي وآحاد الناس لا عبرة بتعليلهم في أحكام الله تعالى؛ لأن من نصب علة الحكم فإنما يتكرر حكمه بتكرر علته لا حكم غيره؛ فلذلك لم يتكرر الطلاق منه؛ ألا ترى أنه لو صرح بالتعليل فقال: طلقها لقيامها, لم تطلق امرأة أخرى له قامت. قال: "السادسة: الأمر المطلق لا يفيد الفور خلافا للحنفية، ولا التراخي خلافا لقوم, وقيل: مشترك لنا ما تقدم قيل: إنه تعالى ذم إبليس على الترك ولو لم يقتض الفور لما استحق الذم قلنا: لعل هناك قرينة عيّنت الفورية قيل: ﴿وَسَارِعُوا﴾ [آل عمران: ١٣٣] يوجب الفور, قلنا: فمنه لا من الأمر، قيل: لو جاز التأخير فإما مع بدل فيسقط، أو لا معه فلا يكون واجبا. وأيضا إما أن يكون للتأخير أمد وهو إذا ظن فواته وهو غير شامل؛ لأن كثيرا من الشبان يموتون فجأة، أو لا فلا يكون واجبا، قلنا: منقوض بما إذا صرح به، قيل: النهي يفيد الفور فكذا الأمر, قلنا: لأنه يفيد التكرار". أقول: الأمر المجرد عن القرائن إن قلنا: إنه يدل على التكرار دل على الفور، وإن قلنا: لا يدل على التكرار فهل يدل على الفور أم لا؟ حكى المصنف فيه أربعة مذاهب, أحدها: أنه لا يدل على الفور ولا على التراخي بل يدل على طلب الفعل. قال في البرهان: وهذا ما ينسب إلى الشافعي وأصحابه, وقال في المحصول: إنه الحق, واختاره الآمدي وابن الحاجب والمصنف. والثاني: أنه يفيد الفور أي: وجوبا وهو مذهب الحنفية. والثالث: أنه يفيد التراخي أي: جوازا. قال الشيخ أبو إسحاق: والتعبير بكونه يفيد التراخي غلط، وقال في البرهان: إنه لفظ مدخول, فإن مقتضى إفادته التراخي أنه لو فرض الامتثال على الفور لم يعتد به, وليس هذا معتقد أحد. نعم حكى ابن برهان عن غلاة الواقفية أنا لا نقطع بامتثاله بل يتوقف فيه إلى ظهور الدلائل لاحتمال إرادة التأخير, قال: وذهب المقتصدون منهم إلى القطع بامتثاله، وحكاه في البرهان أيضا. والرابع هو مذهب الواقفية: أنه مشترك بين الفور والتراخي, ومنشأ الخلاف في هذه المسألة كلامهم في الحج. قوله: "لنا ما تقدم" أي: في الكلام على أن الأمر المطلق لا يقتضي التكرار، وأشار إلى أمرين أحدهما: أنه يصح تقييده بالفور وبالتراخي من غير تكرار ولا نقض. والثاني: أنه ورد الأمر مع الفور ومع عدمه, فيجعل حقيقة في القدر المشترك وهو طلب الإتيان به دفعا للاشتراك والمجاز, وقد تقدم الكلام في هذين الدليلين وما فيهما مبسوطا, وقد تقدم هناك دليل ثالث لا يأتي هنا. قوله: "قيل: إنه تعالى" أي: استدل القائلون بأن الأمر يفيد الفور بأربعة أوجه، أحدها: أنه تعالى ذم إبليس -لعنه الله- على ترك السجود لآدم ﵇ بقوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾

стр. 207

[الأعراف: ١٢] كما تقدم بسطه في الكلام على أن الأمر للوجوب, فلو لم يكن الأمر للفور لما استحق الذم ولكان لإبليس أو يقال: إنك ما أوجبته على الفور ففيم الذم؟ وأجاب المصنف تبعا للإمام بأنه يحتمل أن يكون ذلك الأمر مقرونا بما يدل على أنه للفور، وفي الجواب نظر لأن الأصل عدم القرينة وقد تمسك المصنف بهذه الآية على أن الأمر للوجوب، مع أن ما قاله بعينه يمكن أن يقال له: فما كان جوابا له كان جوابا لهم, بل الجواب أن يقول: ذلك الأمر الوارد وهو قوله تعالى: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٢٩] وفيه قرينتان دالتان على الفور, إحداهما: الفاء والثانية: أن فعل الأمر "هو قوله تعالى: ﴿فَقَعُوا﴾ " عامل في إذا؛ لأن إذا ظرف، والعامل فيها جوابها على رأي البصريين، فصار التقدير: فقعوا له ساجدين وقت تسويتي إياه. الدليل الثاني: أن قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ﴾ [آل عمران: ١٣٣] الآية يوجب كون الأمر للفور؛ لأن الله تعالى أمر بالمسارعة والمسارعة هي التعجيل فيكون التعجيل مأمورا به وقد تقدم أن الأمر للوجوب فتكون المسارعة واجبة، ولا معنى للفور إلا ذلك، ثم إن حمل المغفرة على حقيقتها غير ممكن؛ لأنها فعل الله تعالى فيستحيل مسارعة العبد إليها فحمل على المجاز, وهو فعل المأمورات لكونها سببا للمغفرة، فأطلق اسم المسبب وأريد به السبب. والجواب: أنا لا نسلم أن الفورية مستفادة من الأمر, بل إيجاب الفور مستفاد من قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا﴾ لا من لفظ الأمر وتقرير هذا الكلام من وجهين أحدهما: أن حصول الفورية ليس من صيغة الأمر بل من جوهر اللفظ؛ لأن لفظ المسارعة دال عليه كيفما تصرف. الثاني وهو تقرير صاحب الحاصل: أن ثبوت الفور في المأمورات ليس مستفادا من مجرد الأمر بها بل من دليل منفصل وهو قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا﴾ ، ولك أن تقلب هذا الدليل فتقول: الآية معنى دال على عدم الفور؛ لأن المسارعة مباشرة الفعل في وقت مع جواز الإتيان به في غيره، وأيضا فالمقتضى أن المضمر لصحة الكلام لا عموم له كما سنعرفه في العموم، فيختص ذلك بما اتفق على وجوب تعجيله ولا يعم كل مأمور. الدليل الثالث: لو لم يكن الأمر للفور لكان التأخير جائزا، لكنه لا يجوز لأمرين, أحدهما: أن جوازه إن كان مشروطا بالإتيان ببدل يقوم مقامه وهو العزم على رأي من شرطه فيلزم سقوطه لأن البدل يقوم مقام المبدل، وإن كان جائزا بدون بدل فيلزم أن لا يكون واجبا؛ لأنه لا معنى لغير الواجب إلا ما جاز تركه بلا بدل. الثاني: أن التأخير إما أن يكون له أمد معين لا يجوز للمكلف إخراجه عنه أم لا، وكل من القسمين باطل. أما الأول فلأن القائلين به اتفقوا على أن ذلك الأمد المعين هو ظن الفوات على تقدير الترك, إما لكبر السن أو للمرض الشديد، وذلك الأمر غير شامل للمكلفين؛ لأن كثيرا من الشبان يموتون فجأة ويقتلون غيلة, فيقتضي ذلك عدم الوجوب عليهم في نفس الأمر؛ لأنه لو كان واجبا لامتنع تركه، والفرض أنا جوزنا له الترك في كل الأزمان المتقدمة على

стр. 208

ذلك الظن. وأما الثاني فلأن تجويز التأخير أبدا تجويز للترك أبدا, وذلك ينافي الوجوب، والجواب أن ذلك كله منقوض بما إذا صرح الآمر بجواز التأخير فقال: أوجبت عليك أن تفعل كذا في أي وقت شئت, فما كان جوابا لكم كان جوابا لنا, قال في المحصول: وهو لازم لا محيص عنه. الدليل الرابع: النهي يفيد الفور فيكون الأمر أيضا كذلك بالقياس عليه، والجامع بينهما هو الطلب، وجوابه أن النهي لما كان مفيدا للتكرار في جميع الأوقات ومن جملتها وقت الحال, لزم بالضرورة أن يفيد الفورية بخلاف الأمر, وهذا الجواب قد تقدم مثله في أواخر المسألة الرابعة، وقد ناقضه بعد هذا بنحو سطر، ووقع أيضا ذلك للإمام وأتباعه، والجواب الصحيح منع كون النهي يفيد الفور لما فيه من الخلاف لا سيما وهو مختار المصنف, وعلى هذا فلا تناقض، "فروع" أحدها: الآمر بالأمر بالشيء ليس آمرا بذلك الشيء على الصحيح عند الإمام والآمدي وأتباعهما؛ لأن من قال: مر عبدك بكذا ثم قال للعبد: لا تفعل, لا يكون بالأول متعديا ولا بالثاني مناقضا، مثاله قوله ﷺ : "مره فليراجعها" ١. الثاني: الأمر بالماهية الكلية لا يكون أمرا بشيء من جزئياتها كالأمر بالبيع، فإنه لا يدل على البيع بالعين أو بغيره، هكذا قاله الإمام وخالفه الآمدي وابن الحاجب. الثالث: إذا كرر الأمر فقال: صل ركعتين فقيل: يكون ذلك أمرا بتكرار الصلاة، ونقله في المستوعب على عامة أصحاب الشافعي، وقال الصيرفي: الثاني تأكيد، وقال الآمدي بالوقف.

