← Адаб

Адаб · id 73348

مجلة البيان للبرقوقي

البرقوقي

Полный текст (3 596 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

وعشرين سنة فلا جرم إذا توقعنا أن يصبح عدادهم في نهاية هذا القرن نحو من مائة مليون. لقد استحالت تلكم الأرض الساكنة إلى أرض صناعية كثيرة الجلبة والضوضاء، وأصبحت تدوي بأصوات الآلات وتضج بحركات العمال والرجال، وتبدلت الغاية الكثيفة بمئات المدن، وتحولت الأجمة الملتفة بعشرات البلدان، وكفلت للتجارة المقادير الوافرة من الأقوات والمحصولات مثل القطن والتبغ والمأكولات، وأخرجت الأرض أثقالها من الذهب والفحم والحديد، وجمعوا إلى هذه القوة المادية قوة أخلاقية فأنشئت الكنائس، وأقيمت المعاهد، وفتحت المدارس ومدت السكك الحديدية. وفاقت في طوله أطول خطوط أوروبا جميعاً إذ بلغ في سنة ١٨٧٣ مجموع طول سكك حديد أوروبا ثلاثاً وستين ألفاً وثلاثمائة وستين ميلاً. على حين أن قد بلغت في أمريكا سبعين ألفاً وستمائة وخمسين من الأميال. ولقد وصلت سكة واحدة منها بين المحيط الأطلانطي والمحيط الهادي. ولا ينبغي أن نقتصر على التنويه بهذه النتائج المادية بل هناك نتائج أخلاقية تلفت الأبصار. فقد أطلقوا سراح أربعة ملايين من الزنوج. وأخرجوهم من أسار الرق والاستعباد وإذا كانت القوانين الأمريكية تجنح إلى خدمة طبقة من الطبقات فهي طبقة الفقراء إذ أرادت أن ترفعهم من فقرهم وتحسن حالهم. ومن ثم تمهدت للنبوغ كل سبيل وذل كل شيء أمام العلم والجهد. ولقد شغل أعظم الوظائف رجال نهضوا بأنفسهم من أحقر مراتب الحياة وأسفل درك العيش. وإذا كانوا قد فقدوا المساواة الاجتماعية. إذ لا تتفق المساواة الاجتماعية للجماعات الغنية. فقد اعتاضوا عنها بالمساواة المدنية. وقد يقول قائل إن هذه السعادة نتجت من أحوال خاصة إذ لم يتوفر مثلها لعشب قبلهم. ونديب لقد كان هناك عالم فسيح ممهد للعمل. وقارة بأسرها ذلول لمن يريد امتلاكها لا تطلب إلا الكد والناس للتغلب على قوى الطبيعة والاستحواذ علي ثمرات هذا التغلب. ولكن أليس من اللازم أن يكون هؤلاء القوم على مبدأ عظيم وهم يحولون المجاهل الساكنة إلى مقام للمدينة، ويمشون في تلك المناكب لا تروعهم مظلمة الغابات ولا الأنهار ولا الصحارى ولا الجبال، ويدفعون على سبيل الفتح في مدى قرن واحد فيصلون بين الأوقيانوسين، ويمتلكون ما بينهما امتلاكاً؟.

стр. 1087

دعنا نقارن هذه النتائج بنتائج فتح الأسبان بلاد المكسيك وبلاد بيرو فقد هدم الأسبان في هذين البلدين بناء مدينة عجيبة، كانت في كثير من الوجوه أعلى من مدنيتهم قدراً وأسمى، مدينة اكتملت بغير الحديد، وتمت دون البارود، مدينة نهضت بالزراعة التي لا يعينها جهد الجواد ولا الثور ولا المحراث. لقد دخل الأسبان هذين البلدين من غير حرب ولا قتال، ولم يعقهم دون الفتح عائق، ولكنهم هدموا كل ما شاد أهلوهما، وطاحوا بملايين منهم، وقذفوا في لجة الفوضى بأمتين عاشتا قديماً في ظل الرضى والرخاء وتحت حكومة شهد تاريخهما بأنها ألزم لهم وأوفق حالاً، وروجوا بينهما الأوهام، ونشروا الخرافات، وانتقل ملكهم وأنعمهم وخيراتهم إلى حوزة الكنيسة الرومانية!. هذا مثال من أمثلة تأثير العلم أخذته من تاريخ أميركة، ولم أشأ أن أختار مثله من تاريخ أوروبا، لأن هذا المثال يصور لنا قيمة المبدأ العملي الحر الذي لا تخالجه حال لا ضرورة لها وقبل البحث في تأثير العلم ونتائجه، أريد أن آتي هنا بكلمة مجملة في تاريخ دخول العلم أوروبا.

стр. 1088

تاريخ العلم في أوروبا لم تقتصر الحروب الصليبية على جلب طائل الأموال إلى روما، تلك الأموال التي كانت تدفعها كل أمة مسيحية من خوف أو من تقي. بل كانت تزيد في سلطة البابا ونفوذه إلى حد كان شديد الخطر. وقد تغلبت السلطة الروحانية على أختها السياسية في كل مملكة من ممالك الغرب. وانزوت السلطة السياسية وأصبحت خادمة للأولى. وكان يفيض على روما من كل فج ومكان جداول من الذهب. وينابيع من المال. ومن ثم وجد الملوك والأمراء السياسيون إنهم لم يبق لهم من خير ممالكهم إلا الدخل النزر الطفيف. فرأى فيليب الجميل ملك فرنسا في عام ١٣٠٠ من مولد السيد المسيح أن يمنع خروج هذه الأموال الطائلة من مملكته. وذلك بتحريم تصدير الذهب والفضة من البلاد الفرنسية دون ترخيص منه. ولم يقف اعتزامه عند ذلك بل أجمع على أن يجعل طبقة الكهنوت تدفع إليه الأتاوات والضرائب. فقام من جراء ذلك بينه وبين البابا حرب طاحنة. إذ حكم عليه البابا بالطرد من الكنيسية ولكي يكيل الملك له بكيله اتهم البابا بونيفاس الثامن بالالحاد، وطلب أن يتألف لمحاكمته مجلس عام، وأنفذ عصبة من رجاله الأوفياء إلى إيطاليا، فقبضوا على البابا وهو في قصره بأنا جني، وعسفوه عسفاً شديداً عجل بموته، وخلفه على كرسيه بنديكت الحادي عشر فلم يمض عليه إلا الزمن اليسير حتى مات مسموماً. وعزم الملك فيليب علي أن يتقي الباباوية ويصلح فاسدها حتى لا تصبح بعد ذلك نهباً مقسماً بين بعض الأسرات الطليانية التي كانت في ذلك الحين تصوغ من دين أوروبا وتخرج من عقيدتها ذهباً وهاجاً، وأجمع أمره على أن يكون لفرنسا في هذه السلطة نصيب، ومن ثم صلحت ذات البيت بينه وبين كرادلة الباباوية، وارتقى أسقف من الفرنسيين إلى منصب رئيس الكهنة وغاب عليه اسم كليمنت الخامس، ونقل بلاط البابا من روما إلى أفينيو في فرنسا، ولم تعد روما حاضرة المسيحية. ومضى بعد ذلك سبعون عاماً قبل أن تعود الباباوية إلى روما المدينة الأبدية، وكان ذلك في سنة ١٣٧٦، وأن تقلص سلطاتها في إيطاليا أفسح المجال لنهضة فكرية مشهودة، ظهرت معالمها في مدن شمال إيطاليا التجارية وحدث في ذلك العهد أحداث أعانت على تقدم هذه النهضة. فإن خاتمة الحروب الصليبية قد أضعفت الإيمان بالمسيحية والركون إليها. إذ كان نتاجها التخلي عن الأرض المقدسة. أي أورشليم وأرباضها وتركها في أيدي العرب. ولقد

стр. 1089

رجع من وطيس القتال آلاف المسيحيين فلم يترددوا في الشهادة لأعدائهم العرب. بأنهم ليسوا كما صورتهم الكنيسة ووصفهم أحبارها وكهانها. وإنما هم قوم مساعير حرب كرماء عدول. وانتشرت في جنوب فرنسا ومدنها المشرقة الزاهية. أريحية للأدب. وخفة للقصص الغرامية. أعان عليها أغنية الرحالة. وشجعتها نشائدهم. ولم تكن أغانيهم مقصورة على التشبيب والنسيب والبطولة والمعامع والحروب. بل كثر ما احتوت وصف المنكرات والفظائع التي كان رجال البابا وصنائعه يرتكبونها مثل المذابح الدينية التي وقعت في لانجويدوك. بل كثر ما قصدت إلى تمثيل المحرمات التي كان الكهنة يحتقبونها. من عشق غير مشروع. وصبابة غير مسموحة. وأخذت الفروسية والبطولة عن أسبانيا. وجاء معهما تلكم الفكرة النبيلة والعاطفة المحمودة. ونعني بها كلمة الشرف الذاتي التي قدر لها دهراً أن تستن لنفسها قانوناً في أوروبا. ولم تكن رجعى الباباوية إلى روما ليرد لها سلطانها في شبه جزيرة إيطاليا. بل مضي جيلان على انتقالها ولم تسترجع بعض نفوذها ولو كانت قد عادت إلى حاضرتها الأولى بقوتها الأولى وبأسها السابق لما استطاعت أبداً أن تحارب تلك النهضة الفكرية التي كانت آخذة في التقدم في غيابها ولم ترجع الباباوية إلى روما لتحكم بل لتنقسم على نفسها، وقد خرج من هذه الضائقة وهذا الخلاف باباوان مزاحمان، وخرج إليهما ثالث يريد المنصب لنفسه وطفق كل منهم يطلب حقه ويسال منصته، ويبهل الآخر ويلعنه فأثار ذلك في أوروبا شرقها وغربها سخطاً عاماً وغضبة مسيحية وإجماعاً على إنهاء هذه المآسي المعيبة والمناظر الشائنة وتساءل المسيحيون كيف تصدق فكرة قبول قسيس لله على الأرض بل كيف تصدق فكرة بابا معصوم لا يخطئ ولا يأثم وهذه المضحكات المنديات، ولذلك عزم أشد رجال الدين قوة وبأساً على تأليف مجلس عام يكون هو المجلس الديني القائم على شؤون أوروبا بأجمعها ويكون البابا رئيسه المنفذ لقوانينه وأحكامه ولكن هذا الرأي لم يحقق ولو فعلوا لما كان حتى اليوم نزاع بين العلم والدين ولما نتج الإصلاح الديني ولما كان هناك شيع البروتستانت وشنشنتهم ولكن المجلس الذي عقد في كونستانس من أعمال سويسرا والمجلس الذي قام أيضاً في مدينة بازل لم يفلحا في تقويض سلطات البابا ولم ينجحا في الإتيان بهذه النتيجة المرضية.

стр. 1090

وكذلك كانت الكاثوليكية في ضعف وتقهقر، وكلما رفع تأثير ضغطها، وانتزع منها بعض سلطانها، كان النبوغ الفكري في ارتقاء وظهور، وحوال ذلك الحين كان العرب قد اخترعوا طريقة صنع الوق من إطمار النيل وأخلاق القطن. وكان البندقيون أهل فينسيا قد نقلوا إلى أوروبا فن الطباعة من الصين. وكانت ضرورية لاختراع العرب. ومن ثم أصبح بين العالم تبادل فكري عام. لا يقف في سبيله عائق أو رصد. ولقد كان اختراع الطباعة ضربة قاضية على الكاثوليكية. وكانت من قبل تنعم بفائدة كبرى لا تقدير لها. وهي احتكار كل صلة بين الناس وكل تبادل. إذ كانت تنفذ من مقر أمرها في روما كل ما تسن من شريعة وتأمر من أمر إلى رجالاتها وصنائعها. وهؤلاء يدفعون بها إلى الناس من فوق المنابر ولكن جاءت المطبعة فأفقدتها هذا الاحتكار، وهدمت منها كل سلطة، وضاع في هذه العصور الحديثة تأثير المنابر، واستعيضت الصحيفة عن المنبر، ولكن الكاثوليكية لم تشأ أن تدلي بنعمتها القديمة دون حرب ونزاع، ولم ترض أن تنزل عن احتكارها دون مقاومة وقتال، بل لم تكد تكتشف عقبى ذلك الفن الجديد فن الطباعة حتى حاولت أن تضع له حداً، وتنشئ عليه رقابة، فوضعت قانوناً يقول بعدم جواز طبع كتاب دون ترخيصها، ومن ثم كان لزاماً على كل مؤلف أن يقدم كتابه إلى الكهنة فيقرؤه ويختبروه ويروا فيه رأيهم، وكان يجب أن يشهدوا له بأنه كتاب ديني قويم، وأصدر الباب اسكندر السادس سنة ١٥٠١ أمراً بحرم أصحاب المطابع الذين يطبعون التعاليم النكراء، وأمر المجس العام في عام ١٥١٥ بأن لا يطبع من الكتب إلا ما اختبره النقاد الدينيون، والأعوقب الطابع بالحرم والتغريم وقد وصى النقاد بأن يعنوا العناية الكبرى بأن لا يسمحوا بطبع كتاب يخالف الدين القديم وكذلك كانوا يرهبون كل بحث ديني ويخافون أن يخرج إليهم الحق من معتزله. ولكن ما كانت قوي الجهل ومقاومته للحفق لتظفر بالغلب بعدما كفل الناس بينهم وسيلة للتبادل الفكري وهكذا انتهى الصراع وخرجت للعالم الصحف العصرية ولكنها لم تكن بادئ بدء حرفة قوم كثيرين وإن المجتمع الحاضر يرجع ارتقاءه ومزاياه إلى هذا التغير. هذه هي نتيجة نقل صناعة الورق وفن الطباعة إلى أوروبا وكذلك كان إدخال بيت الإبرة أوروبا إذ تبعه كثير من النتائج المادية والأدبية وهي: كشف أميركا على أثر المنافسة التي قامت بين أهل فينسيا وأهل جنوه على تجارة الهند واجتياز داجاما ساحل الكاب وبلوغه

