Полный текст (3 596 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.
стр. 1051
مطبوعات جديدة
ديوان المازني
نعرف صديقنا الأستاذ المازني من نوابغ كتابنا المعدودين، ونعهده كذلك من أكفأ المترجمين، وأشدهم استمكاناً من أدب العربية والانجليزية، وكذلك عرفه قراء البيان مما رأوا له من روائع المقالات، وبدائع الموضوعات، ولعلهم يذكرون معنا جزالة أسلوبه وفخامته في ترجمته كتاب (أميل) ومقال الشخصية والأخلاق ورواية صريع الكأس وكلمته عن ابن الرومي إلى غير ذلك من آثار قلمه.
ولقد كنا نقرأ له في الصحف بين حين وحين مقطعات وقصائد كثيرة في أغراض شتى فلم نكن نتأول في خلالها تلك المكانة السامية التي نالها الأستاذ لدى القراء بمقدرته الكتابية واضطلاعه بالترجمة. إلى أن ظهر ديوانه وقد كنا انتهينا من العددين الثامن والتاسع فوعدنا القراء أن سنكتب في هذا العدد العاشر كلمتنا.
ونحن على ما بيننا وبين الأستاذ المازني من فرط الود وشدة الإخلاص ومتانة الصداقة وارتباطه البليغ بالبيان، على اعترافنا بفضله ونبوغه. وإقرارنا بأنه من أركان الأدب في مصر، ولا يسعنا إلا أن نبدي رأينا غير مريدين أحداً على أن يراه، إذ لكل إنسان رأيه، ذلك أن ديوان المازني ظهر قبل أوانه، وخرج من كمه قبل أبانه، وكان أحق بأن يختمر في نفس صديقنا ويطمئن في وجدانه. وكان أولى بالأستاذ أن يأخذ في نظمه، ويسكن إلى وصف مشاعره حتى يسكن سواد القراء إليه وإلى قصائده، ويرتقبوا اقتناءها، وينتظروا بشغف احتواءها، ويلهجوا بمديحها والاستهتار بها على نحو ما فعل شوقي وحافظ والرافعي لعهدنا هذا، وعلى ما نحو ما يفعل شعراء المغرب، إذ يسارع الشعب إلى جمع دواوين الشعراء، ولا يسارعون هم إلى طبعها على غرة من الفراء.
ولو لم يكن الأستاذ المازني قد أصاب مكانة سامية من نفوس الناس قبل طبع ديوانه، ولو لم تكن قد تجلت لهم شخصيته وكفايته من قبل، ولولا ما في شعره بعض الآحايين من المعاني السرية التي يخيل إلى القارئين أنها من توليد الأستاذ وابتكاره، والألفاظ النقية التي هي متاع مشاع لجميع الشعراء ولا تكاد تتفاضل فيها الشعراء، لما أقبلوا على الديوان ينقدونه ويقرظونه ويحتفلون به هذه الاحتفال الذي نرى.
стр. 1052
هذه كلمتنا لم نشأ أن نكتمها عن صديقنا، وإن كنا نشهد للأستاذ بالفضل والكفاية والنبوغ ونتوقع له أكثر من ذلك وأسمى. هذا وربما كان لنا عودة تكون كالتفصيل لما أجملناه هنا نرجو أن ننشره في أحد الأعداد القادمة إن شاء الله.
وللديوان مقدمة من أبدع ما كتب الكاتبون في الشعر ونقده تقع في نحو من ثلاثين صفحة ولا جرم فهو الكاتب المجيد المبدع عباس محمود العقاد. أكثر الله من أمثاله المفكرين.
والديوان يباع بمكتبة البيان وثمنه خمسة قروش.
الوساطة بين المتنبي وخصومه
كتاب جليل، وسفر أدب رائع. ونقد عدل. يعد أحسن درس لجماعة الناقدين في هذه الأيامز أولئك الذين يكتفون في النقد بتحليل العرض دون الجوهر. ولا يتغلغلون إلى صميم الأشياء. ليقفوا على مراميها الصحيحة. ويظهروا الصحيح من بين أثناء الباطل. ويخرجوا الحق من معتزله. لأن الحق يميل أبداً إلى العزلة والسكون. وإذا كانت اللغة الانجليزية تفخر بكتاب النقادة صمويل جونسون في الموازنة بين شعرائها. فخليق بالعربية أن تفخر بهذه الوساطة التي عقدها النقادة العدل أبو الحسن الجرجاني بين المتنبي وخصومه. ولقد كنا نتمنى أن يوفق هذا الكتاب إلى الطبع. حتى حقق أمنيتنا رجل فاضل. وكاتب غيور. هو حضرة المفضال أحمد أفندي عارف الزين. صاحب مجلة العرفان. إذ قام بطبع الكتاب وتصحيحه وشرحه وتبويبه. فأحسن في جميعها. وناهيك بما في ذلك من نفقات ومجهودات. والكتاب يقع في أكثر من أربعمائة صفحة من القطع الكبير. متقن الطبع جيد الورق وإن كان فيه بعض أغلاط مطبعية يفطن إليها القارئ. وهذه أكبر سيئات المطابع في الشرق. ونحن نشكر لرصيفنا الفاضل هذه الخدمة الكبرى التي أسداها إلى اللغة والأدب والنقد. ونحث القراء على اقتناء هذا السفر الجليل.
هذا والكتاب يباع في مكتبة البيان وثمنه ١٦ قرشاً وأجرة البريد ثلاثة قروش.
الموازنة بين أبي تمام والبحتري
هذا كتاب آخر. هو خزانة أدب ونقد دقيق. وحكومة عادلة. وضعه شيخ الناقدين أبو القاسم الأمدي. وما يقال في الوساطة يقال في الموازنة. فإن الكتابين في رفعة الشأن أخوان. وفي نصفة المنحى صنوان. وقد طبع للمرة الثانية. ومع ذلك لم يخل من أغلاط مطبعية كثيرة
стр. 1053
يكاد القارئ يختنق من وقعها. وحبذا لو كان الطبع أكثر نظافة. وحبذا لو كان الورق أجود. على أن الكتاب ليس بصغير الحجم. تزيد صفحاته على المائتين وهو بالحرف الصغير. وفي طبعه على غير هذا الغرار. تكلف الكثير من النفقات. فنستحث كل قارئ على قراءة هذا الكتاب القيم. ونرجو له الرواج والانتشار وقد أعاد طبع هذا الكتاب المكتبة الأنسية في بيروت وهو يباع بمكتبة البيان وثمنه خمسة قروش.
على مسرح التمثيل
هو اسم لسلسلة تلخيصات روائية ونتف أخلاقية اختيرت من أشهر كتاب العالم وقد بدأها واضعها الكاتب الأديب إسماعيل أفندي عبد المنعم في الجزء الأول من هذه السلسلة بتلخيص أشهر مآسي شاعر الدراما الأوحد ويليم شاكسبير، وأسلوب التلخيص رائع واضح، ولعل الكاتب رجع فيه إلى تلخيصات شارلز لام، وحبذا لو عمد في جزئه الثاني إلى ما كتبه ويليم هازلت عن أشخاص هذه المآسي حتى يجمع بين فائدة التلخيص وفائدة التعليق ونحن نشكر لحضرة الملخص عنايته وندعو كل محب للإطلاع إلى اقتناء هذا السفر الجليل.
الشرائع
صدر في طنطا مجلة بهذا الأسم وقفت صفحاتها على الأبحاث القانونية وما إليها ومديرها حضرة الفاضل الأصولي سعاده بك المحامي وقد ظهر منها حتى الآن ثلاثة أعداد وقيمة اشتراكها في السنة خمسون قرشاً ولطلبة الحقوق بنصف هذه القيمة وتطلب من المطبعة العمومية بطنطا ومن المكاتب المشهورة فنرجو لها الذيوع والانتشار.
العائلة المصرية
يسرنا أن يقبل الآنسات المصريات المتعلمات على الكتابة في المسائل المصرية والاجتماعية والحيوية، ويتضامن مع الرجال في الحركة الكتابية الحاضرة، وقد قرأنا للآنسة أوليفيا الأقصرية كتاباً أسمته العائلة المصرية جمعت فيه خواطر لها منظومة ومنثورة في موضوعات كثيرة تحوم حول التربية المنزلية والمدرسية وقسوة الآباء وعقوق الأبناء والمرأة المصرية في جميع أدوارها إلى غير ذلك من الموضوعات مما يجعلنا نغتبط بهذه النهضة الشريفة التي تقوم بها فتياتنا وندعو الآنسة المؤلفة إلى متابعة التفكير والكتابة
стр. 1054
والاسترسال في القراءة والبحث والإطلاع ونرجو لباكورتها هذه كل الرواج والنجاح. وهي تباع بمكتبة البيان وثمنها أربعة قروش.
الاشتراكية
لا يألو حضرة النابغة المطلع سلامه أفندي موسى جهداً في انتهاز أوقات الفراغ لإخراج كتب جليلة الشأن وإن كانت قليلة الحجم يرمي بها إلى تنوير الرأي العام في المسائل الاجتماعية الكبيرة والمذاهب العصرية وقد أردف كتابيه مقدمة السبرمان ونشوء فكرة الله لجرانت ألن، بكتيب جديد في الاشتراكية صدره بلمعة في تاريخها وأفكار مؤسسيها ثم أعقبها بكلمات في مفاسد النظام الحاضر وماهية الاشتراكية وتسلطها على الفكر السياسي في أوروبا فنحمد إليه كتيباته وندعو كل قارئ إلى قراءتها.
ميزان الذهب
وضع حضرة الاستاذ الفاضل الشيخ أحمد الهاشمي مراقب مدارس فكتوريا الانجليزية وصاحب كتاب جواهر الأدب المعروف بين الطلبة ورواد الإنشاء من التلاميذ كتاباً جديداً سماه ميزان الذهب في صناعة شعر العرب قرب فيه لطلاب علم العروض والمشغوفين بتعلم الأفاعيل والأوزان مثالاً سهلاً يساعدهم على تحقيق طلبتهم ويعينهم على مأربهم من العروض فنرجو له الذيوع الذي هو أهله وثمنه أربعة قروش ويطلب من مكتبة البيان.
стр. 1055
العدد ١٥ - بتاريخ: ٣١ - ٣ - ١٩١٤
стр. 1056
(بسم الله الرحمن الرحيم)
ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير
واللهم لك الحمد على كل نعمة عندنا أوليتها، وعلى كل درجة لنا أعليتها، وعلى ما وفقت من الفضل وأعنت عليه، وما فتحت من العلم ويسرت إليه. فإنه لأفضل إلا ما أسيت وأسديت، ولا هدي إلا ما أرشدت وهديت.
واللهو صلاتك وسلامك على سيدنا محمد أفضل من خلقت، وأفصح من أنطقت، وأكمل من سويته في الخلق إنساناً، وأحكم من أوليته قلباً ولساناً. وعلى آله الأطهار، وأصحابه الأبرار، ومن أخذ بشريعته من الأخيار.
ونضرع إليك اللهم بالدعوات ظاهرةً وباطنة، ونتوجه إليه بالنيات بادية وكامنة، أن تنزل نصرك وتأييدك، وتجزل عونك وتسديدك، لأميرنا المفدى حمي العلم والأدب، وقبلة لغة العرب، (الحاج عباس حلمي الثاني) الذي رفعت فضائل عصره لدولة الأدب أعلامها، وأحيت فواضل مصره في أيدي الكتاب أقلامها.
أما بعد فإنا نتقدم لقرائنا بالثناء على ما لقينا منهم إقبالاً وكرماً ومروءة، والحمد لما شدوا منا معونة وإسعافاً ومؤازرة حتى خطا البيان إلى عصره الثالث أشد ما كان ركنا وأثبت ما كان عزماً وأفسح ما كان خطوة، وهو اليوم يغلق باب دهر ويفتح باب دهر، لأن العام الواحد في حياة المجلات العربية إنما هو آجال وأجيال، وما تقطع المجلة منها عاماً ونبتدئ عاماً إلا ما كانت بحول الله وقوته كأنها تبعث بعثاً جديداً، لتحاسب حساباً شديداً، فإن القراء عندنا وإن كانوا جموعاً غير أنها جموع قلة لا ترد ولا تجدي.
وأعجب ما في أمرهم أن أكثرهم يستمرئ حقوق المجلة ويهضمها ويصيبه العسر كله إذا طولب بها أو بما تيسر منها ولكن لا يصيبه شيء من عسر هذا (الهضم). . . فكيف لعمري يجد صاحب المجلة العربية ما يُغنى من جوع فضلاً عما يسمن من شبع؟.
ولقد خبرنا القراء على طبقاتهم، وداخلناهم على أنواعهم، وبلوناهم بحسناتهم وسيآتهم، فرأيناهم لا يتشابهون إلا في صفة واحدة هم فيها سواسية وإن الذي بينهم في كل ما عداها لمختلف جداً. فأما هذه الصفة فهي الحرص على المجلة وطلبهم إياها بهذا الحرص، وإلحاحهم علينا في هذا الطلب، والتوطئة لما يلحون بما يلبس الأمر علينا من الثناء مستطابا، والدعاء مستجابا، وملء الكتاب فخراً بنا وإعجاباً،. . . وأما بنعمة ربك فحدث.
