Полный текст (3 596 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.
стр. 981
والموسيقى والرقص أجزاء لشيء واحد، فصارت على ممر العصور كما نراها الآن منفصلة بعضها عن بعض، وأصبح كل منها فناً قائماً بذاته، وأنك لتجدها حتى اليوم متماثلة متحدة بن القبائل المتوحشة، فإن رقص الهمجيين لا بد من أن يصحبه نشيد متشاكل النغم، وتصفيق بالأيدي وقرع الدفوف، أي أن هناك حركات موزونة وكلمات موزونة ونغمات موزونة، ومن نظر إلى تاريخ الشعوب القديمة الأثرية رأى هذه جميعاً متحدة في الأعياد الدينية، وقد جاء في المدونات العبرية أن نشيد النصر الذي نظمه موسى في هزيمته للمصريين تغنوا به على الرقص وقع الطبول. وكان بنو اسرائيل ينشدون ويرقصون ويتغنون يوم اتخاذهم العجل الذهبي.
ولما كانوا قد أخذوا العجل الذهبي عن (آبيس) معبود المصريين فلا جرم أن المصريين كانوا يفعلون فعلهم في الحفلات الدينية، وكذلك كان اليونان في أعياد آلهتهم وأبطالهم، وكان للرومان أعياد دينية يقيمونها رقصاً وإنشاداً وغناء، وفي بعض الشعوب المسيحية التي جاءت بعد هؤلاء كان الأهلون يقيمون حفلة راقصة منشدة تبركاً بالقديس، وقد بدأت هذه الفنون تنفصل بعضها عن بعض، ثم تنفصل عن الدين في عهد اليونان، فقد اتخذوها بعد ذلك في حروبهم، وابتدأ الشعر والموسيقى مجتمعين ينفصلان عن الرقص.
وأنشأ الشاعر ينظم القصيدة فإن كانت مطولة ألقاها إلقاء، وإن كانت قصيرة غناها.
وكان الشعر مع ذلك يتطور في نفسه ويتدرج تبعاً لتطور العالم وارتقائه، فقد كانت اشعار الإنسان بل الشاعر الأول أناشيد روحانية تدور حول الخالق والخلق. وكان العالم قفراً يباباً، وكان فكر الإنسان مذهولاً متلدداً بين السماء والأرض، فلما زادت الخيرات وخرج الإنسان عن أنانيته وحيوانيته فأصبح حيواناً اجتماعياً، وامتدت حدود الاجتماع فصارت العشيرة قبيلة وصارت القبيلة أمة، وتطورت جماعات المدينة إلى جماعات الأقليم، وتطورت جماعات الأقليم إلى جماعة الشعب، وشرع الكاهن والملك يلعبان دورهما في تاريخ الأنسلية، فأنشئت الأمارات وقامت الممالك، ثم بدأ العالم من جراء التكاثر يزدحم، وراح كل شعب يصطدم بجيرانه، فوقعت من ذلك الحروب والغارات، وولدت الحروب أمثال هوميروس، فكان الشعر هو مرآة لكل تلك الأمور، وانتقل من حد بيان الخواطر والمشاعر إلى وصف الحوادث وتصويرها، فكان منه التاريخ، وتدوين الوقائع، وتسطير
стр. 982
الحكايات والخرافات، ثم دخل العالم بعد ذلك في حال جديدة فتوارت الآلهة أمام العقائد الصحيحة، ووضعت آساس المدنية الحقة، فتحولت أخلاق الإنسان وتهذبت مداركه وأصبح الشعر بعد ذلك أقرب إلى الحقائق وأدنى إلى المعقول.
وكأنما العالم راح بعد ذلك منهوك القوى من أثر المدنيات الأولى، فأقبلت عليه العصور المظلمة، وأرخت عليه سدولها، فنام الشاعر وسكنت أغاريده وتنوسى هوميروس وإلياذته، وفرجيل وإينيادته، وهوراس وشاعريته، وتتابعت عشرة قرون خرس كما يقول كارليل، حتى أنبتت أرض إيطالية دانتي، فأنشأ (الكوميديا المقدسة) وكان في منحاه صدى لفرجيل، وجاء بعده بترارك فنظم ملحمته (أفريقيا) وبوكاسيو وجيوتو ونكولر بيزانو، فكانوا جميعاً طلائع الشعر الغربي، ومرددي الشعر الروماني واليوناني، وتقوضت بهم حكومات الإقطاعاتن وبدأت عبادة جديدة للجمال، وأخرى للعلمن وثالثة للسياسة والمُلك، وأحدثت الآراء الجديدة في الإنسان والحياة ومقاصدها وحقوقها وواجباتها، ومباهجها وآلامها، وفي الدين والعلم وما إليهما مما له مساس بتاريخ الإنسانية، فنشأ من تلكم الآراء الإصلاح الديني الذي قام به مارتن لوثر وكالفن وجون نوكس واراسماس، ونجم عنها النظريات والآراء التي أضرمت نار الثورة الفرنسية الكبرى، ولا يزال أثر هؤلاء الشعراء باقياً في آداب الغربيين حتى يومنا هذا.
وعن هؤلاء أخذ شعراء الانجليز والفرنسيين، واقتفوا آثارهم وآثار الشعر الروماني واليوناني اللذين أخذ عنهما هؤلاء الطليان. وكان معاصراً لهم أول شعراء الانجليز شوسر، فكان له من الأدب الطلياني عالم جديد سمت فيه شاعريته إلى أوجها، وتعلم من جحيم دانتي كيف تكون الروح الشعرية، وتلقن من مقطعات بترارك صناعته، وأخذ عن قصص بوكاسيو وإبداعه في السرد، وكان شوسر يأخذ عناوين قصائد هؤلاء فينسج على منوالها، في أحسن قالب ومكانة شوسر عند الانكليز مكانة امرئ القيس عند العرب، بل أن روحيهما تكادان تتفقان من أغلب الوجوه.
فأنت ترى من ذلك أن الشعر الغربي يرجع مصدره إلى الشعر اليوناني والشعر الروماني. ولم يكن لشعراء الغرب في بادئة أمرهم إلا نوعان من الشعر أخذوهما عن اليونانية أيضاً، وهما الشعر القصصي، وهو ما يعبر عنه في الانجليزية بلفظة والشعر الغنائي، وهو ما
стр. 983
يعبر عنه بلفظة والكلمتان مأخوذتان من اليونانية أيضاً، ومرمى النوع الأول التعبير عن مشاعر الناس وأحوالهم ومرمى النوع الثاني التعبير عن مشاعر النفس، ولكل من هذين أنواع وأقسام. فمنها الشعر الروائي واسمه في الانجليزية كقصيدة شارل هارولد أودون جوان للشاعر بيرون، والشعر الديني كقصائد ملتن، والشعر الفلسفي مثل قصيدة (الأوكسترا) للشاعر ديفس وفيها يصف العالم ويشبهه بالمرقص، وقصائده التي عنوانها أعرف نفسك وقصيدة خلود الروح. والشعر التهكمي كأشعار الشاعر سبنسر، والشعر الصوفي مثل قصيدة إبراهيم كولي عن نفسي والشعر الوطني مثل قصائد درايتون ودانيل وصامويل، والشعر الغرامي كقصيدة امورتي للشاعر درايتون، وأغنية لودج في روسالين، والشعر الحربي كقصيدة موقعة البالطيك للشاعر كامبل، والشعر السياسي كتلك الأشعار التي كانت تنظم في أيام الثورة الانكليزية، والشعر الأخلاقي مثل قصيدة الواجب للشاعر كوبر، والشعر الثوري كشعر روبرت سونى - الشاعر الحمي الأنف الأسم_في الثورة الفرنسيةن وشعر اليأس والحزن مثل قصائد الشاعر القنوط كولوريدج. وجملة القول لم يدع شعراء الغرب فرعاً من فروع الحياة إلا وجالت فيه ناضجة قرائحهمن ومرحت فيه مريعة مخيلاتهم.
ثم أدخلوا على هذين البابين وفروعهما باباً ثالثاً سموه الدراما ومعناه الشعر التمثيلي. ولهذا الباب أقسام وهي الكوميديا ومعناها الروايات المفرحة أو المضحكة. وكان يصحبها في بادئ الامر الرقص والغناء، والتراجيديا وهي الروايات المحزنة، والهستوريك أي الروايات التاريخية.
ولم تكن الدراما أواخر القرن الثالث عشر في شيء من هذه الأقسام بل بدأت في انجلترة بنوع يسمى وهذا النوع يدور حول تمثيل حوادث التوراة والانجيل وأعمال المسيح، وكانوا يمثلونها غالباً في الكنيسة أو بجوارها. ولم يكن الممثلون إلا الكهنة، ثم أخذوا بعد ذلك يمثلونها في القرى، ثم توسعوا في هذا النوع وتصرفوا فيه وسموه وأدخلوا عليه تمثيل بعض قصص عن قديس أو شهيد وكانوا يمثلون هذه جميعاً في يوم عيد الميلاد والأعياد الدينية الأخرى.
وتطور هذان النوعان المرتبطان بعد ذلك حتى كان عهد أدوارد الثالث بين ١٣٢٧ و
стр. 984
١٣٧٧ فأنشأوا نوعاً أخلاقياً جديداً سموه
وأشخاص الروايات التي من هذا النوع هي الفضائل والرذائل مثل الثبات والإرادة والكذب والنميمة وغيرها، ثم أضافوا بعد ذلك أشخاصاً أخرى مثل الغني والفقير والموت، وكان المؤلفون يربطون هذه جميعاً ويصوغونها في قصة بسيطة تنتهي بفوز إحدى الفضائل. ثم توسعوا في ذلك فجعلوا يمثلون هذه في أبطال اشتهروا بها، فيجعلون مثلاً لتشخيص العدل أريستايديس اليوناني المشهور وللقوة هيركيوليس وللفصاحة ديموستنيس وأمثال ذلك، فأنشأوا بذلك مبادئ الدراما الحقيقية.
ثم أشأوا لملهاة الجمهور قطعاً مضحكة يمثلون بها الحياة العامة وسموها ومنها تفرع النوع الهزلي الذي نشاهده في قهاوي الرقص اليوم، ويسمونه
وقد يجمعون كل هذه الأنواع في رواية واحدة، كما جمع شكسبير فروع الشعر القصصي والشعر الغنائي في رواياته التمثيلية.
ثم بدأت الدراما الأصلية، وكانت تنظم شعراً مقفي، يتخللها قطع نثرية، ثم بدأ الشاعر الانجليزي مارلو نظمها شعراً مرسلاً وجاء بعده ويليم شكسبير أنبغ نوابغ الشعر التمثيلي فأفتن في ذلك.
وسما الشعر التمثيلي في انجلترة بشكسبير كما سما في ألمانية بجيث وشيلر وضعفت مكانته بوفاته، وجعل الشعراء بعده يقلدون بدائعه فلم يظفروا. حتى كان عهد ويليم الثالث بعد كرومويل ورجوع الملكية فأخذ مؤلفو الدراما ذلك أسلوب كابرناد وسكوديري من رجالات القرن السابع عشر واقترضوا روايات كورني وراسين مزاحمه وصاحب رواية الأدعياء وموليير أشعر شعراء الكوميديا، وأخذوا عن كورني أسلوبه المسمى بالإرتباطات الثلاث وهي المكان والزمان والحدوث ومعناها أن المناظر يجب أن تكون في مكان واحد، وأن حوادث الرواية يجب أن لا تحدث في أكثر من يوم واحد، وأن لا يدخل في الرواية مالا يختص بإظهار خاتمتها. وتركوا الشعر المرسل ونظموا رواياتهم شعراً مقفى. ولكن الشاعر دريدن وهو أشعر شعراء الملكية في انجلترة عاد فاستعمله.
ولم يشتهر في انجلترة من لروايات بعد ذلك إلا رواية كاتو في عام ١٧١٣ وكان مؤلفها الكاتب المشهور ادين وقد امتدحها فولتير وأثنى عليها خيراً وقال أنها أول تراجيديا فلسفية.
стр. 985
واشتهر القرن التاسع عشر بنوع جديد سموه (الأوبرا) تلازم فيه الموسيقى التمثيل. وتفننوا فيه فاستعملوا نوعاً معروفاً عندهم باسم يتتابع فيه الكلام والغناء والنشيد. ونوعاً آخر اسمه اوبرابوف وهو نوع من الكوميديا.
ومن الذين اشتهروا (بالأوبرات) أمثال فردي وأشهر رواياته ارناني وعائدة وترافياتا. وكانت وفاته عام ١٩٠١ وولد سنة ١٨١٣ ولذلك عمل له في هذا العام التذكار المئيني. وجو نود ودوزنتي وبرليوز وكثيرين.
هذا ما وسعنا اليوم وسنعود في العدد القادم فنكتب في الموازنة بين الشعر العربي والشعر الغربي ثم نأخذ في موضوعنا الذي اعتزمنا إن شاء الله.