стр. 1091

الهند من طريق ساحل أفريقيا ودوران ماجلان حول الأرض في سفينته فيكتوريا وعلى ذكر هذه النتيجة الأخيرة وهي أعظم عمل في تاريخ الإنسان نقول إن الكاثوليكية كانت تعتقد اعتقاداً لا رجوع عنه ولا رد له إن الأرض مسطحة والسماء مهاد الجنة والجحيم في العالم الأسفل وقام بعض رجالاتها ممن لهم المكان الأسمى فأتى بحجيج فلسفية دينية يرد بها على فكرة كروية الأرض ولكن انتهى النزاع فجأة اليوم ووجدت الكنيسة نفسها على خطأ. ولم تكن هذه وحدها النتيجة الكبرى التي تبعث تلك السياحات الثلاث بل أن روح كولومب وداجاما وماجلات سرت بين رجال الغرب وأبطاله وكانت الجماعة الإنسانية تعيش حتى ذلك العهد على ذلك المبدأ القائل: الإخلاص للملك والطاعة للكنيسة وبذلك كانت تعيش لغيرها لا لنفسها وكان أثر هذا المبدأ قد جر على الجماعات تلكم الحروب الصليبية وطاحت هذه الحروب بآلاف لا عديد لهم من قوم لم تكن لتكسبهم كسباً أو ترد لهم ربحاً بل كانت عقابها الهزيمة الكبرى والخيبة الواضحة وقد دلت التجارب على أن الرابحين منها هم الكرادلة والأحبار والكهان في روما والسفانون في البندقية، ولكن لما رأى الناس خير بلاد المكسيك وثراء أرض بيرو وبركة الهند، وعلموا أن لكل إنسان أوتي حظاً من البطولة والبأس أن يدلي فيها دلاءه ويفوز منها بقسمه، لم تلبث أن تغيرت الدواعي التي تحرك الغريبين وتستنيرهم، إذ وجدت قصة كورتيز وأخيه بزار وأريحية المستمعين في كل مجلس وندوة، وهكذا غلبت الأريحية البحرية الحمية الدينية القديمة. وإذا كنا نريد أن نستخرج المبدأ الذي قامت عليه كل التغيرات التي حدثت في المجتمع بعد ذلك؟ لم يكن ذلك من الصعب علينا، فقد كان كل إنسان يحبو من هو أعلى منه بكل مجهوداته، ولكنه أجمع منذ ذلك الحين على أن يتنعم هو وحده بثمرات عمله، وهكذا نهضت الشخصية، وتوارى الإخلاص للملك ولم يعد بعد إلا عاطفة حسية، أما عن الدين فدعنا ننظر ماذا ألم به. إن الشخصية تنهض على مبدأ أن الإنسان سيد نفسه. وإن له الحرية في تكوين آرائه ومبادئه، والسراح في إنجاز كل ما يريد، ومن ذلك فهو أبداً في منافسة وتسابق مع بني جنسه وما حياته إلا بمظهر من مظاهر القوة.

стр. 1092

وإن نقل حياة الغرب من ذلك الركود الذي أسنت فيه زهاء قرون وأجيال وأحياء مواتها وإدخال مبدأ الشخصية عليها هو تحريضها على نزاع يقوم بينها وبين المؤثرات التي كانت تعمل فيها وتظلم لها ولقد مر القرن الرابع شعر وولي على أثره القرن الخامس عشر فقامت فيهما منازعات ومناوشات كانت عنواناً على ما أتت به الأيام ونبوءة لما وقع من الأحداث بعد ذلك حتى إذا كان القرن السادس عشر في أوائله أعنى حوال عام ١٥١٧ نشبت الحرب الكبرى وقامت الموقعة المأثورة إذ تجسم مبدأ الشخصية في راهب جرماني صلب العود رابط الجأش وأعلن حقوقه في شكل ديني وكان منحاه هذا ضرورياً في بادئة الأمر وقامت إذ ذاك منازعات في مسألة بيع المغفرة وغيرها من المسائل التافهة ولكن لم يلبث أن وضح الصبح لدي عينين وعرف السبب الجوهري الداعي إلى هذا النزاع وهو أن مارتن لوثر أبى أن يفكر كما أمر رجال الدين ورفض أن يرضى بآراء أحباره وكهانه وأصر على أو له حقاً قائماً لا حول عنه وهو تفسير الإنجيل لنفسه. ولم تر روما في مارتن لوثر إذ ذاك من النظرة الأولى إلا راهباً سوقه ضعيفاً صخاباً، لا خشية منه ولا أذى، ولو استطاعت محكمة التفتيش أن تقبض عليه يومئذ لانتهت منه ومن صخبه، ولكن مضى النزاع واستمر الخلاف، ورأت الكنيسة أن مارتن لوثر ليس واقفاً إزاءها وحده بل أن وراءه آلافاً من الرجال، لهم عزيمته وثباته، كلهم وقف على عونه ونصرته فهو يمضي في القتال بقلمه وكلمه، وهم يؤيديون آراءه وينصرون مبادئه بحد المشرفيات وغرب السيوف. وقد انهال على مارتن لوثر من أفواه رجال الدين صيب من المثالب والشتائم كانت من كثرتها مضحكة. إذ قالوا أن أباه لم يكن زوج أمه بل عفريت مسيخ فسق بها، وإن مارتن مضى في حرب مع ضميره عشرة أعوام صار بعدها زنديقاً كافراً، وأنه ينكر خلود الروح. وإنه نظم في التغني بالسكر والخمر أغنيات وأناشيد، إذ كان بهذه المأثمة مولعاً، وأنه يسب الكتب السماوية. ويفرد كل السباب لموسى وأنه لم يكن يعتقد كلمة واحدة مما كان يخطب به الناس. وفوق ذلك إن الإصلاح الذي ينويه ليس من عمله وإنما من تخرص منجم. ولقد شاع على ألسنة أحبار روما أن أراسماس وضع بيضة الإصلاح ولوثر تقفها. ولقد وهمت روما بادئ بدء في ظنها أن لا شيء في تلك الحركة إلا ضجة عرضية ما

стр. 1093

تنشب أن تزول. وغاب عنها أن ترى أنها في الحقيقة خاتمة حركة داخلية كانت تعمل وتسري مدى قرنين في قلب أوروبا وتجمع لها في كل ساعة قوة وظهيراً. ولم تفكن إلى أن وجود ثلاثة باباوات يتبعهم ثلاث شيع يكره الناس على التفكير لأنفسهم. ويعلمهم أن هناك قوة أسمى من قوة البابا وأشد ركناً ومن ثم ما نشب أن قامت حروب ووقائع كان ختامها معاهدة ويستفاليا. ونزعت بذلك الممالك التي في شمال أوروبا ووسطها عنها الاستبداد الفكري الذي كان لروما عليها، وفكت الأسار الذي كانت تتقيد به أذهانها، وتقرر كذلك مبدأ الشخصية، وأسس حق الناس في حرية التفكير. ولكن لم يستطع هذا المبدأ ولا الحق الذي أسسه أن ينفرا عن الكاثوليكية، ولما كان حزب البروتستانت لم يقم إلا بالنزاع والانفصال وجب أن يأخذ دوره منهما، ولذلك خرجت منه شيع وفرق. ورأت هذه الفرق أن لا خوف عليها من عدوها الأزرق يريد روما أن بعبارة أخرى الكاثوليكية فبدأت تضرم نار الخلاف بينها، وكان من ذلك أن جعلت كل طائفة منهم تنهض بالسلطة ثم تتدهور، لتأخذ مكانها طائفة أخرى، حتى حدث من هذا التقاتل مظالم وفظائع كثيرة أدت في خاتمة الأمر إلى التسليم بمبدأ التسامح الديني، ولكن التسامح ليس إلا حالاً وسطاً، وما دامت البروتستانتية سائرة في ذلك الانقسام الفكري فإنها ستصل إلى حال أسمى وأعلى شأناً، إلى ذلك الغرض الذي ترمي به الفلسفة في كل عصر من عصور التاريخ، ونعني به تلك الحالة الاجتماعية التي تتنعم من حرية التفكير بنصيب لا تحويل له ولا انقطاع. والتسامح، إن لم يكن عن رهبة أو خوف، لا يأتي إلا من أولئك الذين يشعرون إنهم قادرون على قبول آراء غيرهم واحترامها. ولذلك كان التسامح نتاج الفلسفة وقد علمنا التاريخ أن التعصب الديني يضرم ناره، ولا يطفئها إلا الفلسفة. ولم يكن غرض الإصلاح الديني إلا أن يذهب عن المسيحية تلك الآراء والأعياد الوثنية التي أدخلها عليها قسطنطين وخلفاؤه، إذ أرادوا أن يصلحوا بينها وبين الدولة الرومانية، وما كان غرض البروتستانت إلا أن يرجعوا بها إلى نقائها الأول، ومن أجل ذلك خلصوا بها من مثل عبادة العذراء وشفاعة القديسين. وأقبل أدب العرب على المسيحية من طريقين، جنوب فرنسا، وصقلية، وجاء على أثره

стр. 1094

علومهم، فكان لها من غياب البابا في أفينيون وحركة الإصلاح، فرصة سانحة، جعلتها تستقر في إيطاليا، وجاءت فلسفة أرسطو أو الفلسفة الاستنباطية مرتدية شملة عربية خلعها عليها ابن رشد، فاتخذت لها في السر أعواناً كثيرين، وفي الجهر أتباعاً ليسوا بالفئة القليلين. ووجدت أذهاناً تائقة إلى قبولها ومن بين هؤلاء الأعوان ليناردو دافنشي الذي نادى بذلك المبدأ الأساسي وهو أن التجربة والنظر هما الأساس الثقة في تحليل العلوم، وإن التجربة هي العمدة في تفسير أسرار الطبيعة، وهي ضرورية لتحقيق القوانين العلمية. حتى إذا اطمأن بالعلم القرار في شمال إيطاليا لم يلبث أن بسط نفوذه في جميع أرجائها ونواحيها، وأخذ أعوان العلم وأنصاره يزدادون بازدياد تأليف المجامع العلمية وتكاثرها، ونحواً في إيطاليا نحو المغاربة في إسبانيا فألفوا مجامع لهم تشبه مجامع قرطبة وغرناطة ولتجدن مجمع طولوز الذي قام في سنة ١٣٤٥ باقياً في فرنسا حتى يومنا هذا، كأنما ليكون دليلاً ناهضاً على السبيل التي جاءت المدينة منها، وكان هذا المجمع يمثل دولة الأدب الزاهية التي كانت قائمة في جنوب فرنسا، وأسس في مدينة نابلى أول مجمع لترقية العلوم الطبيعية، وكان مؤسسة العالم بورتا ولكن انفض هذا المجمع طوعاً لأوامر الكنيسة، وأقام البرنس فردريك ده سيزي في روما جمعية سماها جمعية الفهد، ويدل على غرضها شارتها، وهي فهد رافع عينيه إلى السماء، وهو يفتك بين مخالبه بكلب ذي ثلاثة أرؤس وقام في سنة ١٦٥٧ مجمع في فلورنسا كان ينتدى أهله في قصر دون فلورنسا نفسه، ولبث عشر سنين فأمرت حكومة البابا بتعطيله فعطل، ولكن رفع أخو الدوق إلى مرتبة الكردينال تعويضاً لأخيه، وكان في هذا المجمع كثيرون من علماء ذلك العصر مثل توريسللي وكاستللي، وشروط الانخراط في سلك المجمع أن ينزع طالب الدخول كل عقيدة أو دين ويعتزم البحث عن الحقيقة، وقد أخرجت كل هذه المجامع كثيرين من العلماء من المعتزل الذي كانوا مخلدين إليه، ووصلت بينهم وقوت رابطتهم وأزكت فيهم هذه الرابطة نار القوة والعزيمة. هاتان كلمتا الفيلسوف دريبر في تأثير العلم في أمريكا وتاريخ دخول العلم بلاد العرب، وسنبسط للقراء كلامه في تأثير العلم من الوجهتين الفكرية والاقتصادية في العدد القادم إن شاء الله.

