← Адаб

Адаб · id 73348

مجلة البيان للبرقوقي

البرقوقي

Полный текст (3 596 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

اعترافات سكير ليس في مناحي الأدب وأبوابه منحى أشد تأثيراً وأعظم وقعاً في نفوس القراء من ذلك المنحى المعروف بالاعترافات، ولقد صدق الشاعر بوب حيث قال: أن أصدق بحث في شؤون الإنسانية هو البحث في شؤون الإنسان: أو ليس معنى الاعترافات أن الكاتب يستقبلك بين ثنايا ضميره. ويرحب بك في أعماق سريرته. ويقبل عليك بأسراره ويفتح لك صدره لتطلع إلى خباياه وأخباره. إن كاتب الاعترافات لا يكتب للساعة التي هو فيها وإنما يكتب للعصور والأجيال. ولا يخاطب رجلاً واحداً وإنما يخاطب الجميع. وكتابة الاعترافات على نوعين، فالنوع الأول بدأ به روسو فالتزم فيه الحق، ولم يستعن فيه بأبواب الأدب. فكان مطلع اعترافاته. إذا نفخ في الصور. وقام يوم الحساب. سأذهب وكتابي هذا في يدي. فأمثل في خضرة الملك الأعلى. فأقول عالي الصوت. أي ربي هذا ما صنعت. وهذا ما فكرت وهذا ما كنت. لقد كنت في قول الخير صريحاً كما كنت في قول الشر. لم أقتل من الشرور شراً. ولم أضف على الخيرات خيراً والنوع الثاني نحاه جوت. فلم تكن له شدة روسو. ولك تكن له صراحته بل جنح فيه إلى شاعريته. واستعان فيه بمخيلته. ونحن نقدم لقرائنا هذه الاعترافات التي كتبها الكاتب الفكه شارلز لام. فلم يلتزم فيها النوع الثاني كل الالتزام. ولئن بدا في اعترافاته شيء من الأدب والفكاهة. فلا يكون ذلك إلا راجعاً إلى شخصية الكاتب وروحه. وأن في هذه الاعترافات لعبرة وتذكرة لشاربي الخمر. المكثرين منها والمقلين. لا حديث للمقلين من الشراب. الصادفين عن الخمر. الراغبين عن الراح إلا النصح للمكثرين باجتنابها. وحث المدمنين على احتوائها. وحضهم على كرهها. ولقد صادفت أحاديثهم وعظاتهم اعجاباً كثيراً. واستحساناً كبيراً. لدى معاقري الماء القراح. أما المريض الذي له ينصحون. والعليل الذي يطلبون له الشفاء من برحاء العلة، فما بلغت ضوضاؤهم مسمعيه. ولا طرقت أصواتهم أذنيه. أما وقد عرف الداء. فقد ذل الدواء. وهو فليمتنع المكثرون! وليس ثمت قوة تكره المرء على رفع الكأس إلى شفتيه. وليس من سلطان في الأرض

стр. 1017

يجعل المرء يدني القدح من فمه دون إرادته. وامتناع الناس عن الشراب أمر هين سهل. كالامتناع عن قول الكذب. واجتناب السرقة والانتهاب. ليس من طبيعة اليد أن تسرق. ولا من شأن اللسان أن يحمل أفكاً. أو يشهد زوراً. أو يقول بهتاناً. وأن زجرة واحدة من الإرادة المهذبة. تكفي لرد اليد عن متاع الناس. وكف اللسان عن الرتع في لحومهم. وتقول الزور والبهتان. هين على لسان الكاذب أن يخف للحق خفته للباطل. ويبتهج بقول الصدق ابتهاجه بقول الكذب. الذي اعتاد أن ينثر بذوره. وينثر أخاديعه وأحابيله. ولكن إذا راح الإنسان مدمناً، وغدا في الحياة سكيراً. . . فعلى رسلك. أيها الأخلاقي، الشديد الأسر، المجتمع الخلق القوي الأعصاب، المنيع الرأس، السليم الكبد، ولا تعجل، ولا ترفع عقيرتك لما كتبت، قبل أن تعلم دخيلة الأمر، (وتستطلع) طلع الداء، فإنك ستمزج، إن علمت، بكراهيتك للرجل الرحمة له، وتخلط باشمئزازك من حاله الحدب عليه، وتعارض أنفتك منه بالرأفة به، وهوناً ولا تمش على أطلال المسكين، ولا تطأ بقدميك بقايا الرجل. ولا تكرهه - وهو في مثل عذابه وآلامه_على إحيائه من حالة موت. أشبه بالحال التي لم ينشر منها لعازر إلا بمعجزة. لو كنت بدأت بتطبيبه. قبل إدمانه. لأفلج الله سهمك. ولكن ليس لك بعلاجه يدان، وكان بدء شرابه كخوض في مستعر النيران. وماذا يجدي القول. وأجهزة الجسم لا بد من أن تتغير تغيراً شديداً يشبه التغير الذي نشهده في أجسام بعض الهوام والحشرات، وماذا ينفع الوعظ. وبدن المريض يسام عذاباً. لا يقل عن عذاب الذي يسامه الحي الذي يغري أهابه. ويسلخ جلده. وأين الاستسلام لهذه العذابات من الإقبال على تلك الشرور التي لم تؤثر في جسم المقبل عليها تأثيراً يصبح من ضرورياته. ولم تغيره تغيراً يعود من لوازمه. ولم تستول على جسم رهينها وروحه؟ لقد عرفت سكيراً في هذه الحال. حاول أن يكف عن الشراب ليلة واحدة. بعد ما فقدت الصهباء لديه تلك النشوة التي كانت تأتي بها. وخلت الشمول من تلك البهجة التي كانت تحدثها، بعد ما وثق من أن الخمر لن تذهب بشجوه بل تثيره. ولن تضع عنه همه بل تزيده، أجل. لقد عرفته في شدة صراعه. ومحاولته التخلص من ميله إلى معاودة الكأس.

стр. 1018

ومراجعة الشراب. يصيح من ألم. ويصرخ من عذاب. ومالي لا أقول أن ذلك السكير الذي عنه أحدثكم هو أنا، ولا عذر أتقدم به إلى الناس ولا شفيع، بل أنا الذي جررت على طبيعتي هذه النكبة النكباء. أني اعتقد أن هناك أجساماً قوية. ورؤوساً منيعة، ومعداً حديدية، لا يضيرها إدمان على شراب، ولا يؤذيها اعتياد اصطباح واغتباق، ولا أثر لمعتق الراح، ومصفق النبيذ، وأن جرع أصحابها منها كؤوساً، واشتفوا منها أقداحاً، إلا أن ترنق مشاعرهم، وتكدر مداركهم. ولعلها لم تكن يوماً في صفاء. لا أريد هؤلاء بحديثي. فالحديث لديهم هباء مضيع. بل أنهم ليضحكون من أخ لهم ضعيف، رام أن يوازن قوته بقوتهم، ويقارن شدته بشدتهم، فرجع من معمعة الكؤوس مذموماً مدحوراً؟ بل عبثاً أريد أن أنصح لهم. وباطلاً أطلب أن أحذرهم خطر الإدمان. وعقبي الإكثار. بل أسوق الحديث إلى فئة غير فئتهم. وشرب ليسوا من حزبهم. إلى الضعفاء والعصبيين. إلى أولئك الذين يحسون بأنهم بحاجة إلى مقو خارجي يرفع أرواحهم في المجتمع إلى مستوى أرواح الناس، ويكسبهم البهجة التي يرونها بادية على وجوه الجماعة. ذلكم هو سر جنوحنا نحن الضعفاء إلى الخمر. وتلكم حكمة ميلنا إلى الشراب. منذ اثنتي عشر سنة. كنت قد أتممت الربيع السادس والعشرين. ولقد عشت منذ تركي المدرسة إلى تلك السن في معزل عن الناس. لا صحب لي إلا كتبي. وإلا رفيق أو رفيقان من عشاق الكتب ورواد العزلة. وكنت أبكر في صحوي وفي نومي. ويخال إليّ أن المواهب التي أتمها الرحمن عليَّ لم تترك فيَّ لتصدأ. وحوال ذلك الحين وقعت في غمار أصحاب ليسوا على شاكلتي، وليسوا من طبيعتي، رجال ذوو أرواح متقدة مضطربة. ونفوس مهتاجة مستعرة. سهر ليال، وحلفاء أسمار. يقيمون الليل في نزاع وجدل. ويقطعونه في نشوة وثمل. على أن فيهم مخائل نبل. ودلائل كرم. وديباجة شرف. كنا ننتدي بعد هدأة من الليل سامرين. ونجتمع ضاحكين ماجنين. وكان نصيبي من سعة المخيلة أربي على أنصبة نداماي. وأجزل من أقسام أصحابي. فكنت أرمي بالنكتة

стр. 1019

فيصفقون لها. وألقي بالمزحة فيعجبون بهاز فلم ألبث أن رحت بينهم مزاحاً صناعاً وغدوت فيهم منكتاً بارعاًز والحال أني أقل الناس استعداداً للمجون، وأبعدهم عن المزاح. لعي يصيبني إذا أردت كلاماً. وحصر يلازمني إذا رمت حديثاً، وعارض عصبي يبدو على إذا تكلمت. أيها القارئ إن كنت عصبياً مثل. فنشدتك الله كن كيف شئت. ولكن حذار أن تصير مزَّاحاً. فإذا جنحت بك شهوة للنكت. ونزعت بك نزعة إلى المزاح. ورأيت الخواطر تهجم عليك، وشهدت طريق الأفكار تتنازعك، وإزاءك كؤوس وقوارير. فاجنب نفسك شرها، واحذر ويلها، حذرك أفجع النكبات. وأخش ضرها، خشيتك أفدح المثلات. فإن لم تستطع أن تستحق سلطان مخيلتك، فانزع بها منزعاً قصداً، وارسلها في غير هذا المنحى، أكتب مقالاً، أو أنشئ فصلاً، أو دبج وصفاً، ولكن حذار أن تطاوعها، فتكتب كما أكتب الآن، والدموع تنحدر على خديك، وشؤونك تفيض فوق وجنتيك. وأن تكون موضوع رحمة الصديق، ورهين سخرية العدو، وأن يلحظك الغرباء، بالعين النكراء، وأن تروح مطمح أنظار السخفاء، وملقى أبصار الأغفال السفهاء، وأن تظن غبياً، في حين لا تستطيع أن تكون ذكياً، وأن يصفق لذكائكن ويهتف لظرفك، على حين وثقت من غباوتك، وتبينت في نفسك برود نكتتك. وأن تدعي للمزاح، وما بك من مزاح، ويطلب إليك المجون وما بك من مجون. ويغرر بك. ليسخر منك، وأن تنطلق تطلب للناس الفرح، فتجر عليك أشد البغضاء، وتنبعث تبحث عن اللهو فتعود بأعظم الشحناء، وأن تمشي إلى الناس بالسرور. فيؤجروك شراً ويهمزوك حقداًز وأن ترهن أصباح آلام من أجل إمساء جنون، وتضيع فسحت زمانك، وخلوات أيامك، لتؤجر عليها نزراً من تصفيق. وقليلاً من أعجاب - تلك هي الأجور التي تنالها على مزاحك. والجعول التي تعطاها على موتك. ولكن الدهر. له ضربة صدق تنقض كل رابطة لا يمسكها إلا سبب مثل الخمر واه، كان أحنى عليّ من نفسي، وأعطف علي من حزمي، فرفع عني غطائي، فابصرت بأخلاق صحبي. وشاهدت خلالهم، فمضيت عنهم. وانصرفت عن ندواتهم. واحتجبت عن سمرهم. ولم يبق لهم عندي إثارة ود. ولا أثر عهد. إلا شروراً أخذتها عنهم. وإلا عادات تلقنتها منهم. ما برحوا على تلك الشرور متوفرين. وما زالوا بتلك العادات قائمين.