стр. 986
نوابغ العالم
عبد الرحمن الداخل
مؤسس الدولة الأموية بالأندلس
وفردريك الأكبر
مؤسس الوحدة الألمانية
عبد الرحمن الداخل
أسلفنا في العدد السابع أن الأمير عبد الرحمن الأموي الذي أفلت من العباسيين ونهد إلى الأندلس سنة ثمان وثلاثين ومائة في خلافة أبي جعفر المنصور، وأسس الدولة الأموية الثانية بعد أن عثر الدهر بالأمويين في المشرق عثرته - نقول أن هذا الأمير بعد أن ذهب إلى الأندلس وظفر بولاتها ثبت قدمه في الملك واستوسق له الأمر واستقر بقرطبة، قال ابن خلدون: ومهد الدولة بالأندلس وأثل بها الملك العظيم لبني مروان وجدد ما طمس لهم بالمشرق من معالم الخلافة وآثارها واستلحم الثوار في نواحيها على كثرتهم هناك وقطع دعوة العباسيين من منابرها، وسد المذاهب منهم دونها وقضى سنة ثنتين وسبعين ومائة وكان يعرف بعبد الرحمن الداخل لأنه أول داخل من ملوك بني مروان إلى الأندلس، وكان أبو جعفر المنصور يسميه صقر قريش لما رأى ما فعل بالأندلس وما ركب إليها من الأخطار وأنه صمد إليها من أنآي ديار المشرق من غير عصابة ولا قوة ولا أنصار فغلب على أهلها وعلى أميرهم وتناول الملك من أيديهم بقوة شكيمة وامضاء عزم حتى انقاد له وجري على اختياره وأورثه عقبه، وكان يلقب بالأمير وعليه جرى بنوه من بعده فلم يدع أحد منهم بأمير المؤمنين تأدباً مع الخلافة بمقر الإسلامومنتدى العرب حتى كان من عقبه عبد الرحمن الناصر وهو ثامن بني أمية بالأندلس فتلقب بأمير المؤمنين على ما سنذكره لما رأى من ضعف خلفاء بني العباس بعد الثلاثمائة وغلبة الأعاجم عليهم وكونهم لم يتركوا لهم غير الأسم وتوارث ذلك بنوه واحداً بعد واحد. وكان لبني عبد الرحمن الداخل هذا بالعدوة الأندلسية ملك ضخم ودولة متسعة اتصلت إلى ما بعد المائة الرابعة. وعندما شغل المسلمون بعبد الرحمن الداخل وتمهيد أمره قوي أمر الجلالفة واستفحل سلطانهم وعمد ملكهم فرويلة بن أدفونش (ألفونس الكاثوليكي ملك استوري) إلى ثغور البلاد فأخرج
стр. 987
المسلمين منها وملكها من أيديهم فملك مدينة لك وبرتقال وبورتور (إحدى مدائن البرتقال) وسمورة وقتشالة (كستيلية) وشقوبية وصارت للجلالقة حتى افتتحها المنصور بن أبي عامر آخر الدولة.
ولما استقر قدم الأمير عبد الرحمن بالأندلس أخذ في بناء المسجد الجامع والقصر بقرطبة وأنفق نحواً من ثمانين ألف دينار وبنى مساجد أخرى كثيرة.
قال ابن حيان: ولما ألفى الداخل الأندلس ثغراً قاصياً غفلاً من حلية الملك عاطلاً أرهف أهله بالطاعة السلطانية حنكهم بالسيرة الملوكية وآخذهم بالآداب. فأكسبهم عما قليل المروءة وأقامهم على الطريقة وبدا فدون الدواوين وعقد الألوية وجند الأجناد حتى اعترف له بذلك أكابر الملوك وحذروا جانبه وتحاموا حوزته ولم يلبث أن دانت له الأندلس واستقل له الأمر فيها.
وخاطب عبد الرحمن قارله (شارل مارتيل) ملك الأفرنج وكان من طغاة الأفرنج بعد أن تمرس به مدة فأصابه صلب المكسر تام الرجولية فمال معه إلى المداراة ودعاه إلى المصاهرة والسلم فأجابه للسلم ولم تتم المصاهرة قال ابن حيان: وكان الداخل يقعد للعامة ويسمع منهم وينظر بنفسه فيما بينهم ويصل إليه من أراده من الناس: قالوا: وكان عبد الرحمن أصهب خفيف العارضين بوجهه خال طويل القامة نحيف الجسم له ضفيرتان أعور أخشم والأخشم الذي يشم ولما ذكر الحجاري أنه أعور قال ما أنشد فيه إلا قول امريء القيس:
لكن عوير وفي بذمته ... لا عور شأنه ولا قصر
قال ابن خلدون: وفي سنة ست وأربعين سار العلاء بن مغيث اليحصبي من أفريقية إلى الأندلس ونزل بباجة الأندلس داعياً لأبي جعفر المنصور واجتمع إليه خلق فسار عبد الرحمن إليه ولقيه بنواحي أشبيلية فقاتله أياماً ثم انهزم العلاء وقتل في سبعة آلاف من أصحابه وبعث عبد الرحمن برؤوس كثير منهم إلى القيروان ومكة فألقيت في أسواقها سراً ومعها اللواء الأسود وكتاب المنصور للعلاء فارتاع المنصور لذلك وقال ما هذا إلا شيطان والحمد لله الذي جعل بيننا وبينه البحر أو ما هذا معناه.
وغزا عبد الرحمن بلاد الأفرنج والبشكنس ومن وراءهم ورجع بالظفر وكان في نيته أن
стр. 988
يجدد دولة بني مروان بالمشرق فمات دون ذلك الأمل وكانت مدة ملكه ثلاثاً وثلاثين سنة وأربعة أشهر، وكان موته في خلافة الرشيد وأمه أم ولد بربرية اسمها راح ومولده سنة ثلاث عشرة ومائة بدير حنا من أرض دمشق وقيل بالعلياء من تدمر ومات أبوه في أيام أبيه هشام سنة ثمان عشرة عن إحدى وعشرين سنة وكفله واخوته جدهم هشام وخلف عبد الرحمن من الولد عشرين منهم أحد عشر رجلاً وتسع إناث.
تلك هي ترجمة عبد الرحمن الداخل كما ذكرها ابن خلدون مع الحذف والزيادة والتقديم والتأخير. ومن وقف على ترجمة هذا الأمير العظيم تجلى له كالشمس في وضح النهار أنه من نوابغ العالم وأعاظم الرجال العصاميين الذين سودتهم نفوسهم، وأهابت بهم إلى العلياء هممهم. بقي علينا أن نصف حال الأندلس في عصر هذا الأمير والممالك الاسبانية التي كانت تجاوره وتناوئه العداء، وحال العرب الاندلسيين في ذلك الوقت وما ندر منهم من الأغاليط التي سببت ضياع هذا القطر الكبير من أيديهم بعد ذلك. وموعدنا العدد القادم إن شاء الله.
فردريك الأكبر
بقلم كبير كتاب الانجليز ومؤرخيهم اللورد ماكولي
٣
وكتب الأمير فردريك كتاباً إلى معبوده فولتير في لهجة العابد، وأجابه فولتير بأجمل أسلوب وأحسن أدب، وتبع الرسالتين رسالات، وأن الرسائل التي دارت بينهما لتعد روساً نافعة لمن يريدون أن يمهروا في صنعة الملق. ويحذقوا فن الإطراء. ولم يكن ليضارع فولتير أحد في إهداء الأماديح. ولم يكن ليسبقه في تقديم التزكيات سباق. وكان يجعل لأماديحه أبداً طعماً شهياً منبهاً. يلذ الأفواه التي سئمت من جاف الثناء. وبرمت بأنماط المادحين.
ومن يد فولتير وحده يستطيع الأمير أن يزدرد سكراً كثيراً دون سآمة ولا ملل.
وكان الصديقان يتبادلان القصائد. ويتهاديان الموائد. ويتقارضان الطرائف. وهذا وفردريك يدفع بكتاباته إلى فولتير. وفولتير يصفق لها. معجباً بها. ويهتف لها مستحسناً. كأنما جمع الله راسين وبوسويه في واحد.
ومن بين منشآت الأمير كتاب له عارض به كتاب ماكيافلي. ونقد حججه. ونقض أدلته.
стр. 989
وتعهد فولتير لعابده أن يحمله إلى المطبعة. وسمياه ضد ماكيافلي فكان كتاباً ممتعاً. حمل المؤلف فيه على سيئات الأغتصاب والأنتهاب والأغتيال والأستبداد والحروب الغاشمة الظالمة. وخلاصة القول أن المؤلف أنكر المساوئ التي ما يبرح يذكر عليها اسمه. وما يفتأ يشهر لها بين الناس أمره.
والملك الشيخ يبرم بين فترة وفترة بملهاة رينسبورغ ويضيق بين آونة وآونة ذرعاً بقصف وريثه وملاعبه. ولمنه كان متخاذل القوى. ضارع الجسم. قد ذهبت مرته. وحانت منيته. ولم يبق له من مباهجه إلا مبهجة واحدة وهي رؤية الأماليد من جنده. وطوال المناكب من عسكره. وهين على المبعد أن ينال قربته. وعلى المسيء أن يظفر بحظوته. إذا هما أتحفا الشيخ بجندي طويل. ومن ثم كان فردريك ابنه يوافيه بين حين وحين بهذه التحف. ويكثر له من تلكم الطرف.
ولقي الشيخ ربه في أوليات عام ١٧٤٠ برباطة جأش وسمو نفس يليقان برجل أحفل فضلاً وأمتع عقلاً. وأصبح فردريك. وكان قد ناهز الثامنة والعشرين من سنه. ملك بروسيا ورأسها. ولم يفهم أحد في بادئة تتويجه معالم أخلاقه. ولكن لم يتلجلج في خاطر امرئ جلس إليه واستمع لحديثه وسمر في ناديه. أو كانت بينه وبين فردريك مراسلة. أن ينكر حفل نصيبه من الكفاءة. ومتع حظه من المقدرة. ولكن الحياة السهلة الشهوانية التي كان يتابعها. وحبه لذَّ المآكل وطيب الشراب. وميله إلى الموسيقى والسمر والحديث والأدب. جعلت الناس يعدونه امرأ شهوة ينبعث في أثرها بروحه وجثمانه. وأن ترنمه بمديح الأعتدال والسلام. وتغنيه بفضل الحرية والسعادة التي ينالها ذو العقل الكبير من إساد غيره. قد غررا ببعض القوم. وكان ينبغي لهم أن يكونوا بأمره أوسع علماً.
أما الذين أحسنوا الظن به فقد كانوا يتوقعون منه (تليماك) آخر. على غرار (تليمام) فنيلون. وتنبأ آخرون بأنهم على أبواب عصر جديد يضارع العصر المديسي. عصر تنتعش فيه دولة الأدب. وتزهر فيه دولة العلم. وتدول به دولة اللهو. ولم يشك إنسان في أن الصاعد أريكة الملك. المتبوىء عرش بروسية. مليك مطلق، له كفاءة حربية خارقة، ومقدرة في السياسة غير مألوفة، ومهارة في الصناعة غير معهودة، ولا خوف يساوره، ولا أيمان يطاوعه، ولا حدب يخالجه.
стр. 990
وأن موجدة فولستاف على تتويج صديقه القديم لم تكن أكبر من الموجدة التي لاقاها صحب فردريك وشربه، وكانوا من قبل ينظرون يوم تتويجه كأنه اليوم الذي يبدأ فيه تاريخ نعيمهم، وعظمتهم ونباهتهم، فلما متع النهار الذي كانوا به يحلمون، ونزلوا بالأرض التي كانوا يظنون أنها حافلة بأنهار من لبن، فياضة بأنهار من عسل ماذى إذ هم عند صحراء تسوخ في فدافدها القدم.
ولقد أهاب فردريك يوماً بأحد أصحابه ناهراً، كفاك مجوناً، وحسبك دعابة! وبدا لهم أن الملك الجديد يشبه أباه في كثير من الأمور، والحقيقة أن هناك فروقاً كبيرة بين الوالد وولده في حدة الذكاء وعظمة الفكر وسرعة الخاطر وحب الملاهي والمناعم والمذاكرة والإطلاع والمظهر والمخبر، ولكن أساسي أخلاقهما متشابهان متماثلان، وأن فردريك ليحكي والده في حب النظام والعمل والشح، ويشابهه في آرائه الحربية وزهوه وخيلائه، وحدثه واحتدامه، وتلهيه بإيلام الناس وإذلال أنوفهم.
وما كانت هذه في الوالد إلا عن سخف في الرأي وضعف في الفكر. وما كانت في فردريك إلا عن حكمة وحزم وسداد، وإليك المثل.
كان فردريك كأنداده الملوك الصيد في عنايتهم بتهذيب جيوشهم وتنظيم كتائبهم، ولكن هذه العناية لم تبلغ إلى حد الجنون، ولم تؤد به إلى فارط الأعطية التي كان يحبو بها طوال الجنود، وكان فردريك في الاقتصاد كما ينبغي لكل أمير أن يكون، ولكنه لم ير كوالده القصد في العيش، والحرص على المال، والغناء بفاسد الأطعمة، من أجل توفير ستة شلنات في العام أو تزيد.
وإنا لنشفق أن يكون فردريك مثل أبيه نزاعاً إلى الشر. وميلاً إلى الأذى، ولكن ذكاء فردريك أعانه على أن يظهر ميله إلى الشر في سبل قواصد وأشكال متقنة.
