فاسد، وقد تقدم معنى فساد العبادات والمعاملات في أول الكتاب فأغنى عن ذكره، ولنرجع إلى كلام المصنف وحاصله أن النهي يدل من جهة الشرع على الفساد في العبادات، أي: سواء نهى عنها لعينها أو لأمر قارنها؛ لأن الشيء الواحد يستحيل أن يكون مأمورا به ومنهيا عنه، وحينئذ لا يكون الآتي بالفعل المنهي آتيا بالمأمور به، فيبقى الأمر متعلقا به، ويكون الذي أتى به غير مجزئ، وهو المراد من دعوى الفساد كما تقدم في الكلام على الصحة، هكذا قرره بعضهم، وهو خاص بالعبادات الواجبة أو المسنونة، مع أن الدعوى عامة، فالأولى أن يقال: الصلاة المنهي عنها مثلا لو صحت لوقعت مأمورا بها أمر ندب لعموم الأدلة الطالبة للعبادات، ثم إن الأمر بها يقتضي طلب فعلها، والنهي عنها يقتضي طلب تركها، وذلك جمع بين النقيضين. قوله: "بعينه" هو بالبناء ومعناه بنفسه, وهو متعلق بيكون فافهمه. وهذا الدليل إنما يدل على الفساد من حيث هو وأما كونه من جهة الشرع فلا يدل وهو مطلوبه، على أن الفقهاء قالوا: يجوز أن يكون الشيء الواحد مأمورا به منهيا عنه بجهتين واعتبارين، كما لو قال لعبده: خط هذا الثوب ولا تخطه في الدار خاطه. وأما النهي في المعاملات فعلى أربعة أقسام؛ لأن النهي لا يخلو إما أن يكون راجعا إلى نفس العقد أم لا. والثاني: لا يخلو إما أن يكون إلى جزئه أم لا. والثالث: لا يخلو إما أن يكون إلى لازم غير مقارن أم لا. فالأول كالنهي عن بيع الحصاة وهو جعل الإصابة بالحصاة بيعا قائما مقام الصيغة وهو أحد التأويلين في الحديث. والثاني كبيع الملاقيح وهو ما في بطون الأمهات، فإن النهي راجع إلى نفس المبيع، والمبيع ركن من أركان العقد؛ لأن الأركان ثلاثة: العاقد والمعقود عليه والصيغة، ولا شك أن الركن داخل في الماهية. والثالث: كالنهي عن الربا, أما الربا النسيئة والتفرق قبل التقابض فواضح كون النهي عنه لمعنى خارج، وأما ربا الفضل فلأن النهي عن بيع الدرهم بالدرهمين مثلا إنما هو لأجل الزيادة, وذلك أمر خارج عن نفس العقد لأن المعقود عليه من حيث هو قابل للبيع وكونه زائدا أو ناقصا صفة من أوصافه لكنه لازم، والنهي في هذه الثلاثة يدل على الفساد؛ لأن الأولين تمسكوا على فساد الربا بمجرد النهي من غير نكير فكان ذلك إجماعا، وإنما استدل المصنف على الثالث فقط؛ لأنه إذا ثبت ذلك فيه ثبت فيما عداه بالطريق الأولى. وأما الرابع فكالنهي عن البيع وقت نداء الجمعة، فإنه راجع أيضا إلى أمر خارج عن العقد وهو تفويت صلاة الجمعة لا لخصوص البيع, إذ الأعمال كلها كذلك، والتفويت أمر مقارن غير لازم لماهية البيع، وهذا القسم لا يدل على الفساد بدليل صحة الوضوء بالماء المغصوب، وهذا التفصيل الذي اختاره المصنف صرح به الإمام في المعالم لكن في أثناء الاستدلال فافهمه، ونقله الآمدي بالمعنى عن أكثر أصحاب الشافعي واختاره فتأمله، ونقله ابن برهان في الوجيز عن الشافعي نفسه ونص في الرسالة قبيل باب أصل العلم على أنه يدل
стр. 212
على الفساد، فإنه عدد بيوعا كثيرة وحكم بإبطالها لنهي الشارع، ثم قال ما نصه: وذلك أن أصل مال كل امرئ محرم على غيره إلا بما أحل به، وما أحل به من البيوع ما لم ينه عنه، فلا يكون ما نهي عنه من البيوع محلا ما كان أصله محرما. ثم قال: وهذا يدخل في عامة العلم انتهى, ونص في البويطي في باب صفة النهي عن مثله أيضا وهو كما نقله المصنف إلا في استثناء المقارن، وقد نقل ابن برهان عن الشافعي أنه مستثنى كما تقدم. المسألة الثالثة: مقتضى النهي أي: المطلوب بالنهي وهو الذي تعلق النهي به إنما هو فعل ضد المنهي عنه. فإذا قال: لا تتحرك فمعناه اسكن، وعند أبي هاشم والغزالي هو نفس أن لا يفعل وهو عدم الحركة في هذا المثال. لنا أن النهي تكليف والتكليف إنما يرد بما كان مقدورا للمكلف، والعدم الأصلي يمتنع أن يكون مقدورا؛ لأن القدرة لا بد لها من أثر وجودي، والعدم نفي محض فيمتنع إسناده إليها، إذ لا فرق في المعنى بين قولنا: ما أثرت القدرة أو أثرت عدما صرفا، ولأن العدم الأصلي -أي المستمر- حاصل والحاصل لا يمكن تحصيله ثانيا، وإذا ثبت أن مقتضى النهي ليس هو العدم ثبت أنه أمر وجودي ينافي المنهي عنه وهو الضد, ولقائل أن يقول: ترك الزنا مثلا ليس عدما محضا بل هو عدم مضاف متجدد فيكون مقدورا، واحتج أبو هاشم بأن من دعي إلى زنا فلم يفعله فإن العقلاء يمدحونه على أنه لم يزن من غير أن يخطر ببالهم فعل ضد الزنا.
قلنا: لا نسلم, فإن العدم ليس في وسعه كما قدمناه فلا يمدح عليه بل المدح على الكف عن الزنا، والكف فعل الضد، ولك أن تقول: ما الفرق بين هذه المسألة وبين قولهم: النهي عن الشيء أمر بضده, فإن هذا هو قولهم متعلق النهي ضد المنهي عنه. المسألة الرابعة: النهي إن كان عن شيء واحد فلا كلام وإن كان عن أشياء فعلى قسمين أحدهما: أن يكون عن الجمع أي: الهيئة الاجتماعية دون المفردات على سبيل الانفراد كالنهي عن نكاح الأختين وكالحرام المخير عند الأشاعرة كما تقدم في خصال الكفارة. الثاني: أن يكون عن الجميع أي: كل واحد كالربا والسرقة, واعلم أن الأشياء جمع وأقلها ثلاثة، وحينئذ فالتمثيل غير مطابق ولو عبر بالمتعدد لخلص من السؤال.
стр. 213
الباب الثالث: في العموم والخصوص
الفصل الأول: في العموم
...
الباب الثالث:
الفصل الأول: في العموم
قال: "الباب الثالث: في العموم والخصوص، وفيه فصول، الفصل الأول: في العموم، فالعام لفظ يستغرق جميع ما يصلح له بوضع واحد، وفيه مسائل". أقول: اتفقوا على أن العموم من عوارض الألفاظ حقيقة، وفي المعنى أقول: أصحها عند ابن الحاجب أنه حقيقة فيه أيضا؛ لأن العموم في اللغة هو شمول أمر لمتعدد وذلك موجود بعينه في المعنى. ولهذا يقال: عم المطر، وعم الأمير بالعطاء، ومنه نظر عام، وحاجة عامة، وعلة عامة، ومفهوم عام، وسائر المعاني الكلية كالأجناس والأنواع وكذا الأمر والنهي النفسانيان. والثاني: أنه مجاز ونقله في الأحكام عن الأكثرين ولم يرجح خلافه
стр. 214
واحتجوا بأنه لو كان حقيقة لكان مطردا، وليس كذلك بدليل معاني الأعلام كلها, ولأن العموم هو شمول أمر واحد لمتعدد كشمول معنى الإنسان وعموم المطر حصل في جزء من أجزاء الأرض. والثالث: أنه لا يصدق عليه لا حقيقة ولا مجازا حكاه ابن الحاجب، إذا علمت هذه المقدمة فليرجع إلى الحد فقوله: لفظ جنس، وقد تقدم غير مرة أن الكلمة أولى منه لكونه جنسا بعيدا بدليل إطلاقه على المهمل والمستعمل مركبا كان أو مفردا بخلاف الكلمة، ويؤخذ من التعبير باللفظ أن العموم عند المصنف ليس من عوارض المعاني، لكنه قد نص بعد ذلك على تخصيص العلة والمفهوم وغيرهما، والتخصيص فرع العموم، وأيضا فسيأتي قريبا أن العموم قد يكون عقليا لا لفظيا، ولك أن تجيب بأنه يجوز أن يكون إطلاق العموم هناك على سبيل المجاز كما رآه الجمهور، وكلامه هنا في المدلول الحقيقي، أو تقول: العموم هناك بحسب اللغة وهنا بحسب الاصطلاح، وفي المعالم أن العام ما يتناول الشيئين فصاعدا من غير حصر, فسلم من الاعتراضين وإن وقع في غيرهما. وقوله: "يستغرق" خرج به المطلق، وإنه سيأتي أنه لا يدل على شيء من الأفراد فضلا عن استغراقها، وخرج به النكرة في سياق الإثبات سواء كانت مفردة كرجل أو مثناة كرجلين أو مجموعة كرجل أو عددا كعشرة، فإن العشرة مثلا لا تستغرق جميع العشرات وكذلك البواقي، نعم هي عامة عموم البدل عند الأكثرين إن كانت أمرا نحو: اضرب رجلا، فإن كانت خبرا نحو: جاءني رجل, فلا تعم. ذكره في المحصول١ في الكلام على أن النكرة في سياق النفي تعم، ومعنى عموم البدل أنها تصدق على كل واحد بدلا عن الآخر. وقوله: "جميع ما يصلح له" احتراز عما لا يصلح, فإن عدم استغراق من لما لا يعقل وأولاده زيد لأولاد غيره لا يمنع كونه عاما، لعدم صلاحيته له، والمراد بالصلاحية اللفظ لمعنى دون معنى, سببها الوضع لا المناسبة الطبيعية كما تقدم، ويجوز أن يكون حالا من ما أي جميع المعاني الصالحة له في حال كونها حاصلة بوضع واحد،
واحترز بذلك عن اللفظ المشترك كالعين وما له حقيقة ومجاز كالأسد، وتقريره على وجهين, أحدهما: أن العين قد وضعت مرتين مرة للمبصرة ومرة للفوارة، فهي صالحة لهما، فإذا قال: رأيت العيون وأراد بها العيون المبصرة دون الفوارة، أو بالعكس فإنها لم تستغرق جميع ما يصلح لها مع أنها عامة؛ لأن الشرط إنما هو استغراق الأفراد الحاصلة من وضع واحد وقد وجد ذلك، والذي لم يدخل فيها هو أفراد وضع آخر فلا يضر. فلو لم يذكر هذا القيد لاقتضى أن لا تكون عامة، وما كان له حقيقة ومجاز يعمل فيه هذا العمل المذكور بعينه فيكون المقصود بهذا القيد إدخال بعض الأفراد لا الإخراج، وهذا التقرير قد أشار إليه في المحصول إشارة لطيفة فقال:
стр. 215
فإن عمومه لا يقتضي أن يتناول مفهوميه معا وقل من قرره على وجهه, فاعتمد ما ذكرته فإنه عزيز مهم، وإياك وما وقع للأصفهاني والقرافي في شرحيهما للمحصول. التقرير الثاني: أنه قد تقدم أنه يجوز استعمال اللفظ في حقيقته كالعين وفي حقيقته ومجازه كالأسد, وحينئذ فيصدق أن يقال: إنه لفظ مستغرق لجميع ما يصلح له وليس بعام أما الأسد ونحوه فلا خلاف, وأما العين ونحوها فعلى الأصوب كما تقدم، فأخرجه بقوله: بوضع واحد, وفي الحد نظر من وجوه, أحدها: أنه عرف العام بالمستغرق وهما لفظان مترادفان وليس هذا حدا لفظيا حتى يصح التعريف به بل حقيقيا أو رسميا أورده الآمدي في الأحكام. الثاني: أنه يدخل فيه الفعل الذي ذكر معه معمولاته من الفاعل والمفعول وغيرهما نحو ضرب زيد عمرا، وأورده أيضا الآمدي وكذلك ابن الحاجب. الثالث: النقض بأسماء الأعداد فإن لفظ العشرة مثلا صالح لعدد خاص وذلك العدد له أفراد وقد استغرقها, وأورده ابن الحاجب. الرابع: أنه أخذ في تعريف العام لفظة جميع وهو من جملة المعروف, وأخذ المعرف قيدا في المعرف باطل لما علم في علم المنطق.
وأورده الأصبهاني شارح المحصول وهذه الأسئلة قد يجاب عن بعضها بجواب غير مرضٍ لكونه عناية في الحد، نعم قولنا: ضرب زيد عمرا لم يستغرق جميع ما يصلح له؛ لأنه غير شامل لجميع أنواع الضرب. قال: "الأولى: أن لكل شيء حقيقة هو بها هو, فالدال عليها المطلق, وعليها مع وحدة معينة المعرفة, وغير معينة النكرة، ومع وحدات معدودة العدد، ومع كل جزئياتها العام". أقول: غرضه الفرق بين المطلق والنكرة والمعرفة والعام والعدد، فإن بعضهم يرى أن المطلق هو النكرة كما حكاه في المحصول١، وحاصله أن لكل شيء حقيقة أي: ماهية ذلك الشيء بها، أي: بتلك الحقيقة يكون ذلك الشيء؛ فالجسم الإنساني مثلا له حقيقة وهي الحيوان الناطق, وذلك الجسم بتلك الحقيقة إنسان، فإن الإنسان إنما يكون إنسانا بالحقيقة وتلك الحقيقة مغايرة لما عداها سواء كان ما عداها ملازما لها كالوحدة والكثرة, أو مفارقا كالحصول في الحيز المعين. فمفهوم الإنسان من حيث هو إنسان لا واحد ولا كثير لكون الوحدة والكثرة مغايرة للمفهوم من حقيقته، وإن كان لا يخلو عنه، إذا عرفت هذا فنقول: اللفظ الدال عليها أي: على الحقيقة فقط هو المطلق كقولنا: الرجل خير من المرأة, والدال عليها مع وحدة أي: مع الدلالة على كونه واحدا, إما بالشخص أو بالنوع أو بالجنس إن كان معينا فهو المعرفة كزيد وإن كان غير معين فهو النكرة كقولك: مررت برجل، وهذان القسمان لم يذكرهما الإمام, بل ذكرهما صاحب الحاصل وصاحب التحصيل فتبعهما المصنف، والدال على الماهية مع وحدات أي: مع كثرة
стр. 216
ينظر فيها إن كانت معدودة أي: محصورة لا تتناول ما عداها فهو العدد كخمسة، وإن كانت غير معدودة بل مستوعبة لكل جزء من جزئيات تلك الحقيقة أي: لكل فرد من أفرادها فهو العام كالمشركين، وهذه العبارة التي في العام أخذها المصنف من الحاصل, فإنه عدل عن قول الإمام وعليها مع كثرة غير معينة إلى ما قلناه؛ لأنه يرد عليه الجمع المنكر كقولنا: رجال, فتابعه المصنف عليه وهو من محاسن الكلام, وما أورده بعضهم عليه فلا وجه له، ويؤخذ منه حد آخر للعام غير المذكور أولا, ومنه أخذ القرافي حده حيث قال: هو اللفظ الموضوع لمعنى كلي يفيد التتبع في محاله, وكلامه يقتضي أنه اخترعه. واعلم أن هذا التقسيم ضعيف لوجوه, أحدها: أنه يقتضي أن العدد والمعرفة والعام متقابلات أي: لا يصدق أحدها على الآخر؛ لأن هذا شأن التقسيم وليس كذلك، فإن العام والعدد قد يكونان معرفتين كالرجال والخمسة, ونكرتين نحو: كل رجل وخمسة, فتداخلت الأقسام. الثاني: أن اعتبار الوحدة في مدلول المعرفة والنكرة يوجب خروج نحو الرجلين والرجال عن حد المعرفة, وخروج نحو رجلين ورجال عن حد النكرة وهو باطل، ولم يذكر ذلك غير صاحب الحاصل والتحصيل.