стр. 1020

ولم ألبث أن كان لي أصحاب غيرهم. أناس أهل فضل مضمر ومشهود. وقدر باطن ومعدود. ولئن بدا لي أن تعرفي لهم قد كان شراً على وويلا. فلا أدري أن يقضي الله أن تعود حياتي سيرتها الأولى. هل استطيع أن أفر من أذى ودهم. متنازلاً عن مغانمه. مضيعاً مرابحه. لقد جئتهم يعلوني لهب أبخرة الصحبة الأولى. فكاد أقل وقود يدفعون به إلي كافياً لإشعال ناري. لأرود بها حالة أخرى. ولم يكونوا حلفاء مدام. ولا جلساء ندمان. بل كان فيهم إثنان بالتبغ مولعان. الأول من عادة لزمته. والآخر من عادة ورثها عن أبيه. وكأنما تخير الشيطان للموجع من ذنبه. التائب من إثمه. أحسن الأحاييل لأيقاعه. وأخدع الأشراك لاصطياده. وكأني كنت بانتقالي من تجرع كؤوس تلك النار السائلة. واشتفافي أقداحاً لها وعساسا. إلى نفخ ذوائب من دخان التبغ. أخدع الشيطان وأتغفله. وأكيد له وأماكره. ولكن الشيطان يظلم لنا إذا أردنا خلوصاً من شديد العقاب إلى خفيفه. ومن مبرح الألم إلى طفيفه. وأنه ليسعفنا إذا أردنا من آلامنا بديلاً. وإننا لنطلب الإنصراف عن منقصة لنا قديمة، إلى معجزة، فيكيل لنا الكيل كيلين. ويلزمنا منها ضعفين. وكذلك أقبل على شيطان التبغ. يسعى وراءه سبعة شياطين. كلهم ألعن منه. وكلهم أعظم شراً. ولولا أني أشفق من سأم القارئ. لتنقلت معه بين الحالات التي اعتدت. والعادات التي التزمت. من ولع بالتبغ والجعة. إلى تدرج في معاقرة خفيف الشراب. ومن أقبال على المشعشعة بالماء. الشديدة السورة. إلى شرب خمور ممزوجة تحتوي مقداراً كبراً من خمرة (العرق) أو من سم شبهها. وكنت أقل من مزاجها حتى صرت أجرعها صرفاً. بل أني لأعنت القراء. وأخشى أن أكون عندهم غير مصدق. لو قصصت عليهم فعل التبغ وتأثيره. وأنبأتهم باستسلامي لسلطانه. وذلتي لمفعوله. كيف أني وكنت أشعر بعد اعتزامي الخلاص منه. وإجماعي على الخروج عليه. أن في ذلك جحوداً لنعمته. وكفراناً بصداقته. وخيانة لعهده. وكيف كان يقبل علي يسألني حقاً ضيعته. ويمشي إلي يطلب وداً صرفته. وكيف كنت أنكب على إصرار الأسابيع على مقاومته. إذا التقيت بذكره اتفاقاً في رواية، أو قرأت له عرضاً وصفاً في كتاب، وكيف كان يتمثل لي بعد منتصف الليل خياله، ويتراءى

стр. 1021

لي شبحه، ويلزمني حلمه، حتى ألجأ إلى تحقيقه، وأعمد إلى إرضائه، وكيف كان متصاعد دخانه، ولطف رائحته ولذات شربه، تنزع عني ألم غيابه. وتزيل عني برحاء عتابه، وكيف أشعر الآن وأنا أعترف بالقصة كلها، وأقر بحقائقها المروعة. أن بيني وبينه رابطة شديدة، وعلاقة ليس في وسع القلم وصفها. سيعرض على قولين كأنه صورة مبالغ فها، جماعة لم يعتادوا البحث في دواعي أفعالهم، ولم يشهدوا سلاسل العادة وأغلالها، ولم يرسفوا يوماً في أسار عادة غلابة، لا عاصم اليوم منها. وملا مهرب من أسرها. كتلك التي في أغلالها سلكت. وأنا اليوم من ويلاتها اعترفت. ولكن أين المفر. من أسر لم تجد فيه عظات الخلصاء. ولا عولات الزوج. ولم يغن عنه شقاء الحياة. ولا نكد الدنيا. بل كم من بائس. لم يكن نزاعاً بطبيعته إلى الشر. ولم يكن رغاباً بسجيته عن الخير. دفع به العادة إلى الكأس والغليون. شهدت صورة لكوريجيو. رسم فيها ثلاث نسوة وقفن أزاء رجل مقيد في جذع شجرة. أولاهن (اللذة) تعزبه وتبهجه. وثانيتهن (العادة) تسلكه في غصن الشجرة وتربطه. وثالثتهن (التوبة) تضع حية بجانبه. ويبدو على وجه الرجل بصيص من بهجة. ويظهر عليه انصراف إلى ذكرى الماضي عن الشعور بلذائذ الحاضر ومناعمه وابتهاج بالشر. واستخفاف بالخير. وتخنث أشبه بتخنث أهل صباريس. ورضى بالأسر. واختلال في الإرادة كاختلال أداة الساعة. وجمع بين اللذة والألم. وندامة بعد اقتراف. وتوبة ولا انصراف. فلما رأيت كل ذلك عجبت بمهارة المصور وحذاقته. ولكني رجعت فبكيت نفسي. وعدت فرثيت لحالي. لا أمل لي في تحول أمري. ولا رجاء عندي في انصراف بليتي. وقد اصبحت غريقاً في لج نكبتي. وأني لأصيح. لو يسمع الغريقُ النداء. بأولئك الذين وضعوا رجلهم في سيلها العرم. وألقوا بأنفهم في لجها المتقاذفز ولو شهد حالي ذلكم الشاب الذي لذته أول كأس علها. وارتاح لطعم أول خمرة ذاقها. فرأي كأن مناظر الحياة تجلت لعينيه، ومثلت أمام ناظريه، وأحس كأنه قد دخل جنة اكتشفها، وخطر في دروب روضة لقيها، ولو استطاع أن يفهم ألم السكير وعذابه، إذ يشعر بأنه مرتطم في هاوية سحيقةن

стр. 1022

بعينين مبصرتين، وإرادة متخاذلة، ويرى الويل دافعاً إليه، ولا قوة له على رده على حين يعلم أنه محدثهن ويشهد روحه خلاء من الخير ونفسه قد ذهب عنا التقى، وهو لا يستطيع أن يتناسى زماناً كان قلبه بالخير فياضاً، وروحه بالتقوى مترعة. ولو رأى ذلكم الشاب عيناً لي محمومة، من أثر شراب الليلة الماضية، وشهد شوقاً بي إلى رجعها، وولعاً بعودها. وميلاً إلى تكرارها. ولو رأى جسمي المهزول. وسمع صحاتي وعولاتي. لما وسعه إلا أن يقذف بالكأس إلى الأرض. عزة وأباء. ورب قوم يعترضونني سائلين. إذا كنت هكذا تمتدح الرغب عن الخمر. وتريدنا على أن نفهم فهمك. ونرى رأيك. ونشعر بشعورك. وإذا كانت لذات العقل في سكونه. ومبهجة الرأس في هدوئه. خيراً من الاحتدام الذي تصف. والحرارة التي منها تتأوه. فما يمنعك أن ترجع إلى كراهيتك الخمر. وما ضرك أن تعود إلى رغبتك عنها. وإذا كانت النعمة تستحق الحرص عليها والاحتفاظ بها. فماذا يمسكك عن استردادها وماذا يؤخرك عن العود إلى احرازها؟ لى والله لو أنني بأمنيتي أعود إلى أيام الصبا. وزمان الشباب. أيام كانت نهلة من العين الصافية الصادرة. تكفي لشفاء غلتي. وإرواء ظمئي. هناك حيث شمس الصيف وملاعب الحداثة توقد الأجسامز وتحدث الغليل. أي ماء تلك العين. أي منهل الأطفال والزهاد. ما أشوقني إلى الرجوع إليك. وما أبهجني بالعل من نميرك. والنهل من سلسالك. أني لأتمثلك في أحلامي. وأتخيلك في علالات آمالي. وعذب ماءك يبرد لساني المحترقز وقلبي الصديانز وجوفي الملتهب. ولمعدتي المتيقظة في الأحلام تمجه. وفمي المتقد يعافه. ولكن أليس لك من سبيل قصد وطريق وسط بين جد الامتناع وهذا الإكثار القاتل؟ إليك أيها القارئ. حتى لا تبلغ يوماً إلى مثل حالتي. وحتى لا تخبر من هذه النكبة خبرتي. وتجرب من هذه البلية تجربتي. أسوق الحقيقة الهائلة. وهي أني لم أجد يوماً بين الحالتين طريقاً وسطاً! إن الإقلال من الشراب عن ذلك القدر الكافي لتهميد جسم السكير وإرسال النوم إلى عينيه. ذلكم النوم الذي يحكي الخمود في سكونه. لا يُغني عنه شيئاً. وأني أوثر أن يصدقني

стр. 1023

القارئ على أن يدع معرفة ذلك إلى تجاربه. بل وف يعلم الحق إذا بلغ يوماً إلى تلك الحال التي يرى فيها أن التفكير لا يعوده إلا وهو منزوف نشوانز ولا تأتي إليه الخواطر سراعاً إلا وهو ثمل سكران. والحق المروع المخيف. هو أن الإدامن على الشراب ينقل المواهب العقليةز من دائرتها الطبيعيةز ويسلبها نشاطها. ويحرمها عملها. حتى لا تعمل إلا بمعاودته. ولا تسترد نشاطها إلا بمراجعته. وأن السكير ليفقد نفسه في ساع صحوهز ويتجرد عن روحه في أوقات أفاقه. وأن في الأذى لخيراً له. فأنظر في الآن أيها القارئ وأنا في غلواء الشباب. وروق العمر. قد عدت أبله ممروراً. ورحت ضارعاً مهزولاً. وأسمعني أعد الأرباح التي جنيتها من كؤوس الليل. والفوائد التي اكتسبتها من أقداح السحر. كنت منذ أثنتي عشر سنة صحيح العقل. سليم البدنز ولم أكن مرير القوى. بل أني لأظن أن جسمي كان في نجوة من الأمراض. ولم أكن أعرف الشراب ولا احتساءه. ولم أكن أعرف الخوان ولا أصحابه. أما الآن فلا يفارقني الألم. إلا إذا فقدت نفسي في بحر من الشراب. كنت في صيفي وشتائي أصحو من نومي. قبل أن تؤذن الساعة السادسة صبحاً. كنت أقوم ناعم البال. منتعش القوىز لا تكاد تغيب عني عذب الخواطر وبهيج الأفكار. ولا تكاد تفوتني نجوى لليوم الوليد. أو أنشودة للصبح المشرق. أو أغنية للضحى الساجي. واليوم أنفض عني ساعات الرقاد. وأنا ضائق الذرع باليوم المقبل. يسعى في أثره العناء. ويماشيه الجهد والشقاء. وأنا منتفخ السحر بمقدمه. أود لو أني أستطيع ملازمة الفراش. وأوثر أن يطول بي أمد الإغفاء. وأن لحياتي في اليقظة ما في مخيف الأحلام من متعبة وتردد واضطراب. وكأني في غداة اليوم أتعثر بربى مظلمة وجبال. أما في عملي. ولم يكن ملائماً طبيعتي جد الملاءمة. بل لحاجة ينبغي أن تنفذ. وضرورة يجب أن تنجز. بل يستعان على قضائها بالابتهاجز ويستنصر في إتمامها بالفرح. فقد اعتدت أن أبدأه في سآمة وتبرم. وأصبحت اليوم أجد فيه عناء. وألقي منه رهقاً. وأشهد

стр. 1024

منه عسفاً وتكلفاً. وأستعين عليه في مخيلتي بأنواع التثبيط. وأعتصم منه بضروب التخاذل. بل أن أتفه مهمة يدفع بها إلىّ صديق. وأي واجب أريد أن أنجزه لنفسي. كتوصية تاجر بعمل يء، أو شبيه ذلك، ليتمثل لي عملاً شاقاً يستحيل عليّ إنجازه، وهكذا اختلت فيّ أداة العمل. ولقد صحبني هذا الجبنن ولازمني هذا الخور، حتى في معاملتي الناس ومواعدتهم، وحتى في معاهدتهم وموالاتهم، فلا أجسر أن أفي بعهد مسؤول، أو أصون ذماماً يجب أن يصان، أو أرعى آخية ينبغي لها أن ترعي، وهكذا مات سلطان الفضيلة فيّ. ولقد كانت لي في زمان التصابي منازع فتولت. وكانت لي في الأيام الماضية ميول فذهبت. وأصبحت لا يذل لي عمل. ولا يهون لدي شغل. بل أني لأجد في الأشتغال برهة من الوقت وصباً قاتلاً. ولقد كتبت هذا الاعتراف على مرات كثيرة. وفي فسحات طويلةز وعانيت في جميع شوارد خاطري عناء شديداً. بل أن تلك الشذرات الرائعة التي كنت أقرؤها في كتب التاريخ أو الروايات الشعرية فأبتهج برشاقتها. وأنعم بحلاوتها. لا تصادف مني الآن عبرة مهراقة. ودمعة متحذرة. ترسلها رقة عاطفة. ويجريها ضعف وكأني بطبيعتي المختلة المهملة تنزوي أمام كل عظيم. وتضؤل إزاء كل جليل. وأني لأنظر أبداً في بكاء ودموع لأي سبب أو لغير ما سبب. ولا أعلم ما تجمع هذه المنقصة من خجل. وما تدل عليه من تخاذل وضعف. تلكم بعض عوارضي وحوادثي. وإن أردتم إلا الحق قلت أنها لم تكن كذلك على الدوام أتريدون أن أبعد في رفع الحجاب المضروب بين ضعفي وبينكم. معشر القراء. أم بحسبكم هذه الخاتمة؟ أناني بائس. ومغمور شقيز لا يريد بإعترافاته فخراً. ولا ينشد القارئ. أن كان له فيها نصيب. أو رأى له فيها مساساً. لقد أنبأته بعقبى أمري. وخاتمة خمري. فليمتنع من ساعته. وليمسك ف حينه. ومن أنذر فقد أعذر.