стр. 1095

كشكول البيان تفاريق علمية. وأدبية. وفكاهية. وتاريخية: ونظرات في سير مشهوري العلماء. والمخترعين: وشذرات في أخبار العالم وأحداثه الحاضرة. أيها البحر اللورد بيرن أكبر شعراء الإنكليز في القرن التاسع عشر وله قصيدة اسمها (تشايلد هارولد) من أبدع ما جادت به قريحة شاعر وفي هذه القصيدة قطعة رائعة يخاطب بها البحر آثرنا نقلها إلى العربية وهي هذه. أيها الأزرق الرجراج جش كما تشاء، وتدفع في وشى الحباب، فعبثا تعلوك الأساطيل في عددها العديد، إنها لن ترك بك أثراً. إنما على وجه الصعيد يمرح الإنسان، وفوق الثرى يترك الرسوم والأطلال آيات علا مساعيه والمآثر. ودلائل على معاليه والمفاخر. ويترك الأربع الخاوية. والدمن العافية. لا يدري البلا فيها سطور مبينه ... عبارتها أن كل بيت سيهدم ولكن سلطانه عند شاطئك محدود. وعن حرمك المنيع مردود ومصدود. أيها البحر! على قفارك السيالة وبطاحك اللجية جل فعلك التحطيم والأغراق وفي جوفك الرغيب وصدرك الرحيب، جل آثار البشر أنقاض سفين. وأشلاء مسكين، ثم لا يبقى عليك من مطامع الإنسان ومفاتكه ظل ولا شبح إلا خياله، إذ يطفو في لجك الفوار ويرسب برهة ثم يهوى في ظلماتك الحالكة له زفرة تحت أروقة الماء راغية. هنالك يثوى لا جدث ولا صلاة ولا كفن ولا جنازة ولا آية ولا أثر. لا مضطرب للإنسان على ظهرك، ولا متصرف له في مناحيك، ولا حماك بمستباح له ولا مطاك بمذلل، ولا سوحك بمرتع، ولا عرضاتك بمعرح، وليس من ميادينك يستفيد الغنائم ويأخذ الأسلاب. يأبى ذلك أنفك وحميتك وسورة لك كسورة الأقعوان الصل والضيغم الضايرم. يجرأ عليك الإنسان ويبسط القدم في سبلك وتغره من وجهك الطلق ابتسامة وضاءة فيراه في مأمن حتى إذا رنح الزهر عطفيه، ولوى التيه ليتيه، ترث به فنفضته عنك كما ينفض الليث البعوض عن لبده. محتقراً منه تلك السطوة التي يفسد بها الأرض ويسطو بها، على البر كلما أقدم عليك وظن أنه قد استمكن من صهوتك هجت عيه فحذفته

стр. 1096

من فوق ظهرك كما يحذف الوتر سهمه تضرب به جبهة السماء وإنه ليرتعد في دفاعك الطماح. ويرعش ويرتجف في آذيك الممراح. ثم يهوى فتتلقاه على أعناق موج كالجبال وترمي به البر جثة هامدة. وجمرة خامدة. إن الأساطيل التي ترمي بالصواعق كل حصن حصين ومعقل منيع فتزلزل بالأمم الطاغية. وتزعزع من الشعوب العاتية. وتطفر أحشاء الملوك على عروشها. وتطير ألباب الصناديد في جيوشها. هذا المدائن الحديدية التي تغر صانعها حتى يسمى نفسه أميراً عليك. ما هذا أيها البحر إلا لعبك تذوب. كأنها أفلاذ الجليد في تيارك المزبد متلف الأرمادا ومبيد الجواري المنشآت في ترافلجار (الطرف الأغر). هذه سواحلك هل كانت إلا دولاً كباراً فزالت وأنت باق لم ت من فوق ظهرك كما يحذف الوتر سهمه تضرب به جبهة السماء وإنه ليرتعد في دفاعك الطماح. ويرعش ويرتجف في آذيك الممراح. ثم يهوى فتتلقاه على أعناق موج كالجبال وترمي به البر جثة هامدة. وجمرة خامدة. إن الأساطيل التي ترمي بالصواعق كل حصن حصين ومعقل منيع فتزلزل بالأمم الطاغية. وتزعزع من الشعوب العاتية. وتطفر أحشاء الملوك على عروشها. وتطير ألباب الصناديد في جيوشها. هذا المدائن الحديدية التي تغر صانعها حتى يسمى نفسه أميراً عليك. ما هذا أيها البحر إلا لعبك تذوب. كأنها أفلاذ الجليد في تيارك المزبد متلف الأرمادا ومبيد الجواري المنشآت في ترافلجار (الطرف الأغر). هذه سواحلك هل كانت إلا دولاً كباراً فزالت وأنت باق لم تزل أيها البحر وهل كانت إلا ممالك فطاح بها الدهر وأنت ثابت، وأودى بها البلي وأنت في أولاك وآخرتك الغض الجديد. وماذا كانت أشوريا ويونان وروما وقرطاجة إلا بعض سواحلك أفدتها المجد والقوة. وأورثتها اليأس والفتوة أيام حريتها. ومنحت فاتحتها السلطة والجبروت أيام أسرها. ورقصت أمواجك طرباً على أعطاف هذه الدلو إبان عزها ونضرتها، وبكت أمواهك على لبانها يوم ذلها ونكبتها. ثم بادت كأنها ورق جف ... ف فأودت به الصبا والدبور وحول فناؤها العمران خراباً. وبدل عقاؤها المخصب العشيب يبايا. ولكن هيهات منك ذلك، ويا بعد ما بينك وبين التحول والتدبل، ولا سبيل عليك للتغير إلا ما يكون من تقلب موجك القلق الرجاف، وتكسر متنك المرج الوجاف. وإن الزمن الذي لا يترك جبيناً حتى بغضه لم يجد تغضين جبينك اللازوردي سبيلاً. فأنت اليوم مثلك يوم بدء الخليقة. أيها البحر. إنك المرآة العظيمة تتجلى فيها قوة الخالق عواصف وزوابع. لانت تمثال الأبدية وصورة الخلود وعرش الله في كل زمان ومكان ساكناً أو ثائراً تحت النسيم العليل، أو الصرصر العاتية، لدى القطبين منجمداً أو عند خط الاستواء فائرا. أنت الفسيح بلا حد الممتد بلا نهاية. تطيعك الأقاليم وتدين لأمرك المناطق. متدفق الأمواه هائم التيار مرهوباً مخوفاً منفرداً وحيداً. أيها البحر لقد أحببتك طفلاً ويافعاً ورجلاً. وإن علي صدرك الحنون كانت ملاهي طفولتي

стр. 1097

وملاب صباي. وجل مسراتي من مائك تولد تولد الحبب استدار فانفقاً، واستنار ثم انطفأ. وما زلت منذ طفولتي أعيث بتيارك أيها البحر ويعبث بي فإن طغا منك العباب فأرهب. وكما لجك الزخار فأرعب. فيا طيب ذاك من رعب وحبذا تلك رهبة. وماذا مخافتي إياك أيها البحر وإنما كنت كبعض سلالتك وبنيك أخلد لك وأسكن. وأطمئن إليك وأركن. وأمسح بيدي يا شبيه الأسد الزؤور. والليث الهصور. لبدك المتكاثقة كما أفعل الآن وسلام عليك. اليوجنية للفاضل سلامة موسى علي أثر القنبلة التي قذف بها داروين في كتابه أصل الأنواع سنة ١٨٥٩ انبعثت مخيلات الفلاسفة والكوبويين (أي طلاب الكمال الإنساني) تمرح في مضاربات شتى عن مستقبل الإنسان. فإن داروين قرر أن الإنسان حيوان تجري عليه نواميس الطبيعة كما تجري على الطلب والفأر والقرد. وإذا كان الناس قد استأنسوا الفرس والثور والكلب ونزعوا عن هذه الحيوانات وغيرها وحشيتها القديمة بعدما أحثدوا فيها كفاءات جديدة فخليق بالحكومات أن تنظر للأمم بالعين التي نظر الناس بها للحيوان فتضع أمام عينيها معياراً للكفاءة الإنسانية فتستحث الأكفاء وتجازيهم على التناسل وتمنع أو تعرقل الزواج بين غير الأكفاء بأية طريقة. إن الإنسان خلق كفاءات جديدة بين الحيوان فإنك ترى بين البقر الآن ما تكفل لصاحبها أكثر من رطل زبد كل يوم على حين أن البقرة الوحشية لا تزيد كمية الزبدة الموجودة في لبانها عن ثلث رطل في اليوم ولم يصل الإنسان لهذه النتيجة في البقر إلا بعد انتخات طويل ومراقبة دائمة بين ذكور البقر وإناثه. فكان كلما لاحت له بقرة كبيرة الضرع كثيرة اللبن استولدها وحفظ نسلها. وبين الخراف الآن ما يكاد يعد معملاً لعمل الأصواف. فلا يكاد يجز صوفه حتى ينبت جثلاً طويلاً. وبينها ما تكبر البته وتتدلى إلى الأرض حتى يستعصي عليه المشي. وبين الخنازير ما يتناههي في السمن حتى ليقع ويلزم مكانه فلا يستطيع حركة ما فيتغذى وهو راقد كأنه نبات. فالإنسان الأول وجد بعض مزايا في الحيوانات التي استأنسها كالصوف في الغنم والزبدة

стр. 1098

في البقر والشحم في الخنزير فعمل على استيلاد هذه الحيوانات واستبقاء كل ماله قدر كبير من هذه المزايا وإفناء غيره. حتى أصبحت حيواناتنا الداجنة بعيدة الشبه عن أخوانها المتوحشة، بل بلغ اهتمام الأمر المتمدينة باستيلاد هذه الحيوانات أنها أنشأت أنواعاً جديدة لم تكن موجودة قبلاً. مثال ذلك ما فعله مربو الكلاب الإنجليزية من إنشاء الكلب المعروف بـ بول تربر فإنه نتيجة الانتخاب الصناعي بين الكلب المعروف بـ بول دوج وتربر وقد أصبح الآن نوعاً قائماً بذاته. بل بلغت قدرة مربي الحمام أن أحدهم يراهن على أن يوجد بعد عامين أو ثلاثة نوعاً يكون ريش قوادمه محبراً أو منمتماً على شكل مخصوص فيسعى لذلك باستيلاد ما هو أقرب إلى غرضه ولا يزال مجداً حتى يصل إلى غرضه. فإذا كان مربو الدواجن يفعلون ذلك بالحيوانات يراقبون تلاقحها وينظرون إلى نسلها فينتقون وينفون حسب رغائبهم فما ضرنا أن نستعمل هذا الانتخاب بين الناس؟. كذا يقول اليودجنيون. فاليوجنية هي علم تربية الشعوب وتأصيلها حتى يرقي الإنسان ويخطو نحو الكمال. والرأي قديم تكلم عنه فلاسفة اليونان ومن أقوال أحدهم المسمى ثيوجنس إن الناس يعنون بتأصيل الخيول أكثر مما يعنون بتأصيل أنفسهم فلا يسمحون للهجين من الخيل أن يلقح كراثم الأفراس مع أنهم يسمحون لكل هجين من الناس بالزواج. وقد قام غلتون الإنجليزي بعيد وضع داروين لنظريته وألف كتاباً عن اليوجنية استقرى فيه مدى انتشار العبقرية الإنجليزية مهما كان نوعها فوجد أن الكفاءات العالية تتوارث أباً عن جد على الرغم من نوع الوسط الذي ينشأ فيه الإنسان. وارتأى من ذلك أن العمدة في الكفاءات على الوراثة أي على ما يرثه الإنسان من أبويه لا على نوع التربية التي يربى عليها أو الوسط الذي يعيش فيه. ومع ذلك قال بضرورة ألا تتزاوج العائلات الأصلية إلا من عائلات في مرتبتها نسباً وأصالة حتى يبقى الدم نقياً لا يشوبه أدنى هجنة. وفي العالم المتمدين الآن مجلات يوجنية تستقرى نواميس الوراثة وتحض الحكومات على

стр. 1099

الاشتراع اليوجني. إن الإنسان نشأ من الحيوان. وكان أهم عامل في نشوئه وترقيه وفوزه على العالم الحيواني الانتخاب الطبيعي والانتخاب الجنسي ولعل الأخير أقوى من الأول. فالانتخاب الطبيعي وفي الإنسان إذ أباد منه كل ضعيف لم يقو جسمه على المرض أو لم يقو عقله على الاحتيال للمعاش. والانتخاب الجنسي رقى الإنسان بأن أباد منهم كل دميم أو قليل الحيلة لم يستطع اجتذاب الأنثى إليه فيخلف منها نسلاً. وكان آباؤنا في زمن الهمجية الإنسانية يعيشون من غير ما ذرائع طبية تحفظ صحتهم من الأمراض تجتثهم ولا تبقي منهم غير القوي ذي المناعة الجسمية. وكانوا لا يعرفون رحمة أو إحساناً أو صدقة. فكان يموت منهم أول أول كل من ضعف عن كسب حياته. وكانوا يتقاتلون على حيازة الأنثى ويحتالون عليها لاجتذابها إليهم، فكان يفوز منهم قوى الجسم كبير الحيلة وينهزم منهم النكس الجبان. فارتقى الإنسان بهذا الانتخاب لأن الذين أمكنوا من التناسل كانوا كبار الحيلة والعقل أقوياء الجسم. أما الآن فقد استنت لنا المدينة سننا عرقلت الانتخابيين الطبيعي والجنسي فنحن نحافظ على المريض بكل أصناف العلاجات. ونحافظ على الضعيف بكل أصناف الصدقات والإحسانات. ونحافظ فوق ذلك على نسلهما بسماحنا لهما بالزواج. حتى لقد حقت علينا كلمة نيتشه إننا كلنا مرضى الآن. لهذا السبب لاح للعلماء الأوربيين أن يعتمد الزواج لا على العتاق من الناس كما نفعل في الخيول بل على الأصحاء عقلاً وجسماً. لأن معرفة العتق في الإنسان أو توخيه ليس سهلاً هيناً ظاهراً كما هو في الخيول. فالعتيق من الخيل في نظرنا السريع الرشيق ولكن كيف يكون العتيق من الناس؟. لهذا السبب يقتصر اليوجنيون على توخي الصحة الجسمية والعقلية فيشترطونها على من يريد الزواج.

