Полный текст (3 596 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.
стр. 1121
باحثاً عن فئة من عشيرته وجماعة من جيرته كانوا يختلفون إلى ألحان. ويجلسون إزاء النزل؟.
فسأله الشيخ. ومن يكونون؟ سمهم. د
فأخذ رب يسترسل في الذكرى برهة. ثم سأل. أين نقولا فيدر؟.
فكان صمت. ولكن لم يلبث أن أجاب شيخ كبير. في صوت ضعيف خافت. . نقولا فيدرا عمرك الله لقد قضى نحبه منذ ثمانية عشر عاماً. لقد كان فوق قبره تاريخ حياته.
وأين بروم دوتشر؟.
ذهب إلى الجيش. في أول العهد بالحرب. فقال قوم إنه استشهد فيب هجمة (ستوني بوينث) وقال آخرون مات من رياح هوج عند سفح جبال (أنفانطنيوس) ولا أعلم من الأمر شيئاً. فإنه لم يعد من بعدها أبداً.
وأين فان بومل؟.
ذهب إلى الجيش. فكان قائداً. مغواراً. ومسعر حرب. اسلا. وهو اليوم في المؤتمر.
فلما سمع رب ذلك. طار لبه حزناً وأسى. على تحول داره وتغير صحابته وكاد يبخع نفسه حسرات على تغير الزمان وتبدل الأحوال. وماذا يريد هؤلاء بقولهم الحرب. . . المؤتمر. . . ستوني بوينت!.
لم يعد له من الشجاعة ما يجرئه على السؤال عن أصحاب غير هؤلاء. بل صاح من يأس قائلاً وهل فيكم من يعرف رب فان ونكل؟.
فقال اثنان منهم أو ثلاثة وكيف لا نعرفه. هذا رب فان ونكل جالس هناك عند أصل الشجرة.
فالتفت رب فرأى عندها فتى يحكيه يوم صعد الجبل بؤسه وتراخيه.
فاختلط الأمر عليه وبدأ يشك في نفسه ويستريب بشبيهه. وإنه ليتيه في مهامه الحيرة إذ أقبل الشيخ عليه يسأله من هو وما اسمه.
فقال رب من ذهول. . . الله يعلم! لست نفسي. بل ما أنا إلا رجل غيري. ذلك الجالس هناك. كلا. بل هذا رجل تقمصني. . لقد كنت ليلة الأمس رب ولكن ضرب على أذني فنمت. فغيروا بندقيتي. وتغير كل شيء وأين لي أن أعلم من أكون. وما اسمي.
стр. 1122
فبدأ الحضور يتناظرون ويتلاحظون ويضعون أصابهم فوق جباههم. وتهامس بعضهم فيما بينهم أن يأخذوا منه بندقيته. لئلا يأتوا أمراً أدا. وعند ذلك أسرع الشيخ الوقور إلى لزوم مكانه الأول. وفي هذه اللحظة الرهيبة دافعت الجمع المتألب امرأة صبوح الوجه حسناء تريد أن تشهد الرجل ذا اللحية الشهباء يعني رب وكانت تحمل بين ذراعيها وليداً غضاً سميناً. أخذ يتشنج ويبكي خائفاً من هيأة الرجل فأهابت به المرأة. . علام البكاء يا رب. ولم التشنج أيها الصغير الأحمق. لا تخف فالشيخ ليس بذي أذى!.
وإن اسم الوليد. وسمعت أمه. ونبرات صوتها. وتضاعيف جرسها. كل ذلك أيقظ في ذهن رب نواعس الذكرى. وهواجع الماضي فأنشأ يسأل.
ما اسمك أيتها المرأة الرؤوم؟.
فكان جوابها. جودت جاردينيار.
واسم أبيك؟.
قالت. . واحر قلباه على المسكين. لقد كان اسمه رب فان ونكل. وها قد مضي عشرون عاماً على ذلك اليوم الذي خرج فيه من داره متنكباً بندقيته ولم نسمع بخبره أبداً.
رجع كلبه وحيداً. ولا يعلم أحد إذا كان قتل نفسه أم اختطفته الهنود. ولم أكن إذ ذاك إلا شابة صغيرة.
لم يبق لرب إلا سؤال واحد. فألقاه بصوت مرتجف. . . وأين أمك؟.
قالت. . لم تلبث بعده أن قضت. . قطعت شرياناً لما في ساعة غضب. من موجدة على بائع!.
فكان في هذا الجواب سلوة له ونعمة عين. ولم يستطع كتمان ما به. وفاضت في قللبه عاطفة الوالد فاخذ ابنته ووليدها بين ذراعيه وصاح باكياً. . هذا أنا أبوك. بالأمس رب فان ونكل الفتى. واليومك رب فان ونكل الشيخ. أوليس منكم رجل يعرف رب فان ونكل القديم؟.
