← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 7332

نهاية السول شرح منهاج الوصول

الإسنوي

Полный текст (459 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

الأجزاء بأولى من الآخر, فوجب الحكم بالدخول، وفي المحصول والمنتخب أن هذا التفصيل هو الأولى، ومذهب سيبويه أنه إن اقترن بمن فلا يدخل، وإلا فيحتمل الأمرين وقد نقله عنه في البرهان، واختار الآمدي أن التقييد بالغاية لا يدل على شيء، ولم يصحح ابن الحاجب شيئا، وفي دخول غاية الابتداء أيضا مذهبان، وفائدة الخلاف ما إذا قال له: علي من درهم إلى عشرة، أو قال: بعتك من هذا الجدار إلى هذا الجدار، والمفتى به عندنا أنه لا يدخل الجدار في البيع ولا الدراهم. العاشر: في الإقرار، وفي الفرق نظر، فإن قيل: هذا الخلاف ينبغي أن يكون إلى خاصة، وأما حتى فقد نص أهل العربية على أن ما بعدها يجب أن يكون من جنسه وداخلا في حكمه, قلنا: الخلاف عام وكلام أهل العربية فيما إذا كانت عاطفة, أما إذا كانت غاية بمعنى إلى فلا، ومنه قوله تعالى: ﴿سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر: ٥] . قوله: "ووجوب غسل المرفق للاحتياط" جواب عن سؤال مقدر توجيهه أنه لو كان ما بعد الغاية غير داخل فيما قبله لكان غسل المرفق غير واجب وليس كذلك، وجوابه ما في الكتاب, وتقريره من وجهين، أحدهما: "أن النبي ﷺ توضأ فأدار الماء على مرفقيه" فاحتمل أن يكون غسله واجبا وتكون إلى بمعنى كما قد قيل في قوله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢] واحتمل أن لا يكون واجبا فأوجبناه للاحتياط. الثاني: أن المرفق لما لم يكن متميزا عن اليد امتيازا حسيا وجب غسله احتياطا حتى يحصل العلم بغسل اليد, وعلى هذا التقدير يكون فيه إشعار باختيار التفصيل الذي نقلناه عن اختيار الإمام. قال ابن الحاجب: وحكم الغاية في عودها إلى الجمل كحكم الصفة. قال: "والمنفصل ثلاثة, الأول: العقل كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: ٦٢] الثاني: الحس مثل: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣] . الثالث: الدليل السمعي وفيه مسائل الأولى: الخاص إذا عارض العام يخصصه علم تأخره أم لا، وأبو حنيفة يجعل المتقدم منسوخا توقف حيث جهل، لنا إعمال الدليلين أولى". أقول: لما فرغ من المخصصات المتصلة, شرع في المنفصلة، والمنفصل هو الذي يستقل بنفسه أي: لا يحتاج في ثبوته إلى ذكر العام بخلاف المتصل كالشرط وغيره, وقسمه المصنف إلى ثلاثة أقسام وهي: العقل، والحس، والدليل السمعي، وللقائل أن يقول: يرد عليه التخصيص بالقياس والعادة وقرائن الأحوال، إلا أن يقال: إن القياس من الأدلة السمعية؛ ولهذا أدرجه في مسائل، ودلالة القرينة والعادة عقلية وفيه نظر؛ لأن العادة قد ذكرها في قسم الدليل السمعي وحينئذ فيلزم فساده أو فساد الجواب، الأول: العقل, والتخصيص به على قسمين، أحدهما: أن يكون بالضرورة كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: ٦٢] فإنا نعلم بالضرورة أنه ليس خالقا لنفسه، والتمثيل بهذه الآية ينبني على أن المتكلم يدخل في عموم كلامه وهو الصحيح كما تقدم، وعلى أن الشيء يطلق على الله وفيه مذهبان للمتكلمين، والصحيح إطلاقه عليه لقوله تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ

стр. 247

شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ﴾ [الأنعام: ١٩] الآية. والثاني: أن يكون بالنظر كقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] فإن العقل قاضٍ بإخراج الصبي والمجنون للدليل الدال على امتناع تكليف الغافل. الثاني: الحس أي المشاهدة، وإلا فالدليل السمعي من المحسوسات أيضا، وقد جعله المصنف قسيمه، ومثاله قوله تعالى إخبارا عن بلقيس: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣] فإنها لم تؤت شيئا من الملائكة ولا من العرش، وقد اعترض على هذا التمثيل بأن العرش والكرسي ونحو ذلك، وإن كنا نقطع بعدم دخوله، لكنه لا يشاهد بالحس حتى يقال المخرج له، والأولى التمثيل بقوله تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأحقاف: ٢٥] فإنا نشاهد أشياء كثيرة لا تدمير فيها كالسموات والجبال. الثالث: الدليل السمعي وجعله المصنف مشتملا على تسع مسائل, الأولى: في بيان ضابط كلي على سبيل الإجمال عند تعارض الدليلين السمعيين، والمسائل الباقية في بيان التخصيص بالأدلة السمعية مفصل فنقول: الخاص إذا عارض العام أي: دل على خلاف ما دل عليه فيؤخذ بالخاص سواء علم تأخيره عن العام أو تقديمه أو لم يعلم شيء منها، ونقله الإمام عن الشافعي واختاره هو وأتباعه وابن الحاجب، وذهب أبو حنيفة وإمام الحرمين إلى الأخذ بالمتأخر سواء كان هو الخاص أو العام لقول ابن عباس: "كنا نأخذ بالأحدث فالأحدث" فعلى هذا إن تأخر العام نسخ الخاص وإن تأخر الخاص نسخ من العام بقدر ما دل عليه، فإن جهل التاريخ وجب التوقف إلا أن يترجح أحدهما عن الآخر بمرجح ما كتضمنه حكما شرعيا، أو اشتهار روايته, أو عمل الأكثر به, أو يكون أحدهما محرما والآخر غير محرم, فإنه لا توقف بل يقدر المحرم متأخرا ويعم به احتياطا، ومنهم من بالغ فقال: إن الخاص وإن تأخر عن العام، ولكنه ورد عقبه من غير تراخ, فإنه لا يقدم على العام بل لا بد من مرجح حكاه في المحصول١. حجة الشافعي أنا إذا جعلنا الخاص المتقدم مخصوصا للعام المتأخر فقد أعملنا الدليلين, أما الخاص فواضح, وأما العام ففي بعض ما دل عليه. وإذا لم نجعله مخصصا له بل جعلناه منسوخا فقد ألغينا أحدهما, ولا شك أن إعمال الدليلين أولى. واعلم أن ما قاله المصنف من الأخذ بالخاص الوارد بعد العام محله إذا كان وروده قبل حضور وقت العمل بالعام؛ لأنه إذا كان كذلك كان بيانا لتخصيص سابق، يعني دالا على أن المتكلم كان قد أراد به البعض، وتأخير البيان جائز على الصحيح. فأما إذا ورد بعد حضور وقت العمل بالعام فإنه يكون نسخا وبيانا لمراد المتكلم الآن دون ما قبل؛ لأن البيان لا يتأخر عن وقت الحاجة, هكذا قاله في المحصول, وحينئذ فلا نأخذ به مطلقا، وإنما نأخذ به حيث لا يؤدي إلى نسخ المتواتر بالآحاد كما سيأتي. قال: "الثانية: يجوز تخصيص الكتاب بالكتاب وبالسنة

стр. 248

المتواترة والإجماع, كتخصيص: ﴿الْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] بقوله تعالى: ﴿وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] وقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] الآية بقوله ﵊: "القاتل لا يرث" و ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ [النور: ٢] برجمه للمحصن, وتنصيف حد القذف على العبد". أقول: شرع في بيان تخصيص المقطوع بالمقطوع، فذكر أنه يجوز تخصيص الكتاب بالكتاب وبالسنة المتواترة قولا كانت أو فعلا، وبالإجماع. ثم ذكر أمثلتها بطريق اللفظ والنشر، وأهمل تخصيص السنة المتواترة بهذه الثلاثة أيضا وهو جائز، وفي المحصول عن بعض الظاهرية أن الكتاب لا يكون مخصصا أصلا لا لكتاب ولا لسنة، واحتج بقوله لتبين ففوض أمر البيان إلى رسوله فلا يحصل إلا بقوله، ومثل المصنف تخصيص الكتاب بالكتاب بقوله تعالى: ﴿وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] فإنه مخصص لعموم قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] . وللخصم أن يقول: لا أسلم أن تخصيص المطلقات بهذه الآية فقد يكون بالسنة، وجوابه أن الأصل عدم دليل آخر، ومثال تخصيص الكتاب بالسنة القولية قوله ﷺ : "القاتل لا يرث" فإنه مخصص لعموم قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] وهذا التمثيل غير صحيح فإن الحديث المذكور غير متواتر اتفاقا، بل غير ثابت. فإن الترمذي نص على أنه لم يصح، وقد ذكره ابن الحاجب مثالا لتخصيص الكتاب بالآحاد، نعم إذا جاز التخصيص بالآحاد فالمتواتر أولى، وأما تخصيص الكتاب بالسنة الفعلية؛ فلأن النبي -صلى الله عليه سلم- رجم المحصن فكان فعله مخصصا لعموم قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] وفي هذا نظر أيضا لجواز أن يكون إخراج المحصن إنما هو بالآية التي نسخت تلاوتها وبقي حكمها وهو قوله تعالى: "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم" فإن هذا كان قرآنا ولكن نسخت تلاوته فقط كما سيأتي في كلام المصنف. فيجوز أن يكون التخصيص به لا بالسنة، فإن المراد بالشيخ والشيخة إنما هو الثيب والثيبة, ثم إن المصنف أيضا قد ذكر هذا بعينه مثالا لنسخ الكتاب بالسنة كما سيأتي، ومثال تخصيص الكتاب بالإجماع تنصيف حد القذف على العبد فإنه ثابت بالإجماع مخصص لعموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] فإن قيل: الكتاب والسنة المتواترة موجودان في عصره ﵊ مشهوران وانعقاد الإجماع بعد ذلك على خلافهما خطأ، وفي عصره لا ينعقد قلنا: لا نسلم أن التخصيص بالإجماع، بل ذلك إجماع على التخصيص ومعناه: أن العلماء لم يخصوا العام بنفس الإجماع، وإنما أجمعوا على تخصيصه بدليل آخر, ثم إن الآتي بعدهم يلزمه متابعتهم وإن لم يعرف المخصص. قال: "الثالثة: يجوز تخصيص الكتاب والسنة المتواترة بخبر الواحد, ومنع قوم وابن حبان فيما لم يخصص بمقطوع

стр. 249

والكرخي بمنفصل, لنا إعمال الدليلين ولو من جه أولى. قيل: قال ﵊: "إذا روي عني حديث فاعرضوه على كتاب الله فإن وافقه فاقبلوه، وإن خالفه فردوه" ١. قلنا: منقوض بالمتواتر قيل: الظن لا يعارض القطع, قلنا: العام مقطوع المتن مظنون الدلالة, والخاص بالعكس فتعادلا. قيل: لو خصص فنسخ قلنا: التخصيص أهون". أقول: أخذ المصنف يتكلم على تخصيص المقطوع بالمظنون, فذكر في تخصيص الكتاب والسنة المتواترة بخبر الواحد أربعة مذاهب، أصحها الجواز، ونقله الآمدي عن الأئمة الأربعة، وقال قوم: لا يجوز مطلقا, وقال عيسى بن أبان٢: إن خص قبل ذلك بدليل قطعي جاز؛ لأنه يصير مجازا بالتخصيص فتضعف دلالته، وأما إذا لم يخص أصلا فإنه لا يجوز لكونه قطعيا، وقال الكرخي: إن خص بدليل منفصل جاز، وإن خص بمتصل أو لم يخص أصلا فلا يجوز، وتعليله كتعليل مذهب ابن أبان؛ لأن الكرخي يرى أن المخصوص بمتصل يكون حقيقة دون المخصوص بمنفصل. قوله: "والكرخي بمنفصل" أي: ومنع الكرخي فيما لم يخصص بمنفصل سواء خص بمتصل أو لم يخص أصلا، فإذا خص بمنفصل جاز. واعلم أن الإمام وصاحب الحاصل وابن الحاجب وغيرهم إنما حكوا هذه المذاهب في تخصيص الكتاب بخبر الواحد ولم يحكوها في تخصيص السنة المتواترة به، فهل ذكر المصنف ذلك قياسا أم نقلا؟ فلينظر، وأيضا فقد تقدم من كلامه أن ابن أبان يرى أن العلم المخصوص ليس بحجة أصلا، فكيف يستقيم مع ذلك ما حكاه عنه، قوله: "لنا" أي: الدليل على الجواز مطلقا أن فيه إعمالا للدليلين، أما الخاص فمن جميع وجوهه أي في جميع ما دل عليه، وأما العام فمن وجه دون وجه أي: في الأفراد التي سكت عنها الخاص دون ما نفاها، وفي منع التخصيص إلغاء لأحد الدليلين وهو الخاص، ولا شك أن إعمال الدليلين ولو من وجه أولى من إلغاء أحدهما. احتج الخصم بثلاثة أوجه, أحدها: الحديث الذي ذكره المصنف وهو حديث غير معروف ثم إن هذا الدليل خاص بالكتاب والدعوى المنع فيه وفي السنة المتواترة، وهو يقوي الاعتراض السابق في نقل الخلاف في تخصيص السنة، وأجاب المصنف بأن الاستدلال به منقوض بالسنة المتواترة, فإنها تخصص بالكتاب اتفاقا، مع أنها مخالفة له، وهذا الجواب ضعيف، فإن غاية ما يلزم منه تخصيص دليله والعام المخصص حجة في الباقي. الثاني: أن الكتاب والسنة المتواترة قطعيان وخبر الواحد ظني، والظن لا يعارض القطع لعدم مقاومته لقطعيته، وجوابه أن العام الذي هو الكتاب أو السنة المتواترة متنه مقطوع به أي: يقطع بكونه من القرآن

стр. 250

أو السنة؛ لأنا قد علمنا استنادا إلى الرسول قطعا، ودلالته مظنونة لاحتمال التخصيص, والخاص بالعكس أي: متنه مظنون لكونه من رواية الآحاد ودلالته مقطوع بها؛ لأنه لا يحتمل الأفراد الباقية، بل لا يحتمل إلا ما تعرض له، فكل واحد منهما مقطوع به من وجه ومظنون من وجه فتعادلا، فإن قيل: إذا كانا متساويين فلا يقدم أحدهما على الآخر بل يجب التوقف وهو مذهب القاضي قلنا: يرجح تقديم الخاص بأن فيه إعمالا للدليلين، وما قاله المصنف ضعيف لأن خبر الواحد مظنون الدلالة أيضا؛ لأنه يحتمل المجاز والنقل وغيرهما مما يمنع القطع غايته أنه لا يحتمل التخصيص، نعم يمكنه أن يدعي أن دلالة الخاص على مدلوله الخاص أقوى من دلالة العام عليه، فلذلك قدم. الثالث: لو جاز تخصيصهما بخبر الواحد لجاز نسخهما به؛ لأن النسخ أيضا في الأزمان لكن النسخ باطل بالاتفاق فكذلك التخصيص، وجوابه أن التخصيص أهون من النسخ؛ لأن النسخ يرفع الحكم بخلاف التخصيص، ولا يلزم من تأثير الشيء في الأضعف تأثيره في الأقوى. قال: "وبالقياس ومنع أبو علي وشرط ابن أبان التخصيص والكرخي بمنفصل، وابن شريح الجلأ في المقياس واعتبره حجة الإسلام أرجح الظنين، وتوقف القاضي وإمام الحرمين. لنا ما تقدم قيل: القياس فرع فلا يقدم قلنا: على أصله قيل: مقدماته أكثر، قلنا: قد يكون بالعكس ومع هذا فإعمال الكل أحرى". أقول: هذا معطوف على قوله: بخبر الواحد أي: يجوز تخصيص الكتاب والسنة المتواترة بخبر الواحد وبالقياس أيضا، واعلم أن القياس إن كان قطعيا فيجوز التخصيص به بلا خلاف كما أشار إليه الأنباري شارح البرهان وغيره، وإن كان ظنيا ففيه مذاهب, حكى المصنف منها سبعة والصحيح الجواز مطلقا، ونقله الإمام عن الشافعي ومالك وأبي حنيفة والأشعري ونقله الآمدي وابن الحاجب عن أحمد أيضا. والثاني قاله أبو علي الجبائي: لا يجوز مطلقا، واختاره الإمام في المعالم وبالغ في إنكار مقابله مع كونه قد صححه في المحصول والمنتخب وموضعها في المعالم هو آخر القياس. والثالث قاله عيسى بن أبان: إن خص قبل ذلك بدليل آخر غير القياس جاز, سواء كان التخصيص متصلا أو منفصلا، وإن لم يخصص فلا يجوز لكن يشترط في الدليل المخصص على هذا المذهب أن يكون مقطوعا به؛ لأن تخصيص المقطوع بالمظنون عنده لا يجوز كما تقدم في أول المسألة فافهم ذلك، وحذفه المصنف للاستغناء عنه بما تقدم. والرابع قاله الكرخي: إن كان قد خصص بدليل منفصل جاز وإلا فلا. الخامس قاله ابن شريح: إن كان القياس جليا جاز، وإن كان خفيا فلا، وفي الجلي مذاهب حكاها في المحصول١ ولم يرجح شيئا منها، ورجح في المنتخب أنه قياس المعنى والخفي قياس الشبه، وقال ابن الحاجب: الجلي هو ما قطع بنفي تأثير الفارق فيه. وستعرف