стр. 1100

وترى الولايات المتحدة الآن قد اشترعت مجالسها شرعاً حرمت بواسطتها الزواج على المسلولين والمعتوهين وأمثالهم حتى يأتي النسل سليماً صحيحاً. على أن مما يعرقل تزاوج الأكفاء الآن انحصار الثروة في طبقة من الناس وفقر الطبقات الأخرى بحيث صار الزواج يعقد بقوة المال لا بقوة الكفاءات التي في المتزاوجين. فالشابة الغنية تضطر إلى التزوج من الشيخ الهم المتهدم لمجرد غناه فيذهب جمالها وشبابها سدى على الأمة. أو تضطر لهذا السبب أيضاً إلى التزوج ممن هو أقل منها كفاءة عقلية أو جسمية. ولكن لا يجب أن ننسى مع ذلك أن وجود الكفاءات في الطبقة الغنية أرجح من وجودها في الطبقة الفقيرة بوجه عام مع كل ما في نظامنا الاقتصادي الحاضر من الظلم. ومن هنا أظن أن الإسلام أفاد الأمم التي دانت به بسماحة بالضرار - تعدد الزوجات - لأنه زاد كفاءاتها بذلك. واليوجنيون يتوخون الآن اشتراع شرعة جديدة للزواج يصير فيها الزوجان حرين يعيشان معاً أو ينفصلان بعض من بعض إذا أراد أحدهما ذلك. أي يبقيان معاً ما بقي الحب. لأن الحب أهدى قائد للزواج الصحي الصحيح فانتفاؤه من بين الزوجين يدل على انتفاء الصحة من هذا الزواج أيضاً فيصير مضراً بهما وبالأمة. هذا هو الزواج الحر الذي يتوخون. ولعمري لقد سبقهم الإسلام إليه. فعندنا يجوز للمرأة أن تحفظ عصمتها بيدها فتطلق وقت ما تشاء وتبقي ما بقي الحب لزوجها. ولقد كانت إحدى الأميرات متزوجة من زوجها حافظة بيدها عصمتها على هذا النحو. وإني بإزاء الكلام الذي كثر حديثاً عن ضرورة إنشاء الحكومة المصرية للزواج المدني أرى أن يجعل هذا الزواج الإسلامي قاعدة له على نحو ما فعلت الحكومة أيضاً بقانون المواريث. فإن الطوائف الغير المسلمة تجري عليها راضية به. أعجب المخترعات من بين المخترعات الحديثة التي توالت على العالم بفضل العلم اختراعان مدهشان اهتدى إليهما عالمان من أكبر علماء أمريكا، وعضوان في مؤتمر الجمعيات الأميركية لتحقيق علم الحياة، المخترع الأول فجهاز يخرج الدم من الجسم فينقيه من أكداره ثم يرده على الحركة

стр. 1101

الدموية ثانية كما كان. والثاني آلة تدل الإنسان عما إذا كان حقيقة جائعاً أم لا، وقد جرب الأول في كثير من الفيران البيض للتحقق من صحته. وذلك بأن أدخل في جسمها صبغة مخصوصة وتركت بضع دقائق حتى دارت مع الدورة الدموية، فلم يظهر على هذه الحيوانات أدنى ألم، بل تغير من تأثير الصبغة الخضراء ذيل أحدها وصار مخضراً، وبدا على إنسان عينه لون الزمرد وأحمر لون فأر آخر من أثر الصبغة الحمراء. أما الاختراع الثاني فقد جربه صاحبه في نفسه ذلك وذلك أن ابتلع بالوناً صغيراً مستطيل الشكل مصنوعاً من المطاط، وصله بأنابيب مطاطية طويلة، ثم جعل ينفخ في البالون ويكبره وهو في معدته بواسطة هذه الأنابيب وألصق بها ورقاً حساساً ثم قال إن الجوع يجعل عضلات المعدة تقبض على البالون وتضغط عليه فتطرد الهواء إلى الأنابيب، فيظهر في الورق الحساس مبلغ جوعها. فمتى يذيع هذان المخترعان العجيبان؟. روح الاشتراكية لم تعد الاشتراكية اليوم حلماً ولا خرقاً كما كان الناس يتوهمون من قبل، بل هي اليوم سارية في كل بلاد المغرب فلا يكاد يطبع كتاب في فرنسا أو ألمانيا أو إنجلترا حول صلاحية الاشتراكية حتى ينفذ ويعاد طبعه، وقد نقحوا في المذهب وتصرفوا، وأصبح غرض الاشتراكية الحديثة هو كما يأتي: إن غرض الاشتراكية الأكبر هو عدم حرمان العمال من المصادر الطبيعية للحياة ومن التعليم، ومذهب الاشتراكية يرتكز على قاعدة أن سير التطور الاجتماعي كل هذه القرون كان مفضياً بالتدريج إلى فصل طبقات العمال عن امتلاك الأرض ورأس المال، وتأسيس نوع جديد من الرعية وهي رعية العمال الذين لا يملكون من حطام الدنيا ما يعتمدون في الحياة عليه إلا أجوراً زهيدة لا تغنى ولا تجدي، والاشتراكيون اليوم يقولون أن النظام الحاضر (أعني النظام القائم على أن رأس المال والأرض في حوزة أفراد مخصوصين يدأبون في جمع الثرة وادخارها) لابد أن يؤدي إلى فوضى اجتماعية اقتصادية، وإلى شفاء العامل وأسرته، وإلى ذيوع الشرور والبطالة بين طبقات الأغنياء وتابعيهم وإلى فساد العمل وتقهقره، وإلى ذيوع الشرور والبطالة بين طبقات الأغنياء وتابعيهم وإلى فساد العمل وتقهقره، وإلى الدمار والاضطراب والقحط. بل إن النظام الحاضر يفضي إلى تقسيم

стр. 1102

المجتمع إلى طبقتين. إلى أصحاب ملايين. يقف وجوههم جمهور من الفقراء المعدمين. وليس لذلك من عاقبة إلا الخراب الاجتماعي أو الاشتراكية. ولتجنب هذه العواقب الوخيمة ولضمان المساواة في توزيع مصادر السعادة ووسائلها يرى الاشتراكيون أن الأرض ورأس المال يجب أن يوضعا تحت حماية المجتمع وفي حوزته. وأهم التغيرات التي حدثت بين صفوف الاشتراكيين هو أن سوادهم لم يعودوا بعد يعترفون بأنهم يستشهدون بنظريات الاقتصاد السياسي ويرتبطون بمسائله. لأن قواعد كارل ماركس أفسحت المجال للأخذ بالمذهب القائل بأن لا توضع القوانين والقواعد إلا بما يلائم الظروف وقد استعاض الاشتراكيون اليوم عن غرضهم من أحداث انقلاب في النظام بالتغلغل في صميمه، وقواد هذه الحركة رجال أوتو النشاط بعد النظر والاستشهاد في سبيل تحقيق مذهب يستعين برحمة الإنسانية وشفقتها. وإليك صورتي زعيمين من زعماء الاشتراكية أولهما المسيو جوريس وهو في طليعة السياسيين، والآخر هو المسيو بردوهون من الفلاسفة. وصايا الموتى وغرائبها الشواهد كثيرة على غرائب الوصايا التي يتركها الناس لتنفذ بعد موتهم، ومن ذلك أن اللورد بورتار لنجتون أمر أن يدرج في قبره وكل خواتمه في أصابعه، ووصي اللورد أوركني أهله أن يشيعوه فوق نعش قديم حتى لا يشهد جنازته أحد، وأن لا يضعوا زهوراً على قبره، وأعلم ابن أخته بأنه سيجد وسامه مرمياً في أحد مخازن القصر. ومن بين الذين قضوا نحبهم في هذه الأيام رجل من أرباب الملايين في ويانة عاصمة النمسا، فأفرد مبلغاً من المال وطلب أن يدفع منه على إنارة ضريحه، بل وصندوقه الموسد فيه. بالأنوار الكهربائية عاماً كاملاً. وطلب رجل من الفرنسيين أن يرموا جثته على مسافة ميل من السواحل الإنجليزية. إذ كان ساخطاً على أمته، حانقاً على الشعب الفرنسي، حتى أنه لم يرض لنفسه أن يدفن تحت ثرى فرنسا، ولا أن يسمح لأحد من أقاربه أو بني جلدته بالانتفاع من موته، بل ترك جميع ماله وثروته إلى فقراء مدينة لندن. حظوظ المخترعين لم تكن أغرب الاختراعات لتجلب دائماً لصاحبها أعظم الثروات. يقولون إن المزالج جلبت

стр. 1103

لصاحبها ستمائة ألف جنيه، وأن أول رجل صنع أربطة الأحذية كسب منها نحو نصف مليون من الجنيهات، وإن مخترع الدبابيس الحديثة ربح مليونين من الجنيهات، كل هذا بينما ترى شارل بورسيل الذي اكتشف قانون التلفون عام ١٨٥٥ ووصفه، مات شيخ الفقراء، وميشو مخترع الدراجة البسكلت قضي دهره في أسوأ حال وأنكد عيش، وفردريك سوفاج الذي ينسب إليه اختراع الدفة البخارية حكم عليه بالسجن ومات مفلساً مجنوناً. هل يشفي البرد من الصلع؟ سؤال يخطر لنا إذا ذكرنا الحقيقة القائلة إن البرد يعمل على نمو الشعر، وقد أكد السير شاكلتون ذلك المكتشف العظيم أن كثيرين من رجال رحلته كانوا قبل سفرهم معه إلى أقاليم القطب المتجمد صلع الرؤوس ولكن لم يكد يمضي عليهم بضعة أسابيع في القطب الجنوبي حتى بدأ شعرهم ينبت ويأخذ في الغزارة والنمو. فلما عادوا من سياحتهم كانوا ذوي شعور جثلة غزيرة كثيفة. وانظر إلى الحيوانات تر أن ليس في بلاد الدنيا بأسرها ما يشبه الأقاليم القطبية في غزارة فرى حيوانها، وقلما تجد في النساء امرأة صلعاء! ولا في الخصيان خصياً أصلع وذلك لرطوبة أمزجة الفريقين. أصحاب ملايين مغمورين لما علم الناس فجأة بأن رجلاً من الإنجليز يدعى المستر هلابي ديلي ابتاع ضيعة دوق بدفورد بنحو من ثلاثة ملايين من الجنيهات. تردد على شفاههم هذا السؤال من هو المستر ديلي؟ فلم يعرفه أحد من الجمهور الإنكليزي. ولم يعلم بأمره إلا القليلون من أرباب المصارف وأمثالهم. وإذا كانت مدينة لندن تفخر بفئة من المتادرين بالملايين مثل المستر ديلي هذا. فإن فيها جماعة من الناس يدفعون في أغراضهم وحاجاتهم مئات الألوف من الجنيهات (بصفة سمسرة) ليس غير. هذا رجل اسمه المستر برش كرسب في لندن يكاد يكون أحمل أهلها أقرض الجمهورية الصينية عشرة ملايين من الجنيهات. ولم يسمع به قبل ذلك الجمهور ولا علم بخبره ولا بوجوده ولكنه وثب إلى النباهة بغتة بقرضه الذي أدى إلى خلاف بينه وبين الحكومة الإنجليزية بل والدول العظمى إذ أرادوا أن يمنعوه من إقراض الصين. ولكنه أبى إلا أن يقرضها قرضاً حسناً.

стр. 1104

ولم تكن دهشة الشعب الإنجليزي قليلة يوم مات المستر شارلز مورسن تاركاً أحد عشر مليون جنيه إذ لم يكن مورسن هذا رجلاً معروفاً من الجمهور، وكذلك مضى في حياته يجمع هذه الثروة الطائلة. ولا يدري بشأنه أحد. شهر العسل في قاع البحر لما رأى الكولونيل فلمنج وهو من أرباب الملاين في أمريكا وخطيب ابنة الدكتور ويلسن رئيس جمهورية الولايات المتحدة أن أرباب الصحف والمجلات ستتهافت على عروسه ويسدون عليهما المنافس أجمع أمره على أن يأخذها يوم الزفاف إلى مركب غواصة له ويقضيا جزءاً من شهر العسل في قاع البحر. وكانت العروس موافقة على اقتراحه ولكن وجدا مانعاً واحداً وهو أن العروس لا تستغني عن وصيفة لها ووجودها من صعائب الأمور. ولكن وجد أخيراً خادمة رضيت أن تأخذ ست جنيهات في الأسبوع وتذهب معهما واشترطت عليهما أن يؤمنا على حياتها بمبلغ وفير. فأخذها معهما تجربة على أنها لم تستقر في الغواصة وهي تمخر العباب تحت أديم الماء. حتى تشنجت وأصابها الإغماء. فلما طفت بهم الغواصة فرت لا تلوى على شيء. أما العروسان فلا يبرحان مصرين على قضاء شهر العسل تحت أديم البحر. ملك الأوز إن في تربية الأوز غنى طائلاً وثروة كبرى لو بدئت برأس مال صالح وصبر كاف على متابعتها. ولعل أكبر مرب للأوز الآن. وإن شئت فقل ملك الأوز، هو رجل من أهل ولاية الأللينوا في الولايات المتحدة. رأى أن تربية هذه الأطيار وتسمينها خير له وأجدى عليه من امتلاك مصرف مالي. وكان من أصحاب المصارف. ومعدل عدد الأوز الذي في مزرعة عشرة آلاف. وقد أعد لها مستشفى خاصاً ومحبساً يحبس فيه ما كان منها شكساً متلافاً. وإذا كسر لواحدة منها جناح أو أصابها أذى أخذت إلى المستشفى لمعالجتها. متفرقات في بضعة أسطر سبع وفيات العالم من داء السل. معدل خطوط الترام في مدينة لندن ميل واحد لكل ثلاثين ألف من السكان أما ثغر مانشستر فميل واحد لكل خمسة آلاف.