فوقف الجمع مندهشين حائرين. حتى خرجت من بينهم عجوز. فجاءت تدلف إليه ووضعت يدها فوق جبينها تستعين على الذكرى. وتتشوفه من تحت يدها. وما نشبت أن صاحت. أجل يا قوم. هذا رب فان ونكل بعينه. مرحباً بمقدمك. وأهلاً بك. أبهذا الجار
стр. 1123
العزيز القديم. لقد طال بك وبنا العهد. وبعد الأمد. فأين كنت يا جارنا طول هذه السنين العشرين؟.
فقص عليهم قصته. فكان عشرون عاماً لديه ليلة واحدة، فمضى يقص عليهم القصة، فلم تكن عشرون عاماً طوالاً في نظر رب إلا ليلة واحدة، وجعل الجيران يستمعون له. وهم يحدقون فينه الأبصار، وكان جماعة منهم يتغامزون ويتهامزون. وأما الرجل الوقور ذو القلنسوة الهرمية فرجع مطمئن السرب إلى الحفل ونهو يطبق شفتيه ويهز رأسه. وافتدى به الجمع فانطلقوا يهزون الرؤوس ويطرقون الهام.
واجتمعوا على أن يأخذوا رأى بطرس فاندروك الشيخ. وقد لاح لهم يمشي الهوينا عائجاً على الطريق، وكان هذا الشيخ من سلالة ذلك المؤرخ الهولندي الكبير المسمى بهذا الاسم.
وقد وضع تاريخاً عن الإقليم يعد من أقدم تواريخها. وبطرس هذا أقدم سكان القرية عهداً، وأوفاهم سناً، وأوسعهم علماً بعجائب هذه الانحاء وأساطيرها وموروث أنيابها وأخابيرها. فلما عرضوا القصة عليه وسألوه رأيه، عرف رب وتذكره، وأقر على صدق حكايته. وأكد للقوم أنه الحق ورثه كابرا عن كابر إن جبال كاتسكل كانت أبداً معاج قوم منكورين. ومعاد أشباح غريبة، وقد أثبتوا أن هندريك هدسون أول من كشف النهر واهتدى إلى الناحية. كان يقيم في الجبال عبداً على رأس كل عشرين عاماً، وإن أباه رآهم مرة في أثوابهم الهولندية القديمة يلعبون لعبة الدبابيس التسع في أخدود بين الجبال، وأنه نفسه سمع بأذن ذات أصيل من أصائل الصيف صوت كراتهم يدوي كأنه قصف الرعود.
وجملة القول إن الزحام تفرق، والحشد انتثر، وعاد إلى مسائل الأعقاب، وأخذت رب ابنته إلى دارها ليعيش في ظلها ويطمئن في جنابها، وكان لها دار صغيرة دافئة حسنة الرياش، وكان لها زوج من الفلاحين ناعم البال رخى الحال، وقد ذكره رب بين الأطفال الذين كانوا يتشبثون قديماً بأذياله. ويعقلون كاهله، وأما ابن رب، ووريثه وشبيهه، ذلك الذي كان جالساً عند أصل الشجرة، فقد أرادوه على أن يعمل في الأرض ويبحث في المزرعة ولكنه أبى إلا أن يميل إلى ما ورث عن أبيه وأخذ.
وراجع رب عيشه الأول، وعاد إلى ملاعبه الأولى، ومعاهده الماضية، وعاداته النائية، ووقع على جماعة من صحابته القدماء. وخلصائه الأولين. فإذا هم قد طحنهم الدهر بكلكله،
стр. 1124
وأضعف من مرتهم بحدثاته، وأرهن من بأسهم بضرباته، فآثر أن يصطفي لنفسه أصحاباً من الشباب، وأخداناً من عصر الشباب، ولم يكن إلا حين حتى اكتسب مقتهم، وظفر بحبهم.
ورأى أن لا عمل لديه، وعلم أنه قد بلغ تلك السن التي يجوز للمرء أن يبلد بعدها ولا ضرار عليه ولا ذام، فأخذ مجلسه القديم إزاء النزل، وأكبره قومه ونادوا به رأساً من رؤوس القرية، وشيخاً من مشايخها. وعمدة يرجع في التاريخ إليه. ويعتمد في الرواية عليه. ومضى زمان قبل أن يستطيع أن يجاذب المجلس أطراف الحديث المردد. وقبل أن يعلم منهم غرائب الحوادث التي حدثت في غشيته. وكيف نشبت حرب زبون خلعت بها البلاد عنها سلطان إنجلترا عليها. وإنه لم يعد بعد رعية الملك جورج الثالث بل أصبح اليوم وطنياً حراً من الولايات المتحدة الأمريكية. وما كان رب سياسياً وما كان بالسياسة مشغوفاً. وقد تدل الدول. وتدور الممالك. وتستحيل الحكومات. فلا تترك لديه إلا أضعف الأثر. ولكن هناك نوعاً من الحكومة المطلقة. طالما تأوه من نيره. وكثر ما تكبد من سلطانه. وتوجع من سيطرته، وأعني به - حكومة ذات الوشاح.