стр. 251

ذلك في القياس إن شاء الله تعالى. والسادس قاله حجة الإسلام الغزالي: أن هذا العام وإن كان مقطوع المتن لكن دلالته ظنية كما تقدم, والقياس أيضا دلالته ظنية وحينئذ فإن تفاوتا في الظن فالعبرة بأرجح الظنين، وإن تساويا فالوقف. والسابع: التوقف وهو مذهب القاضي أبي بكر وإمام الحرمين، والمختار عند الآمدي أن علة القياس إن كانت ثابتة بنص أو إجماع جاز التخصيص وإلا فلا وقال ابن الحاجب: المختار أنه يجوز إذا ثبتت العلة بنص أو إجماع أو كان أصل القياس من الصور التي خصت عن العموم. قال: فإن لم يكن شيء من ذلك نظر، إن ظهر في القياس رجحان خاص أخذنا به وإلا فنأخذ بالعموم. قوله: "لنا ما تقدم" أي: في خبر الواحد وهو أن إعمال الدليلين ولو من جهة أولى. قوله: "قيل: القياس فرع أي: احتج أبو علي على أنه يجوز مطلقا" بوجهين، أحدهما: أن القياس فرع عن النص؛ لأن الحكم المقاس عليه لا بد وأن يكون ثابتا بالنص؛ لأنه لو كان ثابتا بالقياس لزم الدور أو التسلسل، وإذا كان فرعا عنه فلا يجوز تخصيصه به، وإلا يلزم تقديم الفرع على الأصل، وأجاب المصنف بقوله: قلنا على أصله، يعني: سلمنا أن القياس لا يقدم على الأصل الذي له, لكنا إذا خصصنا العموم به لم نقدمه على أصله، وإنما قدمناه على أصل آخر. الثاني: أنه لما ثبت أن القياس فرع عن النص لزم أن تكون مقدماته أكثر مقدمات النص، فإن كانت مقدمة يتوقف عليها النص في إفادة الحكم كعدالة الراوي، ودلالة اللفظ على المعنى فإن القياس يتوقف عليها أيضا، ويختص القياس بتفوقه على مقدمات أخرى، كبيان العلة وثبوتها في الفرع وانتفاء المعارض عنه، وإذا كانت مقدماته المحتملة أكثر, كان احتمال الخطأ إليه أقرب، فيكون الظن الحاصل منه أضعف، فلو قدمنا القياس على العام لقدمنا الأضعف على الأقوى وهو ممتنع، وأجاب المصنف بوجهين أحدهما: أن مقدمات العام الذي يريد تخصيصه قد تكون أكثر من مقدمات القياس، وذلك بأن يكون العام لمخصوص كثير الوسائط أي: بيننا وبين النبي ﷺ ، أو كثير الاحتمالات المخلة بالفهم، ويكون العام الذي هو أصل القياس قريبا من النبي ﷺ ، قليل الاحتمالات بحيث تكون مقدماته المعتبرة في القياس أقل من مقدمات العام المخصوص، قال في المحصول: وعند هذا يظهر أن الحق ما قاله الغزالي. الثاني: سلمنا أن مقدمات القياس أكثر من مقدمات العام، وأن الظن مع ذلك يضعف, لكن مع هذا يجب التخصيص لأن إعمال الدليلين أحرى أي: أولى. قال: "الرابعة: يجوز تخصيص المنطوق بالمفهوم لأنه دليل, كتخصيص "خلق الله الماء طهورا, لا ينجسه شيء إلا ما غير طعمه أو لونه أو ريحه" بمفهوم "وإذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثا" ". أقول: إذا فرغنا إلى أن المفهوم حجة, جاز عند المصنف تخصيص المنطوق به، وبه جزم الآمدي وابن الحاجب وقال الآمدي: لا نعرف فيه خلافا سواء كان مفهوم موافقة أو مخالفة، وقد توقف في المحصول فلم يصرح بشيء إلا أنه ذكر دليلا يقتضي المنع على لسان

стр. 252

غيره، فقال ما معناه: ولقائل أن يقول: المفهوم أضعف دلالة من المنطوق, فيكون التخصيص به تقديما للأضعف على الأقوى. وذكر صاحب التحصيل نحوه أيضا فقال: في جوازه نظر. نعم جزم في المنتخب هنا بالمنع، وصرح به في المحصول في الكلام على تخصيص العام بذكر بعضه، وقال في الحاصل: إنه الأشبه, واستدل المصنف على الجواز بأن المفهوم دليل شرعي, فجاز تخصيص العموم به جمعا بين الدليلين كسائر الأدلة, مثاله: قوله ﵊: "خلق الله الماء طهورا, لا ينجسه شيء إلا ما غير طعمه أو لونه أو ريحه" مع قوله ﷺ : "وإذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثا" فإن الأول يدل بمنطوقه على أن الماء لا ينجس عند عدم التغير سواء كان قلتين أم لا. والثاني: يدل بمفهومه على أن الماء القليل ينجس وإن لم يتغير, فيكون هذا المفهوم مخصصا لمنطوق الأول ولم يمثل المصنف لمفهوم الموافقة, ومثاله ما إذا قال: من دخل داري فاضربه ثم قال: إن دخل زيد فلا تقل له: أف. قال: "الخامسة: العادة التي قررها رسول الله ﷺ تخصص، وتقريره ﵊ على مخالفة العام تخصيص له، فإن ثبت "حكمي على الواحد حكمي على الجماعة" يرتفع الحرج عن الباقين" " ١. أقول: لا إشكال في أن العادة القولية تخصص العموم نص عليه الغزالي وصاحب المعتمد والآمدي ومن تبعه كما إذا كان من عادتهم إطلاق الطعام على المقتات خاصة، ثم ورد النهي عن بيع الطعام بجنسه متفاضلا، فإن النهي يكون خاصا بالمقتات؛ لأن الحقيقة العرفية مقدمة على اللغوية، وأما العادة الفعلية وهي مسألة الكتاب ففيها مذهبان، وذلك كما إذا كان من عادتهم أن يأكلوا طعاما مخصوصا وهو البر مثلا, فورد النهي المذكور وهو بيع الطعام بجنسه, فقال أبو حنيفة: يختص النهي بالبر لأنه المعتاد، وخلافه الجمهور فقالوا بإجراء العموم على عمومه. هكذا نقله الآمدي وابن الحاجب وغيرهما، وقال في المحصول: اختلفوا في التخصيص بالعادات, والحق أنها إن كانت موجودة في عصره ﵊ وعلم بها وأقرها، كما إذا اعتادوا مع الموز بالموز متفاضلا بعد ورود النهي وأقره, فإنها تكون مخصصة، ولكن المخصص في الحقيقة هو التقرير، وإن لم تكن بهذه الشروط فإنها لا تخصص؛ لأن أفعال الناس لا تكون حجة على الشرع، نعم إن أجمعوا على التخصيص لدليل آخر فلا كلام، وتابع المصنف على هذا التفصيل وهو في الحقيقة موافق لما نقله الآمدي عن الجمهور, فإنهم يقولون: إن العادة بمجردها لا تخصص وإن التقرير يخصص، وعلى هذا فالمراد من قول الجمهور: إن العادة لا تخصص أن غير المعتاد يكون ملحقا بالمعتاد في الدخول, والمراد من قول الإمام: إن العادة التي قررها الرسول تخصص, أن المعتاد يكون خارجا عن غير المعتاد, فهما مسألتان في الحقيقة فافهم ذلك. قوله: "وتقريره" يعني أن النبي ﷺ إذا رأى شخصا يفعل فعلا مخالفا للدليل

стр. 253

العام فأقره عليه فيكون إقراره تخصيصا للفاعل، بمعنى أن حكم العام لا يثبت في حقه؛ لأنه ﵊ لا يقر على باطل. نعم إن ثبت هذا الحديث المروي عن النبي ﷺ وهو: "حكمي على الواحد حكمي على الجماعة" يرتفع حكم العام على الباقين أيضا ويكون ذلك نسخا لا تخصيصا، قال ابن الحاجب: كذلك إن لم يثبت، ولكن ظهر معنى يقتضي جواز ذلك فإنا نلحق بالمخالف من وافقه في ذلك المعنى، وهذا الحديث سئل عنه الحافظ جمال الدين المزي فقال: إنه غير معروف, فلذلك توقف فيه المصنف. قال الآمدي قبيل الإجماع: ولا فرق في دلالة التقرير على الجواز بين أن يكون الشخص عالما يسبق التحريم أم لا، وإلا كان فيه تأخير البيان عن وقت الحاجة، ثم قال هو وابن الحاجب: إنه يشترط أن يكون ﵊ قادرا على الإمكان وأن لا يعلم من الفاعل الإصرار على ذلك الفعل, واعتقاده الإباحة كتردد اليهود إلى كنائسهم. قال: "السادسة: خصوص السبب لا يخصص؛ لأنه لا يعارضه, وكذا مذهب الراوي كحديث أبي هريرة ﵁, وعمله في الولوغ لأنه ليس بدليل. قيل: خالف الدليل وإلا لانقدحت روايته, قلنا: ربما ظنه دليلا ولم يكن". أقول: هذه المسألة وما بعدها إلى آخر الباب فيما جعله بعضهم مخصصا مع أن الصحيح خلافه, وفي هذه المسألة منه أمران, إذا تقرر هذا فاعلم أنه إذا ورد الخطاب جوابا عن سؤال فإن كان لا يستقل بنفسه كان تابعا للسؤال في عمومه وخصوصه فأما العموم فكقوله ﵊ وقد سئل عن بيع الرطب بالتمر: "أينقص الرطب إذا جف؟ " قالوا: نعم فقال: "فلا إذًا" ١ فإنه يعم كل بيع وارد على الرطب وأما الخصوص فكما لو قال قائل: توضأت بماء البحر فقال: يجزئك قال الآمدي: وهذا لا يدل على جوازه في حق غيره؛ لأنه سأله عن وضوئه خاصة فأجابه عنه ولا عموم في اللفظ لعل الحكم على ذلك الشخص لمعنى يخصه كتخصيص خزيمة بقبول شهادته وحده وأبي بردة بإجزاء العناق في الأضحية ومن هذا القسم على ما قاله هو والإمام قول القائل: والله لا آكل جوابا لمن سأله فقال: كل عندي فإن العرف يقتضي عود السؤال في الجواب كقوله: من أفطر في رمضان بجماع فعليه الكفارة جوابا لمن سأل عن مطلق الإفطار في رمضان قال في المحصول: فلا يجوز إلا بثلاثة شروط أحدها: أن يكون في المذكور تنبيه على ما لم يذكر. والثاني: أن يكون السائل مجتهدا. والثالث: أن لا تفوت المصلحة باشتغال السائل بالاجتهاد وإن كان أعلم كقوله ﵊: "والخراج بالضمان" حين سئل عمن اشترى عبدا فاستعمله ثم وجد به عيبا فرده وكقوله وقد سئل عن بشر بضاعة: "خلق الله الماء طهورا" ٢ فهل العبرة بعموم اللفظ أو بخصوص السبب؟ فيه مذهبان

стр. 254

وهذه هي مسألة الكتاب أصحهما عن ابن برهان, والآمدي والإمام وأتباعهما كالمصنف وابن الحاجب أن العبرة بعموم اللفظ؛ ولهذا قال: خصوص السبب لا يخصصه أي: لا يخصص العام الوارد على ذلك السبب بل يكون باقيا على مدلوله من العموم سواء كان السبب هو السؤال كما مثلناه ولم يكن كما روي أنه ﵊ مر على شاة ميمونة وهي متية فقال: "أيما إهاب دبغ فقد طهر" ١ هكذا قال الآمدي وابن الحاجب وغيرهما, وكأنهم جعلوا الشاة سببا لذكر العموم ثم استدل المصنف على ما اختار بأن اللفظ العام مقتضاه شمول الألفاظ وخصوص السبب لا يعارضه؛ لأنه لا منافاة بينهما بدليل أن الشارع لو قال: يجب عليكم حمل اللفظ على سببه لكان جائزا، ولو كان معارضا له لكان ذلك متناقضا، وإذا لم يعارضه فيجب حمله على العموم عملا بالمقتضى السالم عن المعارض. هكذا استدل الإمام على عدم المنافاة والمعارضة، واعترض عليه صاحب التنقيح فقال: إن الشارع لو تعبدنا بترك التخصيص بكل ما دل الدليل على كونه مخصصا لكان جائزًا ولا يوجب ذلك خروجه عن أن يكون مخصصا قبل التعبد بتركه, فكذلك هذا، والأولى الاستدلال على عدم المعارضة بإمكان إعمال العام في صاحب السبب وغيره، وذهب مالك وأبو ثور والمزني إلى أن العبرة بخصوص السبب، ونقله بعض الشارحين للمحصول عن القفال والدقاق أيضا، واستدلوا بأمور منها: أن السبب لو لم يكن مخصصا لما نقله الراوي لعدم فائدته، وجوابه: أن فائدته هي معرفة السبب وامتناع إخراجه عن العموم بالاجتهاد، أي: بالقياس, فإنه لا يجوز بالإجماع، كما نقله الآمدي وغيره؛ لأن دخوله مقطوع به لأن الحكم ورد بيانا له بخلاف غيره, فإن دخوله مظنون. ونقله الآمدي وابن الحاجب وغيرهما عن الشافعي أنه يقول بأن العبرة بخصوص السبب معتمدين على قول إمام الحرمين في البرهان: إنه الذي صح عندي من مذهب الشافعي, ونقله عنه في المحصول, وما قاله الإمام مردود, فإن الشافعي ﵀ قد نص على أن السبب لا أثر له، فقال في باب ما يقع في الطلاق وهو بعد باب طلاق المريض ما نصه: وما يصنع السبب شيئا إنما يصنعه الألفاظ؛ لأن السبب قد يكون ويحدث الكلام على غير السبب ولا يكون مبتدأ الكلام الذي حكم, فإذا لم يصنع السبب بنفسه شيئا لم يصنعه لما بعده، ولم يمنع ما بعده أن يصنع ما له حكم، إذا قيل هذا لفظه بحروفه, ومن الأم نقلته فهذا نص بين دافع لما قاله ولا سيما قوله: ولا يمنع ما بعده ... إلخ, وذكر ابن برهان في الوجيز نحوه أيضا، فقال: قالوا: فإن كان اللفظ على عمومه فلماذا قدم الشافعي العموم العري عن السبب على العموم الوارد على سبب؟ قلنا: ما أورده من السبب وإن لم يكن مانعا من الاستدلال ومانعا من التعلق به، فإنه يوجب ضعفا, فقدم العري عن السبب لذلك أهمل كلامه. وهذه الفائدة التي حصلت بطريق العرض