стр. 1025

كشكول البيان تفاريق علمية. وأدبية. وفكاهية. وتاريخية: ونظرات - في سير مشهوري العلماء. والمخترعين: وشذرات في أخبار العالم وأحداثه الحاضرة ألفرد رَسّل وُلَّس إن الحق. في عالم مثل عالمنا هذا. أنشأه خير غير محدود. وخلقته حكمة لا نهاية لها. هو عون الأفراد. وناصر الشعوب. وقوام الغني. وسناد المقل. وأن الباطل. إن عاجلاً. وإن آجلاً. عقباه الشقاء. وخاتمته الدمار. لقد كنا نعتصم طول القرن الماضي بالباطل. فجنينا - ولا نبرح نجني_الشقاء والدمار. وقد حان الوقت الذي يجمل بنا فيه أن نغير طرقنا الباطلة في أساسها. الظالمة في أصولها. السقيمة في مجموعها. الفرد رسل ولس كتب أحد أصدقاء فقيد انجلترة العظيم. بل فقيد العالم الإنساني. الدكتور الفرد رسل ولس. مقالاً شائقاً في مجلة المجلات الانجليزية. ألم فيه بعظمة الرجل. وترجمة حياته. والرسائل التي دارت بينه وبين دارون وكثيرين من أصدقائه العلماء. قال أن اسم دارون قد أخذ بين الأسماء الطائرة الذكر. التي زانت عصر فكتوريا المكانة الأولى. والمحل الأرفع. وهناك أسماء أخرى أنبه ذكرها. وأعلى مكانها. تيار مذهب النشوء. نخص بالذكر (لايل). الذي كان دارون وولس يركنان في أول أمرهما إلى مساعدته. ويسألان معونتهز وجالتون الذي ترك بعده أثراً باقياً. لتأسيس مجتمع جديد لا يبنيه إلا إنسان جديد. وهكسلي. المدافع عن مذهب دارونز الرافع شأنه. الذي لقبه دارون. بناصري الجليل. وهربرت سبنسر صاحب الفلسفة التركيبية التي يجدر بها أن تكون أثراً خالداً. ومعلماً أبدياً. ورب ذلك العقل المبتكر. والرأي المدبر. الذي لا يقارن بخصبه خصب. ولا يوازن بثروته ثراء. هؤلاء الأعلامز أهل العظمة المتألفة. والروعة المشرقة. هم قادة تلك الحركة المأثورة في تاريخ العالم. تلك الحركة التي بدأتها مجهودات لامارك وبافون وكثيرين غيرهما. لا تنسى آخر الدهر أسماؤهم. والذين مهدوا السبيل للمذاهب الطبيعية. وذللوا الطريق لاكتشاف أسباب النشوء والتطور وقوانينهما.

стр. 1026

وأن من بين هؤلاء العلماء النابهين. والأعلام الذائعي الصيت. عظيماً لا يدانيه أحد في عظمة الشأنز ونعني به ألفرد رسل ولس. ولقد قال لي يوماً وهو يبتسم (أني أعيش في زمن قبل زمني. وجيل غير جيلي). ولقد انتهى بوفاته عصر الأبحاث في مذهب النشوء. دخل ولس المدرسة فلم تظهر فيها مواهبه الطبيعيةز ولم تتجل بين جدرانها عبقريته. فخرج منها واشتغل مساحاًز يقيس الأرض ويذرعها. وكان يقضي أوقات الفراغ في الاشتغال بعلم النبات. فلما شب عن الطوق. وصار رجلاً. ذهب إلى لندن. لا عمل له ولا صناعةز فكانت هذه النكبة داعياً له إلى اعتزام سفر بعيد. وباعثاً على اتخاذ خطة شاقة. وهي الرحيل إلى مجاهل الأمازون وغاباته. ليشهد الطبيعة ويخرج أسرارها. وليسعى على رزقه محتطباً. وقد قال بعد ذلك الحين بستين عاماً لقد كان بي ولع شديد وشوق كبير إلى معرفة أسرار المحسوسات وأسبابها، وغرام بالجمال في كل أشكاله وألوانه ولقد وجد لروحه شبيهاً في هنري والتربيتس وفي مذكرات دارون، وجيولوجية لايل. ورحلات همبولت. وآثار شامبر. فأخذ أسفارهم في جعبته. وبدأ طوافه وتجوابه في مجاهل الأمازون وأجمه. ثم في جزر الملايو الهندية. بعيداً عن المدنية وروائها. ماثلاً في كل حين بين أيدي الطبيعة وجلالها. مراقباً عجيب تغيراتها وغريب أحوالها. شاهداً مثل دارون. وهو مبتهج طروب. حال الهمج وطبائع الوحشيين. في صفائها وطهرها. سكان الكهوف. وأهل غاب الأمازون. نائماً بين الأحراش والأدغال. جامعاً عدداً كبيراً من الفراش والخنافس والأطيارز وعلماً أكبر وأوسع لم يسبقه إليه أحد. فكان منه مثل دارون عالم طبيعي مبتكر. وكان ذلك أساس حياته وأعماله. هناك جمع الحقائق التي تجلت له. والتي وضع بها سفره الرائع في فائدة الألوان في حماية الحشرات والطيور والحيوان من التلاشي والفناء. وهناك بدأ ذلك البحث الذي أدى به إلى وضع كتاب في توزيع الحيوان والنبات الجغرافي. وهناك في تلك الأصقاع النائية رأى الطبيعة في أبهى مناظرها. وأروع محاسنها وأجمل معالمها. هناك حيث لا يكاد ينفذ إلى وارف ظلال الغاب. ومظلم أفياء الأجم أشعة الشمس الحارة. حيث الشجر باسقة أفنائه. فارعة أغصانه. وأن منها لما يطول كأنه العمد الممدة. وأن منها لما يبلغ مائة من الأقدام.

стр. 1027

ولا فروع له مهصورة. ولا صون له متأودة. . . . . حيث تخلق أغرب الطيور. وتدب لطف الحشرات، وتزحف الأفاعي وذوات الأثدية. وتعدو في أكماتها الأثمار. وتنساب في مسارحها العاصرات من البوّاء. هناك عند وريف الظل كان يسمع ولس تغريد الأطيار. وفي أثناء رحلاته. تفرغ إلى التفكير في موضوع نشوء الأنواع. وفي سنة ١٨٥٥ كتب ولس مقالاً في (القانون الذي به تتولد الأنواع الجديدة) وبعد ذلك بثلاثة أعوام ظهر مقاله الطنان الذي قرن أسمه باسم دارون. وجعله شريكه في اكشاف نظرية الانتخاب الطبيعي. أما أصل مذهب (نشوء الأنواع) فيظهر أن دارون سبق ولس إلى إعلانه. وإن كان اسم الثاني يجب أن لا ينسى إذا ذكر ذلك المذهب. وقد كتب دارون إلى هوكر لقد عزمت على أن أجمع على غير هدى كل حقيقة تدور حول الأنواع وسرها. . . . . . وقد اهتديت أخيراً إلى بصيص من النور. وأكاد أوقن (وفي ذلك مناقضة لما كتبت في مطلع الخطاب) أن الأنواع قابلة للتغير (وكأن اعترافي هذا اعتراف بجريمة قتل). . . . . . . . وأظنني قد اكتشفت الطريقة السهلة في تذليل الأنواع إلى مقاصد كثيرة. هكذا تجلى سحر الحق على دارون، فكتب ما كتب. وصرح إلى هوكر ولايل ما صرح. وحوال ذلك الحين. كان ولس في غابات (ترنات) البكر. قد أدنفته حمى الملاريا. وأوهنت جسمه. ولكنه كان يفكر في نفس الموضوعز ثم سطع عليه نور الحقيقةز فلم تكد تذهب عنه الحمى قليلاً. حتى كتب مقالة إلى دارون في شأن الموضوع. وقد قال دارون بعد قراءتها أن هذه المقالة في جلاء معانيها. وأوضح مراميها. تحوي تماماً ما كتبت أنا في مقالي. ولو كانت عند ولس مسوداتي المكتوبة في سنة ١٨٤٢ لما استطاع أن يخرج منها مختصراً أحسن من مختصره. وأن اصطلاحاته ليست الآن إلا رؤوساً لموضوعاتي وعناوين لفصولي. إذن فسيضيع ابتكاري هباءً منثوراً. وقد سبقت إلى اكتشافي جد السبق وأن سلوك الرجلين لهو مثال واضح ودليل جلي على ما سمي بعد ذلك (تلك الفضيلة السامية. وذلك الكرم العالي والسماحة الكبيرة. التي لن يضعف أبد الدهر وقعها من نفوس الناس). كتب ولس إلى دارون يقول أما عن النظرية فأني سأكفل دائماً أن تكون لك. ولك وحدك. .

стр. 1028

وكل ما استحق من الفضل هو أني كنت الوسيلة التي جعلتك تكتب وتبادر بطبعها. فكتب دارون إلى العالم الطبيعي هنري بيتس، صديق ولس الحميم. يقول ما أجمل العقل الفلسفي الذي يحمل صديقك ولس. لقد فعل من جهتي ما يفعله الرجل الصادق ذو الروح النبيلة. تلكم شذرة من تلك القصة العطرة التي لم أذكر منها لا لمعاً. أما الرجلان في نفسهما فقد كانا أعظم شأناً من نظرية النشوء والارتقاء التي أنارت العالم بهديها. وأشرقت على الدنيا بنورها. ولم يحدث بينهما في مدى السنين التي عرف كل فيها صاحبه أدنى ظل للتنافس أو الحقد. وقد كان كل منهما على جانب عظيم من ذلكم الهدوء الذي يكسبه العلم الصحيح. ويورثه التوفر على الحق وخدمته لذاته. على حين أصبح الحق يخاف عليه أن يضيع في هذا العصر اللجب. ويفقد في هذا الجيل المتحاسد المحموم. فلما فرغ من رحلاته وجولاته، تزوج في سنة ١٨٦٦ من ابنة المستر ميتن. ذلك العالم النباتي المشهور. وبدأ بذلك تلك الحياة المنزلية الناعمة. وخلالى الكتابة. وفرغ إلى البحث. ولعل القارئ يلذه أن يرى شيئاً من حياة ولس اليومية في مدى العشر سنين الأخيرة من عيني أبنته. قالت. كان ينهض من نومه الساعة الثامنةز فيتناول طعام الافطار في مكتبه وحده. وطعام أفطاره لا يزيد عن فنجان من الشاي وشيء من الكاكاو. وكان يصنعه بيده. ثم يأخذ في قراءة الصحف. فإذا فرغ من ذلك. ذهب إلى الحديقة ليتعهد شجيراته. ويرى نجماً له يكون مهتماً به في ذلك الحين ثم يكتب عادة الرسائل أو يشتغل بكتاب له يريد أن يتمه. وفي الساعة الحادية عشر أو منتصفها يشرب ماءً ساخناً. ثم يعقبه ببرتقالة. وكان يحب البرتقال حباً جماً. وبعد ذلك يخرج إلى الحديقة. ويزور نباتاته الخصوصية. ولا يتناول طعامه التام إلا عند الساعة الواحدة. وهو يتركب من قطعة من اللحم البقري. يقطعها نتفاً صغيرة. ولم يكن يأكل الخبز ولا الخضر، بل كان يؤثر الفاكهة. وكان يلذ تلامذتي مرآه وهو يأكل اللحم بالموز والبرتقال. وكان يستريح بعد الغذاء حتى الساعة الثالثة. فإذا نهض جال جولة أخرى في الحديقة. وإن زارنا زائر قابله.