والآن لشد ما كانت سعادته. إذ دالت هذه الدولة. وتقوضت هذه الحكومة. وأنقذت رقبته من ربقة الزوجة. وأعتق من أسار المرأة، وأصبح يدخل الدار كما شاء ويخرج كما يشاء لا يخشي من زوجة عسفاً ولا يرهب من مدام ونكل استبداداً ولا عنفاً. وكلما ذكر اسمها هز راسه. ورفع كاهليه. وحدق البصر، وهذه تحتمل أن تكون دليلاً على نكبته بفقدها أو برهاناً على غبطته بنجاته.
واعتاد أن يقص القصة على كل قادم ونزيل، ولاحظ السامعون أنه كان يتغير في بعض مواقع منها. وذلك لا ريب لأنه كان لا يزال إذ ذاك حديث عهد باليقظة وقد استقر به السرد على هذه القصة التي كتبتها. وما من رجل في القرية. ولا امرأة. ولا صبي إلا ويحفظها عن ظهر القلب. وادعى فئة من الجماعة أنهم يشكون في صحتها. وأصروا على أن رب كان ممروراً. وذلك ما جعله يظل في السرد متردداً متغيراً. ولكن الهولنديين من أهل القرية أجمعوا على أن القصة لا يشوبها من الكذب شائبة. وهم حتى اليوم كلما سمعوا في أصائل الصيف صوت المطر الراعد فوق الجبال قالوا هذا فندربك هدسون ورجاله في لعبة
стр. 1125
الدبابيس التسع. وكان كل زوج متطامن لزوجته مستعبد. إذا نقل عليه عبء الحياة. وناء بالعيش حملاً يمني النفس برشفة من قوارير رب فان ونكل!. (تمت)
стр. 1126
العدد ١٦ - بتاريخ: ٣٠ - ٤ - ١٩١٤
стр. 1127
رحلة دولة الأمير الجليل محمد علي باشا
شقيق سمو الجناب العالي الخديوي
كان شعار الأرستقراطية بالأمس الاحتجاب والاختفاء، وكان المبدأ السائد بين الأرستقراطيين اختفوا واحتجبوا!.
تلكم هي العظمة السجينة، وتلكم هي الأرستقراطية المحتجبة، عظمة لا يشهدها إلا خدمها وحرسها كما يشهد السجين سجانه، وأرستقراطية لا يستمد منها التاريخ الاجتماعي، وإن كان يستمد منها التاريخ المالي للأمة فإن من حسنات الرفاهية أن في إسراف الأغنياء مصلحة الفقراء، وفي ملاذ النبلاء معايش للتجار والباعة وإضرابهم ممن تحتاج الرفاهية وأبهة الإمارة إلى متاعهم وسلعهم ومباهجهم ومناعمهم. ولو أصبح نصف الأمة أغنياء مبذرين مسرفين، لأصبح سواد النصف الآخر قصابين وبدالين، ويومذاك لا يكون تاريخ الأمة إلا جداول وكشوفاً بحساب المصروفات والمقبوضات، وحسبك من مغبة ذلك أن الأمة لا تعيش إلا على أيدي المبذرين، وفي جيوب التجار، وأما العقول وأصحابا، والنبوغ وأربابه، والعلم وذووه، والأدب وأنصاره، فسلام عليها وعليهم، فهي وهم ثقال الظل في جناب الأغنياء، وحضرة الكبراء وهي وهم ليسوا من مستلزمات الرفاهية، ولا من متطلبات التبذير والإنفاق!.