стр. 255

فائدة حسنة؛ وذلك لأن الشافعي ﵀ يقول: إن الأمة تصير فراشا بالوطء، حتى إذا أتت بولد يمكن أن يكون من الوطء سواء اعترف به أم لا، لقصة عبد بن زمعة اختصم هو وسعد بن أبي وقاص في المولود فقال سعد: هو ابن أخي عهد إلي أنه منه، وقال عبد بن زمعة: هو أخي, ولد على فراش أبي من وليدته، فقال النبي ﷺ : "الولد للفراش وللعاهر الحجر" ١، وذهب أبو حنيفة إلى أن الأمة لا تصير فراشا بالوطء ولا يلحقه الوالد إلا إذا اعترف به، وحمل الحديث المتقدم على الزوجة وأخرج الأمة من عمومه فقال الشافع: إن هذا قد ورد على سبب خاص وهي الأمة لا الزوجة. قال الإمام فخر الدين: فتوهم الواقف على هذا الكلام، أن الشافعي يقول: إن العبرة بخصوص السبب, ومراده أن خصوص السبب لا يجوز إخراجه عن العموم بالإجماع كما تقدم، والأمة هي السبب في ورود العموم فلا يجوز إخراجها، ومن تفاريع هذه القاعدة اختلاف أصحابنا في أن العري هل يختص بالفقراء أم لا؟ فإن اللفظ الوارد في جوازه عام، وقد قالوا: إنه ورد على سبب وهو الحاجة، ولما كان الراجح هو الأخذ بعموم اللفظ كان الراجح عدم الاختصاص. وقوله: "وكذا مذهب الراوي" أي: لا يكون أيضا مخصصا للعموم على الصحيح عند الإمام والآمدي وأتباعهما، ونقله في المحصول عن الشافعي قال بخلاف حمل الخبر على أحد محمليه، فإن الشافعي يأخذ فيه بمذهب الراوي. قال القرافي: وقد أطلقوا المسألة، والذي أعتقده أن الخلاف مخصوص بالصحابي ثم مثل المصنف بقوله ﷺ : "إذا ولغ الكلب في الإناء, فاغسلوه سبعا" ٢ "الحديث" فإن أبا هريرة رواه مع أنه كان يغسل ثلاثا فلا نأخذ بمذهبه؛ لأن قول الصحابي ليس بدليل كما ستعرفه إن شاء الله تعالى, وهذا المثال غير مطابق؛ لأن التخصيص فرع العموم, والثلاث والسبع وغيرهما من أسماء الأعداد نصوص مدلولاتها لا عامة. وقد ظفرت بمثال صحيح ذكره ابن برهان في الوجيز, وهو قوله ﷺ : "من بدل دينه فاقتلوه" ٣ فإن راويه هو ابن عباس ومذهبه أن المرأة إذا ارتدت لا تقتل؛ فلذلك منع أبو حنيفة قتل المرتدة، احتج الخصم بأن الراوي إنما خالف العام لدليل لو خالفه لغير دليل, لكان ذلك فسقا قادحا في قبول روايته، وإذا ثبت أنه خالف دليلا كان ذلك الدليل هو المخصص، والجواب أنه ربما خالف لشيء ظنه دليلا وليس هو بدليل في نفس الأمر فلا يلزم القدح لظنه، ولا التخصيص لعدم مطابقته، وهذا الجواب يتجه إذا كان الراوي مجتهدا فإن كان مقلدا فلا. قال: "السابعة: إفراد فرد لا يخصص، مثل قوله ﵊: "أيما إهاب دبغ فقد طهر" مع قوله في شاة ميمونة: "دباغها طهورها" لأنه غير مناف قيل: المفهوم مناف, قلنا: مفهوم اللقب

стр. 256

مردود" أقول: إذا أفرد الشارع فردًا من أفراد العام أي: نص على واحد مما تضمنه وحكم عليه بالحكم الذي حكم به على العلم فإنه لا يكون مخصصا له كقوله ﵊: "أيما إهاب دبغ فقد طهر" مع قوله في شاة ميمونة: "دباغها طهورها" والدليل عليه أن الحكم على الواحد لا ينافي الحكم على الكل؛ لأنه لا منافاة بين بعض الشيء وكله، بل الكل محتاج إلى البعض، وإذا لم يكن منافيا لم يكن مخصصا؛ لأن المخصص لا بد أن يكون منافيا للعام، واعلم أن الواقع في الصحيحين من رواية ابن عباس أن الشاة كانت لمولاة ميمونة تصدق بها عليها, وقد تقدم تمثيل خصوص السبب بقصة ميمونة أيضا وهو صحيح لكونه بلفظ آخر غير هذا, واحتج الخصم وهو أبو ثور١ بأن تخصيص الشاة بالذكر يدل بمفهومه على نفي الحكم عما عداه، وقد تقدم أنه يجوز تخصيص المنطوق بالمفهوم وجوابه أن هذا مفهوم لقب وقد تقدم أنه مردود أي: ليس بحجة، وهذا الجواب ذكره ابن الحاجب بلفظه وهو أحسن من جواب الإمام، فإنه أجاب هو وصاحب الحاصل بأنا لا نقول بدليل الخطاب أي: بمفهوم المخالفة، وهذا الإطلاق مخالف لما قرره في مفهوم الصفة والشرط وغيرهما. واعلم أن مقتضى جواب المصنف وابن الحاجب تسليم التخصيص إذا كان المفهوم معمولا به، كما لو قيل: "اقتلوا المشركين" ثم قيل: اقتلوا المشركين المجوس، وبه صرح أبو الخطاب الحنبلي على ما نقله عنه الأصفهاني شارح المحصول في المطلق والمقيد، وحينئذ فيكون الكلام هنا في التخصيص بمجرد ذكر البعض من حيث هو بعض، مع قطع النظر عما يعرض له مما هو معمول به فافهمه، لكن ذكر الآمدي وابن الحاجب فيما إذا كان المطلق والمقيد منفيين ما حاصله أن ذكر البعض لا أثر له وإن اقترن بما هو حجة وسأذكره إن شاء الله تعالى في موضعه. وصرح به أيضا هناك أبو الحسين البصري في كتابه المعتمد على ما نقله عنه الأصفهاني المذكور، وحينئذ فيكون الجواب غير مستقيم، وقد اختلفوا في تحرير مذهب أبي ثور فنقل عنه الإمام في المحصول أن المفهوم مخرج لما عدا الشاة ونقل عنه ابن برهان في الوجيز وإمام الحرمين في باب الآنية عن النهاية أن المفهوم مخرج لما يؤكل لحمه. قال: "الثامنة: عطف العام على الخاص لا يخصص مثل "ألا لا يقتل مسلم بكافر, ولا ذو عهد في عهده "٢ وقال بعض الحنفية بالتخصيص تسوية بين المعطوفين، فلنا التسوية في جميع الأحكام غير واجبة". أقول: إذا كان المعطوف عليه مشتملا على اسم عام، واشتمل المعطوف على ذلك الاسم بعنيه، لكن على وجه يكون مخصوصا بوصف أو بغيره

стр. 257

فلا يقتضي ذلك تخصيص المعطوف عليه عندنا، وقال الحنفية على ما نقله في المحصول أو بعضهم على ما نقله المصنف أنه يقتضيه تسوية بين المعطوف والمعطوف عليه، وجوابه أن التسوية بينهما في جميع الأحكام غير واجبة بل الواجب إنما هو التسوية في مقتضى العامل، مثال ذلك أن أصحابنا قد استدلوا على أن المسلم لا يقتل بالكافر سواء كان حربيا أو ذميا بقوله عليه الصلاة السلام: "ألا لا يقتل مسلم بكافر, ولا ذو عهد في عهده" فإن الكافر هنا وقع بلفظ التنكير في سياق النفي فيعم، فقالت الحنفية: الحديث يدل على أن المسلم لا يقتل بالكافر الحربي ونحن نقول به، وبيانه أن قوله: "ولا ذو عهد في عهده" معطوف على "مسلم" فيكون معناه: لا يقتل مسلم ولا ذو عهد في عهده بكافر، ومما يقوي أن المراد عدم قتله بالكافر أن تحريم قتل المعاهد معلوم ولا يحتاج إلى بيان وإلا لم يكن للعهد فائدة ثم إن الكافر الذي لا يقتل به المعاهد هو الحربي؛ لأن الإجماع قائم على قتله بمثله وبالذمي, وحينئذ فيجب أن يكون الكافر الذي لا يقتل به المسلم أيضا هو الحربي تسوية بين المعطوف والمعطوف عليه، وجوابه ما تقدم، وهذا الجواب الذي ذكره المصنف باطل؛ لأن الحنفية لا يقولون باشتراك المعطوف والمعطوف عليه في جميع الأحكام، بل باشتراكهما في المتعلقات، والاشتراك فيها واجب عند المصنف كما نص عليه في الاستثناء عقب الجمل فقال: لنا الأصل اشتراك المعطوف والمعطوف عليه في المتعلقات كالحال والشرط وغيرهما هذا كلامه, وهو مخالف للمذكور هنا لا سيما وقد صرح بالحال وهو غير المتنازع فيه هنا, أعني الصفة, بل الجواب أن قوله: "ولا ذو عهد في عهده" كلام مفيد لا يحتاج إلى إضمار الكافر؛ لأنه ربما يوهم أن المعاهد لا يقتل مطلقا فذكر ذلك دفعا لهذا التوهم. واعلم أن من الناس من يعبر عن هذه المسألة بأن العطف على العام لا يوجب العموم في المعطوف خلافا للحنفية, وهو أيضا صحيح فإن الحنفية قالوا: لو أن الكافر المذكور في الحديث عام للحربي والذمي, لكان المعطوف أيضا كذلك لكنه ليس كذلك, فإن الكافر الذي لا يقتل به المعاهد إنما هو الحربي دون الذمي, وممن عبر بهذه العبارة الغزالي في المستصفى وابن الحاجب في مختصره إلا أن الغزالي قال: إن مذهبهم غلط وابن الحاجب قال: إنه الصحيح قال: إلا إذا دل دليل منفصل على التخصيص بهذا المثال بخصوصه. قال: "التاسعة: عود ضمير خاص لا يخصص مثل: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ مع قوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ﴾ لأنه لا يزيد على إعادته". أقول: إذا ورد بعد العام ضمير عائد على بعض أفراده فلا يخصصه عند المصنف, واختاره الآمدي وابن الحاجب، وقيل: يخصص وهو رأي الشافعي على ما نقله عنه القرافي، وقيل بالوقف وهو المختار في المحصول ومختصراته كالحاصل وغيره, ونقله الآمدي عن الإمام وأبي الحسين ونقل ابن الحاجب عنهما التخصيص،

стр. 258

مثله قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] ثم قال: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨] فإن المطلقات يشملن البوائن والرجعيات، والضمير في قوله: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ﴾ عائد على الرجعيات فقط؛ لأن البائن لا يملك الزوج ردها، ولو ورد بعد العام حكم لا يتأتى إلا في بعض أفراده كان حكمه كحكم الضمير كما صرح به في المحصول، ومثل له بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] ثم قال: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١] يعني الرغبة في مراجعتهن والمراجعة لا تتأتى في البائن، واستدل المصنف على بقاء العموم بقوله؛ لأنه لا يزيد على إعادته، وفيه ضميران ملفوظ بهما، فالأول يعود على لفظ الضمير من قوله: عود الضمير خاص أي: لأن الضمير الخاص لا يزيد, وأما الثاني فيحتمل أن يكون عائدا على العام، ومعناه أن الضمير لا يزيد على إعادة العام المتقدم، ولو أعيد فقيل: وبعولة المطلقات أحق بردهن لم يكن مخصصا اتفاقا، وإن كان المراد به الرجعيات فبطريق الأولى إعادة ما قام مقامه، ويحتمل أن يكون عائدا على بعض الخاص وهو ما فهمه كثير من الشراح، ويعني بذلك أنه لو قيل: وبعولة الرجعيات أحق بردهن لم يكن مخصصا لما قبله, فبالأولى ما قام مقامه الأول، أصوب لتعبيره بالإعادة دون الإظهار, ولأنه أبلغ في الحجة لكون الأول بعينه قد أعيد، ولم يلزم منه التخصيص، وعلى كل حال فللخصم أن يقول: إن الضمير يزيد على إعادة الظاهر؛ لأن الظاهر مستقل بنفسه فينقطع معه الالتفات عن الأول بخلاف الضمير، واستدل المتوقف بأن العموم مقتضاه ثبوت الحكم لكل فرد، والضمير مقتضاه عوده لكل ما تقدم فليست مراعاة ظاهر العموم أولى من مراعاة ظاهر الضمير، فوجب التوقف ولا ذكر لهذه المسألة في المنتخب. قال: "تذنيب: المطلق والمقيد إن اتحد سببهما حمل المطلق عليه عملا بالدليلين, وإلا فإن اقتضى القياس تقييده قيدا وإلا فلا". أقول: لما كان المطلق عاما عموما بدليا، والمقيد أخص منه كان تعارضهما من باب تعارض العام والخاص فلذلك ذكره في بابه وترجم له بالتذنيب, وقد سبق الكلام على هذه اللفظة في أوائل الكتاب، وحاصل المسألة أنه إذا ورد لفظ مطلق ولفظ مقيد نظر إن اختلف حكمهما نحو: اكس ثوبا هرويا وأطعم طعاما, فلا يحمل أحدهما على الآخر باتفاق, أي: لا يقيد الطعام أيضا بالهروي لعدم المنافاة، واستثنى الآمدي وابن الحاجب صورة واحدة وهو ما إذا قال: أعتق رقبة ثم قال: لا تملك كافرة ولا تعتقها، وهذا القسم تركه المصنف لوضوحه، وصرح الآمدي بأنه لا فرق فيه بين أن يتحد سببهما أم لا، لكن نقل القرافي عن أكثر الشافعية أنه يحمل عليه عند اتحاد السبب، ومثل له بالوضوء والتيمم، فإن سببهما واحد وهو الحدث، وقد وردت اليد في التيمم مطلقة، وفي الوضوء مقيدة بالمرافق, وإن اتحد حكمهما نظر, إن اتحد سببهما كما لو قيل في الظهار: أعتق رقبة وقيل فيه أيضا: أعتق رقبة مؤمنة, فلا خلاف كما قال الآمدي: إنا نحمل

стр. 259

المطلق على المقيد حتى يتعين إعتاق المؤمنة، لا المقيد على المطلق حتى يجزئ إعتاق الكافرة، وإنما حملنا المطلق على المقيد عملا بالدليلين؛ وذلك لأن المطلق جزء من المقيد فإذا عملنا بالمقيد عملنا بهما، وإن لم نعمل به فقد ألغينا أحدهما، ثم اختلفوا فصحح ابن الحاجب وغيره أن هذا الحمل بيان للمطلوب أي: دال على أنه كان المراد من المطلق هو المقيد، وقيل: يكون نسخا أي: دالا على نسخ حكم المطلق السابق بحكم المقيد الطارئ، واعلم أن مقتضى إطلاق المصنف أنه لا فرق في حمل المطلق على المقيد بين الأمر والنهي، فإذا قال: لا تعتق مكاتبا وقال أيضا: لا تعتق مكاتبا كافرا, فإن نحمل الأول على الثاني ويكون المنهي عنه هو إعتاق المكاتب الكافر, وصرح به الإمام في المنتخب وذكر في المحصول والحاصل نحوه أيضا، لكن ذكر الآمدي في الأحكام أنه لا خلاف في العمل بمدلولهما، والجمع بينهما في النفي إذ لا تعذر فيه، هذا لفظه وهو يريد أنه يلزم من نفي المطلق نفي المقيد فيمكن العمل بهما، ولا يلزم من ثبوت المطلق ثبوت المقيد، وتابعه ابن الحاجب وأوضحه فقال: فإن اتحد موجبهما مثبتين فيحمل المطلق على المقيد، ثم قال: فإن كانا منفيين عمل بهما، وحاصله أنه لا يعتق مكاتبا مؤمنا أيضا، إذ لو أعتقه لم يعمل به، وصرح به أبو الحسين البصري في المعتمد وعلله بأن قوله: لا تعتق مكاتبا عام، والمكاتب الذمي فرد من أفراده، وذكره لا يقتضي التخصيص، هكذا نقله عنه الأصفهاني شارح المحصول، ونقل عن أبي الخطاب الحنبلي بناؤها على أن مفهوم الصفة هل هو حجة أم لا؟ وقد غلط الأصفهاني المذكور في فهم كلام الآمدي وابن الحاجب, فادعى أن المراد منه حمل المطلق على المقيد. قوله: "وإلا" أي: وإن لم يتحد سببهما كقوله تعالى في كفارة الظهار: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة: ٣] وقوله تعالى في كفارة القتل: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطًَا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] ففيه ثلاثة مذاهب حكاها في المحصول, أحدها: أن تقييد أحدها يدل بلفظه على تقييد الآخر؛ لأن القرآن كالكلمة الواحدة، ولهذا فإن الشهادة لما قيدت بالعدالة مرة احدة وأطلقت في سائر الصور حملنا المطلق على المقيد. الثاني قول الحنفية: أنه لا يجوز تقييده بطريق ما لا باللفظ ولا بالقياس. الثالث وهو الأظهر من مذهب الشافعي كما قاله الآمدي وصححه هو والإمام وأتباعهما وجزم به المصنف: أنه إن حصل قياس صحيح مقتضٍ لتقييده قيد كاشتراك الظهار والقتل في خلاص الرقبة المؤمنة عن قيد الرق لتشوف الشارع إليه، وإن لم يحصل ذلك فلا. "فرع": إذا أطلق الحكم في موضع ثم قيد في موضعين بقيدين متنافيين, فإن قلنا: إن التقييد بالقياس فلا كلام وتحمله على المقيد المشارك له في المعنى، وإن قلنا: إنه باللفظ تساقطا وترك المطلق على إطلاقه؛ لأنه ليس تقييده بأحدهما أولى من الآخر,

стр. 260

هكذا في المحصول١، ومثال ذلك قوله ﷺ في الولوغ: "إحداهن بالتراب" وفي رواية: "أولاهن" وفي رواية: "أخراهن" فإنه لما لم يكن الترجيح بلا مرجح، وتعذر القياس؛ لعدم ظهور المعنى تساقطا، ورجعنا إلى أصل الإطلاق، وجوزنا التعفير في إحدى الغسلات عملا بقوله: "إحداهن بالتراب" هكذا قالوه, ولك أن تقول: ينبغي في هذا المثال أن يبقى التخيير في الأولى والأخرى فقط للمعنى الذي قالوه، وأما عداهما فلا يجوز فيه التعفير لاتفاق القيدين على نفيه من غير معارض، وقد ظفرت بنص للشافعي موافق لهذا البحث موافقة صريحة، فقال في البويطي في أثناء باب غسل الجمعة ما نصه: قال -يعني الشافعي: وإذا ولغ الكلب في الإناء غسل أولاهن أو أخراهن بالتراب ولا يطهره غير ذلك, وكذلك روي عن رسول الله ﷺ هذا لفظه بحروفه, ومن البويطي نقلته وهو نص غريب لم ينقله أحد من الأصحاب، وأورد في الأم حديثا يعضد ذلك ذكره في باب ما ينجس الماء مما خالطه، وهو قبل كتاب الأقضية وبعد باب الأشربة.