стр. 1029

وفي الساعة الرابعة والنصف يتناول الشاي. وكان يصنعه كذلك بيده. ولا يأكل شيئاً. وكان يتناوله في مكتبه عادة. إلا إذا زارنا أصدقاء لنا مقربون. أو جاء لزيارته من يحب رؤيته. فقد كان يأتي إلى قاعة الاستقبال. وكان دائماً في استعداد للقاء الناس في ذلك الوقت من النهار. وإذا لذه الحديث. ووجد في محاضرة الزوار روحه وسروره. لم يأبه للوقت مهما أقاموا. فإن لم يكن هناك أضياف. أخذ في أي عمل له حتى الساعة السابعة ونصف مساءً وهو موعد العشاء. والطعام خفيف. شيء من الأرز والفاكهة المعتادة. ثم يشرب ماء سخناً ممزوجاً بعصير البرتقال. وقدر (ملعقة) من خفيف النبيذ. وبعد العشاء يعمد إلى قراءة رواية. ولا يقرأ في غير ذلك الوقت. وكان يؤثر في اختياره الروايات التي تدور حوادثها حول المنزل والأسرة. ولكنه كان يحب أيضاً الروايات التي تحوي الغرائب والمخاطر. وكان يأوي إلى فراشه بين العاشرة والحادية عشر. وهذا نظام أغلب أيامه. ولكنها لا تخلو بطبيعة الحال من تغير واختلاف. ففي بعض الأحيان كان يشتغل أكثر من عادته. ولا سيما إذا كان يضع كتاباً له. وفي أوقات أخر. إذا لم يكن عنده ما يكتبه. يجعل كل همه في العناية بنباتاته. يغير أمكنتها. أو يبذر بذورها ولقد ذكا لديه مئات من أنواع النبات. كانت تبعث بذورها إليه من جميع أنحاء العالم وأرجائه. وكان طول حياته مستقلاً. معتمداً على نفسه. يصنع كل شيء لنفسه بنفسه. يقرأ ولا يقرأ عليه. وكان يكتب رسائله بيده. ولم يستعن فيها بعون أحد. لا في أخريات أيامه. وكان نشيطاً. يتخطى المقاعد ليرفع ما سقط من الكتب. ويمشي بخطوات واسعة. ولساقه اليمنى هزة خاصة. وكان يحتذي في جولاته في الحديقة أحذية طويلة. خشبية الكعب. يبلغ طولها ثلاثة عشر (بوصة). وأن الإنسان ليعجب له كيف كان يمشي بها. وكان المشي في أوليات أيامه أحدى مباهجه. وكثيراً ما خرجنا جميعاً إلى الرياضة وترويح النفس طول اليوم. ونأخذ معنا الطعام والزاد. كنا كلما كان لنا أيام عيد أو عطلة. نمشي معه كل يوم. نخبر الأقليم المجاور ونطوف بجنباته. ونجول بأرياضه. مهتدين بمصور جغرافي نأخذه معنا في جولاتنا. ولم يكن يخشى الجراثيم أو يرهب أذاها. بل كان يطلق عليها كلمة أي (كلام فارغ). حتى لقد كان يشرب أي ماء يبدو لعينه صافياً، لا أذى فيه ولا كدر، وأني لأذكر أنه

стр. 1030

كان يحمل دائماً في جولاته قدحاً، ففي إحدى جولاته البهيجة التي لا أنسى أبداً ذكراها، وكنا نروح النفس في إحدى الغابات أخرج من جيبه أنبوبة من المطاط، وولى وجهه وأنا أتبعه شطر غدير كان على عدوة الطريق، وسألني أن أعل بواسطة أنبوبته من ماء ذلك الغدير، وإذا جرح لنا إصبع، ضمده بأوراق الطوابع. أما عن مزاياه العمومية. فقد كان أبداً مغتبطاً مبتهجاً. يظن بالحياة خيراً ويعلق عليها الآمال. وكان يكره مذهب التشاؤم. وأما عن معارفه وعلومه فكانت جعبته منها حافلة. حتى لقد كان يستطيع أن يتكلم في كل موضوع. وقد كان لنا دائرة معارف حية ممتعة تحبونا في كل شيء بالمعلومات الوافية الضافية. وكان يحب الطفل الصغار، وطالما استحثني على أن أعلم طفلاً أو طفلين. وإذا غاب الأطفال التلامذة. سألني إن كان أحد منهم مقبلاً. ولا أظنه كان يحب الحيوانات. ولكنه لم يكن يتأفف منها. ولم يكن ليعيرها كبير اهتمام. على أنه كان يسمح للهرة أن تجلس فوق مكتبه. ما دامت لا تقلقه. وكان يلتذ برؤية صغار القطط وهن يلعبن ويتداعبن. وكان بينهن قط عجوز. لا تجده في أغلب الآحايين إلا نائماً في حجرته الخصوصية بين القماطر والأسفار. نما عنده الدين جنباً لجنب مع الأسرةز وكان سراً كالحياة غامضاً. وأحسن اسم نطلقه على دينه هو قول كارليل العقيدة الطبيعية في وجود قوة خارقة للطبيعية وقد كتب إلى كاتب هذه الأسطر قبل وفاته بقليل يقول إن ذلك العقل المادي الذي كنت أحمله في زمان الصبا والشباب أخذ يتشكل في رفق ويتحول إلى أن صار الآن ذلك العقل الاشتراكي الروحاني. المؤمن. ذلك العقل الذي يظنه أصدقائي العلماء قد بلغ منه الضعف في متهدم العمر وأخذت منه البساطة حتى يعتقد أن الفاكهة والأزهار ومستأنس الحيوان وعظيم الطير والهوامز والصوف والقطن والسكر والمطاط. والمعادن واللآلى والدر. خلقت من قبل خلقنا وأنشئت لتهذيب الإنسان وتنعمه وقال في خطاب له آخر: أن القول بقوانين الطبيعة مع إنكار وجود كائن هناك يعمل ويدبر. قول هراء وكلم لا معنى لها. وسواء كان الحق المجهول كائناً فرداً يعمل في كل مكان من الكون بنفسه وهو الخالق والمنظم والمدبر لأدق حركة في العالم والعوالم الأخرى الممكنة أو يعمل. وهو ما أرى بواسطة طبقات لا تحصى من الكائنات. فالأمر في كلا

стр. 1031

الرأيين. ولعل رأي هو الجلي المعقول. هو تعاليم الإنجيل وسويدنبرج وملتون وكان يدافع ويناضل قائلاً أن هناك قوة خارقة وعقلاً مدبراً. ومقصداً سامياً إلى خلق هذا العالم الحيواني المتسع. وإلى هذا التطور الذي تبعه من عهد خلقه. وذلكم المقصد هو ترقية الإنسان. وكان يعتقد إمكان مناجاة الأرواح. ويحتج بأن تكاثر الأدلة والشواهد على حدوث هذه المناجاة كاف لإقناع المكذبين. وكان يقول لمحاجيه وأخصامه المنكرين مذهب وجود قوة خارقة لقوى الطبيعة ما قاله كارليل إذا كنا لم نعلم بعد من فعل الطبيعة وأحوالها في هذا العالم الذي لا يكاد يكون جزءاً صغيراً من كوكب إلا العلم القليل. فمن يعلم ما وراء هذا الفعل من قوة أخرى يركن إليها ويسير بمشيئتها. ومن يعلم ما تدور حوله هذه الدائرة من دوائر لا تعد ولا تحصى؟ يجوز للسمكة أن تعلم كل حصاة. وكل ركن. وكل ضرب من الأسماك. ولكن هل تفهم هذه السمكة الصغيرة مدالاوقيانوس وجزرهز ولججه وتياراته المنتظمة والرياح التجارية. وأرواح المونسون وخسوف القمر. تلكم الأحوال التي بها تنتظم حال كل جزيرة في الأقيانوس الخضم. ومنها تتغير في كل حين وتنعكس. مثل تلكم السمكة الصغيرة هو الإنسان. ومثل هذه الجزيرة كوكبه الأرض ومستقره. وما أوقيانوسه إلا الكون الذي لا يقاس ولا يحد. وما رياحه وتياراته إلا أقدار العناية الآلهية الرهيبة من آباد الآباد على أن العلم والدين لم يستنفدا كل ميوله. ولم يستبدا بكل معارفه. بل شغل في أعوامه الأخيرة بأرائه الاشتراكية وكأنما كان يكتبها وقد أبدى هذه الآراء في كثير من مقالاته نخص بالذكر الكتاب الأخير الذي وضعه في الوسط الاجتماعي والتقدم الأخلاقي وقد حمل فيه على الوسط الاجتماعي الحاضر. وأظهر في نقائضه وعيوبه. وأثبت فيه بالأدلة الجائزة أن أخلاق الإنسان وأحواله الملازمة له عقلية كانت أو نفسية أو أدبية. هي ملاصقة له من يوم مولده. وأنها نهرضة للتغير قابلة للتحول. ويختلف تغيرها في الأشخاص. ومن السهل تهذيبها بتأثير الرأي العام. ونفوذ التربية. بما أنها ليست وراثة فمن ثم لا ترتقى الأخلاق ولا تهذب الآداب. إلا إذا كان هناك قوة انتخابية أو مشتركة تساعد على رقيها. وقال إن التاريخ يدل على أن ازدياد الثروة ووفرة الخيرات لم يراع في تقسيمها العدل.

стр. 1032

وصرح بأن أول واجب على الحكومة الراقية هو أن تعمل على جعل الجميع يتساوون في الانتفاع بثمرات العمل. وأن تسارع إلى منع تفشي الموت جوعاً. وانتشار الأمراض الناتجة من الإقامة بالمساكن المضرة بالصحة ومن الأشتغال بالأعمال الخطرة. وكان يرى رأي كارليل وهو أن الظلم يعقب خسارة فادحة (بفوائد) باهظة. وإلى القراء خاتمة الجملة التي حملها على المجتمع الانجليزي ونقد بهاز قال: إذا اعتددنا بهذا الحقائق المترادفة المتعددة الصادقة، وكثير منها هائل مخيف حتى لا تمكن المبالغة فيه. كان لنا أن نقول أن نظام مجتمعنا فاسد من عاليه إلى سافله. وأن الوسط الحاضر في مجموعه هو أسوأ الأوساط الاجتماعية التي رآها العالم. وأنجع دواء يراه الدكتور ولس هو أن النظام الحاضر يجب أن ينقض ويغير. إذ يجب أولاً - أن يكون هناك تعاون عام بدلاً من هذا التنافس العام،_وثانياً_أن يعتاض عن هذا النظام الاقتصادي العدائي بنظام اقتصادي أخوي. وثالثاً أن تعطي الحرية لاشتراك الجميع في الأرض وفي رأس المال. وأخيراً. أن ينعم الجميع بالمساواة في فرص العمل أو في أملاك الحكومة المودعة عندها على ذمة الشعب. ويقول الدكتور ولس: نحن أنفسنا الذين أنشأنا وسطاً اجتماعياً مجرماً فاسداً. فلكي نمنع نتائجه اللازمة يجب أن نعكس وجوه النظام الحاضر. ينبغي أن يكون كل إصلاح اجتماعي نبديه أو قانون اقتصادي نسنه على نقيض أنظمتنا الاجتماعية والاقتصادية الحاضرة. كذلك كان ولس عالماً بيولوجياً طبيعياً جغرافياً اجتماعياً وكان كذلك على علم بالعلوم الفلكية. فتراه في كتاب له محللاً رأي العالم الفلكي لويل في إمكان وجود سكان في عطارد. ومركز الإنسان والأرض من الكون، وفي سفر له آخر باحثاً عن نتائج التطعيم. ثم في التنويم المغناطيسي، وكان له به معرفة واسعة، ثم تراه شاغلاً وقتاً من زمنه في إعادة النظر في ذلك المذهب الذي أبت عليه سماحته إلا أن يسميه (الدارونية)، وكان يصح أن يدعى (الولسية)، وفي كتاب آخر باحثاً في (علم التقليد المجوني) وتشهده بعد ذلك باحثاً في شؤون القرن التاسع عشر وغرائبه، وقد استعان أخيراً بك معلوماته ومعارفه ومعتقدات وجدانه على الدفاع عن الموجعين والمناضلة عن البائسين المظلومين ولقد يصح أن يكون شعاره تلك الكلمة المأثورة التي جاءت في مذكرات سلى وهى لا يثور الشعب حباً في القتل

стр. 1033

والسلب. بل عجزاً عن احتمال العذاب والآلام. وكان ولس جريئاً مقداماً على ابداء آرائه وإظهار الحقائق التي تنكشف لهز مهما كانت نتائجها وعواقبها. وكان لجثمانه قوة روحه وسلامتها ولقد قالت زوجتي وكانت معي في إحدى زوراتي الأخيرة له لو نظرت إليه منذ بضعة أشهر لما صدقت أنه قد جاوز التسعين. وكان جميل الطلعة، مستوي القامة، مشرق المحيا، ثابت الخطا، وكان لرأسه الجميل وقد جلله المشيب، ولحيته البيضاء وقد تدلت إلى صدره، روعة وجلال. وكان يضع منظاراً أزرق لا تبدو من خلال زجاجه عيناه. وإذا تكلم بدت على معارف وجهه ابتسامة لا تغيب. وإذا جلس وضع رجلاً فوق رجل. وشبك يديه أمامه. وكانت نبرات صوته حلوة عذبة كالموسيقى. حتى ليستمع إلى الحديث جليسه وهو مقبل عليه مبتهج ويصغي وهو طروب إلى ذلك السيل المتدفق العذب. الذي لا يشوبه للضعف أثر. وكان قد بدأ يضع كتاباً جديداً ولكن عاجلته المنية فجأة. وكانت وفاته. وأن شئت فنومه الهادئ. في يوم الجمعة لسبع خلون من نوفمبر. بعد الساعة التاسعة من المساء بخمس وعشرين دقيقة. وهو في الواحد والتسعين. وشيعت جنازته يوم الإثنين العاشر من ذلك الشهر في لفيف من العلماء، وسار خلفه أبنه وأبنته وأخت زوجته. فأدرج في قبره في رفق وأسى. فلما كنا بالقبر وقوفاً ذهبت نفوسنا حسرات على زوجه المقيمة في البيت التي لن يعود إليها ذلكم الزوج العظيم آخر الدهر. وقد أخلي له في الكنيسة موضع بجانب قبر دارون. ولكن رغباته ورغبات أسرته لم تسمح بذلك. على أن زوار الكنيسة لم يلبثوا أن رأوا اسم ولس منقوشاً على وسام تحت صورة له في الجمعية الملوكية. وأخرى في متحف الصور. وإذا سمحت الميزانية أقيم له تمثال في متحف الآثار. وكذلك راح دارون وولس. كما كانا في الحياة. مرتبطين مصطحبين. وكذلك كانا من أبطال العالم في الحياة وفي الممات. تأثير الكحول على النسل