على أن التطور الاجتماعي لم يدع سبيلاً إلى ذلك، وشاء التاريخ أن يكون كاتباً لا حاسباً، ومقرراً لا طارحاً ولا قاسماً، فأصبح الأمراء والنبلاء وجمع من الأغنياء يعملون لحياة الأمة وغذائها الفكري، مثل ما يعمل ذلك رجال الأمة، فقراؤها وأذكياؤها وعلماؤها وأدباؤها، بل إن في الأمراء الكرام الأماجيد، كثيرين يعملون بعقولهم الخصبة، وأرواحهم الكبيرة ونفوسهم الحارة الأبية، وجيوبهم الفياضة، وعزماتهم الثواقب الماضية، وهممهم البعيدة النائية، على خدمة الأمة أكثر من علمائها، لأن خدمتهم تطرد طردين، وتنساق مساقين، من عقولهم - وما أمتعها - ومن أيديهم - وما أسخاها وأسرعها - ومن ثم كانت عظمتهم عظمتين، ونيلهم نيلين، بل الروج ونبل الدم، وذلك لأنه إذا جرت الروح الديمقراطية في دماء الأرستقراطيين فعملوا على خدمة الأمة واكتساب حبها وثقتها، ومزجوا تاريخهم بتاريخها وخلطوا حياتهم بحياتها، ارتفعت عظمتهم، كمقياس الحرارة،
стр. 1128
ترتفع درجاته بتأثير الحرارة الخارجية، ولا تسمو العظمة ولا تزداد إلا أن يكون هناك ارتباط بين العظيم، بل ينبغي أن يجمع إليه حبهم، فإن الاحترام نوع جاف من الحب فإذا ظفر العظيم من الناس بالاحترام والحب، واستقر منهم في أسماعهم وأبصارهم وذاكرتهم وأفئدتهم، فسيطفر ذكره من جيل إلى جيل، ويثب من عصر إلى عصر، ويوصي به القرن الذي يمضي أخاه القرن الذي يقبل، وسيجري اسمه بين العصور المتعاقبة المترادفة حتى ينتهي إلى الأبدية، وهو أقوى ما يكون ساقاً، وأشد ما يكون عصباً، وأطول ما يكون نفساً، وكذلك يكون الخلود.
وقد ظفر بجملة ذلك الأمير الجليل محمد علي باشا شقيق الجناب العالي التكريم، فقد رأى من نبوغه ونشبه مادتين عظيمتين، وألقى من علمه وماله قوتين كبيرتين. فوقفها جميعاً على رقي الأمة وتقدمها، ورأى الأمة مفتقرة في كل فروع الحياة وأصولها، فأعانها في كلها، وأخذ بيدها في جميعها.
رأى رأي الشاعر تومبسون أن استخدام الجهد في شريف الأعمال ومجيد الأفعال، وحميد الآثار، والنهوض بأهل بلده من مهاوي الجهل إلى مراقي العلم، هو عنصر الحياة، فكان منه الخطيب والكاتب والأديب والبحاثة والمفكر والرحالة، فهو يعيش عيش أهل النبوغ وجبابرة العقول في الأجيال الماضية والأجيال المستقبلة، ينعم من الأولي بالبحث والتنقيب، ومن الأخرى بالعمل للمستقبل وتخليد المآثر والمكرمات. ووجد أن العمل على ترقية الأمة الغريرة، وتزكية الشعب الصغير، يتطلب السفر والتجواب في البلاد العظيمة، والممالك المتحضرة الراقية، ليعلم سر تقدمها وأسباب تأخرنا، فزار بلاد الغرب ثم بلاد اليابان، وجعل يبحث في شؤونها تارة بنظرة الفيلسوف، وطوراً بنظرة البحاثة، وطوراً آخر بنظرة الاجتماعي وحيناً بنظرة الأنثربولوجي ثم عاج بعد ذلك على الولايات المتحدة، ليرى مبلغ مدينة العالم الجديد ويشهد عظمة الأميركان، ويصور لنا أخلاقهم وعاداتهم، وعجائب مدينتهم، وغرائب أمورهم، ويعلم الفروق الاجتماعية والسيكولوجية، التي ترجع إليها عظمتهم وانحطاطنا.
وقد كان لنا الشرف الجزل أن زرناه في الشهر الماضي بقصره في الروضة شاكرين له إهداءه إلينا رحلته الجليلة، فوجدنا من لدنه أخلاقاً ديمقراطية عذبة، وشمائل عالية، يمتزج
стр. 1129
فيها أدب العثمانيين، بوداعة المصريين، وحديثاً جذاباً رقيقاً، لا أثر فيه للتكلف، بل تتجلى فيه شخصيته، ونفسه وعقله، وخلقه، وتلك مزايا الرجل النابغة، فإن النبوغ يجري في تضاعيف النفس مجراه في أوعية الذهن، وما النفس والذهن إلا ليتغذيا من بعضهما ويستمدا. ولو جئت بانبغ النوابغ، وأذكى الأذكياء، وكان مضطرب النفس، مكدر الروح، مربد العواطف، ثم أردته على أن يظهر نبوغه وذكاءه، لا تطبع اضطراب نفسه، وكدر روحه، في قوله وكتابته.
وصفاء وجدانات سمو الأمير الجليل، وحلاوة أخلاقه، دلائل على عظمته، إذ يقول استرابو الشاعر أنك لا ترى عظيم الذهن إلا وهو عظيم النفس، عظيم الخلق، عليم بالنظر إلى قلبه ونفسه، وإلا فكيف يعرف النظر إلى قلوب الناس واستقراء ضمائرهم ووجدانهم، من تكدرت نفسه واحتجبت وراء سحائب من الأكدار والأقذاء؟.