стр. 1105

يشتغل في لندن بالليل من الشرطة والصحفيين والخبازين ومستخدمي مصلحة البريد وسماسرة الأسواق المالية مائة وعشرون ألف رجل. في زيلاندة الجديدة كل رجل يخلو من مرتزق أو عمل له الحق أن يطلب التوظف في أية خدمة في الحكومة بالأجور الحاضرة. في موكب زفاف في مدينة واشنطن عاصمة الولايات المتحدة زف اللورد داونشير مدير المطافئ عروساً في إحدى مطافئه حتى بلغت الكنيسة. أكبر مزرعة في الدنيا لتصدر اللبن والزبدة هي ضاحية من ضواحي مدينة وينبج من أعمال كندا فيها نحو من ألفين وخمسمائة رأس من الغنم. منها ألف وخمسمائة حلوب ومجموع ما يخرج منها من الزبدة واللبن يبلغ ثلاثة ملايين من الجالونات. قتل فتى في الصين أباه فحكم عليه بالإعدام وكذلك حكم على معلمه لأنه لم يؤدبه أكثر مما أدب. وجد طبيب مذبح في معدة بقرة، مصراعاً من الحديد يبلغ طوله ثلاث بوصات ونصف بوصة وقبل هذه الحادثة بعامين وجد طبيب آخر في معدة حيوان ستاً وثلاثين شلناً. معلومات جديدة عن داء الزهري إن اكتشاف داء الزهري في الأرانب قد فتح باباً جديداً للبحث في استئصال هذا الداء، ومن الجائز استعمال الاكتشاف الذي اهتدى إليه الأستاذ إدوارد جينر لمنع داء الجدري وإتباعه في منع داء الزهري. لأن طفيليات الجدري وجدري البقر والزهري البشري والحيواني يظهر أنها من نوع واحد من المعقول إذن أن نتصور أن الزهري الذي يصيب الأرانب إذا طعم بها المصابون من الناس قد يمنع هذا الداء الوبيل عنهم. ولا شك أن تطعيماً من هذا القبيل قد يأتي بالأمل الكبير في الشفاء. ولكن ما دام اسم الزهري مخجلاً عند الناس إلى هذا الحد. وما داموا يلتزمون فيه السكوت. ويركنون إلى الصمت. ويأخذهم الحياء الكاذب في البحث علناً ويسمع الجمهور. فإن الصعوبات ستكون ولا ريب شديدة.

стр. 1106

موضوعات العدد القادم سيظهر العدد القادم (العدد الثاني من السنة الثالثة) مفتتحاً بمقالة ضافية في تاريخ المجالس النيابية في العالم والمجالس النيابية في مصر وتاريخ طائفة كبيرة من أعضاء الجمعية التشريعية المصرية الحالية وهكذا في كل عدد نكتب تاريخ جماعة من أعضاء الجمعية التشريعية مع نشر صورهم. يلي ذلك المقال الأول لمقالات عدة للكاتب المشهور أحمد بك حافظ عوض عن كتاب جليل في تاريخ آداب العرب لمستشرق إنكليزي كبيير. ثم رسالة من كتاب (نصائح للشبان) للكاتب الإنكليزي كوبت عنوانها (إلى الزوج) وفي باب الاقتصاد السياسي كلمة ممتعة عن آدم سميث شيخ الاقتصاديين وثمان صفحات من كتاب أميل القرن الثامن عشر للفيلسوف جان جاك روسو ورواية جميلة للكاتب الأمريكي واشنجطون أرفنج، يلي ذلك كشكول البيان وفيه من النبذ العلمية والأدبية وما إليها ما فيه الغناء ثم باب الأخبار والحوادث وباب النقد والتقريظ. إعلانات البيان سنفرد لإعلانات البيان صفحات عدة علاوة على صفحات البيان المقررة. والذي يخاطب في شأن الإعلانات الفرج شيفر للو بشارع كامل نمرة / ٥ / ونمرة التلفون ٢٩٣٥. الصحافة العربية يباع كتاب الصحافة العربية للفيكونت دي طرازي في مكتبة البيان وثمنه (١٠٠) وسنكتب عن هذا الكتاب الجليل كلمة وافية في العدد القادم. نصيحة إلى الشبيبة المصرية ومكاتبي الصحف وكتاب المحاكم وما إليها. لسنا بحاجة إلى شرح الفوائد التي تنتج من تعلم اختزال الكتابة العربية، فكل من يشغل بمكاتبة الجرائد وموالاتها بما يدور في المجالس النيابية ومرافعات القضايا ذات الشأن. والحفلات الأدبية الخصوصية، وكذلك كل من مارس وظائف السكرتاريات على اختلاف أنواعها. وبالجملة كل من يحتاج إلى نقل موضوعات يصعب نقلها بأجمعها بطريقة الكتابة العادية - نقول إن هؤلاء جميعاً قد عرفوا أن هناك حاجة شديدة إلى تعلم اختزال الكتابة العربية على آخر طراز وأسهله وأسرعه وأحسنه، تلك هي طريقة الأستاذ راوول بينكردي، فمن أراد أن

стр. 1107

ينتهز الفرصة ويتعلم تلك الطريقة النافعة الجليلة الفوائد فليقصد مدرسة برليتز بشارع عماد الدين بالقاهرة وهناك يلقى دروساً عملية في هذا الفن الجليل. يقوم بإلقائها الأستاذ مخترع هذه الطريقة البديعة. الطبيعية أو أميل القرن الثامن عشر يعرف قراء البيان أنا شرعنا مذ السنة الأولى في ترجمة هذا الكتاب الجليل الذي وضعه الفيلسوف الاجتماعي الأكبر جان روسو وبه اشتهر وعلا صيته إذ كان هذا الكتاب من أهم أسباب الثورة الفرنسية الكبرى وأكبر مرشد لعلماء التربية على آثاره بطرسون. وعلى نظرياته يعولون. ومن حسنات الترجمة التي ننشرها في البيان أنا ننقلها لا عن النسخة الفرنسية الأصلية بما فيها من الآراء المنقوضة اليوم وإنما عن الترجمة الإنكليزية لأكبر علماء التربية الحديثة الأستاذ (بين) مع تعاليق المترجم التي صحح بها كثيراً من نظريات روسو ووازن بينها وبين الآراء الحديثة علاوة على ما فيه من خفة روح روسو وظرفه وطلاوته، والكتاب في الواقع كتاب تربية وأخلاق واجتماع وفلسفة وقد كان القائم بترجمته إبراهيم عبد القادر المازني وبلغ ما ترجمه (٤٠) صفحة من طراز البيان، وآخر صفحاته نشر في العدد الرابع من السنة الثانية. ولأمر ما سكت الأستاذ المازني عن إتمام ترجمته. بيد أن البيان يأبى إلا أن يتم عملاً شرع فيه. لذلك كلفنا الأستاذ محمد السباعي بإتمام ترجمته من الموضع الذي وصل إليه الأستاذ المازني وهذا الذي يراه القارئ اليوم منشوراً من هذا الكتاب في هذا العدد إنما هو من ترجمة محمد السباعي. وفقنا الله جميعاً إلى ما فيه الخير والسداد.

стр. 1108

مواد أرجئت إلى العدد القادم إذا كنا نحن في اختيار الموضوعات النفائس إلى الغاية التي ليس بعدها، ونحتفل للإجادة في انتقاء مادة البيان إلى الحد الذي لا نرى للإجادة بعده سبيلاً، فإنا كذلك نعمل على إصداره في مواعيده، وإخراجه في مواقيته، وإن غالبتنا طلبتنا الأولى وكادت في بعض الأحايين تنسينا الثانية. وأنا تقدم الآن إلى قراء البيان العدد الأول من السنة الثالثة مستوفياً حق القراء عليه، مكتملاً الصفحات المطلوبة منه، وقد كنا مسترسلين في الزيادة عليه، وإضافة موضوعات كثيرة إليه. ليس فيها إلا الجيد المستطاب، والجليل المستحسن، مثل باب أخبار وحوادث، وفيه كلمة طيبة في مولد المصطفى ﷺ ، وأبلغ ما قيل في وصف مولده الكريم، وقصيدة أمير الشعراء أحمد بك شوقي في يوم المولد، وكلمة مستوفاة في تاريخ الطيران وقصيدة شوقي في ذلك وتأبين فقيد مصر والمصريين المرحوم علي أبي الفتوح باشا، وقصيدتا شوقي وحافظ وتتمة رواية ويليم تل، لشيخ شعراء الألمان جون فردريك شيلر ترجمة الأستاذ أحمد الخازندار، وكثير من المتفرقات الأدبية والعلمية وفصول في الزراعة! يلي ذلك باب النقد وفيه الكلام على رحلة الأمير الجليل البرنس محمد علي باشا، وتاريخ الصحافة العربية وكتاب الواجب، وغير ذلك من جديد التوليف والمعربات. هذا وقد كنا طبعنا الكثير منها وأخذنا في طبع الباقي. إلا أننا فطنا إلى وجوب الاحتفاظ بموعد البيان، فأرجأنا ذلك كله إلى العدد الثاني. وكلاء البيان وكيل البيان العام في القاهرة وضواحيها الشيخ عبد الوهاب القاضي ولا يعتمد في القاهرة غيره أبداً وليس لنا وكلاء الآن في سائر أنحاء القطر - ونرجو حضرات المشتركين عموماً أن لا يعولوا على الشيخ عبد السلام منصور أبو حمزة ومن رآه منهم فحبذا لو تفضل على البيان بأخبار الإدارة. ونحن ننره بأننا شكوناه إلى الجهات المختصة. وكذلك عبد العزيز فهي الجبالي ومحمد محمد جوهر وحسن محمد ومحمود أبو النجا. كل هؤلاء لا يعتمد عليهم في شيء. أما وكيلنا في حلب فهو حضرة الفاضل عبد الودود أفندي الكيالي وفي تونس حضرة الأمثل محمد أفندي المقدم وفي دمشق محمد أفندي سليم لحام وفي

стр. 1109

بيروت محمد أفندي جمال. حول أبطال العالم نبشر قراء أبطال العالم - ذلك المشروع الجليل الذي عرف قراء البيان ما هو أنا شرعنا مذ أسبوعين في طبع ثلاثة أبطال لكل بطل سفر خصيص به - أقل سفر منها تبلغ صفحاته مائة وعشرين صفحة وبعضها تبلغ صفحاته مائة وستين - فأول هذه الثلاثة بطل الأبطال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه بقلم صاحب مجلة البيان - والثاني الفيلسوف الاجتماعي الكبير فردريك نيتشه بقلم الكاتب المشهور فرح أنطون صاحب مجلة الجامعة - والثالث شاعر الإنكليز الأكبر نابغة القرن التاسع عشر اللورد بيرون بقلم الكاتب محمد السباعي. هؤلاء هم الأبطال الثلاثة الجاري طبع أسفارهم الآن. أما أول بطل يقدم إلى القراء من هؤلاء الثلاثة ففي الغالب سيكون اللورد بيرون لأنه تم وضعه وكاد زعامة ولولا تزاحم الأشغال لدينا وإلحاح القراء علينا أن نسرع بإظهار أبطال العالم لكان بين الرأي أن نفتح هذا المشروع الجليل بسيد الوجود ﷺ ثم بطائفة صالحة من أبطال العرب وكثيرهم وفي اعتقادنا أنهم في مقدمة أبطال العالم شعراء كانوا أو كتاباً أو فلاسفة أو ملوكاً. ومن هنا نقول إن مسألة تقديم بعض الأبطال على بعض ليس لفضل في المتقدم على المتأخر وإنما ذلك لأنه وجد من كتب على المتقدم وليس يصح أن تؤخر المكتوب حتى يتم غيره - أما موعد ظهور أول بطل فليس في استطاعتنا أن نعد القراء وعداً محدوداً باليوم الذي سيظهر فيه لأننا نبذل جهدنا في إتقان الطبع وشكل الكثير من الحروف وشرح الكلمات التي قد يستبهم معناها وذلك كله يحتاج إلى زمن كثير وجهد غير أنه مهما تأخر أول بطل فلن يتأخر عن أوائل أبريل القادم إن شاء الله.

стр. 1110

الزوج المنكود واشنجطن ارفنج كاتب أمريكي يعد في مقدمة كتاب الأمريكان، إذ امتاز برشاقة الأسلوب وخفة الروح، وملاحة الفكاهة، وهو من أقدر الكتاب على وصف أخلاق الناس وصورهم وأنماطهم، وهو في طليعة عشاق الطبيعة والمولعين بالسياحة والتجوال، وقد انحدر من العالم الجديد إلى إنكلترا فوصف أروع مناظرها، وصور أخلاق أهلها وتنقل بين أحقر أكواخها وأفخم قصورها، وجمع ذلك كله في كتاب سماه الصور أو الكشكول. وفي كتاب له آخر وصف أخلاق أسرة إنكليزية نزل عندها ضيفاً وصور أخلاق أفرادها حتى الخدم والوصائف فأبدع في ذلك كل الإبداع. وإلى القراء قصة بديعة مستملحة الفكاهة قال أرفنج أنه وجدها بين أوراق مؤرخ هولندي مشهور بصحة تاريخه وشهد بأنها حقيقة لا يمازجها أدنى نصيف من الخيال وفي هذه القصة يرى القارئ الحذق في الوصف، والمهارة في إدخال الفكاهة، ويجد في كل فقرة منه مغزى جميلاً، ونكتة مستعذبة. وكانت وفاة أرفنج في عام ١٨٥٩، وقد قضى نحبه شيخاً كبيراً تنفس به العمر حتى جاز السابعة والسبعين. كل من ساح على ضفاف الهدسون لابد أن يذكر جبال كاتسكل، حلقة منفرطة من سلسلة جبال الأبلشيان، وأنه ليراها عند العدوة اليسرى من النهر ناهضة شامخة الذرى تناطح أعاليها النجوم تشرف من ارتفاع عظيم على الإقليم السهل المنبسط. كل تغير في فصول العام، أو في حال الجو، بل كل ساعة من ساعة النهار، تحدث تغييراً في ألوان تلك الجبال وأشكالها، حتى لقد عدتها النسوة الصالحات في نواحي الإقليم قاصيها ودانيها، أضبط (بارومتر) يقيس الجو ويرقبه. فإذا صحا الجو وأشرقت السماء رأيت الجبال مكتسية لوناً ناضراً بنفسجياً، طابعة في صفحة الجو عند المساء تأوداتها وتعاريجها، وقد تراها إذا غابت الغمائم عن سماء الإقليم تجمع ذؤابة من الأبخرة فوق ذراها تبدو عند الطفل زاهية قانية كأنها تاج النصر والفخار. وعند سطح هذه الجبال الحسناء يلمح السائح دخاناً مصعداً من قرية هناك تطل سطوحها من خلال الأشجار، حيث ترى زرقة الربى قد بدأت تفني في نضرة السهل وخضراته. قرية صغيرة قديمة العهد، بناها قوم من مستعمرة الهولنديين، أيام كانت الولاية في