стр. 209

الفصل الثالث: في النواهي قال: "الفصل الثالث: في النواهي وفيه مسائل, الأولى: النهي يقتضي التحريم لقوله تعالى: ﴿وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] وهو كالأمر في التكرار والفور. الثانية: النهي يدل شرعا على الفساد في العبادات؛ لأن المنهي عنه بعينه لا يكون مأمورا به، وفي المعاملات إذا رجع العقد أو أمر داخل فيه، أو لازم له كبيع الحصاة والملاقيح، والربا لأن الأولين تمسكوا على فساد الربا بمجرد النهي من غير نكير، وإن رجع إلى أمر مقارن كالبيع في وقت النداء فلا. الثالثة: مقتضى النهي فعل الضد؛ لأن العدم غير مقدور وقال أبو هاشم: من دعي إلى زنا فلم يفعل مدح, قلنا: المدح على الكف. الرابعة: النهي عن الأشياء إما عن الجمع كنكاح الأختين، أو عن الجميع كالربا والسرقة". أقول: النهي هو القول الطالب للترك دلالة أولية، ولم يذكر المصنف حده لكونه معلوما من حد الأمر السابق، وصيغته تستعمل في سبعة معانٍ ذكرها الغزالي والآمدي وغيرهما, أحدها: التحريم كقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ﴾ [الإسراء: ٣٣] والثاني: الكراهة كقوله ﷺ : "لا يمسكن أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول" ١. الثالث: الدعاء كقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ [آل عمران: ٨] . الرابع: الإرشاد كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلوا عَنْ