ولبث قومه وجيرانه في شك من أمره حتى وقعت بعد ذلك أحداث، تجلى فيها صادق خلقه وظهر للناس ما خفي من دخيلته، وبدا لهم ما احتجب من سريرته، إذ لم يكد يمر على ولايته بضعة أشهر حتى لقي ربه شارل السادس، إمبراطور جرمانيا، وآخر أسرة النمسا من الذكران.
لم يعقب شارل السادس ولداً، وكان قبل وفاته في بأس من تخليف أبن يكون وريثه في
стр. 991
الملك. فمن ثم جعل كل همه أن يضمن لأبنته تيجان أسرة هابسبورغ وأرائكها فأصدر لذلك قانوناً جديداً، وسن شرعة حديثة، في وراثة الملك، طبق ذكرها الآفاق، كفل بها لأبنته الأرشيدوقة مارية تريزة، زوجة فرنسيس لورين، حق الخلافة على أملاك آبائه الأولين.
ومكث وزراء النمسا وأساطين ساستها يعملون لمقصد واحد، هو تحقيق توليتها، فلم يتركوا أميراً يعلمون أن له حقوقاً تتأثر بتحقيق هذا القانون إلا استخلصوا منه تنازلاً، وارتضى القانون الشعوب والإمارات التي تنزل على سلطان النمسا وتدخل في حوزتها واجتمعت انجلترة وفرانسة وأسبانية وروسية وبولونية و (بروسية) والسويد ودانيماركة وولايات جرمانيا، على أن يكفلن جميعاً تحقيق هذه المعاهدة، وهكذا عهد بحمايتها إلى شعوب العالم المتحضر، وهكذا اتعد ملوك أوروبا، وتعاهدوا على ميثاق يجب أن يحفظوه وأبرموا عهداً لا ينبغي لأمثالهم أن ينكثوه.
وما كان مركز مارية وسجاياها إلا لتثير في قلب كل رجل كريم الرحمة واعطف والنجدة والإعجاب، وكانت قد بلغت الرابع والعشرين ربيعاً، يزينها الجلال. وتحف من حولها العظمة، وكانت حسنة المعارف قسيمتها، وسيمة الطلعة رقراقتها، حلوة الملامح عذبتها، ناعمةالجرس، مستملحة الأغاريد، جميلة المختلق، كريمة الخلق.
وكانت عفة الثوب، طاهرة الجيب، ما في زواجها لوم ولا عتب، تزوجت من رجل أحبته، وكانت قبل أن يحول الموت بينها وبين أبيها، توشك أن تضع وليداًن فكان فقد الوالد وأعباء الملك وزراء تنوء بحمله وهي في نفاسها وضعفها فشفها من ذلك الحزن وانتابها الأسى، واصفرت وجنتها وذبلت وردتها ولم يكن يجمل بها أن تبتئس، بعد ما ظهر لها أن العدل والإنسانية ورعى الذمم ووفاء العهود ستظهر جميعاً كلمتها وتسأل حقها ومكانتها، وأن العهد استخلصته في رهبة وسكون سيوفي لها في دعة واطمئنان.
وكتبت انجلترة وروسية وهولاندة وبولونية أنهن قائمات على عهدهن، مستمسكات بمواثسقهن، وقال وزراء فرنسة مثل ذلك، ولكن سيدة المجر لم تر في الملوك أخف من ملك بروسية إلى نصرتها ومودتها.
على أن ملك بروسية، مؤلف (ضد ماكيافلي) لم ينشب أن اجتمع رأيه على الخنث بمؤكد أيمانه، ونقض مغلظ أقسامه، وحزم أمره لسرقة الحليف الذي استؤمن عليه، وسلب
стр. 992
الخليص الذي استنصر له، وإلقاء أوربة جمعاء في غمرات حرب دموية. طويلة الآماد، ذهابة بالطارف والتلاد، ولا مطمع له إلا أن يوسع عليه أرجاء سلطانه ويمد في أكناف مملكته، ويرى أسمه في الصحف منشوراً، ويقرأ خبره في الأسفار مسطوراً.
واعتزم أن يؤلف جيشاً عرمرماً في خفية وسكون قبل أن تعلم الملكة بخدعته، وتتهيأ لمناجزته، وتتخفف للقائه، يدفع به على فتح سيلزيا، ليجمع إلى أرضه، تلك الولايات الغنية، المريعة الجناب.
(يتلي)
стр. 993
فصول في التعليم
مسألة التعليم هي اليوم موضوع بحث قادة الأفكار وجبابرة العقول، الذين وقفوا حياتهم، وعصارة ألبابهم، ومهب خواطرهم، على النهوض بشعوبهم إلى أرفع مستوى لتأخذ من الرقي والسعادة الأهلية والمكانة السامية بين متنافس الشعوب ومتزاحمة الأمم، فلا بدع إذا رأينا علماء أوربا ومصلحيها قد تفرغوا اليوم إلى درس مسائل التعليم وتمحيص باطلها، وتوخي أصلح الطرق لها، ووضع أنفع السنن لتهذيبها، وسواد المصلحين مجمعون على مسألة تعميم التعليم العملي ومحو فكرة تقسيم العمل التي سنها الأستاذ آدم سمث أبو الاقتصاد السياسي، والأعتياض عنها بوجوب الرابطة بين العلم والعمل حتى يكون المجتمع جمهوراً من علماء صناع وصناع علماء - ولما كانت سنة البيان أن ينقل أنفع ما كتب كتاب الغرب في أمهات المسائل الاجتماعية والعلمية والاقتصادية وغيرها فقد أخذ على نفسه أن يقف صفحات منه يتناول فيها أهم ما يذهب غليه المصلحون الغربيون في مسألة التعليم وها نحن أولاء بادئون بتخليص مبحث مستفيض نقتطفه من كتاب وضعه مصلح روسي كبير هو البرنس كروباتكين، فقد ألم بهذه المسألة وذهب بها مذهباً صالحاً وإليك مجمل ما تناوله في هذا المبحث الجليل.
الطلاق الحاصل بين العلم والعمل - التعليم العملي_التعليم العام_طريقة جامعة موسكو واستعمالها في مدارس شيكاغو وبوسطن وابردين_تضييع وقت الطلبة من جراء فساد التعليم الحاضر - العلم والصناعة_الفوائد التي تنتج من ارتباط العمل الفكري بالعمل اليدوي. وهذا هو الموضوع.
العلم والعمل
ووجوب اقترانهما
للبرنس كروباتكين المصلح الروسي الكبير
لم يستهن أحد من العلماء في العصور الماضية بقيمة العمل اليدوي، ولا سيما أولئك الذين بذلوا كل جهدهم في تقدم الفلسفة الطبيعية. بل أن منهم من كانو يصنعون عددهم ومراقبهم (تلسكوباتهم) بأيديهم أمثال جاليليه ونيوتون ولايبنتز، ولم يكن العمل اليدوي عند كبار العقول عائقاً لهم عن أبحاثهم الفكرية وإنما كان عوناً لهم عليها، وإذا كان عمال الماضي لم
стр. 994
يجدوا فرصة لتحصيل العلم فقد تنبهت على الأقل عقولهم إلى تنوع الأعمال التي كانت تؤدي في المعامل التي كانوا يشتغلون فيها، وكثيرون منهم جلسوا إلى العلماء ودارت بينهم أبحاث ومناقشات أمثال جيمس وات وريني وبرندلي وغيرهم.
ولكن تغير الآن كل شيء، فقد فرقنا بن العامل بديه بحجة تقسيم العمل، وكان نصيب فئات العمال من التعليم نصيب أجدادهم، وأما العلماء فهم مستهينون بالعمل اليدوي على أنهم يعجزون عن عمل آسهل الآلات. وقد بلغ من احتقارهم العمل اليدوي أنهم يقولون أن ليس من المهم أن يفهم العمال حقيقة الآلات التي يشتغلون بها والقوانين التي صنعت بها وأنه يكفي أن العلماء والمهندسين الفنيين هم الذين يعُنَون وحدهم بتقدم العلم والصناعة.
ولا يفوتنا أن نقول أن هناك من العلماء من يخالف هذا الصنف منهم بل فيهم من كانوا وهم في حداثة أعمارهم صناعاً ولكن ساعدتهم الظروف فنالوا قسطاً من علم وحظاً من معرفة فجمعوا بذلك بين العلم والعمل، ولكن للأسف قليل منهم.
وما معنى هذا الصوت العالي الذي نسمعه في انجلترة وفرنسة وألمانية والولايات المتحدة وروسيا ينادي بالتربية العلمية ويدعو إليها إلا أن يكون مظهراً من مظاهر سخط عام على تقسيم المجتمع إلى علماء ومهندسين فنيين وصنَّاع؟
وخلاصة هذه الشكوى أن تقسيم العمل قد أفقد العامل قواه المفكرة وسلبه قواه المخترعة، وكثيراً ما اخترع في الأزمان الماضية، وقد اخترع العمال في خلال القرن الماضي كل هذه الآلات التي غيرت عالم الصناعة كل التغيير ولكن أصبحت اليوم كل السلطة في أيدي أصحاب المعامل فلم يعد العامل يخترع شيئاً.
إن ما يخترعه المهندسون إن لم يكن خلواً مما يدل على عقل كبير وفكر عبقري فأغلبه غير صالح.
إذن فقد أصبح تعميم التعليم العملي ضرورياً لرقي المخترعات وتعددها ولا مخرج لنا من هذه الضائقة إلا أن نقرن العلم بالعمل ونعتاض عن تقسيم العمل بتعميم التعليم.
تلك هي خلاصة الحركة الحاضرة ومطالبها، ولكن قادة هذه الحركة لم يحسنوا تمحيص المسألة فذهبت آراؤهم شتيتاً من هذر، ونحن نقول أن صالح كلا العلم والصناعة، بل صالح المجتمع بأسره يلزم كل إنسان رجلاً كان أم امرأة أن يتلقى نصيباً من التربية تعينه
стр. 995
على أن يجمع بين إلمام بالعلم وإلمام بالعمل، ولا نريد بذلك أن ننكر ضرورة الإخصاء في فرع من العلوم، ولكننا نقول أن الإخصاء لا بد أن يتبع التعليم العام وأن التعليم العام يلقى علماً فكرياً وعملاً يدوياً، وأن تقسيم في الجماعة إلى عمال بالأيدي وعمال بالأفكار تفريقاً لكلتا القوتين.
والطريقة التي ننادي بها هي أننا نريد من المدرسة أن تكفل للفتى والفتاة نصيباً وافراً من العلم يعينها إذا غادر المدرسة في سن الثمانية عشر أو العشرين على أن يكونا عاملين نافعين للجماعة، وأن تجعلهما ينالان من كل علم نصيباً يساعدهما على أن يأخذا مكانهما في هذا العالم العملي.
ولعل هناك كثيرين يظنون أنني أشتط في الطلب وأتعسف، ويرون أن ما أدعو إليه ليس إلا من قبيل المستحيلات، ولكن أقول لهؤلاء أن ما يتوهمونه مستحيلاً قد تحقق فعلاً ولا يريد إلا التوسع فيه إذ جربت هذه الطريقة في مدرسة الصنائع في موسكو عشرين سنة متتابعة لتعليم مئات من الطلبة، وقد شهد بنجاحها ثقات كثيرون في معارض بروكسل وفيلادلفيا وويانة وباريس.
والطريقة التي سنتها المدرسة هي أنها لا تقبل إلا من تجاوز عمره الخامسة عشر، ولم تطلب منهم إلا أن يكونوا على شيء في الهندسة والجبر واللغة الروسية، وأما الذين تقل أعمارهم عن هذا الحد فقد قبلتهم في فرقها التحضيرية ثم قسمت المدرسة إلى قسمين قسم الميكانيكا وقسم الكيميا وما إليها. وإنا سنقصر الكلام على القسم الثاني والتعليم الذي يتلقى فيه.
ترك الطلبة المدرسة بعد مكثهم خمسة أعوام أو ستة وهم على علم تام بالرياضيات العالية وعلوم الطبيعة والميكانيكا وغير ذلك من العلوم المرتبطة بعضها ببعض ولم يقل نصيبهم منها عن نصيب طلبة أكبر المعاهد الأوروبية وجامعاتهت وكانوا يصنعون بأيديهم دون مساعدة الصناع آلات بخارية وزراعية وعلمية وكلها تعرض للبيع وينالون أكبر الجوائز على صنع أيديهم في المعرض الدولية فكانوا من ثم عمالاً متعلمين تعلماً عملياً، عمالاً تلقنوا علوم الجامعة واكتسبوا ثقة أصحاب المعامل في روسيا.
أما الطرق التي اتبعت في تخريجهم كذلك فهي أن المدرسة لم تشجع طلبتها على حفظ
стр. 996
الدروس والاعتماد فيها على الذاكرة بل كانت تشجعهم على البحث والتقصي المستقلين، وكانت تعلمهم االعلم جنباً لجنب مع وجوه تطبيقه فما يتلقى في حجرة الدرس يطبق في المعمل، وعنوا العناية الكبرى بجعل علم الهندسة الوسيلة إلى ترقية المخيلة والأبعاد في البحث والاستقصاء.