стр. 1034

كلفت الحكومة الألمانية جماعة من العلماء بعمل مقارنة بين تأثير الكحول على نسل المدمنين السكيرين وبين تأثيره على المعتدلين. وقد أجرى العلماء أبحاثهم في الموضوع في عشر أسرات من كل فريق من الفريقين وخلصوا من بحثهم على أن نسبة الوفيات في الشهر الأول من حياة الأطفال الذين أدمن آباؤهم على الشراب وسكنوا إلى الكأس هي ٤٣ في المائة، وثمانية في المائة عند أطفال المعتدلين وأن نسبة الأطفال الذين أصيبوا من مفعول الشراب في آبائهم بالعته والجنون ١٠ في المائة وبالصرع ٨ وليس من بين أطفال شاربي الخمر إلا سبعة عشر في المائة تنمو مداركهم النمو العادي. معرض سان فرنسيسكو القادم سيقوم في ربيع سنة ١٩١٥ معرض دولي في سان فرنسيسكو سموه معرض بناما والباسيفيك (المحيط الهادئ) وقد تخيرت سان فرنسيسكو هذا الموعد وهو كما يعرف القراء موعد إتمام قناة بناما الواصلة بين المحيطين لتؤكد للناس مبلغ رقي الأمريكي وعظمته، وسيشترك في المعرض سبعة وعشرون شعباً وسيقام في بقعة فسيحة يبلغ طولها نحواً من خمسة كيلو مترات. شكسبير في نظر المقتطف يقول المقتطف في بضعة أسطر كتبها تقريظاً لرواية هنري الخامس تأليف أكبر شعراء الدراما وأنبغ نوابغ العالم ويليم شكسبير، تلك التي قررتها نظارة المعارف العمومية على طلبة البكالوريا في هذا العام، والتي عربها على نقتنا الكاتب المعروف محمد السباعي. (لم تكن لغة شكسبير حينما وضع رواياته من الفصاحة في شيء لكنها صارت عند الانكليز مقياس الفصاحة). ونحن فإنا نعجب للمقتطف كيف يعجل بكلمة مثل هذه لا تتفق مع الحقيقة في شيء، فضلاً عن أنها تناقض لم يكن ليفوت صاحبيه الفاضلين ومكانهما في الفضل والفلسفة مكانهما، والذي يدور الآن في خلدنا هو أن صاحبيه لم يشتغلا دهرهما بروايات شكسبير، بل استنفدت الفلسفة كل أوقاتهما، فكان حظ شكسبير من المقتطف حظ مواطنه الكاتب الحكيم توماس كارليل صاحب كتاب الأبطال الذي عربناه إلى العربية وكتب المقتطف عنه في حينه وانتقصه إذ ذاك، ولو نحن أقدمنا على ترجمة أصل الأنواع لشارلز دارون لأشفقنا

стр. 1035

من تقريظ المقتطف وخفنا على داروين من أن يقول رصيفنا المقتطف أنه ليس من العلم في شيء وأن كتابه (أصل الأنواع) لم يكن له أدنى أثر في الفلسفة الطبيعية، ولو خطر لنا أن ننقل كتاب رسل ولس في الانتخاب الطبيعي لما ظفر ولس من المقتطف بكلمة مديح. يقول المقتطف أن لغة شكسبير لم تكن في شيء من الفصاحة ويخال لنا أن المقتطف لم يقرأ شيئاً عما كتب الانجليز عن أسلوب شكسبيرن ولم يفرغ للبحث في أدبه، كما يظهر من كلمته المخالفة للحقيقة فإن شكسبير كان على علم قليل باللغة اللاتينية، ومعرفة أقل باللغة اليونانية، ولكنه كان حافل الجعبة من الانجليزية وقد استعمل ١٥٠٠٠ كلمة وكان يكتب بالانجليزية الصميمة الصحيحة ففي كل خمسة أفعال أو ظروف أو أسماء أربع منها (تيوتونية). وإذا كانت لغة شكسبير ليست من الفصاحة في شيء، كما يقول المقتطف، فكيف يجوز لها أن تصبح بعد ذلك مقياساً للفصاحة؟ وإذا صح قوله أن لغة شكسبير أصبحت مقياساً للفصاحة لكان يكون إذا أراد الكاتب العصري من الانجليز أن يروح بين جيله فصيحاً فليس عليه إلا أن ينحو منحى شكسبير ويقلد أسلوبه ولغته؟ وهل لغة الكاتبين العصريين المشهورين، ويلز وتشترتون تتفق مع لغة شكسبير؟ نحن نعلم أن في روايات شكسبير كلمات كثيرة لها معان مخالفة لمعانيها اليوم، ولكننا لا نتصور أن ما يكون بالأمس غير فصيح يصبح اليوم وهو الحد الذي تقاس به كل فصاحة! هذه كلمتنا نسوقها إلى المقتطف حتى يتثبت مما يكتب، وحتى لا يعجل في أمره فيكتب كما شاء القلم وشاء له الهوى. اللغة العربية والزراعة للفاضل أحمد أفندي الألفي (تابع لما في الجزء ٥ و ٦ و ٧) النجل والنز والأمدان النجل الماء المستنقع. والنز الذي يتحلب من الأرض. يقال استنجل المكان كثر فيه النجل

стр. 1036

- أي النز ويقال استنقع الماء أصفر وتغير من ركوده في الأرض. النز - ما يتحلب من الأرض من الماء يقال نز المكان صار ذا نز ويقال للأرض السبخة النشاشة ذات ملح ونز. الأمدَّان - هو الماء الناقع في السبخة خاصة. ويعرف من ذلك أن النجل أو النز هو ما يعبرون عنه الآن بالماء السفلي أو ماء الطبقة السفلية أو الماء الأرضي أو ماء تحت الأرض أو الرطوبة الراكدة في الأرض التي تصيرها غمتة والمختار عندي لفظ النز لأنه أعرف وأكثر استعمالاً. الغمر الغمر ماء الأرض والماء الغمر هو الماء الكثير ومعلوم في فن الزراعة أن الماء الأرضي نوعان الأول هو النز الذي تنشأ منه عماتة الأرض كما مرّ بيانه والثاني أعمق من الأول ولا ينشأ منه ضرر للأرض ويسمونه الآن بالماء الأرضي العميق أو الأعمق. وعندي أن لفظ الغمر ينطبق عليه فهو أحسن لفظ يستعمل له. الماء الخاثر ماء خاثر أي كثير الطين (كمياه النيل أبان الفيضان) ويعبر عنها في العرف وغيره بالمياه الحمراء أو العكرة وفي اللغة أن تقانة الماء خثورته وتقنوا أرضهم أرسلوا فيها الماء الخاثر لتجود كما يقال في العرف (نيلوا الأرض أي أصلحوها بماء النيل أو التنييل) السيح: الماء الجاري على وجه الأرض. العين: الماء الجاري من العيون. الآبار المنبثقة هي ما يسمونه الآن بالآبار الارتوازية خطأ أو الآبار المتفجرةولا أدري أخطأ مشهور خير أم صواب مهجور؟؟ البعل من الزرع: ما شرب بعروته (أي بجذيراته) من الأرض من غير سماء (أي من غير مطر) ولا شقي وهو ما يعرف في العرف الزراعي بالزراعة البعلية في أرض الملق أي حياض الصعيد. المسقوى من الزرع - ماسقي بالماء وهو ما يعرف في هذا العرف بالزراعة المسقاوي

стр. 1037

العفر - أول سقية يسقاها الزرع بعد بذر الحب مباشرة ومنه (زراعة العفير) إحدى طرق الزراعة المعروفة في زراعة الحبوب وهي المقابلة لزراعة التخضير. السد - الردم لسد الماء. الرصف - السد المبني للماء وأيضاً الحجارة المرصوف بعضها ببعض في مسيل الماء المنزفة - الشادوف. وقد وهم معربو كتاب الزراعة المصرية فحسبوه (الدالية) وليست هي إياه (راجع المخصص). المحوض - ما يصنع حول الشجرة كالشربة لسقيتها. الأخدود - الحفر المستطيلة في الأرض ج أخاديد وتوجد الأخاديد بكثرة في أراضي الملق التنبيث. التطهير (أي ما يعرف في العرف بتطهير الترع ونحوها) يقال نبث النهر استحدث حفره والنبائث التراب المستخرج الملقى على شط النهر. الزريعة. التقاوى سواء كانت حباً أو غيره. البذر البزركل حب يزرع أو يبذر المحفر: آلة الحفر المعروفة في العرف بالكريك. المسحاة - هي الفأس. المعزقة - أو المعزق فاس العزق خاصة فهي أخص من الفاس. العزاقة - آلة العزق - إحدى الآلات المستحدثة. أرض مبكار - أي معجلة بالنبات وضدها الأرض المئخار. كدت الأرض - كدوا أبطأ نباتها أو قل يقال كدأ الزرع ساء نبته ونبت كدى قليل الريع الأرض الموات - وهي التي لم تعمر ولم تزرع بعد. إحياؤها - أي عمارتها وإصلاحها. (للحديث بقية) العقائد القديمة والحديثة في الصين يقول أهل الغرب أن السببأكبرقدم المدنية الغربية هو انقراض سلطة الكنيسة، وإن كان الذين يريدون أن يهموا من أنفسهم معنى الأديان يزيدون في كل يوم عدداً وتأثيراً فلا يصح للكنيسة بعد ذلك أن تدعي أنها تهدي القلوب الراغبة في الأيمان، ثم يقولون أن الصين

стр. 1038

واليابان في حاجة إلى الانتفاع بتأثير الشعور الديني في تحقيق تقدمهم، ولكن بينا ترى اليابان تحاول أن تدين بشيء من المسيحية، إذ بك تجد الصين تجتهد في إحياء الدين القديم، إذ يرجع أهل الصين الآن إلى عبادة كونفوشيوس، والغرض من ذلك أن يربطوا الأقاليم المختلفة برباط وثيق من النزعة الدينية، ولئن كان تأثير ذلك المعلم الديني قد ضعف في خلال القرن الماضي، فلم يصر بعد عند أهل الصين نسياً منسيا، كما يشهد بذلك الاحتفال الذي أقاموه يوم عيد ميلاده الأخير، وكان في السابع والعشرين من شهر سبتمبر الماضي وقد كتبت قبل يوم العيد نشرة عامة بعثت إلى كل حكام الأقاليم وضمنت كل فضائل كونفوشيوس، وكان العزم أن تقدم هذه النشرة لقضاة البلاد ليقدموها إلى الجمهور، وبذلك تتمهد السبيل لكونفوشيوس فيصبح قائد الجمهورية الصينية الحديثة، ورجال حزب الصين الفتاة يرون أن البلاد في حاجة ماسة إلى قائد يحكمها أو دين يهديها. وإن هذه الحاجة يجوز أن تسد بإحياء دين كونفوشيوس. ولكن في شكل حديث. وقد أقيمت لكونفوشيوس في كثير من بلاد الصين الاحتفالات وأنشدت الأناشيد مما يجعلنا نتوقع أن نهضة الصين ستكون في بادئ أمرها دينية. ثم تنقلب بعدها إلى نهضة سياسية. ولكن من ذا الذي يعلم نتيجة الرجوع إلى دين كونفوشيوس؟ الآي آي إن الحيوان الذي ترى أمامك صورته هو من حيوانات جزيرة مدغشقر الإفريقية، وهو أحط أنواع فصيلة القردة وأشدها اختلافاً عن بقية الأنواع، ولقد جاء الانجليز به إلى نجلترة ووضعوه في حدائق الحيوان، فلم يعش طويلاً. وقد كتب كاتب يصفه قال: رأسه أشبه من القرد بالدب، وذنبه غزير الشعر جثله، يحكي ذنب الذئب، وأسنانه الأمامية كبيرة الحجم حادة الطرف كأسنان الفأرة، وقدماه كأقدام القردة، لأن للأصبع الكبير ظفراً مسطحاً، يخالف الأصابع الأخرى ولها أظلاف طوال، وأما الأصبع الأوسط فنهاية في الطول والرفع، ويقولون أن الحيوان يستخدمه في إخراج الحشرات والديدان من أصول الشجر. ويقول ثقة أنه يستخدمه أيضاً إذا قدم إليه طعام سائل. إذ يدني شفتيه من السائل المقدم إليه. ويدخل هذا الأصبع في فمه ويضعه خلف أسنانه. ويجعل يقدمه ويؤخره كلما ارتشف من الماء. وكذلك يفعل في أكل البيض.