стр. 261

الباب الرابع: في المجمل والمبين الفصل الأول: في المجمل قال: "الباب الرابع: في المجمل والمبين, وفيه فصول الأول: في المجمل, وفيه مسائل, الأولى: اللفظ إما أن يكون مجملا بين حقائقه كقوله تعالى: ﴿ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] أو إفراد حقيقة واحدة مثل: ﴿أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧] أو مجازاته إذا انتفت الحقيقة وتكافأت، فإن ترجح واحد لأنه أقرب إلى الحقيقة كنفي الصحة من قوله: "لا صلاة" و "لا صيام" أو لأنه أظهر عرفا أو أعظم مقصودا كرفع الحرج، وتحريم الأكل من "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان" و ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ حمل عليه". أقول: سبق في تقسيم الألفاظ تعريف المجمل لغة واصطلاحا, والإجمال لا يتصور إلا في معان متعددة، وحينئذ فالمجمل على أقسام أحدها: أن يكون مجملا بين حقائقه أي: بين معان وضع اللفظ لكل منها, كقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] فإن القرء موضوع بإزاء حقيقتين وهما الحيض والطهر. الثاني: أن يكون مجملا بين أفراد حقيقة واحدة كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧] فإن لفظ البقرة موضوع لحقيقة واحدة معلومة ولها أفراد، والمراد: واحدة معينة منها كما سيأتي في الفصل الثاني. الثالث: أن يكون مجملا بين مجازاته، وذلك إذا انتفت الحقيقة أي: ثبت عدم إرادتها وتكافأت المجازات أي: لم يترجح بعضها على بعض، فإن لم يدل دليل على عدم إرادة الحقيقة تعين الحمل عليها، ولا إهمال إلا إذا عارضها مجاز راجح, فإن فيه الخلاف المعروف وقد ذكره المصنف قبيل الحقيقة والمجاز واختار التساوي. فعلى اختياره هو قسم آخر من المجمل، ولم يتعرض له هناك اكتفاء بما ذكره هناك، ثم إن المجمل قد يكون بواسطة الإعلان كالمختار، فإنه صالح لاسم الفاعل، واسم المفعول، وبواسطة التركيب كقوله تعالى: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧]

стр. 262

فإن الذي بيده العقدة محتمل الزوج والولي، وبواسطة مرجع الصفة نحو: زيد طبيب ماهر، فإن الماهر يحتمل أن يرجع إلى زيد وإلى الطبيب، والمعنى يختلف، وبواسطة تعدد مرجع الضمير نحو: ضرب زيد عمر أو أكرمني، وبواسطة استثناء المجهول كقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ وهذه الأقسام قد ذكرها ابن الحاجب ما عدا الأخير، وكلام المصنف صالح لها. نعم المجمل قد يكون فعلا أيضا كما إذا قال النبي ﷺ من الركعة الثانية، فإنه يحتمل أن يكون عن تعمد فيدل على جواز ترك التشهد الأول، ويحتمل أن يكون عن سهو فلا يدل عليه، وهذا القسم ذكره ابن الحاجب وغيره، وهو يرد على المصنف فإنه جعل مورد التقسيم هو اللفظ، فقال: اللفظ إما أن يكون ... إلخ، واختلفوا في جواز بقاء الإجمال بعد وفاة الرسول ﵊ قاله في البرهان بعد حكاية هذا الخلاف. والمختار أنه إن تعلق به حكم تكليفي فلا يجوز، وإلا فيجوز. قوله: "فإن ترجع" أي: بعض المجازات, وجواب هذا الشرط هو قوله بعد ذلك: حمل عليه، ثم ذكر للرجحان ثلاثة أسباب, أحدها: أن يكون أقرب إلى الحقيقة من المجاز، والآخر كقوله ﵊: "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" ١، وقوله: "لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل" ٢ فإن حقيقة هذا اللفظ إنما هو الإخبار عن نفي ذات الصوم والصلاة عند انتفاء الفاتحة والتبييت، وهذه الحقيقة غير مرادة للشارع؛ لأنا نشاهد الذات قد تقع بدون ذلك فتعين الحمل على المجاز، وهو إضمار الصحة أو الكمال، وإضمار الصحة أرجح لكونه أقرب إلى الحقيقة، فحملنا اللفظ عليه، وبيان القرب أن الحقيقة هو نفي الذات كما تقدم ونفي الذات يستلزم انتفاء جميع الصفات, ونفي الصحة أقرب إليه في هذا المعنى من نفي الكمال؛ لأنه لا يبقى مع نفي الصحة وصف بخلاف نفي الكمال, فإن الصحة تبقى معه, ولك أن تقول: إن هذا التقرير معارض بأن نفي الكمال متيقن دون نفي الصحة, وبأن فيه تقليلا للإضمار والتجوز المخالف للأصل. واعلم أن ما قاله المصنف هنا غير مستقيم، ولم يذكره الإمام ولا أحد من أتباعه؛ وذلك لأن المذكور في المحصول مذهبان, أحدهما ما قاله أبو عبد الله البصري: أن المنفي الداخل مطلقا مجمل، سواء كان شرعيا نحو: لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب، أو لغويا نحو: لا عمل إلا بالنية؛ لأن الذات غير منتفية وليس بعض المجازات بأولى من بعض. والثاني ونقله عن الأكثرين: أن النفي إن كان اسما شرعيا كالصوم والصلاة فلا إجمال؛ لأن انتفاء المشروع ممكن بفوات شرطه أو جزئه, وقد أخبر الشارع به, وإن كان لغويا فإن كان له حكم واحد فلا إجمال أيضا وينصرف النفي إليه كقولنا: لا إقرار لمن أقر بالزنا مكرها، فإن هذا النفي لا يمكن صرفه إلى نفس الإقرار لوجوده، ولا صرفه إلى الاستحباب لأنه لا

стр. 263

مدخل له في الإقرار بالزنا، فإن الشخص يستحب له أن يستر على نفسه ولا يقر, فتعين صرفه إلى الصحة, وإن كان له حكمان: الفضيلة والجواز, فليس أحدهما أولى من الآخر فتعين الإجمال، ثم مثل له الإمام بقولنا: لا عمل إلا بنية، وقال: لقائل أن يقول: صرفه إلى الصحة أولى لأنه أقرب إلى الحقيقة، هذا حاصل كلام المحصول, وعبر في الحاصل عن قول الإمام, ولقائل أن يقول بقوله وعندي، واستفدنا من هذا الكلام كله أن ما ليس بشرعي كالعمل يكون مجملا خلافا لما مال إليه الإمام من حمله على الصحة وقد تبعه عليه الآمدي وابن الحاجب، وصححاه أعني الحمل على الصحة، واستفدنا منه أيضا أن الشرعي فيه مذهبان أحدهما: الإجمال, والثاني: حمله على الحقيقة وهو رأي الأكثرين واختاره أيضا الآمدي وابن الحاجب وغيرهما، فأما ما قاله المصنف من كونه ليس مجملا ولا محمولا على الحقيقة الشرعية بل على المجاز الأقرب إلى نفي الذات فخارج عن القولين معا، ولا شك أنه توهم أن بحث الإمام عائد إلى الكل لكونه ذكره في آخر المسألة، وإنما ذكره في الاسم اللغوي فقط، نعم يستقيم ما قاله المصنف إذا أنكرنا الحقائق الشرعية كما قاله الآمدي وابن الحاجب. السبب الثاني من الأسباب المرجحة لأحد المجازات: أن يكون أظهر عرفا كقوله ﵊: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" فإن حقيقة اللفظ ارتفاع نفس الخطأ وهو باطل لاستحالة رفع الشيء بعد صدوره، فتعين حمله على المجاز بإضمار الحكم، أو الحرج يعني الإثم ويرجح. الثاني يعني الإثم لكونه أظهر عرفا؛ لأن السيد لو قال لعبده: رفعت عنك الخطأ, لتبادر إلى الفهم منه نفي المؤاخذة. الثالث: أن يكون أعظم مقصودًا كقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] فإن حقيقة اللفظ تحريم نفس العين كما قال به بعضهم لكنه باطل قطعا، فإن الأحكام الشرعية لا تتعلق إلا بالأفعال المقدورة للمكلفين، والعين ليست من أفعالهم فتعين الصرف إلى المجاز بإضمار الأكل أو البيع أو اللمس أو غيرها، ويرجح الأكل بكونه أعظم مقصودا عرفا فحمل اللفظ عليه، والمثالان الأخيران ذكرهما المصنف بطريق اللف والنشر، وحكى الإمام عن بعضهم أنهما مجملان أيضا. قال: "الثانية: قالت الحنفية: ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ﴾ مجمل، وقالت المالكية: يقتضي الكل، والحق أنه حقيقة فيما ينطلق عليه الاسم دفعا للاشتراك والمجاز. الثالثة: قيل: آية السرقة مجملة؛ لأن اليد تحتمل الكل والبعض، والقطع الشق والإبانة, والحق أن اليد للكل وتذكر للبعض مجازا، والقطع للإبانة، والشق إبانة". أقول: اختلفوا في إجمال قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] فقالت الحنفية: إنه مجمل؛ لأنه يحتمل مسح الجميع ومسح البعض احتمالا على السواء, وقد بينه ﵊ فمسح بناصيته ومقدارها الربع فكان الربع واجبا، وقال غيرهم: لا إجمال فيها، ثم اختلفوا فقالت المالكية: إنها تقتضي مسح الجميع؛ لأن الرأس حقيقة في الكل قال المصنف: الحق أن

стр. 264

مسح الرأس حقيقة فيما ينطلق عليه اسم المسح, وهو القدر المشترك بين الكل والبعض؛ لأن هذا التركيب تارة يأتي لمسح الكل وهو واضح, وتارة يأتي لمسح البعض كما يقال: مسحت يدي برأس اليتيم، وإن لم يمسح منها إلا البعض، فإن جعلناه حقيقة في كل منهما لزم الاشتراك، وإن جعلناه حقيقة في أحدهما فقد لزم المجاز في الآخر، فجعله حقيقة في القدر المشترك دفعا للمحذورين، قال في المحصول: وهذا هو قول الشافعي ثم نقل عن بعض الشافعية أن الباء تدل على التبعيض، فلذلك اكتفينا بالبعض، ولم يذكر المصنف هذا المذهب هنا مع أنه قد جزم به في الفصل المعقود للحروف، والإمام إن كان قد جزم به هناك لكنه لم يصرح بعكسه هنا كما صرح به المصنف بل نقله عن الشافعي فقط. المسألة الثالثة: ذهب بعضهم إلى أن آية السرقة وهي قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] مجملة في اليد والقطع؛ لأن اليد تحتمل العضو كله أي: من المنكب إلى رءوس الأصابع, وتحتمل بعضه أيضا لأنها تطلق على كل منهما، والأصل في الإطلاق الحقيقة، والقطع يحتمل الشق يعني الجرح كقولنا: فلان برى القلم فقطع يده أي: جرحها ويحتمل أيضا الإبانة وهو فصل العضو كقولنا: سرق فقطعت يده. قوله: "القطع الشق" أي: يحتمل الشق, قال المصنف: والحق أنه ليس فيها إجمال لا من جهة اليد ولا من جهة القطع أما اليد فنقول: إنها حقيقة في الكل وتذكر للبعض بطريق المجاز بدليل قولنا في البعض: إنه ليس كل اليد، وأما القطع فهو حقيقة في الإبانة، ولا شك أن الشق أي: الجرح إبانة أيضا؛ لأن فيه إبانة بعض أجزاء اللحم عن بعض فيكون متواطئا.

стр. 265

الفصل الثاني: في المبين قال: "الفصل الثاني: في المبين وهو الواضح بنفسه أو بغيره مثل: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النساء: ١٧٦] ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] وذلك الغير يسمى مبينا وفيه مسألتان". أقول: المبين بفتح الياء: اسم مفعول من قولك: بيّنت الشيء تبيينا أي: وضحته توضيحا، وهو أي المبين يطلق على شيئين أحدهما: الواضح بنفسه وهو ما يكون كافيا في إفادة معناه، قال في المحصول: أما الأمر الراجع إلى اللغة كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المائدة: ١٧٦] فإن إفادة هذا اللفظ لهذا المعنى يوضح اللغة, وقد يكون بالعقل كقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] فإن حقيقة هذا اللفظ من جهة اللغة إنما هو طلب السؤال من الجدران، ولكن العقل قد صرفنا عن ذلك، وبين أن المراد به الأهل، وقد أشار المصنف إلى هذين القسمين بذكر المثالين، وإنما جعل هذا القسم واضحا بنفسه وإن استفيد تعين معناه من العقل لكونه حاصلا من غير توقف. واعلم أن إطلاق لفظ المبين بفتح الياء على الواضح بنفسه, لم يذكره الإمام ولا صاحب الحاصل وهو إن كان غير متبادر إلى الفهم فهو صحيح لغة ومعنى، أما معنى فلأن المتكلم قد أوضحه حيث لم يأت بلفظ مجمل، وأما لغة فقد قال الجوهري في الصحاح ما نصه: والتبيين: الإيضاح، والتبيين أيضا

стр. 266

الوضوح، وفي المثل: "قد بين الصبح لذي عينين" أي: تبين، هذا لفظه، فأطلق التبيين على الوضوح وهو مصدر وضح لا أوضح, تقول: وضح الشيء وضوحا فهو واضح، فيكون اسم المفعول منه وهو المبين يطلق أيضا على ما قد وضح بنفسه وإن لم يوضحه غيره. القسم الثاني: الواضح بغيره وهو ما يتوقف فهم المعنى منه على انضمام غيره إليه وذلك الغير وهو الدليل الذي حصل به الإيضاح يسمى مبينا بكسر الياء، وله أقسام ذكرها المصنف بمثلها في المسألة الآتية، وهذا التقرير هو الصواب فاعتمده، ووقع في كثير من الشروح هنا أغلاط منها أن قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ تمثيل الواضح بغيره وهو خلاف ما في المحصول كما تقدم, وباطل أيضا لأنه قسم ذلك الغير في المسألة الآتية إلى القول والفعل فقط, فلو كان مثالا له لكان انحصاره في القسمين باطلا؛ لأن المبين فيه ليس هو الفعل ولا القول بل العقل، والذي حملهم على ذلك إيهام تقديم قوله: أو بغيره أنه من باب اللف والنشر، والظاهر أن كان مؤخرا عن المثالين، ولكن غيرته الشراح فتأمله. قال: "الأولى أن يكون قولا من الله والرسول, وفعلا منه كقوله تعالى: ﴿صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾ [البقرة: ٦٩] وقوله ﵊: "فيما سقت السماء العشر" ١ وصلاته وحجه, فإنه أدل فإن اجتمعا وتوافقا فالسابق, وإن اختلفا فالقول؛ لأنه يدل بنفسه". أقول: المبين -بكسر الياء- قد يكون قولا من الله كقوله تعالى: ﴿صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾ إلى آخر الآيات, فإنه بيان لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧] وقد يكون قولا من الرسول كقوله: "فيما سقت السماء العشر" فإنه بيان للحق المذكور في قوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] وقد يكون فعلا منه أي من الرسول كصلاته، فإنها بيان لقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [الأنعام: ٧٢] ولهذا قال: "صلوا كما رأيتموني أصلي" وكحجه فإنه بيان لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] ولهذا قال: "خذوا عني مناسككم" ٢ وحكى في المحصول عن قوم أنهم منعوا البيان بالفعل؛ لأنه يطول فيتأخر, وأجاب بأن القول قد يكون أطول, واحتج المصنف بأن الفعل أدل أي: أقوى في الدلالة على المقصود وتوضيحه من القول, فإن الخبر ليس كالمعاينة والمشاهدة، فإذا جاز البيان بالقول فبالفعل أولى. قال في المحصول: وإنما يعلم كون الفعل بيانا للمجمل بأحد أمور ثلاثة, أحدها: أن يعلم ذلك بالضرورة من قصده. وثانيها: أن يقول: هذا الفعل بيان للمجمل. وثالثها بالدليل العقلي: وهو أن يذكر المجمل في وقت الحاجة إلى العمل به, ثم يفعل فعلا يصلح أن يكون بيانا له ولا يفعل شيئا آخر، فيعلم أن ذلك الفعل بيان له، وإلا لزم تأخير البيان عن وقت الحاجة، فإن قيل: أهمل