стр. 210

أَشْيَاءَ﴾ [المائدة: ١٠١] الآية. الخامس: التحقير كقوله تعالى: ﴿لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ [الحجر: ٨٨] الآية. السادس: بيان العاقبة كقوله تعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا﴾ [إبراهيم: ٤٢] الآية. السابع: اليأس كقوله تعالى: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ﴾ [التحريم: ٧] الآية, وقد اختلفوا في أن النهي هل من شرطه العلو والاستعلاء وإرادة الترك أم لا؟ وأنه هل له صيغة تخصه أم لا؟ وأنه هل هو حقيقة في الطلب وحده أم لا؟ وأن ذلك الطلب الذي هو حقيقة فيه هل هو التحريم أو الكراهة، أو كل منهما بالاشتراك أو الوقف؟ كما اختلفوا في الأمر فعلى هذا إذا ورد النهي مجردا عن القرائن فمقتضاه التحريم كما نبه عليه المصنف ونص عليه الشافعي في الرسالة فقال في باب العلل في الأحاديث ما نصه: وما نهي عنه فهو على التحريم حتى يأتي دلالة عنه على أنه أراد غير التحريم انتهى. ونص عليه أيضا في مواضع أخرى، واستدل المصنف عليه بقوله تعالى: ﴿وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] أمر بالانتهاء عن المنهي عنه فيكون الانتهاء واجبا؛ لأنه قد تقدم أن الأمر للوجوب ولك أن تقول: إنما يدل هذا على التحريم في بعض النواهي بدليل منفصل أيضا لا من وضع اللفظ, وكلاهما غير المدعى. قوله: "وهو كالأمر" يعني أن النهي حكمه حكم الأمر في أنه لا يدل على التكرار ولا على الفور كما تقدم، وفي المحصول أن هذا هو المختار, وفي الحاصل أنه الحق لأنه قد يرد للتكرار كقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى﴾ [الإسراء: ٣٢] ولخلافه كقول الطبيب: لا تشرب اللبن ولا تأكل اللحم والاشتراك والمجاز خلاف الأصل, فيكون حقيقة في القدر المشترك, وصحح الآمدي وابن الحاجب أنه للتكرار والفور, وجزم به المصنف قبل هذا بقليل كما تقدم التنبيه عليه. وقال في المحصول: إنه المشهور وابن برهان: إنه مجمع عليه، ودليل الإمام مردود بما تقدم في الكلام على أن الأمر ليس للتكرار ولأن عدم التكرار في أمر المريض إنما هو لقرينة وهي المرض، والكلام عند عدم القرائن. المسألة الثانية: في أن النهي هل يدل على الفساد أم لا؟ فقال بعضهم: لا يدل عليه مطلقا ونقله في المحصول عن أكثر الفقهاء والآمدي عن المحققين، وقال بعضهم: يدل مطلقا, وصححه ابن الحاجب لكن ذكر هذا الحكم مفرقا في مسألتين فافهمه, وقال أبو الحسين البصري: يدل على الفساد في العبادات دون المعاملات, واختاره الإمام في المحصول والمنتخب وكذلك أتباعه ومنهم صاحب الحاصل، وخالفهم المصنف فاختار تفصيلا يأتي ذكره والكلام عليه، وحيث قلنا يدل على الفساد، فقيل: يدل من جهة اللغة، والصحيح عند الآمدي وابن الحاجب أنه لا يدل إلا من جهة الشرع، وقد تقدم دليله في الكلام على أن امتثال الأمر يوجب الإجزاء، وإليه أشار المصنف بقوله: النهي يدل شرعا، ولم يذكر الإمام ولا مختصر كلامه هذا القيد، وإذا قلنا: لا يدل على الفساد، فقال أبو حنيفة: يدل على الصحة لاستحالة النهي عن المستحيل، وجزم به الغزالي في المستصفى قبل الكلام على المبين، ثم ذكر بعد ذلك في هذا الباب أنه

стр. 211

فاسد، وقد تقدم معنى فساد العبادات والمعاملات في أول الكتاب فأغنى عن ذكره، ولنرجع إلى كلام المصنف وحاصله أن النهي يدل من جهة الشرع على الفساد في العبادات، أي: سواء نهى عنها لعينها أو لأمر قارنها؛ لأن الشيء الواحد يستحيل أن يكون مأمورا به ومنهيا عنه، وحينئذ لا يكون الآتي بالفعل المنهي آتيا بالمأمور به، فيبقى الأمر متعلقا به، ويكون الذي أتى به غير مجزئ، وهو المراد من دعوى الفساد كما تقدم في الكلام على الصحة، هكذا قرره بعضهم، وهو خاص بالعبادات الواجبة أو المسنونة، مع أن الدعوى عامة، فالأولى أن يقال: الصلاة المنهي عنها مثلا لو صحت لوقعت مأمورا بها أمر ندب لعموم الأدلة الطالبة للعبادات، ثم إن الأمر بها يقتضي طلب فعلها، والنهي عنها يقتضي طلب تركها، وذلك جمع بين النقيضين. قوله: "بعينه" هو بالبناء ومعناه بنفسه, وهو متعلق بيكون فافهمه. وهذا الدليل إنما يدل على الفساد من حيث هو وأما كونه من جهة الشرع فلا يدل وهو مطلوبه، على أن الفقهاء قالوا: يجوز أن يكون الشيء الواحد مأمورا به منهيا عنه بجهتين واعتبارين، كما لو قال لعبده: خط هذا الثوب ولا تخطه في الدار خاطه. وأما النهي في المعاملات فعلى أربعة أقسام؛ لأن النهي لا يخلو إما أن يكون راجعا إلى نفس العقد أم لا. والثاني: لا يخلو إما أن يكون إلى جزئه أم لا. والثالث: لا يخلو إما أن يكون إلى لازم غير مقارن أم لا. فالأول كالنهي عن بيع الحصاة وهو جعل الإصابة بالحصاة بيعا قائما مقام الصيغة وهو أحد التأويلين في الحديث. والثاني كبيع الملاقيح وهو ما في بطون الأمهات، فإن النهي راجع إلى نفس المبيع، والمبيع ركن من أركان العقد؛ لأن الأركان ثلاثة: العاقد والمعقود عليه والصيغة، ولا شك أن الركن داخل في الماهية. والثالث: كالنهي عن الربا, أما الربا النسيئة والتفرق قبل التقابض فواضح كون النهي عنه لمعنى خارج، وأما ربا الفضل فلأن النهي عن بيع الدرهم بالدرهمين مثلا إنما هو لأجل الزيادة, وذلك أمر خارج عن نفس العقد لأن المعقود عليه من حيث هو قابل للبيع وكونه زائدا أو ناقصا صفة من أوصافه لكنه لازم، والنهي في هذه الثلاثة يدل على الفساد؛ لأن الأولين تمسكوا على فساد الربا بمجرد النهي من غير نكير فكان ذلك إجماعا، وإنما استدل المصنف على الثالث فقط؛ لأنه إذا ثبت ذلك فيه ثبت فيما عداه بالطريق الأولى. وأما الرابع فكالنهي عن البيع وقت نداء الجمعة، فإنه راجع أيضا إلى أمر خارج عن العقد وهو تفويت صلاة الجمعة لا لخصوص البيع, إذ الأعمال كلها كذلك، والتفويت أمر مقارن غير لازم لماهية البيع، وهذا القسم لا يدل على الفساد بدليل صحة الوضوء بالماء المغصوب، وهذا التفصيل الذي اختاره المصنف صرح به الإمام في المعالم لكن في أثناء الاستدلال فافهمه، ونقله الآمدي بالمعنى عن أكثر أصحاب الشافعي واختاره فتأمله، ونقله ابن برهان في الوجيز عن الشافعي نفسه ونص في الرسالة قبيل باب أصل العلم على أنه يدل