стр. 1039

ويقول الكاتب أنه لا ينفع في حدائق الحيوان. لأنه يقضي طول النهار في زاوية مظلمة من قفصه. ولا يخرج منه إلا إذا اشتدت ظلمة الليل. فكاهة أراد صاحب مطعم أن يداعب ماركوني مخترع التلغراف اللاسلكي. وقد جاء إلى مطعمه لتناول العشاء. فكتب في قائمة الأصناف التي أكلها بدلاً من (فصولية خضرة بالزبدة) فصولية خضرة ماركوني فلما قرأها المخترع سأله لم فعلت ذاك. مع أن الفصولية من النوع الفرنساوي المعروف فسأله صاحب المطعم وهل كان فيها شيء من الخيوط؟ قال لم يكن فيها أدنى خيط ثم ضحك الرجل وقال أذن فنسميها الفصولية اللاسلكية وإن شئت قلنا فصولية ماركوني! فابتسم ماركوني وابتسم الرجل. فكاهة حدث أن الصحف الانجليزية نعت كذباً وفاة رجل. فلما وقعت في يده الصحيفة وقرأ المنعي أسرع إلى مكتب التلغراف فأرسل إلى زوجته تلغرافاً في الحال يقول فيه لا أزال على قيد الحياة. فلا تتزوجي! الفلسفة الساذجة كم في حدائق الأدب من زهور. ولكن كم من هذه الزهور نراه رقيق الغلالة بديع اللون طيب الشذى. وهو القاتل السام. هل تظن أن من الفلسفة في شيء قول فوفينارج يولد الناس كلهم أوفياء. ويموتون جميعاً خونة غادرين أو قول سافارين قل لي ماذا تأكل أنيئك من أنت أوكلمة ميرابو أقتل ضميرك. فهو أعدى عدوك. إن طلبت النجاح أو كلمة جيلرت (من يح رذيلة. وقع في حب الرذائل جميعها) أو قول شاملور إن الطمع يتغلب على الارواح الصغيرة أكثر من تغلبه على الأرواح الكبيرة. كالنار تأكل سقوف الأكواخ أكثر من سقوف القصور أو كلمة باسكال (في الروح العظيمة كل شيء عظيم) أو أغنية الشاعر بونستد (كل عين دعجاء خداعةز. وكل عين ظمياء فاسقة خوانة. أما

стр. 1040

العين الزرقاء فدليل الطاعة!) واسمع ما جاء من المتناقضات يقول ليسنج (الحياء في العظماء) ويقول جوت (الحياء في المجرمين) ويقول جان بول (الحي من خجل إذا أنب قبل أن يخجل إذا مدح)

стр. 1041

أخبار وحوادث عيد الجلوس الخديوي احتفلت الأمة المصرية قاطبة في اليوم الثامن من هذا الشهر بعيد مشهود في تاريخ سعادتها وتقدمها. وذكرى يوم بدأت منه تسير في سبيل الرقي بخطوات واسعة. ذلكم هو عيد جلوس مولانا سمو الجناب العالي الخديوي الحاج عباس حلمي الثاني - حرسه الله وأبقاه_على أريكة كنانة الله في أرضه. وسننشر صورة سموه الكريمة متيمنين في مستهل عامنا الثالث ونكتب عن عهده الخصيب وأيامه الزاهرة. جورج أبيض وجوقته عاد من البلاد السورية بعد غياب أشهر عدة الممثل النابغة الكبير جورج أبيض وسيبدأ التمثيل في الأوبرا الخديوية أوائل مارس وقد بدأ في هذه الأيام بتمثيل رواية نابوليون في مرسح برنتانيا وهي رواية شائقة جليلة الموضوع تدور حول المؤامرات التي كان يعقدها الملكيون لقتل نابوليون أيام القنصل الأول. وكان أفراد الجوقة وكلهم من الممثلين الأكفاء يمثلون أدوارهم في غاية من الدقة والافتتان وكان الأستاذ جورج أبيض يمثل دور نابوليون وقد تجلى فيه آية في الإبداع. وكانت حركاته التمثيلية غاية في المهارة والإتقان، ولهجته نهاية في التأثير. وقد كانت الجوقة في هذه الرواية موضوع أعجاب الحضور، ونحن نشكر للأستاذ جورج أبيض عنايته بانتقاء القديرين من الممثلين. واهتمامه الكبير بترقية فن الدراما في مصر. ونرجو أن يتخير أيضاً الأكفاء من المعربين حتى ينهض التمثيل على يديه بجملته. وتلازم الأساليب السهلة الراقية الصناعة التمثيلية العالية. وندعو المصريين جميعاً إلى أن يقبلوا الإقبال كله على روايات ممثلنا النابغة وأن يكبروا شأن التمثيل. فليست النهضة التمثيلية بأقل شأناً من النهضة العلمية أو النهضة الأدبية أو غيرهما من النهضات النافعة. وليست دار التمثيل بأقل خدمة للشعب من المعهد أو المدرسة. وليست الروايات التمثيلية إلا محاضرات عالية يقدمها الممثل لتزكية أفراد الشعب بأجمعه. وأن الإقبال على الدراما الراقية دليل على أن الأمة متنبهة تطلب الرقي من مصادره وتبحث عن منفعتها من مكانها.

стр. 1042

هذه كلمة مجملة اليوم وسنعود إلى تفصيل الكلام على الأستاذ جورج أبيض وترجمة حياته ورواياته ونشر صورته في الأعداد القادمة. علي باشا أبو الفتوح ليس الموت هو الذي يخيف ويفزعن بل هي اشراكه وحبائله. بل إن غمرات الموت وسكراته، وعويل الخلصاء، وبكاء الأقارب، والأثواب الغدافية، والمناعي والمناحات. هي التي ترينا الموت رائعاً هائلاً. وإذا كنا لا نرهب الموت ولا نخاف وقعه، فإننا نأسي على الذين يختطفهم الموت، وهم ركن شديد لنا، وحمى منيع لدينا، بل كم من مئات من الناس يموتون في اليوم الواحد، لا يبكي الشعب عليهم، ولا يعلم عن موتهم إلا أرقاماً في الإحصائيات الأسبوعية، وكم في الأحياء من ألوف يحسبون في التعداد، وما كان أحق أن تحتويهم جداول الموتى، وكأني بالموت لا تخدعه الكثرة، ولا يغره العديد، وإلا لما رأيت الجيوش تعود من الميدان بكتائب منها، بل كم من جندي ثابت اللقاء راح في المعمعة قتيلاً، على حين عاد منها إلا كتع الهيابة يبتهج بالنصر، ويلهو بالظفر، وإلا لما رأيت العظيم ينتشل من بين شعبه وفيه الآلوف من الرذالة والغوغاء الذين يحسبون إلى شعبهم بموتهم. وإذا كان في حياة العظيم فرح أمته وابتهاجها، فإن في موته أسى لها يزيد على قدر ذلك الفرح، لأن الأسى على العظمة المفقودة أشد من الفرح بالعظمة الموجودة، وإذا كان الفرد يبتئس بموت صديقه النافع، فما بالك بأسى مجموع الشعب على صديقه القائم على خدمته ونصرته. تلك كلمة جالت بخاطرنا إذ ذكرنا فقيداً لنا اختطفته المنية من بيننا في الشهر المنصرم، وإذ ذكرنا فقده شهماً لا يهم بأمر إلا أمضاه، ورجلاً جمع بين النبوغ الفطري، والعزمة الراسخة والعلم الواسع. وأنا لنذكره ما دامت مجلة البيان أنه الذي عني بها ولم تك بيننا وبينه صداقة مؤكدة ولا غير مؤكدة. إذ أرسل إلينا خطاباً دون سابقة عرفان بيننا يقول أنه قد قرر اشتراك نظارة المعارف العمومية في مجلدات من البيان. ولقد زرناه في النظارة قبل مرضه بأيام فاحتفل بنا ووعدنا أن سيكتب في البيان ويعطينا صورته. فخرجنا من لدته ونحن أعلم من قبل بنبوغه وفضله ووطنيته. وأنه الرجل الكبير الفذ الذي يقدر كل مشروع

стр. 1043

مفيد قدرهز ذلكم هو فقيد الشعب المصري ألا سيف المرحوم علي أبو الفتوح باشا وكيل نظارة المعارف السابق. فلا حول ولا قوة بالله. . . الجمعية التشريعية كان موعد الانتخاب العام لأعضاء الجمعية التشريعية يوم السبت ١٣ ديسمبر الماضي وما كان المساء حتى عرف الناس أسماء بعض المنتخبين الذين كانت مصر تعلق على فوزهم في الانتخاب الأهمية الكبرى ومن ذلك الأعضاء النائبون عن القاهرة، ولم يكد يرتفع ضحى اليوم الثاني حتى عرف أغلب المنتخبين الفائزين وأجل انتخاب البعض ليوم إعادة الانتخاب، وقد أعيد الانتخاب فظفر به من ظفر، وسيكون افتتاح الجمعية التشريعية في اليوم الثاني والعشرين من هذا الشهر (يناير سنة ١٩١٤) وسيحضر النواب بالملابس الرسمية والنياشين. وقد نشرنا في الصحف أننا سنصدر عدداً خاصاً بحضرات الأعضاء وتراجم حياتهم ومبادئهم وآرائهم حتى يكون ككتاب خالد، وسيصدر في القريب العاجل إن شاء الله. التنقلات الإدارية في الحكومة حول ديوان عموم الأوقاف إلى نظارة وانتقلت شؤونه إلى أيدي الحكومة المصرية فسبب هذا التحويل تنقلات كثيرة في الإدارة فقلد وزارة الأوقاف سعادة الوزير العامل أحمد حشمت باشا وحل محله في وزارة المعارف سعادة أحمد حلمي باشا وقد كان ناظراً للمالية وأصبح على وزارة المالية سعادة سعيد ذو الفقار باشا الذي كان مديراً للدقهلية. وأحيل على المعاش سعادة إبراهيم باشا نجيب الذي كان مديراً للأوقاف وعين سعادة الأستاذ المحقق محمد بك أمين واصف مدير الجيزة مفتشاً عاماً لنظارة الأوقاف. وكذلك حولت مصلحة الزراعة إلى نظارة وقلد وزارتها سعادة محمد محب باشا مدير الغربية وزيد في اختصاصاتها فانتقلت جميع المدارس الزراعية العالية والابتدائية من رعاية نظارة المعارف إلى رعايتها وكذلك أخذت اختصاصات أخرى من نظارة الأشغال وأعدت لها مكاناً لها بسراي فاضل باشا بالقرب من نظارة الأشغال لتكاثر الأشغال عليها وعين في وكالة المعارف سعادة إسماعيل باشا حسنين ناظر مدرسة المعلمين الخديوية.

стр. 1044

وبذلك أصبحت نظارات الحكومة تسع نظارات يشغلها ثمانية وزراء. ومن هنا حدثت تنقلات في المديديات ووكالاتها. النبأ العظيم حول مشروع أبطال العالم علم القراء ما هو مشروع أبطال العالم. ونزيد هنا أنا سنفتتح هذا المشروع الجليل بسيرة سيد العالم سيدنا ومولانا محمد بن عبد الله ﷺ وذلك كما يأتي: ستقع هذه السيرة المحمدية المباركة في ستة أسفار كل سفر مانون صفحة (وهذه الثمانون صفحة هي أقل صفحات فرضناها للكلام على كل بطل) لا تظهر هذه الأسفار الست الخصيصة بالمصطفى ﷺ متتالية بعضها إثر بعض ولكن سيظهر السفر الأول منها مبتدأً الخمسة الأسفار الأول ثم تظهر أربعة أسفار عن أربعة أبطا منوعين. وبعد أن تنتهي الخمسة الأسفار الأول (ومنها السفر الأول في السيرة المحمدية طبعاً) يظهر السفر الثاني من السيرة المحمدية ثم أربعة أسفار عن أربعة أبطال منوعين. وهلم جراً إلى أن تنتهي السيرة المحمدية على هذا الترتيب. أما طريقتنا في الكلام على المصطفى ﷺ فهي على الجملة طريقة أهل البحث والنظر وبالحري طريقة المؤرخين الباحثين لا طريقة المؤرخين الذين يسردون الحوادث سرداً (أنظر النبذة الأولى من المقدمة الأولى لتاريخ الإسلام في العدد الأول من السنة الأولى للبيان) وسيكون معولنا في ذلك كتب مؤرخي العرب ومؤرخي الافرنج وكل كتاب عربي أو غربي يتعرض لمسألة عمرانية أو فلسفية أو تاريخية أو جغرافية أو أدبية تعترضنا في هذه السبيل. ومن هنا أحضرنا مكتبة جامعة تحتوي كل كتاب عربي وغربي له صلة كبيرة أو صغيرة بموضوعنا هذا. وسنشير إلى هذه المصادر ف هوامش صفحات السيرة وسنبدأ السيرة بمقدمات في صفة جزيرة العرب وتاريخ العرب وأديانهم وعاداتهم وما إلى ذلك مع الصور والخرائط. وفي ضفة سائر الدول التي كانت تعاصر المصطفى ﵇ وفي القول على سائر الأديان التي كان الناس يدينون بها في تلك الأعصر. ثم يلي ذلك تاريخ العالم بأسلوب نرجو أن يكون عند رجاء القارئين إن شاء الله والله وحده هو الموفق والمعين. الشيء يذكر بالشيء

стр. 1045

وإذ قد كنا جعلنا من بين أبواب البيان باب تاريخ الإسلام - وكان القسم الأول من هذا التاريخ وهو تاريخ المصطفى ﷺ ومقدماته سنفرد له أسفاراً من بين أسفار أبطال العالم، وكان من حق القراء علينا أن نستمر في هذا الباب باب تاريخ الإسلام لمكانه من الفائدة واللذة. رأينا أن نستأنف القول على تاريخ الإسلام من وقت أن استأثر الله بالمصطفى ﷺ وذلك في العدد القادم إن شاء الله. موضوعات العدد القادم قد انتهت بهذا العدد العاشر السنة الثانية من البيان وسيستقبل عامه الثالث وكله أمل أن يكون فيه عند تعضيد القراء وإقبال المشتركين على دفع اشتراكاتهم المتقدم منها والمتأخر حتى لا يمسكنا عن إصدار العدد في موعده مطل الماطلين. ومن بين موضوعات العدد الأول من السنة الثالثة مقدمة العام وباب تاريخ الإسلام وفصل في التعليم من كتاب روح التربية للعلامة الدكتور جوستاف لوبون، والعلم والمدنية الحديثة من كتاب النزاع بين العلم والدين بقلم أكبر منصفي الإسلام الفيلسوف الأميركي ويليم دريبر، وفصل في سر تطور المادة يتضمن الآراء الحديثة عن فناء المادة بقلم جوستاف لوبون. ورواية بديعة تامة للكاتب الفرنسي العصري المشهور أناطول فرانس وتابع مقدمة الكلام على نابغة الشعراء أحمد بك شوقي وغير ذلك من الموضوعات الجليلة الشائقة وهذا عدا التصوير وكشكول البيان والمطبوعات الجديدة الخ الخ. حالنا الأدبية في شهر عزمنا أن نضيف على أبواب البيان من بدء السنة الثالثة باباً جديداً تحت هذا العنوان نتناول فيه نقد كل ما نقع عليه في الصحف من قصائد الشعراء أو مقالات الكتاب والأدباء وكل ما يصدر من الكتب المؤلفة والمترجمة، وما صدر منها مما لا نرى السكوت عليه وسنأخذ فيه بالنقد الصحيح حتى يتبين منها الجيد والبهرج. فنلفت إليه أنظار القراء. صحيفة الأشرار الحقيقة ضالة الناقد العدل. الصحيح القلب. الشريف المبدأ. فهو يمضي في طلبها غير منثن ولا مرتد. وإن علم أنه سيسيء في إعلانها إلى نفسه. أو إلى أمته. أو إلى شعوب الأرض.