стр. 1111

حوزتهم، وقد شدوا لهم هناك مساكن من الآجر الهولندي، وجاءوا إليها بالنوافذ والأبواب. في هذه القرية، في بيت من هذه البيوت، كان يعيش منذ سنين، أيام كان الإقليم ملك إنجلترا، رجل ساذج طيب القلب رقيق الحاشية، يدعى باسم رب فنان ونكل. وكان جاراً محمود الجيرة، وزوجاً طيعاً، يمشي عبداً لزوجه، ولعل استعباد زوجه له أورثه ذلك الاستحواذ الذي أكسبه محبة الجيران وعطف أهل القرية، ذلك لأن الأزواج الذين يجدون في الدار زوجات آمرات، عاصفات ناهيات، يروحون خارج الدار مستضعفين خاضعين، ويقبلون على الناس متضامنين محبين، فإن أخلاقهم ولا ريب تخرج من نار النكبة الزوجية مرنة لينة، ولعمري أن عتاب الزوجة زوجه حين يضمهما السرير خير من خطب الدنيا بأجمعها، وأجدى على الرجال من المواعظ التي تعلم الناس الصبر والاضطلاع بالمتاعب، ولا لجاج في أن الزوجة الشكسة المتوحشة قد تعد من بعض الوجوه نعمة طيبة، وإذا صح ذلك فإن رب كل من زوجته في ثلاث نعم. وكان محبوباً من نساء القرية وبمولاتها الصالحات، وكن يجنحن إلى الانتصار له، إذا ثار الخلاف بينه وبين زوجته، ولم يترددن مرة إذا ضمهن حديث الليل وندوة المساء في إلقاء كل اللوم على مدام ونكل، وكان أطفال القرية يهتفون من فرح إذا لمحوه مقبلاً عليهم، وأنهم ليصيحون لمجيئه مغتبطين، وكان يحضر ألعابهم، ويقاسمهم لهوهم، ويصنع اللعب لهم، ويعلمهم عمل الطيارات وتطييرها، ورمي الحصى وتسديد رميته، ويقص عليهم قصص العفاريت، ونوادر الساحرات، وحكايات الهنود، وكلما مر بالقرية منطلقاً، أحاط به جماعات الأولاد، يتشبثون بأذيال ثوبه، ويعلتون ظهره ويتسنمون كاهله، ويمزحون معه ويضحكون منه كما شاؤوا وشاء مراح الأطفال، وإنه ليجوب منافس القرية وسبلها ويمر على دورها ومساكنها، فلا يهر إليه كلب، ولا يزعجه نباح. وأكبر عيب فيه كرهه كل عمل يعود عليه بالكسب، ولا تحسبن كراهيته من عوز فيه إلى الكدح والدأب، فقد تراه معتقداً عند ضفة النهر صخرة ندية رطبة وفي يده قصبة أشبه شيء في طولها وثقلها برمح الترتر، وكذلك يمضي في صيد السمك يومه، لا يمل ولا يسأم وإن لم تشجعه سمكة واحدة. وإنه ليتنكب بندقته الساعات الطوال متنقلاً بين الغاب والإجم، متروحاً بين المستنقعات والأكم، طالعاً الجبل، وهابطاً الوادي، في صيد بضعة حمائم أو

стр. 1112

سناجب، ولا يتأخر أبداً عن إعانة جار له حتى في أشقى الكدح وأصعب الأعمال، وهو إذا حان حين اللهو كان السباق إليه، وإذا اجتمع أصحاب القرية للمراح واللعب، كان في طليعة اللاعبين، واعتادت النسوة أن يستقضينه شراء حوائجهن وقضاء مشاويرهن، ويستعن به في إنجاز الأعمال الخفيفة التي لا يرضى أزواجهن إنجازها وجملة القول كان رب معداً لخدمة كلة إنسان إلا خدمة نفسه، أما عمل واجب الدار وتعهد زرعه، والعناية بأمره، فقد وجد ذلك عليه مستحيلاً. وقد صرح يوماً بأن لا جدوى من العمل في مزرعته، والحق يقال إنها كانت أسوأ أرض في كل أرجاء الإقليم. كل شيء فيها سيء فاسد، أسوارها أبداً متهدمة، وبقرته يوماً تهيم ويوماً تخوض في الزرع فتهصره، والعشب أكثر طلوعاً في حقله، والغيث يقع في غيبته. وأما أولاده ففي أطمار بالية وتشريد، كأنما فقدوا عهائلهم، وإن منهم صبياً قزماً له ملامح أبيه، ورث عن والده عاداته كما ورث بالى أثوابه، يمشي دائماً في أثر أمه ظالعاً كالمهر، مرتدياً (بنطلوناً) خلقاً كان لأبيه، يرفعه بيده، كما ترفع السيدة المتأنقة ذيل ثوبها في اليوم الممطر. على أن رب فإن ونكل كان واحداً من أولئك الرجال الناعمي البال ذوي الطبائع القانعة الحمقى، أولئك الذين يرون الحياة أمراً سهلاً، سيان عندهم في الرزق الخبز الأبيض والخبز الأسمر، وكل ما ينال من أقل فكر أو عمل، الذين يؤثرون أن يتبلغوا بفلس على أن يعملوا من أجل دينار، ولو ترك رب لنفسه، وأرخي له لببه، لنفخ الحياة كالصفير في قناعة تامة ورضى، ولكن زوجته كانت أبداً تطن في أذنه، زاجرة له على تجلده واستهتاره، والويل الذي يجره على بيته، والمصيبة التي ينزلها بأسرته، وكان لسانها يلوك صباح مساء الكلم الزواجر دون (انقطاع)، وكل قول يقول أو فعل يفعل لابد أن يرسل بلاغتها وسحر بيانها. ولم يكن له إلا سبيل واحدة في الجواب على محاضرات زوجته وخطبها. وهو أن يهز كتفيه ورأسه ويرفع عينينه ولا يفوه ببنت شفة. ولم يكن ذلك إلا ليبعث زوجته على رشقه بالكلم النبال كرة أخرى. حتى ليود أن يستجمع قواه وينفلت إلى خارج الدار. وما خارج الدار إلا الحمى الوحيد الذي يحتمي فيه التعساء من المتزوجين. بل هو الكنف الذي ينطاق إليه عبيد الزوجات.

стр. 1113

وكان خليط رب الوحيد في البيت كلبه وولف وهو شبيه سيده تخاذلاً وخضوعاً. وكانت مدام ونكل تعدهما متحالفين على البلادة. مصطلحين على البطالة. بل تنظر إلى الكلب بالعين الغاضبة الساخطة. كأنه السبب في تبلد سيده وتشرده. والحقيقة أن الكلب من كرام الكلاب روحاً. وأشجعها نفساً. ولكن أية شجاعة تقف إزاء بذاءة امرأة. وأي باس يغني من أذى لسانها ويدها. ولا يكاد يدخل الكلب الدار حتى تنتكس هامته. ويتساقط ذنيه أو يلتيو بين ساقيه. وأنه ليختلس الخطي في فنار الدار كالمجرمين. ويلحظ سيدته شرزاً. فإذ لمح أقل إشارة منها بالمكنسة أو المغرفة جرى إلى الباب نابحاً عاوياً. هذا والزمان يدور على رب ويزيد في نكده وشقائه. كلما تقادمت السنون على حياته الزوجية. فإن الخلق الحاد الذميم لا يعود بمر الدهر ناعماً ليناً. وإن اللسان السليط هو السلاح المشحوذ الذي يزداد من كثرة الاستعمال رهافة ومضاء. ومكث زماناً يعزي نفسه إذا طرد من داره. ويتلهى عهن برحاء همسه. بالتردد على ندوة في القرية تجمع عقلاءها وفلاسفتها وعاطليها. تعقد جلساتها عند مقعد هناك إزاء نزل صغير. تدل عليه صورة حمراء تمثل جورج الثالث. ملك بريطانيا في ذلك العصر. هناك يجلسون في ظلال اليوم الصائف الطويل الشقة البليد. يتحدثون عن القرية وأحوالها. ويتكلمون في شئونها وشؤون أهلها. ويقصون حكايات منومة لا نهاية لها ولا معنى. ولو علم السياسي بأمرهم وهم يتناقشون في المجلس ويتجاذبون أطراف الحديث حول أنباء صحفية قديمة نفحهم إياها سائح مر بتلك الانحاء. لما ضن على هذا المنظر بشيء من ماله. وما أشد وقار المجلس وسكونه إذا انطلق فإن بومل. معلم القرية. يتلو عليهم الصحيفة في رفق وتؤدة. وفان بومل هذا أستاذ تنبال نشيط. لا تخيفه أضخم كلمة في قاموس اللغة. وما أعظم رزانة القوم وهم يتباحثون في شؤون سياسة مضى عليها بضعة أشهر. أما رئيس المجلس وعريفه فرجل منهم يدعى نقولا فيدر وهو كذلك قسيس القرية ورب النزل. يأخذ مجلسه إزاء نزله من مطلع الشمس إلى غسق الليل. لا يبرحه إلا هارباً من حر الهاجرة إلى ظل الدوحة الباسقة. ومن جلساته وحركاته يعرف أهل القرية أوقات النهار. عوضاً من ساعاهم. ولم يكن يتكلم إلا نادراً. ويدخن بغليونه طول يومه. على أن أتباعه وخلطاءه. ولكل عظيم إتباع وخلطاء كانوا أكثر شيء علما بأمره وما يدور في خلده.

стр. 1114

فإذا قرئ عليه نبأ. أو قصت عليه حكاية فلم ينشرح لها ولم يبتهج. رأوه قد بدأ ينفخ من غليونه أنفاساً قصيرة متتابعة. فإذا خف للقصة وأعجب بها. تنفس الدخان في دعة وسكون. وبعثها سحائب خفيفة غير معتمة. وحيناً يخرج لغليون من فمه ويدع ذؤابة الدخان تدور حول أنفه. ويطرق في سكون برأسه دليلاً على استحسانه التام. ومن هذا الحمى الأمين كان رب الزوج المنكود عرضة لمطاردة زوجته له ومباغتتها، فقد كانت تنقض عليه وهو في الحفل مطمئن وادع. قاطعة على المجلس هيبته. مرسلة فيهم قحتها. حتى رئيسهم الرجل المهيب الوقور لك يكن لينجو من شر لسان المرأة المسترجلة المتوحشة. إذ كانت تهجم عليه بالتهمة. وترميه بأنه المشجع لزوجها على البطالة والكسل. وبلغ برب المسكين اليأس. وجدية الحزن. فلم يكن يري وسيلة للفرار من بحث مزرعته وتعهدها. وصيحات زوجته وصرخاتها. إلا أن يأخذ بندقيته ي يده وينطلق في الغاب هائماً طائفاً. هناك كان يجلس عند أصل شجرة. يقاسم كلبه ما في جعبته من رزق. وكان يعطف على الكلب ويحدب. كرفيق له في نكد الدنيا. وحليفه في عذاب البيت. وكان يخاطبه فيقول أي وولف المسكين. أن صيدتك لا تطلب لك من الحياة إلا حياة الكلب. ولكن هون عليك يا فتاي ولا تبتئس. فلن يعوزك الصديق الرحيم. ما دام في نفس صاعد. . إذ ذاك يهز وولف ذنبه. وينظر إلى وجه سيده واجماً. وإن صح إن الكلاب تشعر بالرحمة. فإن معتقدي أن وولف كان يبادل سيده عطفه وحنانه. ففي طوفة من طوفانه. في يوم خريف جميل. انتهى برب التجوال إلى ربوة من أعلى ربى تلك الجبال. وكان كعادته يتعزى بصيد السناجب. والسهل والحزن يضجان بقصف بندقيته. حتى إذا جاء الأصيل. حل به التعب واللهاث من أثر التيار والتطواف. فارتمى يرفه عن نفسه على ذروة في الجبل قد كساها العشب الأخضر ثوباً سندسياً يتوج جبين الهاوية. وقد أشرف من فرجة بين السرحات الباسقات على السهل المنخفض الممتد بضعة أميال من باسق أشجار الغاب. ورأى من كثب نهر الهدسون يجري في سكون وجلال. تعلوه غمامة اكتست حمرة الشفق. وتلوح عنده جارية تمخر العباب نائمة فوق صدره الزجاجي. ثم تغيب وراء الجبال الزرقاء.