стр. 267

المصنف قسمين آخرين للبيان، ذكرهما في المحصول أحدهما: الفعل من الله تعالى وهو خلق الكتابة في اللوح المحفوظ، والثاني: الترك من الرسول كتركه التشهد الأول, فإنه بيان لعدم وجوبه قلت: أما الترك فهو داخل في قسم الفعل على الراجح عند الأصوليين وقد صرح به ابن الحاجب في حد الوجوب، وأما الكتاب فتستحيل على الله تعالى في ذاته ولا يستحيل أن يخلقها في جسم, فصار كالبيان بالإشارة وعقد الأصابع، وقد ادعى الإمام انتفاءهما في حق الله تعالى, فنقول: لما ظهر استواء الكل لكان المقتضي لنفيهما مقتضيا لنفي الكتابة. قوله: "إن اجتمعا" أي: القول أو الفعل وتوافقا أي: في الدلالة على حكم واحد فالمبين هو السابق منهما، قولا كان أو فعلا لحصول البيان به, والثاني تأكيد له، ولا فرق في ذلك بين أن نعلم السابق أو نجهله كما قاله في المحصول١ وصححه ابن الحاجب, لكنا إذا جهلنا نحكم على السابق منهما من حيث الجملة. وقال الآمدي: الأشبه فيما إذا جهلنا، واختلفا في الترجيح, أن المرجوح يقدر متقدما حتى يكون هذا المبين، والراجح المتأخر تأكيد له؛ إذ لو انعكس الحال لكان المرجوح مؤكدا للراجح وهو ممتنع، وإن اختلفا كقوله ﵊: "من قرن الحج إلى العمرة فليطف لهما طوافا واحدا" ٢ مع ما روي أنه ﵊ "قرن, فطاف لهما طوافين وسعى لها سعيين" فالأصح عند الإمام وأتباعه وابن الحاجب أن المأخوذ به هو القول سواء تقدم أو تأخر، أو لم يعلم شيء منهما لأنه يدل بنفسه, والفعل لا يدل إلا بواسطة أحد الأمور الثلاثة المتقدمة. فعلى هذا إن تأخر الفعل فيكون دالا على استحباب الطواف، الثاني: وإن تأخر القول كان ناسخا لإيجاب الطواف. الثاني: المستفاد من الفعل, وقال الآمدي: الأشبه أنه إن تقدم القول فهو المبين، وإن تأخر فيكون الفعل المتقدم مبينا في حقه حتى يجب عليه الطوافان, والقول المتأخر مبينا في حقنا حتى يكون الواجب طوافا واحدا عملا بالدليلين. وقال أبو الحسين البصري: المتقدم هو المبين دائما. قال: "الثانية: لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة؛ لأنه تكليف بما لا يطاق, ويجوز عن وقت الخطاب عدا المشترك. لنا مطلقا قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٩] قيل: البيان التفصيلي قلنا: تقييد بلا دليل، وخصوصا أن المراد من قوله تعالى: ﴿أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧] معينة بدليل ما هي وما لونها، والبيان تأخر. قيل: يوجب التأخير عن وقت الحاجة، قلنا: الأمر لا يوجب الفور قيل: لو كان معينة لما عنفهم, قلنا: للتواني بعد البيان وأنه تعالى أنزل: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الأنبياء: ٩٨] فنقض ابن الزبعرى بالملائكة والمسيح, فنزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا﴾ [الأنبياء: ١٠١] الآية

стр. 268

قيل: ما لا تتناولهم وإن سلم لكنهم خصوا بالعقل وأجيب بقوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ [الشمس: ٥] وإن عدم رضاهم لا يعرف إلا بالنقل، قيل: تأخير البيان إغراء, قلنا: كذلك ما يوجب الظنون الكاذبة، قيل: كالخطاب بلغة لا تفهم, قلنا: هذا يفيد غرضا إجماليا بخلاف الأول". أقول: لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة أي: وقت العمل بذلك المجمل إن منعنا التكليف بما لا يطاق؛ لأن الإتيان بالشيء مع عدم العلم به محال. وكلام المصنف هنا مخالف لما أسلفه من جواز التكليف به فالصواب بناؤه عليه كما ذكرته وهو المذكور في المحصول والحاصل، وأما تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة فالصحيح عند الإمام وأتباعه وابن الحاجب أنه يجوز ونقله في المحصول عن مذهبنا، ومنعت المعتزلة ذلك. قال في المحصول: إلا في النسخ فإنهم وافقونا على جواز تأخيره, وأهمل المصنف استثناءه وفصل أبو الحسن البصري من المعتزلة، ومن الشافعية القفال والدقاق وأبو إسحاق المروزي، فقالوا: المجمل إن لم يكن له ظاهر يعمل به كالمشترك فيجوز تأخير بيانه؛ لأن تأخيره لا يوقع في محذور, وإن كان له ظاهر يعمل به فيجوز تأخير البيان التفصيلي بشرط وجود البيان الإجمالي وقت الخطاب مانعا من الوقوع في الخطأ مثل أن يقول: المراد بهذا العام هو المخصوص وبهذا المطلق هو المقيد وبالنكرة فرد معين, بهذا اللفظ معنى مجازي أو شرعي وهذا الحكم سينسخ. وأما البيان التفصيلي وهو كونه مخصوصا بكذا فغير شرط، وحاصله أن الشرط عند هؤلاء أحد البيانين فقوله بالبيان أي مع البيان وفي النقل عن القفال نظر. فقد رأيت في كتاب الإشارة له أنه يجوز تأخير البيان, وقوله: فيما عدا المشترك متعلق باشتراط البيان لا بقوله: جوز فيكون عامله محذوفا أي: كانئا فيما عدا المشترك, ونقل في المحصول عن أبي الحسين استثناء المتواطئ أيضا مع المشترك وهو فاسد معنى؛ لأن له ظاهرا وهو ما شاء المكلف من الأفراد، ونقلا لأن أبا الحسين لم يذكر سوى المشترك على ما نقله الأصفهاني شارح المحصول، ولأجل هذين المعنيين لم يذكره المصنف فافهمه، ولم يصرح الآمدي باختيار شيء من المذاهب بل مال إلى التوقف، ثم استدل المصنف على مذهبه بثلاثة أدلة، الأول: يدل على جوازه مطلقا أي: في التخصيص وغيره مما له ظاهر أو ليس له ولهذا قال: لنا مطلقا، والثاني: خاص بالنكرة، والثالث: خاص بالعموم؛ ولهذا قال: وخصوصا كذا وكذا. والدليل الأول قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٨، ١٩] ذكر البيان بلفظ ﴿ثُمَّ﴾ وهي للتراخي فدل على أنه يجوز تراخيه عن اتباع الرسول واتباع الرسول متأخر عن الإنزال وهو المراد بقوله تعالى: ﴿قَرَأْنَاهُ﴾ أي: ﴿أنزلناه﴾ إنما قلنا: إن المراد بقوله مطلقا أي: عاما مطلق الدلالة؛ لأن المطلق يصدق بصوره فلا يكون فيه حجة على أبي الحسين في اشتراطه أحد البيانين، إما التفصيلي أو الإجمالي، والمصنف قد استدل به عليه, فإن قيل: فأين

стр. 269

العموم في الآية قلنا: لأن بيانه مضاف وقد تقدم أنه للعموم، ولك أن تقول: حمله على العموم يقتضي أن لا يوجد بيان مقارن, وأن يفتقر كل القرآن إلى البيان بالمعنى الذي قالوه وليس كذلك. فالوجه حمل البيان على الإظهار كقولهم بأن لنا سور المدينة أي: ظهر اعتراض أبي الحسين ومن معه من الشافعية بأن المراد هو البيان التفصيلي دون الإجمالي، وأجاب المصنف بأنه تقييد بلا دليل. قوله: "وخصوصا" هو معطوف على قوله مطلقا, تقديره لنا مطلقا كذا، وخصوصا كذا، وهذا هو الدليل الثاني المخصوص بالنكرة, وتقديره أن المراد من قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧] إنما هي بقرة معينة بدليل سؤالهم عن صفتها، وجواب الباري لهم حيث قال: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا﴾ [البقرة: ٧٠] إلخ الآيات, فلو كانت غير معينة لكان السؤال باطلا لا يستحقون عليه جوابا, لكن الباري أجاب بأوصاف خاصة، ثم إن البيان تأخر عن الخطاب حتى سألوه سؤالا بعد سؤال فدل على الجواز، واعترض الخصم على هذا الاستدلال بوجهين أحدهما: أن بني إسرائيل كانوا مأمورين وقت الخطاب بالذبح فيكونون محتاجين إلى البيان في ذلك الزمان، وتأخيره عنه تأخير عن وقت الحاجة وهو لا يجوز, فما تقتضيه الآية لا يقولون به، وما يقولون به لا تقتضيه الآية، وجوابه ما تقدم من كون الأمر لا يوجب الفور، ولك أن تقول: الأمر بذلك إنما هو لأجل الفصل بين الخصمين المتنازعين في القتل, كما هو معروف في التفسير والفصل واجب على الفور. الاعتراض الثاني: لا نسلم أن البقرة كانت معينة، فإن ابن عباس ﵄ نقل عنه أنه قال: "شددوا على أنفسهم فشدد الله تعالى عليهم" ويدل عليه أنها لو كانت معينة لما عنفهم الله تعالى وذمهم على سؤالهم لكنه عنفهم بقوله: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ وجوابه أنا نمنع كون التعنيف على السؤال، فإنه يجوز أن يكون على التواني أي: التقصير بعد البيان فإن كلا منهما محتمل، وأيضا فإيجاب المعينة بعد إيجاب خلافها نسخ قبل الفعل وهو ممتنع عند الخصم، وكان الصواب تقديم الاعتراض الثاني على الأول. قوله: "وأنه تعالى" هو معطوف على قوله: إن المراد تقديره ولنا خصوصا أن المراد كذا, وأنه تعالى أنزل كذا، وهذا هو الدليل الثالث المختص بجواز إطلاق العام وإرادة الخاص من غير بيان مقترن به لا تفصيلي ولا إجمالي، وتوجيهه أنه تعالى أنزل: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] وهو عام في كل معبود فقال ابن الزبعرى: لأخصمن محمدا فجاء النبي ﷺ فقال له: أليس قد عبدت الملائكة؟ أليس قد عبد المسيح؟ فيلزم أن يكون هؤلاء حصب نار جهنم فتوقف رسول الله ﷺ في الجواب حتى نزل التخصيص بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠١] فدل ذلك على الجواز قال الجوهري: الحصب هو ما يحصب به في النار أن يرمى به والزبعرى بكسر الزاي وفتح الباء قال: وهو السيئ الخلق على ما نقله الفراء،

стр. 270

وقال أبو عبدة وأبو عمرو: وإنه كثير شعر الوجه وأما أخصم فإنه من باب المغالبة فنقول: خاصمته فخصمته بكسر الصاد أي: غلبته في الخصومة، قال الجوهري: وهو شاذ فإن قياسه الضم إذا لم تكن عينه حرف حلق تقول: صارعته فصرعته أصرعه بضم الراء. واعترض ما لا يعقل خاصة؛ لهذا نقل الآمدي أنه ﵊ قال له: "ما أجهلك بلغة قومك, ما لما لا يعقل" وحينئذ فلا يكون إنزال قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ﴾ الآية للتخصيص بل لزيادة بيان جهل المعترض. الثاني: سلمنا أنها تتناولهم لكنهم مخصوصون بالعقل فإن العقل قاضٍ بأنه لا يجوز تعذيب أحد بجريمة صادرة من غيره لم يدع إليها، وهذا الدليل كان حاضرا في عقولهم حالة الخطاب، ثم نزلت الآية تأكيدا له، وأجاب المصنف عن الأول بما أجاب به الإمام وهو أن ما تعم العقلاء وغيرهم بدليل إطلاقها على الله تعالى في قوله: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ [الشمس: ٤] وهذا الجواب باطل؛ لأنه إن أراد الإطلاق بالمجازي فمسلم، لكن لا بد في الحمل عليه من قرينة ترشد إليه كالقرينة في قوله: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ وأما تكلف الحمل على المجاز بلا قرينة ليستدل به على الخصم كما صنع في قوله: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ﴾ فباطل بالاتفاق، وإن أراد الإطلاق الحقيقي فهو مذهب مشهور ذهب إليه أبو عبيدة١ وابن درستويه٢ ومكي بن أبي طالب٣ وكذا ابن خروف٤ ونقله عن سيبويه٥ لكنه مناقض لما ذكره في أوائل العموم، ومخالف لمذهب الجمهور على أن في قوله تعالى: ﴿وَمَا بَنَاهَا﴾ تخاريج معروفة عند أهل العربية، وأجاب على الثاني بأن العقل إنما يخيل ترك تعذيبهم لعبادة الكفرة لهم, إذا علم بالعقل أيضا عدم رضاهم

стр. 271

بالعبادة، وليس كذلك فإن العقل لا مجال له في هذا، وإنما علمنا عدم رضاهم بالنقل وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾ [الأنبياء: ١٠١] الآية, وذلك متأخر وهذا الجواب من المصنف بناء على أن عصمة الأنبياء ثابتة بالسمع, والمعتزلة يقولون: إنها ثابتة بالعقل كما سيأتي فلا يستقيم الرد عليهم بذلك. قوله: "قيل: تأخير البيان إغواء" هذه حجة أبي الحسين البصري علىاشتراط البيان الإجمالي فيما له ظاهر، كما قال في المحصول، وتقريره أن الشارع إذا خاطبنا بذلك فإن لم يقصد إفهام المعنى كان عبثا وهو نقص، وإن قصده فإن كان هو المعنى الباطن كان تكليفا بما لا يطاق، وإن كان هو الظاهر كان إغواء أي إضلالا كما قاله الجوهري، ويقع في كثير له عليه وهو إيقاع في الجهل وقرره في المحصول بتقرير الراء، وفي الحاصل بتقرير الواو، وكلام المصنف يقتضي بأنه دليل للمانع مطلقا، وليس كذلك فإن المشترك ليس فيه إيقاع في الجهل، وأجاب المصنف بالنقض الإجمالي وهو جواز الخطاب بما يوجب الظنون الكاذبة كالتجسيم وغيره مثل قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠] مع أنه ليس بإغواء إجماعا فكذلك هذا, وللخصم أن يفرق بأن هذه الأشياء قد قارنها دليل عقلي مرشد للصواب بخلاف تأخير البيان، وهذا الجواب لم يذكره الإمام بل ذكر شيئا آخر فيه ضعف. قوله: "قبل الخطاب" أي: استدل من منع تأخير البيان عن الخطاب الذي ليس له ظاهر أيضا كالمشترك، والذي له ظاهر ولكن امتنع الأخذ به لاقترانه بالدليل الإجمالي بأن الخطاب بذلك لا يحصل المقصود، فامتنع وروده كالخطاب بلغة لا يفهمها السامع، وأجاب المصنف بالفرق وهو أن الخطاب بما لا يفهمه السامع لا يفيد غرضا لا إجماليا ولا تفصيليا بخلاف الأول وهو الخطاب بالمشترك ونحوه فإنه يفيد غرضا إجماليا، فإذا قال: ائتني بعين أفاد الأمر بواحدة من العيون, فيتهيأ للعمل بعد البيان، وتظهر طاعته بالبشر وعصيانه بالكراهة وكذلك إذا قال: اقتلوا المشركين وقال: إن هذا العام مخصوص. قال: "تنبه: يجوز تأخير التبليغ إلى وقت الحاجة، وقوله تعالى: ﴿بَلِّغْ﴾ لا يوجب الفور". أقول: المراد بالتنبيه ما نبه عليه المذكور قبله بطريق الإجمالي وهو ههنا كذلك, وحاصله أنه يجوز للرسول ﷺ تأخير تبليغ ما أوحي إليه من الأحكام إلى وقت الحاجة إليها؛ لأنا نقطع بأنه لا استحالة فيه، ولأنه يجوز أن يكون في التأخير مصلحة يعلمها الله تعالى. وقال قوم: لا يجوز لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: ٦٧] وأجاب المصنف بأن الأمر لا يوجب الفور كما تقدم. قال في المحصول: وإن سلمنا لكن المراد هو تبليغ القرآن لأنه هو الذي يطلق عليه القول بأنه منزل، وذكره أيضا ابن الحاجب، ولك أن تقول: أي فرق بين تبليغ القرآن وبين غيره، وأيضا فالقرآن أن يشتمل على آيات تتضمن الأحكام فإذا وجب تبليغه على الفور وجب تبليغ أحكامها, وإذا وجب ذلك وجب تبليغ الأحكام مطلقا إذ لا قائل بالفرق