الثالث: أن العدد في قولنا: خمسة رجال مثلا, إنما هو الخمسة وحدها بلا نزاع، والرجال هو المعدود، وكلامه يقتضي أن العدد إما اسم للمجموع أو للرجال فقط، وهو الأقرب لكلامه، فإن الرجال لفظ دال على الحقيقة وعلى وحدات معدودة بالخمس، فإنا عددناها بها، وأيضا فإن المعدود مشتق من العدد فيتوقف معرفته على معرفته, فكيف يؤخذ في التقسيم الذي يحصل منه تعريفه؟ وعبر الإمام في المحصول والمعالم بقوله: معينة، ولكن أبدله في الحاصل بقوله: معدودة فتبعه المصنف عليه. قال: "الثانية: العموم, إما لغة بنفسه كأي للكل ومن للعالمين وما لغيرهم، وأين للمكان، ومتى للزمان, أو بقرينة في الإثبات كالجمع المحلى بالألف واللام، والمضاف, وكذا اسم الجنس أو النفي كالنكرة في سياقه أو عرفا مثل ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٣٤] فإنه يوجب حرمة الاستمتاعات, أو عقلا كترتيب الحكم على الوصف, ومعيار العموم جواز الاستثناء فإنه يخرج ما يجب اندراجه لولاه وإلا لجاز من الجمع المنكر, قيل: لو تناول لامتنع الاستثناء لكون نقضا, قلنا: منقوض بالاستثناء من العدد، وأيضا استدلال الصحابة ﵃ بعموم ذلك في مثل: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ [النور: ٢] ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] "وأمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله" ١ و "الأئمة من قريش" ٢، "نحن معاشر الأنبياء لا نورث" ٣ "شائعا من غير نكير"". أقول: العموم إما أن يكون لغة، أو عرفا، أو عقلا. القسم الأول وهو المستفاد من وضع اللغة له حالان, أحدهما: أن يكون عاما
стр. 217
بنفسه أي: من غير احتياج إلى قرينة، وحينئذ فإما أن يكون عاما في كل شيء سواء كان من أولي العلم أو غيرهم كأن تقول: أي رجل جاء, وأي ثوب لبسته، وكذا كل وجميع والذي والتي ونحوها وكذا سائرها إن كانت مأخوذة من سور المدينة وهو المحيط به, وبه جزم الجوهري وغيره، فإن كانت مأخوذة من السؤر بالهمزة وهو البقية فلا يعم وهو الصحيح، وفي الحديث "وفارق سائرهن" أي: باقيهن وشرط أي أن تكون استفهامية أو شرطية، فإن كانت موصولة نحو: مررت بأيهم قام أي: بالذي, أو صفة نحو: مررت برجل أي رجل بمعنى كامل, أو حالا نحو: مررت بزيد أي رجل بفتح أي بمعنى كامل أيضا، أو منادى نحو: "يا أيها الرجل" فإنها لا تعم، وإما أن يكون عاما في العالمين خاصة أي: أولي العلم, كمن قال: الصحيح أنها تعم الذكور والإناث والأحرار والعبيد، وقيل: تعم شرعا الذكور الأحرار فقط، وشرطها أن تكون شرطية أو استفهامية, فإن كانت نكرة موصوفة نحو: مررت بمن معجب لك, بجر معجب أي: رجل معجب، أو كانت موصولة نحو: مررت بمن قام أي: بالذي قام فإنها لا تعم. ونقل القرافي عن صاحب التلخيص أن الموصولة تعم، وليس كذلك فقد صرح بعكسه، ونقله عنه الأصفهاني في شرح المحصول والعالمين هنا بكسر اللام, وإنما عدل عن التعبير بمن يعقل وإن كانت هي العبارة المشهورة، إلى التعبير بأولي العلم لمعنى حسن غفل عنه الشارحون, ذكره ابن عصفور في شرح المقرب وغيره، وهو أن من يطلق على الله تعالى كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ﴾ [الحجر: ٢٠] وكذلك أي: كقوله تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١٩] والبارئ يوصف بالعلم ولا يوصف بالعقل, فلو عبر به لكان تعبيرا غير شامل، وإما أن يكون عاما في غير أولي العلم وهو ما، نحو: اشتر ما رأيت, فلا يدخل فيه العبيد والإماء، وفيه خلاف يأتي ذكره بدليله في تأخير البيان إن شاء الله تعالى, لكن إذا كانت ما نكرة موصوفة نحو: مررت بما معجب لك أي بشيء، أو كانت غير موصوفة نحو: ما أحسن زيدا, فإنها لا تعم، وإما أن يكون عاما في الأمكنة خاصة نحو: أين تجلس أجلس، وإما في الأزمنة نحو: متى تجلس أجلس، وقيد ابن الحاجب ذلك بالزمان المبهم كما مثلناه، حتى لا يصح أن تقول: متى زالت الشمس فأتمنى، ولم أر هذا الشرط في الكتب المعتمدة، ولقائل أن يقول: لو كانت هذه الصيغ للعموم لكان إذا قال لامرأته: متى قمت أو حيث قمت أو أين قمت فأنت طالق يقع عليه الثلاث كما لو قال: كلما وليس كذلك. وقوله: "أو بقرينة" هذا هو الحال الثاني، وهو أن يكون عمومه مستفادا من اللغة لكن بقرينة وتلك القرينة قد تكون في الإثبات، وهي أل والإضافة الداخلان على الجمع كالعبيد وعبيدي، وعلى المفرد، وهو الذي عبر عنه المصنف باسم الجنس، كقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى﴾ [الإسراء: ٣٢] ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور: ٦٣] لكن إن كانت أل عهدية فإن تعميمها لأفراد المعهودين خاصة،
стр. 218
قال في المحصول: والضمير العائد على اسم حكمه حكم ذلك الاسم في العموم وعدمه، وهنا أمور, أحدها: أن هذه القرينة قد تفيد العموم في النفي أيضا نحو: ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ [البقرة: ٢٢١] الثاني: أن العموم فيما تقدم يختلف, فالداخل على اسم الجنس يعم المفردات، وعلى الجمع يعم الجموع؛ لأن أل تعم أفراد ما دخلت عليه، وقد دخلت على جمع، وكذلك الإضافة. وفائدة هذا أنه يتعذر الاستدلال به في حالة النفي أو النهي على ثبوت حكمه لمفرداته، إنما حصل النفي أو النهي عن أفراد المجموع، والواحد ليس بجمع، وهو معنى قولهم: لا يلزم من نفي المجموع نفي كل فرد، ولا من النهي عنه النهي عن كل فرد, فإن قيل: يعارض هذا إطلاقهم أن العموم من باب الكلية فإن معناه ثبوته لكل فرد, سواء كان نفيا أم لا كما تقدم بسطه في تقسيم الدلالة. قلنا: لا تنافي بينهما, فإنا قد أثبتناه لكل فرد من أفراد ما دخل عليه وهو المجموع. الثالث: لم يصرح الإمام وأتباعه بحكم المفرد المضاف هنا, نعم صرحوا بعمومه في الكلام على أن الأمر للوجوب فإنهم قد استدلوا عليه بقوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ﴾ الآية, فأورد الخصم أن أمره لا يعم فأجابوا بأنه عام لجواز الاستثناء كما تقدم، ونقله القرافي هنا عن صاحب الروضة، وأما المفرد المعرف بأل فذكره الإمام في كتبه وصحح هو وأتباعه أنه لا يعم، وصحح المصنف وابن الحاجب عكسه, وصححه ابن برهان في الوجيز, ونقله الإمام عن الفقهاء والمبرد والجبائي, ونقله الآمدي عن الشافعي ﵀ والأكثرين، ورأيت في نصه في الرسالة نحوه أيضا، فإنه نص على أن الأرض من قوله تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الزمر: ٥] من الألفاظ العامة التي أريد بها العموم، ثم نص على أن قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ و ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ ونحوهما من العام الذي خص ورأيت في البويطي نحوه أيضا فإنه جعل قوله تعالى: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] من العام المخصوص، ولك أن تقول: لم لا؟ قال الشافعي ﵀ بوقوع الثلاث على من حلف بالطلاق المعرف، وقد يجاب بأن هذا يمين فيراعى فيه العرف لا اللغة. قوله: "أو النفي" تقديره أو بقرينة في النفي، وهو معطوف على قوله في الإثبات وحاصله أن النكرة في سياق النفي تعم سواء باشرها النفي نحو: ما أحد قائم أو باشر عاملها نحو: ما قام أحد، وسواء كان النافي ما أو لم أو لن أو ليس أو غيرها، ثم إن كانت النكرة صادقة على القليل والكثير كشيء، أو ملازمة للنفي نحو: أحد، أو داخلا عليها من نحو: ما جاء من رجل، أو واقعة بعد لا العاملة عمل إن وهي لا التي لنفي الجنس, فواضح كونها للعموم، وما عدا ذلك نحو: لا رجل قائما، وما في الدار رجل، ففيه مذهبان للنحاة, الصحيح أنها للعموم أيضا كما اقتضاه إطلاق المصنف وهو مذهب سيبويه, وممن نقله عنه شيخنا أبو حيان في حروف الجر، ونقله من الأصوليين إمام الحرمين في البرهان في الكلام على معاني الحروف لكنها ظاهرة في العموم لا نص، قال إمام الحرمين:
стр. 219
ولهذا نص سيبويه على جواز مخالفته فتقول: ما فيها رجل بل رجلان، كما يعدل عن الظاهر في نحو: جاء الرجال إلا زيدا، وذهب المبرد إلى أنها ليست للعموم وتبعه عليه الجرجاني في أول شرح الإيضاح والزمخشري عند قوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩] وعند قوله تعالى: ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ﴾ [الأنعام: ٤] نعم يستثنى من إطلاق المصنف سلب الحكم عن العموم كقولنا: ما كل عدد زوجا، فإن هذا ليس من باب عموم السلب أي: ليس حكما بالسلب على كل فرد, وإلا لم يكن فيه زوج وذلك باطل، بل المقصود إبطال قول من قال: إن كل عدد زوج وذلك سلب الحكم عن العموم، وقد تفطن لذلك السهروردي صاحب التلقيحات فاستدرجه وإذا وقعت النكرة في سياق الشرط كانت للعموم, أيضا صرح به في البرهان هنا وارتضاه الإبياري في شرحه له, واقتضاه كلام الآمدي وابن الحاجب في مسألة لا آكل. وقوله: "أو عرفا" هذا هو القسم الثاني من أصل التقسيم وهو عطف على قوله: لغة، أي: العموم إما أن يكون لغة أو عرفا كقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] فإن أهل العرف نقلوا هذا المركب من تحريم العين إلى تحريم جميع وجوه الاستمتاعات؛ لأنه المقصود من النسوة دون الاستخدام ونحوه. ومثله قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] فإن حملناه على الأكل للعرف, وفيه قول مذكور في باب المجمل والمبين أن هذا كله مجمل. قوله: "أو عقلا" هذا هو القسم الثالث, وضابطه ترتيب الحكم على الوصف، نحو: حرمت الخمر للإسكار, فإن ترتيبه عليه يشعر بأنه علة له والعقل يحكم بأنه كلما وجدت العلة يوجد المعلول، وكلما انتفت فإنه ينتفي، وأما في اللغة فإنها لم تدل على هذا العموم، أما في المفهوم فواضح, وأما في المنطوق فلما مر من أن تعليق الشيء بالوصف لا يدل على التكرار من جهة اللفظ، وههنا أمران أحدهما: أن صيغ العموم وإن كانت عامة في الأشخاص فهي مطلقة في الأحوال والأزمان والبقاع, فلا يثبت العموم فيها لأجل ثبوته في الأشخاص, بل لا بد من دليل عليه مثاله قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] يقتضي قتل كل مشرك لكن لا في كل حال بحيث يعم حال الهدنة والحرابة وعقد الذمة بل يقتضي ذلك في حال ما, وما من مشرك إلا ويقتل في حال ما كحال الردة وحال الحرب, وهذه القاعدة ارتضاها القرافي والأصفهاني في شرحي المحصول وقرراها بهذا التقرير في الكلام على التخصيص وهي صحيحة نافعة، ونازع الشيخ تفي الدين في شرح العمدة١ في صحتها، وكذلك الإمام في المحصول فإنه قال في كتاب القياس جوابا عن سؤال: قلنا: لما كان أمر الجميع الأقيسة كان متناولا لا محالة لجميع الأوقات, وإلا قدح ذلك في كونه متناولا لكل الأقيسة, ويظهر أن يتوسط فيقال: معنى الإطلاق إنه إذا عمل به في شخص ما في حال ما في زمان ما فلا يعمل به في ذلك الشخص مرة أخرى، أما في
стр. 220
أشخاص أخر فيعمل به, فالتوفية بعموم الأشخاص أن لا يبقى شخص إلا ويدخل، والتوفية بالإطلاق أن لا يتكرر الحكم في الشخص الواحد، ولقائل أن يقول: عدم التكرار معلوم من كون الأمر لا يقتضي التكرار. الثاني: دلالة العموم قطعية عند الشافعي ﵀ والمعتزلة أيضا، وظنية عند أكثر الفقهاء, هكذا نقله الإبياري شارح البرهان وهي فائدة حسنة، وممن نقله عنه الأصفهاني شارح المحصول، وذكر الماوردي نحوه أيضا، فقال: واختلف المعممون في أن ما زاد على أقل الجمع هل هو من باب النصوص أو من باب الظواهر؟ وذكر في البرهان في أول العموم عن الشافعي نحوه أيضا. وقوله: "ومعيار العموم ... إلخ" اعلم أن الشافعي ﵁ وكثيرا من العلماء ذهبوا إلى أن ما سبق ذكره من الصيغ حقيقة في العموم مجاز في الخصوص, واختاره ابن الحاجب وذهب جماعة إلى العكس, وقال جماعة: إنها مشتركة بينهما, وآخرون بالوقف وهو عدم الحكم بشيء، واختاره الآمدي وقيل بالوقف في الأخبار والوعد والوعيد دون الأمر والنهي, واختار المصنف مذهب الشافعي، واستدل عليه بوجهين أحدهما: جواز الاستثناء؛ وذلك لأن هذه الصيغ يجوز أن يستثنى منها ما شئناه من الأفراد، والاستثناء إخراج ما لولاه لوجب اندراجه في المستثنى منه، فلزم من ذلك أن تكون الأفراد كلها واجبة الدخول ولا معنى للعموم إلا ذلك، أما المقدمة الأولى فبالاتفاق، وأما الثانية فلأن الدخول لو لم يكن واجبا بل جائزا لكان يجوز الاستثناء من الجمع المنكر، فتقول: جاء رجال إلا زيدا, وقد نص النحاة على منعه، نعم قالوا: إن كان المستثنى منه مختصا جاز نحو: جاء رجال كانوا في دارك إلا زيدا منهم أو رجلا منهم، والتعليل الذي ذكره المصنف يدفع إيراد هذه الصورة, ولم يصرح الإمام ولا أتباعه كصاحب الحاصل بامتناع الاستثناء من النكرة، بل صرحوا بجوازه في غير موضع من هذه المسألة, وما قاله المصنف هو الصواب، لكن في هذا الدليل كلام تقدم في أدلة من قال: إن الأمر للتكرار، ولقائل أن يقول: لو كان جواز الاستثناء معيار العموم لكان العدد عاما وليس كذلك، واعترض الخصم عليه بأنه لو وجب أن يتناوله لامتنع الاستثناء؛ لأن المتكلم دل بأول كلامه على أن المستثنى داخل فيه، ودل بالاستثناء على عدم دخوله وذلك نقض للأول, وأجاب المصنف بأن ما ذكرتموه من الدليل ينتقض بالاستثناء من العدد، فإن المستثنى داخل في المستثنى منه قطعا، وللخصم أن يقول: لا أسلم جواز الاستثناء من العدد، فإن مذهب البصريين المنع لكونه نصا كما حكاه عنهم ابن عصفور في شرح المقرب وغيره، قال: إلا أن يكون العدد مما يستعمل في المبالغة كالألف والسبعين فيجوز، نعم الاعتراض نفسه ضعيف أو باطل, فإن المصنف لم يدع وجوب الاندراج مع كونه مستثنى بل ادعاه عند عدمه، ولهذا قال: ما يجب اندراجه لولاه، وأيضا فإن المستثنى داخل في المستثنى منه لغة لا منه فلا تناقض؛ لأن الصحيح أن الحكم على المستثنى منه إنما هو بعد إخراج المستثنى. قوله: "وأيضا" أي: الدليل الثاني: استدلال الصحابة بعموم هذه الصيغة