وقد قرأنا رحلة الأمير فما رأينا إلا الوصف الدقيق، والنقد المتين، والاستنتاج الراجح، والملاحظة الدقيقة، والفكاهة المستملحة، بل رأينا روحاً شرقية وثابة، قد خلصت من أغلال الجمود، وقيود المحافظة، تعجب بالجليل من مدينة الغرب، وتلفظ السخيف منها، وكم فيها من سخيف، وتستحسن الصالح من عادات الغربيين، وتعيب على الغث منها، وكأين فيها من غث.
رأينا رسوخ العقيدة، وصدق البأس، وشدة الإيمان، وشدة العارضة والغيرة على الشؤون المصرية والمصالح الشرقية، والحرص على الشرائع الإسلامية، والقوانين الدينية، والأبحاث البسيكولوجية، والاستنتاجات الأنثربولوجية.
وقد أعجبنا من سمو الأمير أن تخير لمقدمته قلم العالم الكبير والقانوني المفكر، سعادة المفضال عثمان مرتضى باشا، فقد أبدع صاحب المقدمة في وصف التطورات المادية والفكرية والاجتماعية التي تقلبت فيها الجماعات البشرية، وعظمة الشرق الماضية، وما ظهر فيه من المدنيات القديمة وأنواعها واستطر إلى الإسلام ومبادئه وأغراضه وتأخر الشرق وتقدم الغرب، ومصر الحديثة وأيادي الأسرة الخديوية الكريمة عليها وختم المقدمة بماهية الرحلة ومزاياها.
ونحن فلو أردنا أن تقتطف للقارئ ما جاء في عرض الرحلة من الآراء الناضجة والأبحاث
стр. 1130
الجليلة، والملاحظات الجميلة، لاستنفذ ذلك صفحات كثيرة ولكنا نجتزيء هنا بالشيء اليسير منها، ومن مقدمتها الجليلة:
يقول دولة الأمير في مسألة أصل الهنود الأمريكيين لما رأيت في منشوريا اليورجوت وقارنتهم بصور الهنود الأمريكيين التي رأيتها في بطاقات البريد (الكارات بوستال) التي اشتريتها في مكدن، علمت وقتئذ أنه لا بد أن تكون هنود أمريكا من هؤلاء اليورجوت، ومن سكان شمال آسيا وليس ببعيد أنهم هاجروا إلى هذه البلاد في الزمن القديم من طريق كامتشتكا، وعلى ذلك يكون الآسيويون هم البادئين في كشف أمريكا قبل كريستوف كولومب، ولكن لما كانت حالتهم وحشية ومعارفهم قاصرة، واختلاطهم بباقي العالم معدوماً. ولا توجد بينهم وبين الأوروبيين مواصلات ولا مكاتبات فإن اكتشافهم لم يعلم به أحد، ومع ذلك لا يمكن تأييد هذا الرأي بإقامة برهان عليه من معلومات هؤلاء الهنود أنفسهم لأنهم لا يعرفون هم أنفسهم أصلهم ولا يدرون تاريخهم فإذن لا يمكن الاتيان ببراهين قاطعة على صحة هذا الرأي الأمثل هذا الاستنتاج الذي وصلت إليه أثناء زياراتي منشوريا ومقارنتي سكانها بأولئك الهنود الأمريكيين، والشيء الغريب الذي لفت نظري في هذه المعروضات وجود (رأس لجام) مكسيكي بد رسم الهلال وحديدته عربية فقلت إن ذلك من مخلفات العرب وآثارهم فإننا نعلم أن الإسبانيين هم الذين أتوا أولاً وحاربوا مكسيكا، وبما أن أسبانيا كانت ملكاً للعرب وبعد نزعها من أيديهم لابد وأن تبقى فيها آثارهم الحربية والاسبانيون الذين حضروا لفتح مكسيكا ربما كان بينهم من أحفاد العرب أو من المعجبين بأدواتهم الحربية من أحضروا معهم هذه المخلفات التاريخية وبعدها انتقلت من مكسيكا إلى هنا على أنها تحف تباع للسائحين والذي أيد فكرتي هذه وجود سروج عربية بكامل أدواتها معروضة أيضاً للببيع وهي بلا شك من مخلفات الأندلسيين المغاربة.