стр. 1115

وعلى الجانب الآخر واد منخفض وحش قفر انتثرت فوق أديمه صخور انحدرت من جواب الجيل وهضابه، تضيئه أشعة الشمس المنعكسة الراحلة، وكذلك جلس رب ساعة يفكر في هذا المنظر ويجلو عينه من روعته، والمساء مقبل متقدم، والجبال تمد ظلها الأزرق المترامى فوق البطاح والوديان. ورأى أن الظلام سيرخي لا ريب سدوله قبل أن يبلغ القرية. وذكر امرأته وهول نقائها فتنهد تهده الموجع الملتاع. ولكنه كاد يهم بهبوط حتى سمع صوتاً من كثب ينادي رب فإن نكل. رب فإن ونكل! فدار بعينه ولكنه لم ير إلا غراباً محلقاً فوق الربى وحيداً. فظن أن مخيلته قد خدعته وأنبعث في سبيله منحدراً هابطاً. ولكنه سمع الصيحة نفسها ترن في سكون ذلك المساء وهدوئه رب فان ونكل! ورأى كلبه وولف راح يهر هريراً منخفضاً. ويقترب من جانبه مذعوراً. وينظر خائفاً إلى ناحية الوادي المنخفض. فاستشعر رب من ذلك رهبة خفية بدأت تستملكه، فنظر إلى جهة الوادي فلمح شبحاً غريباً صاعداً في رفق صخور الجبل. وقد أنقض ظهره شيء يحمله. فأدهشه أن يرى آدمياً في هذا المكان المبعد المتوحش. وظنه رجلاً من أصحاب القرية بحاجة إلى عونه. فأهطع إليه يريد أن يحمل عنه وزره. وكلما اقترب منه ازدادت دهشته لغرابة مظهر الرجل وثوبه. رأي شيخاً قصير القامة ضخماً. يجلل هامته شعر وحف جئل. وتنحدر تحت ذقنه لحية كثة. يلبس لباس أهل هولندة القدماء. صداراً من القماش حول خصره. وسراويل كثيرة أعلاها عريض طويل. تزين حفافيها صفوف من الأزرار. وعند ركبته عدة منها. يحمل فوق كاهله دنا ضخماً. كأنما يحوى شراباً. حتى إذا جاءه أشار إليه الغريب أن يقترب ويرفع عنه حمله. فأطاع رب وهو خجل من صاحبه الجديد مستريب. ثم تعاونا على الدن. وصعدا وادياً ضيقاً. لعله مجرى نبع من الجبل ناضب. وكلما انبعثا مصعدين سمع رب بين حين وحين صيحات داوية كأنها قصف الرعد البعيد. صادرة من واد عميق القاع. بين صخور شاهقة. يفضي إليه طريقهم الصعب. فوقف رب عن السير برهة متردداً. ولكن ظن أنها حنين من الرعد الممطر الكثير الحدوث عند ذروات الجبال الشم. فواصل السير منطلقاً وصاحبه بين عدوتي الوادي حتى أشرفا على أخدود يحف من حوله هاويات أفقية. قد نبتت على حافلها أشجار باسقة

стр. 1116

الأفنان. منتشرة الأغصان. حتى لا ترى القبة الزرقاء إلا بين فرجات فروعها. ولا تشهد غمائم المساء إلا من أضعاف أعوادها. هذا وهما يسيران صامتين لا يتخاطبان. وإن كان رب في دهشة بالغة وعجب يذهل القلب. يسأل نفسه ترى أي غرض هناك من حمل دن فيه خمر إلى هذا الجبل الموحش. ولكن شيئاً غريباً غامضاً حول ذلك الرجل المجهول يثير الرعب ويحسم عرق التخاطب والتفاهم. فلما بلغا الأخدود رأى حالاً عجباً. رأى في بقعة سهلة من بهرة الأخدود. جماعة من الرجال في مظاهر منكرة. يلعبون لعبة الدبابيس التسعة. مشتملين في أزياء غريبة منكورة. منهم من اتشح في سترة قصيرة. ومنهم من تسربل بسراويل طويلة. وفي مناطقهم الخناجر. يلبسون سراويل عدة. كلها على نمط سراويل الدليل. أما وجوههم فما شئت من غرابة ونكر. وإن فيهم رجلاً طويل اللحية مرسلها. عريض الصفحة ضخمها. متخازر العين خنزيريها، وفيهم رجل آخر يكاد وجهه لا يحوى غير أنف. تعلوه قلنسوة بيضاء أشبه بقمع السكر. حليتها ذيل ديك حمراوي. وللكل لحى مختلفة ألوانها. متباينة أشكالها. وفيهم رجل عليه مظهر الزعيم. شيخ عبل أسمر الملامح من أثر الجو. مشتمل في سترة مقفلة. ومنطقة عريضة. يتدلى منها سيف قصير. فوق رأسه قلنسوة عالية رائشة. وحول ساقيه جوارب حمراء. ينتعل حذاء عالي الكعب. حلاه نوع من الورد. والذي زاد في عجب رب ودهشته أن القوم يتلهون ويلعبون. وهم متجهمون مكفهرون. في أرهب صمته. وأرعب هدوء. ورأى فيهم جماعة لهو محزنة لم يشهد قبلها شبيهة لها في تاريخ حياته. هذا وسكون المشهد لا يقطعه إلا صوت دحرجة الكرات وهي تدوي في الجبال كأنها زمجرة الرعود. فلما دنا وصاحبه من الجماعة. وقفوا برهة عن لعبهم وحملقوا إليه جميعاً. بنظرات ثاقبة ثابتة ثابتة كنظرات التماثيل. بوجود دميمة ومعارف جهمة. طارت نفسه من هولها شعاعاً. واصطكت ركبتاه من رهبتها فرقاً. وشرع رفيقه يفرغ الدن في قواوير كبيرة. ثم أشار إلى رب أن يطوف على الجماعة بها. فأطاع وهو يرتعد خوفاً ووجلاً. حتى إذا جرعوها صامتين. عادوا إلى الكرات يلعبون. شجعها نفسا وبدأ يذهب عن رب الروع. حتى أنه جسر في خلسة المختلس. ولا عين تراه. أن يتذوق

стр. 1117

الشراب. وكان من طبعه ذا روح ظامئة صدياً. حرضته على معاودة اختلاس الجرعة بعد الجرعة. وكلما اشتف رشفة منها طالبته الأخرى. وما زال بالفوارير يعاودها حتى لعبت بحواسه سورة الخمر: وزاغ منه البصر. وتدلى رأسه فوق صدره ولم يلبث أن راح في سبات عميق. فلما صحى من سكره، وجد نفسه عند الربوة الخضراء في البقعة التي رأى فيها شيخ الوادي ففتح عينيه فإذا الصبح مشرق والشمس ساطعة. والأطيار متزية فوق أرائك الشجر وفروع الدوح. وإذا النسر محلق في الجواء، طائر في نسمات الضحى العليلة، فقال في نفسه لا شك إنني لم أثم هنا طول الليلة الماضية وأخذ يذكر ما وقع له قبل سباته. يذكر الشيخ الغريب ودنه. والوادي وصخوره، وجماعة الدبابيس التسع وهو لهم. وقوارير الشراب وحمياها. ودعل يقول ويح هذه القوارير. ولعنة الله عليها. أي عذر أقدم لزوجتي. وأي شفيع يشفع؟. والتفت حوله يلتمس بندقيته. ولكنه وجد بدل البندقية النظيفة الناعمة اللامعة بندقية عتيقة مرمية بجانبه. علتها طبقات من الصدأ. وقد تساقط زنادها: ونخرت الأرضية خشبها. فظن أن جماعة الجبل أرادوا مداعبته ومماجنته. فأسكروه من شرابهم. ثم سرقونه بندفيته. ومالو ولف قد احتفى عنه واحتجب. أم لعله في أثر الستجاب أو طراد الحجل. فجعل يصفر له ويناديه باسمه. ولكن سدى. وردد الصدي صفيره وصريخه. على حين لا كلب ولا هرير. فاستقر رأيه على أن يعود إلى ملعب الأمس فإذا لقى أحداً من الجمع أهاب به أن رد على كلبي وبندقيتي. ثم استوى واقفاً يريد مسيراً. فإذا به يشعر بتوتر في مفصله. وتراخ في قواه، فأخذ يحدث النفس ويقول أن نضاجع هذه الجبال لا تصلح لي ولا أصلح لها: ولئن رجعت من ملهاتي هذه بعلة النقرس. فسيكون لي شان مع مدام ونكل. وأي شأن!. فبعد لأي هبط الوادي فاهتدى إلى الطريق الذي كان بالأمس يركبه في صحبة الشيخ. ولكنه عجب اذرأى غديراً مزبداً فضفاضاً ينبع هناك، طافراً من صخرة إلى صخرة. واثباً من ثنية إلى ثنية. مالئا الوادي خربراً وهدبراً. فتنكبه. وانطلق يسير في طريق غير سوى ويمشي بين دوح الصفصاف والبندق والغار. ويعارض سبيله عروش الأعتاب البرية.

стр. 1118

تلوى فروعها وأعراشها. وتمدها من دوحة إلى دوحة. وسرحة إلى سرحة. وتحول بينه وبين طريقه بشباكها وحبائلها. وانتهى به السير حيث الوادي يتفتح عند قرجة بين الصخور مقتضية إلى الأخدود على أنه لم ير لهذه الفرجة أثراً باقياً. بل رأي الصخور متطالة الأعناق قائمة كأنها السور المنيع. يتحدر فوقها النبع متعثراً في صفحة مزبدة من الماء، دافعة إلى حوض غائر القيعة تبسط أشجار الغاب فوقه رواق ظلالها. هناك وقف رب لا متقدم له ولا متأخر، ينادي كلبه صريخاً وصفيراً، فلا يجيبه إلا نعيق سرب من الغربان صافات في الجو حول شجرة يابسة. قائمة فوق هاوية متألقة. كأنها من أمانها تنظر إلى المسكين وتسخر من حيرته. وماذا هو لعمرك صانع؟. . هذا الصبح يتولى مظهراًَ. وهذا الجوع يقتله ألماً أحزنه أن يحتجب عنه كلبه وتتبدل بندقيته غير البندقية. ولئن هاله أن يلقي زوجته. فلا يغني عنه جوعه بين الجبال والربى. فأطرق رأسه حزيناً، وتنكب البندقية الصدئة، وعاج على طريقه إلى الدار حزين الفؤاد مهموماً. فلما اقترب من القرية. لقي جمعاً من الناس. ولكنه لم يعرف فيهم أحداً. فأخذت منه الدهشة مأخذها. فقد كان يظن أنه ما من رجل في هذه النواحي إلا وله به معرفة. ورأى زيهم غير زيه. ولباسهم غير لباسه. وكلما استقرت عليه أبصارهم. وضعوا أيديهم على لحاهم. حتى اضطر أن يفعل فعلهم. ولكن لشد ما كان عجبه إذ بصر بلحينه قد بلغت قدماً!. وهذا هو الآن ملم على أرباض القرية. يمر على ترب من الأطفقال يعدون خلفه ضاحكين. ويشيرون إلى لحيته الشائبة مازحين. والكلاب. وكان عهده بها تعرفه. نهر إليه وتنبح في أثره. رأي القرية نفسها قد تبدلت معالمها وحلت رسومها. وأصبحت أعمر من قبل حالاً. وأكثر نفيراً. ورأى صفوفاً من المنازل لم يرها. وبيوتاً طريقة لم يعرفها. ولم يجد المقام القديم. والدور المعهودة. وقرأ فوق الأبواب أسماء غريبة، ولمح في النوافذ وجوها جديدة وإذا كل شيء في البلد غريب.

стр. 1119

فأخذ ذهنه يتيه في شعاب الوهم. ويفقد الرشد. وأخذ يسائل أأصابه مس من الجن أم تغيرت الأرض غير الأرض. ولكن هذه قريته لم يتركها إلا عشية أو ضحاها. هذه جبال كاتسكل ممتدة الأعناق وهذه صفحة الهدسون الفضية تعج هناك. وهذه الأباطح والأودية والربى كما كانت. ذلك ما حيره وأذهل لبه. وجعله يمضي متلدداً متحيراً يقول لنفسه ويحي أن قوارير الأمس قد ذهبت برشدي. وانبعث يطلب السبيل إلى داره. فوجدها بعد عناء وتعب، ودلف إلى داره في خوف ورهب. متوقعاً أن يسمع في كل خطوة صوت زوجته وصياحها. ولكنه رأى عندها رسماً محيلاً وطللاً عافياً، سقوفاً متهدمة؟ ونوافذ متدنية متكسرة. وأبواباً متخلعة متداعية يطوف بها كلب جائع غائر الوجه كأنه كلبه. فناداه باسمه. ولكنه نأم إليه وكشر عن نابه منطلقاً. فكانت منه الطعنة النجلاء. والنكبة النكباء. وتابع رب طريقه متنهداً يقول لنفسه وأهالي. حتى كلبي قد نسيني. . ودخل داره. وكانت مدام ولكل نقوم على تنظيفها وتعهدها. فإذا هي خاوية على عروشها. خالية من أهلها. فغلب خراب الدار على مخاوفه الزوجية. فصرخ بأعلى صوته ينادي زوجته وبنيه. فدوت الحجرات المهجورة بصدى صرخاته. ثم عاد السكون كما كان. فخرج مسرعاً يريد معهده القديم إزاء النزل. فإذا هو قد عفت آثاره. واندرست رسومه. وقام في مكانه بناء خشبي يريد أن ينقض. كثير الشرفات كثير النوافذ. سدت ثلماتها بالقلانس الخلقة. والأوشحة البالية. وقد كتب على الباب فندق الاتحاد لصاحبه جوناثان دولتل ووجد بجل السرحة التي كانت تظل النزل الهادئ القديم بأفيائها. عموداً ممدواً. في رأسه شيء أشبه بقبعة حمراء. يلوح فوقه علم خفاق رسمت عليه نجوم وخطوط. كل ذلك كان غريباً عند رب غير مفهوم. على أنه تبين عند الشارة وجه الملك جورج الثالث القرمزي. وطالما دخن تحت صورته وجلس. ولكنه رأى هذه أيضاً تغيرت وتطورت وتبدلت السترة الحمراء سترة زرقاء. واستحال الصولجان في قبضته سيفاً، وجللت الرأس قبعة هرمية الشكل، وكتب تحت الصورة بحروف كبيرة الجنرال واشنطن!.