стр. 1057
ثم المواعيد العريضة من تأييد (البيان) وشد أزره، (والاشتراك) في أمره، ولولا التقي لقلنا على طبله وزمره. . . ثم ما شاء الله من قليل وكثير على هذه الوتيرة مما لو صح بعضه واستقام بعضه وفسد الباقي لرأيت (البيان) يدور حول الأرض دورة فلكية مع الشمس في أفق ومع القمر في أفق ولكن متى يستقيم الظل والعود أعوج؟.
ولو أن صاحب مجلة عربية (كالبيان) يجمع مثل هذه الكتب بعضها إلى بعض لقد كان يجمع منها مؤلفاً ضخماً وافر الحشد ممتلئاً من حساب نعمته وثروته، ولكن من ذا الذي يسره أن يجمع على نفسه مع الخسائر التي تذهب عليه حساب هذه الخسائر بالتواريخ والأسماء. . .؟.
تلك هي الصفة التي تسع القراء جميعاً ولا تضيق إلا على صاحب المجلة وحده، وأما الذين يختلفون فيه فأصناف كثيرة إذا نحن مخصناها جميعاً لم نجد زبدتها غير فئة واحدة هي التي يقوم بها العلم والأدب، وهي التي تمثل الروح والمبدأ، وهي التي تمشي بالحاضر إلى المستقبل، وهي التي يضرب بها قلب الأمة وينبض لها نبض التاريخ، وهي طائفة الفضلاء الأجواد التي (يأكل) سائر المشتركين على (حسابها). . .
والفرق بين هؤلاء وهؤلاء أن الفاضل لا ينفك أبداً يعمل على أن يزداد به الفضل وأن يزداد هو فضلاً فلا يدع مجلة أو صحيفة مرجوة الفائدة إلا اشترك فيها (دافعاً) لا مدافعاً ليعين أصحابها على تهيئة المزاج التاريخي الصحيح للأمة، وليكون عاملاً لنفسه مع نفسه ولأمته مع العاملين لأمته. وهو لا يشعر من طبعه بهذا الحس ويعتقد في نفسه هذا الواجب إلا إذا كانت سامي الأخلاق عالي النفس بعيد الهمة. فإن الأخلاق لا غيرها هي التي يشعر بها المرء أنه قطعة من أمته فتأبى له نفسه أن يكون قطعة من تلك القطع الرنة البالية التي تتمزق بكل سبب واه من الأسباب الاجتماعية لأنها أو هي منه فيكون مرآها في الأمة دليلاً ظاهراً من أدلة العدم. وهو يأنف من ذلك ويدعه لمن لا نفس له إلا النفس الحيوانية، تلك التي لا تحس المعاني والعواطف، والتي نعرفها في كثير من قومنا في بعض أدبائنا أيضاً، والتي هي أقوى ما تكون حين تكون في الجلود السميكة. . .
هذا الطائفة - طائفة الفضلاء - هي رأس مال العلم والأدب في كل أمة. وما الربح إلا بنسبة رأس المال كثيرة وقلة، وقد ترى أن صاحب المجلة العربية يستنفد وسعه في الإنفاق
стр. 1058
عليها من كحر ماله ويدأب في العناية بها لا يتني ولا ينثني من اعترضته العقبات وناوأته الصعاب من أمور نفسه ولا يهن ولا يحزن من اعتراه الضعف والتخذيل من أمور الناس، ثم هو مع هذا كله لا ينال من عاقبة الصبر ولا يفيد من جزاء العمل شيء يسمى عوضاً مما بذل، ولا شيء يسمي ربحاً لما أنفق، لأنه إنما يتاجر بعقله في سوق تقل فيها العقول قلة واضحة، وأستغفر الله بل فاضحه.
وما المال الذي يسخر به ويبسط يده فيه ويقرضه ولا يقرضه ليجعل عمله بذلك عملاً إلا إحدى الوسائل في إظهار العقل الذي يتاجر في سوق الأدب بعلمه وتفكيره ونشاطه وقوته، وليس له من وراء ذلك ربح أوفي من أن يوجد في القراء العلم والفكر والنشاط والقوة، أو في القليل حب هذه الصفات العالية، أو في الأقل حب الانتفاع بها، أو في العدم لا حبها ولا بغضها. . . . حتى لا يشكو أصحاب المجلات من أهل المطل وهم الذين لا يحسون شيء من كل ذلك وإن أحسنوا فقهم من الغلظة وخديعة الطبع كأنهم لا يحسون.
وأكثر الناس عندنا: إما ذو مال لا عقل له أو لا عقل له إلا في المال - وذانك بائسان كلاهما في سوق العلم والأدب أفلس من الآخر. وإما ذو عقل ولا مال له وهو حزب الهبوط في سوقنا فلا يتألف إلا من قوم ذوي (عقول وإحساس) وهم الكرام، وهم القليلون، وهم طبقة الفضلاء. فالعقول سبيلهم إلى الرغبة في المجلة النافعة. والإحساس فهو سبيل صاحب المجلة إليهم لا يرهقهم ولا يعنتونه، ولا هو يشكوهم ولا هم يمقتونه، وكلاهما في عون الآخر، وهما جميعاً وهما جميعاً في عون الأمة، وليس بعد الأمة غاية تنتهي إليها محاسن الأخلاق الاجتماعية.
أما غير هذه الطبقة فهم همج هامج، وهم نشر لا نظام لهم وما دخلوا في عمل إلا أفسدوه على صاحبه وكانوا فيه القوة السلبية التي يجهد في رفع إساءتها أكثر مما يجهد في إحسان عمله، ويبتلي من دخائلها بما يغمر ظاهره وباطنه، فلا هم يدعونه يمضي لشأنه خفيفاً مستجمع النشاط مستحصد العزم رخي البال، ولا هم يرفهون عنه بعض أمره بالمعونة. وهم أثقل أمره بقل هم البلاء الحتم والقدر المقضي، وكلما كثروا على صاحب المجلة فسد نظامه واختل أمره وضعفت مادته وأصابه الكبر وله ذرية ضعفاء، وابتلى بالقلة في كل شيء ولا يكون بلاء القلة إلا من كثرة القراء. . .
стр. 1059
نحن نعتقد أن قراء (البيان) خاصة هم في الجملة خلاصة الأمة وإن أكثرهم من ذوي الإحساس الشريف المتفضل فليس في مصر مجلة كبرى غير (البيان) وليس في العربية وآدابها مجلة تسد مسده، ومن أجل ذلك لا يكون عجيباً أن نعد من قراء البيان خلاصة الأمة، بل يكون عجيباً أن لا نعدهم، وما خلاصة الأمة إلا ذوو العقول والإحساس فيها.
غير أننا نعلم أن أكثرهم يستهين بأمر الاشتراك استخفافاً منه بالقيمة لضعفها في بذل يده وكرم نفسه وسخائه وأريحيته فقليلاً ما يجد من تلقاء نفسه باعثاً على المبادرة بها فلا يزال على ذلك ناسياً مستخفاً. وبعضهم على وفائه وشرف نفسه لم يألف بعد نظام الأمم الراقية في معونة صحفها وادخار قيمة الاشتراك مما ينفقون، واعتبارها مما لابد من إنفاقه على أنها من غذاء العقل ومن مؤنة التاريخ الذي تعوله الأمة كلها، فإذا جاء وقتها لا تستأخر عنه ساعة وكانت حاصرة في يد صاحب المجلة أو الصحيفة فلا تنقطع مادته ما بقي في عمله ولا يفتر في عمله ما بقيت مادته وبهذا ينصرف عن الفكر في القراء إلى الفكر فيما يرضيهم، وعن العمل في الطلب منهم إلى العمل في الطلب لهم، فلا يجد في نفسه ما يضطرب له ولا يعدم من نفسه بعد ذلك الحزم في النية وإنما الأعمال بالنيات.
هذان صنفان من قراء (البيان) وكان عندنا ثالث هو الذي لا يحس ولا يستحي ولا يبالي، وكان في عملنا كأنه عضو أشل فبترناه بتراً، وحذفناه حذفاً وطمسنا على آثاره طمساً، وما هو إلا شر لاحق، أو بلاء متلاحق، ولأن نتقدم خفافاً خير من أن نتأخر ثقالاً، ولأن تكون العدة على الأدب فئة قليلة ثابتة خير من أن تكون فئة كثيرة منهزمة.
ونحن نعلن أنه لم يبق للبيان من قرائه غير من يعتز بهم ويستند إليهم ويعتمد بعد الله عليهم من أديب سنى، وفاضل سري، وكريم سخي، غير أننا نسألهم متأدبين سؤال ذي رجاء وثقة، وذي محبة ومقة، أن يذكروا أطال الله بقاءهم أن قيمة الاشتراك ليست من ضرائب المواريث والتركات وأن يعرفوا وقاهم الله أنها ليست من ديون بعض المرابين، وأن يحفظوا أسعدهم الله أنها ليست أموالاً في التجارة، وأن يستيقنوا أغناهم الله أنها ليست مما يشق على أحد أن يجمعه، ولا يفقره أن يدفعه، ولا يغنيه أن يمنعه بل هي على قلتها مادة (البيان) وأساس نظامه، والذريعة إلى تمامه، وهي كل ما نستوجبه على القراء ولا تكاد تفي ببعض حقهم علينا من تحسين المجلة وإتقان موادها وتوفير أصنافها واطراد
стр. 1060
التجويد في نسقها وكتابها وترتيبها وما إلى ذلك مما يضي إلى حد العلة، ويستغرق الوقت كله، ولا تنفع فيه من الجهد ولا من المال قلة.
وليس بين القراء وبين أن يروا من (البيان) نظاماً كنظام المجلات الأوروبية الكبرى إلا أن ينتظم كل واحد منهم في جمع ستين قرشاً من نفقات عامة، لا من نفقات طعامه، ومن حذق يده، لا من رزق غده، وإلا فمما ينفقه على حذائه، لا على غذائه، وما يبذله في لهوه وسرفه، لا ما يدخره لعزه وشرفه. وإلا - وأكرم الله قراءنا - فليس إلا ما قال الأول لعنة الله على الأدب إن كان بائعه مهيناً لن ومشتريه مما كسا فيه.
وهذه المجلة رعاكم الله لا تقوم بعصبية دينية ولا بعصبية قومية تجمع إحداهما عليها أيدي المشتركين غيرة على الدين أو غيرة على الجنس كسائر المجلات العربية الأخرى فليس لها إلا قوة مبدئها ومادتها ولغتها وهي كفيلة لنا بخواص القراء من أهل العقول والألسنة وفيهم الغناء كله والحمد لله لو يأخذون في أمرهم وإن قل بالحزم، ولو يدعون من أنفسهم هذا التهاون بالقليل وهم يعلمون أن السحابة صاعدة غير السحابة هابطة ولكنها إن لم ترتفع قطرة إلى قطرة وذرة إلى ذرة لم تهبط بالرحمة في وابل ولا طل.
و (البيان) فقد عرف الأدباء كافة أنه خزانة الأدب الحديث، وأنه لبس لهم في معناه ما يسده مسده، أو يرد مرده، وأنه على ذلك من حاجة المتأدبين يقوم من ألسنتهم ويرهف من أقلامهم ويشحذ من أذهانهم ويطرح نظرهم مطرحاً بعيداً في التفكير والنقد بما يقلب عليهم من فنون الأدب وأنواع المعاني، وما يهديهم إليه من مناحي الرأي وما يجلوه عليهم من قرائح الفلاسفة وخواطر الأدباء في عصور الدنيا وجهات الأرض. ثم هم منه أبداً في طرائف ممتعة. وعلى موائد مشبعة. يجمعون به أدباً إلى علم وعلماً إلى سلوة وسلوة إلى تفكهة، ويخرجون منه بالكثير الطيب والجيد البارع من كل ما تستقل به الطرقة وينضج الأسلوب وتتهيأ الملكة ويصح الرأي ولذلك كله أنشأناه، وعلى ذلك أدرناه، ومن أجل ذلك بذلنا في العمل ولم ندخر وجهدنا ولم نأل، وعانينا ولم نفتر، وصبرنا ولم نضجر، ومضينا ولم نلو، وكنا عند ما قدر أهل الفضل من الثقة بنا وحسن الظن فينا على ما اعترضنا من كلال المهنة وعلى ما حاق بنا من مطل بعض القراء. وعلى ما لقيناه من كفران الصنيع في بعض الأدباء. وعلى أشياء كثيرة مما تخر به العزائم هداً. وتخور عنده القوى جداً. ولا
стр. 1061
يملك له المرء دفعاً ولا رداً.