أما التعليم اليدوي فكانت طرقه مختلفة الإختلاف كله عن طرق أغلب المدارس الصناعية إذ اعتبروا الرسم أول خطوة في التعليم العملي حتى إذا أتقنه الطالب نُقل إلى قسم النجارة حيث يتعلم جميع أنواع النجارة الدقيقة منها وغير الدقيقة، ولم يغفلوا أية وسيلة تعين الطالب على أن يفتنّ في هذه الصناعة التي هي أساس كل الصناعات، ثم ينقل الطالب بعد ذلك إلى قسم الخراطة ثم إلى معامل الحدادة ولا يسمح له بدخول قسم الهندسة والميكانيكا إلا إذا جاز هذه الأقسام كلها - وقد أدخلت هذه الطريقة المثلى في مدارس شيكاغو وبوسطن في أمريكا ولكن اقتصر فيها على الجزء العملي. فترى من هذه التجارب سهولة اقتران التعليم العملي الراقي بالتعليم الذي لا بد منه في إخراج عمال مهرة أكفاء.
أن أهم مَعلم من معالم تعليمنا الحاضر - هو تضييع أوقاتنا جزَافاً_فأننا لا نتلقى في المعاهد والجامعة إلا مجموعة من السفاسف والسخافات وإذا كان هناك منها شيء نافع ضيعنا في تحصيله جزءاً كبيراً من وقتنا.
ولا يخفى أن سني الطفولة لا ينبغي أن تروح عبثاً وتذهب باطلاً، فقد أظهر المعلمون الألمانيون أن لعبات الأطفال يسهل أن تصنع بطريقة هندسية حتى تحمل إلى عقول الأطفال شيئاً من المعرفة المادية بالهندسة والرياضيات وأن المسائل التي أتعبتنا أيام المدرسة ليسهل حلها على الاطفال الذين لا يبلغون من العمر أكثر من ثمانية أعوام إذا وضعت في شكل ألغاز لذيذة وفي الواقع لا يستطيع أحد أن يتصور أن كثيراً من العلوم الطبيعية سهلة التلقين إلى الأطفال بل من المستطاع أن تعلم الأطفال قبل سن العاشرة أو الثانية عشر مبادئ العلوم ما عدا علم الاجتماع (طبعاً) ليكتسب الطفل فكرة عامة في الكون والأرض وسكانها وعجائب المخلوقات من كيماوية وحيوانية ونباتية - وتترك قوانينها إلى زمن آخر.
نحن نعلم ما للأطفال من الميل إلى عمل اللعبات بأيديهم وتقليد الكبار إذا شهدوهم في
стр. 997
المعمل أو المصنع ولكن إما أن يريد الآباء أن يعطلوا هذا الميل وأما أن يكونوا بوجه الانتفاع به جاهلين. فإن سواد الآباء يستهينون بالعمل اليدوي ويحقرونه ويؤثرون أن يرسلوا بنيهم إلى دراسة تاريخ الرومان أو تعاليم فرانكلين في التوفير (!) على أن يروهم يشتغلون في عمل (لا يفيد الطبقات الدنيا) كما يقولون.
ثم تأتي سنو الدراسة فيضع مسرعاً سدى - خذ لك مثلاً من تعليم الرياضيات التي يجب على كل إنسان أن يتعلمها لأنها الأساس الذي ينهض فوقه كل تعليم. فترى أن سواد طلبتنا لا يتعلمونها في مدارسنا العليم الحقيقي النافع، وكذلك ترى الوقت يذهب هباءً في تعليم الهندسة على طريقة الاعتماد على الحافظة فلا يكاد التلميذ يخرج من المدرسة حتى ينسى كل شيء ويعجز عن حل أبسط المسائل الرياضية وكذلك الحال في سائر فروع التعليم.
من العين واليد إلى العقل ذلكم هو المبدأ الحق لاقتصاد الزمن في التعليم، وإن في إكراهنا ابناءنا على دراسة العلوم من غير اقترانها بالعمل والتطبيق إكراهاً لهم لهم على تضييع زمانهم، وقتلاً لاستقلال أفكارهم، وخيبة لتعاليمنا. وأن المعرفة السطحية وإعادة الدروس كالببغاء وجمود الفكر - كل ذلك من نتائج طريقتنا الحاضرة في التعليم.
ولسائل أن يسأل إذا كانت هذه الطريقة التي ندعو إليها تأتي بالسرعة المطلوبة للعمل أم لا، ونحن فنقول أنه مهما يكن من بساطة العمل فإن العامل المتعلم قادر على إجادته والإسراع في إنجازه أكثر من العامل الجاهل - تلكم هي السرعة التي تنشدها الإنسانية ويطلبها صالح الجماعة.
حقاً أنني لا أقول أن صلاح التعليم على هذا الطراز التام سهل التحقيق ما دامت الأمم المتحضرة باقية تنوء تحت هذا الظلام الأناني المتبع في الاستثمار والاستغلال. وكل ما تتوقع من ذلك أن نبذل الجهد لتأدية بعض الإصلاح. لنتصور أن جماعة أو مدينة أو أقليماً - يبلغ سكانه على الأقل بضعة ملايين قد سن هذه الطريقة في تعليم أحداثه دون تمييز بين ذكور وإناث. ومن غير أن يسألهم شيئاً في مقابل تعليمهم إلا ما يؤدونه يوم يصبحون من العاملين على ثروتها_لنتصور ذلك ثم دعنا نحلل نتائجها!
أنا لا أصرّ على زيادة الثروة التي تنتج من أحراز جيش صغير من المستثمرين المتعلمين، ولا على الفوائد الاجتماعية التي تحدث من استئصال هذا التمييز الحاصل بين الصناع
стр. 998
المفكرين والصناع اليدويين، ولا أتمسك برغد العيش الذي يضمنه الفرد الواحد إذا لأعين على أن ينعم بقواه العقلية وقواه الجثمانية معاً، ولا على المنافع التي تأتي من تقدير العمل قدرته ورفعه إلى المكان اللائق به في المجتمع بدلاً من أن نطبعه بطابع الاستهانة والتحقير كما نفعل اليوم ولا أريد أن أتناول البحث في زوال الشقاء الحاضر وما يتبعه من شرور وجرائم وسجون وغير ذلك، وجملة القول لا أريد أن أبحث اليوم في هذه المسائل الاجتماعية الكبيرة وإنما أريد أن أبين الفوائد التي تعود على العلم من هذا الإصلاح.
قد يقول فريق من الناس أن في النزول بالعلماء إلى مصاف الصناع انقراضاً للعلم وفناء للعبقرية، ولكنهم إذا تدبروا الاعتبارات الآتية وجدوا أن الأمر على عكس ما يقولون - أي أن في ذلك أحياء للعلوم وانتعاشاً للفنون وتقدماً للصناعة أشبه بنهضة العلوم التي قامت في القرن الخامس عشر ولقد شاع على الأفواه أن القرن التاسع عشر كان زمان تقدم العلوم ونهوضها وأن للقرن الحاضر ما يفخر به، ولكن إذا تدبرنا أن أغلب المسائل التي حلها هذا القرن وضعها وتنبأ بحلها القرن الماضي، ولذلك يلزمنا أن نعترف بأن التقدم لم يكن سريعاً كما كان متوقعاً وأن شيئاً هناك عاقه عن سبيله.
إن نظرية الحرارة ارتآها في القرن الماضي رامفورد وهامفري دافي ثم مضي أكثر من خمسين حولاً قبل أن تعود هذه النظرية إلى عالم العلم ثانية ألم يكن لامارك وجفروي وسانت هيلير وارسماس ودارون وكثيرون غيرهم اعلم بتطور النوع؟ ألم يمهدوا السبيل إلى تأسيس (البيولوجيا) - علم الحياة_على قاعدة التغير والتحول، ولكن مضي نصف قرن قبل أن يتناول أحد مذهبهم. وكلنا يذكر كيف كان طلبة الجامعة يكرهون على آراء دارون إكراهاً، ولقد مضت أعوام وعلم الفلك يتطلب إعادة النظر في نظريات كَنت ولابلاس ولكن لم تظهر حتى اليوم في هذا العلم نظرية أتفق عليها الجميع.
وجملة القول أن كل فرع من فروع العلم ينقصه بحث الآراء الماضية وإعادة النظر فيها وإذا كانت إعادة النظر يعوزها تلك العبقرية التي حركت جاليليه ونيوتون فإنها في حاجة أيضاً إلى جمهور من الصناع العلماء.
وهناك دليل من العلم الحديث يشهد بصلاح الطريقة التي نطلبها للتعليم وهو أنه بينمت الصناعة لا سيما في أواخر القرن الماضي وأوائل القرن الحاضر قد أكثرت من
стр. 999
المخترعات حتى غيرت وجه الأرض كان العلم يفقد بالتدريج قواه المخترعةن والعلماء لا يخترعون اليوم أو قل ما يخترعون.
أو ليس من المدهش أن تكون الآلة البخارية - حتى في مبادئها الأولية_والقاطرة والقارب البخاري والتليفون والفونوغراف وآلة الغزل والنسيج والتصوير بالألوان وغير الألوان وآلاف من دقائق المخترعات لم تخترعها علماء فنيون، وإن لم يكن فيهم من يرفض أن يضع اسمه على أي مخترع منها؟
إن أولئك الرجال الذين لم يتلقوا شيئاً من التعليم وإنما التقطوا من موائد الأغنياء فتاتاً من المعرفة، أمثال سميتون وجيمس وات وستينفن وغيرهم هم - كما يقول سميلر_مؤسسو المدنية الحديثة وواضعوها الحقيقيون.
وتفسير هذه الحقيقة المدهشة أن هؤلاء الرجال عرفوا شيئاً جهله أولئك العلماء - ذلك أنهم عرفوا كيف يعملون بأيديهم.
стр. 1000
الحرية
هذا هو الفصل الثاني من الباب الثاني وعنوانه العدل الاجتماعي من كتاب (العدل والحرية) للستاذ جوبلوت الذي أتحف به البيان الدكتور عبده البرقوقي - وعنوان هذا الفصل (الحرية) وهو مبحث جليل مفيد ضمّنه الأستاذ أحدث الآراء العلمية في الحرية:
العدل وحده غر كاف لبلوغ الخير والرفاهية. إن هو إلا كالإناء الفارغ لك أن تملأه بالطيب وبالخبيث. أو تكيل به الشر والخير. أجل لا إحسان من غير عدل ولكن قد يعدل في الشر فما العدل إلا تقسيم الأنصبة بدون جور ولا إجحاف.
البلاء إذا عم صار عدلاً ولكنه لا يزال خبيثاً، والجدب شقاء ولو تساوى جميع الناس في مقاساة آلامه واحتمال مضضه، وإذا ألقي في النهر نصف غذاء مائة رجل وقسم النصف الباقي عليهم وروعيت شهوة كل منهم إلى الطعام عد هذا العمل عنتاً وجنوناً ولكنه لا يعد من الجور والظلم. أجل، لهم أن يضجعوا من الألم ويستغيثوا من الجوع ولكن ليس لهم أن يشكوا الظلم حيث لم يميز بعضهم عن بعض بل كلهم في الآلام سواءن لم ينل كل منهم إلا نصف غذائه. وإذا روعي في الضرائب الفادحة درجة كل إنسان من الفقر والغنى تصبح عادلة ولكنها تظل آخذة بالرقاب محرجة للصدور. ونحن مهما أسهبنا في ذكر منافع العمل وبالغنا في تعداد فوائده من أنه يشرف الإنسان ويعلي من شأنه ويؤتيه بالخير الجزيل إلا أن العمل المكره عليه ولو كان ضرورياً عناء وبلاء حتى ولو كنا عائشين في المجتمع الذي يحلم به الإشتراكيون حيث كل إنسان يعمل حسب قدرته فلا يوجد فيها فريق ينصب ويشقى وفريق يرفه وينعم. ولقد انحسم الظلم في التجنيد لخدمة الجيش إذ جعلوها الآن إجبارية لا يفلت منها إنسان على أنها ما برحت إحدى المصائب البالغة التي رزئت بها الأمم والأفراد ولو أمن الناس هول الحروب وعاشوا متآخين متحابين لربحت الإنسانية تلك القوى العظيمة التي تستنفذها خدمة الجيوش الدائمة.
وخلاصة ما تقدم أنه لو كانت الآداب مقصورة على العدل لما ساغ لنا أن نرفع أصواتنا بالشكوى من التكاليف التي تنوء بها كالخدمة العسكرية والضرائب المالية إذا روعي العدل في توزيعها. ومما لا شك فيه أنا لا نكتفي بالسعي لتقسيم ما بين أيدينا من السعادة والرخاء وتوزيع الفروض والأعمال حسب ما يقتضيه العدل بل نسعى جهدنا للإكثار من دواعي تلك السعادة وتخفيف الويلات والآلام.