стр. 221
استدلال شائع من غير نكير فكان إجماعا، وبيانه أنهم قد استدلوا بعموم اسم الجنس المحلى بأل كقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ [النور: ٢] وبعموم الجمع المضاف، فإن فاطمة احتجت على أبي بكر ﵄ في توريثها من النبي ﷺ الأرض المعروفة وهي فدك والعوالي بقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] الآية, واستدل أيضا أبو بكر بعمومه فإنه رد على فاطمة بقوله ﷺ : "نحن معاشر الأنبياء لا نورث, ما تركناه صدقة" وهذا الحديث معزوّ إلى الترمذي في غير جامعه, والثابت في الصحيحين: "لا نورث, ما تركناه صدقة" واستدل عمر ﵁ بعموم الجمع المحلى، فإنه قال لأبي بكر حين عزم على قتال مانعي الزكاة: كيف تقاتلهم وقد قال النبي ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله"؟! فقال أبو بكر: أليس أنه قال: "إلا بحقها"؟ وتمسك أيضا أبو بكر فإن الأنصار لما قالوا للمهاجرين: منا أمير ومنكم أمير رد عليهم أبو بكر بقوله ﷺ : "الأئمة من قريش" رواه النسائي. قال: "الثالثة: الجمع المنكر لا يقتضي العموم؛ لأنه يحتمل كل أنواع العدد، قال الجبائي: حقيقة في كل أنواع العدد, فيحمل على جميع حقائقه, قلنا: لا, بل في القدر المشترك". أقول: الجمع المنكر أي: إذا لم يكن مضافا لا يقتضي العموم خلافا لأبي علي الجبائي, لنا أن رجالا مثلا يحتمل كل نوع من أنواع العدد بدليل صحة تقسيمه إليه، وتفسير الإقرار به وإطلاقه عليه ووصفه به، كرجال ثلاثة وعشرة، ومورد التقسيم وهو الجمع أعم من أقسامه ضرورة، فيكون الجمع أعم، وكل فرد أخص, والأعم لا يدل على الأخص، ولا يستلزمه فلا يحمل عليه، وقوله في كل أنواع العدد أي: من الثلاثة فصاعدا وإلا فيرد الاثنان، وأما الواحد فلا يرد لأنه لا يسمى عددا عند أهل الحساب بل العدد ينشأ عنه، واحتج الجبائي بأنه لما ثبت أنه يطلق على كل نوع كان مشتركا؛ لأن الأصل في الإطلاق الحقيقة، وحينئذ فيحمل على جميع حقائقه احتياطا كما ذكرناه في باب الاشتراك, وقد تقدم هناك من كلام المصنف أن أبا علي الجبائي ممن جوز استعمال المشترك في معنييه، لكنه لا يلزم منه الحمل كما تقدم، فاستفدنا من هنا أنه يقول بالحمل أيضا، والجواب: أنا لا نسلم أنه حقيقة في كل نوع بخصوصه حتى يكون مشتركا، بل حقيقة في القدر المشترك بين الكل وهو الثلاثة مع قطع النظر عن الزائد عليها كما قاله في المحصول؛ لأنا بينا أنه لا يدل على الأنواع فكيف يكون حقيقة فيها، وأيضا للفرار من الاشتراك، ولك أن تقول: هذا الكلام يقتضي أن رجالا أقلهم ثلاثة, وليس كذلك؛ لأنه جمع كثرة، والأصل في مدلوله وهو المشترك بين جموع الكثرة كلها إنما هو أحد عشر باتفاق النحاة. قال: "الرابعة: قوله تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ [الحشر: ٢٠] يحتمل نفي الاستواء من كل وجه, ومن بعضه فلا ينفي الاستواء من كل وجه؛ لأن الأعم لا يستلزم الأخص، وقوله: لا آكل, عام في كل مأكول فيحمل على التخصيص، كما لو قيل: لا آكل أكلا، وفرق أبو حنيفة بأن أكلا يدل
стр. 222
على التوحيد وهو ضعيف, فإنه للتوكيد فيستوي فيه الواحد والجمع". أقول: نفي المساواة بين الشيئين كقوله تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ [الحشر: ٢٠] هل هو عام في الأمور التي يمكن نفيها أم لا؟ وفيه مذهبان أحدهما: أن مقتضاها في الإثبات هل هو المساواة من كل وجه أو من بعض الوجوه؟ فإن قلنا: من كل وجه, فلا يستوي ليس بعام بل نفي للبعض؛ لأن نقيض الموجبة الكلية سالبة جزئية، وإن قلنا: من بعض الوجوه فلا يستوي عام؛ لأن نقيض الموجبة الجزئية سالبة كلية، والصحيح عند أصحابنا القائلين بأن العموم له صيغة، أن هذه أيضا للعموم، وممن صححه الآمدي وابن برهان وابن الحاجب وتمسك بها جماعة على أن المسلم لا يقتل بالكافر؛ لأن القصاص مبني على المساواة، وخالف الإمام وأتباعه ومنهم المصنف، واحتجوا بأن نفي الاستواء أعم من كونه من كل الوجوه أو من بعضها بدليل صحة تقسيمه إليهما. والأعم لا يستلزم الأخص فحينئذ نفي الاستواء المطلق لا يستلزم نفي الاستواء من كل وجه. وهذا الدليل ضعيف؛ لأن الأعم إنما يدل على الأخص في طرف الإثبات، أما في طرف النفي فيدل؛ لأنه نفي الحقيقة، ويلزم من انتفاء الحقيقة والماهية انتفاء كل فرد؛ لأنه لو وجد منها فرد لكانت الماهية موجودة؛ ولهذا لو قال: ما رأيت حيوانا وقد رأى إنسانا, عد كاذبا أيضا؛ فلأن الأفعال نكرات والنكرة في سياق النفي تعم. قوله: "بخلاف لا آكل" اعلم أنه إذا حلف على الأكل وتلفظ بشيء معين كقوله مثلا: والله لا آكل التمر، أو لم يتلفظ به لكن أتى بمصدر ونوى به شيئا معينا كقوله: والله لا آكل فلا خلاف بين الشافعي وأبي حنيفة أنه لا يحنث بغيره، فإن لم يتلفظ بالمأكول ولم يأت بالمصدر ولكن خصصه بنيته، كما إذا نوى التمر بقوله: والله لا آكل، أو إن أكلت فعبدي حر، ففي تخصيص الحنث به مذهبان, منشؤهما أن هذا الكلام هل هو علم أم لا؟ وقد علمت بما ذكرناه أن صورة المسألة المختلفة فيها أن يكون فعلا متعديا لم يقيد بشيء كما صوره الغزالي في المستصفى، وأن يكون واقعا بعد النفي أو الشرط كما صوره ابن الحاجب واقتضاه كلام الآمدي، إذا علمت هذا فأحد المذهبين وهو مذهب أبي حنيفة أنه ليس بعام، وحينئذ فلا يقبل التخصيص بل يحنث به وبغيره؛ لأن التخصيص فرع العموم. والثاني وهو مذهب الشافعي: أنه عام؛ لأنه نكرة في سياق النفي أو الشرط فيعم؛ ولأن لا آكل يدل على نفي حقيقة الأكل الذي تضمنه الفعل، فلو لم ينتف بالنسبة إلى بعض المأكولات لم تكن حقيقته منتفية ولا معنى للعموم إلا ذلك، فإذا ثبت أنه عام فيقبل التخصيص واستدل المصنف عليه بالقياس على ما لو قال: لا آكل أكلا, فإن أبا حنيفة يسلم أنه قابل التخصيص بالنية كما تقدم، فكذلك لا آكل؛ لأن المصدر موجود فيه أيضا لكونه مشتقا منه, ومال في المحصول لمقالة أبي حنيفة فقال: إن نظره فيه دقيق، وفي المنتخب والحاصل: إنه الحق، وفرق أعني الإمام بأن لا آكل يتضمن المصدر, والمصدر إنما يدل على الماهية
стр. 223
من حيث هي والماهية من حيث هي لا تتعدد فيها فليست بعامة، وإذا انتفى العموم انتفى التخصيص فيحنث بالجميع. وأما أكل فليس بمصدر؛ لأنه يدل على التوحيد أي: على المرة الواحدة وحينئذ فيصح تفسير ذلك الواحد بالنية, فلهذا لا يحنث بغيره وهو ضعيف كما قاله المصنف, بل باطل لأن هذا مصدر مؤكد بلا نزاع والمصدر المؤكد يطلق على الواحد والجمع ولا يفيد فائدة زائدة على فائدة المؤكد, فلا فرق حينئذ بين الأول والثاني، ولو سلمنا أن لا آكل ليس بعام لكنه مطلق والمطلق يصح تقييدا اتفاقا, وقد انتصر الإمام لأبي حنيفة بشيء في غاية الفساد, فإنه بناه على أن أكلا ليس بمصدر وأنه للمرة الواحدة, وأن لا آكل ليس بعام، وأنه إذا لم يكن عاما لا يقبل التقييد. وقد تقدم بطلان الكل وبناء أيضا على أن تخصيصه ببعض الأزمنة أو الأمكنة لا يصح بالاتفاق، وهو باطل أيضا، فإن المعروف عندنا أنه إذا قال: والله لا آكل ونوى في مكان معين أو زمان معين أنه يصح وقد نص الشافعي على أنه لو قال: إن كلمت زيدا فأنت طالق ثم أردت التكليم شهرا أنه يصح. "فروع" حكاها الإمام أحدها: أن خطاب النبي ﷺ كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِي﴾ [الأحزاب: ٤٥] لا يتناول أمته على الصحيح، وظاهر كلام الشافعي في البويطي أنه يتناولهم. والثاني: أن خطاب الذكور الذي يمتاز عن خطاب الإناث بعلامة المسلمين وفعلوا لا يدخل فيه الإناث على الصحيح، ونقله القفال في الإشارة عن الشافعي، وكذلك ابن برهان في الوجيز. الثالث: لفظ كان لا يقتضي التكرار وقيل: يقتضيه. الرابع: إذا أمر جمعا بصيغة جمع كقوله: أكرموا زيدا أفاد الاستغراق. الخامس: خطاب المشافهة كقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ [الحجرات: ١٣] لا يتناول من يحدث بعدهم إلا بدليل منفصل. السادس: إذا لم يكن إجراء الكلام على ظاهره إلا بإضمار شيء وكان هناك أمور كثيرة يستقيم الكلام بإضمار كل منهما, لم يجز إضمار جميعها؛ لأن الإضمار على خلاف الأصل, وهذا هو المراد من قول الفقهاء: المقتضي لا عموم له, مثاله قوله ﵊: "رفع عن أمتي الخطأ" ١ والتقدير: حكم الخطأ وذلك الحكم قد يكون في الدنيا كإيجاب الضمان، وقد يكون في الآخرة كرفع التأثيم، قال: وللخصم أن يقول: ليس أحدهما بأولى من الآخر فيضمونها جميعا. السابع: قول الصحابي مثلا: نهى رسول الله ﷺ عن بيع الغرر٢ وقضى بالشاهد واليمين، لا يفيد العموم؛ لأن الحجة في المحكي لا في الحكاية، والمحكي قد يكون خاصا، وكذا قوله: سمعته يقول: "قضيت بالشفعة للجار" لاحتمال كون الألف واللام للعهد قال: أما إذا كان منونا كقوله ﵊: "قضيت بالشفعة لجار" وقول الراوي: "مضى بالشفعة لجار" فجانب العموم أرجح، واختار ابن الحاجب
стр. 224
أن الجميع للعموم. ونقل في الأحكام عن الجمهور موافقة الإمام ثم مال إلى أنه يعم. الثامن: قال الشافعي ﵀: ترك الاستفصال في حكاية الحال مع قيام الاحتمال ينزل منزلة العموم, المقال مثاله أن ابن غيلان أسلم على عشر نسوة فقال ﵊: "أمسك أربعا وفارق سائرهن" ١ ولم يسأله هل ورد العقد عليهن معا أو مرتبا؟ فدل ذلك على أنه لا فرق، على خلاف ما يقوله أبو حنيفة, قال الإمام: وفيه نظر لاحتمال أنه أجاب بعد أن عرف الحال. واعلم أنه قد روي عن الشافعي أيضا أنه قال: حكاية الأحوال إذا تطرق إليها الاحتمال كساها ثوب الإجمال وسقط بها الاستدلال. وقد جمع القرافي بينهما بأن قال: لا شك أن الإجمال المرجوح لا يؤثر، إنما يؤثر المساوي أو الراجح، وحينئذ نقول: الاحتمال مؤثر إن كان في محل الحكم وليس في دليله، فلا يقدح كحديث ابن غيلان وهو مراد الشافعي بالكلام الأول، وإن كان في دليله قدح وهو المراد بالكلام الثاني. التاسع: مثل يا أيها الناس ويا عبادي, يشمل الرسول وقال الحليمي: إن كان معه قل فلا، وقيل: لا يدخل مطلقا. العاشر: المتكلم داخل في عموم متعلق خطابه عند الأكثرين كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: ٣] وقولك: من أحسن إليك فأكرمه، قال: ويشبه أن يكون كونه أمرا قرينة مخصصة. قال في الحاصل: وهو الظاهر. الحادي عشر: المدح أو الذم لا يخرج الصيغة عن كونها عامة على الصحيح، وصححه أيضا الآمدي وابن الحاجب ونقلا مقابله عن الشافعي كذلك ابن برهان أيضا, ومثاله قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ، وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٣, ١٤] ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ [التوبة: ٣٤] . "فرع": قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] ونحوه يقتضي أخذ الصدقة من كل نوع من المال, نص عليه الشافعي في الرسالة في باب الزكاة فقال عقب ذكره لهذه الآية: ولولا دلالة السنة لكان ظاهر القرآن أن الأموال كلها سواء، وأن الزكاة في جميعها لا في بعضها دون بعض هذا لفظه بحروفه، ورأيت في البويطي نحوه أيضا ونقله ابن برهان عن الأكثرين وكذلك الآمدي وابن الحاجب ثم اختار خلافه.