وها نحن اليوم نبتدئ عامه الثالث على بركة الله ونستأنف عملنا على تيسير الله، والنية فيه ما قد نوينا من قبل من التشمير والجد في خدمة العلم ونشر الأدب وإحياء اللغة على أنا لا نألو في ذلك جهداً ولا ندع فرصة ننتهزها إلى الإحسان. في الإتقان. ولا نغفل طريقة نتخذها إلى الزيادة. من الإجادة وسيرى القراءان المزيد إن شاء الله مما بلغناه ميسور. وأننا نقطع إلى غايتنا البعيدة بأجنحة النسور. فإنه لنا لعز ما لا يكل مهما (جري)، وإنا لنرجو فوق ذلك مظهراً.
стр. 1062
شذرات
من حديث المائدة:
لا نعد مبالغين إذا نحن قلنا أن ما تنقله من كتاب حديث المائدة هو خير ما أخرج لقراء العربية - ومن هنا كان خليقاً بقراء البيان أن يقرؤه ويمعنوا النظر فيه مرةً مرة ومرتين مرتين وثلاثاً ثلاثاً.
٧
قال أستاذ مائدة الإفطار:
قد شاهدنا كثيراً أن المرء المتوسط الذكاء أنهض بواجبات الحب والصداقة من النابغة العبقري، ولنضرب لذلك مثلاً ساعتين (آلة قياس الوقت) إحداهما بسيطة الكيان، والثانية مركبة. فالبسيطة التي تريك الساعة والدقيقة جديرة أن ترضيك فتستصحبها ما حييت، وإن لم يك بها عقرب بريك الثواني أو كانت غير دقاقة ولا موسيقية ولا محلاة بالذهب والجوهر، وقصارى القول إنك لترضى هذه الساعة صاحبها مستديماً وإن هي لم تشتمل على غير بضع عجلات ويدين نافعتين ووجه طلق صريح. وأكثر ما يكون عدد العجلات في الساعة أو في الذهن أصعب ما يكون مراسهما وأشد ما يكون سياستهما. ولا تزال وثبات الخاطر الطموح وطفرات الخيال الجموح، مشفوعة بشيء من الأنانية ولكن خير أساس الحب والصداقة إنما هو نفس ساكنة مطمئنة وذهن مستنير صاف غير عرضة لما يصيب ذوي العبقرية عادة من الانفجارات والأزمات النفسية، وإنك تري الذهن الجبار إذا ثار لنظم قصيدة أو تأليف مقالة أقبل على القلب فامتص منه خلاصة دمه ولا يستطيع القلب في آن واحد أن يبذل دمه في تأليف الكلم الرائع ويبذله كذلك في اجتذاب فؤاد الصديق وتنعيم روح الرفيق.
وليس على الخل الوفي والصاحب الحميم أن يكون من المعرفة بالعلوم والفنون بحيث يشرك المرء في أميال ذهنه ومطالب نفسه من الأدب والمعارف. فإنك إن أردت مثل هذا الشريك فحبك بالكتب والعلماء (وبعد) فإن معظم ما جرى ويجري بالعالم من حوادث الحب والصداقة إنما كان بين من لا يعرفون القراءة والكتابة.
أما أن يتهافت المرء على غير ذي ود ويلقي بنات قلبه على كتلة تأخذ ما يلقي عليها ولا
стр. 1063
تعطي ويرمي بأشعة روحه على صخرة لا يؤثر فيها ضوء الابتسام ولا ضغط إلا كف والشفاه، فهذا والله تضحية الأنفس البارة واستشهاد الأرواح الودودة، وأكثر ما يبتلى به أرق الجنسين وألطفهما - النساء.
لعلك لاحظت ما قلته آنماً من أن معظم ما جرى ويجري بالعالم من حوادث الحب والصداقة إنما كان بين من لا يعرفون القراءة والكتابة - وهل هؤلاء إلا النوع الإنساني إلا أفراداً قلائل هنا وهنالك. لا أقول إني أكره الكتب، كلا إني لأحبها ولي بها كشغف السمك بالماء. والطير بالهواء. وأحسبها نعم الأستاذ والرفيق. ولكني أعلم برغم ذلك أن أكابر رجال العالم لم يكونوا عادة من ذي البسطة والرسوخ في العلم. ولا كان ذووا الرسوخ في العلم عادة من أكابر رجال العالم. وكأني بزعماء الطائفة العبرانية كانوا لا يكادون يملكون بضعة أسفار وهم مع ذلك يمثلون لك أثم صورة من الرجولة. ولعلنا لو نستطيع نحن جماعة الأدباء أن ندعو إبراهيم لينازعنا الغداء أو العشاء يوماً ما عددنا ذلك مفخراً عظيماً وغنماً كبيراً.
وكل ما أردت أن أذكره عن الكتب هو أنه ما من إنسان ذي مفكرة قوية إلا ويرى نفسه أحياناً فوق الكتب والأسفار الإنسانية.
عند ذلك انبرى الفقيه فقال معترضاً ما أري الرجل الذي يجسر على حسبان نفسه في أية ساعة فوق شكسبير إلا مغتراً.
قال الأستاذ أعلم سيدي أن الرجل الذي لا تعتريه قط حالة نفسانية يحس أثناءها أنه مفعم الصدر بوجدانات ومعان فوق طانة التعبير ودون منال اللسان ولو أنه ملك أعنة البلاغة وأخذ بناصية البيان - إنما هو لا يعدو أن يكون عباد ألفاظ، على أني لا أكاد أحسب أنه يوجد مثل هذا الإنسان وما عليك يا سيدي إلا أن تذكر قوة الموسيقى وسلطانه فإن الأعصاب التي تتأثر بالأنغام تتشعب من مجاري النخاع في أحدها إحساساً، أعني حيث تنفرج لتسمو إلى خلايا الدماغ، فالموسيقى إذن يسري إلى موطن الإحساس من النفس لا إلى موطن التعقل. ولكنه (الموسيقي) يحدث برغم ذلك سلسلة عواطف وأفكار حسنة الانسجام مطردة السياق إلا أنها أفكار جد مخالفة للأفكار الاعتيادية المعهودة من حيث أنها تعجز اللسان المعبر وتعيي البيان المفسر. ثم ماذا تجد يا سيدي من البون البعيد إذا أنت
стр. 1064
قابلت بين عواطف الإنسان وألفاظ اللسان! أتراك سمعت بامريء أنحله وأضناه قراءته قصة روميو وجوليت أو آخر انتحر أسفاً لما حل بامرأة عطيل من دنيسة زميله أياجو؟ وإني لأعرف من الرموز والعلامات ما هو أفصح بكثير من الكلم وأذكر حادث عن زوجة فتية السن وقفت لوداع زوجها وكان مزمعاً سفراً فلم تهيئ لموقف الوداع قصيدة ولا خطبة وإنما أعلنت بها وأبدت شكواها بطريقة أخرى - وذلك أنه امتقع لونها واكتسى وجهها من الألم الكمين والداء الدفين صبغة برتقالية، وفي الناس جانب عظيم لا يملكون من البلاغة والبيان إلا أسلوباً واحداً وهو أنهم يضنون ويهزلون حتى يدركهم الموت.
في هذه الأحوال التي تبلغ فيها العواطف أقصى منتهاها كيف يستطيع المرء القراءة؟ إن استطاعته القراءة دليل على أن إحساسه الشديد قد بدأ يفتر وأن تفكيره قد أخذ يتراخى، أنت تعجب أنى تبلغ القحة بإنسان عادي يحسب أنه قد يسموه به فكره أحياناً حتى يفوق فكر أكبر العقول - عقل شكسبير. على رسلك، وتدبر معي هذا الأمر في روية تعلم أن فرقاً عظيماً بين قراءة أحد الصبية كلام شكسبير وقراءة الأستاذين الجليلين كولوريج وسكليجل آيات هذا الشاعر الأكبر! فإذا كان ديوان شكسبير البحر الزاخر فقراءة الطفل فيه كالغرف باليد وقراءة الأستاذين الجليلين كالغوص على كل لؤلؤة بكر ودرة يتيمة، فسواء كان القارئ صبياً أو فيلسوفاً فإن ما قد يجول بخاطره ويفعم صدره أحياناً من شديد العواطف وجليل الأفكار لأسمى بكثير لا من حقيقة قول المؤلف بل من تأويل ذهن القارئ لقول المؤلف.
وكأني بمعظم قراء شكسبير تسمو بأذهانهم كلما هذا الشاعر أحياناً إلى طبقة من الإحساس والتفكير كالتي يرفعنا إليها الموسيقي. حينئذ يلقون ديوان شكسبير من أيديهم ثم يفضون إلى عالم الأفكار الذي لا يبلغ إليه اللفظ وقد نكون أنا وأنت من طائفة الأغبياء ولعلها الحقيقة إلا أن يوجد البرهان على ضد ذلك. ولكني وإياك قد ندرك أحياناً لمحة من ذلك العالم الروحاني حيث ترانا على ما بنا الآن من غباوة نمعن في أودية التفكير إلى ما وراء أبعد غايات الذهن الآدمي.
وإني أشهد أنه لتمر بي أوقات أكره فيها الكتب حتى لا أطيق أن أراها. وأحياناً أشعر أن من حاجة البدن وأسباب صحته ودوافع علته أن أنفث مكنونات الضمير قبل أن أضع فيه
стр. 1065
شيئاً جديداً إذ أنه من أضر الأشياء أن تكتم في الضمير أفكار أو وجدانات كان ينبغي ظهورها اكتتام العلل والإدواء التي كان من حقها أن تبدو على ظاهر الجسد.
إني ما زلت أرى للحياة من جسامة الشأن وعظم الخطر مالا أراه للكتب وأحسب أن يوماً واحداً من هذه الحياة الدنيا بما بها من مئات آلاف المواليد والمنايا وما فيها من المودات والعداوات والانتصارات والهزائم والنعم والنقم - أحسب أن يوماً واحداً من الحياة الدنيا هو أوفر نصيباً من الإنسانية من كافة ما حبر وحرر من القراطيس والصحف. والأسفار والرسائل، وأعتقد أن ما يفوح للأزهار النابتة الآن على وجه البسيطة من الطيب هو لا محالة أذكى شذاً مما فاحت به الغوالي المقشرة منذ بدء الخليقة إلى وقتنا هذا.
٨
قال شاعر المائدة: وعن شمالي من المائدة كان يجلس مخلوق ما رأيت أغرب هيئة منه إلا في معرض أو متحف، لردائة الأسود لمعان كأنما خرج من أيدي الصياقله لتوه وساعته، وكان مقوس الظهر، دليل على شدة انكبابه وفرط انصبابه على دقيق من العمل، وله أطراف ضئيلة آية على قلة السعي وطول القعود، ذو مفاصل كمفاصل الجراد يخيل إليك أنه ربما نشر مطوى جسده وطفر في الهواء لا يمشي، يلبس نظارتين يقول إنهما تريحان بصره بعد كده في استبانة الدقائق واكتشاف الغوامض، لصوته صرير ضئيل كأن في حلقومه آلة صغيرة بعيدة العهد بالزيت، ولم أدر ما حرفته، فقلت خليق بالمرء أن يعرف عمل جاره، ففاتحته الحديث وفي نيتي ذلك وكان موضوع كلام الناس يومذاك انتخاباً تؤخذ له العدد، فقلت:
من ترى يحرز الأغلبية غداً؟.
قال ليس غداً وإنما الشهر القابل.
فصحت متعجباً الشهر القابل! عجباً لك. أي انتخاب تقصد؟.
قال مندهشاً أريد انتخاب الرئيس لجمعية الحشرات وفي وجهه ولهجته دليل على شدة تعجبه وإنكاره أن يكون في الناس رجل يفكر في انتخاب آخر قال شد ما اشتدت المنافسات يا سيدي بين الذبابيين والفراشيين كلاهما يرجو إحراز الرئاسة.
قلت أحسبك من علماء الحشرات يا سيدي.
стр. 1066
قال كلا أنا أشد تواضعاً من أن أطمح إلى مثل ذلك. ومن لي بأن أرى الرجل الذي يجرأ على إدعاء هذه الدعوى! أنا لا أنكر أنه قد يتأتى وجود جمعية تسمي نفسها جمعية علم الحشرات فأما الفرد الذي يدعي لنفسه ذلك فهذا لعمري دعى محتال وكاذب دجال، إنه محال يا سيدي أن يوجد الفرد الذي تسميه بحق عالماً حشرياً إذ علم الحشرات، أوسع نطاقاً وأبعد مدى من أن يحيك به فرد.
قلت وبي من أثر قوله ولهجته نوع من الهيبة هل لي أن أسألك يا سيدي ما موضوع دراستك من هذا العلم؟.
قال لقد قصرت مطامعي وحبست أيامي على مذاكرة باب الخنافس لا كل أصنافها - بل الخنافس الأصلية، وحسبك بهذا الباب درساً طويلاً يستنفد العمر المديد ليله ونهاره في البحث والفحص والمذاكرة فسعني إن شئت الخنفسي أو الجغرافي والثانية أولى. وقصاراي يا سيدي أن أفعل ما استحق به هذه التسمية.