стр. 272

الفصل الثالث: في المبين له قال: "الفصل الثالث: في المبين له. إنما يجب البيان لمن أريد فهمه للعمل كالصلاة، أو الفتوى كأحكام الحيض". أقول: يجب بيان المجمل لمن أراد الله تعالى فهمه؛ لأن تكليفه بالفهم بدون البيان تكليف المحال، ولا يجب بيانه لغيره؛ لأنه لا تعلق به, وقد أشار المصنف إلى هذين القسمين بإنما الدالة على الحصر، ثم إن إرادة الفهم قد تكون للعمل به تضمنه المجمل, كآية الصلاة، فإن المجتهدين أريدوا بالفهم ليعلموا بها، وقد تكون للفتوى به كأحكام الحيض, فإن تفهيم المجتهدين ذلك إنما هو لإفتاء النساء به، لا للعمل، وهذا الكلام ذكره أبو الحسين وتابعه الإمام وأتباعه عليه. وهو يدل على أنه لا يجب على النساء تحصيل العلم بما كلفن به وليس كذلك، بل الرجال والنساء سواء في وجوب ذلك على المستعد منهم دون غيره، إلا أن الغالب صدور الاستعداد من الرجال. "فروع" حكاها الآمدي وابن الحاجب: الأول: اللفظ الوارد إذا أمكن حمله على ما يفيد معنى واحدا، وعلى ما يفيد معنيين ولم يظهر كونه حقيقة في كل منهما أو في أحدهما فقط. فقال ابن الحاجب: المختار أنه مجمل لتردده بين هذين الاحتمالين من غير ترجيح، وقال الآمدي: المختار وهو رأي الأكثرين أنه ليس بمجمل بل نحمله على ما يفيد معنيين ولم يظهر كونه حقيقة في كل منهما أو في أحدهما فقط، فقال ابن الحاجب: المختار أنه مجمل لتردده بين هذين الاحتمالين من غير ترجيح، وقال الآمدي: المختار وهو رأي الأكثرين أنه ليس بمجمل, بل نحمله على ما يفيد معنيين تكثيرا للفائدة في كلام الشارع. الثاني: إذا ورد لفظ من الشارع له مسمى لغوي ومسمى شرعي فقد تقدم الكلام في بعضه في الفصل التاسع من الباب الأول. ويبقى النظر ههنا فيما إذا لم يكن حمل الكلام على مدلوله الشرعي، ولكن أمكن حمله على حكم آخر شرعي وعلى موضوعه اللغوي, فقال الغزالي: يكون مجملا وقال الآمدي وابن الحاجب: المختار أنه ليس بمجمل بل يحمل على الحقيقة الشرعية. ومثاله قوله ﵊: "الطواف بالبيت صلاة" ١ فإنه يحتمل أن يكون المراد أنه كالصلاة حكما في الافتقار للطهارة، أو أنه مشتمل على الدعاء الذي هو صلاة لغة. الثالث: إذا قلنا: لا يجوز تأخير البيان عن وقت الخطاب فالصحيح جوازه على التدريج, وقيل: يمتنع لأن إخراج البعض يوهم استعماله في الباقي. الرابع: إذا قلنا: لا بد من مقارنة المخصص للعام وإنه لا يجوز تراخي إنزاله عنه، فإذا نزل فهل يجوز إسماعه للمكلف بدون إسماعه, أي إسماع العام بدون إسماع الخاص, فيه مذهبان الصحيح الجواز، وصححه أيضا في المحصول؛ لأن فاطمة سمعت: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾ الآية ولم تسمع: "نحن معاشر الأنبياء لا نورث" وأمثاله كثرة. الخامس: ذهب الكرخي إلى أنه لا بد أن يكون البيان مساويا للمبين في القوة، وذهب

стр. 273

أبو الحسين البصري إلى أنه يجوز أن يكون أدنى منه، قال في المحصول: وهو الحق، واختار ابن الحاجب أنه لا بد أن يكون أقوى، وهذا الذي اختاره لم يذكره الآمدي, بل اختار تفصيلا لم يذكره أيضا ابن الحاجب، وهو أنه إن كان المبين مجملا كفى في تعيين أحد احتماليه أدنى ما يفيد الترجيح، وإن كان عاما أو مطلقا فلا بد أن يكون المخصص والمقيد في دلالته أقوى من دلالة العام على صورة التخصيص, ومن دلالة المقيد على صورة التقييد؛ لأنه إن كان مساويا لزم الوقف، وإن كان مرجوحا امتنع تقديمه على الراجح، وأما مساواة البيان في الحكم فتأتي إن شاء الله تعالى في الكتاب الثاني في السنة.

стр. 274

الباب الخامس: في الناسخ والمنسوخ الفصل الأول: في النسخ قال: "الباب الخامس: في الناسخ والمنسوخ وفيه فصلان, الأول: في النسخ وهو بيان انتهاء حكم شرعي بطريق شرعي متراخ عنه, وقال القاضي: رفع الحكم ورد بأن الحادث ضد السابق فليس رفعه بأولى من دفعه". أقول: النسخ لغة يطلق على الإزالة، ومنه: نسخت الشمس الظل، وعلى النقل والتحويل، ومنه: نسخت الكتاب أي: نقلته، والمناسخات لانتقال المال من وارث إلى وارث. وهل هو حقيقة في الإزالة مجاز في النقل أو بالعكس أو مشترك بينهما؟ فيه مذاهب حكاها ابن الحاجب من غير ترجيح، ورجح الإمام الأول، وقال: لأن النقل أخص من الزوال, فإن النقل إعدام صفة وإحداث أخرى. وأما الزوال فمطلق الإعدام، وكون اللفظ حقيقة في العام مجازا في الخاص أولى من العكس لتكثير الفائدة، واختلفوا في معناه الاصطلاحي ففسره القاضي برفع الحكم, واختاره الآمدي وابن الحاجب. ومعناه أن خطاب الله تعالى تعلق بالفعل, بحيث لولا سريان الناسخ لكان باقيا، لكن الناسخ رفعه، وفسره الأستاذ ببيان انتهاء حكم آخر, لكن الحصول والانتهاء في الحقيقة راجعان إلى التعلق. والتفسير بالبيان اختاره المصنف, وهو مقتضى اختياره في المحصول، فإنه ذكر في المسألة الثانية أن مقابله خطأ, لكنه اختار في المعالم أن النسخ عبارة عن الانتهاء وحذف لفظة البيان، فقوله: بيان كالجنس، وقوله: انتهاء خرج به بيان المجمل، وقوله: حكم شرعي دخل فيه الأمر وغيره، ودخل فيه أيضا نسخ التلاوة دون الحكم؛ لأن في نسخها بيانا لانتهاء تجويز قراءتها, وخرج به بيان انتهاء الحكم العقلي وهو البراءة الأصلية، فإن بيان انتهائها بابتداء شرعية العبادات ليس بنسخ لأنه ليس بيانا لحكم شرعي، إذ الحكم الشرعي هو خطاب الله تعالى كما تقدم، والبراءة الأصلية ليست كذلك، وقوله: بطريق شرعي خرج به بيان انتهاء حكم شرعي بطريق عقلي كالموت والغفلة والعجز فلا يكون نسخا كما صرح به الإمام هنا، وصرح في الكلام على التخصيص بالأدلة المنفصلة بعكس ذلك، فقال: إن النسخ قد يكون بالعقل ومثل له بسقوط فرض الغسل بسقوط الرجلين، وإنما قال بطريق شرعي ولم يقل بحكم شرعي؛ لأن النسخ قد يكون بغير بدل، ودخل في الطريق للفعل والتقرير والقول سواء كان من الله تعالى أو من رسوله ﷺ . قوله: "متراخ عنه" خرج به

стр. 275

البيان المتصل بالحكم سواء كان مستقلا كقوله: "لا تقتلوا أهل الذمة" عقب قوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِين﴾ [التوبة: ٥] أو غير مستقل كالاستثناء والشرط وغيرهما، وأيضا لو لم يكن الناسخ متراخيا لكان الكلام متهافتا، وفي الحد نظر من وجوه أحدها: أن المنسوخ قد لا يكون حكما شرعيا خبرا كما سياتي. الثاني: أن هذا الحد منطبق على قول العدل: نسخ حكم كذا، مع أنه ليس بنسخ. الثالث: إذا اختلفت الأمة على قولين, فإن المكلف مخير بينهما، ثم إذا أجمعوا على أحدهما فإنه يتعين الأخذ به، وحينئذ فيصدق الحد المذكور عليه، مع أن الإجماع لا ينسخ ولا ينسخ به كما سيأتي. ثم إن النسخ قبل وقت الفعل داخل في حد الرفع, وفي دخوله في حد المصنف نظر، وكذلك التخصيص بالأدلة السمعية المتراخية. قوله: "وقال القاضي: رفع الحكم" أي: رفع حكم شرعي بطريق شرعي متراخ، وقد تقدم معنى الرفع، ورده الإمام بوجوه كثيرة اختار المصنف منها وجها واحدا، وهو أن الحكم الحادث ضد السابق، وليس رفع الحادث السابق بأولى من دفع السابق للحادث, ورفعه ودفعه مصدران مضافان إلى الفاعل، والضميران عائدان على الاسمين المتقدمين وهما الحادث والسابق, الأول للأول والثاني للثاني، ويجوز في الضميرين غير ذلك لكن بمراعاة إضافة المصدر إلى المفعول فإن قيل: بل الحادث أقوى من السابق لأجل حدوثه، قلنا: قال في المحصول: لا نسلم فكما أن الشيء حال حدوثه يمتنع عدمه فالسابق حال بقائه أيضا كذلك؛ لأن كلا من الحادث والسابق لكونه ممكنا يحتاج إلى سبب, ومع السبب يمتنع عدمه, فإذا امتنع العدم عليهما استويا في القوة فيمتنع الرجحان، ولك أن تقول: الحادث أولى بالرفع ولولا ذلك لامتنع تأثير العلة التامة في معلولها، وأيضا فإن القاضي لم يصرح بأن الرافع هو الحكم الحادث, فقد يكون الرافع عنده هو الإرادة. قال: "وفيه مسائل؛ الأولى: أنه واقع وأحاله اليهود. لنا أن حكمه إن تبع المصالح فيتغير بتغيرها وإلا فله أن يفعل كيف شاء, وأن نبوة محمد ﷺ ثبتت بالدليل القاطع، وقد نقل قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] وأن آدم ﵇ كان يزوج بناته من بنيه والآن محرم اتفاقا قيل: الفصل الواحد لا يحسن ويقبح قلنا: منبي على فاسد ومع هذا فيحتمل أن يحسن لواحد أو في وقت, ويقبح لآخر أو وقت آخر". أقول: النسخ جائز عقلا، وواقع سمعا خلافا لبعض المسلمين, وافترقت اليهود على ثلاث فرق كما قال ابن برهان والآمدي وغيرهما، فالشمعونية منعوه عقلا وسمعا، والعناية منعوه سمعا فقط، والعيسوية قالوا بجوازه ووقوعه، وأن محمدا لم ينسخ شريعة موسى بل بعث إلى بني إسماعيل دون بني إسرائيل، وفي الكتاب والمعالم أن اليهود مطلقا أحالته، وليس كذلك. قوله: "لنا" أي: الدليل على ما قلناه من ثلاثة أوجه, الأول وهو دليل على الجواز فقط: أن حكم الله تعالى إن تبع المصالح كما هو مذهب المعتزلة فيلزم أن يتغير بتغيرها, فإنها تقطع بأن المصلحة قد تتغير بحسب الأوقات كما تتغير بحسب

стр. 276

الأشخاص، وإن يتبعها فله تعالى أن يفعل كيف يشاء ويحكم كيف يريد. الثاني: أن نبوة محمد ﷺ ثبتت بالدليل القاطع وهو المعجزة, وقد نقل لنا عن الله تعالى أنه قال: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] أي: نؤخرها ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ ووجه الدلالة أن الاستدلال بالقرآن متوقف على ثبوت نبوة محمد ﷺ , وفي كون نبوته ناسخة لما قبلها، أو مخصصة قولان للعلماء، وحينئذ فنقول: نبوته ﵊ إن توقفت على النسخ فقد حصل المدعي، وإن لم تتوقف عليه فالآية التي نقلها تدل على جواز النسخ. قال الإمام في تفسيره: وهذا الاستدلال ضعيف؛ لأن قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ جملة شرطية معناها: إن ننسخ نأت وصدق الملازمة بين الشيئين لا يقتضي وقوع أحدهما, ولا صحة وقوعه. ومنه قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ﴾ [الأنبياء: ٢٢] الآية, واستدرك صاحب التحصيل على كلامه في المحصول بكلامه في التفسير. وقد يقال: سبب النزول يدل على الوقوع، فإن سببه على ما نقله الزمخشري وغيره أن الكفار طعنوا فقالوا: إن محمدا يأمر بالشيء ثم ينهى عنه، فأنزل الله تعالى هذه الآية، فإن قيل: صحة الآية والاستدلال بها يتوقفان على صحة النسخ, فلو أثبتنا صحة النسخ بالآية لكان يلزم الدور, قلنا: لا نسلم بل الاستدلال بها متوقف على صحة النبوة. الدليل الثالث ولم يذكره في الحاصل: أن آدم ﵇ كان يزوج الأخت من الأخ اتفاقا وهو الآن محرم اتفاقا. هكذا قرره الإمام وفيه نظر من وجهين أحدهما: لا نسلم أن التزويج كان بوحي من الله تعالى بل يجوز أن يكون يقتضي الإباحة الأصلية، ورفعها ليس بنسخ كما قدمناه. الثاني ما ذكره في المحصول: وهو أنه يجوز أن يكون قد شرع ذلك لآدم وبنيه إلى غاية معلومة وهي ظهور شريعة أخرى أو كثرة النسل أو غير ذلك، وقد تقدم أن هذا لا يكون نسخا. ونقل الآمدي وابن الحاجب وغيرهما عن التوراة أن فيها الأمر بالتزويج, فعلى هذا يسقط الاعتراض الأول. قوله: "قيل: الفعل الواحد" أي: استدل المانع بأن الأمر بالشيء يقتضي أن يكون حسنا والنهي عنه يقتضي أن يكون قبيحا, والفعل الواحد لا يكون حسنا وقبيحا لاستحالة اجتماع الضدين, فلا يكون مأمورا به منهيا عنه. وأجاب المصنف بأن هذا مبني على فاسد، وهو التحسين والتقبيح العقلي فيكون أيضا فاسدا، ومع هذا أي: ومع تسليم هذه القاعدة فلا استحالة، إذ يحتمل أن يحسن الفعل لشخص ويقبح لشخص آخر, أو يحسن الفعل في وقت ويقبح في وقت آخر كما تقدم. قال: "الثانية: يجوز نسخ بعض القرآن ببعض, ومنع أبو مسلم الأصفهاني. لنا أن قوله تعالى: ﴿مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ﴾ [البقرة: ٢٤٠] نُسخت بقوله تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] قال: قد تعتد الحامل به, قلنا: لا بل بالحمل وخصوصية السنة لاغٍ. وأيضا تقديم الصدقة على نجوى الرسول وجب بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ [المجادلة: ١٢] ثم نُسخ قال: زال لزوال سببه وهو التمييز بين