стр. 225
الفصل الثاني: في الخصوص
قال: "الفصل الثاني: في الخصوص وفيه مسائل، الأولى: التخصيص إخراج بعض ما يتناوله اللفظ والفرق بينه وبين النسخ أنه يكون للبعض، والنسخ قد يكون عن الكل والمخصص المخرج عنه، والمخصص المخرج وهو إرادة اللافظ ويقال للدال عليها مجازا. الثانية: القابل للتخصيص حكم ثبت لمتعدده لفظا كقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] أو معنى وهو ثلاثة الأول: العلة وجوز تخصيصها كما في العرايا. الثاني: مفهوم الموافقة فيخصص بشرط بقاء الملفوظ مثل جواز حبس الوالد لحق الولد. الثالث: مفهوم المخالفة فيخصص بدليل راجح كتخصيص مفهوم $"إذا بلغ الماء قلتين" بالراكد،
стр. 226
قل: يوهم البداء أو الكذب, قلنا: يندفع بالمخصص". أقول: لما فرغ من العموم شرع يتكلم في الخصوص؛ فلذلك تكلم عن التخصيص والمخصص فذكر في هذا الفصل تعريف الثلاثة، وكذلك أحكام المخصص بفتح الصاد، وأخر أحكام المخصص بكسرها إلى الفصل الثالث. فأما التخصيص فقال أبو الحسين: إنه إخراج بعض ما يتناوله الخطاب، واختاره المصنف ولكنه أبدل الخطاب باللفظ، فقوله: إخراج أي: عما يقتضيه ظاهر اللفظ من الإرادة، والحكم لا عن الحكم نفسه، ولا عن الإرادة نفسها فإن ذلك الفرد ما يدخل فيهما حتى يخرج، ولا عن الدلالة فإن الدلالة هي كون اللفظ بحيث إذا طلق فهم منه المعنى، وهذا حاصل من التخصيص فافهمه، وقوله: اللفظ دخل فيه العام وغيره كالاستثناء من العدد، فسيأتي أنه من المخصصات وكذا بدل البعض كما صرح به ابن الحاجب نحو: أكرم الناس قريشا، وذلك أن تقول: يدخل في هذا إخراج بعض العام بعد العمل به، وسيأتي أنه نسخ لا تخصيص حيث قال: خصنا في حقنا قبل الفعل ونسخ عنا بعده، وأيضا فالتخصيص قد لا يكون من ملفوظ بل من مفهوم كما سيأتي بعد هذه المسألة، ولما كان النسخ شبيها بالتخصيص لكونه مخرجا لبعض الأزمان، فرق بينهما بأن التخصيص إخراج للبعض والنسخ إخراج عن الكل وفيه نظر، لما تقدم من أن إخراج البعض بعد العمل نسخ لا تخصيص. لا جرام أن في بعض النسخ، والنسخ قد يكون عن الكل بزيادة قد وعلى هذا فلا إيراد، والمخصص بفتح الصاد هو العام الذي أخرج عنه البعض لا البعض المخرج عن العام على ما زعمه بعضهم، فإن المخصوص هو الذي تعلق به التخصيص أو دخله التخصيص وهو العام، ويقال: عام مخصص ومخصوص، والمخصص بكسرها هو المخرج بكسر الراء, والمخرج حقيقة هو إرادة المتكلم؛ لأنه لما جاز أن يرد الخطاب خاصا وعاما لم يترجح أحدهما على الآخر إلا بالإرادة. قوله: "ويقال" أي: ويطلق المخصص أيضا على الدال على الإرادة مجازا، والدال يحتمل أن يكون صفة للشيء أي: للشيء الدال على الإرادة وهو دليل التخصيص لفظيا كان أو عقليا أو حسيا تسمية للدليل باسم المدلول، ويحتمل أن يكون صفة للشخص أي: الشخص الدال على الإرادة وهو المريد نفسه، أو المجتهد أو المقلد تسمية للمحل باسم الحال. والثاني: هو الذي ذكره الإمام لا غير فإنه قال: ويقال بالمجاز على شيئين أحدهما: من أقام الدلالة على كون العام مخصوصا في ذاته. وثانيهما: من اعتقد ذلك أو وصفه به، سواء كان الاعتقاد حقا أو باطلا، وأما صاحب الحاصل فإنه قال: ويقال بالمجاز على الدلالة على تلك الإرادة وهذا مخالف للجميع. المسألة الثانية: الشيء القابل للتخصيص هو الحكم الثالث لأمر متعدد؛ لأن التخصيص إخراج البعض والأمر الواحد لا يتصور فيه ذلك، ثم إن المتعدد قد يكون تعدده من جهة اللفظ كقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ فإنه يدل بلفظه على قتل كل مشرك, وخص عنه أهل الذمة وغيرهم، وقد يكون من جهة المعنى
стр. 227
أي: الاستنباط وهو ثلاثة الأول: العلة وقد جوز تخصيصها أي: جوزه بعضهم ومنعه الشافعي وجمهور المحققين كما قاله في المحصول في الكلام على الاستحسان، وإنما عبر بهذه العبارة لأن المسألة فيها مذاهب تأتي في القياس وهو المسمى هناك بالنقض مثاله العرايا "فإن الشارع نهى عن بيع الرطب بالتمر وعلله بالنقصان عند الجفاف" وهذه العلة موجودة في العرايا "هو بيع الرطب على رءوس النخل بالتمر على وجه الأرض" مع أن الشارع قد جوزه. الثاني: مفهوم الموافقة فيجوز تخصيصه بما عدا الملفوظ كقوله تعالى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] فإنه يدل على تحريم التأفيف، وبالمفهوم على تحريم الضرب وسائر أنواع الأذى، وخص منه الحبس في حق دين الولد فإنه جائز على ما صححه الغزالي وطائفة, منهم المصنف في الغاية القصوى. فأما إذا أخرج الملفوظ به وهو التأفيف في مثالنا فإنه لا يكون تخصيصا بل نسخا للمفهوم، وهو معنى قوله بعد ذلك: نسخ الأصل يستلزم نسخ الفحوى وبالعكس. فإن قيل: حكمه هنا بأي إخراج الفحوى تخصيص لا نسخ للمنطوق معارض لما حكيناه عنه في النسخ. قلنا: إن كان الإخراج المعارض راجحا كردة الأب المقتضية لقتله ومطله المقتضي كان لحبسه تخصيصا لا ناسخا للمنطوق لأنه لا ينافي ما دل عليه من الحرمة وهذا هو المراد هنا، وإن لم يكن بل أورد ابتداء كان نسخا له لمنافاته إياه، وهذا هو المراد هناك. الثالث: مفهوم المخالفة فيجوز تخصيصه بدليل راجح على المفهوم؛ لأنه إن كان مساويا كان ترجيحا من غير مرجح، وإن كان مرجحا كان العمل به ممتنعا, هذا الشرط ذكره صاحب الحاصل والمصنف وأهمله الإمام وهو الصواب؛ لأن المخصص لا يشترط فيه الرجحان كما سيأتي أن فيه جمعا بين الدليلين مثاله قوله ﵊: "إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثا" ١ فإن مفهومه يدل على أنه يحمل الخبث فإذا لم يبلغ قلتين, وهذا المفهوم قد خص منه الجاري فإن القول القديم أنه لا ينجس إلا بالتغير، واختاره الغزالي وجماعة ومنهم المصنف في الغاية القصوى لقوله ﷺ : "خلق الماء طهورا لا ينجسه شيء" ٢ الحديث, فإنه يدل بمنطوقه على عدم التنجيس والمنطوق أرجح من المفهوم. قوله: "قيل: يوهم البداء" اعلم أن من الناس من قال: إن التخصيص لا يجوز لأنه إن كان في الأوامر فإنه يوهم البداء، وإن كان في الأخبار فإنه يوهم الكذب, وهم محالان على الله تعالى، وإيهام المحال لا يجوز، والبداء بالدال المهملة والمد هو ظهور المصلحة بعد خفائها, قال الجوهري: وبدا له في هذا الأمر بداء, ممدود أي: نشأ له فيه رأي، والجواب أنه يندفع بالمخصص أي بالإرادة، أو بالدليل الدال على الإرادة، وذلك لأنا إذا علمنا أن اللفظ في الأصل يحتمل التخصيص فيقام الدليل على وقوعه مبينا للمراد، وإنما يلزم البداء
стр. 228
أو الكذب إن لو كان المخرج مرادا وكلام الإمام وأتباعه وابن الحاجب يقتضي أن الخلاف في الأمر والخبر وليس كذلك، بل في الخبر خاصة كما صرح به الآمدي وهو مقتضى كلام أبي الحسين في المعتمد والشيخ أبي إسحاق في شرح اللمع وغيرهم. قال: "الثالثة: يجوز التخصيص ما بقي غير محصور لسماجة "أكلت كل رمان" ولم يأكل غير واحدة، وجوز القفال إلى أقل المراتب، فيجوز في الجمع ما بقي ثلاثة، فإنه الأقل عند الشافعي وأبي حنيفة بدليل تفاوت الضمائر وتفصيل أهل اللغة، واثنان عند القاضي والأستاذ بدليل قوله تعالى: ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٨] فقيل: أضاف إلى المعمولين وقوله تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤] فقيل: المراد به الميول وقوله ﵊: "الاثنان فما فوقهما جماعة" ١ فقيل: أراد جواز السفر وفي غيره إلى الواحد وقوم إلى الواحد مطلقا". أقول: اختلفوا في الضابط المقداري الذي لا بد من بقائه بعد التخصيص، فذهب أبو الحسين إلى أنه لا بد من بقاء جمع كثير سواء كان العام جمعا كالرجال أو غير جمع كمن وما إلى أن يستعمل ذلك العام في الواحد تعظيما له وإعلاما بأنه يجري مجرى الكثير كقوله تعالى: ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾ [المرسلات: ٢٣] وهذا المذهب نقله الآمدي وابن الحاجب عن الأكثرين, واختاره الإمام وأتباعه, واختلفوا في تفسير هذا الكثير ففسره ابن الحاجب بأنه الذي يقرب من مدلوله قبل التخصيص، ومقتضى هذا أن يكون أكثر من مصنف وفسره المصنف بأن يكون غير محصور فقال: ما بقي غير محصور أي: ما بقي من المخرج عنه عدد غير محصور، وما ههنا مصدرية تقديرية يجوز التخصيص مدة بقاء عدد غير محصور من المخرج عنه، فإن كان محصورا فلا، والدليل عليه أنه لو قال: أكلت كل رمان في البيت ولم يأكل غير واحدة لكان ذلك مستهجنا في اللغة سمجا أي: قبيحا, قال الجوهري: سمج الشيء بالضم سماجة أي: قبح فهو سمج بإسكان الميم, كصعب فهو صعب وبكسرها كخشن بالشين المعجمة، فهو خشن وبزيادة الياء كقبح فهو قبيح، ولك أن تقول: قد جوز المصنف له على عشرة إلا تسعة كما سيأتي والاستثناء عنده من المخصصات المتصلة، فهذا التخصيص وأمثاله لم يبق فيه عدد غير محصور، وأيضا فهذا الدليل لا يحصل به المدعي؛ لأنه إنما ينفي الواحد فقط. والمذهب الثاني وهو رأي القفال الشاشي: أنه يجوز التخصيص إلى أن ينتهي إلى أقل المراتب التي ينطلق عليها ذلك اللفظ المخصوص مراعاة لمدلول الصيغة, وعلى هذا فيجوز التخصيص في الجمع كالرجال ونحوه إلى ثلاثة؛ لأنها أقل مراتب الجمع على الصحيح، كما سيأتي، وفي غير الجمع كمن ومال وإلى الواحد لأنه أقل مراتبه نحو: من يكرمني أكرمه، ويريد به شخصا واحدا وقد استطرد المصنف فأدخل بين هذا التفصيل مسألة مستقلة طويلة
стр. 229
وهي الكلام على أقل الجمع، وقد ذكرها في المحصول في أثناء العموم. والمذهب الثالث: أنه يجوز التخصيص إلى الواحد مطلقا أي: سواء كان جمعا أم لا كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣] والقائل نعيم بن مسعود الأشجعي، هكذا قال الآمدي وابن الحاجب وغيرهما, لكن رأيت في الرسالة للشافعي أن القائل هم الأربعة الذين تخلفوا عن أحد، وتوقف الآمدي في المسألة واختار ابن الحاجب تفصيلا لا يعرف لغيره, فقال: التخصيص إن كان بالمتصل نظرت فإن كان بالاستثناء نحو: أكرم الناس العلماء, أو الشرط نحو: أكرم الناس إن كانوا عالمين فيجوز إلى اثنين، وإن كان التخصيص بالمنفصل فإن كان في العام المحصور القليل فيجوز إلى اثنين, كما تقول: قتلت كل زنديق وكانوا ثلاثة، وقد قتلت اثنين، وإن كان غير محصور مثل: قتلت كل من في المدينة, أو محصورا كثيرا مثل: أكلت كل رمانة وقد كان ألفا فيجوز إذا كان الباقي قريبا من مدلول العام. قوله: "فإنه الأقل" هذه هي المسألة التي ذكرها استطرادا فنعود إلى شرحها فنقول: ذهب الشافعي وأبو حنيفة ﵄ إلى أن أقل الجمع ثلاثة, فإن أطلق على الاثنين أو على الواحد كان مجازا، واختاره الإمام والمصنف، وقال القاضي والأستاذ: أقله اثنان واختار ابن الحاجب في المختصر الكبير الأول، وأما في المختصر الصغير فكلامه أولا يقتضي اختيار الثاني، وفي الاستدلال يقتضي الأول، وهذان المذهبان حكاهما المصنف, وقيل: ينطبق أيضا على الواحد حقيقة، وقيل: لا ينطبق على الاثنين لا حقيقة ولا مجازا، حكاهما ابن الحاجب وتوقف الآمدي في المسألة، واستدل المصنف بوجهين, أحدهما: أن الضمائر متفاوتة أي: متخالفة؛ لأن ضمير المفرد غير بارز، وضمير المثنى ألف، وضمير الجمع واو نحو: افعل وافعلا وافعلوا، وحينئذ فنقول: اختلاف الضمير في التثنية والجمع يدل على اختلاف حقيقتهما, كما يدل على الاختلاف بين الواحد والجمع، وأيضا فلأنه لا يجوز وضع شيء منها مكان الآخر فلو كان أقل الجمع اثنين لجاز التعبير عنه بضمير الجمع وليس كذلك. الثاني: أن أهل اللغة فصلوا بينهما فقالوا: الاسم قد يكون مفردا، وقد يكون مثنى، وقد يكون مجموعا، وبين صفتيهما أيضا فقالوا: رجلان عاقلان، ورجال عاقلون, فدل على المغيرة. واعلم أن القائل بأن أقل الجمع اثنان يقول بالضرورة: إن الجمع أعم من المثنى؛ لأن كل مثنى جمع ولا ينعكس، ولا شك أن حقيقة الأعم غير حقيقة الأخص، فإن حقيقة الحيوان غير حقيقة الإنسان, فيكون حقيقة المثنى غير حقيقة الجمع عند الخصم، وهذا جواب واضح عن الدليل الثاني، وعن التقرير الأول من الدليل الأول، وأما على التقرير الثاني فيؤخذ منه أيضا؛ لأنا نقول: لما كان مغايرا جعلوا لكل واحد منهما شيئا يميزه. قوله: "بدليل قوله تعالى: ﴿شَرَعَ﴾ في أدلة الخصم القائل بأن أقله اثنان وهي ثلاثة, الأول: قوله تعالى: ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ﴾
стр. 230
[الأنبياء: ٧٨] إلى قوله: ﴿لِحُكْمِهِمْ﴾ فلو لم يكن أقل الجمع اثنين لوجب أن يقال: لحكمهما، وجوابه أن الحكم مصدر, والمصدر يصح إضافته إلى معموليه أي الفاعل والمفعول وهما الحاكم والمحكوم عليه هنا، وحينئذ فيكون المراد داود وسليمان والخصمين هكذا أجاب الإمام، وهو جواب عجيب، فإن المصدر إنما يضاف إليهما على البدل، ولا يجوز أن يضاف إليهما معا، سمعت شيخنا أبا حيان يقول: سمعت شيخنا أبا جعفر بن الزبير يقول في هذا الجواب: إنه كلام من لم يعرف شيئا من علم العربية، وقد ذكر ابن الحاجب في المختصر الكبير هذا الاعتراض أيضا وتكلف تصحيحه بإخراج الحكم عن المصدرية إلى معنى الأمر، والمصنف كأنه استشعر ضعفه وضعف ما بعده من الأجوبه فعزاها إلى غيره, فإنه عبر عنها بقوله: فقيل على خلاف عادته. الثاني: قوله تعالى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤] أطلق لفظ القلوب وأراد قلب عائشة وحفصة -رضي الله تعالى عنهما- وأجيب بأن اسم القلب يطلق حقيقة على الجرم الموضوع في الجانب الأيسر, ومجازا على الميل الموجود فيه كقولهم: ما لي إلى هذا قلب من باب إطلاق اسم المحل على الحال وهو المراد هنا، والتقدير: صغت ميولكما بدليل أن الجرم لا يوصف بالصغر حقيقة. واعلم أن هذا الدليل خارج عن محل النزاع فإن القاعدة النحوية أنك إذا أضفت الشيئين إلى ما يتضمنها نحو قطعت رءوس الكبشين، ويجوز فيه ثلاثة أوجه: الإفراد والتثنية والجمع بلا خلاف، ومحل الخلاف فيما عداه، وقد نبه عليه ابن الحاجب في المختصر الكبير. الثالث: قوله ﷺ : "الاثنان فما فوقهما جماعة" رواه ابن ماجه عن أبي موسى الأشعري والدارقطني عن عمرو بن شعيب، وأجاب في المحصول بأنه محمول على إدراك فضيلة الجماعة؛ لأنه ﵊ بعث لبيان الشرعيات لا لبيان اللغة، ثم قال: وقيل: إنه ﵊ نهى عن السفر إلا في جماعة ثم بين بهذا الحديث أن الاثنين فما فوقهما جماعة في جواز السفر, واقتصر المصنف على الثاني وهو ضعيف؛ لأن السفر منفردا ليس بحرام بل هو جائز لكنه مكروه, وسلمنا أن مراده بالجواز عدم الكراهة لكنه لا يحصل بالاثنين، بل الجواب أن هذا استدلال على غير محل النزاع؛ لأن الخلاف ليس في لفظ الجمع ولا في لفظ الجماعة كما سيأتي عقبه. "فائدة": محل الخلاف مشكل؛ لأنه لا جائز أن يكون في صيغة الجمع التي هي الجيم والميم والعين، فإنه لا خلاف فيها كما قاله الآمدي وابن الحاجب في المختصر الكبير, قال: وإنما الخلاف في اللفظ المسمى بالجمع في اللغة كرجال ومسلمين وهم، وأما الجمع نفسه فهو ضم شيء إلى شيء وهو يطلق على الاثنين بلا خلاف، ولأنه لو كان كذلك لما أمكن إثبات الحكم لغيرها من الصيغ، وقد اتفقوا على ذلك ولا جائز أن يكون محل الخلاف صيغ الجمع؛ لأنها إن اقترنت بالألف واللام أو بالإضافة كانت للعموم كما تقدم، وإن لم تقترن به فإن كانت من