وكان بيننا شاب فلكي يقضي زمنه بين المريخ والزهرة، بمعزل عن هذا العالم الأرضي، فدعانا ذات صباح إلى غشيان مرصده في ليلة صافية الأديم ساطعة الأفلاك، فكلنا أجاب الدعوة إلا صاحبنا الجغرافي فسألته عن السبب فقال:
كثرة العمل يا سيدي - بحث علمي لا يسمح لي بالنظر إلى الكواكب ولو كلمح البصر.
قتل حقاً؟ وهل لي يا سيدي أن أسألك عن موضوع ذلك البحث؟.
قال مع مزيد الارتياح يا سيدي. وأنه لم أهم الأبحاث وأصعبها وهو تحقيق ماهية الحشرة الطفيلية بيدوكيولوس ميليتا التي تركب ظهور النحل. .
يا للعجب العجاب! أيكون في هذا الكون شيء أعجب من هذه الدنيا، حقاً إن هذا العالم لفي جنة أيها الناس هاكم إنساناً مثلي ومثلكم يدعى إلى مرصد تدني له فيه بدائع السموات وروائع الأفلاك فيمنعه من انتهاز هذه الفرصة اشتغاله بحشرة دنيئة مما يركب ظهور النحل أما والله لا بد لي من نظرة في مجهر ذلك الجغرافي لأنظر هذه الحشرة التي تشغل من ذهنه ولبه مالا يشغله مشهد النجوم الباهر. وموكب السماء الفاخر.
قلت أتبيحني نظرة في مجهرك أتبين بها هذه الحشرة الطفيلية؟.
عند ذلك نشط الجغرافي وارتاح لي وهش واكتست عيناه نظرة إنسانية وسربل محياه
стр. 1067
سمياء آدمية وخيل إلي أن ذراعيه تمتدان لمعانقتي. ولا غرو فهو الذي ما زلت أراه مهجوراً من أصحاب المائدة مهملاً منبوذاً لا يؤبه له ولا يعني به ولا يحس وجوده، ولا أبدي هو قط أدنى دليل على أنه من الأنس. فما هو إلا أن لمست منه ذلك الموضع الذي انحصرت فيه حيويته واجتمعت فيه إحساساته حتى أقبل عليَّ حاسراً لي عن وجه إنسانيته وإخائه.
وقال جئني عقب الإفطار مباشرة. جئني أراك الحيوان الذي ارتجت له أنحاء العالم الحشري ودوت له بكثرة التسآل أركانه.
وعلى ذلك غشيت غرفة الجغرافي ومرقده ومعمله ومعرضه - حجرة واحدة تؤدي هذه الوظائف جميعها.
قلت وددت لو أن في الوقت متسعاً فأنظر جميع نفائسك وكنوزك ولكني أخشى أن لا يكون لدي من الوقت أكثر مما يسع رؤية طفيلي النحلة. ولكن ما ألمح هذا الفراش المثبت في هذا الوعاء!.
قال الجغرافي: أجل أجلْ إنه لحسن ولقد جاءنا من أمريكا الجنوبية مع هذه الخنفساة. انظر إليها. واعلم أن الخنفساوات ملوك طائفة الحشرات والأفرشة فيها بمثابة الرجال والذباب الصبية.
وكانت الخنفساة التي لقتني إليها حيواناً قذراً خبيثاً أشد سواداً من عرض إبليس تشمئز منه النفس ويزوي دونه الوجه ونقدي برؤيته العين وأهون ما يستحق من المار به أن ينبذه بقدمه إن لم ينزل به ما هو أشد وأنكى. ولكن الجغرافي جعل يرنو إليه رنو الفرح المرتاح ويعيره نظر المحب إلى الحبيب المقبل.
وصاح ملحة وأيم الله وطريفة إبليس لها في طول هذه البلاد وعرضها من مثيل درة يتيمة ولؤلؤة فذة ثم في امتلاك الشيء المقطوع القرين للذة أية لذة. ولن تجد والله يا سيدي نظيرها دون أن تذهب إلى أمريكا الجنوبية.
فسرني جداً أن البلاد خلو من مثل هذه البلية معتقداً أن في الذي بالقطر من الخنافس المعتادة خير عوض من الحيوان المذكور، يغني غناءه ويؤدي وظائفه كافة.
قال الجغرافي هناك طفيليات النحل وأراني صندوقاً مملوأ بقطع من الزجاج قد أثبت على
стр. 1068
كل منها طفيلي النحل معداً للفحص الميكروسكوبي فكان أكثر اندهاشي من حيوان ضئيل الجثة قد بسط وفرطح ذي أرجل ست تنتهي كل واحدة منها بمخلب كمخلب الأسد وأفظع.
قلت هذا هو الذي يمتطي صهوة النحلة ويأكل من لحمها ومن دمها جاعلها مركباً ومسكناً ومرقداً ومطعماً ومشرباً؟.
فلم تلح على وجه الجغرافي أدنى ابتسامة، وأكبر ظني أن الابتسام لا يعرف وجهه، وما أحسبه أنه سمع كلمتي هذه أو حاول أن يسمعها.
يعيش على النحلة هذا إن فكرت أنعم عيش وأرغده وأي عيشة ألذ من أن يظل ذلك الطفيلي على ظهر النحلة يسبح في الهواء ولا يتجشم مؤنة الطيران، ويدخل كل مكا تلجه النحلة ولا يتكلف أجرة الدخول ثم لا خوف عليه أن يزل من فوق تلك المطية أو يزيله عن ذلك المركب الوطيء مزيل، بل كيف وتلك مخالبه تسد نشبت في متن النحلة نشوب المنية في الآجال، ثم يمتص من عناصر جسد النحلة ما شاء، تأكل النحلة أطايب الجنان ويأكل هو أطايب النحلة، ويعيش في الهواء، وطوراً في سرادقات الزهر النضير، وأروقه النبت العشيب. وحيثما سار حفت ركابه مغردة الذباب تشنف أذنيه بأعذب النغمات، فما أحسب إلا أن دوى النحل وإن دق في مسامعنا هو في أذن ذلك الطفيلي أجهر من سمع المسمعات وعزف الضاربات. كل ذلك جال بذهني ودار بخلدي بينما الجغرافي يحسب أني أتأمل دقائق صفات الحشرة الخطيرة الشأن وخواصها.
стр. 1069
عبد البهاء عباس أفندي زعيم البهائيين
أسلفنا في العددين الثامن والتاسع من السنة الثانية من البيان أن قد أتيح لنا في الخامس عشر من شهر أكتوبر سنة ١٩١٤ زيارة زعيم البهائيين في منزله برمل الإسكندرية كما زاره كثير من أمرائنا وعلمائنا وصحفيينا، وكما يجمل بصاحب مجلة شرقية أن يستطلع طلع زعيم ديني شرقي له من المريدين والأتباع ما يعد بالملايين منثورة في الفرس وأمريكا وأوروبا وغيرها من أنحاء المعمور. وعنى بالكتابة عليه والتنويه به كثير من علماء المسلمين واليهود والمسيحيين - شرقيين وغربيين - وأفردوه بالتواليف والمصنفات وأفسحت له كبار اصحف والمجلات في مصر وأوروبا وأمريكا بين أنهارها. ـ. وأن قد دري بيننا وبينه حديث هام وعدنا بنشره، ومهدنا له بكلمة عن جريدة الكرونكل الإنكليزية.
بيد أنا لم تنشر هذه الكلمة حتى رأينا بعض ذوي الغايات الذين هم في الحقيقة واحد من اثنين - رجل ينفس علينا هذا الأمر مجلة البيان وأعمالها وقد أكل الحقد صدره أن رأى مجلة البيان قد ذاعت وتغلغلت في جهات الأرض، وأقبل عليها جميع الناطقين بالضاد بالإكبار والإعجاب والغبطة والسرور فهو يهتبل الفرص للنيل منا وتسوئ سمعتنا وتهويش ما بيننا وبين قرائنا. - وذاك خلق فاش - وا أسفا علينا - بين المسلمين. بين الرجل وزوجه. وبين الرجل وابنه - وبين أفراد الأسرة الواحدة وبين أهل الضيعة الواحدة. وبين أهل البلد الواحد - وبين أهل المملكة الواحدة. وبين أهل الحرفة، الواحدة حتى لقد وقعنا فيما خافه علينا الرسول الأمين ﷺ إذ قال ﵇ ما معناه إني أخاف عليكم داء الأمم قبلكن والحسد والبغضاء فاللهم لطفاً.
ذاك أو رجل جاهل غبي ليس من العلم في قليل ولا كثير. ولا من الفهم والفطنة في فتيل ولا نفير. فليس في مكنته أن يفهم مرامي الكلام ومناحيه وإنما يأبى ذهنه المجدب إلا أن يحرف الكلم عن مواضعه ويفهم الشيء فهماً سلبياً حتى يتساوق مع طبعه البليد:
وكم من عائب قولاً صحيحاً ... وآفته من الفهم السقيم
وكلا الاثنين قبل كل شيء ماكر لئيم أسود النية، سيئ الطوية. فهو يأبى إلا أن يقيس الناس وأعمالهم بنفسه وأعماله على حد ما يقول أبو الطيب:
إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه ... وصدق ما يعتاده من توهم
ومن هنا قام هؤلاء المساكين وظنوا بكلمتنا الظنون ورجموا الغيب وألصقوا بنا كل سواة.
стр. 1070
واتهمونا بكل شنعة. وليت الأمر وقف عند هذا الحد بل أمعنوا في الهجر والسباب وافتروا على الله الكذب - وما أجرأهم على الكذب والبهتان ولم لا وهو بضاعتهم وهم منه لا من غيره يرتزقون - حتى صورونا للناس في وهمهم. . . كأنا لسنا من الناس، فاللهم حوالنا ولا علينا.
ونحن فلو أرخينا للقلم العنان لأخللنا بما أخذناه على أنفسنا أنا لا نسف إلى هؤلاء المساكين ولا نسقط إلى حضيضهم الأوهد إذ لو فعلنا لكان ذلك مضيعة منا للوقت على قرائنا فضلاً عن أن ذلك لا يرد ولا يجدي - وإنما الذي نقصد إليه بهذه الكلمة هو أن نبين للمنصفين من الناس أنا لسنا أول من ذكر زعيم البهائيين. وأن ما قلنا إنما هو غيض من فيض بالقياس إلى ما قاله غيرنا ومن بينهم أمراؤنا وصحفيونا وكبار العلماء في أوروبا وأمريكا. فإذا كنا بما قلنا قد صبأنا، أو زلت في سبيل العفة قدمنا كما يقول هؤلاء المساكين - فقد صبأ - معاذ الله أن يصبأوا بذلك أو أن يصبأ مسلم من أحقر عباد الله - الأمير الجليل محمد علي باشا والأستاذ الإمام محمد عبده وشيخ الصحافة الإسلامية المصرية المرحوم السيد علي يوسف. والمسلم الغيور محمد أفندي الكلزة صاحب جريدة وادي والنيل المصرية، إذ قالوا ما نحن ذاكرو بعضه الآن.
قال دولة الأمير الجليل محمد علي باشا شقيق سمو الجناب العال الخديوي أمير مصر المفدى في رحلته إلى أميركا الشمالية.
في صباح يوم (الاثنين ٢٢ يوليه) ركبنا عربة وذهبنا لشراء كتب هندسية. . وهند عودتنا إلى الفندق أخبرت أن فضيلة العالم الشرقي الجليل عباس أفندي زعيم البهائيين يريد مقابلتي فضربت له موعداً في الساعة الثالثة بعد ظهر هذا اليوم. إلى أن قال دولته.
حضر بعد ذلك عباس أفندي فقابلته مرحباً به معظماً له ولم تؤثر الشيخوخة في ذكائه المفرط فإنه مكث معي نحو ساعة من الزمن وهو يحدثني في موضوعات شتى مفيدة جداً دلت على سعة إطلاعه وكثرة اختباره. فهو إذا رجل العلم وعظيم من عظماء الشرق.
ثم قال دولته. أما خطاباته الكثيرة المؤثرة فإنها أخذت دوراً عظيماً في أمريكا وقد كانت إذ ذاك حديث الجرائد ينشرونها ويعلقون عليها آراء علمائهم الدينيين. وبالجملة قد توصل باقتداره إلى بلوغ الدرجة التي يحسده عليها الحاسدون. وقد مكثت معه زمناً أحادثه
стр. 1071
ويحادثني فيطربني بلذيذ كلامه. ثم انصرفت من عنده وأنا أحفظ له في قلبي المودة والاحترام.