стр. 212

على الفساد، فإنه عدد بيوعا كثيرة وحكم بإبطالها لنهي الشارع، ثم قال ما نصه: وذلك أن أصل مال كل امرئ محرم على غيره إلا بما أحل به، وما أحل به من البيوع ما لم ينه عنه، فلا يكون ما نهي عنه من البيوع محلا ما كان أصله محرما. ثم قال: وهذا يدخل في عامة العلم انتهى, ونص في البويطي في باب صفة النهي عن مثله أيضا وهو كما نقله المصنف إلا في استثناء المقارن، وقد نقل ابن برهان عن الشافعي أنه مستثنى كما تقدم. المسألة الثالثة: مقتضى النهي أي: المطلوب بالنهي وهو الذي تعلق النهي به إنما هو فعل ضد المنهي عنه. فإذا قال: لا تتحرك فمعناه اسكن، وعند أبي هاشم والغزالي هو نفس أن لا يفعل وهو عدم الحركة في هذا المثال. لنا أن النهي تكليف والتكليف إنما يرد بما كان مقدورا للمكلف، والعدم الأصلي يمتنع أن يكون مقدورا؛ لأن القدرة لا بد لها من أثر وجودي، والعدم نفي محض فيمتنع إسناده إليها، إذ لا فرق في المعنى بين قولنا: ما أثرت القدرة أو أثرت عدما صرفا، ولأن العدم الأصلي -أي المستمر- حاصل والحاصل لا يمكن تحصيله ثانيا، وإذا ثبت أن مقتضى النهي ليس هو العدم ثبت أنه أمر وجودي ينافي المنهي عنه وهو الضد, ولقائل أن يقول: ترك الزنا مثلا ليس عدما محضا بل هو عدم مضاف متجدد فيكون مقدورا، واحتج أبو هاشم بأن من دعي إلى زنا فلم يفعله فإن العقلاء يمدحونه على أنه لم يزن من غير أن يخطر ببالهم فعل ضد الزنا. قلنا: لا نسلم, فإن العدم ليس في وسعه كما قدمناه فلا يمدح عليه بل المدح على الكف عن الزنا، والكف فعل الضد، ولك أن تقول: ما الفرق بين هذه المسألة وبين قولهم: النهي عن الشيء أمر بضده, فإن هذا هو قولهم متعلق النهي ضد المنهي عنه. المسألة الرابعة: النهي إن كان عن شيء واحد فلا كلام وإن كان عن أشياء فعلى قسمين أحدهما: أن يكون عن الجمع أي: الهيئة الاجتماعية دون المفردات على سبيل الانفراد كالنهي عن نكاح الأختين وكالحرام المخير عند الأشاعرة كما تقدم في خصال الكفارة. الثاني: أن يكون عن الجميع أي: كل واحد كالربا والسرقة, واعلم أن الأشياء جمع وأقلها ثلاثة، وحينئذ فالتمثيل غير مطابق ولو عبر بالمتعدد لخلص من السؤال.