стр. 231
جموع الكثرة فأقلها أحد عشر فلا نزاع عند النحاة، وإن استعملت في الأقل كانت مجازا ولم يبق إلا جموع القلة وهي خمسة أشياء، أربعة منها من جموع التكسير يجمعها قول الشاعر:
بأفعل وبأفعال وأفعلة ... وفعلة يعرف الأدنى من العدد
والخامس: هو جمع السلامة سواء كان مذكرا كمسلمين, أو مؤنثا كمعلمات فإن كانت -أعني جموع القلة- هي محل الخلاف فالأمر قريب, لكنهم لما مثلوا لم يقتصروا عليه بل مثلوا برجال مع أنه من جموع الكثرة. هكذا صرح به الإمام في المحصول في الكلام على أن الجمع المنكر هل يعم أم لا؟ وكذلك الآمدي وابن الحاجب كما تقدم نقله عنهما. قوله: وفي غيره إلى الواحد أي: في غير الجمع وقد تقدم شرحه وشرح ما بعده. قال: "الرابعة: العام المخصص مجاز وإلا لزم الاشتراك, وقال بعض الفقهاء: إنه حقيقة، وفرق الإمام بين المخصص المتصل والمنفصل؛ لأن المقيد بالصفة لم يتناول غيرا، قلنا: المركب لم يوضع, والمفرد متناول". أقول: اختلفوا في العام إذا خص: هل يكون حقيقة في الباقي أم لا؟ على ثمانية مذاهب حكاها الآمدي وذكر المصنف منها ثلاثة, أصحها عنده وعند ابن الحاجب أنه مجاز مطلقا؛ لأنه قد تقدم أنه حقيقة في الاستغراق، فلو كان حقيقة في البعض أيضا لكان مشتركا والمجاز خير من الاشتراك. والثاني: أنه حقيقة مطلقا ونقله إمام الحرمين عن جماهير الفقهاء وابن برهان عن جماهير العلماء؛ لأن تناوله للباقي قبل التخصيص كان حقيقة وذلك التناول باق، والجواب أنه إنما كان حقيقة لدلالته عليه وعلى سائر الأفراد لا عليه وحده. والثالث قاله الإمام تبعا لأبي الحسين البصري: إن خص بمتصل أي: بما لا يستقل كان حقيقة سواء كان صفة أو شرطا أو استثناء أو غاية نحو: أكرم الرجال العلماء أو أكرمهم إن دخلوا أو أكرمهم إلا زيدا, أو أكرمهم إلى المساء, وإن خص بمنفصل أي: بما يستقل كان مجازا كالنهي عن قتل العبيد بعد الأمر بقتل المشركين, فإنه قلنا: إنه مجاز, ففي الاحتجاج به مذهبان حكاهما ابن برهان. قوله: "لأن المقيد بالصفة" هذا دليل الإمام، ويمكن تقريره على وجهين أحدهما: أن العام المقيد بالصفة مثلا لم يتناول غير الموصوف, إذ لو تناوله لضاعت فائدة الصفة, وإذا كان متناولا له فقط، وقد استعمل فيه فيكون حقيقة بخلاف العام المخصوص بدليل متصل فإن لفظه متناول للمخرج عنه بحسب اللغة مع أنه لم يستعمل فيه فيكون مجازًا, وإلا لزم الاشتراك كما تقدم وهذا التقرير ذكره في الحاصل وهو الذي يظهر من كلام المصنف والتعبير بالصفة للتمثيل لا للتقيد. التقرير الثاني وهو ما ذكره في المحصول: أن لفظ العموم حال انضمام الصفة مثلا إليه ليس هو المقيد لذلك البعض المنطوق به؛ لأن الرجال وحده من قولنا: الرجال العلماء، أو أفاد العالمين لما أفادت الصفة شيئا، وإذا لم يكن مقيدا لذلك البعض استحال أن يقال: إنه مجاز فيه بل المجموع الحاصل من لفظ العموم ولفظ الصفة هو
стр. 232
المقيد له وإفادته له حقيقة، وهذا التقرير مصرح بأن البعض الموصوف لا يفيد المنطوق، وتقرير الحاصل مصرح بأنه يفيده، وكلام الإمام محتمل للأمرين، أما الأول فواضح, وأما الثاني فيكون المراد بقوله: لأن المقيد بالصفة هو أن المجموع من العام والصفة تناول الموصوف ولم يتناول غيره. وأجاب المصنف بأن المركب من الموصوف مع الصفة مثلا غير موضوع للباقي؛ لأن المركبات ليست بموضوعة على المشهور وحينئذ فلا يكون حقيقة فيه؛ لأن الحقيقة هو اللفظ المستعمل فيما وضع له فلم يبق إلا المفردات، ولا شك أن المفرد الذي هو العام متناول في اللغة لكل فرد, وقد استعمل في البعض فيكون مجازا، وقد تقدم أن هذا الجواب يعكر على ما ذكره في مجاز التركيب، فالأولى في الجواب أن يقال: كلامنا في العام المخصص وهو الموصوف وحده، لا في المجموع من المخصص والمخصص أيضا لو لم يكن الموصوف ونحوه متناولا لم يكن المتصل به مخصصا، لأن التخصيص إخراج بعض ما يتناوله اللفظ ولا شك أن هذه الأشياء من المخصصات عنده, والتحقيق أن اللفظ متناول بحسب وضع اللغة ولكن الصفة قرينة في إخراج البعض فيكون مجازا كما قاله المصنف. قال: "الخامسة: المخصص بمعين حجة ومنعها عيسى بن أبان وأبو ثور وفصل الكرخي. لنا أن دلالته على فرد لا تتوقف على دلالته على الآخر لاستحالة الدور, فلا يلزم من زوالها زوالها". أقول: العام إن خص بمبهم فلا يحتج به على شيء من الأفراد بلا خلاف، كما قاله الآمدي وغيره؛ لأنه ما من فرد إلا ويجوز أن يكون هو المخرج, مثاله قوله تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ١] وإن خص بمعين كما لو "قيل: اقتلوا المشركين" إلا أهل الذمة, فالصحيح عند الآمدي والإمام وابن الحاجب والمصنف أنه حجة في الباقي مطلقا، وقال ابن أبان وأبو ثور: ليس بحجة مطلقا، وهو المراد بقوله: ومنعها أي: ومنع حجيته وفصل الكرخي، أي: فقال: إن خص بمتصل كان حجة وإلا فلا, وهذا التفصيل يعرف هو ودليله من المسألة السابقة؛ فلذلك أهمله المصنف.
والجمهور على أن أبان لا ينصرف للعلمية ووزن الفعل, وأصله: أبين على وزن أفعل فقلبت الياء ألفا لانقلابها في الماضي المجرد، وهو بان، ومن قال: إنه منصرف قال: وزنه فعال, حكاه ابن يونس في شرح المفصل وغيره. قوله: "لنا" أي: الدليل على أنه حجة، أن دلالة العام على فرد من الأفراد لا تتوقف على دلالته على الفرد الآخر؛ لأن دلالته على الباقي مثلا لو كانت متوقفة على البعض المخرج، فإن لم تتوقف دلالته على المخرج على الباقي كان تحكما؛ لأن دلالة العام على جميع أفراده متساوية, وإن توقفت عليه لزم الدور, وهو مستحيل فثبت أن دلالته على فرد لا تتوقف على دلالته على غيره من الأفراد، وحينئذ فلا يلزم من زوال الدلالة عن بعض الأفراد زوالها على البعض الآخر فيكون حجة, وهذا الدليل ضعيف كما نبه عليه
стр. 233
صاحب التحصيل، وتقرير ذلك موقوف على مقدمة وهي أن الشيئين إذا توقف كل منهما على الآخر فإن كان التوقف بالبعدية والقبلية، وهو المسمى بالدور السبقي فالوقوع مستحيل، كما إذا قال زيد: لا أدخل الدار حتى يدخل قبلي عمرو وقال عمرو كذلك، وإن لم يكن سبقيا كما إذا قال كل منهما: لا أدخل الدار حتى يدخل الآخر فلا استحالة فيه لإمكان دخولهما معا، ويسمى بالدور المعي، إذا عرفت هذا فتقول: قول المصنف لنا: إن دلالته على فرد لا تتوقف على دلالته على الآخر إن أراد به التوقف السبقي فلا يلزم من عدمه جواز وجود الدلالة بعد إخراج البعض, فإنه يجوز أن تكون دلالته على البعض مستلزمة لدلالته على البعض الآخر, وبالعكس لجواز التلازم من الجانبين كالبنوة والأبوة وغيرهما من المتضايفين, وإن أراد به التوقف المعي فلا استحالة فيه كما بيناه، هذا معنى كلام التحصيل فافهمه, والصواب التمسك بعمل الصحابة ﵃ فإنهم قد استدلوا بالعمومات المخصوصة من غير نكير فكان إجماعا. قال: "السادسة: يستدل بالعام ما لم يظهر المخصص, وابن سريج أوجب طلبه أولا. لنا لو وجب لوجب طلب المجاز للتحرز عن الخطأ واللازم منتف، قال: عارض دلالته احتمال المخصص، قلنا: الأصل يدفعه". أقول: هل يجوز التمسك بالعام قبل البحث عن المخصص؟ فيه مذهبان جوزه الصيرفي، ومنعه ابن سريج هكذا حكاه الإمام وأتباعه، ولم يرجح شيئا منهما في كتابيه المحصول والمنتخب هنا, لكنه أجاب عن دليل ابن سريج١ وفيه إشعار بميله إلى الجواز؛ ولهذا صرح صاحب الحاصل بأنه المختار فتابعه المصنف عليه لكنه جزم بالمنع فيه, أعني في المحصول في أواخر الكلام على تأخير البيان عن وقت الخطاب. واعلم أن إثبات الخلاف على هذا الوجه غير معروف ولا مستقيم، فإن الذي قاله الغزالي والآمدي وابن الحاجب وغيرهم أنه لا يجوز التمسك بالعام قبل البحث عن المخصص بالإجماع، ثم اختلفوا فقيل: يبحث إلى أن يغلب على الظن عدم المخصص، ونقله الآمدي عن الأكثرين وابن سريج قال: وذهب القاضي وجماعة إلى أنه لا بد من القطع بعدمه ويحصل ذلك بتكرر النظر والبحث واشتهار كلام العلماء فيها من غير أن يذكر أحد منهم مخصصا, وحكى الغزالي قولا ثالثا: أنه لا يكفي الظن، ولا يشترط القطع بل لا بد من اعتقاد جازم وسكون نفس بانتفائه، إذا تقرر هذا فاعلم أن خلاف الصيرفي إنما هو في اعتقاد عمومه قبل دخول وقت العمل به، فإنه قال: إذا ورد لفظ عام ولم يدخل وقت العمل به فيجب اعتقاد عمومه، ثم إن ظهر مخصص فيتغير ذلك الاعتقاد، هكذا نقله عنه إمام الحرمين والآمدي وغيرهما وخطئوه. قوله: "لنا ... إلخ" شرع في نصب الدليل على الطريق التي
стр. 234
انفرد بها الإمام وتبعه عليها، فقال: لو وجب طلب المخصص في التمسك بالعام لوجب طلب المجاز في التمسك بالحقيقة، بيان الملازمة أن إيجاب طلب المخصص إنما هو للتحرز عن الخطأ، وهذا المعنى بعينه موجود في المجاز لكن اللازم منتفٍ وهو طلب المجاز فإنه لا يجب اتفاقا فكذلك الملزوم وهو طلب المخصص، وللخصم أن يفرق بأن احتمال وجود المخصص أقوى من احتمال وقوع المجاز، فإن أكثر المعلومات مخصوصة واحتج ابن سريج بأن احتمال وجود المخصص عارض دلالة العام. إذ العام يحتمل التخصيص وعدمه احتمالا على السواء، فحمله على العموم ترجيح من غير مرجح. وقوله: "احتمال" هو فاعل عارض والمفعول هو الدلالة، ولا يجوز فيه غير ذلك، وأجاب المصنف بأن الأصل يدفع ذلك الاحتمال؛ لأن الأصل عدم التخصيص، والتعارض إنما يكون عند انتفاء الرجحان، ولك أن تقول: الاستقراء يدل على أن الغالب في العمومات الخصوص والعام المخصوص مجاز, وحينئذ فيدور الأمر بين الحقيقة المرجوحة والمجاز الراجح، وقد تقدم من كلام المصنف أنهما سيان فيكون العموم مساويا للخصوص, فيلزم من ذلك التوقف كما قاله ابن سريج.
стр. 235
الفصل الثالث: في المخصص
وهو متصل ومنفصل.
قال: "الفصل الثالث: في المخصص وهو متصل ومنفصل, فالمتصل أربعة: الأول, والاستثناء وهو الإخراج بإلا غير الصفة ونحوها والمنقطع مجاز، وفيه مسائل". أقول: قد عرفت فيما تقدم أن المخصص في الحقيقة هو إرادة المتكلم, وأنه يطلق أيضا مجازا على الدال على التخصيص، وهذا هو المراد هنا، وهو متصل ومنفصل، فالمتصل ما لا يستقل بنفسه بل يكون متعلقا باللفظ الذي ذكر فيه العام، والمنفصل عكسه، وقسم المصنف المتصل إلى أربعة أقسام, وهي: الاستثناء والشرط والصفة والغاية وأهمل خامسا ذكره ابن الحاجب وهو بدل البعض كقولك: أكرمت الناس قريشا. الأول: الاستثناء, وتعريفه ما ذكره المصنف فقوله: الإخراج جنس شامل للمخصصات كلها, وقوله: بالإ مخرج لما عدا الاستثناء، وقوله: غير الصفة احتراز عن إلا إذا كانت للصفة بمعنى غير وهي التي تكون تابعة لجمع منكور غير محصور، كقوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] أي: غير الله فإنها ليست للاستثناء. وقوله: "ونحوها" أي: كحاشا وخلا وعدا وسوى وفي الحد نظر من وجوه أحدها: أنه أخذ في التعريف لفظة إلا وهي من جملة أدوات الاستثناء فيكون تعريفا للشيء بنفسه. الثاني: أن الإتيان بالواو في قوله: ونحو, لا يستقيم بل صوابه الإتيان بأو. الثالث: إن كان المراد بقوله: ونحوها أي في الإخراج, فينتقض الحد بمثل قولنا: أكرم العلماء ولا تكرم زيدا، فإنه مخرج وليس باستثناء, وكذلك سائر المخصصات أيضا, وإن كان المراد أنه يقوم مقامه في الاستثناء فهو دور. الرابع: أن تقييد إلا بغير الصفة زيادة في الحد غير محتاج إليها؛ لأن إلا والحالة هذه لا تخرج شيئا فهي مستغنى عنها بقوله الإخراج؛ ولهذا لم يذكره الإمام ولا أتباعه إلا أن يقال:
стр. 236