وقال المرحوم اليد علي يوسف في المؤيد عدد ٦١٩٤ الموافق يوم الأحد ١٦ أكتوبر سنة ١٩١٠ تحت هذا العنوان:
الميرزا عباس أفندي
وصل إلى ثغر الإسكندرية حضرة العالم المجتهد ميرزا عباس أفندي كبير البهائية في عكابل مرجعها في العالم أجمع. وقد نزل أولاً في نزل فيكتوريا بالرمل بضعة أيام ثم اتخذ له منزلاً بالقرب من شتس (صفر) وهو شيخ عالم وقور متضلع من العلوم الشرعية ومحيط بتاريخ الإسلام وتقلباته ومذاهبه يبلغ السبعين من العمر أو يزيد على ذلك.
ومع كونه اتخذ عكا مقاماً له فإن له أتباعاً يعدون بالملايين في بلاد الفرس والهند بل وفي أوروبا وأميركا. وأتباعه يحترمونه إلى حد العبادة والتقديس حتى أشاع عنه خصومه ما أشاعوا. ولكن كل من جلس إليه يرى رجلاً عظيم الإطلاع حلو الحديث جذاباً للنفوس والأرواح يميل بكليته إلى مذهب (وحدة الإنسان) وهو مذهب في السياسة يقابل مذهب (وحدة الوجود) في الاعتقاد الديني. تدور تعاليمه وإرشاداته حول محور إزالة فروق التعصب للدين أو للجنس أو للوطن أو لمرفق من مرافق الحياة الدنيوية.
جلسنا إليه مرتين فأذكرنا بحديثه وآرائه سيرة المرحوم السيد جمال الدين الأفغاني في إحاطته بالمواضيع التي يتكلم فيها وفي جاذبيته لنفوس محدثيه إلا أن هذا يتسع حلماً ويلين كتفه لحديث مخاطبيه ويسمع منهم أكثر مما يسمع السيد جمال الدين - ثم نقل المؤيد عن عباس أفندي كلاماً في شأن إقامته في مصر وأنه لا يحب أن يتعرض للسياسة. . . الخ.
وجاء في جريدة وادي النيل في العدد ٨٩٠ الموافق يوم الأربعاء ٢٢ مارس سنة ١٩١١ قال أثناء مقالة افتتح بها هذا العدد تحت عنوان: عباس أفندي بهاء الله.
وقد خلط الكتاب على صفحات الجرائد في الكلام عن هذا الرجل الموقر بين البابية والبهائية في حين لا جامعة بين الأمتين ولا رابطة تربط الدعوتين.
وما البهائية التي نحن في صددها سوى أنموذج الفضيلة. جوهرها وحدة الإنسان وتعاليمها إزالة فروق التعصب للدين أو للجنس أو للوطن أو لمرفق من مرافق الحياة الدنيوية. . .
стр. 1072
إلخ إلى أن قال ومن هنا يتضح أن هذا الشيخ الجليل كثير التسامح جميل المقاصد حسن العقيدة. ولاشك أن كتاب والده المسمى الكتاب الأقدس مملوء من هذه التعاليم الطيبة التي ترمي جميعها إلى الفضيلة. وما أحلى دين الفضيلة والمعروف.
فقد قال كاتب في جريدة المقطم. إني كنت أطالع في الكتاب الأقدس وهو ذلك الكتاب الذي ذكر فيه انبهاء زعيم الطائفة البابية. قال كاتب وادي النيل (وهنا خلط أي كاتب المقطم بين البابية والبهائية) تعاليمه. . . فوجدت في هذا الكتاب أقوالاً وتعاليم عديدة تدل على أن البهائية هي أكثر المذاهب دعوة إلى الدستور. . . الخ مما يريد بيانه الكاتب من أن بهاء الله غير ما أشاع عنه خصومه وأعداء مبادئه الصالحة ـ.
ثم قال كاتب وادي النيل. أما انتشار دعوته فمما لا مرية فيه ويدلنا عليه إقبال الناس إلى زيارته من كل فج وبينهم كثير من ذوي المقام الرفيع والعقل الراجح واليسار الأكيد ودليل ذلك ما جاء في (الجريدة) بتاريخ ٣ يونيو الماضي بعنوان البهائية والإسلام مترجماً عن الجرائد الإنكليزية. قالت (أي الجريدة المصرية التي يديرها الأستاذ المفضال أحمد لطفي السيد).
خطب المستر تمبل خطبة في إيران وتجدد الإسلام على جمعية الفنون الملكية الإنكليزية التي عقدت جلستها في ٢٥ مايو سنة ١٩١٠ برئاسة الأستاذ برون أستاذ الفارسية في كلية كمبردج.
ومما قال في خطبته أن أوروبا غير مبالية الآن بنشوء الحركة الدينية الجديدة في إيران والمسماة بالبهائية (نسبة إلى بهاء الله منشئها) فقد بلغ عدد البهائيين في الدنيا منذ ابتداء هذه الحركة مليونين أو أكثر مع أن مؤسسها كان حياً في أواخر القرن الماضي. والناس يقبلون عليها أفواجاً من غير المسلمين وهي تنتشر في روسيا وألمانيا وفرنسا وإنكلترا وعدد البهائيين في لندن كثير ولهم دوائر صغيرة في مانشستر وليفربول وأدنبره وغلاسكو.
وينتظر أن تصبح الولايات المتحدة الأمريكية مركزاً كبيراً للبهائية. والاعتقاد الشائع أن البهائية دين يراد به أن يكون دين العالم كله كلغة الأسبرات والتي يراد جعلها لغة عمومية ولكنه ليس في واقع الأمر ديناً بل حركة دينية. وقد جيء به لتجديد آسيا وأهلها وروحه مضادة للبابوية وللكنيسة الإنكليزية ولسائر الآكليروس. وهو عامل قوي ينتظر أن يكون ذا
стр. 1073
تأثير عظيم في التطهير والتجديد.
ونشرت جريدة (الأديشيان غازت) التي تصدر في الإسكندرية عدد ٣٤ سبتمبر الماضي تحت عنوان: (الأستاذ فامبري والبهائية) مقالاً للسيدة ستنادر العالمة الإنكليزية المشهورة التي كانت تلقى محاضرات جليلة حول علم النفس في دار الجريدة هذا نصه.
قالت مسز ستنارد:
لما كانت وفاة ذلكم البحاثة المشهور والمستشرق الكبير الأستاذ أرمينياس فامبري، لم يتضمن عليها إلا أيام قلائل. رأيت أن خطابه الذي بعث به قبل وفاته ببضعة أسابيع إلى عبد البهاء عباس أفندي قد أصبح رسالة تدون في التاريخ. وكتاباً مأثوراً. ذا مكانة عظيمة وأثر كبير. ويسرني أن قد أذن لي في نشر ذلكم الخطاب. ولم يكن قد نشر بعد للناس.
وأن في حسن أسلوبه. وأدب عباراته. لدليلاً واضحاً على تمكن ذلكم الأستاذ المبدع من فهم قلب المشرق المتدين. وبرهاناً جلياً على توافره على تعضيد كل مقصد نبيل حق ومطلب شريف صدق، ولعل كثيرين لم يروا في فامبيري إلا عالماً طبيعياً. لا يفتر عن البحث. ولا يرهقه الاستقصاء. وبحاثاً مكتملاً. يبحث في أصل الحيوان والإنسان. وآخرون يعلمون ما يجري في الشرق الأدنى من مشاكل في الحياة وفي الفكر. ويرون في الأستاذ رجلاً أعظم شأناً مما يظن هؤلاء. وأطول باعاً مما عرفوا وأسمى شأن مما عهدوا. وإن حياته المتوقدة نشاطاً وهمة وعزماً. تجمع خبرة أوسع. وعلماً أكبر وأحفل. استمده من تجاربه. واستخرجه من مشاهده. وكان نصيبه منها يربي على أنصبه ثلاثة من الساسة مجتمعين. وكانت معرفته باللغات عجيبة الشأن. فقد كان عليماً بخمسة عشر لغة. كتابة وقراءة. ومن ثم كان حكمه على الرجال والأشياء يمتد به. ويرجع إليه. لقيامه على نظر ثاقب. ونصفه نافذة. وقد لبث في بطانة عبد الحميد السلطان المخلوع أربع سنين. كان في خلالها مستشاره الخصوصي. وقد قضى شباباً له عسراً في أوساط غربية مثل تركيا وفارس والبلقان كسبته فرصاً لم تسنح لأحد وقد فرغ فيها إلى البحث والاستقراء.
أما عن الفلسفة الدينية فقد كان يخبر أحسنها ويبحث عن أسماها وكان يتكلم في المذاهب الإسلامية. سواء العربية منها أو الفارسية. عن خبرة واسعة وعلم صميم. فكان فيها موضوع احترام علمائها.
стр. 1074
وكثيراً ما كتب عن ترجمة حياة ذلكم العبقري النادرة في المجلات الغربية من حين إلى حين. وسيكتب عنه أكثر مما كتب. على أننا لا نستطيع أن نصدق أن ما كتب أو يكتب عنه سيكشف لنا عن روح ذلكم العالم البحاثة. ويبدي لنا قرارة نفسه ومواهبه السامية في زمان شيخوخته. كما تكشف لنا عبارات خطابه الآني. وكأنى بنا نشهد منه ضوء مشكلة سطع من قلب رجل كان يبحث أبداً ويجد ليهتدي على حقيقة كبيرة. واعتقاد يتنازعه. حتى ظفر أخيراً بطلبته من الحق والخبرة فكان بهما راضياً.
وكان اللقاء المأثور الذي جرى بين عبد البهاء والأستاذ فامبيري في بودابست في أبريل الماضي. وقد لقي الزعيم البهائي العظيم من عصبة العلماء والبحاثة المستشرقين والمصلحين الاجتماعيين حفاوة وترحيباً. فلما عاد عبد البهاء إلى مصر كتب إلى فامبيري كتاباً وبعث إليه بهدية. فكان جوابها الخطاب الآني. ولكي يعلم من لم يسبق له علم بالأساليب الكتابية في الشرق أقول أن أسلوب الخطاب لا يكتب به في الإسلام إلا علماء الدين، ولا يستعمل إلا في مراسلة معلم عظيم المكانة أو زعيم جليل القدر.
وإلى إلغراء ما كتب فاميري إلى عبد البهاء:
أرفع هذا العرض الحقير إلى حضرة عبد البهاء عباس أفندي، وسدته الطاهرة المقدسة إلى قطب العالم الذائع الذكر في الخافقين والمحبوب من الناس جميعاً.
أي صديقي الكريم. وهادي الناس إلى سواء السبيل، لو أن حياتي تروح لك فدى، قد وصلا غلي سالمين. فعاودتني ذكرى لقائي بفضيلتك. وتبركي بحضرتك. وأني لأحن إلى لقائك. وأشتاق إلى رؤيتك.
وقد جبت كثيراً من ممالك الإسلام وبلدانه، فما رأيت خلفاً سامياً مثل خلقك، ولا شخصية عالية مثل شخصيتك. وإني لأشهد أن ليس من الممكنات أن يقع المرء على نظيرك. وأؤمل أن تكون مبادئك الكمالية وأعمالك قد توجت بالفوز والنصر. وأثرت على أية حال. فإني ألمح من وراء مراميك الكمالية وأفعالك. الخير الأبدي والنعيم المقيم لعالم الإنسانية.
إن خادمك أراد أن يجتبي العلم والخبرة من مصدرهما فدخل في أديان كثيرة فصار في مظهره يهودياً ومسيحياً وزرودشتيا. على أني رأيت أن المتمسكين بهذه الأديان لا هم لهم إلا التباغض والتنافر والتباهل والتلاعن. وإن هذه الأديان قد أصبحت آلات للظلم
стр. 1075
والطغيان في أيدي الولاة والحكام. وأنها أسباب تعمل على خراب العالم الإنساني وفنائه. وتفادياً من شر هذه النتائج كان حقاً على كل إنسان أن يكتب اسمه في سجل أنصارك. ويرضى مبتهجاً بمقصدك إلى تأسيس قاعدة ينهض عليها دين عام. وكنت أنت واضع أساسه بمجهوداتك وأعمالك.
لقد رأيت عن بعد أيا فضيلتك، ثم شهدت كرم نفس ابنه وشجاعته وتضحيته فرحت بكما معجباً.
وإني أقدم احترامي الأكبر وإخلاصي الأشد إلى مبادئك ومراميك وإذا مد الله تعالى في عمري وتنفست بي السن استطعت أن أخدمك على كل حال. وإني أدعو الله وأضرع إليه من أعماق فؤادي أن يحقق أمنيتي.
خادمك فامبري
стр. 1076
ل
النبأ العظيم
العلم يؤيد الدين في مسألة المسائل
لا شيء يخلق نفسه وكل شيء يفنى
جوستاف لوبون
كان المذهب السائد بين علما الطبيعة حتى في هذه الأيام أن المادة لا تنعدم. وهذا المذهب هو أحد المذاهب العديدة التي أخذها العلم الحديث عن العلم القديم دون تغيير ولا تحوير. ومعنى قولنا أن المادة لا تنعدم، إنه لا يمكن إعدامها بأية وسيلة كانت، وإن شكل المادة وهيأتها ومظهرها وخصائصها من الممكن تغييرها بوسائل مختلفة، ولكنا لا نستطيع بحال من الأحوال أن نفني المادة نفسها، وقد ترى في الظاهر أن المادة تختفي في كثير من الأحوال، ومثل ذلك الماء في حال تبخره، ولكن هذا التلاشي الظاهر لا يدل إلا على تغير في شكل المادة، وليس علينا إذا أردنا أن نردها إلى أصلها إلا أن نبرد بخارها بمختلف الوسائل.