стр. 1001
لقد أضاف هربرت سبنسر على العدل وكنا في الحقيقة غريباً عنهز إذا ضرب زيد عمراً فاقتص منه عمرو بضربه أو لو أتلف زيد مزرعة عمرو فجازاه عمرو بإتلاف مزرعته لما كان في هذا شيء من العدلز ن الإنتقام من المشيء ومجازاة الجرم بالإجرام أفكار الجمعية الإنسانية الساذجة التي كانت ترى من الظلم عدل. أخذت الإنسانية بأسباب الرقي وسارت في طريق التقدم ونشأ في العقول رأي ما زال ينمو ويشرق حتى ظهر أخيراً على لسان فيلسوفنا الكبير هربرت سبنسر إذ يقول كل إنسان حر في أن يعمل تبع إرادته بشرط أن لا يعتدي على حرية غيره ومعنى ذلك أن العدل لا يكون إلا مع الحرية الملتزمة حد الإعتدال وأن التضييق على الحرية غير جائز إلا إذا دعت إليه ضرورة التوازن والمساواة بين الناس. يشدد هربرت سبنسر النكير على تلك البدعة الحديثة في تعريف العدل بالمساواة ويرى أن للعدل ركنين أيجابياً وسلبياً فالأول كل ما كان ضرورياً لحياة الإنسان على وجه الإجمال والثاني يقلل من تلك الحاج ويجدد من قيمتها بسبب أن الإنسان غير عائش بمعزل عن الناس.
ومن رأينا أن هذا المذهب صالح مكين غير قابل للنقد إلا في شكله فأنا لا نرى أن نجعل الحرية داخلة في كيان العدل بل نؤثر أن نعدها الغاية القصوى التي ينتهي إليها العدل فنحن وهربرت سبنسر مجتمعون على أن العدل وحده غير كاف لتحديد الواجب وتشخيصه.
آداب المرء نوعان بصفته فرداً منعزلاً عن العالم وآدابه بصفته عضواً متمماً للمجتمع. فالعدل هو ما يجب عليه التمسك به على الاعتبار الثاني وينبغي لنا أن نبحث عما يلزمه على الاعتبار الأول.
يرى هربرت سبنسر أن غرض الإنسان في الحياة الحرية. أي أن يكون مطلق السراح رخي العنان لا يعوق أعضاءه عن الحركة عائق ولا يمنع فكره عن الرقي مانع وهذا رأي صائب نوافقه عليه ونرى فيه رأياً جامعاً لما يجب على الإنسان باعتباره فرداً وقد خالفنا بعض الكتاب في ذلك حيث قال أن السعادة هي غرض الإنسان في الحياة ومحط رحاله والغاية التي تنتهي إليها آماله.
وهذا رأي مردود فاسد واهي الأساس دعامته تلك النظرية القائلة بأن غرض جميع الأجسام
стр. 1002
الحية الحساسة اقتناص اللذائذ والابتعاد عن الآلام وهذا خطأ بين فما للذة والآلم إلا وسيلتان يستعين بهما المرء كما يستعين بهما الحيوان لبلوغ أغراضه الحقيقية وسبب هذا الخطأ ألتباس الإحساس الجثماني بالشعور النفساني على كثيرين من الناس وعدم إدراك أي فارق بينهما.
إنا لا نرى أصح ولا أدق من الرأي القائل بأن حكمة الألم واللذة تسهيل العمل على أعضاء الجسم للقيام بواجبها أحسن قيام.
ينشأ الألم من فساد إحدى الأجهزة الحساسة أو عن هيجان شديد لا يصبر له والخوف من الألم هو الذي يحمل الحيوان والإنسان على الابتعاد عن العوامل المتلفة وفي أكثر الأحايين لا يكاد الألم يحدث حتى يزول بحدوث حركة مخصوصة فمثلاً ذا أحس الإنسان باحتراق يديه أسرع إلى قبضها وإذا شم رائحة مكروهة حبس أنفاسه. ويغمض عينيه أمام باهر الضوء.
يستعين الحيوان بحاستي الذوق والشم على اختيار غذائه والتفريق بين النافع له والضار فتراه يشتهي النافع ويلتذ بطعمه ورائحته أما الضار فيعافه ولا يقبل رائحته ولا يطيق ذوقه وكذا يفعل الإنسان غير أنه كثيراً ما يرى الإنسان يتجرع السم على حين يصدف عن العقاقير النافعة الصحية ويتألم من تناولها وسبب ذلك أن السموم والعقاقير مواد صناعية ليست بطبيعية ولم يمض عليها زمن كاف لتطور حواس الإنسان حتى تصبح قادرة على نقدها ومعرفة النافع منها والضار ولو أحاطت الكحول بنا كماء الينابيع والأنهار أو كثمر الأشجار وغلات الأرض لفني النوع الإنساني من شربها وانقطع دابره من الأرض فإنها سم قاتل. أو لكانت طبيعة أجسامنا مخالفة لما هي عليه الآن وقادرة على هضمها والإنتفاع بها أو لطبعنا على كراهتها والنفور منها وكم في العصر الحاضر من أمم وأفراد على أبواب الفناء لتفشي شرب الخمرة فيهم إلا أن الطبيعة لا تبقي على غير الصالح القوي والإنسان ذو عقل وإرادة قد يمنعه عقله من تجرع سموم الكحول كما قد يمنعه منها عيافه عنها وكراهته لها ولا يبقى في الوجود إلا رجلان أحدهما مجبول بطبيعته على شرب المسكرات. إن المدمن مهدد في شخصه ونسله؟ تنتابه الأمراض والأسقام، ويقضي عليه بالموت العاجل وأبناؤه يولدون ضعافاً مرضى معرضين لقبول الأمراض فإذا لم يكن العقل
стр. 1003
ناهياً للإنسان عن الشراب قضي عليه بالموت والفناء أو يعافها كما يعاف ماء البرك والمستنقعات.
يتخذ بعض الناس لذتي الحب والطعام غرضين يتطلبونهما لذاتهما ويقصرون سعيهم على الإبعاد في طلبهما ولا هم لهم إلا الإلتذاذ والتنعم بيد أنه قد أثبت الطب أنهما وسيلتان يستعين بهما بعض الأعضاء على إنجاز وظائفها فالغرض الذي من أجله وجدت لذة الحب هو المحافظة على بناء النوع الإنساني والغرض من لذة الطعام هو حفظ حياة الفرد ومن قصر أغراضه على هاتين اللذتين وتطلبهما لذاتهما غير معني بتحقيق الغرض منها عرض نفسه وأمته إلى الموت والفناء ولذا ترى بعض الأمم سائرة الآن في طريق الفناء والإنقراض.
هنا انتهينا من الكلام على الحاسة الجثمانية ونحن بادئون الآن بالبحث في الشعور النفساني من ألم ولذة وقبل أن نخوض في هذا الموضوع لا يفوتنا أن نلاحظ أن الألم النفساني نوعان تعب وملل فالأول حينما يجهد الإنسان قواه لإدراك غرض له ولم ينله والثاني حينما لا تجد مداركنا شيئاً يشغلها ويحملها على القيام بواجبها.
الإنسان مسوق بطبعه إلى الحركة والعمل وإعمال الفكر وهذا ينبيء بأن للحركة قصداً تنشده وللفكر غرضاً يسعى إليه. يفيض القلب حبنا بالعواطف الشريفة ولا يجد من يبذلها له ألا ترى الناس يعمدون إلى أمور تكون ملهاة لقلوبهم وعقولهم إلى أخرى تكون مسرحاً لحواسهم وأعضائهم فالطفل يتخذ من الألعاب ما يدعو إلى الركض والوثب والصياح والفتيان والكهول يلهون بإجهاد عقولهم في اللعب بالورق والشطرنج والفتيات والزوجات اللاتي لا ولد لهن يقتنين الكلاب والقطط لسد فراغ قلوبهن.
يغتبط الإنسان بالعمل وتزداد غبطته إذا وفق إلى الفوز والنجاح. فما أعظم السرور لذي يجده المرء وهو يحاول حل إحدى المعضلات وشعوره بأنه سائر في الطريق القويم يتخطى العقبات ويزيل الشبهات ويستضيء بنور الحقيقة التي أخذت في الإشراق إزاء عينيه ومن أسعد حالاً وأنعم بالأمن من عاشق التقى بمعشوقه يبث إليه وجده وشوقه فيجيبه هذا بالتودد له والعطف عليه ومن جاهد في الحياة وغالب العقبات والصعوبات ونال منها مأربه أحس بالغبطة والسرور فما السرور مقترن بالعمل وإن كان غير داخل في كيانه وأن
стр. 1004
الإنسان ليجد لذة في العمل حتى ولو كان العمل في طلاب اللذة ولكن شتان ما بين اللذتين فلذة اللعب غير لذة الفوز.
لا تعرف النفس إلى السرور سبيلاً إذا كانت طامحة إلى غرض وكان غرضها شيئاً آخر غير السرور قال استورت ميل السعيد من رام غير السعادة بأن سعي مثلاً إلى إسعاد من سواه أو وقف حياته على تحسين حال الإنسانية والتخفيف من ويلاتها وآلامها أو وضع نصب عينيه عملاً نبيلاً يفرغ فيه قواه ومجهوداته لا كوسيلة يتذرع بها إلى غرض آخر بل طلبة سامية وأمنية شريفة. لا تأتي ملذات الحياة إلا عرضاً ولا يقصد إليها قصداً وإنما تقابلنا عفواً في طريقنا حين يكون سعينا مقصوراً على غيرها ألا شد رحالك إليها. وبجميع قواك ومواهبك للحصول عليها ولا تدخرن شيئاً في وسعك إلا بذلته لاقتناصها ومتى بلغتها فستراها من أول وهلة إنها غير مشبعة ولا مقنعةن إنها تتضاءل أمامك كلما دققت فيها النظر وأمعنت في اختيارها. سل نفسك هل أنت سعيد تر السعادة قد ولت مدبرة وإذا أردت السعادة فلا تعمل لشهواتك وملذاتك بل أنشد غرضاً آخر غريباً عنهما وافرغ فيه قواك الجثمانية والعقلية وقف عليه ضميرك ووجدانك وأبذل فيه دمك وحياتك ومتى فعلت ذلك تر السعادة مقبلة عليك مرقرقة فوق رأسك من غير سابق انتظار ولكن أحذر من أن تتخيلها في ذهنك أو تسعى لإدراك كنهها وحقيقة أمرها أو تسائل نفسك عن نصيبك منها فإنها لا تلبث أن تفلت من يديك وتفر من وجهك.
وخلاصة القول أن متاع النفس في الحياة حريتها في إظهار قواها والانتفاع بمواهبها وأن اللذة ما هي إلا وسيلة لذلك حتى ولو عكسنا الأمر واتخذنا اللذة مما لنا أفلا تكون السعادة في أن نكون في حل من أمرنا وسعة من إرادتنا لا عارض يمنعنا عن الذهاب مع شهواتنا! وهل هناك أهنأ من حياة ينال الإنسان فيها أو في حظ من سعة المدرك وسمو الفكر، وأوسع مكان وأخصب بقعة لإنماء مواهبه؟
وقد قوبل هذا الرأي بكثير من الاعتراضات. يقول المعترضون إنا نسلم بأن الحرية تكسب المرء أباء وأنفة وتعلي من منزلته في عينه وترفع من أخلاقه وتهديه إلى واجبه وتسوقه إلى التضامن الاجتماعي. أما كونها تسعده فلا نقول به ولا نذهب إليه وحسبك من آلامها أنها تضطرك إلى العمل وتلتقي عليك مؤنة البحث عن أفضل الأعمال وتثقل كاهلك
стр. 1005
بتحملك نتيجة عملك وإلقاء المسؤولية فيه عليك.
وقد أبان ويستوفسكي هذا الرأي بإسهاب وتبيين في رواية له ومضمون هذه الرواية أن المسيح ظهر في أسبانيا أيام محكمة التفتيش وأخذ في دعوة العامة والغوغاء فتبعه عدد عظيم منهم كما كان شأنه في جليلة وظهرت على يديه معجزات كثيرة فأحيا ابنة وردها إلى أمها ولما بلغ خبره محكمة التفتيش أمرت بالقبض عليه وحكمت بإحراقه. وقبل الذهاب به إلى موقد النيران زاره رئيس المحكمة وقال له وحتى لو كنت حقيقة المسيح بنفسه فلا بد من إعدام حياتك وإزالة وجهك من على الأرض إلا لا يمكنك أن تزيد شيئاً على ما قلته لو فعلته أيام كنت في جليلة إذ لا حق لك في ذلك فقد نزلت عن كل شيء للكنيسة وخولت لها الحل والعقد والتحليل والتحريم أن ما تبشر به الآن وتنشره بين الناس يفسد عليك عملك الأول الذي خلفته لنا وهي الأساس والبناء فرفعنا أركانه وقومنا أوده نعم إن الفضل في ذلك لتلك السلطة الواسعة التي منحتها إيانا ألست أنت الذي وهبت الناس الحرية وهم لا يستحقونها ما أشد ألم المرء وعذابه من تركه حراً وسلبه ما كان يخضع له ويذعن إليه أنك لا تعرف الإنسان ولا تدري حقيقة أمره وتظن فيه فوق ما يستحقه إن الإنسان ضعيف خوار أأنت الذي تحبه أكثر من نفسك: إلا أنه لا يوجد في قلبك ذرة من الرأفة به والرثاء لحاله. الشك والقلق والشقاء تلك هي الحظوظ التي نالها من جراء آلامك وعذابك فعلى من يرجع باللائمة إذا لم تطق النفوس صبراً على منحك وعجزت عن النهوض بها والقيام بأعبائها! إن من حسن حظ الإنسانية أننا وبيدنا ذلك السلاح القوي وتلك السلطة الواسعة التي خلفتها لنا فأصلحنا خطأك وقومنا بناءك على أساس متين من الرهبة والجبروت وخلب العقول بالمعجزات فأسرع الناس إلينا أفواجاً لائذين بنا مستصرخين مما انتابهم من الجور والأذى فأمرنا بإلقاء الحرية عن كواهلهم فطرحوها تحت أقدامنا ورجعوا خفافاً فرحين مستبشرين وعادوا إلى سيرتهم الأولى من الخضوع والخشوع والإنقياد الأعمى كأنهم قطيع من الغنم وبهذا خلصوا من هبتك الملعونة التي أورثتهم الغم والهم: فسكت المسيح ولم يحر جواباً.