قد تقرر أن الوصف من جملة المخصصات، والتخصيص هو الإخراج كما تقدم، فإذا كانت إلا صفة كانت مخرجة أي: مما يجوز أن يدخل في الأول لا مما يجب دخوله فيه وفيه نظر، بل الأولى أن يقال: احترز بقوله غير الصفة عن مثل: قام القوم إلا زيد فإنه يجوز فيه وفي أمثاله من المعارف جعل إلا للصفة ورفع ما بعدها كما نص عليه ابن عصفور وغيره، وإن كان قليلا. قوله: "والمنقطع مجاز" هو جواب عن سؤال مقدر وهو أن الاستثناء قد يكون متصلا كقام القوم إلا زيدا أو منقطعا كقام القوم إلا حمارًا والمنقطع لا إخراج فيه فيكون واردا على الحد, فأجاب بأن الحد للاستثناء الحقيقي وإطلاق الاستثناء على المنقطع وإن كان جائزا بلا خلاف كما قاله ابن الحاجب في المختصر الكبير, لكنه مجاز عند الأكثرين كما نقله الآمدي بدليل عدم تبادره، قال ابن الحاجب: وإذا قلنا: إنه حقيقة فقيل: إنه مشترك، وقيل: متواطئ على أن الشيخ أبا إسحاق نقل عن بعضهم أنه لا يسمى استثناء لا حقيقة ولا مجازًا. قال: "الأولى شرطه الاتصال عادة بإجماع الأدباء وعن ابن عباس خلافه قياسا على التخصيص بغيره، والجواب النقص بالصفة والغاية وعدم الاستغراق، وشرط الحنابلة أن لا يزيد على النصف والقاضي أن ينقص عنه, كما لو قال: علي عشرة إلا تسعة, لزمه واحد إجماعا وعلى القاضي استثناء الغاوين من المخلصين, وبالعكس قال: الأقل ينسى فيستدرك ونوقض بما ذكرناه". أقول: الاستثناء له شرطان أحدهما: اتصاله بالمستثنى منه اتصالا عاديا لا حسيا، ودليله إجماع الأدباء أي: أهل اللغة ولا يضر القطع بتنفس أو سعال وكذلك البعد لطول الكلام المستثنى منه فإنه يعد في العادة متصلا, ونقل عن ابن عباس جواز الاستثناء المنفصل، ثم اختلفوا فنقل عنه الآمدي وابن الحاجب أنه يجوز إلى شهر، ونقل عنه المازني قولا أنه يجوز إلى سنة, وقولا آخر أنه يجوز أبدا, وهو ما يقتضيه كلام الأكثرين في النقل عنه كالشيخ أبي إسحاق وإمام الحرمين والغزالي وصاحب المعتمد وغيرهم، وصرح به أبو الخطاب الحنبلي، ومع ذلك منهم الجميع قد توقفوا في إثبات أصل هذا المذهب عنه، وشرعوا في تأويله، إلا صاحب المعتمد فنقله من غير إنكار ولا تأويل، ولما توقفت النقلة في إثبات هذا المذهب عبر المصنف بقوله: ونقل، ولما اختلفوا أيضا في كيفيته على المذاهب الثلاثة المتقدمة عبر بقوله: خلافه فافهم ذلك, فإنه من محاسن كلامه، واستدل ابن عباس بالقياس على التخصيص بغير الاستثناء من المخصصات المنفصلة، والجامع أن كلا منهما مخصص، وجوابه النقض بالصفة والغاية، وكذلك الشرط فإن دليله يقتضي جواز انفصالها وهو باطل اتفاقا, وأيضا فالفرق أن المخصص المنفصل مستقل فلذلك دليله يقتضي جواز انفصالها وهو باطل اتفاقا، وأيضا فالفرق أن المخصص المنفصل مستقل فلذلك جاز انفصاله بخلاف الاستثناء. قوله: "وعدم الاستغراق" هذا هو الشرط الثاني من شروط الاستثناء، وهو معطوف على الاتصال أي: شرطه الاتصال وعدم الاستغراق، فلا يضر استثناء المساوي
стр. 237
ولا الأكثر، فإن كان مستغرقا نحو: له علي عشرة إلا عشرة كان باطلا بالاتفاق كما نقله الإمام والآمدي وأتباعهما لإفضائه إلى اللغو، ونقل القرافي عن المدخل لابن طلحة أن في صحته قولين, وشرط الحنابلة أن لا يزيد المستثنى على نصف المستثنى منه بل يكون إما مساويا أو ناقصا، وشرط القاضي أي: في القول الأخير من أقواله كما قاله الآمدي وغيره أن يكون ناقصا عن النصف. واعلم أن الآمدي وابن الحاجب نقلا عن الحنابلة امتناع المساوي أيضا على عكس ما قاله المصنف، ولم يتعرض الإمام ولا مختصرو كلامه النقل عنهم، واستدل المصنف بأمرين أحدهما وهو دليل على القاضي والحنابلة معا: أنه لو قال قائل: علي عشرة إلا تسعة لكان يلزمه واحد بإجماع الفقهاء فدل على صحته، قال الآمدي: وهذا الاستدلال خطأ فإن هذا الاستثناء عند الخصم بمثابة الاستثناء المستغرق، وإنما يقول بلزوم الواحد من يقول بصحة الاستثناء الأكثر. الثاني وهو دليل على القاضي خاصة استثناء ﴿الْغَاوِينَ﴾ من المخلصين في قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢] وبالعكس أي: استثناء ﴿الْمُخْلَصِينَ﴾ من الغاوين في قوله تعالى حكاية عن إبليس: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ، إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الحجر: ٣٩, ٤٠] ووجه الاستدلال أن الفريقين إن استويا فإنه يدل على جواز استثناء النصف وإن كان أحدهما أكثر فكذلك أيضا؛ لأنه لما استثنى كلا منهما فقد استثنى الأكثر فدل على جواز النصف بطريق الأولى. وهذا لا يرد على الحنابلة لاحتمال أن يكونا متساويين وهم يجوزون استثناء المساوي على مقتضى نقل المصنف، وفي هذا الاستدلال نظر من ثلاثة أوجه أحدها: أن للخصم أن يقول: إن قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي﴾ الآية يدل على أن الغاوين أقل من غير الغاوين أي: أقل من العباد الذين لا سلطان عليهم لإبليس وليس فيها تعرض لكونهم أقل من المخلصين حتى يكون على العكس من الآية الثانية, وإنما يلزم ذلك إذا كان المخلصون هم غير الغاوين أي: الذين لا سلطان عليهم ولم يقيموا عليه دليلا، ونحن لا نسلمه لجواز أن يكون غير الغاوين أعم من المخلصين، بل تنازع فنقول: هذا هو الظاهر؛ لأنه لا يلزم من انتفاء سلطنة إبليس التي هي القهر والغلبة عن شخص أن يرتقي إلى درجة الإخلاص, ويدل عليه أحوال كثير من الناس وحينئذ فيكون قوله تعالى: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ﴾ الآية دليلا على أن المخلصين أقل من الغاوين, وقوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي﴾ الآية دليلا على أن الغاوين أقل من غير الغاوين وهم الذين ليس عليهم سلطان, وعلى هذا فكل من الآيتين ليس فيها إلا استثناء الأقل وقد تمسك ابن الحاجب بقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ الآية ثم استدل على أن الغاوين أكثر بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣] ولم يذكر الآية الثانية فسلم من هذا الاعتراض لكنه لا يتم من وجه آخر, فقد يقال: إن قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ يدل على أن الغاوين من بني آدم مطلقا أقل من غيرهم
стр. 238
فإن الكلام مع إبليس كان في نسل بني آدم جميعهم, وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ﴾ الآية إنما يدل على الأكثرين من الذين بعث إليهم النبي ﷺ وهم الموجودون من حيث بعثه إلى قيام الساعة, والألف واللام في ﴿النَّاسِ﴾ للعهد وحينئذ فلا يلزم كون الغاوين أكثر من هذه الطائفة أن يكونوا أكثر بالنسبة إلى كل الطوائف من لدن آدم إلى قيام الساعة. الثاني: سلمنا أن قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي﴾ يدل على استثناء "الغاوين من المخلصين" لكن قوله تعالى: ﴿فَبِعِزَّتِكَ﴾ الآية إنما يدل على استثناء المخلصين من الذين أقسم إبليس على أن يغويهم لا من الغاوين وهم الذين حصلت لهم الغواية، وعلى هذا يكون الغاوون أقل من المخلصين كما دلت عليه الآية الأولى والمخلصون أقل من المقسم على إغوائهم كما دلت عليه الآية الثانية، فيكون المستثنى في الآيتين إنما هو الأقل الثالث: قال الآمدي للخصم أن يقول إنما يمتنع استثناء الأكثر إذا كان عدد المستثنى والمستثنى منه مصرحا بهما فإن لم يكن نحو: جاء بنو تميم إلا الأرذال منهم فإنه يصح من غير استقباح، وإن كانت الأرذال أكثر، وهذه الآية كذلك. قوله: "قال: الأقل" أي: قال القاضي: لا شك أن الاستثناء خلاف الأصل فإنه بمنزلة الإنكار لقلة الإقرار، ولكن خالفنا هذا الأصل في الأقل وجوزنا استدراكه بالاستثناء؛ لأنه قد يستثنى لقلة التفات النفس إليه، وهذا المعنى مفقود في المساوي والأكثر، وأجاب المصنف تبعا للحاصل بأنه منقوض بما ذكرنا، أي: من استثناء الغاوين من المخلصين وبالعكس أو من الإجماع المتقدم في المقر فإن الحكم موجود مع انتفاء العلة وهي القلة والذي أجاب به في المحصول أن الاستثناء والمستثنى منه كاللفظ الواحد الدال على ذلك القدر فلا يرد ما قالوه، وهذا الذي أشار إليه فيه ثلاثة مذاهب أحدها ما يقتضيه كلامه وهو مذهب القاضي: أن عشرة إلا ثلاثة مثلا اسم مركب مرادف لسبعة. والثاني ونقله ابن الحاجب عن الأكثرين: أن المراد أيضا سبعة كما قال الأول ولكن لا يقول: إن المجموع اسم لها بل إلا قرينة مبينة لذلك كسائر المخصصات. الثالث وهو الصحيح عند ابن الحاجب: أن المراد بالعشرة جميع أفرادها من غير حكم عليها ثم حكم بالإسناد بعد إخراج الثلاثة فيكون الإسناد إلى سبعة, ولم يتعرض المصنف لشبهة الحنابلة لأنها كشبهة القاضي. قال: "الثانية: الاستثناء من الإثبات نفي وبالعكس خلافا لأبي حنيفة. لنا لو لم يكن كذلك لم يكف لا إله إلا الله احتج بقوله ﵊: "لا صلاة إلا بطهور" ١ قلنا للمبالغة. الثالثة: المتعددة إن تعاطفت أو استغرق الأخير الأول عادت إلى المتقدم عليها وإلا يعود الثاني إلى الأول لأنه أقرب". أقول: الاستثناء من الإثبات نفي نحو: قام القوم إلا زيدا يكون نفيا للقيام من زيد بالاتفاق كما قاله الإمام في المعالم وصاحب الحاصل, وأما الاستثناء من النفي نحو: ما قام أحد إلا
стр. 239
زيد فقال الشافعي: يكون إثباتا لقيام زيد، وقال أبو حنيفة: لا يكون إثباتا له بل دليلا على إخراجه عن المحكوم عليهم وحينئذ فلا يلزم منه الحكم بالقيام، أما من جهة اللفظ فلأنه ليس فيه على هذا التقدير ما يدل على إثباته كما قلنا، وأما من جهة المعنى فلأن الأصل عدمه، قالوا بخلاف الاستثناء من الإثبات فإنه يكون نفيا؛ لأنه لما كان مسكوتا عنه، وكان الأصل هو النفي حكمنا به فعلى هذا لا فرق عندهم في دلالة اللفظ بين الاستثناء من النفي والاستثناء من الإثبات، واختار الإمام في المعالم الاقتران بالطهور في الجملة كذا قال الفاضل, وهذا معنى ما قيل أن التقدير لا صحة لصلاة بشيء إلا بطهور في بعض الصور وهي صورة استجماع الشرائط والأركان وما قال الخنجي من أن عدم الصلاة في بعض الصور لا ينفي أن يكون الاستثناء من النفي إثباتا بل هو إثبات في صورة الاستجماع، وما يقال من أنا إذا قلنا بصحة الصلاة الملصقة بالطهور لزم عموم الحكم في كل صلاة كذلك لعموم النكرة الموصوفة بصفة عامة في: لا أجالس إلا رجلا عالما، ولدلالة الكلام على أن علة الصحة هي الوصف المذكور فضعيف؛ لأن الأول ممنوع إذ هو مبني على الثاني، والثاني مختص بما إذا كان الوصف صالحا للاستقلال بالعلية ولم يعارضه قاطع. كذا ذكره الفاضل لكن بقي ما ذكره الفنري وهو أنه لو كان المعنى صحة صلاة بطهور أو ثبوتها عند الاقتران به في الجملة يفيد المبالغة المقصودة بهذا الاستثناء؛ لأن سائر الشروط كذلك، اللهم إلا أن يلتزم عدم وروده للمبالغة. المسألة "الثالثة": الاستثناءات "المتعددة إن تعاطفت" كقولنا: زيد على عشرة إلا أربعة وإلا ثلاثة "أو استغرق" الاستثناء "الأخير الأول" بأن لا يكون الأخير ناقصا عنه كقوله: علي عشرة إلا أربعة إلا خمسة "عادت" الاستثناءات المتعددة بأسرعها في الصورتين "إلى المتقدم عليها" وهو المستثنى منه. أما في الأول فلوجوب تساوي المعطوف مذهب أبي حنيفة وفي المحصول والمنتخب مذهب الشافعي. دليلنا أنه لو لم يكن إثباتا لم يكف لا إله إلا الله في التوحيد؛ لأن التوحيد هو نفي الإلهية عن غير الله تعالى وإثباتها له، فإذا لم يدل هذا اللفظ على إثبات الإلهية له تعالى بل كان ساكتا عنه فقد فات أحد شرطي التوحيد، وأجاب في المعالم بأن إثبات الإلهية له سبحانه مقرر في بداءة العقول والمقصود نفي الشريك. احتج أبو حنيفة بمثل قوله ﵊: "لا صلاة إلا بطهور" وتقديره: لا صحة للصلاة إلا بطهور فلو كان الاستثناء من النفي إثباتا لكان كلما وجد الطهور توجد الصحة وليس كذلك, فإنها قد لا تصح لفوات شرط آخر، ولم يجب الإمام على هذا الدليل لا في المحصول ولا في المنتخب وهو حديث غير معروف، وبتقدير صحته فجوابه من ثلاثة أوجه, أحدها: وهو ما ذكره المصنف أن الحصر قد يؤتى به للمبالغة لا للنفي عن الغير كقوله: "الحج عرفة" وههنا كذلك؛ لأن الطهارة لما كان أمرها متأكدا صارت كأنه لا شرط الصحة غيرها حتى إذا وجدت توجد الصحة. الثاني ما قاله صاحب التحصيل
стр. 240
وهو حسن: أن قولنا: إن الاستثناء من النفي إثبات يصدق بإثبات صورة واحدة من كل استثناء؛ لأن دعوى الإثبات لا عموم فيها بل هي مطلقة، وحينئذ فيقتضي صحة الصلاة عند وجود الطهارة بصفة الإطلاق لا بصفة العموم، أي: لا يقتضى ثبوت صحة الصلاة في جميع صور الطهارة بل يصدق ذلك بالمرة الواحدة. الثالث ما قاله الآمدي: أن هذا استثناء من غير الجنس؛ لأنه لا يصدق عليه اسم الأول, ولكن إنما سبق هذا البيان اشتراط الطهارة في الصلاة والاستعمال يدل عليه كما يقال: لا قضاء إلا بورع أو بعلم وليس المراد إثبات القضاء لكل عالم أو ورع بل المراد الشرطية, وقد تقرر أنه لا يلزم من وجود الشرط وجود الجواز المشروط عدمه لوجود مانع أو انتفاء شرط، وما قاله حسن إلا دعواه أنه منقطع، قال ابن الحاجب: فإنه بعيد؛ لأن هذا استثناء مفرغ والمفرغ من تمام الكلام بخلاف المنقطع. "المسألة الثالثة": في حكم الاستثناءات المتعددة، وقد أهملها ابن الحاجب وحكمها أنها إن تعاطفت أي: عطف بعضها على بعض عادت كلها إلى المستثنى منه، نحو: له علي عشرة إلا ثلاثة وإلا اثنين فيلزمه خمسة، وكذلك إن لم تكن معطوفة ولكن كان الثاني مستغرقا للأول قال في المحصول: سواء كان مساويا نحو: له عشرة إلا اثنين إلا اثنين بالتكرار أو أزيد نحو: له علي عشرة إلا اثنين إلا ثلاثة فيلزمه في المثال الأول ستة، وفي الثاني خمسة، ولك أن تقول: الاستثناء خلاف الأصل لكونه إنكارا بعد اعتراف كما سيأتي، والتأكيد أيضا خلاف الأصل والمساوي محتمل لكل منهما، فلم رجحنا الاستثناء على التأكيد؟ وللنحويين في هذا القسم وهو المستغرق مذهبان، أحدهما: ما اقتضاه كلام المصنف. والثاني: وهو مذهب الفراء١ أو الثاني يكون مقرا به فيلزمه في المثال الأول عشرة وفي الثاني أحد عشر. قوله: "وإلا" أي: وإن لم يكن الثاني معطوفا ولا مستغرقا فيعود الاستثناء الثاني لا الاستثناء الأول أي: يكون مستثنى منه، وحينئذ فلا بد من مراعاة ما تقدم لك، وهو أن الاستثناء من الإثبات نفي وبالعكس، فإذا قال: له علي عشرة إلا ثمانية إلا سبعة إلا ستة فتكون السبعة مستثناة من الثمانية وعلى هذا فتكون لازمة؛ لأنها مستثناة مما يلزم والستة مستثناة من السبعة فتكون غير لازمة؛ لأنها مستثناة مما يلزم وحينئذ فيلزمه في هذا الإقرار ثلاثة لأنه لما قال: علي عشرة إلا ثمانية أي: لا يلزمني فيبقى درهمان ثم قال: إلا سبعة أي: تلزمني, فتضمها إلى الدرهمين تصير تسعة ثم قال: إلا ستة أي تلزمني فيبقى ثلاثة، وهذا الذي جزم به من كون كل واحد يعود إلى ما
стр. 241