ويقول حفظه الله في خطبة بليغة عصماء ألقاها بين أعضاء جماعة الاتحاد السوري في نيويورك:
لست ممن يودون المعيشة الهادئة بدون أداء واجبات الأمة، لأني أرى عدم الالتفات إلى هذه الحقوق المقدسة من أكبر الذنوب وأعظم العيوب والنقائص. إن مهمتنا ليست في الحقيقة من الصعوبة بمكان أن اجتمعت كلمتنا وقويت الإرادة في الحصول على المركز
стр. 1131
العالي الذي نريد أن نختاره بين الأمم. والطريقة الوحيدة التي أعتقد أنها توصلنا إلى غايتنا هي أن يعتقد كل فرد منا أنه قادر على خدمة بلاده بصدق وأمانة، يتحمل الصعوبات مهما كبرت، والمشقات مهما كثرت.
واسمع ما يقوله دولة الأمير غيره على الشرق وغضبه للآداب الشرقية، والأخلاق الإسلامية:
إن التهتك والتبرج بلغا أقصى غايتهما، ومما يملأ القلب أسفاً إن ذلك لم يبق مقصوراً على البلاد الغربية فإنه أخذ يتسرب إلى بلادنا وينتشر فيها بسرعة مدهشة، فأين آدابنا الشرقية وأخلاقنا الإسلامية، إني أرى إهمالاً شديداً في المحافظة على عوائدنا القديمة، وقد التبس الأمر على الشرقيين في فهم معنى الحرية وأساؤوا التصرف في الانتفاع بها وتذرعوا بها إلى هتك حرمة الآداب وتقويض دعائم الأخلاق الكريمة، ولو تيقظوا لعلموا أن الحرية حق من حقوق الرشيدين من عباد الله جل شأنه، منحهم إياها ليتسعينوا بها على تنظيم أحوالهم وترقية شؤونهم واستعمال مواهبهم فيما خلقت لأجله والتمتع بما أباحه الله لهم، فليس في معنى الحرية الخروج عن حدود الآداب وخرق سياج الفضائل، فإن ذلك سائق إلى مهاوي الهلاك، إن كلمة حرية كان يقصد بها أولاً تخليص الإنسان من أطوار العبودية والرق يوم كان القوى يتغلب على الضعيف فيأخذه أخذ عزيز مقتدر ويسخره في مصالحه كحيوان أعجم مملوك له يتصرف فيه كيفما شاء، فلما استنارت العقول رأت أن ليس لمخلوق حق السيادة على آخر، وإن كل عبودية من الإنسان للإنسان حطه ودناءة وإن الإنسان سيد نفسه إلا أمام خالقه، ولا تفاضل بين بني آدم إلا بمقدار ما لهم من المدارك وفضائل الأخلاق ومحاسن الآداب.
هذا هو معنى الحرية التي جعلها الحق جل شأنه من حقوق عباده، وهي بهاذ المعنى أكبر أركان سعادة الإنسان، فيها يحيا العدل ويموت الظلم، وبها يتخلص الإنسان من قيود الذل إلى بحبوحة العز، بها تكون للحياة قيمة، وبدونها لا معنى للحياة، فإذا خرج الإنسان بالحرية عن هذه الدائرة إلى انتهاك الحرمات والانغماس في الشهوات، وإطلاق العنان للنفس، انقلبت إلى حرية العجماوات السائحة في بواديها، فهام في ظلمات الضلال، وإذا كانت هذه الحرية المطلقة هي غاية المدينة الحديثة فجدير بها أن تسمى همجية. .
стр. 1132
ويقول سعادة عثمان مرتضى باشا في مقدمته الجليلة:
ظهر في الشرق مدنيات كثيرة ترجع كلها إلى مصدرين:
أحدهما رقي تدريجي وراثي في الهيئات الاجتماعية.
ثانيهما: رقي منبعث عن الفكرة الدينية.
فمن النوع الأول مدنية المصريين القديمة التي من أهم مميزاتها رقي الفكر وتوجيهه إلى إتقان الصناعة واتجاه العقول إلى نور العلم في عصور مطبقة الظلام.
ومن الأول كذلك مدنيات اليونانيين المقتبسة من المدينة المصرية ثم مدنيات الآشوريين والفينيقيين والقرطاجنيين.
أما مدينة النوع الثاني فقد ظهر في الشرق ثلاثة خضع لمبادئهم الدينية القسم المتمدين في العالم.
ظهر أحدهم في مصر وهو موسى ﵇، أرسله الله تعالى ليضع للعالم القوانين التي تلائم ذلك العصر هداية من الخالق ونوراً لبني البشر.
وظهر الاثنان الأخيران في الشام وبلاد الشام.
أحدهما عيسى ﵇، أقام للناس قبساً سطع نوره حتى بهر العالم إذ كان سراج هذا القبس مستخرجاً من معدن الآداب العالية والأخلاق الكريمة هداية كذلك من الخالق ونوراً لبني البشر أجمعين.