стр. 1046

والناقد العدل هو الذي لا يضع إزاءه عاطفته وعاطفة منقوده فيعارض بينهما. ولا ينقص من هذه ليزيد في تلك. ولا يستعين على نقده بجيوش الباطل من سياب وافتاء واتهام. ولا يقدم عليه قدوم المتهور على قتالز ولا يعمد إلى مواهب الناس فيجعلها عوناً له على ظهور بعد خمول. ولا يدعي أنه يحنو على القراء. ويحوطهم برعايته. ويعلمهم كيف يحكمون. وكيف يمدحون. ولا يزهي عليهم بأنه عريفهم وولي أمرهم. وأعرف منهم بالبهرج. وأخبر بالزيف. ليشهد له كما يشهد للصيني الذي يقيس مبلغه من الحكمة بطول أظفاره. فإذا اجتمعت هذه الأسباب كلها في الناقد. وكثر عدد الآخذين بها في وسط من الأوساط. فاعلم أن الجمهور فيه محترم القدر. لا يجترأ على خدعته. ولا يقدم على الكذب عليه. ولا تنال الشهرة على حسابه. أما إذا قام الجاهل المطرح فاستمع له. وانبري الدعى المنبوذ فأصغي إليه. واستوي الشتام البذيء فأصاب الشهرة ببذائته. ودب الخسيس الفاسد الدخلة فتعرف بين الناس بخسته. فثق أن الرأي العام في الأمة قائل. وأن الجمهور فيها غير محترم. ولقد كان حظ هذا البلد من الأولين سيئاً. وكانت نكبته بالآخرين فادحة. فقد تخاذل الأدب بالأدباء. وتشابه الادعياء بالأكفاء. وأصبح الأديب يرى في الأديب مزاحماً منافساًز وعدواً مكاشحاً. وأصبح كلهم يمشي بالسعاية لأخيه. والأذية له. والزراية به. والسخرية منه. واندس بينهم الدعي الجاهل. يرفع عقيرته بالشتائم ويصرخ بما توحي إليه نفسه الصغيرة وروحه القذرة. ويتصيد الشهرة بالصياح. ويفرغ من فمه بالكلم العور. لسد ببذر المال. ويحقد عليك مقدرتك ويدعي أنك الحاقد. وينفس عليك كفاءتك ويصيح بأنك النافس. ويصفك بطيب السريرة ليتفرد هو بسوءها وينعتك بسلامة النية. ليحتكر هو عليلتها. فإذا أسرعت من سفهه إلى السكوت. كان كالكلب يرى الرجل يعدو في سبيله. فيظن من خوف منه وخشية. فيتبعه نباحاً وعواء. وإن خرجت إليه. فجاريته في سبابه. سجلت عليك شتمتك. ونزلت بمجاراته عن مكانتك. ولم تسلم من عتب العقلاء. وأنت فتعلم أن أمثال هذا كثيرون. كلهم يعيشون من خداع الجمهور. ويسدون أرماقهم من الرتع في لحوم الناس. وكلهم المعني بقول الفيلسوف نيتشه انظروا! هذا هو جحر العنكبوت (الترنتي) فهل

стр. 1047

تريدون أن تشهدوه. هذا هو نسجه فهزوه تروه مهتزاً مقبلاً. هذا هو الحيوان جاءكم طواعية واختياراً، فمرحباً ياذا العنكبوت السام، إن فوق ظهرك بثوراً سوداء، وأني لأعلم ما في روحك. ألا أن في روحك يختلج الحقد وأنك كلما عضضت بدت على ظهرك قرحة سوداء. وأن سم حمتك ليجعل الروح ذاهلة. إليكم أيها الأناسي العناكب. أسوق القول وأني مخرجكم من مكامنكم وأجحاكم إلى النور. وأني لأضحك السمو والعلاء. وسأهدم نسيجكم. وأبدد خيطكم. حتى يبعثكم الغضب والسخط على ترك جحر الأكاذيب إن قلوب العناكب تحدثها فتقول اعمدوا إلى الانتقام. وخذوا بشتم من ليس في درككم. وارفعوا الصوت في وجوه أهل المقدرة والقوة إن في كل حسراتهم ولهفاتهم يصوت الحقد. وفي كل أماديحهم يكمن الشر والويل بل هم. كما يقول نيتشه في موضع آخر. يمدحونك كما يمدح الله. وما هم إلا المالقون الصارخون. ويعاقبونك على فضائلك. ويغفرون لك في أعماق قلوبهم هناتك. وأنت تقول من كرم فيك وعظمة شأن. لا عتب على الأقزام المجاهيل. وتصرخ فيهم نفوسهم. لا عتب إلا على العظمة. بل أنت لتكرمهم. وتوادعهم. وتلابسهم. ومع ذلك يشعرون أنهم عندك المرذولون المحقورون. ولا يرضون أبداً عن عزتك الصامتة. ويبتهجون بالحقد المحتجب. ألم تر إليهم كيف يروحون خرساً إذا دنوت منهم. وكيف تتخلى عنهم خفتهم كدخان النار الخابئة. فاعمد يا صاحبي إلى العلة عنهم. فهم الذابا السام. وأنت لم تخلق لكون مروحة وهل رأيت أفضح أمراً من أن يقوم أجهل الجهلاء. وأظهر الأدعياء. فيخرج للناس صحيفة يقصرها على شتم من يحقرونه. ويعرفون مبلغ جهله. ويقيمها لنهش أعراض الأخيار. ويخرجها حافلة بالأغلاط التي يخجل منها طلاب المدارس الابتدائية. ويصدرها بأقلام المتقاعدين من الأدباء. الذين يودون لو تلصق مقالاتهم وقصيدهم فوق جدران الطرق. والذين يغلب فيهم حب الشهرة على الشعور بالعزة. فيسارعون إليه بكتاباتهم وخواطرهم. خشية من شره. وجبانة من قحته. ويهجم على قرائه. وما أقل عدادهم. بالهجر من القول

стр. 1048

الذي تأنف منه النسوة الرادحات في ثنيات الطرق. ويبعث بصحيفته إلى المبصرين من الكتاب. فيردونها لسخفها ولوثتها. ويخاطب فيها قلم المطبوعات وقلم المطبوعات يعرف أمره. ويدعي أنه يوجه القول إلى إدارة الشرطة. وإدارة الشرطة تعلم دخيلته! وماذا عسى ينتظر الناس من خبيث فاسد الروح. خرج من بلده في أطمار وأسمال. وجاء إلى الأزهر، فكان حرباً على نفسه وذويه وأخوانه. ولم يلبث أن مشى بين الأزهريين بالفتنة، وسعى بينهم بالحطب الجزل. وخطر في صفوفهم بالأراجيف. حتى كاد الأزهر ينقلب إذ ذاك من شؤم هذا الحيوان ميدان تضارب وقتال، ورأت إدارة الأزهر فيه جرثومة أين منها حمة التستسي فطردته أشنع الطرد، ولفظته من رحمتها، فخرج ولم يقض في طلب العلم. وإن شئت الحق. فقل في أحداث الفتنة، إلا شهوراً معددات، وكأن الأقدار أبت إلا أن يجد ثمن طعامه. فاشتغل مصححاً في مطبعة أحدى الصحف اليومية فلم تهدأ دناءته. بل ما فتيء يدس الدسيسة. ويصوغ الفتنة. وينسج الفرية حتى إذا كشف لمدير تلك الجريدة بعض أمره. بادر بطرده. ومن ذلك الحين راح متبطلاً شريداً. وصار قعيدة القهاوي. وجوابة الطرق. يغشى المجالس فيتهافت به أهلها. ويختلف إلى جمعيات الخطابة فيطرد من على المنبر. ويزور إدارات الصحف. فيأمرون الخدم بمنع دخوله. فلما قعدت به الحال. وأزرى به الدهر فوق أزرائه. ورأى آلام الجوع والإفلاس. فكر في الحصول على أداة تجلب المال. وسلاح ينفس الكربة. فطفق ينكفئ كل يوم إلى نظارة الداخلية. ليستخلص ترخيصاً له بإصدار صحيفة أسبوعية. وطفق الموظفون يشتدون في أهانته. ويأمرونه في كل مرة بترك المكان. ومضي على هذا الهون بضعة أشهر. يهدد في خلالها من يزري به. ويوعد في أثنائها كل من يسخر منه. أما نحن فكنا نظن أنه لن يظفر بالترخيص أبداً مما كنا نسمع منه عن سوء المعاملة التي كان يلقاها من كبار الموظفين وصغارهم. ومما كنا نعتقده من أن الحكومة تعرف من هو طالب هذا الترخيص وتذكره في فتنة الأزهر. وحادثة المؤامرات. وتعلم مرماه من إصدار صحيفته ومبتغاه. وكنا مثق أن الحكومة تحرص على كرامة أفراد شعبها حرصها على كرامة كبارها ولكن شاءت الأقدار أن يفوز بالترخيص. وأقبل يوم حصوله عليه فرحاً متهللاً. وطلب إلى صاحب البيان. وطالما أكرمه وأحسن مثواه. أن يبتاع له الورق. وينفق على إصدار الصحيفة. وجاء

стр. 1049

باسمها ليخرج له صاحب البيان (كليشتها) على نفقته ولكن السيد البرقوقي. المسلم الأزهري كما يقول. كان يعرف دخيلة الخبيث ويعلم مستقبل صحيفته وغرضه من إظهارها. فلم يشأ أن يعينه على أعراض الناس. أو يشجعه على النيل من مقدرة الأكفاء. ولذلك رفض سؤله ولم يبض له بدرهم واحد. فأسرها في نفسه. ورأي الناس منه بعد ذلك في حق مكرمه ما رأوا. هذه ترجمة حياة هذا الشاب مفصلة. لم نرد أن نمسكها. إشفاقاً على أخلاق قراء صحيفته. ولا سيما طلبة المدارس. من عدوي هذا المتشنج المحموم. الذي لا يكتب كلمة مديح إلا ليسأل الممدوح. ولا يرمي بالكلمة العوراء إلا وهو فاغر فاه من الجوع. والذي يدعي أن به نعرة دينية. والحقيقة أنها نعرة (معوية!). فلا بدع إذا قرف هذه المجلة الشريفة المبدأ. الشريفة الجيب، بقبول الأجور. فهو على حد قول المتنبي: إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه ... وصدق ما يعتاده من توهم على أني أقول أن السيد البرقوقي لا يستطيع أن يكفل فوق الإنفاق على المجلة وإدارتها ومطبوعاته ومشروعه. أبطال العالم ثمن طعام الجائعين. وإنقاذ المنكودين. والمحرويين. فليغضب هذا السباب وليسخط. وليشتم وليصرخ. فإن أفشل الأشياء أجهرها صوتاً. ذلكم هو السباب الذي يود أن يكتسي من سبابه بعد عري. ويشبع بعد مسغبة. وينتعش بعد متربة ولو شئنا أذاه لقلنا كلمة واحدة تسرع بقلم المطبوعات إلى تعطيل صحيفته. وإلقائه في غيابات السجون. ولكنا لا نحب أن نقطع عنه مرتزقه، ولا نود أن نغلق في وجهه باب عيشه. وإن كنا لا نرى الركون المطلق. ولا التزام المجاراة المطلقة. وإنما نعرف كيف نزع كل سفيه. ونرد كيد كل كائد. ونرغم أنف كل مكابر وإنا لفاعلون. غيور (البيان) جاءت إلينا هذه الكلمة من ناحية كاتب مخلص. حدا به إلى كتابتها صدقه وغيرته على الأخلاق والأعراض إذ رأى تحت سماء مصر بلد المضحكات. وماذا بمصر من المضحكات ... ولكنه ضحك كالبكا نوعاً غريباً من عجائب المخلوقات. ذئاباً في جلود أناس. قد حشروا أنفسهم غصباً واقتسارا بين جماعة الصحفيين. وأبت عليهم خستهم ولؤم غرائزهم. ونضوب معينهم من العلمز