قبله هو مذهب البصريين والكسائي١، واستدل له المصنف بأنه أقرب، وقال بعض النحويين: تعود المستثنيات بها إلى المذكور أولا وقال بعضهم: يحتمل الأمرين. قال: "الرابعة: قال الشافعي: المتعقب للجمل كقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [البقرة: ١٦٠] يعود إليها وخص أبو حنيفة بالأخيرة، وتوقف القاضي والمرتضى وقيل: إن كان بينهما تعلق فللجميع مثل: أكرم الفقهاء والزهاد أو أنفق عليهم إلا المبتدعة وإلا فللأخيرة، لنا ما تقدم أن الأصل اشتراك المعطوف والمعطوف عليه في المتعلقات كالحال والشرط وغيرهما, فكذلك الاستثناء قيل خلاف الدليل حولف في الأخيرة للضرورة, قبقيت الأولى على عمومها, قلنا: منقوض بالصفة والشرط". أقول: شرع في حكم الاستثناء المذكور عقب الجمل كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ، إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [النور: ٤، ٥] فإن هذا الاستثناء وقع بعد ثلاث جمل, الجملة الأولى آمرة بجلدهم، والثانية ناهية عن قبول شهادتهم، والثالثة مخبرة بفسقهم، وفي حكم ذلك مذاهب، الأول مذهب الشافعي: أن الاستثناء يعود إلى الجمع إذا لم يدل الدليل على إخراج البعض لكن بشرطين، أحدهما: أن تكون الجمل معطوفة، كما صرح به الآمدي وابن الحاجب وغيرهما واستدلال الإمام والمصنف وغيرهما يقتضيه, الثاني: أن يكون العطف بالواو خاصة كما صرح به الآمدي وابن الحاجب وإمام الحرمين في النهاية. الثاني مذهب أبي حنيفة: أنه يعود إلى الجملة الأخيرة خاصة قال في المعالم: وهو المختار، وفائدة هذا الخلاف في قبول شهادة القاذف بعد التوبة فعندهما تقبل؛ لأن الاستثناء يعود إليها أيضا، وعنده لا تقبل، وأما الجملة الأولى الآمرة بالجلد فوافقناه على أن الاستثناء هنا لا يعود إليها لكونه حق آدمي فلا يسقط بالتوبة. الثالث: التوقف وهو مذهب القاضي والشريف المرتضى٢ من الشيعة، قال في المحصول: إلا أن القاضي توقف لعدم العلم بمدلوله في اللغة، والمرتضى توقف للاشتراك أي: لكونه مشتركا بين عوده إلى الكل وعوده إلى الأخيرة؛ لأنه قد ورد عوده للكل في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، خَالِدِينَ فِيهَا لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ، إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [آل عمران: ٨٧-٨٩] . وورد عوده أيضا إلى
стр. 242
الأخيرة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾ [البقرة: ٢٤٩] والأصل في الاستعمال الحقيقة فيكون مشتركا, قال في المنتخب: وما ذهب إليه القاضي هو المختار، وصرح به في المحصول١ في الكلام على التخصيص بالشرط، وذكر فيه وفي الحاصل هنا نحوه أيضا. الرابع ما ذهب إليه أبو الحسين البصري وقال في المحصول: إنه حق مع كونه قد اختار التوقف كما تقدم: إن كان بين الجمل تعلق عاد الاستثناء إليها وإلا يعود إلى الأخيرة خاصة، والمراد بالتعليق كما قال في المحصول هو أنه يكون حكم الأولى أو اسمها مضمرا في الثانية، فالحكم كقولنا: أكرم الفقهاء والزهاد إلا المبتدعة، وتقديره: وأكرم الزهاد وأما الاسم فكقولنا: أكرم الفقهاء أو أنفق عليهم إلا المبتدعة فقوله: عليهم أي على الفقهاء، وقد أشار المصنف إلى المثالين بذكر أو فقال: أو أنفق عليهم فافهمه، واجتنب غيره، وإنما أعيد الاستثناء هنا إلى الكل لأن الثانية لا تستقل إلا مع الأولى بخلاف ما إذا لم يكن بين الجمل تعلق؛ لأن الظاهر أنه لم ينتقل عن الجملة المستقلة بنفسها إلى جملة أخرى إلا وقد تم غرضه من الأولى، فلو كان الاستثناء راجعا إلى الجميع لم يكن مقصوده من الأولى قد تم. قوله: "لنا" أي الدليل على المذهب المختار وهو مذهب الشافعي: أن الأصل اشتراك المعطوف والمعطوف عليه في جميع المتعلقات كالحال والشرط وغيرهما، أي: كالصفة والظرف والمجرور، فيجب أن يكون الاستثناء كذلك، والجامع عدم الاستقلال مثاله: أكرم بني مضر وأطعم بني ربيعة محتاجين، أو إن كانوا محتاجين، أو المحتاجين, أو عند زيد أو يوم الجمعة. واعلم أن الإمام نقل عن الحنفية هنا أنهم وافقونا على عود الشرط إلى الكل كما نقله المصنف, قال: وكذلك الاستثناء بالمشيئة ونقل في الكلام على التخصيص بالشرط عن بعض الأدباء أن الشرط يختص بالجملة التي تليه، فإن تقدم اختص بالأولى, وإن تأخر اختص بالثانية, قال: والمختار التوقف كما في الاستثناء، وسوى ابن الحاجب بينه وبين الاستثناء، فعلى هذا يأتي فيه التفصيل الذي سبق نقله عنه، وأما الحال والظرف والمجرور فقال -أعني الإمام: إنا نخصهما بالأخيرة على قول أبي حنيفة، وحينئذ فاستدلال المصنف بهما على أبي حنيفة باطل, وأما الصفة فلم يصرح الإمام بحكمها لكنها شبيهة بالحال، وقد علمت أن الحال يختص بالأخيرة عند الخصم. قوله: "قيل: خلاف الدليل" أي: احتج أبو حنيفة بأن الاستثناء خلاف الدليل لكونه إنكارا بعد الإقرار، لكن خولف مقتضى الدليل في الجملة الأخيرة للضرورة؛ وذلك لأنه لا يمكن إلغاء الاستثناء، وتعلقه بالجملة الواحدة كافٍ في تصحيح الكلام، والأخيرة لا شك أنها أقرب فخصصناه بها، فبقي ما عداها من الأصل، وأجاب
стр. 243
المصنف بأن هذا الدليل منقوض بالصفة والشرط, فإنهما عائدان إلى الكل عندكم، مع أن المعنى الذي قلتموه موجود بعينه فيهما، وفيما قاله المصنف في الصفة نظر لما قدمناه من عوده إلى الأخيرة عندهم، وقد اختلف النحاة أيضا في هذه المسألة فجزم ابن مالك بعوده إلى الجميع، وخصه أبو علي الفارسي١ بالأخيرة كما نقله عنه ابن برهان في الوجيز، قال: لأن العامل في المستثنى هو الفعل المتقدم فلو عاد الاستثناء إلى الجميع لاجتمع عاملان على معمول واحد وهو محال؛ لأنه يؤدي إلى أن يكون الشيء الواحد مرفوعا ومنصوبا كما في الآية المذكورة. قال: "الثاني: الشرط وهو ما يتوقف عليه تأثير المؤثر لا وجوده كالإحصان، وفيه مسألتان" أقول: هذا هو القسم الثاني من أقسام المخصصات المتصلة، والشرط في اللغة هو العلامة ومنه أشراط الساعة أي: علاماتها، وفي الاصطلاح ما ذكره المصنف ولا شك أن توقف المؤثر على الغير يكون على قسمين، أحدهما: أن يكون في وجوده, وذلك بأن يكون ذلك الغير علة للمؤثر, أو جزءا من علته، أو شرطا لعلته، أو يكون جزءا من نفس المؤثر؛ لأن الشيء أيضا يتوقف في وجوده على جزئه، وهذا القسم يتوقف عليه تأثير المؤثر أيضا؛ لأن التأثير متوقف على وجود المؤثر, وكل ما توقف عليه المؤثر توقف عليه التأثير بطرق الأولى. الثاني: أن يتوقف على الغير في تأثيره فقط، وذلك الغير هو المعبر عنه بالشرط، فقوله: ما يتوقف عليه تأثير المؤثر يدخل فيه جميع ما تقدم من الشرط وغيره، وقوله: لا وجوده, معطوف على تأثير المؤثر، أي: لا يتوقف وجوده يعني وجود المؤثر، وخرج بهذا القيد علة المؤثر وجزؤه وغير ذلك مما عدا الشرط، فإن التأثير متوقف على هذه الأشياء بالضرورة كما قدمنا، لكن ليس هو التأثير فقط بل التأثير والوجود بخلاف الشرط، فإن وجود المؤثر لا يتوقف، بل إنما يتوقف عليه تأثير كالإحصان، فإن تأثير الزنا في الرجم متوقف عليه، وأما نفس الزنا فلا؛ لأن البكر قد تزني، وهذا التعريف إنما يستقيم على رأي المعتزلة والغزالي، فإنهم يقولون: إن العلل الشرعية مؤثرات، لكن المعتزلة يقولون: إنها مؤثرة بذاتها، والغزالي يقول: بجعل الشارع، وأما المصنف وغيره من الأشاعرة فإنهم يقولون: إنها أمارات على الحكم وعلامات عليه كما سيأتي في القياس فلا تأثير ولا مؤثر عندهم، فإن قيل: ينتقض بذات المؤثر، فإن التأثير متوقف عليها بالضرورة، ويصدق عليها أن المؤثر لا يتوقف وجوده عليها لاستحالة توقف الشيء على نفسه، قلنا: إنما ينتقض أن لو قلنا بمذهب الأشعري وهو أن الوجود عين الماهية، والمصنف لا يراه، بل يختار أن الوجود من الأوصاف الزائدة العارضة للماهية كما تقدم في الاشتراك، فعلى هذا
стр. 244
يصدق أن وجود المؤثر يتوقف على ذات المؤثر، وللفرار من هذا السؤال عبر المصنف بقوله: لا وجوده ولم يقل: لا ذاته كما قال في المحصول١. واعلم أن الشرط عندما يكون شرعيا كما مثلناه، وقد يكون عقليا كما تقول: الحياة شرط في العلم, والجوهر شرط لوجود العرض، وقد يكون لغويا نحو: إن دخلت الدار فأنت طالق، وكلام الإمام يقتضي أن المحدود هو الشرط الشرعي. قال: "الأولى: الشرط إن وجد دفعة فذاك, وإلا فيوجد المشروط عند تكامل أجزائه أو ارتفاع جزء منه إن شرط عدمه. الثانية: إن كان زانيا ومحصنا يحتاج إليهما, وإن كان سارقا أو نباشا فالقطع يكفي أحدهما، وإن شفيت فسالم وغانم حر فشفي عتق، وإن قال: أو، فيعتق أحدهما ويعين". أقول: ذكر في الشرط مسألتين, إحداهما: أن المشروط متى يوجد؟ وحاصله أن الشرط قد يوجد دفعة وقد يوجد على التدريج؛ فإن وجد دفعة كالتعليق على وقوع طلاق وحصول بيع وغيرهما مما يدخل في الوجود دفعة واحدة, فيوجد المشروط عند أول أزمنة الوجود إن علق على الوجود، وعند أول أزمنة العدم إن علق على العدم، وإن وجد على التدريج كقراءة الفاتحة مثلا, فإن كان التعليق على وجوده كقوله: إن قرأت الفاتحة فأنت حر, فيوجد المشروط وهو الحرية عند تكامل أجزاء الفاتحة، وإن كان على العدم كقوله لزوجته: إن لم تقرئي الفاتحة فأنت طالق، فيوجد المشروط وهو الطلاق عند ارتفاع جزء من الفاتحة كما لو قرأت الجميع إلا حرفا واحدا؛ لأن المركب ينتفي بانتفاء جزئه. المسألة الثانية: في تعدد الشرط والمشروط, وهو تسعة أقسام؛ لأن الشرط قد يكون متحدا نحو: إن قمت فأنت طالق، وقد يكون متعددا إما على سبيل الجمع نحو: إن كان زانيا ومحصنا ارجمه, فيحتاج إليهما للرجم، وإما على سبيل البدل نحو: إن كان سارقا أو نباشا فاقطعه, فيكفي واحد منهما في وجوب القطع، والمشروط أيضا على ثلاثة أقسام, فمثال الأول قد عرفته ومثال الثاني: إن شفيت فسالم وغانم حر فإذا شفي عتق، ومثال الثالث: أن يأتي بأو فيقول: إن شفيت فسالم أو غانم حر فإذا شفي عتق واحد منهما ويعينه السيد, وإذا ضربت ثلاثة في ثلاثة صارت تسعة، وقد أهمل المصنف اتحاد الشرط والمشروط اكتفاء بما تقدم، وذكر تعددهما على الجمع والبدل, ومجموع ذلك أربعة أقسام؛ لأنه الحاصل من ضرب اثنين في اثنين. قال في المحصول: واتفقوا على أنه يحسن التقييد بشرط يكون الخارج به أكثر من الباقي، وقد تقدم في الاستثناء حكم الشرط الداخل على الجمل. قال: "الثالث: الصفة مثل: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] وهو كالاستثناء". أقول: هذا هو القسم الثالث من أقسام المخصصات المتصلة, وهو التخصيص بالصفة نحو: أكرم الرجال العلماء، فإن التقييد بالعلماء مخرج لغيرهم، ومثل له المصنف بقوله تعالى:
стр. 245
﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] وهو تمثيل غير مطابق, فإن هذا من باب تقييد المطلق لا من باب تخصيص العموم؛ لأن رقبة غير عامة لكونها نكرة في سياق الإثبات، ولم يزد الإمام على قوله، كقولنا: رقبة مؤمنة، وهو محتمل لما أراده المصنف ولغيره من الأمثلة الصحيحة، فأن تكون واقعة في نفي أو شرط كما تقدم. قوله: "وهي" أي: والصفة كالاستثناء يعني في وجوب الاتصال وعودها إلى الجمل، وفضل في المحصول ومختصراته كالحاصل وغيره، فقال: هذا إن كانت الجملة الثانية متعلقة بالأولى نحو: أكرم العرب والعجم المؤمنين، فإن لم تكن فإنها تعود إلى الأخيرة فقط، وقد عرفت ضابط التعلق في المسألة السابقة، وكلام المصنف مشعر بأن أبا حنيفة يقول بعودها إلى الأخيرة مطلقا كما قال به في الاستثناء، وليس كذلك: أكرم العرب والعجم المؤمنين فهي إما عائدة إليهما، وإما أن لا تكون. أرى هذا الصحيح يكون كذلك كقولك: أكرم الحكماء وجالس الفقهاء الزهاد فالصفة عائدة إلى الأخير، وإن كان للبحث فيه مجال كما في الاستثناء فظاهر هذ العبارة يدل على التشبيه بحسب البحث، والتفصيل لا بحسب تحقق المذاهب. "الرابع" من المخصصات المتصلة "الغاية وهي" أي: غاية الشيء "طرفه" ونهايته "وحكم ما بعدها مخالف لها قبلها" من الحكم، أو مخالف لحكم ما ذكر قبلها، إذ لو تبقى فيما وراء الغاية شيء منه لم تكن الغاية غاية "مثل" قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] فإن ﴿اللَّيْلِ﴾ عائد للصوم لدخول ﴿إِلَى﴾ فيه، وحكم الليل في الإمساك عن المفطرات خلاف حكم ما قبله، "ووجوب" هذا جواب سؤال تقديره: لو كان حكم ما بعد الغاية خلاف ما الحرف نفسه، وهو الصواب والتمثيل بالليل والمرافق يدل عليه، فيكون أراد بالغاية ثانيا خلاف ما أراد بها أولا وهو غير ممتنع، وأطلق على الحرف اسم الغاية، وهو مستعمل في عرف النحاة، وحاصل المسألة أن ما بعد الحرف مخالف في الحكم لما قبله، أي: ليس داخلا فيه بل محكوم عليه بنقض حكمه؛ لأن ذلك الحكم لو كان ثابتا فيه أيضا لم يكن الحكم منتهيا ومنقطعا فلا تكون الغاية غاية وهو محال، مثاله قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] فإن ﴿إِلَى﴾ دال على أن الليل ليس محلا للصوم، وهذه المسألة فيها مذاهب أحدها: ما اختاره المصنف وهو مذهب الشافعي كما تقدم نقله عنه في مفهوم العدد. والثاني: أنه داخل فيما قبله. والثالث: إن كان من الجنس دخل وإلا فلا، نحو: بعتك الرمان إلا هذه الشجرة, فينظر هل هي من الرمان أم لا؟ والرابع: إن لم يكن معه من دخل مثلناه وإلا فلا، نحو: بعتك من كذا إلى كذا. والخامس: إن كان منفصلا عما قبله بمفصل معلوم بالحس بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ فإنه لا يدخل, وإلا فيدخل كقوله تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦] فإن ﴿الْمَرَافِقِ﴾ ليس منفصلا عن اليد بمفصل معلوم غير مشتبه بما قبله وما بعده، كفصل الليل من النهار، بل بجزء مشتبه فلما كان كذلك لم يكن تعيين بعض
стр. 246