стр. 277

المنافق وغيره, وقلنا: زال كيف كان. احتج المانع بقوله تعالى: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت: ٤٢] قلنا: "الضمير للمجموع". أقول: لا يجوز نسخ جميع القرآن اتفاقا كما قاله في الحاصل وأشار إليه المصنف في آخر المسألة, ويجوز نسخ بعضه خلافا لأبي مسلم الأصفهاني كما نقله عنه الإمام وأتباعه، ونقل عنه الآمدي وأتباعه كابن الحاجب أنه منع وقوع النسخ مطلقا, وأبو مسلم هذا هو الملقب بالجاحظ كما قاله ابن التلمساني في شرح المعالم, واسم أبيه على ما قاله في المحصول: بحر وفي المنتخب: عمر واللمع: يحيى, واستدل المصنف بوجهين، أحدهما: أن الله تعالى أمر التي توفي عنها زوجها بالاعتداد بحول, فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ﴾ [البقرة: ٢٤٠] ثم نسخ ذلك بقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] . اعترض أبو مسلم فقال: الاعتداد بالحول لم ينسخ بل خصص؛ وذلك لأن الحمل قد يمكث حولا فتعتد الحامل به، والجواب عنه أنا لا نسلم أن الحامل تعتد بالسنة بل إنما تعتد بوضع الحمل سواء حصل لسنة أو أقل أو أكثر, وخصوصية السنة لاغ ولا اعتبارية. الثاني: أنه تعالى أوجب على من أراد أن يناجي الرسول تقديم صدقة فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ [المجادلة: ١٢] وبقوله تعالى: ﴿فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ [المجادلة: ١٣] الآية, قال أبو مسلم: إنما زال ذلك لزوال سبب الإيجاب وهو التمييز بين المنافق وغيره، إذ المؤمن يمتثل والمنافق يخالف، فلما حصل التمييز سقط الوجوب، وأجاب المصنف تبعا للحاصل بأن المدعي زوال الوجوب بعد ثبوته سواء كان لزوال سببه أو لم يكن؛ لأنه معنى النسخ وقد ثبت ذلك هنا، وهذا الجواب مردود لأمور، منها أنه متناقض لما ذكره بعد ذلك فإنه استدل على أن الإجماع لا ينسخ القياس بقوله، وأما القياس فلزواله بزوال شرطه فاقتضى أن هذا ليس بنسخ. الثاني: أن ما زال بزوال علة يمكن عودها لا يقال فيه: إنه منسوخ بل مشروعيته باقية حتى يعود عند عود العلة, الثابت أنه إن أراد التمييز للنبي ﷺ فهو باطل؛ لأنه كان يعلم أعيانهم حتى سماهم لصاحب سره حذيفة بن اليمان كما دلت عليه الأحاديث. وإن أراد التمييز للصحابة فدعوى زواله عنهم ممنوع بل استمر إلى وفاة رسول الله ﷺ , وأجاب الإمام بأنه لو نسخ كما قال لكان من لم يتصدق منافقا وهو باطل؛ فقد روي أنه لم يتصدق غير علي ﵁ وفيه نظر, فإن عدم الصدقة قد يكون لعدم النجوى. قوله: احتج أبو مسلم على المنع بقوله تعالى: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت: ٤٢] فلو نسخ بعضه لتطرف إليه البطلان, وأجاب المصنف تبعا للحاصل بأن الضمير لمجموع القرآن, ومجموع القرآن لا ينسخ اتفاقا، وأجاب في المحصول بأن المراد أن هذا الكتاب لم يتقدمه من كتب الله ما يبطله ولا يأتيه من بعده ما يبطله, وأجاب غيرهما بأن النسخ إبطال لا باطل فإن

стр. 278

الباطل ضد الحق. قال: "الثالثة: يجوز نسخ الوجوب قبل العمل خلافا للمعتزلة. لنا أن إبراهيم ﵇ أمر بذبح ولده بدليل قوله تعالى: ﴿افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ [الصافات: ١٠٢] ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ﴾ [الصافات: ١٠٦] ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٧] فنسخ قبله قيل: تلك بناء على ظنه, قلنا: لا يخطئ ظنه، قلنا: إنه امتثل وإنه قطع فوصل, قلنا: لو كان كذلك لم يحتج إلى الفداء قيل: الواحد بالواحد لا يؤمر وينهى, قلنا: يجوز للابتلاء". أقول: نسخ الوجوب قبل العمل جائز عندنا كما إذا قال الشارع: صل بعد الغروب ركعتين ثم قال صحوة لا تصل. وخالف فيه المعتزلة وبعض الفقهاء، وتعبير المصنف بقوله: قبل العمل يقتضي أنه لا فرق في الخلاف بين الوقت وما قبله وما بعده، فأما قبل الوقت أو بعد دخوله، ولكن قبل مضي زمن يسعه فمسلم، وفي معناه أيضا ما إذا لم يكن له وقت معين ولكن أمر به على الفور ثم نسخ قبل التمكين، نعم في جريان الخلاف بعد الشروع نظر يحتاج إلى نقل، وأما الصورة الثانية وهي ما بعد خروج الوقت فليس يحل الخلاف بل جزم ابن الحاجب بأنه لا يجوز، واقتضى كلامه الاتفاق عليه، وصرح في الأحكام في أول المسألة بالجواز، وأنه لا خلاف فيه، وهذا إنما يأتي إذا صرح بوجوب القضاء أوقلنا: الأمر بالأداء يستلزمه، وأما الصورة الثالثة وهي ما إذا وقع النسخ في الوقت لكن بعد التمكن من فعله فمقتضى كلام المصنف جريان الخلاف أيضا, وهو مقتضى كلام ابن الحاجب في أثناء الاستدلال وليس كذلك؛ فقد صرح الآمدي في الأحكام في أثناء الاستدلال بأن هذا جائز بلا خلاف وإنما الخلاف قبل التمكن. وصرح به أيضا ابن برهان في الوجيز وإمام الحرمين في البرهان فقال: والغرض من المسألة أنه إذا فرض ورود الأمر بشيء, فهل يجوز أن ينسخ قبل أن يمضي وقت اتصال الأمر به زمن يسع الفعل المأمور به؟ وعبارة المحصول والحاصل هل يجوز نسخ الشيء قبل مجئ الوقت؟ وعبارة التحصيل والأحكام وابن الحاجب قبل الوقت، ثم إن المسألة ليست خاصة بالوجوب بل غيره كذلك أيضا. لا جرم عبر في المحصول بالشيء كما تقدم نقله عنه. قوله: "لنا" أي الدليل على الجواز أن إبراهيم ﵇ أمره الله تعالى أن يذبح ولده ثم نسخ ذلك قبل الفعل وهذا الولد قال في المحصول: إنه إسماعيل وقال جماعة: إنه إسحاق، وصححه القرافي فأما كونه أمر بالذبح فلثلاثة أوجه أحدها: قوله تعالى حكاية عن ولده: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ [الصافات: ١٠٢] الآية جوابا لقوله: ﴿يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ [الصافات: ١٠٢] . الثاني: قوله تعالى حكاية عن إبراهيم: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ﴾ [الصافات: ١٠٦] . الثالث: قوله تعالى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٧] فلو لم يكن الذبح مأمورا به لما كان فيه بلاء ولم يحتج إلى الفداء، وأما كونه نسخ قبله فلأنه لو لم ينسخ لذبح، لكنه لم يذبح، ولم يستدل عليه المصنف لوضوحه. اعترض الخصم بأمرين أحدهما وهو اعتراض على المقدمة

стр. 279

الأولى: أنا لا نسلم أنه كان مأمورا بالذبح، وإنما كان مأمورًا بالمقدمات، فظن أنه مأمور بالذبح، وتلك الأمور تمسكتم بها من قوله: ﴿افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ وقوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ﴾ وحصول الفداء إنما هو بناء على ظنه أنه مأمور، وأجاب المصنف تبعا للحاصل بأن ظنون الأنبياء مطابقة يستحيل فيها الخطأ لا سيما في ارتكاب هذا الأمر العظيم. الثاني وهو اعتراض على المقدمة الثانية: لا نسلم أن الوجوب نسخ قبل الفعل, فإن إبراهيم قد امتثل، ولكنه كان كلما قطع شيئا وصله الله تعالى، والجواب أنه لو كان كما ذكرتم لم يحتج إلى الفداء, فإن الفداء بدل والبدل إنما يحتاج إليه إذا لم يوجد المبدول. وقوله: "قيل الواحد" أي عارضنا الخصم فاستدل بأنه لو جاز أن يرد الأمر بشيء في وقت، ثم يرد النهي عن فعله في ذلك الوقت لكان الشخص الواحد بالفعل الواحد في الوقت مأمورا به منهيا عنه وهو محال. وأجاب المصنف بانه إنما يكون محالا إذا كان الغرض حصول الفعل، وأما إذا كان المقصود هو ابتلاء المأمور أي: اختباره وامتحانه فيجوز, فإن السيد قد يقول لعبده: اذهب غدا إلى موضع كذا راجلا, وهو لا يريد الفعل بل يريد امتحانه ورياضته، ثم يقول له: لا تذهب، وأجاب ابن الحاجب أيضا بأن الأمر والنهي لم يجتمعا في وقت واحد, بل بورود النهي انقطع تعلق الأمر كانقطاعه بالموت. قال: "الرابعة: يجوز النسخ بلا بدل أو ببدل أثقل منه كنسخ وجوب تقديم الصدقة على النجوى، والكف عن الكفار بالقتال, استدل بقوله تعالى: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] قلنا: ربما يكون عدم الحكم الأثقل خيرا. الخامسة: ينسخ الحكم دون التلاوة مثل قوله تعالى: ﴿مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ﴾ [البقرة: ٢٤٠] الآية وبالعكس مثل ما نقل: "الشيخ الشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة" وينسخان معا كما روي عن عائشة ﵂ أنها قالت: "كان فيما أنزل الله عشر رضعات محرمات فنسخن بخمس" ١. السادسة: يجوز نسخ الخبر المستقبل خلافا لأبي هاشم. لنا أنه يحتمل أن يقال: لأعاقبن الزاني أبدا, ثم يقال: أردت سنة قيل: يوهم الكذب, قلنا: ونسخ الأمر يوهم البداء". أقول: ذهب الشافعي إلى أن النسخ لا بد له من بدل فقال في الرسالة ما نصه: وليس بنسخ فرض أبدًا، إلا إذا أثبت مكانه فرض, هذا لفظه بحروفه. وذهب أيضا على ما حكاه عنه ابن برهان في الوجيز والأوسط إلى أنه لا يجوز النسخ إلى بدل هو أثقل إلى المنسوخ، وذهب الجمهور ومنهم الإمام والآمدي وأتباعهما إلى جواز الأمرين, أما الأول فلأن تقديم الصدقة على نجوى الرسول كان واجبا ثم نسخ بلا بدل. وأما الثاني فلأن الكف عن الكفار كان واجبا أي: كان قتالهم حراما لقوله تعالى: ﴿دَعْ أَذَاهُمْ﴾ [الأحزاب: ٤٨] ونحوه ثم نسخ بإيجاب القتل مع التشديد فيه كثبات الواحد للعشرة وذلك أثقل من الكف. واستدل الخصم على منعهما بقوله

стр. 280

تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] ودلت الآية على أنه لا بد من الإتيان بحكم هو خير من المنسوخ أو مثله، فدل على المدعي؛ أما الأول فواضح وأما الثاني فلأن الأثقل والأشق لا يكون خيرا للمكلف، وجوابه أن عدم الحكم قد يكون خيرا للمكلف من إثباته للمكلف في ذلك الوقت لمصلحة، وقد يكون الأثقل أيضا خيرا له باعتبار زيادة الثواب وأجاب في المحصول أيضا بأن نسخ الآية معناه نسخ لفظها؛ ولهذا قال: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ . وقال ابن الحاجب: ولئن سلمنا فمدلول الآية لم يقع, فأين نفي الجواز؟ المسألة الخامسة: يجوز نسخ الحكم دون التلاوة كنسخ الاعتداد بالحول من قوله تعالى: ﴿مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ﴾ وبالعكس كما روى الشافعي والترمذي وغيرهما عن عمر أنه قال: ومما أنزل الله تعالى في كتابه: "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة" وذكر البخاري ومسلم قريبا منه أيضا، والمراد بالشيخ والشيخة المحصن والمحصنة، ويجوز نسخهما معا لما روى مسلم عن عائشة ﵂ قالت: كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن فنسخن بخمس، ولا يتم بما نقله المصنف عن عائشة وهو مطلق الإنزال، بل لا بد أن ينضم إليه كونه من القرآن كما قررناه لأن السنة أيضا منزلة. المسألة السادسة: لا نزاع في نسخ تلاوة الخبر ونسخ تكليفنا بالإخبار به. قال الآمدي: إلا إذا كان نسخه يوجب الإخبار بنقيضه وهو مما لا يحتمل التغير, كحدوث العالم "فإن المعتزلة تمنعه؛ لأن التكليف بالكذب قبيح، وعقلا عندنا أنه يجوز". وأما نسخ مدلول الخبر أي: إخراج بعض الأزمنة الداخلة فيه لا رفعه بالكلية كما نبه عليه في المحصول, فهو مسألة الكتاب، وحاصلها أنه إن كان مما لا يتغير فلا يجوز اتفاقا كما قاله الإمام والآمدي ولم يستثنه المصنف، وأما الذي يتغير فقال الإمام والآمدي: يجوز نسخه مطلقا، قالا: سواء كان ماضيا أو مستقبلا، أو وعدا أو وعيدا، وقال ابن الحاجب: لا يجوز مطلقا ونقله في المحصول عن أكثر المتقدمين، وفي الكتاب والحاصل عن أبي هاشم فقط، وقال المصنف: إن كان مدلوله مستقبلا جاز وإلا فلا، وهذا المذهب نقله الآمدي ولم ينقله الإمام ولا ابن الحاجب. ثم محل الخلاف كما قال ابن برهان في الوجيز إذا لم يكن الخبر معناه الأمر, فإن كان كقوله تعالى: ﴿لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] جاز بلا خلاف وتبعه عليه ابن الحاجب, وصرح في المحصول وغيره بأن الخلاف يجري فيه وإن تضمن حكما شرعيا، ثم استدل المصنف على مذهبه بأنه يصح عقلا أن يقال: لأعاقبن الزاني أبدا، ثم يقال: أردت سنة واحدة، ولا معنى للنسخ إلا ذلك، فإن النسخ إخراج بعض الزمان وهو موجود هنا، واستدل المانع بأن نسخه يوهم الكذب؛ لأن المتبادر منه إلى فهم السامع إنما هو استيعاب المدة المخبر بها وإيهام القبيح قبيح، وجوابه أن نسخ الأمر أيضا يوهم البداء، وهو ظهور الشيء بعد خفائه، فلو امتنع نسخ ذلك الإيهام لامتنع ذلك أيضا.