ولقد مضى على هذا المذهب العتيق مئات القرون من عهد الشاعر الروماني لوكريس، واضع تلك القصيدة المشهورة في طبيعة الأشياء والمتوفى سنة ٥١ قبل مولد السيد المسيح، إلى عهد العالم الكيماوي الطائر الذكر لافوزييه واضع الكيمياء الحديثة، وصاحب تلك النظرية القائلة لا شيء يفنى، ولا شيء يخلق نفسه والمتوفى عام ١٧٩٤ من الميلاد، ولم يفكر أحد في نقد هذا المذهب وتمحيصه، بل أخذوه قضية مسلماً بها. حتى قام في أيامنا الحاضرة العلامة المحقق والفيلسوف النادرة الدكتور جوستاف لوبون، صاحب كتب روح الجماعات وسر تطور الأمم وحضارة العرب وروح الاشتراكية وروح السياسة وغيرها من الأسفار، فوضع كتاباً سماه سر تطور المادة خالف فيه كل العلماء الكيماويين المتقدمين منهم والمتأخرين، ونقض دعائم المذهب القديم وأتي بآرائه الحديثة في المادة ودعمها بالحجج والشواهد والتجارب الكيماوية، ففاق بكتابه هذا العلامة هيكل وإن لم يكن فاق به دارون ولامارك فقد أصبح في مصافهما، وقد أحدثت هذه الآراء الجديدة ثورة علمية بين علماء أوروبا، لأن كل عقيدة جديدة تجتاز ثلاث عقبات، الأولى أن يقوم الناس لمعارضتها محاربتها والتصريح بأنها طائشة فاسدة، والثانية أن يعترفوا بأنها حقيقية ولكن مبهمة،
стр. 1077
والثالثة أن يشهدوا بأهميتها العظمى، ويطالب معارضوها وأعداؤها بشرف اكتشاف تلك الأهمية. ولقد جازت آراء جوستاف لوبون هذه الخطوات الثلاث، وكان انتشارها سريعاً جداً، ولم تمكث معارضة العلماء لها زمناً طويلاً، بل أخذها جماعة من مشهوري العلماء الكيماويين وأعادوا عمل التجارب التي عملها جوستاف لوبون، وتوسعوا فيها، ومن بين الجماعة السير ويليم رامزي أشهر مشهوري علماء إنجلترا، ووضع كتاباً له قال فيه أنه وقفه على إعلان الأبحاث التي قام بها لتحقيق التجارب المذكورة في كتاب الدكتور جوستاف، ولم تخالف نتيجة أبحاثه آراء صاحب المذهب الجديد إلا في شدتها وجرأتها.
والكتاب منقسم إلى قسمين قصر في القسم الثاني على تفاصيل تجاربه الكيماوية، وفي القسم الأول الكلام عن أبحاثه ونتائجه وآرائه، وبذلك تسهل على سواء القراء مطالعة الكتاب، والقسم الأول مجزأ إلى أبواب فالباب الأول عنوانه الآراء الحديثة في المادة، وهو مقسم أيضاً إلى فصول نريد أن نلم هنا بما يسعنا ذكره منها، وفي الأعداد القادمة نسترسل في بسط جميع أبحاثه للقراء:
بدأ الدكتور الكلام في نظرية انحلال المادة فقال إن المادة قابلة للانحلال وإن انحلالها يغيرها إلى أشكال أخرى تفقد فيها كل صفاتها وخصائصها الأصلية. وإن الأدلة على ذلك كثيرة اليوم، ونخص بالذكر جعل ذرات المادة تتفرق وتنبعث بسرعة شديدة تصير الهواء موصلاً للكهرباء، وتحترق كل الموانع التي تقف في سبيلها، ولما لم يكن في القوى التي عرفتها الكيمياء الحديثة ما يستطيع أن يحدث هذا الفعل، ولاسيما الانبعاث الذي تقرب سرعته من سرعة انبعاث الضوء، فقد أخذ العلماء الكيماويون يضعون نظريات عديدة لشرح كيفية ذلك، لفلم تفلح واحدة منها، ولم يقف في وجه كل نقد أو معارضة إلا نظرية تفريق الذرات التي وضعها الدكتور جوستاف لوبون منذ بدأ أبحاث مذهبه الجديد، فهي بذلك قابلة لتصديق الجميع عليها.
وقد مضت أعوام كثيرة منذ أثبت الدكتور عملياً أن المفعول الذي يشاهد في الأجسام التي تسمى المحدثة لفعل الراديوم مثل عنصر الأورانيوم ولم يعرف غيره من قبل من الممكن أن يشاهد في جميع الأجسام المادية وليس هناك تفسير لهذا المفعول إلا أنه نتيجة انحلال ذرات هذه الأجسام، وإن الأجسام المحدثة لفعل الراديوم لا تدل إلا على أن لها درجة في
стр. 1078
المفعول أكبر من درجة أية مادة أخرى.
وليس معنى انحلال المادة انقسامها إلى أجزاء صغيرة تكون بمثابة ذريرات، بل معناه أن المادة تنحل ذراتها وتنتقل إلى أحوال متتابعة تفقدها خصائص المادة حتى تعود في النهاية إلى الأثير الذي يظهر أنها منه خرجت.
ثم انتقل الدكتور من ذلك إلى البحث عن تلك القوة الكبرى اللازمة لانبعاث الذرات في القضاء بسرعة الضوء فقال إن المادة ليست شيئاً جامداً عديم الحركة لا يمكنه إلا إظهار القوة الصناعية التي تعطى إليه، بل إن المادة تحتوي كنزاً كبيراً من القوة، القوة الكامنة في الذرات!.
ولكن مذهباص مثل هذا يصطدم مع كثير من المبادئ العلمية الأساسية، التي قررت بالإجماع، ولما كان العلماء قد اعتادوا أن يعدوا مبادئ علم الثرمودينامك أي علم العلاقة بين الحرارة والميكانيكا طأنها حقائق مطلقة لا يتسرب الخطأ إليها، ويفهموا أن المادة لا تستطيع أن تملك قوة غير تلك القوة التي تأتي إليها من الخارج، فقد أصر سواد العلماء، ولا يزال بعضهم مصراً، على البحث من الخارد عن مصادر القوة الحادثة من انحلال ذرات المادة، ولن يجدوها بالطبع، لأنها في المادة نفسها وليست خارجة عنها.
وهذا النوع الجديد من القوة - القوة الكامنة في الذرات - لا يعتمد في إثباته الدكتور جوستاف لوبون على النظر ولكن على نتائج تجارب له عديدة، ولئن كانت تلك القوة قد جهلت حتى اليوم، فهي أعظم من كل القوى المعترف بها، بل هي مصدر أغلبها، ولئن كان وجودها لم يعترف به في أول الأمر فقد بدأت اليوم تسير في سبيل التصديق.
وقد خرج الدكتور من تجاربه الكيماوية بالنتائج الحديثة الآتية:
[١] إن المادة التي كان العلماء يتوهمونها لا تفنى، تنعدم ببطء من جراء الانحلال المستمر في الذرات التي تتركب منها.
[٢] إن نتائج انحلال المادة مواد هي من خصائصها وسط بين المادة والأثير، أي بين عالمين لا يزال العلم حتى اليوم يفصل بينهما.
[٣] إن المادة التي أجمع العلماء على أنها جامدة عديمة الحركة، ولا تستطيع إلا أن ترد القوة الصناعية التي تعطاها، هي على العكس من ذلك هي كنز قوة هائلة تستطيع أن
стр. 1079
تتوزع من نفسها.
[٤] إن من هذه القوة الكامنة في ذرات المادة، الظاهرة من انحلال هذه الذرات، ينتج أغلب قوات الكون ونخص بالذكر الكهرباء والحرارة الشمسية.
[٥] القوة والمادة نوعان مختلفان لشيء واحد، فالمادة تمثل نوعاً ثابتاً من القوة الأنتراأتوميك أي الكامنة في الذرات، وأما الحرارة والضوء والكهربائية. . . الخ فتمثل أنواعاً غير ثابتة ولكنها من نفس هذه القوة.
[٦] تفريق الذرات وبعبارة أخرى انحلال المادة ليس إلا تحويل النوع الثابت من القوة المجتمعة المتجمدة التي نسميها المادة إلى تلك الأنواع غير المتجمدة المعروفة باسم الكهرباء والضوء والحرارة. . . الخ.
[٧] من الممكن إذن تحويل المادة العلمية إلى أنواع مختلفة من القوة ولا ريب إن طبيعة الأشياء هي التي جعلت القوة متجمدة في شكل مادة.
[٨] إن توازن القوى الهائلة المتجمدة في الذرات يكسبها صلابة شديدة، ويكفي لتفريق هذه الذرات وانفصالها اضطراب هذا التوازن بواسطة (كاشف) أي مادة تحدث رد فعل يوافقها.
[٩] إن الضوء والكهرباء وأغلب القوى المعروفة تحدث من انحلال المادة، ويتبع ذلك أن المادة المتشععة تفقد من تشععها جزءاً من جرمها فإذا تشعع كل طاقتها توارت بكليتها في الأثير.
[١٠] إن قانون التطور المسنون للمخلوقات الحية هو أيضاً القانون الذي يجري على الأجسام المادية وإن الأنواع الكيماوية لا تختلف في شيء عن الأنواع الحية.
هذه هي النتائج التي استنتجها الدكتور. وقد استطرد بعد هذا الاستنتاج إلى البحث في التغيرات التي تحدثها هذه النتائج في فكرتنا العامة عن حركة الكون، فقال إن مسألة طبيعة المادة وطبيعة القوة هي إحدى المسائل التي استنفذت ذكاء كثير من الفلاسفة والعلماء ولم يظفر أحد بحلها التام، لأن ذلك يتطلب في الحقيقة معرفة السر الأول للمحسوسات وهذه المعرفة لم تجتمع لأحد حتى الآن ولذلك كانت الأبحاث التي يعرضها الدكتور ولا تضمن هذا الحل التام وإنما تؤدي إلى رأي في المادة والقوة مخالف جد الاختلاف للرأي المجمع عليه في هذه الأيام.
стр. 1080
وقد استنتج الدكتور من بحثه في تركيب الذرة أنها مختزن هائل لقوة متركبة من عناصر اثيرية متماسكة من التوازن بدورات الأجزاء التي تتألف منها جاذبيتها وضغطاتها ومن تباين هذا التوازن تنشأ الخصائص المادة للأجسام من ثقل وشكل ومظهر.
ومن هذا نعتبر أن المادة ليست إلا نوعاً بسيطاً من الطاقة أو القوة، ونضيف إلى تلك القوى المعروفة من حرارة وضوء وغيرها قوة أخرى هي المادة أو القوة الكامنة في الذرات.
فإذا أحدثنا تغيراً في هذا التوازن، وكان هذا التغير شديد السرعة سميناه كهرباء أو ضوء. . . الخ وإذا كان هذا التوازن شديد الثبات سميناه مادة، ولنذهب بعيداً فنقول مع كثيرين من العلماء أن الأجسام المتماسك أجزاؤها من توازن قوى ذراتها تتركب من تموجات متكونة في الثير، ولهذه التموجات شخصية توهم العلماء حتى اليوم أنها أبدية، وما هي إلا وقتية، وإن هذه الشخصية تفني، وهذا التموج يقف في الأثير بمجرد وقوف القوات التي تضمن وجوده عن عملها، وإن الحرارة والضوء والكهرباء هي الخطوات الأخيرة التي خطتها المادة في طريق اختفائها في الأثير، وإذا اختلف جسم عن جسم فلا سبب هناك إلا أن يحوي أكثر أو أقل منه في القوة الذرية الكامنة.
وقال الدكتور بعد هذا أنه يجوز توهم قوة من غير مادة، لأنه ليس هناك ما يدل على أن القوة يجب أن تستند بالضرورة على عون، ولكن هذه الفكرة لا نستطيع أن نصل إليها، وإنما نحن نفهم الأشياء بإدخالها في الدائرة التي اعتدنا أن تمرح فيها أفكارنا، وإذا كنا نريد أن نبلو كنه القوة المحجوبة عنا فمن اللازم انحلالها حتى يتم لنا ذلك.
وقد تخلص الدكتور من ذلك التعاريف الآتية:
إن الأثير والمادة يمثلان جوهرين من نوع واحد، وإن الكهرباء والحرارة والضوء والمادة أدلة على ذلك، وأنها إنما تختلف بعضها عن بعض باختلاف طبيعة التوازن الموجود في الأثير وصلابته.