الأجزاء بأولى من الآخر, فوجب الحكم بالدخول، وفي المحصول والمنتخب أن هذا التفصيل هو الأولى، ومذهب سيبويه أنه إن اقترن بمن فلا يدخل، وإلا فيحتمل الأمرين وقد نقله عنه في البرهان، واختار الآمدي أن التقييد بالغاية لا يدل على شيء، ولم يصحح ابن الحاجب شيئا، وفي دخول غاية الابتداء أيضا مذهبان، وفائدة الخلاف ما إذا قال له: علي من درهم إلى عشرة، أو قال: بعتك من هذا الجدار إلى هذا الجدار، والمفتى به عندنا أنه لا يدخل الجدار في البيع ولا الدراهم. العاشر: في الإقرار، وفي الفرق نظر، فإن قيل: هذا الخلاف ينبغي أن يكون إلى خاصة، وأما حتى فقد نص أهل العربية على أن ما بعدها يجب أن يكون من جنسه وداخلا في حكمه, قلنا: الخلاف عام وكلام أهل العربية فيما إذا كانت عاطفة, أما إذا كانت غاية بمعنى إلى فلا، ومنه قوله تعالى: ﴿سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر: ٥] . قوله: "ووجوب غسل المرفق للاحتياط" جواب عن سؤال مقدر توجيهه أنه لو كان ما بعد الغاية غير داخل فيما قبله لكان غسل المرفق غير واجب وليس كذلك، وجوابه ما في الكتاب, وتقريره من وجهين، أحدهما: "أن النبي ﷺ توضأ فأدار الماء على مرفقيه" فاحتمل أن يكون غسله واجبا وتكون إلى بمعنى كما قد قيل في قوله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢] واحتمل أن لا يكون واجبا فأوجبناه للاحتياط. الثاني: أن المرفق لما لم يكن متميزا عن اليد امتيازا حسيا وجب غسله احتياطا حتى يحصل العلم بغسل اليد, وعلى هذا التقدير يكون فيه إشعار باختيار التفصيل الذي نقلناه عن اختيار الإمام. قال ابن الحاجب: وحكم الغاية في عودها إلى الجمل كحكم الصفة. قال: "والمنفصل ثلاثة, الأول: العقل كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: ٦٢] الثاني: الحس مثل: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣] . الثالث: الدليل السمعي وفيه مسائل الأولى: الخاص إذا عارض العام يخصصه علم تأخره أم لا، وأبو حنيفة يجعل المتقدم منسوخا توقف حيث جهل، لنا إعمال الدليلين أولى". أقول: لما فرغ من المخصصات المتصلة, شرع في المنفصلة، والمنفصل هو الذي يستقل بنفسه أي: لا يحتاج في ثبوته إلى ذكر العام بخلاف المتصل كالشرط وغيره, وقسمه المصنف إلى ثلاثة أقسام وهي: العقل، والحس، والدليل السمعي، وللقائل أن يقول: يرد عليه التخصيص بالقياس والعادة وقرائن الأحوال، إلا أن يقال: إن القياس من الأدلة السمعية؛ ولهذا أدرجه في مسائل، ودلالة القرينة والعادة عقلية وفيه نظر؛ لأن العادة قد ذكرها في قسم الدليل السمعي وحينئذ فيلزم فساده أو فساد الجواب، الأول: العقل, والتخصيص به على قسمين، أحدهما: أن يكون بالضرورة كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: ٦٢] فإنا نعلم بالضرورة أنه ليس خالقا لنفسه، والتمثيل بهذه الآية ينبني على أن المتكلم يدخل في عموم كلامه وهو الصحيح كما تقدم، وعلى أن الشيء يطلق على الله وفيه مذهبان للمتكلمين، والصحيح إطلاقه عليه لقوله تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ
стр. 247
شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ﴾ [الأنعام: ١٩] الآية. والثاني: أن يكون بالنظر كقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] فإن العقل قاضٍ بإخراج الصبي والمجنون للدليل الدال على امتناع تكليف الغافل. الثاني: الحس أي المشاهدة، وإلا فالدليل السمعي من المحسوسات أيضا، وقد جعله المصنف قسيمه، ومثاله قوله تعالى إخبارا عن بلقيس: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣] فإنها لم تؤت شيئا من الملائكة ولا من العرش، وقد اعترض على هذا التمثيل بأن العرش والكرسي ونحو ذلك، وإن كنا نقطع بعدم دخوله، لكنه لا يشاهد بالحس حتى يقال المخرج له، والأولى التمثيل بقوله تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأحقاف: ٢٥] فإنا نشاهد أشياء كثيرة لا تدمير فيها كالسموات والجبال. الثالث: الدليل السمعي وجعله المصنف مشتملا على تسع مسائل, الأولى: في بيان ضابط كلي على سبيل الإجمال عند تعارض الدليلين السمعيين، والمسائل الباقية في بيان التخصيص بالأدلة السمعية مفصل فنقول: الخاص إذا عارض العام أي: دل على خلاف ما دل عليه فيؤخذ بالخاص سواء علم تأخيره عن العام أو تقديمه أو لم يعلم شيء منها، ونقله الإمام عن الشافعي واختاره هو وأتباعه وابن الحاجب، وذهب أبو حنيفة وإمام الحرمين إلى الأخذ بالمتأخر سواء كان هو الخاص أو العام لقول ابن عباس: "كنا نأخذ بالأحدث فالأحدث" فعلى هذا إن تأخر العام نسخ الخاص وإن تأخر الخاص نسخ من العام بقدر ما دل عليه، فإن جهل التاريخ وجب التوقف إلا أن يترجح أحدهما عن الآخر بمرجح ما كتضمنه حكما شرعيا، أو اشتهار روايته, أو عمل الأكثر به, أو يكون أحدهما محرما والآخر غير محرم, فإنه لا توقف بل يقدر المحرم متأخرا ويعم به احتياطا، ومنهم من بالغ فقال: إن الخاص وإن تأخر عن العام، ولكنه ورد عقبه من غير تراخ, فإنه لا يقدم على العام بل لا بد من مرجح حكاه في المحصول١. حجة الشافعي أنا إذا جعلنا الخاص المتقدم مخصوصا للعام المتأخر فقد أعملنا الدليلين, أما الخاص فواضح, وأما العام ففي بعض ما دل عليه. وإذا لم نجعله مخصصا له بل جعلناه منسوخا فقد ألغينا أحدهما, ولا شك أن إعمال الدليلين أولى. واعلم أن ما قاله المصنف من الأخذ بالخاص الوارد بعد العام محله إذا كان وروده قبل حضور وقت العمل بالعام؛ لأنه إذا كان كذلك كان بيانا لتخصيص سابق، يعني دالا على أن المتكلم كان قد أراد به البعض، وتأخير البيان جائز على الصحيح. فأما إذا ورد بعد حضور وقت العمل بالعام فإنه يكون نسخا وبيانا لمراد المتكلم الآن دون ما قبل؛ لأن البيان لا يتأخر عن وقت الحاجة, هكذا قاله في المحصول, وحينئذ فلا نأخذ به مطلقا، وإنما نأخذ به حيث لا يؤدي إلى نسخ المتواتر بالآحاد كما سيأتي. قال: "الثانية: يجوز تخصيص الكتاب بالكتاب وبالسنة
стр. 248
المتواترة والإجماع, كتخصيص: ﴿الْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] بقوله تعالى: ﴿وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] وقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] الآية بقوله ﵊: "القاتل لا يرث" و ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ [النور: ٢] برجمه للمحصن, وتنصيف حد القذف على العبد". أقول: شرع في بيان تخصيص المقطوع بالمقطوع، فذكر أنه يجوز تخصيص الكتاب بالكتاب وبالسنة المتواترة قولا كانت أو فعلا، وبالإجماع. ثم ذكر أمثلتها بطريق اللفظ والنشر، وأهمل تخصيص السنة المتواترة بهذه الثلاثة أيضا وهو جائز، وفي المحصول عن بعض الظاهرية أن الكتاب لا يكون مخصصا أصلا لا لكتاب ولا لسنة، واحتج بقوله لتبين ففوض أمر البيان إلى رسوله فلا يحصل إلا بقوله، ومثل المصنف تخصيص الكتاب بالكتاب بقوله تعالى: ﴿وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] فإنه مخصص لعموم قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] . وللخصم أن يقول: لا أسلم أن تخصيص المطلقات بهذه الآية فقد يكون بالسنة، وجوابه أن الأصل عدم دليل آخر، ومثال تخصيص الكتاب بالسنة القولية قوله ﷺ : "القاتل لا يرث" فإنه مخصص لعموم قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] وهذا التمثيل غير صحيح فإن الحديث المذكور غير متواتر اتفاقا، بل غير ثابت. فإن الترمذي نص على أنه لم يصح، وقد ذكره ابن الحاجب مثالا لتخصيص الكتاب بالآحاد، نعم إذا جاز التخصيص بالآحاد فالمتواتر أولى، وأما تخصيص الكتاب بالسنة الفعلية؛ فلأن النبي -صلى الله عليه سلم- رجم المحصن فكان فعله مخصصا لعموم قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] وفي هذا نظر أيضا لجواز أن يكون إخراج المحصن إنما هو بالآية التي نسخت تلاوتها وبقي حكمها وهو قوله تعالى: "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم" فإن هذا كان قرآنا ولكن نسخت تلاوته فقط كما سيأتي في كلام المصنف. فيجوز أن يكون التخصيص به لا بالسنة، فإن المراد بالشيخ والشيخة إنما هو الثيب والثيبة, ثم إن المصنف أيضا قد ذكر هذا بعينه مثالا لنسخ الكتاب بالسنة كما سيأتي، ومثال تخصيص الكتاب بالإجماع تنصيف حد القذف على العبد فإنه ثابت بالإجماع مخصص لعموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] فإن قيل: الكتاب والسنة المتواترة موجودان في عصره ﵊ مشهوران وانعقاد الإجماع بعد ذلك على خلافهما خطأ، وفي عصره لا ينعقد قلنا: لا نسلم أن التخصيص بالإجماع، بل ذلك إجماع على التخصيص ومعناه: أن العلماء لم يخصوا العام بنفس الإجماع، وإنما أجمعوا على تخصيصه بدليل آخر, ثم إن الآتي بعدهم يلزمه متابعتهم وإن لم يعرف المخصص. قال: "الثالثة: يجوز تخصيص الكتاب والسنة المتواترة بخبر الواحد, ومنع قوم وابن حبان فيما لم يخصص بمقطوع
стр. 249
والكرخي بمنفصل, لنا إعمال الدليلين ولو من جه أولى. قيل: قال ﵊: "إذا روي عني حديث فاعرضوه على كتاب الله فإن وافقه فاقبلوه، وإن خالفه فردوه" ١. قلنا: منقوض بالمتواتر قيل: الظن لا يعارض القطع, قلنا: العام مقطوع المتن مظنون الدلالة, والخاص بالعكس فتعادلا. قيل: لو خصص فنسخ قلنا: التخصيص أهون". أقول: أخذ المصنف يتكلم على تخصيص المقطوع بالمظنون, فذكر في تخصيص الكتاب والسنة المتواترة بخبر الواحد أربعة مذاهب، أصحها الجواز، ونقله الآمدي عن الأئمة الأربعة، وقال قوم: لا يجوز مطلقا, وقال عيسى بن أبان٢: إن خص قبل ذلك بدليل قطعي جاز؛ لأنه يصير مجازا بالتخصيص فتضعف دلالته، وأما إذا لم يخص أصلا فإنه لا يجوز لكونه قطعيا، وقال الكرخي: إن خص بدليل منفصل جاز، وإن خص بمتصل أو لم يخص أصلا فلا يجوز، وتعليله كتعليل مذهب ابن أبان؛ لأن الكرخي يرى أن المخصوص بمتصل يكون حقيقة دون المخصوص بمنفصل. قوله: "والكرخي بمنفصل" أي: ومنع الكرخي فيما لم يخصص بمنفصل سواء خص بمتصل أو لم يخص أصلا، فإذا خص بمنفصل جاز. واعلم أن الإمام وصاحب الحاصل وابن الحاجب وغيرهم إنما حكوا هذه المذاهب في تخصيص الكتاب بخبر الواحد ولم يحكوها في تخصيص السنة المتواترة به، فهل ذكر المصنف ذلك قياسا أم نقلا؟ فلينظر، وأيضا فقد تقدم من كلامه أن ابن أبان يرى أن العلم المخصوص ليس بحجة أصلا، فكيف يستقيم مع ذلك ما حكاه عنه، قوله: "لنا" أي: الدليل على الجواز مطلقا أن فيه إعمالا للدليلين، أما الخاص فمن جميع وجوهه أي في جميع ما دل عليه، وأما العام فمن وجه دون وجه أي: في الأفراد التي سكت عنها الخاص دون ما نفاها، وفي منع التخصيص إلغاء لأحد الدليلين وهو الخاص، ولا شك أن إعمال الدليلين ولو من وجه أولى من إلغاء أحدهما. احتج الخصم بثلاثة أوجه, أحدها: الحديث الذي ذكره المصنف وهو حديث غير معروف ثم إن هذا الدليل خاص بالكتاب والدعوى المنع فيه وفي السنة المتواترة، وهو يقوي الاعتراض السابق في نقل الخلاف في تخصيص السنة، وأجاب المصنف بأن الاستدلال به منقوض بالسنة المتواترة, فإنها تخصص بالكتاب اتفاقا، مع أنها مخالفة له، وهذا الجواب ضعيف، فإن غاية ما يلزم منه تخصيص دليله والعام المخصص حجة في الباقي. الثاني: أن الكتاب والسنة المتواترة قطعيان وخبر الواحد ظني، والظن لا يعارض القطع لعدم مقاومته لقطعيته، وجوابه أن العام الذي هو الكتاب أو السنة المتواترة متنه مقطوع به أي: يقطع بكونه من القرآن
стр. 250
أو السنة؛ لأنا قد علمنا استنادا إلى الرسول قطعا، ودلالته مظنونة لاحتمال التخصيص, والخاص بالعكس أي: متنه مظنون لكونه من رواية الآحاد ودلالته مقطوع بها؛ لأنه لا يحتمل الأفراد الباقية، بل لا يحتمل إلا ما تعرض له، فكل واحد منهما مقطوع به من وجه ومظنون من وجه فتعادلا، فإن قيل: إذا كانا متساويين فلا يقدم أحدهما على الآخر بل يجب التوقف وهو مذهب القاضي قلنا: يرجح تقديم الخاص بأن فيه إعمالا للدليلين، وما قاله المصنف ضعيف لأن خبر الواحد مظنون الدلالة أيضا؛ لأنه يحتمل المجاز والنقل وغيرهما مما يمنع القطع غايته أنه لا يحتمل التخصيص، نعم يمكنه أن يدعي أن دلالة الخاص على مدلوله الخاص أقوى من دلالة العام عليه، فلذلك قدم. الثالث: لو جاز تخصيصهما بخبر الواحد لجاز نسخهما به؛ لأن النسخ أيضا في الأزمان لكن النسخ باطل بالاتفاق فكذلك التخصيص، وجوابه أن التخصيص أهون من النسخ؛ لأن النسخ يرفع الحكم بخلاف التخصيص، ولا يلزم من تأثير الشيء في الأضعف تأثيره في الأقوى. قال: "وبالقياس ومنع أبو علي وشرط ابن أبان التخصيص والكرخي بمنفصل، وابن شريح الجلأ في المقياس واعتبره حجة الإسلام أرجح الظنين، وتوقف القاضي وإمام الحرمين. لنا ما تقدم قيل: القياس فرع فلا يقدم قلنا: على أصله قيل: مقدماته أكثر، قلنا: قد يكون بالعكس ومع هذا فإعمال الكل أحرى". أقول: هذا معطوف على قوله: بخبر الواحد أي: يجوز تخصيص الكتاب والسنة المتواترة بخبر الواحد وبالقياس أيضا، واعلم أن القياس إن كان قطعيا فيجوز التخصيص به بلا خلاف كما أشار إليه الأنباري شارح البرهان وغيره، وإن كان ظنيا ففيه مذاهب, حكى المصنف منها سبعة والصحيح الجواز مطلقا، ونقله الإمام عن الشافعي ومالك وأبي حنيفة والأشعري ونقله الآمدي وابن الحاجب عن أحمد أيضا. والثاني قاله أبو علي الجبائي: لا يجوز مطلقا، واختاره الإمام في المعالم وبالغ في إنكار مقابله مع كونه قد صححه في المحصول والمنتخب وموضعها في المعالم هو آخر القياس. والثالث قاله عيسى بن أبان: إن خص قبل ذلك بدليل آخر غير القياس جاز, سواء كان التخصيص متصلا أو منفصلا، وإن لم يخصص فلا يجوز لكن يشترط في الدليل المخصص على هذا المذهب أن يكون مقطوعا به؛ لأن تخصيص المقطوع بالمظنون عنده لا يجوز كما تقدم في أول المسألة فافهم ذلك، وحذفه المصنف للاستغناء عنه بما تقدم. والرابع قاله الكرخي: إن كان قد خصص بدليل منفصل جاز وإلا فلا. الخامس قاله ابن شريح: إن كان القياس جليا جاز، وإن كان خفيا فلا، وفي الجلي مذاهب حكاها في المحصول١ ولم يرجح شيئا منها، ورجح في المنتخب أنه قياس المعنى والخفي قياس الشبه، وقال ابن الحاجب: الجلي هو ما قطع بنفي تأثير الفارق فيه. وستعرف