ثم ظهر بعده هذا العربي الهاشمي الذي فاق الأنام في علو المدارك وسمو الأفكار. كما كان أكبر وأقوى من خدم الإنسانية بأسرها بإرشاد الناس بالحكم القويمة والتعاليم الراقية الكريمة التي بعثه الله لنشرها في كل الكون سلاماًَ وبركة ورحمة للعالمين.
بزغ نور تعاليمه الإسلامية من سماء بلاد العرب ثم انتشر في أرجاء آسيا، وسرعان ما انتقل إلى أفريقية الشمالية مبتدئاً بمصر ماراً ببلاد المغرب مجتازاً بحر الروم حتى وصل إلى أوروبا من مطالع الأندلس. ففك المقول من أسرها، وأرشدها إلى أن لها حقوقاً وعليها واجبات، وأضاء لها مناهج الحياة العلمية والعملية، وعلمها كيف نتيجتها فخرجت بذلك من الظلمات إلى النور ومن الموت إلى الحياة بتلك الروح الجديدة روح التمدين الإسلامي والزكاء الشرقي.
стр. 1133
طافت هذه الروح على البشر منذ ثلاثة عشر قرناً تدعو الناس إلى الإخاء والتعارف بين جميع أفراد المعمور على اختلاف أجناسهم ومعتقداتهم وتباين مذاهبهم ومشاربهم، وتدعوهم إلى التضامن الإنساني في كل أطوار حياتهم. وتدعوهم إلى جعل العدل أساساً لمعاملاتهم الاجتماعية والسياسية كما تدعوهم إلى استعمال الرحمة والحنان. حاثة على مكارم الأخلاق حاضة على التمسك بوسائل العمران، وقد رسمت لهم طريقاً جديداً لم يسبق له مثال في السواء والسهولات وتقريب المسافة في تحقيق وصول الآمال للسعادة الدنيوية والنعيم الأبدي.
تنادي تلك الروح الجنس البشري بأعلى صوتها.
يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا.
وتقول لهم:
وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان
وتقول:
إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون.
كما تقول حاضة على الحركة والعمل:
وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وإن سعيه سوف يرى.
وتقول مهبط تلك الروح صلوات الله عليه واطلبوا العلم ولو بالصين وارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء.
دين كله تعارف وإخاء وعدل وعلم ورحمة وحركة وعمل وفكر وتنبيه كان من شأن انتشاره في أرجاء الدنيا أن تيقظ لحكمة الناس أجمعين المؤمنون به وغير المؤمنين وليس من الغريب إن هذه الحركة الإسلامية كما مدنت الشعوب المتبربرة وأكسبتهم مدنية أقر لهم بها التاريخ كان لها صدى في الغرب الذي كان حينذ تائهاً في ظلمات الجهالة، غارقاً في لجج الهمجية، لا يبصر الضوء إلا من سم الخياط ولا يتنسم الحياة إلا من مطالع الشرق لأن تلك الحركة الإسلامية لم تجيء لتخلص بمزاياها أقوى معينين بل هي جاءت لسعادة الإنسان من حيث هو إنسان.
стр. 1134
أفاقت كل هذه الحركات التمدينية الشرقية الغرب من رقدته الطويلة التي كان تائهاً فيها، كما أيقظت عزيمته التي طال عليها الفتور فارتحل النشيطون من أبنائه إلى بلاد المشرق واغترفوا من بحاره العذبة ومناهله الرطبة كل ما كان غريباً منهم مجهولاً لديهم من أنواع المصنوعات والحرف وأخذوا من ذلك الحين يشمرون عن ساعد جسدهم مشتغلين على الأخص في الماديات متنقلين في الصناعة والتجارة والزراعة والملاجة من سيء إلى حسن ومن حسن إلى أحسن ومن كامل إلى أكمل.
سار الغرب على هذا النمط المرغوب فيه جداً في جميع مرافق الحياة الضرورية والحالية والكمالية حتى نال من المنعة والقوة والسلطان الدرجة التي هو عليها ألان وسبق الشرق في الماديات بعد أن كان مسبوقاً، وساده بعد ان كان مسوداً وحقق الحكمة الشرقية لكل مجتهد نصيب وعجيب إن الغرب في سيره إلى الحضارة لم يطرق الأنفس الطريق الذي بذل الشرقيون وأجدادهم الكرام مهجهم الغالية في تمهيده وتنسيقه، وهم لوقوف السفكر الشرقي عند الحد الذي وصلت إليه مصنوعاتهم ومتاجرتهم وملاحتهم وعدم تقدمهم فيها إلى الإمام بنفس الخطى السريعة التي خطوها في الأدبيات بوجه أعم، وفي علوم الفلسفة والبلاغة والمنطق وعلم الكلام بوجه أخص، مضافاً إلي ذلك تفريط الخلف في المحافظة على متروكات السلف سيما الماديات منها كانوا قد ضلوا عنه وجعلوا غيرهم من هؤلاء الغربيين الذي كانوا وراءهم فيه بمراحل يسبقونهم إليه واكتفوا بقبول تعويض بسيط تاريخي عما فقدوا بأن نالوا من الغربيين إقراراً لهم بفضل السبق عليهم فيه.