стр. 281

الفصل الثاني: في الناسخ والمنسوخ قال: " الفصل الثاني: في الناسخ والمنسوخ, وفيه مسائل, الأولى: الأكثر على جواز نسخ الكتاب بالسنة كنسخ الجلد في حق المحصن وبالعكس كنسخ القبلة, وللشافعي ﵁ قول بخلافهما، دليله في الأول قوله تعالى: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ ورد بأن السنة وحي أيضا. وفيهما قوله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ﴾ [النحل: ٤٤] وأجيب في الأول بأن النسخ بيان, وعُورض في الثاني بقوله: ﴿تِبْيَانًا﴾ ". أقول: المراد بالناسخ والمنسوخ بيان ما ينسخ وما ينسخ به من الأدلة, واعلم أنه يجوز نسخ الكتاب بالكتاب والسنة المتواترة بمثلها والآحاد بمثلها، وأما نسخ الكتاب بالسنة ونسخ السنة بالكتاب فالأكثرون على الجواز، ونص الشافعي في الرسالة على امتناعهما وهو مقتضى ما في المحصول في النقل عنه، فإنه نقل عدم الجواز في نسخ السنة بالقرآن, فيؤخذ منه العكس بطريق الأولى ونقل عنه إمام الحرمين والآمدي وابن الحاجب قولين في نسخ السنة بالكتاب، والجزمبامتناع العكس، وكلام المصنف مشعر بأن له في المسألتين قولين وهو غير معروف، فإن جوزنا فيشترط في السنة إذا كانت ناسخة أن تكون متواترة، وقد أوضحه المصنف في المسألة الآتية. فلذلك أهمله هنا ثم استدل المصنف على كون السنة المتواترة ناسخة للكتاب، بأن النبي ﷺ رجم المحصن مع أن آية الرجم شاملة له, وفيه نظر من وجوه أحدها: لا نسلم أنه متواتر. وثانيها: أن هذا تخصيص لا نسخ، وقد ذكره المصنف بعينه مثالا لتخصيص الكتاب بالسنة. وثالثها: أن الرجم بالقرآن المنسوخ التلاوة، وهو الشيخ والشيخة المتقدم ذكره، واستدل أيضا على كون الكتاب ناسخا للسنة بأن التوجه إلى بيت المقدس كان ثابتا بالسنة، إذ ليس في القرآن ما يدل عليه، ثم إنه نسخ بقوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤] ولك أن تقول: القاعدة أن بيان المجمل يعد أنه مراد منه وإلا لم يكن بيانا لمدلوله، فيكون توجه النبي ﷺ إلى بيت المقدس مرادا من قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ لكونه بيانا له, فيكون ثابتا بالكتاب. قوله: "دليله في الأول" أي: استدل الشافعي على امتناع نسخ الكتاب بالسنة من قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] فإنه يدل على أن الآتي بالخير أو المثل هو الله تعالى لرجوع الضمير إليه، وذلك لا يكون إلا إذا كان الناسخ هو القرآن ولهذا قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ١٠٦] فأشعر بأنه الآتي بالخير أو المثل أو المختص بكمال القدرة فلا يكون النسخ بالسنة، فإن الآتي بها هو الرسول، وأيضا فإنه يقتضي أن البدل يكون خيرا من الآية المنسوخة أو مثلا لها والسنة ليست كذلك، وجوابه أن السنة حاصلة بالوحي أيضا لقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم: ٣] الآية, فالآتي بها هو الله تعالى، وأما الخير أو المثل فالمراد بهما هو الأصلح في التكليف, والأنفع في الثواب. قوله: "وفيهما" أي ودليل الشافعي في كل من المسألتين وهما نسخ الكتاب بالسنة وعكسه قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّن

стр. 282

لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] فأما نسخ الكتاب بالسنة فلأن الآية دالة على أن السنة تبين جميع القرآن؛ لأن ﴿مَا﴾ من قوله تعالى: ﴿مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ عامة, فلو كانت السنة ناسخة له تكن مبينة بل رافعة، وأما العكس فلأنه قد تقرر أن السنة مبينة للكتاب فلو جاز نسخها بالكتاب لكان مبينا لها؛ لأن النسخ بيان انتهاء الحكم وذلك دور فتلخص أن الآية دالة على الحكمين. ثم أجاب المصنف عن الأول بأنا لا نسلم أن النسخ منافٍ للبيان بل هو عينه, فإنه بيان انتهاء الحكم. وأجاب عن الثاني بقوله تعالى في صفة القرآن: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩] فإنه يقتضي أن يكون الكتاب بيانا للسنة كما أن قوله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ﴾ يقتضي أن تكون السنة مبينة للكتاب, فلما تعارضا سقط الاستدلال بهما، والأولى في الجواب أن يقال: الاستدلال بقوله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ﴾ على الحكمين امتناع نسخ الكتاب بالسنة، وإن كان منافيا فلا يتجه الاستدلال على العكس. قال: "الثانية: لا ينسخ المتواتر بالآحاد؛ لأن القاطع لا يدفع بالظن قيل: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] منسوخ بما روي أنه ﵊ "نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع"١ قلنا: لا أجد للحال فلا نسخ". أقول: نسخ المتواتر بالآحاد جائز قطعا، واختلفوا في وقوعه على مذهبين، كذا صرح به الآمدي في الأحكام ومنتهى السول، وعبر بقوله: اتفقوا، وفي المحصول ومختصراته نحوه أيضا, فإنهم جزموا بالجواز وترددوا في الوقوع، وعبارة المصنف وابن الحاجب توهم أن الخلاف في الجواز. واستدل على المنع بأن المتواتر مقطوع به وخبر الواحد مظنون والقطعي لا يدفع بالظن, وهو إنما يستقيم ما فهمناه، ولذلك لم يذكره الإمام ولا مختصرو كلامه. نعم صرح ابن برهان في الوجيز بما أفهمه كلامهما فقال: وقال قوم: هو مستحيل من جهة العقل ثم استدل عليه بعين ما استدل به, فإما أن يكونا قد اطلعا على هذا ثم اختاراه وفيه بعد، وإما أن يحمل كلامهما على أنا لا نحكم بالنسخ عند التعارض، بل يعمل بالمتواتر وإن تقدم لقوته. ودليل المصنف ضعيف لوجهين أحدهما ما قاله ابن برهان: أن المقطوع به إنما هو أصل الحكم لا دوامه، والنسخ يرد على الثاني لا على الأول. الثاني: أنه لا يطرد لأن إخراج بعض أفراد العام بعد العمل به نسخ لا تخصيص كما تقرر ودلالة العام على أفراده ظنية، وإن كان مقطوعا به، والخاص بالعكس فتعادلا. واستدل الخصم بأن قوله تعالى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً﴾ [الأنعام: ١٤٥] إلى آخرها يقتضي حصر التحريم في المذكور في الآية, وقد نسخ ذلك بما روي بالآحاد أن النبي ﷺ نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير، وإذا ثبت نسخ الكتاب بالآحاد فنسخ السنة المتواترة به أولى، وأجاب المصنف

стр. 283

بأن الآية ليست منسوخة؛ وذلك لأنها دلت على أن الرسول ﵊ كان مأمورا بأن يقول لهم: لا أجد في الوحي الحاصل غير المحرمات المذكورة؛ ولهذا قال: ﴿أُوحِيَ﴾ بلفظ الماضي فيبقى ما عدا الأشياء المذكورة في الآية على الإباحة الأصلية، وحينئذ فيكون النهي عن أكل ذي الناب والمخلب رافعا لها، وهو ليس بنسخ، وبتقدير أن تكون الآية متناولة للاستقبال أيضا فالحديث مخصص لا ناسخ. قال: "الثالثة: الإجماع لا ينسخ؛ لأن النص يتقدمه ولا ينعقد الإجماع بخلافه ولا القياس بخلاف الإجماع, ولا ينسخ به, أما النص والإجماع فظاهران, وأما القياس فلزواله بزوال شرطه والقياس إنما ينسخ بقياس أجلى منه". أقول: اختلفوا في نسخ الإجماع، والنسخ به على مذهبين حكاهما الآمدي وغيره, والمختار عنده وعند الإمام وأتباعهما كابن الحاجب والمصنف المنع، فأما كونه لا ينسخ فلأن النسخ إنما يكون بنص من الكتاب والسنة أو بإجماع أو قياس والكل باطل، أما الأول وهو النص فلأنه متقدم على الإجماع إذ جميع النصوص متلقاة من النبي ﷺ ، والإجماع لا ينعقد في زمنه ﵊ لأنه إن لم يوافقهم لم ينعقد وإن وافقهم كان قوله هو الحجة لاستقلاله بإفادة الحكم, فثبت أن النص متقدم على الإجماع، وحينئذ فيستحيل أن يكون ناسخا له، وأما الثاني وهو الإجماع فلاستحالة انعقاده على خلاف إجماع آخر، إذ لو انعقد لكان أحد الإجماعين خطأ؛ لأن الأول إن لم يكن عن دليل فهو خطأ, وإن كان عن دليل كان الثاني خطأ لوقوعه على خلاف الدليل، وإلى هذا أشار بقوله: ولا ينعقد الإجماع, وهو بالواو لا بالفاء فاتهمه. وأما الثالث وهو القياس فلأنه لا ينعقد على خلاف الإجماع كما ستعرفه في بابه إن شاء الله تعالى. قوله: "ولا ينسخ به" يعني: أن الإجماع أيضا لا يكون ناسخا لغيره؛ لأن المنسوخ به إما النص أو الإجماع أو القياس والكل باطل. أما النص فلاستحالة انعقاد الإجماع على خلافه كما ذكرناه، وأما الإجماع فلما مر أيضا من امتناع انعقاده على خلاف إجماع آخر. ولما كان السبب في امتناعه معلوما مما تقدم عبر بقوله: أما النص والإجماع فظاهران، وأما القياس فلأن شرط صحته أن لا يخالف الإجماع, فإذا انعقد الإجماع على خلافه زال القياس لزوال شرطه, وزوال المشروط لزوال الشرط لا يسمى نسخا، وفي هذا الجواب شيء يقدم في الرد على أبي مسلم. فإن قيل: هذا بعينه يلزمكم في النصوص فإن من شرط اقتضائها الأحكام أن لا يطرأ عليها الناسخ فإذا طرأ زالت لزوال شرطها, وحينئذ فلا نسخ، وجوابه أن النص في نفسه صحيح سواء طرأ الناسخ أم لا بخلاف القياس. قوله: "والقياس وإنما ينسخ بقياس أجلى منه" أي: أوضح وأظهر كما إذا نص الشارع مثلا على تحريم بيع البر بالبر متفاضلا فعديناه إلى السفرجل مثلا لمعنى. ثم نص أيضا على إباحة التفاضل في الموز وكان مشتملا على معنى أقوى من المعنى الأول فيقتضي إلحاق السفرجل به، فإن القياس الثاني يكون ناسخا للقياس الأول، ويعرف الأقوى بوجوه كثيرة

стр. 284

مذكورة في الكتاب في تراجيح الأقيسة وهذا التقرير اعتمده، وإنما حصر المصنف ناسخ القياس في القياس الأجلى؛ لأن غيره إما نص وإما إجماع وإما قياس مساو للأول وإما قياس أخفى منه ويمتنع نسخه بالكل. أما الأول والثاني فزوال القياس بزوال شرطه كا تقدم. وأما الثالث فلامتناع الترجيح من غير مرجح. وأما الرابع فلاستلزامه تقديم المرجوح على الراجح، وقد تحرر من كلام المصنف أن القياس قد يكون ناسخا، وقد يكون منسوخا لكنه لا ينسخ به إلا قياس آخر أخفى منه كما لا ينسخه إلا قياس أجلى. والذي قاله هو الصواب، وقال في المحصول: يجوز نسخه في زمن الرسول بسائر الأدلة من النص والإجماع والقياس الأقوى. قال: وأما بعد وفاته فهو وإن ارتفع في المعنى فليس بنسخ كما قدمناه، وهذا الذي قاله سهو؛ فإنه قد نص قبل ذلك بقليل على أن الإجماع لا ينعقد في زمن الرسول، وعلى أنه يمتنع نسخ القياس به. لا جرم أنه لم يذكر المسألة في المنتخب، وقال صاحب الحاصل: إن هذا الكلام مشكل, وصاحب التحصيل: إن فيه نظرا ولم يبينا وجه الإشكال، وقد تفطن المصنف للمشكل منه فحذفه. وحكى الآمدي في نسخ القياس عن بعضهم المنع مطلقا، وعن بعضهم الجواز مطلقا, لكن في حياته ﵊ ثم اختار تفصيلا فقال: إن كانت العلة منصوصة فهي في معنى النص فيمكن نسخ حكمه بنص أو قياس في معناه، وإن كانت مستنبطة فإن الدليل المعارض لها وإن كان مقدما لكنه ليس بنسخ, وأما النسخ به فحكى فيه أقوالا، ثالثها: الفرق بين الجلي والخفي. ثم قال: والمختار أن العلة إن كانت منصوصة فهي في معنى النص جواز في النسخ بالقياس المشتمل عليها، وإن لم تكن منصوصة فإن كان القياس قطعيا كقياس الأمة على العبد في التقويم فإنه يكون أيضا رافعا لما قبله من الأدلة لكنه لا يكون نسخا، وإن كان ظنيا فلا يكون نسخا أيضا. وذكر ابن الحاجب في المسألتين نحوا مما ذكره. قال: "الرابعة: نسخ الأصل يستلزم نسخ الفحوى وبالعكس؛ لأن اللازم يستلزم نفي ملزومه والفحوى يكون ناسخا". أقول: فحوى الخطاب هو مفهوم الموافقة كما تقدم. فإذا نسخ أصل الفحوى كتحريم التأفيف فهل يستلزم ذلك نسخ الفحوى كتحري الضرب وكذلك العكس؟ اختلفوا فيهما على مذاهب حكاها ابن الحاجب, ثالثها وهو المختار عنده: أن نسخ الأصل لا يستلزم نسخ الفحوى بخلاف العكس. وقال الآمدي في الأحكام: المختار أنه إن جعلنا الفحوى من باب القياس فيكون رفع الأصل مستلزما لرفع الفحوى بخلاف العكس, وإن جعلناه من باب النص فقال أعني الآمدي لكن في منتهى السول أن المختار أنه لا يلزم من رفع أحدهما رفع الآخر، وذكر في الأحكام نحوه أيضا وجزم في المحصول بأن نسخ الأصل يستلزم نسخ الفحوى، وأما عكسه فنقله من أبي الحسين ولم يرده وجزم المصنف بالأشمرين، واستدل على الثاني وهو أن نسخ الفحوى يستلزم نسخ الأصل بأن الفحوى لازم للأصل، ونفي اللازم يستلزم

стр. 285

نفي الملزوم، وأما الأول فلم يستدل عليه، وقد استدل عليه الإمام بأن الفحوى تابع الأصل, ورفع المتبوع مستلزم لرفع التابع، وأجاب الآمدي وابن الحاجب بأن دلالة الفحوى تابعة لدلالة المنطوق على حكمه وليست تابعة لحكمه، ودلالة المنطوق باقية بعد النسخ أيضا فما هو أصل ليس بمرتفع, وما هو مرتفع ليس بأصل. قوله: "الفحوى يكون ناسخا" أي: بالاتفاق كما قاله في المحصول قال: لأن دلالته إن كانت لفظية فلا كلام, وإن كانت عقلية فهي يقينية فتقتضي النسخ لا محالة, وفيما قاله نظر لأن الناسخ يجب أن يكون طريقا شرعيا لا عقليا كما تقدم. واعلم أن الراجح عند المصنف أن دلالة الفحوى من باب القياس كما ستعرفه، وقد تقدم قريبا من كلامه أن القياس إنما يكون ناسخا لقياس آخر أخفى منه، فيكون الفحوى كذلك فافهمه. قال: "الخامسة: زيادة صلاة ليست بنسخ قيل: تغير الوسط، قلنا: وكذا زيادة العبادة، أما زيادة ركعة ونحوها فكذلك عند الشافعي ونسخ عند الحنفية. وفرق قوم بين ما نفاه المفهوم وبين ما لم ينفه، والقاضي عبد الجبار بين ما ينفي اعتداد الأصل وما لم ينفه، وقال المصري: إن نفى ما ثبت كان نسخا وإلا فلا, فزيادة ركعة على ركعتين نسخ لاستعقابهما التشهد, وزيادة التغريب على الجلد ليس بنسخ". أقول: زيادة صلاة أي: على الصلوات الخمس ليست بنسخ لشيء وقال بعض أهل العراق: زيادتها تغير الوسط أي: تجعل ما كان وسطا غير وسط فيكون نسخا للأمر بالمحافظة على الوسطى في قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] وأجيب عنه بأن كون الشيء وسطا أو آخر أمر حقيقي لا حكم شرعي فلا يكون رفعه نسخا وإلا لزم أن تكون زيادة العبادة المستقلة نسخا أيضا لأنها تجعل العبادة الأخيرة غير أخيرة, وليس كذلك بالاتفاق كما قاله في المحصول١ وفي الجواب نظر؛ لأنه إنما يلزم ذلك أن لو أمرنا بالمحافظة على الأخيرة فإن قيل: فما الفائدة في كونه يسمى نسخا أم لا؟ قلنا: فائدته إثبات الزيادة بخبر الواحد إذا كان الأصل متواترا أما زيادة شيء لا يستقل كركعة أو سجود أو شرط أو صفة فاختلفوا فيه, فقالت الشافعية: ليس بنسخ واختاره في المعالم وقالت الحنفية: يكون نسخا وقال قوم: ينظر في الزائد, فإن نفاه مفهوم الأول كان نسخا كما لو قال: في الغنم المعلوفة الزكاة بعد أن قال: في الغنم السائمة الزكاة, وإن لم يكن ينفيه فلا يكون نسخا كزيادة التغريب على الجلد وعشرين سوطا على حد القذف, ووصف الرقبة موجب لاستثنائه لو فعل وحده كما كان يفعل أو لا فإنه يكون نسخا كزيادة ركعة أو ركوع أو سجود وإن لم يكن كذلك بل فعله معتد به دون الزائد وإنما يلزم ضمه إليه فلا يكون نسخا كزيادة التغريب على الجلد والعشرين على الحد. كذا نقله الإمام الآمدي عن عبد الجبار حكما وتمثيلا إلا أن الآمدي زاد على هذا أنه يقول:
следующие страницы →