وكثيرون من العلماء وفيهم العلامة المشهور (فراداي) كانوا يجتهدون حتى الآن في محو فكرة الثنائية بين المادة واللطاقة، وكذلك اجتهد بعض الفلاسفة فقالوا إن المادة لم نلمسها ونحس بوجودها إلا بتوسط قوى تؤثر على حواسنا، ولكن كل هذه الآراء وشبيهتها
стр. 1081
اعتبرت أنها استنتاج نظري، وعارضهم سواد العلماء فقالوا إنه من المستحيل تحويل المادة إلى طاقة وإن من طبيعة الثانية أن تحرك الأولى وتعمل فيها.
ثم بدأ الدكتور في فصل آخر يتكلم عن نتائج فناء المادة فأعاد قوله ممهداً أن المادة ليست أبدية وأنها تحوي مجتمعاً هائلاً من القوة، وإنها تختفي متحولة إلى قوة أخرى قبل أن تعود إلى ما نسميه العدم، ثم قال إنه يجوز لنا أنا نقول أنه إذا ظللنا عاجزين عن خلق المادة فإنا عارفون على الأقل كيف نعدمها من غير أن يكون لها عودة: وإن الشعار القديم لا شيء يخلق نفسه، ولا شيء يفنى يجب أن يغير بشعار جديد، هو لا شيء يخلق نفسه، وكل شيء يفني.
وقال إن الأهمية النظرية الناشئة من هذه الآراء خطيرة ذات بال فإن آراءه التي يدافع عنها اليوم ويسندها بالحجيج، لم تكن في العصر الذي اهتدى فيه إليها متينة الحجة والدفاع، وقد أمسك كثيرون عن إعلان مبلغ الأساس العلمي الضروري الذي يكفله مذهب بقاء المادة ومن ثم ترى هربرت سبنسر في فصل له عنوانه استحالة انعدام المادة يقول إذا استطعنا أن نتصور أن المادة يمكن أن تصير غير موجودة، كان لزاماً علينا أن نعترف بأن العلم والفلسفة أمران محالان ولا يخفي أن في هذه الجملة شيئاً من المبالغة والمغالاة فإن الفلسفة لم تتكلف يوماً أن تلقي بنفسها في عالم الاختراعات الحديثة، بل إن الفلسفة تتبع هذه الاختراعات، ولكن لا تسبقها.
وليس الفلاسفة وحدهم الذين يصرحون باستحالة نفقد فكرة أبدية المادة، بل كتب منذ سنين العالم الكيماوي باكويه وكان أستاذاً في جامعة الطب بباريس ما يأتي.
لم نر يوماً أن القابل للوزن يريد المادة يتحول إلى غيرها القابل للوزن أي الأثير بل إن عالم الكيمياء بأسره قائم على قانون عدم وجود مثل هذا التحول، أما إذا كان له وجود، فقل إذن السلام على النسب الجبرية الكيماوية!.
ويقول الدكتور رداً عليه أنه مصيب في تخوفه لأنه إذا كان انتقال المادة إلى الأثير شديد السرعة، وجب علينا أن نتخلى لا عن النسب الجبرية للكيمياء وحدها، بل عن النسب الجبرية للميكانيكا معها، ولكن هذه النسب لا تتأثر، لأن فناء المادة يسير ببطء شديد غير محسوس، وإن فقد ما يقل عن واحد من مائة من المليجرام، لا يمكن أن يظهر في كفة
стр. 1082
الميزان ولذلك لا يحسب الكيماويون له حساباً.
أما الأهمية الحقيقية لمذهب فناء المادة وانتقالها أولاً إلى القوة، فلا تظهر إلا عندما نجد الوسائل التي تساعد على الانحلال السريع، فإذا جاء ذلك اليوم الذي يحصل الإنسان فيه عفواً على مصدر قوة لا نهاية لها، مهيأة لخدمته، فإن العالم ستتغير لاشك معالمه، ولكنا لسنا الآن عند ذلكم اليوم.
وفي الحقيقة ليس لهذه الآراء إلا أهمية علمية بحتة، وستظل في الحالة الراهنة مفتقرة إلى استعمالات كثيرة افتقار الكهرباء في عهد فولتا إلى مثلها.
ومع ذلك فإن أهميتها العلمية كبيرة لأنها تدل على أن محسوسات الكون التي حكم لها العلم بالبقاء والثبوت، ليست في الحقيقة ثابتة ولا قابلة للبقاء.
تعتقد الكيمياء منذ عهد لافوازييه أنها قد أظهرت لنا أنه من الممكن أن نجرد المادة من جميع خصائصها وصفاتها إلا واحدة منها - يعني أبديتها - وأنه من الهين أن نزيل الصلابة والشكل واللون والخصائص. وأن أشد الأجسام صلابة يمكن أن يتحول إلى بخار، ولكن كل هذه التغيرات لا تؤثر على جرم هذه الأجسام، بل يبقى جرمها على ما كان عليه من قبل في الوزن، فكأنه لم يمس.
وعدم تغير الأجرام في المادة هو المسألة الوحيدة المقررة الثابتة في عالم النظريات - ذلك العالم المتحرك المتحول - وهو الذي يجعل الكيماوي والعالم معاً يتبعان المادة في كل تحولاتها كأنها شيء متحرك متحول، ولكن مع ذلك غير قابل للانعدام، وبعبارة أخرى أبدي.
وقد تحاشى العلماء والفلاسفة البحث عن تعريف دقيق صحيح للمادة، لأن عدم تغير جرمها يقف عقبة دون ذلك، وإذا قطعوا النظر عن هذه النقطة الضرورية. فكل ما يستطيعون قوله هو أن المادة هي ذلك العنصر الغامض المتحول الذي تنشأ منه العوالم والمخلوقات التي تعيش فيها.
أما ثبات الجرم أو بقاؤه فراجح الأهمية، لأن عليه ينهض عالماً الكيمياء والميكانيكا.
وقد أضافوا إلى ذلك فكرة أخرى وهي انه لما كانت المادة لا تستطيع أن تخرج بنفسها من جمودها فقد استعين على تحريكها بجوهر مجهول عرفوه باسم القوة. ولذلك فصل علم
стр. 1083
الطبيعة بينهما حتى اليوم، ولكن العلم الحديث جمع بينهما في اسم واحد هو الطاقة، وهكذا قام على أنقاض المذاهب العتيقة، بعد اجتهاد قرن كامل قوتان كبيرتان، أولاهما المادة وثانيتهما الطاقة لتحريكها.
هذه هي الآراء والنظريات الأساسية الذي ينهض عليها العالم الحديث، والتي تؤدي أبحاث سر تطور المادة إلى تقويض أركانها ونقض دعائمها.
وقد ختم الدكتور جوستاف لوبون الفصل الأول بقوله إذا كان قانون بقاء المادة سيهدم من هذه الضربات التي تزعزع ركنه، كان حقاً علينا أن نقول أن ليس في العالم شيء أبدى، وسيحكم على العلم بالنظر في تلك الآراء التي تعمل في كل المحسوسات، وهي النشوء والنمو والانحطاط والموت. . .
هذا هو العلم يضع يده في يد الدين، ويشهد له في مسألة ذات مكان وخطورة عندهما، وليطمئن علماء الدين، ولتقر أعينهم وليمضوا في دينهم مضي العلماء في علمهم، فإن الدين والعلم دائرتان مشتركتان في المركز، وذلكم المركز المشترك هو الحق.
стр. 1084
تاريخ النزاع بين العلم والدين
من بين أنصار الإسلام من الفرنجة - وكثيرهم - والشهور العدول على تقدم العرب وسبقهم الغرب في تأسيس بناء المدينة الحديثة واكتشاف أغلب العلوم المصرية، فيلسوف أميركي طائر الذكر بين أمريكا وأوروبا والشرق، وهو الفيلسوف دريبر صاحب ذلك الكتاب الخالد وهو تاريخ النزاع بين العلم والدين الذي طالما استشهد به أستاذنا الإمام محمد عبده ﵁ في دفاعه عن الإسلام وردوده على منكري فضله، وكان لذلكم الكتاب أثر كبير في البلاد الغربية وطبع نحواً من ثلاثين مرة، وقد دافع فيه المؤلف عن الإسلام، وشهد بأسبقية العرب، وفي الكتاب فصول جليلة شائقة في منشأ العلم ومنشأ المسيحية، والنزاع بين العلم والدين في مسائل الروح وعمر الأرض وطبيعة العالم وقانون الكون، والمسيحية وعلاقتها بالتمدين الحديث. وكذلك علاقة العلم به، والأزمة الدينية المتوقع حدوثها في أوروبا وهو آخر مباحث الكتاب.
ونحن نقتطف اليوم الفصل الخاص بالعلم وعلاقته بالمدينة الحديثة، وسننقل إلى قراء البيان كل فصول هذا الكتاب القيم، في كل عدد فصل يكون كأنه موضوع مستقل.
стр. 1085
العلم وأمريكا
إذا كنا نجد في تاريخ أوروبا في عصر إصلاحها الديني آثار العوامل التي أحدثتها المسيحية الكاثوليكية لرقي المدينة وتقدمها، فإن في تاريخ أمريكا إذا نحن خبرناه اليوم آثاراً كثيرة من آثار العلم.
في مدن القرن السابع عشر أقبل شتيت من الفرنجة وشراذم من أهل الغرب يستوطنون الساحل الغربي للمحيط الأطلانطي، فأما الفرنسيون ففتنتهم أسماط نيوفوندلاند وحيتانها فاتخذوا لهم مستعمرة صغيرة شمال نهر سانت لورانس، وأما إخوانهم الإنجليز والهولانديون والسويديون فاحتلوا ساحل القسم المعروف بإنجلترا الجديدة وفي الولايات الوسطى، وأقام قوم من الهوجينوت في ولايات الكارولينا وأهطع جمع من الأسبان إلى شبه جزيرة فلوريدا أثر إشاعة مفادها أن هناك عيناً تكسب الشارب منها الشباب المقيم.
وكان وراء تخوم تلك القرى التي بناها أولئكم الجوابون أرض واسعة مجهولة يسكنها قوم من الهنود شأنهم التجواب والتجوال، ولم يكن يزيد عددهم من خليج المكسيك إلى نهر سانت لروانس عن مائة وثمانين ألفاً، ومنهم علم أولئك الأوروبيون أن في تلك الأقاليم النائية بحيرات ذات ماء عذب، ونهراً عظيماً يسمونه الميسيسيبي ومنهم من قال أنه يجري في إقليم فرجينيا إلى المحيط الأطلانطي، وقال آخرون أنه يشق شبه جزيرة فلوريدا، وقال غيرهم أنه يدفع إلى المحيط الهادي، واعتقد البعض أنه يدفع إلى خليج المكسيك.
وكأنما هؤلاء المستعمرة إذ خرجوا من بلادهم، وفصلهم المحيط العاصف المزبد، وقطعوا في اختراقه أشهراً عدة، فقد فقدهم العالم، وأضاعتهم معارف الأرض.
على أنه لم يكد ينتهي أجل القرن التاسع عشر حتى أصبح نسل أولئكم المستعمرة الضعفاء قوة من أعظم قوى الأرض.
أسسوا جمهورية جمع سلطانها بين المحيطين. وهزموا مهاجماً من عصرهم، ومحارباً من أهليهم، بجيش يبلغ عديده أكثر من نصف مليون رجل، لا على الورق، بل ساحة الحرب، وميدان القتال، وأجروا في البحر ما يقرب من سبعمائة من جواري الحرب تحمل خمسة آلاف مدفع منها ما هو أثقل مدافع الأرض وزناً، وتبلغ حمولتها نصف مليون طن، ولقد صرفوا في سبيل الذود عن حياتهم القومية في أقل من خمسة أعوام ما يربي على أربعة ملايين من الريالات، وقد ظهر من تعدادهم أنهم يزيدون بمقدار الضعف في كل خمسة
стр. 1086
وعشرين سنة فلا جرم إذا توقعنا أن يصبح عدادهم في نهاية هذا القرن نحو من مائة مليون.
لقد استحالت تلكم الأرض الساكنة إلى أرض صناعية كثيرة الجلبة والضوضاء، وأصبحت تدوي بأصوات الآلات وتضج بحركات العمال والرجال، وتبدلت الغاية الكثيفة بمئات المدن، وتحولت الأجمة الملتفة بعشرات البلدان، وكفلت للتجارة المقادير الوافرة من الأقوات والمحصولات مثل القطن والتبغ والمأكولات، وأخرجت الأرض أثقالها من الذهب والفحم والحديد، وجمعوا إلى هذه القوة المادية قوة أخلاقية فأنشئت الكنائس، وأقيمت المعاهد، وفتحت المدارس ومدت السكك الحديدية. وفاقت في طوله أطول خطوط أوروبا جميعاً إذ بلغ في سنة ١٨٧٣ مجموع طول سكك حديد أوروبا ثلاثاً وستين ألفاً وثلاثمائة وستين ميلاً. على حين أن قد بلغت في أمريكا سبعين ألفاً وستمائة وخمسين من الأميال. ولقد وصلت سكة واحدة منها بين المحيط الأطلانطي والمحيط الهادي.