стр. 213

الباب الثالث: في العموم والخصوص الفصل الأول: في العموم ... الباب الثالث: الفصل الأول: في العموم قال: "الباب الثالث: في العموم والخصوص، وفيه فصول، الفصل الأول: في العموم، فالعام لفظ يستغرق جميع ما يصلح له بوضع واحد، وفيه مسائل". أقول: اتفقوا على أن العموم من عوارض الألفاظ حقيقة، وفي المعنى أقول: أصحها عند ابن الحاجب أنه حقيقة فيه أيضا؛ لأن العموم في اللغة هو شمول أمر لمتعدد وذلك موجود بعينه في المعنى. ولهذا يقال: عم المطر، وعم الأمير بالعطاء، ومنه نظر عام، وحاجة عامة، وعلة عامة، ومفهوم عام، وسائر المعاني الكلية كالأجناس والأنواع وكذا الأمر والنهي النفسانيان. والثاني: أنه مجاز ونقله في الأحكام عن الأكثرين ولم يرجح خلافه

стр. 214

واحتجوا بأنه لو كان حقيقة لكان مطردا، وليس كذلك بدليل معاني الأعلام كلها, ولأن العموم هو شمول أمر واحد لمتعدد كشمول معنى الإنسان وعموم المطر حصل في جزء من أجزاء الأرض. والثالث: أنه لا يصدق عليه لا حقيقة ولا مجازا حكاه ابن الحاجب، إذا علمت هذه المقدمة فليرجع إلى الحد فقوله: لفظ جنس، وقد تقدم غير مرة أن الكلمة أولى منه لكونه جنسا بعيدا بدليل إطلاقه على المهمل والمستعمل مركبا كان أو مفردا بخلاف الكلمة، ويؤخذ من التعبير باللفظ أن العموم عند المصنف ليس من عوارض المعاني، لكنه قد نص بعد ذلك على تخصيص العلة والمفهوم وغيرهما، والتخصيص فرع العموم، وأيضا فسيأتي قريبا أن العموم قد يكون عقليا لا لفظيا، ولك أن تجيب بأنه يجوز أن يكون إطلاق العموم هناك على سبيل المجاز كما رآه الجمهور، وكلامه هنا في المدلول الحقيقي، أو تقول: العموم هناك بحسب اللغة وهنا بحسب الاصطلاح، وفي المعالم أن العام ما يتناول الشيئين فصاعدا من غير حصر, فسلم من الاعتراضين وإن وقع في غيرهما. وقوله: "يستغرق" خرج به المطلق، وإنه سيأتي أنه لا يدل على شيء من الأفراد فضلا عن استغراقها، وخرج به النكرة في سياق الإثبات سواء كانت مفردة كرجل أو مثناة كرجلين أو مجموعة كرجل أو عددا كعشرة، فإن العشرة مثلا لا تستغرق جميع العشرات وكذلك البواقي، نعم هي عامة عموم البدل عند الأكثرين إن كانت أمرا نحو: اضرب رجلا، فإن كانت خبرا نحو: جاءني رجل, فلا تعم. ذكره في المحصول١ في الكلام على أن النكرة في سياق النفي تعم، ومعنى عموم البدل أنها تصدق على كل واحد بدلا عن الآخر. وقوله: "جميع ما يصلح له" احتراز عما لا يصلح, فإن عدم استغراق من لما لا يعقل وأولاده زيد لأولاد غيره لا يمنع كونه عاما، لعدم صلاحيته له، والمراد بالصلاحية اللفظ لمعنى دون معنى, سببها الوضع لا المناسبة الطبيعية كما تقدم، ويجوز أن يكون حالا من ما أي جميع المعاني الصالحة له في حال كونها حاصلة بوضع واحد، واحترز بذلك عن اللفظ المشترك كالعين وما له حقيقة ومجاز كالأسد، وتقريره على وجهين, أحدهما: أن العين قد وضعت مرتين مرة للمبصرة ومرة للفوارة، فهي صالحة لهما، فإذا قال: رأيت العيون وأراد بها العيون المبصرة دون الفوارة، أو بالعكس فإنها لم تستغرق جميع ما يصلح لها مع أنها عامة؛ لأن الشرط إنما هو استغراق الأفراد الحاصلة من وضع واحد وقد وجد ذلك، والذي لم يدخل فيها هو أفراد وضع آخر فلا يضر. فلو لم يذكر هذا القيد لاقتضى أن لا تكون عامة، وما كان له حقيقة ومجاز يعمل فيه هذا العمل المذكور بعينه فيكون المقصود بهذا القيد إدخال بعض الأفراد لا الإخراج، وهذا التقرير قد أشار إليه في المحصول إشارة لطيفة فقال:

стр. 215

فإن عمومه لا يقتضي أن يتناول مفهوميه معا وقل من قرره على وجهه, فاعتمد ما ذكرته فإنه عزيز مهم، وإياك وما وقع للأصفهاني والقرافي في شرحيهما للمحصول. التقرير الثاني: أنه قد تقدم أنه يجوز استعمال اللفظ في حقيقته كالعين وفي حقيقته ومجازه كالأسد, وحينئذ فيصدق أن يقال: إنه لفظ مستغرق لجميع ما يصلح له وليس بعام أما الأسد ونحوه فلا خلاف, وأما العين ونحوها فعلى الأصوب كما تقدم، فأخرجه بقوله: بوضع واحد, وفي الحد نظر من وجوه, أحدها: أنه عرف العام بالمستغرق وهما لفظان مترادفان وليس هذا حدا لفظيا حتى يصح التعريف به بل حقيقيا أو رسميا أورده الآمدي في الأحكام. الثاني: أنه يدخل فيه الفعل الذي ذكر معه معمولاته من الفاعل والمفعول وغيرهما نحو ضرب زيد عمرا، وأورده أيضا الآمدي وكذلك ابن الحاجب. الثالث: النقض بأسماء الأعداد فإن لفظ العشرة مثلا صالح لعدد خاص وذلك العدد له أفراد وقد استغرقها, وأورده ابن الحاجب. الرابع: أنه أخذ في تعريف العام لفظة جميع وهو من جملة المعروف, وأخذ المعرف قيدا في المعرف باطل لما علم في علم المنطق. وأورده الأصبهاني شارح المحصول وهذه الأسئلة قد يجاب عن بعضها بجواب غير مرضٍ لكونه عناية في الحد، نعم قولنا: ضرب زيد عمرا لم يستغرق جميع ما يصلح له؛ لأنه غير شامل لجميع أنواع الضرب. قال: "الأولى: أن لكل شيء حقيقة هو بها هو, فالدال عليها المطلق, وعليها مع وحدة معينة المعرفة, وغير معينة النكرة، ومع وحدات معدودة العدد، ومع كل جزئياتها العام". أقول: غرضه الفرق بين المطلق والنكرة والمعرفة والعام والعدد، فإن بعضهم يرى أن المطلق هو النكرة كما حكاه في المحصول١، وحاصله أن لكل شيء حقيقة أي: ماهية ذلك الشيء بها، أي: بتلك الحقيقة يكون ذلك الشيء؛ فالجسم الإنساني مثلا له حقيقة وهي الحيوان الناطق, وذلك الجسم بتلك الحقيقة إنسان، فإن الإنسان إنما يكون إنسانا بالحقيقة وتلك الحقيقة مغايرة لما عداها سواء كان ما عداها ملازما لها كالوحدة والكثرة, أو مفارقا كالحصول في الحيز المعين. فمفهوم الإنسان من حيث هو إنسان لا واحد ولا كثير لكون الوحدة والكثرة مغايرة للمفهوم من حقيقته، وإن كان لا يخلو عنه، إذا عرفت هذا فنقول: اللفظ الدال عليها أي: على الحقيقة فقط هو المطلق كقولنا: الرجل خير من المرأة, والدال عليها مع وحدة أي: مع الدلالة على كونه واحدا, إما بالشخص أو بالنوع أو بالجنس إن كان معينا فهو المعرفة كزيد وإن كان غير معين فهو النكرة كقولك: مررت برجل، وهذان القسمان لم يذكرهما الإمام, بل ذكرهما صاحب الحاصل وصاحب التحصيل فتبعهما المصنف، والدال على الماهية مع وحدات أي: مع كثرة
следующие страницы →