стр. 1120

وكان حشد من الناس حول الباب. ولكن ليس فيهم من يذكره. حتى لقد تغير خلق القوم وتحول. رآهم في جدال وصخب. وعهده بهم أهل دعة وحلفاء تهويم. وطفق يبحث بينهم غير مهتد عن نقولا فيدر. رب النزل وقسيس القرية. بوجهه العريض. وذقنه المزدوج. وغليونه المستطيل. ينفخ الذوائب من فمه بدلاً من الكلم الفارغة. وفان بومل المعلم والمقرئ يقرأ الصحف ويتلوها. ولكنه رأى بدلهما رجلاً مقضوماً مهزولاً صفراوياً. امتلأت بالإعلانات جيوبه. يصيح بصوت جهوري. متشدقاً بحقوق الوطنيين. والانتخابات. وأعضاء المؤتمر والحرية. وموقعة بانكرزهل. وأبطال عام ٧٦. وأسماء لا تحصى. لم تكن في أذن رب إلا الألسن البابلية. وإن ظهور رب بلحيته المتدلية الشعناء. وبندقيته الصدئة الشوهاء. وأثوابه البالية النكراء. وفي أثره جيش من الأطفال والنساء. لم يلبث أن لفت أنظار ساسة ألحان ورجاله. فأقبلوا عليه يتقصون أنظارهم في الرجل مندهشين. وداناه خطيبهم فأخذه ناحية وجعل يسأله: لأي حزب أنت مصوت؟ فأفلت منه رب ولم يفهم مما قال حرفاً. وعمد إليه رجل من عرض الجمع. قصير القامة. خفيف الروح. فشده من ذراعه. وتطاول إلى أذنه فهمس أأتحادي أنت أم ديمقراطي؟ فازدادت دهشته ووجومه. وإذا برجل شيخ جليل. تخطى الجمع المزدحم إليه. واضعاً إحدى راحتيه في خصره. ومعتمداً بالأخرى على عصاه. حاد النظر ثاقبة فسأله في لهجة العابس الغاضب ماذا جاء بك إلى مكان الانتخاب. متنكباً بندقيتك يسعى في أثرك الغوغاء؟ ألفتتة في القرية أم مقتلة؟. فقال رب وقد توجس منهم خليفة معاذ الله. يا سادتي. ما أنا إلا رجل وديع مسكين. ربيب هذه القرية ووليدها. ورعية مخلص لجلالة الملك. أصلح الله حاله!. وإذ ذاك علا الصياح من كل مكان. وصرخ الجمهور. . ملكي جاسوس؟ طريد - انقضوا عليه. . تألبوا. سيروا به! ولم يستطع ذلك الشيخ الوقور أن يعيد سكون الحفل إلا بعد مشقة كبيرة. فلما تم له ذلك زاد في تقطيب جبينه وتجهيم معارفه. وعاد يسأل الجاني المجهول عن سبب مجيئه إلى القرية. وعمن يريد فطفق رب يؤكد له وهو خاضع متذلل إنه لا يريد بأحد ضراً. وإنما بلغ مكانهم

стр. 1121

باحثاً عن فئة من عشيرته وجماعة من جيرته كانوا يختلفون إلى ألحان. ويجلسون إزاء النزل؟. فسأله الشيخ. ومن يكونون؟ سمهم. د فأخذ رب يسترسل في الذكرى برهة. ثم سأل. أين نقولا فيدر؟. فكان صمت. ولكن لم يلبث أن أجاب شيخ كبير. في صوت ضعيف خافت. . نقولا فيدرا عمرك الله لقد قضى نحبه منذ ثمانية عشر عاماً. لقد كان فوق قبره تاريخ حياته. وأين بروم دوتشر؟. ذهب إلى الجيش. في أول العهد بالحرب. فقال قوم إنه استشهد فيب هجمة (ستوني بوينث) وقال آخرون مات من رياح هوج عند سفح جبال (أنفانطنيوس) ولا أعلم من الأمر شيئاً. فإنه لم يعد من بعدها أبداً. وأين فان بومل؟. ذهب إلى الجيش. فكان قائداً. مغواراً. ومسعر حرب. اسلا. وهو اليوم في المؤتمر. فلما سمع رب ذلك. طار لبه حزناً وأسى. على تحول داره وتغير صحابته وكاد يبخع نفسه حسرات على تغير الزمان وتبدل الأحوال. وماذا يريد هؤلاء بقولهم الحرب. . . المؤتمر. . . ستوني بوينت!. لم يعد له من الشجاعة ما يجرئه على السؤال عن أصحاب غير هؤلاء. بل صاح من يأس قائلاً وهل فيكم من يعرف رب فان ونكل؟. فقال اثنان منهم أو ثلاثة وكيف لا نعرفه. هذا رب فان ونكل جالس هناك عند أصل الشجرة. فالتفت رب فرأى عندها فتى يحكيه يوم صعد الجبل بؤسه وتراخيه. فاختلط الأمر عليه وبدأ يشك في نفسه ويستريب بشبيهه. وإنه ليتيه في مهامه الحيرة إذ أقبل الشيخ عليه يسأله من هو وما اسمه. فقال رب من ذهول. . . الله يعلم! لست نفسي. بل ما أنا إلا رجل غيري. ذلك الجالس هناك. كلا. بل هذا رجل تقمصني. . لقد كنت ليلة الأمس رب ولكن ضرب على أذني فنمت. فغيروا بندقيتي. وتغير كل شيء وأين لي أن أعلم من أكون. وما اسمي.

стр. 1122

فبدأ الحضور يتناظرون ويتلاحظون ويضعون أصابهم فوق جباههم. وتهامس بعضهم فيما بينهم أن يأخذوا منه بندقيته. لئلا يأتوا أمراً أدا. وعند ذلك أسرع الشيخ الوقور إلى لزوم مكانه الأول. وفي هذه اللحظة الرهيبة دافعت الجمع المتألب امرأة صبوح الوجه حسناء تريد أن تشهد الرجل ذا اللحية الشهباء يعني رب وكانت تحمل بين ذراعيها وليداً غضاً سميناً. أخذ يتشنج ويبكي خائفاً من هيأة الرجل فأهابت به المرأة. . علام البكاء يا رب. ولم التشنج أيها الصغير الأحمق. لا تخف فالشيخ ليس بذي أذى!. وإن اسم الوليد. وسمعت أمه. ونبرات صوتها. وتضاعيف جرسها. كل ذلك أيقظ في ذهن رب نواعس الذكرى. وهواجع الماضي فأنشأ يسأل. ما اسمك أيتها المرأة الرؤوم؟. فكان جوابها. جودت جاردينيار. واسم أبيك؟. قالت. . واحر قلباه على المسكين. لقد كان اسمه رب فان ونكل. وها قد مضي عشرون عاماً على ذلك اليوم الذي خرج فيه من داره متنكباً بندقيته ولم نسمع بخبره أبداً. رجع كلبه وحيداً. ولا يعلم أحد إذا كان قتل نفسه أم اختطفته الهنود. ولم أكن إذ ذاك إلا شابة صغيرة. لم يبق لرب إلا سؤال واحد. فألقاه بصوت مرتجف. . . وأين أمك؟. قالت. . لم تلبث بعده أن قضت. . قطعت شرياناً لما في ساعة غضب. من موجدة على بائع!. فكان في هذا الجواب سلوة له ونعمة عين. ولم يستطع كتمان ما به. وفاضت في قللبه عاطفة الوالد فاخذ ابنته ووليدها بين ذراعيه وصاح باكياً. . هذا أنا أبوك. بالأمس رب فان ونكل الفتى. واليومك رب فان ونكل الشيخ. أوليس منكم رجل يعرف رب فان ونكل القديم؟. فوقف الجمع مندهشين حائرين. حتى خرجت من بينهم عجوز. فجاءت تدلف إليه ووضعت يدها فوق جبينها تستعين على الذكرى. وتتشوفه من تحت يدها. وما نشبت أن صاحت. أجل يا قوم. هذا رب فان ونكل بعينه. مرحباً بمقدمك. وأهلاً بك. أبهذا الجار

стр. 1123

العزيز القديم. لقد طال بك وبنا العهد. وبعد الأمد. فأين كنت يا جارنا طول هذه السنين العشرين؟. فقص عليهم قصته. فكان عشرون عاماً لديه ليلة واحدة، فمضى يقص عليهم القصة، فلم تكن عشرون عاماً طوالاً في نظر رب إلا ليلة واحدة، وجعل الجيران يستمعون له. وهم يحدقون فينه الأبصار، وكان جماعة منهم يتغامزون ويتهامزون. وأما الرجل الوقور ذو القلنسوة الهرمية فرجع مطمئن السرب إلى الحفل ونهو يطبق شفتيه ويهز رأسه. وافتدى به الجمع فانطلقوا يهزون الرؤوس ويطرقون الهام. واجتمعوا على أن يأخذوا رأى بطرس فاندروك الشيخ. وقد لاح لهم يمشي الهوينا عائجاً على الطريق، وكان هذا الشيخ من سلالة ذلك المؤرخ الهولندي الكبير المسمى بهذا الاسم. وقد وضع تاريخاً عن الإقليم يعد من أقدم تواريخها. وبطرس هذا أقدم سكان القرية عهداً، وأوفاهم سناً، وأوسعهم علماً بعجائب هذه الانحاء وأساطيرها وموروث أنيابها وأخابيرها. فلما عرضوا القصة عليه وسألوه رأيه، عرف رب وتذكره، وأقر على صدق حكايته. وأكد للقوم أنه الحق ورثه كابرا عن كابر إن جبال كاتسكل كانت أبداً معاج قوم منكورين. ومعاد أشباح غريبة، وقد أثبتوا أن هندريك هدسون أول من كشف النهر واهتدى إلى الناحية. كان يقيم في الجبال عبداً على رأس كل عشرين عاماً، وإن أباه رآهم مرة في أثوابهم الهولندية القديمة يلعبون لعبة الدبابيس التسع في أخدود بين الجبال، وأنه نفسه سمع بأذن ذات أصيل من أصائل الصيف صوت كراتهم يدوي كأنه قصف الرعود. وجملة القول إن الزحام تفرق، والحشد انتثر، وعاد إلى مسائل الأعقاب، وأخذت رب ابنته إلى دارها ليعيش في ظلها ويطمئن في جنابها، وكان لها دار صغيرة دافئة حسنة الرياش، وكان لها زوج من الفلاحين ناعم البال رخى الحال، وقد ذكره رب بين الأطفال الذين كانوا يتشبثون قديماً بأذياله. ويعقلون كاهله، وأما ابن رب، ووريثه وشبيهه، ذلك الذي كان جالساً عند أصل الشجرة، فقد أرادوه على أن يعمل في الأرض ويبحث في المزرعة ولكنه أبى إلا أن يميل إلى ما ورث عن أبيه وأخذ. وراجع رب عيشه الأول، وعاد إلى ملاعبه الأولى، ومعاهده الماضية، وعاداته النائية، ووقع على جماعة من صحابته القدماء. وخلصائه الأولين. فإذا هم قد طحنهم الدهر بكلكله،

стр. 1124

وأضعف من مرتهم بحدثاته، وأرهن من بأسهم بضرباته، فآثر أن يصطفي لنفسه أصحاباً من الشباب، وأخداناً من عصر الشباب، ولم يكن إلا حين حتى اكتسب مقتهم، وظفر بحبهم. ورأى أن لا عمل لديه، وعلم أنه قد بلغ تلك السن التي يجوز للمرء أن يبلد بعدها ولا ضرار عليه ولا ذام، فأخذ مجلسه القديم إزاء النزل، وأكبره قومه ونادوا به رأساً من رؤوس القرية، وشيخاً من مشايخها. وعمدة يرجع في التاريخ إليه. ويعتمد في الرواية عليه. ومضى زمان قبل أن يستطيع أن يجاذب المجلس أطراف الحديث المردد. وقبل أن يعلم منهم غرائب الحوادث التي حدثت في غشيته. وكيف نشبت حرب زبون خلعت بها البلاد عنها سلطان إنجلترا عليها. وإنه لم يعد بعد رعية الملك جورج الثالث بل أصبح اليوم وطنياً حراً من الولايات المتحدة الأمريكية. وما كان رب سياسياً وما كان بالسياسة مشغوفاً. وقد تدل الدول. وتدور الممالك. وتستحيل الحكومات. فلا تترك لديه إلا أضعف الأثر. ولكن هناك نوعاً من الحكومة المطلقة. طالما تأوه من نيره. وكثر ما تكبد من سلطانه. وتوجع من سيطرته، وأعني به - حكومة ذات الوشاح. والآن لشد ما كانت سعادته. إذ دالت هذه الدولة. وتقوضت هذه الحكومة. وأنقذت رقبته من ربقة الزوجة. وأعتق من أسار المرأة، وأصبح يدخل الدار كما شاء ويخرج كما يشاء لا يخشي من زوجة عسفاً ولا يرهب من مدام ونكل استبداداً ولا عنفاً. وكلما ذكر اسمها هز راسه. ورفع كاهليه. وحدق البصر، وهذه تحتمل أن تكون دليلاً على نكبته بفقدها أو برهاناً على غبطته بنجاته. واعتاد أن يقص القصة على كل قادم ونزيل، ولاحظ السامعون أنه كان يتغير في بعض مواقع منها. وذلك لا ريب لأنه كان لا يزال إذ ذاك حديث عهد باليقظة وقد استقر به السرد على هذه القصة التي كتبتها. وما من رجل في القرية. ولا امرأة. ولا صبي إلا ويحفظها عن ظهر القلب. وادعى فئة من الجماعة أنهم يشكون في صحتها. وأصروا على أن رب كان ممروراً. وذلك ما جعله يظل في السرد متردداً متغيراً. ولكن الهولنديين من أهل القرية أجمعوا على أن القصة لا يشوبها من الكذب شائبة. وهم حتى اليوم كلما سمعوا في أصائل الصيف صوت المطر الراعد فوق الجبال قالوا هذا فندربك هدسون ورجاله في لعبة

стр. 1125

الدبابيس التسع. وكان كل زوج متطامن لزوجته مستعبد. إذا نقل عليه عبء الحياة. وناء بالعيش حملاً يمني النفس برشفة من قوارير رب فان ونكل!. (تمت)
следующие страницы →