أجل إن من يقطع مرحلة كبيرة من عمره في الأسر والاستعباد ثم يرى نفسه بعد ذلك مرخي العنان مطلق السراح يجد في الحرية حملاً ثقيلاً ينوء به ولا يستطيع النهوض به
стр. 1006
من اعتاد تسليم غيره ذمام عقله لا يفكر بنفسه ولا يسير خطوة إلا بمشورة سواه وبدون سابق وعيد ونذير يتخلف عنه قواده ومرشدوه ويتركونه وحيداً تجمع به الحرية وتلقيه في الردى ويشعر بألم عظيم وعذاب شديد ولا يجد له مندوحة عن البحث عن سيد آخر ليلقي عن كاهله عبء البحث والاختبار ويحمل عنه تبعة عمله أنه لا يكفي لتحرير الإنسان كسر قيوده وأغلاله ولا يدهشك من سجين قضى حياته موثق الساقين أن يتخاذل في مشيته حين إخلاء سبيله أتأخذه فجأة وعلى غرة من الليل الدامس الذي كان فيه مدة سجنه إلى النور الساطع ثم نقول أنه لا يبصر ولا يرى إلا أن الحرية ليست أمراً سلبياً فقط وليس بكاف لتحرير الناس تخليصهم من الأسر. أن الحرية تضاعف من قوى المرء وتزيد من كفاءته وتجعله يشعر بلذة في العمل ويرى الشرف كله في تحمل أوزار عمله.
لندع الناس أحراراً يعملون على إسعاد أنفسهم بأنفسهم ولا نأخذ على عاتقنا عبء هنائهم وسرورهم ويجب علينا أن نمدهم بمعونتنا ونقرضهم قوانا ومداركنا ولا ندع لنفسنا سبيلاً إلى منافرتهم والأخذ بتلابيبهم وسوقهم إلى السعادة مكرهين بل يجب علينا أن نقف عند حد المساعدة فندعهم وشأنهم يعملون لسعادتهم وسرورهم فما كان الحامل لتلك المظالم الي حلت بالعالم على يد النبلاء ومحاكم التفتيش والأرزاء التي رجم الناس بها الملوك الطغاة المستبدون إلا إسعاد النوع الإنساني والسعي لراحته ورفاهته.
стр. 1007
فكاهات
التذكرة الصفراء
بقلم أحد كبار روائي الانكليز العصريين
منظر القصة في موسكو هناك عند ملتقى الشارع الكبير بميدان تفرسكايةز هناك حيث تمثال بوشكن قائم وعلى ميمنته الدير الكبير.
تلكم هي البقعة الطيبة، والممرح السهل، يخرج إليه عصافيره، ويختلف إليه مع الظلام أطياره، في حسن ريش، وجمال مظهر، يتراوحن في الشارع، على أنوار الحوانيت، ثم يخترقنه دافعات إلى الشارع الكبير، كأشباح تخرج من الظلمات إلى النور ثم تعود.
ذات ليلة في بكرة الشتاء وإبانه، شتاء عام ١٩١٢، كانت تروح بين هؤلاء فتاة قاصرة في ثوب دافئ بسيط، كأثواب الريفيات. مشت ممدودة الطرف إلى السابلة، منهومة العين بالمارة، كأترابها عصافير الليل، تمشي الهوينا مشيهن، وتسير متباطئة سيرهن، وإن لم يكن الوقت وقت الهوينا، ولا الحين حين بطء.
بكر الشتاء الأشهب في مقدمه. وأقبل في غير مقتبله. حتى لقد كان الهواء في نوفمبر يقذف بالجليد هذا والكواكب تتألق في صحيفة السماء. هذا والنجوم تستطع في أديم القبة الزرقاء.
ولم ينشب أن أقبل في الشارع فتى نشأ، يمشي مسرعاً مهطعاً. حتى إذا جاءها وقع البصر على صفحة وجه الفتاة وعينيها. وهي تخطرأزاء نافذة حانوت.
فاستوقفه مرآها وأقبل عليها يسأل. هل تنظرين واحداً؟
فأجابته في سكون - لا أنظر واحداً معيناً.
فعاد يسألها مبتهجاً طروباً. وهل ترضيني؟
فرنت بنظرها إليه ثم أطرقت راضية.
على أن قبولها غير في الحال هيأته. فوقف لديها لحظة حيران متردداً. ومد إليها يده. كأنما يريد أن يأخذ بذراعها. على أنه قبضها وهو يقول. يحزنني أن أكون مضطراً إلى تناول العشاء الليلة مع قوم من عشيرتي. ولقد تأخرت ولكن يجب أن ألقاك. يجب أن نتعدز فإني لم أر حسناً مثل حسنك. وأنا لا أستطيع أن أقضي الليلة معك. يجب أن أذهب الآن. فلا مناص من موعدي. فهل تقبلين أن نلتقي مساء الغد؟
стр. 1008
فهزت الفتاة رأسها مترددة؟
قال متعجباً: ولمه. أني والله أريدك. فقد وجدت لي فيك فتنة. وأنا أريد أن أعرف كل أمرك فعديني أنك ستذهبين الآن إلى بيتك ثم نلتقي ليلة الغد. فعادت تهز رأسها وتقول. لا أستطيع أن أعدك. قال ولماذا ل تستطيعين. أتقبلين أن أدفع إليك ثمن هذه الليلة.
ثم فك أزرار معطفه وأخرج بعض أوراق مالية. فلما رأته الفتاة ارتدت عنه وتراجعت تقول كلا لا أسألك عليه مالاً.
فأجابها كيف لا تطلبين مالاً. حسبك حماقة وسخفاً. وماذا غير المال أتى بك إلى موقفك. هذه عشرة روبلات فاذهبي إلى منزلك وسألقاك غداً الساعة السابعة ونصف من المساء.
فهزت برأسها. ولكنه أمسك بيدها ودفع بالورقة في راحتهاز ثم قال: أنني ذاهب واثقاً من لقائك هنا غداً ولا أظنك. وأنت بهذه السنز تخدعين.
وانطلق مفلتاً ولم تلتفت إليه الفتاة بل وقفت برهة مترددة. ثم أخرجت كيساً لها ودفعت بالورقة في أثنائه وواصلت مشيتها. فتارة تلحظ السابلة. وتارة تقف بخلاعة مصطنعة وخلابة متكلفة. أزاء نافذة حانوت. في باهر الأضواء وساطع الأنوار. ثم لا تلبث أن تتابع مشيتها.
ومضت برهة وإذا برجل آخر يسألها: ماذا تصنعين؟ فرفعت إلى الرجل بصرها وأجابت: لا شيء.
فاسترسل يسألها وهي يماشيها إلى نور الحانوت. ما اسمك؟
قالت وهي تنظر إليه (ربكة)
فأجابها: أنت والله يهودية؟ قد كان يحق لي أن أتوسم يهوديتك في لونك وعينيك النجلاوين. على أن ليس في مظهرك ما يدل على يهوديتك وهذا الأنف الأقنى وأنت لعمري حديثة عهد بهذه الصناعة. أليس كذلك؟
فتقابل النظران
قالت بلى
فسألها هل تأتين لنتعشى سوياً؟
فأطرقت ملبية. قال: وهل أنت خالية الليلة؟
стр. 1009
فأطرقت ثانية. قال إذن فتعالي إلى عشاء طيب وسمر.
ولم تمض لحظة أخرى حى استوقف مركبة يجرها جواد أدهم. وساعد الفتاة على أن تنأخذ مكانها منها. ثم أهاب بالسائق إلى دار الرهبنة. وانطلقت بهما المركبة.
ودار الرهبنة هذه فندق مستجمع شروط الرفاهة والراحة فيه نحو مائتي نوع من الحجرات تتراوح أجورها بين خمس روبلات وبين خمسين في الليلة الواحدة. وتختلف درجاتها من حجرة ذات سرير وأدوات الزينة اللازمة إلى طابق فيه قاعة للجلوس وحجرة للنوم وحمام رحيب. ولهذه الدار ستة عشر مدخلاً لتقل فرصة لقاء من لا تود لقاءه.
وكان الرجل تاجراً ناعم الحال طيب المرتزق. ولذلك تخير طابقاً فخماً. وبينما هما يسيران في أثر الغلام إلى البهو إذ بهما يسمعان دق جرس صغير واستمر في دقه حتى احتوتهما قاعة الجلوس ثم سكت الجرس.
فسألت الفتاة رفيقهاز ما أمر هذا الجرس؟ فأجابها الرجل وهو ينزع عن يديه قفازاته ويبتسم للخادم تلك إحدى عادات هذا المكان. أليس كذلك يا أيفان. إن الجرس يدق ليلفت الزوار إلى أن لا يتركوا حجراتهم حتى يستقر الأضياف الجدد في أماكنهم ولئلا يرى الزائر في طرقات الدار وممشيها ناساً لا يحب أن يراهم. والحق أقول لك. ن كل شيء في دار الرهبنة على أبدع نظام.
فأطرقت الفتاة برأسها مبتسمة ووقفت في بهرة لقاعة. وأمر الرجل متعجلاً كأنه من (زبائن) الدار. بتهيئة الطعام. ولم يكد الخادم يترك الحجرة حتى التفت إليها متعجباً وهو يقول كيف ذلك ألم تنزعي بعد قبعتك. وربطتك؟ وتقدم نحوها كأنما ليعينها.
وأسرعت هي إلى مرآة هناك ورفعت القبعة عن رأسها وأخذت تنظم شعرها. ثم جعلت تنضو عنها ربطتها في رفق. ثم طبقتها بعناية. ووضعتها على المقعد.
وشرع الرجل في الحديث قال. إن لقائي بك الليلة لنعمة عين. فلقد كنت هذا المساء في حيرة من أمري. حتى اهتدى بصري إلى وجهك الجميل فكم سنك يا ربكة؟
قالت ست عشرة.
قال لقد كنت أظن أنك في الربيع التاسع عشر. على أنكن اليهوديات تفرعن أكثر منا نحن الروس. أليس كذلك؟
стр. 1010
فهزت الفتاة منكبيها وأجابت أني لاأظن ذلك.
وقطع عليهما الحديث دخول الخادم بالعشاء. فلم يتكلما إلا قليلاًز فبدئ الطعام باللحم ثم أعقب بالسمك كعادة الروس في موائدهم. فلما انتهيا من السمك. وكانت شهوة الرجل إلى الطعام قد هدأت قليلاًك لاحظ أن الفتاة لم تمس الطعام بعد.
قال: يجب أن تأكلي.
فأجابته لا استطيع فأني لا أشعر بجوع.
قال وهو يصر. ليس هذا بسبب معقول. نحن الناس نعيش بالأكل. ويجب أن تشربي أيضاً. فهل تحبين خمرة الشمبانيا؟
قال ذلك وملأ كأساً منها. ولكن الفتاة قالت بعد أن جرعت منها أن طعمها لشديد ولقد تصاعدت رائحتها إلى أنفي. ولم أر هذه الخمر من قبل.
فقال متعجباًز إذن فأنت قريبة عهد بهذه الصنعة. ومتى كان نزولك بموسكو؟
فبدأ على الفتاة التردد والحيرة ونظرت إليه ثم أطرقت.
قال لا حاجة بك إلى اخباري إذا كنت لا ترغبين.
وقاطعهما الخادم ثانية. ومضت بضع دقائ. ورفعت المائدة. واشعل الرجل لفافة تبغ. وترك الخادم الحجرة لأخر مرة واختلى الإثنان.
وبدأت المداعبة بينهما والمغازلة والمماجنة.
قال الرجل أخيراً. ألا حدثيني متى نزلت بهذه المدينة؟
وكانت الفتاة واقفة إزاءه مشتبكة اليدين كأنها من فتيات المدارس وبدأ عليها أنها قد جمعت أمرها على الكلام.
قالت (في هذا المساء)
فسألها: ماذا تقولين. وللمرة الأولى؟
أجابت: نعم. وللمرة الأولى.
قال: وأين تقيمين؟
فأجابت: هنا
فسألها: وماذا تقصدين؟
стр. 1011
قالت وقد فصلت ديها عن بعضهما ثم شبكتهما. إن لي قصة طويلة وحديثاً عجباً.
قال قصيها. فلا يزال لدينا من الوقت سعة. وأحب أن أعلمها بحذافيرها.
وأدناها منه وشرعت تقص قصتها: قالت جئت من مدينة جورود في القطار والقصة طويلة وكنت أريد من رحيلي من جورود إلى موسكو أن أدخل الجامعةن ولم يسمح بالسفر من جورود إلى هذه العاصمة إلا لثلاث من اليهوديات، وكانت اليهوديات الثلاث اللاتي أُذن لهن قد لازمن الدرس منذ أعوامن وكانت صغراهن في الثلاثين أو تزيد، ولا يؤذن إلا لثلاث على حين أن في جورود آلافاً من الفتيات اليهوديات. وكنت أنا الرابعة، فكان لزاماً عليّ أن أمكث عاماً أو أكثر من عام، ولما كانت والدتي امرأة أرملة، جعلت أحتال عليها واغريها، حتى دفعت إليَّ المال الذي سألت وأذنت لي في السفر إلى موسكو للمذاكرة وطلب العلم.