стр. 1050

وإجداب ثراهم من الفضل. وإخصابه عوض ذلك بالحماقة والجهل. إذ هم. كما يعرف ذلك من وقف على جلية أمرهم. ليسوا من العرفان ولا قلامة ظفر. إلا أن يتحرشوا بنا كما تحرشوا بأكبر أفاضل المصريين. ويريدونا على أن نسقط إليهم. وكأنهم لم يسمعوا لا سمعوا ذلك الأدب الآلهي الكريم خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين ثم قول إبراهيم بن العباس الصولي بعد ذلك في مثل هذا الواغل البذيء قل كيف شئت وأنى تشا ... وأبرق يميناً وأرعد شمالاً نجا بك لؤمك منجى الذباب ... حمته مقاذيره أن ينالا عبد البهاء عباس أفندي زعيم البهائيين سننشر في العدد القادم وتواليه في باب أبطال العصر بقية كلامنا على زعيم البهائيين عبد البهاء عباس أفندي. وهنا نقول أن بعضهم غاب عنه غرضنا من الكلام على أبطال العصر وزعموا أنا نقصد بكلامنا على زعيم البهائيين إلى الحوم حول نحلته ولم يريدوا أن يفهموا أنا إنما كتبنا وسوف نكتب عن الرجل كما كتبنا ونكتب عن فولتير ونيتشه وسبنسر وأرسطو وأفلاطون والفارابي وابن سينا وابن رشد وأضرابهم من رجالات العالم إن موافقين لنا في الدين وإن مخالفين. لأنا لسنا في هذا الباب بصدد من الدين وإنما بصدد من العظمة والنبوغ. وبعد فإنا لا نأبه بعويل هؤلاء ما دامت قلوبنا مطمئنة بالأيمان وما دمنا في شغل بما هو أجدى وأراد على القارئين. عن إضاعة الوقت في مناظرة المكابرين. وإن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى. الغرفة التجارية المصرية يرى القارئ في غير هذا المكان صورة سعادة عبد الخالق باشا مدكور رئيس الغرفة التجارية المصرية وهي ذلك المشروع الجليل الذي طالما كانت التجارة المصرية في حاجة إلى تحقيقه وكذلك صورة رئيس الأمة التجارية الانجليزية ونود أن تصبح أهمية الأولى لهذه البلاد أهمية الثانية للشعب الانكليزي في علائقها التجارية وسنعود إلى الموضوع في العدد القادم إن شاء الله.

стр. 1051

مطبوعات جديدة ديوان المازني نعرف صديقنا الأستاذ المازني من نوابغ كتابنا المعدودين، ونعهده كذلك من أكفأ المترجمين، وأشدهم استمكاناً من أدب العربية والانجليزية، وكذلك عرفه قراء البيان مما رأوا له من روائع المقالات، وبدائع الموضوعات، ولعلهم يذكرون معنا جزالة أسلوبه وفخامته في ترجمته كتاب (أميل) ومقال الشخصية والأخلاق ورواية صريع الكأس وكلمته عن ابن الرومي إلى غير ذلك من آثار قلمه. ولقد كنا نقرأ له في الصحف بين حين وحين مقطعات وقصائد كثيرة في أغراض شتى فلم نكن نتأول في خلالها تلك المكانة السامية التي نالها الأستاذ لدى القراء بمقدرته الكتابية واضطلاعه بالترجمة. إلى أن ظهر ديوانه وقد كنا انتهينا من العددين الثامن والتاسع فوعدنا القراء أن سنكتب في هذا العدد العاشر كلمتنا. ونحن على ما بيننا وبين الأستاذ المازني من فرط الود وشدة الإخلاص ومتانة الصداقة وارتباطه البليغ بالبيان، على اعترافنا بفضله ونبوغه. وإقرارنا بأنه من أركان الأدب في مصر، ولا يسعنا إلا أن نبدي رأينا غير مريدين أحداً على أن يراه، إذ لكل إنسان رأيه، ذلك أن ديوان المازني ظهر قبل أوانه، وخرج من كمه قبل أبانه، وكان أحق بأن يختمر في نفس صديقنا ويطمئن في وجدانه. وكان أولى بالأستاذ أن يأخذ في نظمه، ويسكن إلى وصف مشاعره حتى يسكن سواد القراء إليه وإلى قصائده، ويرتقبوا اقتناءها، وينتظروا بشغف احتواءها، ويلهجوا بمديحها والاستهتار بها على نحو ما فعل شوقي وحافظ والرافعي لعهدنا هذا، وعلى ما نحو ما يفعل شعراء المغرب، إذ يسارع الشعب إلى جمع دواوين الشعراء، ولا يسارعون هم إلى طبعها على غرة من الفراء. ولو لم يكن الأستاذ المازني قد أصاب مكانة سامية من نفوس الناس قبل طبع ديوانه، ولو لم تكن قد تجلت لهم شخصيته وكفايته من قبل، ولولا ما في شعره بعض الآحايين من المعاني السرية التي يخيل إلى القارئين أنها من توليد الأستاذ وابتكاره، والألفاظ النقية التي هي متاع مشاع لجميع الشعراء ولا تكاد تتفاضل فيها الشعراء، لما أقبلوا على الديوان ينقدونه ويقرظونه ويحتفلون به هذه الاحتفال الذي نرى.

стр. 1052

هذه كلمتنا لم نشأ أن نكتمها عن صديقنا، وإن كنا نشهد للأستاذ بالفضل والكفاية والنبوغ ونتوقع له أكثر من ذلك وأسمى. هذا وربما كان لنا عودة تكون كالتفصيل لما أجملناه هنا نرجو أن ننشره في أحد الأعداد القادمة إن شاء الله. وللديوان مقدمة من أبدع ما كتب الكاتبون في الشعر ونقده تقع في نحو من ثلاثين صفحة ولا جرم فهو الكاتب المجيد المبدع عباس محمود العقاد. أكثر الله من أمثاله المفكرين. والديوان يباع بمكتبة البيان وثمنه خمسة قروش. الوساطة بين المتنبي وخصومه كتاب جليل، وسفر أدب رائع. ونقد عدل. يعد أحسن درس لجماعة الناقدين في هذه الأيامز أولئك الذين يكتفون في النقد بتحليل العرض دون الجوهر. ولا يتغلغلون إلى صميم الأشياء. ليقفوا على مراميها الصحيحة. ويظهروا الصحيح من بين أثناء الباطل. ويخرجوا الحق من معتزله. لأن الحق يميل أبداً إلى العزلة والسكون. وإذا كانت اللغة الانجليزية تفخر بكتاب النقادة صمويل جونسون في الموازنة بين شعرائها. فخليق بالعربية أن تفخر بهذه الوساطة التي عقدها النقادة العدل أبو الحسن الجرجاني بين المتنبي وخصومه. ولقد كنا نتمنى أن يوفق هذا الكتاب إلى الطبع. حتى حقق أمنيتنا رجل فاضل. وكاتب غيور. هو حضرة المفضال أحمد أفندي عارف الزين. صاحب مجلة العرفان. إذ قام بطبع الكتاب وتصحيحه وشرحه وتبويبه. فأحسن في جميعها. وناهيك بما في ذلك من نفقات ومجهودات. والكتاب يقع في أكثر من أربعمائة صفحة من القطع الكبير. متقن الطبع جيد الورق وإن كان فيه بعض أغلاط مطبعية يفطن إليها القارئ. وهذه أكبر سيئات المطابع في الشرق. ونحن نشكر لرصيفنا الفاضل هذه الخدمة الكبرى التي أسداها إلى اللغة والأدب والنقد. ونحث القراء على اقتناء هذا السفر الجليل. هذا والكتاب يباع في مكتبة البيان وثمنه ١٦ قرشاً وأجرة البريد ثلاثة قروش. الموازنة بين أبي تمام والبحتري هذا كتاب آخر. هو خزانة أدب ونقد دقيق. وحكومة عادلة. وضعه شيخ الناقدين أبو القاسم الأمدي. وما يقال في الوساطة يقال في الموازنة. فإن الكتابين في رفعة الشأن أخوان. وفي نصفة المنحى صنوان. وقد طبع للمرة الثانية. ومع ذلك لم يخل من أغلاط مطبعية كثيرة

стр. 1053

يكاد القارئ يختنق من وقعها. وحبذا لو كان الطبع أكثر نظافة. وحبذا لو كان الورق أجود. على أن الكتاب ليس بصغير الحجم. تزيد صفحاته على المائتين وهو بالحرف الصغير. وفي طبعه على غير هذا الغرار. تكلف الكثير من النفقات. فنستحث كل قارئ على قراءة هذا الكتاب القيم. ونرجو له الرواج والانتشار وقد أعاد طبع هذا الكتاب المكتبة الأنسية في بيروت وهو يباع بمكتبة البيان وثمنه خمسة قروش. على مسرح التمثيل هو اسم لسلسلة تلخيصات روائية ونتف أخلاقية اختيرت من أشهر كتاب العالم وقد بدأها واضعها الكاتب الأديب إسماعيل أفندي عبد المنعم في الجزء الأول من هذه السلسلة بتلخيص أشهر مآسي شاعر الدراما الأوحد ويليم شاكسبير، وأسلوب التلخيص رائع واضح، ولعل الكاتب رجع فيه إلى تلخيصات شارلز لام، وحبذا لو عمد في جزئه الثاني إلى ما كتبه ويليم هازلت عن أشخاص هذه المآسي حتى يجمع بين فائدة التلخيص وفائدة التعليق ونحن نشكر لحضرة الملخص عنايته وندعو كل محب للإطلاع إلى اقتناء هذا السفر الجليل. الشرائع صدر في طنطا مجلة بهذا الأسم وقفت صفحاتها على الأبحاث القانونية وما إليها ومديرها حضرة الفاضل الأصولي سعاده بك المحامي وقد ظهر منها حتى الآن ثلاثة أعداد وقيمة اشتراكها في السنة خمسون قرشاً ولطلبة الحقوق بنصف هذه القيمة وتطلب من المطبعة العمومية بطنطا ومن المكاتب المشهورة فنرجو لها الذيوع والانتشار. العائلة المصرية يسرنا أن يقبل الآنسات المصريات المتعلمات على الكتابة في المسائل المصرية والاجتماعية والحيوية، ويتضامن مع الرجال في الحركة الكتابية الحاضرة، وقد قرأنا للآنسة أوليفيا الأقصرية كتاباً أسمته العائلة المصرية جمعت فيه خواطر لها منظومة ومنثورة في موضوعات كثيرة تحوم حول التربية المنزلية والمدرسية وقسوة الآباء وعقوق الأبناء والمرأة المصرية في جميع أدوارها إلى غير ذلك من الموضوعات مما يجعلنا نغتبط بهذه النهضة الشريفة التي تقوم بها فتياتنا وندعو الآنسة المؤلفة إلى متابعة التفكير والكتابة

стр. 1054

والاسترسال في القراءة والبحث والإطلاع ونرجو لباكورتها هذه كل الرواج والنجاح. وهي تباع بمكتبة البيان وثمنها أربعة قروش. الاشتراكية لا يألو حضرة النابغة المطلع سلامه أفندي موسى جهداً في انتهاز أوقات الفراغ لإخراج كتب جليلة الشأن وإن كانت قليلة الحجم يرمي بها إلى تنوير الرأي العام في المسائل الاجتماعية الكبيرة والمذاهب العصرية وقد أردف كتابيه مقدمة السبرمان ونشوء فكرة الله لجرانت ألن، بكتيب جديد في الاشتراكية صدره بلمعة في تاريخها وأفكار مؤسسيها ثم أعقبها بكلمات في مفاسد النظام الحاضر وماهية الاشتراكية وتسلطها على الفكر السياسي في أوروبا فنحمد إليه كتيباته وندعو كل قارئ إلى قراءتها. ميزان الذهب وضع حضرة الاستاذ الفاضل الشيخ أحمد الهاشمي مراقب مدارس فكتوريا الانجليزية وصاحب كتاب جواهر الأدب المعروف بين الطلبة ورواد الإنشاء من التلاميذ كتاباً جديداً سماه ميزان الذهب في صناعة شعر العرب قرب فيه لطلاب علم العروض والمشغوفين بتعلم الأفاعيل والأوزان مثالاً سهلاً يساعدهم على تحقيق طلبتهم ويعينهم على مأربهم من العروض فنرجو له الذيوع الذي هو أهله وثمنه أربعة قروش ويطلب من مكتبة البيان.

стр. 1055

العدد ١٥ - بتاريخ: ٣١ - ٣ - ١٩١٤
следующие страницы →