ولا ينبغي أن نقتصر على التنويه بهذه النتائج المادية بل هناك نتائج أخلاقية تلفت الأبصار. فقد أطلقوا سراح أربعة ملايين من الزنوج. وأخرجوهم من أسار الرق والاستعباد وإذا كانت القوانين الأمريكية تجنح إلى خدمة طبقة من الطبقات فهي طبقة الفقراء إذ أرادت أن ترفعهم من فقرهم وتحسن حالهم. ومن ثم تمهدت للنبوغ كل سبيل وذل كل شيء أمام العلم والجهد. ولقد شغل أعظم الوظائف رجال نهضوا بأنفسهم من أحقر مراتب الحياة وأسفل درك العيش. وإذا كانوا قد فقدوا المساواة الاجتماعية. إذ لا تتفق المساواة الاجتماعية للجماعات الغنية. فقد اعتاضوا عنها بالمساواة المدنية.
وقد يقول قائل إن هذه السعادة نتجت من أحوال خاصة إذ لم يتوفر مثلها لعشب قبلهم. ونديب لقد كان هناك عالم فسيح ممهد للعمل. وقارة بأسرها ذلول لمن يريد امتلاكها لا تطلب إلا الكد والناس للتغلب على قوى الطبيعة والاستحواذ علي ثمرات هذا التغلب.
ولكن أليس من اللازم أن يكون هؤلاء القوم على مبدأ عظيم وهم يحولون المجاهل الساكنة إلى مقام للمدينة، ويمشون في تلك المناكب لا تروعهم مظلمة الغابات ولا الأنهار ولا الصحارى ولا الجبال، ويدفعون على سبيل الفتح في مدى قرن واحد فيصلون بين الأوقيانوسين، ويمتلكون ما بينهما امتلاكاً؟.
стр. 1087
دعنا نقارن هذه النتائج بنتائج فتح الأسبان بلاد المكسيك وبلاد بيرو فقد هدم الأسبان في هذين البلدين بناء مدينة عجيبة، كانت في كثير من الوجوه أعلى من مدنيتهم قدراً وأسمى، مدينة اكتملت بغير الحديد، وتمت دون البارود، مدينة نهضت بالزراعة التي لا يعينها جهد الجواد ولا الثور ولا المحراث.
لقد دخل الأسبان هذين البلدين من غير حرب ولا قتال، ولم يعقهم دون الفتح عائق، ولكنهم هدموا كل ما شاد أهلوهما، وطاحوا بملايين منهم، وقذفوا في لجة الفوضى بأمتين عاشتا قديماً في ظل الرضى والرخاء وتحت حكومة شهد تاريخهما بأنها ألزم لهم وأوفق حالاً، وروجوا بينهما الأوهام، ونشروا الخرافات، وانتقل ملكهم وأنعمهم وخيراتهم إلى حوزة الكنيسة الرومانية!.
هذا مثال من أمثلة تأثير العلم أخذته من تاريخ أميركة، ولم أشأ أن أختار مثله من تاريخ أوروبا، لأن هذا المثال يصور لنا قيمة المبدأ العملي الحر الذي لا تخالجه حال لا ضرورة لها وقبل البحث في تأثير العلم ونتائجه، أريد أن آتي هنا بكلمة مجملة في تاريخ دخول العلم أوروبا.
стр. 1088
تاريخ العلم في أوروبا
لم تقتصر الحروب الصليبية على جلب طائل الأموال إلى روما، تلك الأموال التي كانت تدفعها كل أمة مسيحية من خوف أو من تقي. بل كانت تزيد في سلطة البابا ونفوذه إلى حد كان شديد الخطر. وقد تغلبت السلطة الروحانية على أختها السياسية في كل مملكة من ممالك الغرب. وانزوت السلطة السياسية وأصبحت خادمة للأولى. وكان يفيض على روما من كل فج ومكان جداول من الذهب. وينابيع من المال. ومن ثم وجد الملوك والأمراء السياسيون إنهم لم يبق لهم من خير ممالكهم إلا الدخل النزر الطفيف. فرأى فيليب الجميل ملك فرنسا في عام ١٣٠٠ من مولد السيد المسيح أن يمنع خروج هذه الأموال الطائلة من مملكته. وذلك بتحريم تصدير الذهب والفضة من البلاد الفرنسية دون ترخيص منه. ولم يقف اعتزامه عند ذلك بل أجمع على أن يجعل طبقة الكهنوت تدفع إليه الأتاوات والضرائب. فقام من جراء ذلك بينه وبين البابا حرب طاحنة. إذ حكم عليه البابا بالطرد من الكنيسية ولكي يكيل الملك له بكيله اتهم البابا بونيفاس الثامن بالالحاد، وطلب أن يتألف لمحاكمته مجلس عام، وأنفذ عصبة من رجاله الأوفياء إلى إيطاليا، فقبضوا على البابا وهو في قصره بأنا جني، وعسفوه عسفاً شديداً عجل بموته، وخلفه على كرسيه بنديكت الحادي عشر فلم يمض عليه إلا الزمن اليسير حتى مات مسموماً.
وعزم الملك فيليب علي أن يتقي الباباوية ويصلح فاسدها حتى لا تصبح بعد ذلك نهباً مقسماً بين بعض الأسرات الطليانية التي كانت في ذلك الحين تصوغ من دين أوروبا وتخرج من عقيدتها ذهباً وهاجاً، وأجمع أمره على أن يكون لفرنسا في هذه السلطة نصيب، ومن ثم صلحت ذات البيت بينه وبين كرادلة الباباوية، وارتقى أسقف من الفرنسيين إلى منصب رئيس الكهنة وغاب عليه اسم كليمنت الخامس، ونقل بلاط البابا من روما إلى أفينيو في فرنسا، ولم تعد روما حاضرة المسيحية.
ومضى بعد ذلك سبعون عاماً قبل أن تعود الباباوية إلى روما المدينة الأبدية، وكان ذلك في سنة ١٣٧٦، وأن تقلص سلطاتها في إيطاليا أفسح المجال لنهضة فكرية مشهودة، ظهرت معالمها في مدن شمال إيطاليا التجارية وحدث في ذلك العهد أحداث أعانت على تقدم هذه النهضة. فإن خاتمة الحروب الصليبية قد أضعفت الإيمان بالمسيحية والركون إليها. إذ كان نتاجها التخلي عن الأرض المقدسة. أي أورشليم وأرباضها وتركها في أيدي العرب. ولقد
стр. 1089
رجع من وطيس القتال آلاف المسيحيين فلم يترددوا في الشهادة لأعدائهم العرب. بأنهم ليسوا كما صورتهم الكنيسة ووصفهم أحبارها وكهانها. وإنما هم قوم مساعير حرب كرماء عدول. وانتشرت في جنوب فرنسا ومدنها المشرقة الزاهية. أريحية للأدب. وخفة للقصص الغرامية. أعان عليها أغنية الرحالة. وشجعتها نشائدهم. ولم تكن أغانيهم مقصورة على التشبيب والنسيب والبطولة والمعامع والحروب. بل كثر ما احتوت وصف المنكرات والفظائع التي كان رجال البابا وصنائعه يرتكبونها مثل المذابح الدينية التي وقعت في لانجويدوك. بل كثر ما قصدت إلى تمثيل المحرمات التي كان الكهنة يحتقبونها. من عشق غير مشروع. وصبابة غير مسموحة. وأخذت الفروسية والبطولة عن أسبانيا. وجاء معهما تلكم الفكرة النبيلة والعاطفة المحمودة. ونعني بها كلمة الشرف الذاتي التي قدر لها دهراً أن تستن لنفسها قانوناً في أوروبا.
ولم تكن رجعى الباباوية إلى روما ليرد لها سلطانها في شبه جزيرة إيطاليا. بل مضي جيلان على انتقالها ولم تسترجع بعض نفوذها ولو كانت قد عادت إلى حاضرتها الأولى بقوتها الأولى وبأسها السابق لما استطاعت أبداً أن تحارب تلك النهضة الفكرية التي كانت آخذة في التقدم في غيابها ولم ترجع الباباوية إلى روما لتحكم بل لتنقسم على نفسها، وقد خرج من هذه الضائقة وهذا الخلاف باباوان مزاحمان، وخرج إليهما ثالث يريد المنصب لنفسه وطفق كل منهم يطلب حقه ويسال منصته، ويبهل الآخر ويلعنه فأثار ذلك في أوروبا شرقها وغربها سخطاً عاماً وغضبة مسيحية وإجماعاً على إنهاء هذه المآسي المعيبة والمناظر الشائنة وتساءل المسيحيون كيف تصدق فكرة قبول قسيس لله على الأرض بل كيف تصدق فكرة بابا معصوم لا يخطئ ولا يأثم وهذه المضحكات المنديات، ولذلك عزم أشد رجال الدين قوة وبأساً على تأليف مجلس عام يكون هو المجلس الديني القائم على شؤون أوروبا بأجمعها ويكون البابا رئيسه المنفذ لقوانينه وأحكامه ولكن هذا الرأي لم يحقق ولو فعلوا لما كان حتى اليوم نزاع بين العلم والدين ولما نتج الإصلاح الديني ولما كان هناك شيع البروتستانت وشنشنتهم ولكن المجلس الذي عقد في كونستانس من أعمال سويسرا والمجلس الذي قام أيضاً في مدينة بازل لم يفلحا في تقويض سلطات البابا ولم ينجحا في الإتيان بهذه النتيجة المرضية.
стр. 1090
وكذلك كانت الكاثوليكية في ضعف وتقهقر، وكلما رفع تأثير ضغطها، وانتزع منها بعض سلطانها، كان النبوغ الفكري في ارتقاء وظهور، وحوال ذلك الحين كان العرب قد اخترعوا طريقة صنع الوق من إطمار النيل وأخلاق القطن. وكان البندقيون أهل فينسيا قد نقلوا إلى أوروبا فن الطباعة من الصين. وكانت ضرورية لاختراع العرب. ومن ثم أصبح بين العالم تبادل فكري عام. لا يقف في سبيله عائق أو رصد. ولقد كان اختراع الطباعة ضربة قاضية على الكاثوليكية. وكانت من قبل تنعم بفائدة كبرى لا تقدير لها. وهي احتكار كل صلة بين الناس وكل تبادل. إذ كانت تنفذ من مقر أمرها في روما كل ما تسن من شريعة وتأمر من أمر إلى رجالاتها وصنائعها. وهؤلاء يدفعون بها إلى الناس من فوق المنابر ولكن جاءت المطبعة فأفقدتها هذا الاحتكار، وهدمت منها كل سلطة، وضاع في هذه العصور الحديثة تأثير المنابر، واستعيضت الصحيفة عن المنبر، ولكن الكاثوليكية لم تشأ أن تدلي بنعمتها القديمة دون حرب ونزاع، ولم ترض أن تنزل عن احتكارها دون مقاومة وقتال، بل لم تكد تكتشف عقبى ذلك الفن الجديد فن الطباعة حتى حاولت أن تضع له حداً، وتنشئ عليه رقابة، فوضعت قانوناً يقول بعدم جواز طبع كتاب دون ترخيصها، ومن ثم كان لزاماً على كل مؤلف أن يقدم كتابه إلى الكهنة فيقرؤه ويختبروه ويروا فيه رأيهم، وكان يجب أن يشهدوا له بأنه كتاب ديني قويم، وأصدر الباب اسكندر السادس سنة ١٥٠١ أمراً بحرم أصحاب المطابع الذين يطبعون التعاليم النكراء، وأمر المجس العام في عام ١٥١٥ بأن لا يطبع من الكتب إلا ما اختبره النقاد الدينيون، والأعوقب الطابع بالحرم والتغريم وقد وصى النقاد بأن يعنوا العناية الكبرى بأن لا يسمحوا بطبع كتاب يخالف الدين القديم وكذلك كانوا يرهبون كل بحث ديني ويخافون أن يخرج إليهم الحق من معتزله.
ولكن ما كانت قوي الجهل ومقاومته للحفق لتظفر بالغلب بعدما كفل الناس بينهم وسيلة للتبادل الفكري وهكذا انتهى الصراع وخرجت للعالم الصحف العصرية ولكنها لم تكن بادئ بدء حرفة قوم كثيرين وإن المجتمع الحاضر يرجع ارتقاءه ومزاياه إلى هذا التغير.
هذه هي نتيجة نقل صناعة الورق وفن الطباعة إلى أوروبا وكذلك كان إدخال بيت الإبرة أوروبا إذ تبعه كثير من النتائج المادية والأدبية وهي: كشف أميركا على أثر المنافسة التي قامت بين أهل فينسيا وأهل جنوه على تجارة الهند واجتياز داجاما ساحل الكاب وبلوغه
следующие страницы →