فسألها الرجل: ولم تطلبين المذاكرة، ولم ترغبين في التحصيل؟ وما فائدة الكتب، وما نفع الأسفار؟ والله ليس في الكتب إلا تعب لساجيات العيون ومريض الألحاظ.
فحدقت الفتاة بصرها في الرجل عجباً ودهشة، إذ لم تتوقع مثل هذا السؤال، فجعلت تفكر في الجواب ثم شرعت تقول: أريد أن أعلم من العلم كثيراً، أريد أن أكون من لدات عظيمات النساء اللاتي أحدثن في العالم أموراً كبرى، ولا أدري ماذا يجول في خاطري من حلو الأمانيّ، وإنما أعلم أن الجهل في هذه الأيام أمر منكر معيب.
قال: وهكذا جئت إلى موسكو؟
فاسترسلت تحدثه بحديثها قالت أجل. في هذا المساء. وكان الليل قد بدأيرخي على العالم سدوله، فذهبت إلى فندق واتخذت حجرة ولوازمها، ولكن قبل أن يرسل أهل الفندق غلمانهم إلى المحطة ليأتوا بحقيبتي وجعبي، جعلوا يسألونني عن جواز سفري (الباسبورت)، فلما أنبأتهم أن ليس في يدي من جواز، تغير رأيهم وقالوا أن ليس لي حجرة عندهم وخير لي أن أذهب. . . فذهبت إلى نزل أرخص أجرة وأريتهم ما لدي يميني من مال، ولكن ما كادوا يعلمون أن ليس لدي جواز السفر حتى لفظوني من نزلهم، وطاردوني إلى بهرة الطريق. . . . فحرت في أمري ولم أدر ماذا أعمل، فأقبلت على سيدة أكلمها. فنهرتني وعاملتني كما تعامل السائلين، وانتهى بي أمري إلى أن كلمت امرأة من أولئك اللاتي
стр. 1012
يخطرن في الطرق ويمرحن، فرقت لحالي، ورثت لأمري، وأنبأتني أني لن أجد في موسكو طولاً ولا عرضاً، مقاماً من غير الجواز، ولما علمت مني أني يهودية أيضاً، حدبت عليّ وعطفت وقالت أني في سوء حال. وأني لن استطيع أن أحصل على (جواز السفر) لأن الشرطة لا تحب اليهوديات، وليس لي من وسيلة إلا أن استخلص (تذكرة صفراء) وهي كما تعلم رخصة البغايا والمومسات.
وقالت لي أنها تستطيع أن تصحبني إلى إدارة الشرطة إذ لا يزال هناك وقت. فلما كنا في الطريق قالت ليس في موسكو شيء أسهل من استخلاص تذكرة صفراء. ولا يتطلب ذلك إلا أن أدخل غير متخاذلة إلى إدارة الشرطة وأدفع خمسة عشر روبلاً وأسألهم تذكرة صفراء ثم أتولى عنهم، وبهذه الرخصة أجد آلافاً من الدور والفنادق تفتح لي أبوابها. وترضى بمقامي بين أهلها. وبدونها أُترك في الطرق إلى برد الشتاء وجليده.
وتوقفت الفتاة إلى الحديث ونظرت إليه ثم تابعته كأنها تحدث نفسها. يرحب بالبغيّ. ولا يؤهل باليهودية في موسكو. في موسكو المسيحية!
فضحك الرجل من قولها وطوق خصرها بذراعيه. ثم قال وهو ضاحك السن. يالك من فاتنة. ثم ماذا حدث لك بعد ذلك؟
فاسترسلت تقول: ذهبت إلى إدارة البوليس وسألت شرطياً هناك عن مكان الحصول على التذكرة الصفراء، فحاول أن ينال قبلة مني. ثم أدخلني حجرة المفتش وجاء المفتش فجعل يسألني عدة أسئلة. فلما قلت أني لم أصل موسكو إلا في المساء حاول أن يقبلني. فأبيت عليه ذلك. ولكنه قال أنه لن يعطيني التذكرة الصفراء إلا إذا سمحت له بقبلة. فسمحت له ولكنه طلب مني أن. . . .
فتوليت هاربة من المكان. من غير التذكرة الصفراء. فوجدت أن صاحبتي قد ذهبت. ولم ألبث أن التقيت ببغيّ أخرى. فحدثتها بما حدث وقال أنها لا ترى وسيلة أحسن من أن أذهب مع رجل إلى خلوة لنا واسأله أن يصحبني ضحى إلى إدارة الشرطة. فأُعطى التذكرة الصفراء في الحال. ثم أردفت ذلك بقولها: وإذا كنت تستطيعين أن تدفعي مالاً. فكل شيء في موسكو على حبل الذراع. وكل لبانة في موسكو سهلة ذلول.
ثم استطردت تقول في سكون. كأنما التذكرة الصفراء جائزة تنال على الخلوة.
стр. 1013
قال الرجل غير مكترث. استطيع أن أضمن لك التذكرة الصفراء. ولكن أصدقيني الخبر. هل أنت حقاً بالبغاء حديثة العهد؟
فأطرقت الفتاة.
وراح يسألها. . وهل تريدين أن لا تعودي إلى هذه الصناعة؟
فأطرقت ثانية. ولكن في هذه المرة بسرعة وشوق فمد إليها ذراعيه وهو يقولك يا لها من قصة عجب! أنت يا ربكة سعيدة الحظ بوقوعك في أيد طاهرة وأنا بأمرك في شغل. ولكن من غريب أمري أني لا أميل إلى تقبيل من لا تميل إلى تقبيلي. أليس في ذلك غرابة؟
قال: كلا. با أنها لتبدو لي أمراً طبيعياً. فأجابها مبتسماً. ذلك لأنك لا تزالين بعد صبية. إن ذلك ليس بطبيعي عند سواد الناس. وهل تريدين أن تدخلي هذه الحجرة وتنامي حتى الصباح وحدك؟ وماذا تريدين بي أن أصنع؟ هل أتركك تنامين وحدك. حتى إذا تنفس الصبح أعنتك على نيل التذكرة الصفراء؟ أم تريدين أن أدخل الحجرة معك؟. . .
قال ذلك وهو يشير إلى حجرة النوم.
قال: كلا، ولكن أين تنام أنت؟
أجاب وهو يشير إلى غرفة هناك، أنام هنا، لطالما نمت في مضاجع أسوأ حالاً، وأنبي فراشاً، سأقرأ الصحف التي أتيت بها في جيب معطفي. ولك أن تذهبي فتلزمي سريرك.
قال قوله كأنما يطردها. وأما الفتاة فتقدمت إلى باب الحجرة مترددة. فلما بلغته أنثنت فرنت إليه. فأطرق مبتسماً. ولوّح بيده إليها.
قال: ليكن ذلك. وليهنك النوم.
ولك تلبث أن اختفت في الحجرة وأقفلت الباب ومكث الرجل برهة ينظر إلى باب المخدع وهو يبتسم. ثم تقدم إلى معطفه فأخرج بعض الصحف اليومية. وأشعل لفافة تبغ. وجلس في مقعده يتصفحها.
ومضت ساعة. فساد السكون. وأما الرجل فنضا عنه سترتهن وخلع نعليه. واشتمل في معطفه الكثيف. ثم تقدم إلى باب المخدع وتسمع. فإذا الحجرة في سكون.
ثم وقف برهة ولكنه لم يلبث أن تولى إلى النمرقة فاضطجع. وما مضت بضع دقائق حتى ضرب الله على أذنيه. فإذا هو في سبات عميق.
стр. 1014
واستيقظ الرجل عند الساعة الثامنة. فقام إلى النوافذ ففتحها. ثم دق الجرس. وطلب طعام الفطور. ثم تولى إلى الحمام فاغتسل. وخرج من الدار مسرعاً. في حين أن الخادم يهيء المائدة.
ومضت ساعة فعاد. وعند ذلك تقدم فطرق باب مخدعها. وسمع في الحل صوتها. فدخل الحجرة. فإذا هي إزاءه في كل أثوابها.
فسألها: هل كان نومك الليلة هادئاً؟
فأطرقت ثم رنت بعينيها النجلاوين وقال: أشكر لك مبرتك.
فقال: وهل استيقظت باكرة؟
فأجابت: استيقظت منذ ساعتين.
قال: ياللطائر الباكر في صحوه! ألا تعالي إلى طعام الفطور. فأني آتيك الساعة بنبأ غريب.
ومد إليها يده. فأقبلت عليه طوعاً. وأدنت رأسها الجميل إلى رأسه. فقبلته.
قال: تلك قبلة خير من قبلاتك الأولى. يالله. لقد علمت في أربع وعشرين ساعة كيف تجيدين التقبيل.
فأجابت بجرأة. ما أسهل ذلك وما أهون. إذا علم القلب الشفتين.
فسألها إذن فأنت تحبينني؟
فاستقر لحظها عليه. وأجابت موجزة: أجل. وكأنما أراد أن يتخلص من باعث يتلجلج في صدره. إذ استوى واقفاً. وقال في صوت عادي:
لقد خرجت من الدار أحاول أن أنفعك بشيء
ثم أخرج محفظته وأوراقه فوضعها على المائدة.
واسترسل في حديثه يقول: لقد همتني حالك ليلة الأمس. فأردت خدمتك وأقبلت عليك. وودت لو تميلين إليّ بقلبك. ولا أعلم السبب.
فجاءت إليه ووقفت بجانبه ثم قالت: والله أنها لمكرمة منك. ولكنك تعلم أني إليك أميل؟
فطوق خصرها بذراعيه. وقال: كان ذلك يخطر في بالي. فأردت أن تكوني في هذا البلد طليقة سراح. لا يعسفك من عسفها عاسف. ولذلك خرجت فعمدتك. يا يهوديتي الصغيرة.
стр. 1015
بإسم غير اسمك.
وأخذ في يديه وجهها المشرق الوسيم. فقبلها في شفتيها.
واسترسل يقول. فلست الآن ربكة. بل أنت من هذه الساعة (فره نوفيكوف) فأخذتها الدهشة. ورددت الأسم الجديد.
فأخرج ورقة من بين ثنايا محفظته وقال: أجل. كل شيء في موسكو يشترى بالمال. ولقد ذهبت إلى إدارة الشرطة لأبتاع جواز سفر لك. وقد استخلصته باسم فره نوفيكوف فإنك بهذا الأسم الجديد تستطيعين أن تعيشي في موسكو أين تشائين. وكيف تشائين. لا عسف ولا إحراج ولا إرهاق.
فصاحت تقول: ما أطيب قلبك وما أرق فؤادك!
ولكن لا بد من أن ذلك قد كلفك مالاً كثيراً
قال وهو يبتسم لها. كلا. بل أن الجواز لأرخص ثمناً من التذكرة الصفراء. فقد قلت أنها تساوي خمسة عشر روبلاً. على أني لم أدفع من أجل الجواز إلا أثني عشر روبلاً. فأنت ترين أن جواز السفر أرخص من تذكرة البغاء.
ثم دفع بالجواز إليها.
فأخذته في يدها وقالت في هدوء وسكون. كأنما تخاطب نفسها
بلى. أنه أرخص ثمناً. وأن جواز السفر لا يكلف المرأة ما تكلفه التذكرة الصفراء. . .
стр. 1016
اعترافات سكير
ليس في مناحي الأدب وأبوابه منحى أشد تأثيراً وأعظم وقعاً في نفوس القراء من ذلك المنحى المعروف بالاعترافات، ولقد صدق الشاعر بوب حيث قال: أن أصدق بحث في شؤون الإنسانية هو البحث في شؤون الإنسان: أو ليس معنى الاعترافات أن الكاتب يستقبلك بين ثنايا ضميره. ويرحب بك في أعماق سريرته. ويقبل عليك بأسراره ويفتح لك صدره لتطلع إلى خباياه وأخباره. إن كاتب الاعترافات لا يكتب للساعة التي هو فيها وإنما يكتب للعصور والأجيال. ولا يخاطب رجلاً واحداً وإنما يخاطب الجميع.
وكتابة الاعترافات على نوعين، فالنوع الأول بدأ به روسو فالتزم فيه الحق، ولم يستعن فيه بأبواب الأدب. فكان مطلع اعترافاته.
إذا نفخ في الصور. وقام يوم الحساب. سأذهب وكتابي هذا في يدي. فأمثل في خضرة الملك الأعلى. فأقول عالي الصوت. أي ربي هذا ما صنعت. وهذا ما فكرت وهذا ما كنت. لقد كنت في قول الخير صريحاً كما كنت في قول الشر. لم أقتل من الشرور شراً. ولم أضف على الخيرات خيراً
والنوع الثاني نحاه جوت. فلم تكن له شدة روسو. ولك تكن له صراحته بل جنح فيه إلى شاعريته. واستعان فيه بمخيلته.
ونحن نقدم لقرائنا هذه الاعترافات التي كتبها الكاتب الفكه شارلز لام. فلم يلتزم فيها النوع الثاني كل الالتزام. ولئن بدا في اعترافاته شيء من الأدب والفكاهة. فلا يكون ذلك إلا راجعاً إلى شخصية الكاتب وروحه.
وأن في هذه الاعترافات لعبرة وتذكرة لشاربي الخمر. المكثرين منها والمقلين.
لا حديث للمقلين من الشراب. الصادفين عن الخمر. الراغبين عن الراح إلا النصح للمكثرين باجتنابها. وحث المدمنين على احتوائها. وحضهم على كرهها. ولقد صادفت أحاديثهم وعظاتهم اعجاباً كثيراً. واستحساناً كبيراً. لدى معاقري الماء القراح.
أما المريض الذي له ينصحون. والعليل الذي يطلبون له الشفاء من برحاء العلة، فما بلغت ضوضاؤهم مسمعيه. ولا طرقت أصواتهم أذنيه. أما وقد عرف الداء. فقد ذل الدواء. وهو فليمتنع المكثرون!
وليس ثمت قوة تكره المرء على رفع الكأس إلى شفتيه. وليس من سلطان في الأرض
стр. 1017
يجعل المرء يدني القدح من فمه دون إرادته. وامتناع الناس عن الشراب أمر هين سهل. كالامتناع عن قول الكذب. واجتناب السرقة والانتهاب.
ليس من طبيعة اليد أن تسرق. ولا من شأن اللسان أن يحمل أفكاً. أو يشهد زوراً. أو يقول بهتاناً. وأن زجرة واحدة من الإرادة المهذبة. تكفي لرد اليد عن متاع الناس. وكف اللسان عن الرتع في لحومهم. وتقول الزور والبهتان.
هين على لسان الكاذب أن يخف للحق خفته للباطل. ويبتهج بقول الصدق ابتهاجه بقول الكذب. الذي اعتاد أن ينثر بذوره. وينثر أخاديعه وأحابيله.
ولكن إذا راح الإنسان مدمناً، وغدا في الحياة سكيراً. . . فعلى رسلك. أيها الأخلاقي، الشديد الأسر، المجتمع الخلق القوي الأعصاب، المنيع الرأس، السليم الكبد، ولا تعجل، ولا ترفع عقيرتك لما كتبت، قبل أن تعلم دخيلة الأمر، (وتستطلع) طلع الداء، فإنك ستمزج، إن علمت، بكراهيتك للرجل الرحمة له، وتخلط باشمئزازك من حاله الحدب عليه، وتعارض أنفتك منه بالرأفة به، وهوناً ولا تمش على أطلال المسكين، ولا تطأ بقدميك بقايا الرجل. ولا تكرهه - وهو في مثل عذابه وآلامه_على إحيائه من حالة موت. أشبه بالحال التي لم ينشر منها لعازر إلا بمعجزة.
لو كنت بدأت بتطبيبه. قبل إدمانه. لأفلج الله سهمك. ولكن ليس لك بعلاجه يدان، وكان بدء شرابه كخوض في مستعر النيران. وماذا يجدي القول. وأجهزة الجسم لا بد من أن تتغير تغيراً شديداً يشبه التغير الذي نشهده في أجسام بعض الهوام والحشرات، وماذا ينفع الوعظ. وبدن المريض يسام عذاباً. لا يقل عن عذاب الذي يسامه الحي الذي يغري أهابه. ويسلخ جلده. وأين الاستسلام لهذه العذابات من الإقبال على تلك الشرور التي لم تؤثر في جسم المقبل عليها تأثيراً يصبح من ضرورياته. ولم تغيره تغيراً يعود من لوازمه. ولم تستول على جسم رهينها وروحه؟
لقد عرفت سكيراً في هذه الحال. حاول أن يكف عن الشراب ليلة واحدة. بعد ما فقدت الصهباء لديه تلك النشوة التي كانت تأتي بها. وخلت الشمول من تلك البهجة التي كانت تحدثها، بعد ما وثق من أن الخمر لن تذهب بشجوه بل تثيره. ولن تضع عنه همه بل تزيده، أجل. لقد عرفته في شدة صراعه. ومحاولته التخلص من ميله إلى معاودة الكأس.
стр. 1018
ومراجعة الشراب. يصيح من ألم. ويصرخ من عذاب.
ومالي لا أقول أن ذلك السكير الذي عنه أحدثكم هو أنا، ولا عذر أتقدم به إلى الناس ولا شفيع، بل أنا الذي جررت على طبيعتي هذه النكبة النكباء.
أني اعتقد أن هناك أجساماً قوية. ورؤوساً منيعة، ومعداً حديدية، لا يضيرها إدمان على شراب، ولا يؤذيها اعتياد اصطباح واغتباق، ولا أثر لمعتق الراح، ومصفق النبيذ، وأن جرع أصحابها منها كؤوساً، واشتفوا منها أقداحاً، إلا أن ترنق مشاعرهم، وتكدر مداركهم. ولعلها لم تكن يوماً في صفاء.
لا أريد هؤلاء بحديثي. فالحديث لديهم هباء مضيع. بل أنهم ليضحكون من أخ لهم ضعيف، رام أن يوازن قوته بقوتهم، ويقارن شدته بشدتهم، فرجع من معمعة الكؤوس مذموماً مدحوراً؟ بل عبثاً أريد أن أنصح لهم. وباطلاً أطلب أن أحذرهم خطر الإدمان. وعقبي الإكثار.
بل أسوق الحديث إلى فئة غير فئتهم. وشرب ليسوا من حزبهم. إلى الضعفاء والعصبيين. إلى أولئك الذين يحسون بأنهم بحاجة إلى مقو خارجي يرفع أرواحهم في المجتمع إلى مستوى أرواح الناس، ويكسبهم البهجة التي يرونها بادية على وجوه الجماعة.
ذلكم هو سر جنوحنا نحن الضعفاء إلى الخمر. وتلكم حكمة ميلنا إلى الشراب.
منذ اثنتي عشر سنة. كنت قد أتممت الربيع السادس والعشرين. ولقد عشت منذ تركي المدرسة إلى تلك السن في معزل عن الناس. لا صحب لي إلا كتبي. وإلا رفيق أو رفيقان من عشاق الكتب ورواد العزلة. وكنت أبكر في صحوي وفي نومي. ويخال إليّ أن المواهب التي أتمها الرحمن عليَّ لم تترك فيَّ لتصدأ.
وحوال ذلك الحين وقعت في غمار أصحاب ليسوا على شاكلتي، وليسوا من طبيعتي، رجال ذوو أرواح متقدة مضطربة. ونفوس مهتاجة مستعرة. سهر ليال، وحلفاء أسمار. يقيمون الليل في نزاع وجدل. ويقطعونه في نشوة وثمل. على أن فيهم مخائل نبل. ودلائل كرم. وديباجة شرف.
كنا ننتدي بعد هدأة من الليل سامرين. ونجتمع ضاحكين ماجنين. وكان نصيبي من سعة المخيلة أربي على أنصبة نداماي. وأجزل من أقسام أصحابي. فكنت أرمي بالنكتة
стр. 1019
فيصفقون لها. وألقي بالمزحة فيعجبون بهاز فلم ألبث أن رحت بينهم مزاحاً صناعاً وغدوت فيهم منكتاً بارعاًز والحال أني أقل الناس استعداداً للمجون، وأبعدهم عن المزاح. لعي يصيبني إذا أردت كلاماً. وحصر يلازمني إذا رمت حديثاً، وعارض عصبي يبدو على إذا تكلمت.
أيها القارئ إن كنت عصبياً مثل. فنشدتك الله كن كيف شئت. ولكن حذار أن تصير مزَّاحاً. فإذا جنحت بك شهوة للنكت. ونزعت بك نزعة إلى المزاح. ورأيت الخواطر تهجم عليك، وشهدت طريق الأفكار تتنازعك، وإزاءك كؤوس وقوارير. فاجنب نفسك شرها، واحذر ويلها، حذرك أفجع النكبات. وأخش ضرها، خشيتك أفدح المثلات. فإن لم تستطع أن تستحق سلطان مخيلتك، فانزع بها منزعاً قصداً، وارسلها في غير هذا المنحى، أكتب مقالاً، أو أنشئ فصلاً، أو دبج وصفاً، ولكن حذار أن تطاوعها، فتكتب كما أكتب الآن، والدموع تنحدر على خديك، وشؤونك تفيض فوق وجنتيك.
وأن تكون موضوع رحمة الصديق، ورهين سخرية العدو، وأن يلحظك الغرباء، بالعين النكراء، وأن تروح مطمح أنظار السخفاء، وملقى أبصار الأغفال السفهاء، وأن تظن غبياً، في حين لا تستطيع أن تكون ذكياً، وأن يصفق لذكائكن ويهتف لظرفك، على حين وثقت من غباوتك، وتبينت في نفسك برود نكتتك. وأن تدعي للمزاح، وما بك من مزاح، ويطلب إليك المجون وما بك من مجون. ويغرر بك. ليسخر منك، وأن تنطلق تطلب للناس الفرح، فتجر عليك أشد البغضاء، وتنبعث تبحث عن اللهو فتعود بأعظم الشحناء، وأن تمشي إلى الناس بالسرور. فيؤجروك شراً ويهمزوك حقداًز وأن ترهن أصباح آلام من أجل إمساء جنون، وتضيع فسحت زمانك، وخلوات أيامك، لتؤجر عليها نزراً من تصفيق. وقليلاً من أعجاب - تلك هي الأجور التي تنالها على مزاحك. والجعول التي تعطاها على موتك.
ولكن الدهر. له ضربة صدق تنقض كل رابطة لا يمسكها إلا سبب مثل الخمر واه، كان أحنى عليّ من نفسي، وأعطف علي من حزمي، فرفع عني غطائي، فابصرت بأخلاق صحبي. وشاهدت خلالهم، فمضيت عنهم. وانصرفت عن ندواتهم. واحتجبت عن سمرهم. ولم يبق لهم عندي إثارة ود. ولا أثر عهد. إلا شروراً أخذتها عنهم. وإلا عادات تلقنتها منهم. ما برحوا على تلك الشرور متوفرين. وما زالوا بتلك العادات قائمين.
стр. 1020
ولم ألبث أن كان لي أصحاب غيرهم. أناس أهل فضل مضمر ومشهود. وقدر باطن ومعدود. ولئن بدا لي أن تعرفي لهم قد كان شراً على وويلا. فلا أدري أن يقضي الله أن تعود حياتي سيرتها الأولى. هل استطيع أن أفر من أذى ودهم. متنازلاً عن مغانمه. مضيعاً مرابحه.
لقد جئتهم يعلوني لهب أبخرة الصحبة الأولى. فكاد أقل وقود يدفعون به إلي كافياً لإشعال ناري. لأرود بها حالة أخرى.
ولم يكونوا حلفاء مدام. ولا جلساء ندمان. بل كان فيهم إثنان بالتبغ مولعان. الأول من عادة لزمته. والآخر من عادة ورثها عن أبيه. وكأنما تخير الشيطان للموجع من ذنبه. التائب من إثمه. أحسن الأحاييل لأيقاعه. وأخدع الأشراك لاصطياده. وكأني كنت بانتقالي من تجرع كؤوس تلك النار السائلة. واشتفافي أقداحاً لها وعساسا. إلى نفخ ذوائب من دخان التبغ. أخدع الشيطان وأتغفله. وأكيد له وأماكره.
ولكن الشيطان يظلم لنا إذا أردنا خلوصاً من شديد العقاب إلى خفيفه. ومن مبرح الألم إلى طفيفه. وأنه ليسعفنا إذا أردنا من آلامنا بديلاً. وإننا لنطلب الإنصراف عن منقصة لنا قديمة، إلى معجزة، فيكيل لنا الكيل كيلين. ويلزمنا منها ضعفين. وكذلك أقبل على شيطان التبغ. يسعى وراءه سبعة شياطين. كلهم ألعن منه. وكلهم أعظم شراً.
ولولا أني أشفق من سأم القارئ. لتنقلت معه بين الحالات التي اعتدت. والعادات التي التزمت. من ولع بالتبغ والجعة. إلى تدرج في معاقرة خفيف الشراب. ومن أقبال على المشعشعة بالماء. الشديدة السورة. إلى شرب خمور ممزوجة تحتوي مقداراً كبراً من خمرة (العرق) أو من سم شبهها. وكنت أقل من مزاجها حتى صرت أجرعها صرفاً.
بل أني لأعنت القراء. وأخشى أن أكون عندهم غير مصدق. لو قصصت عليهم فعل التبغ وتأثيره. وأنبأتهم باستسلامي لسلطانه. وذلتي لمفعوله. كيف أني وكنت أشعر بعد اعتزامي الخلاص منه. وإجماعي على الخروج عليه. أن في ذلك جحوداً لنعمته. وكفراناً بصداقته. وخيانة لعهده. وكيف كان يقبل علي يسألني حقاً ضيعته. ويمشي إلي يطلب وداً صرفته. وكيف كنت أنكب على إصرار الأسابيع على مقاومته. إذا التقيت بذكره اتفاقاً في رواية، أو قرأت له عرضاً وصفاً في كتاب، وكيف كان يتمثل لي بعد منتصف الليل خياله، ويتراءى
следующие страницы →