كبا الشرق في الماديات أو وقف ساكناً عند حد جهاد أبنائه الأولين. وخصص النفيس من أوقاته الغالية في الاشتغال بتلك الأدبيات مهملاً الماديات التي عليها قوام الحياة، والتي هي موارد الثروة الحقيقة، فبعد أن كان مطلع شمس الفنون وينبوع الصنائع والعلوم، وبعد أن كان أستاذ الغرب فيها من غير مراء انقلب حاله من أحسن إلى حسن ومن حسن إلى سيء على العكس تماماً من الخطة العمرانية الحديثة التي اختطها الغرب لنفسه، بل أصبح الشرق يلتمس نوره من زهراء الغرب. كل ذلك لأن الشرق وجه التفاته للأدبيات دون الماديات التي أهملها كل الإهمال ولأنه خفف سيره إلى الأمام في وارد الرزق والثروة في حين أن الغرب كان ينهب الأرض نهباً طلباً للاتساع في الممتلكات والمقتنيات لا يعرف
стр. 1135
للقناعة حداً ولا تحجبه عن نيل غاياته ومطامعه شم الجبال ولا لجج البحار بل حملق إلى السماء يريد استخدامها أيضاً حتى خضعت لمشيئته الأرض وما فيها وما عليها.
بعد ذلك كان حقاً على الشرق أن يترك للغرب تراثه القديم تراث العز والسلطان تراث العلم والعرفان والثروة والسعادة في اليوم الذي تخلى فيه عن تلك الصفات والمميزات التي ضمنت له قديماً جمع هذا التراث.
نعم نام الشرق نوماً عميقاً واستغرق فيه حتى أيقظه من أوروبا ومن أمريكا حركة قوية تحمل عجائب المصنوعات وغرائب المخترعات براً وبحراً وهواء، وأرهقه مناد يناديه كيف حلا لك النومة وهو مر علقم ولذلك الرقاد وهو السم الزعاف، ثم ذكره بنظرية تنازع البقاء وبقاء الأنفع فلقي هذا الصوت في بلاد اليابان آذاناً صاغية وقلوباً واعية في أمة نشيطة كانت خير مثال بتمنى كل شرقي أن يحذو حذوه وأن يتبع خطاه.
رن هذا الصوت في مصر فتداركه هذا الرجل الكبير الجليل القدر المعدود واحداً من اثنين نبغاً في عصره. هو الحاج محمد علي باشا رئيس عائلتنا المصرية الملوكية الكريمة فالتفت للأدبيات والماديات على السواء، ووجه لهما عنايته الفائقة النادرة المثال فانتشل الأمة مما كانت واقعة فيه من المهاوي السحيقة. فالمدارس أنشأها والإرساليات العلمية قررها وتعهدها، والفاويقات من جملة أنواع أسسها وبناها وأنجحها، والترسانات والأرصفة والجسور والترع والقناطر وكل شيء حيوي في البلاد باشره بنفسه واستخدمه لقائده بلاده، والجيش والبحرية قواهما بعد أن رباهما على النسق الحديث المتين، وبأصالة حكمه وحسن درايته وطد الأمن في البلاد وافتتح القسم العظيم من الأقطار السودانية وضمها على بلاده العزيزة. وعليه فإن مصر مدينة بتمدينها الحديث لتلك العائلة الخديوية الكريمة، وتاريخ مدينتها الحديثة مقترن بتاريخ الحكم العلوي من غير مراء ولا نزاع على آخره إلى آخره.
стр. 1136
سر عظمة العرب
بقلم الدكتور جوستاف لوبون
بينا نحن نقرأ في كتاب حضارة العرب. ذلك الكتاب القيم الذي أخرجه الفيلسوف البحاثة الدكتور جوستاف لبون. والذي يدأب اليوم في نقله إلى العربية الكاتب المشهور محمد أفندي مسعود. إذ عثرنا في أخريات صفحاته بمبحث ضاف يكاد يكون فلسفة الكتاب وزبدة مباحثه تناول في القسم الأول منه البحث في الأسباب التي عملت على عظمة العرب وارجع منها ما أرجع إلى القوانين البسيكو لوحيه وأحال ما أحال منها إلى النواميس الطبيعية والاجتماعية. وأفرد القسم الثاني للكلام على أسباب سقوطهم. فآثرنا أن ننشر في هذا العدد القسم الخاص بسر عظمة العرب وفي العدد الثاني القسم الآخر الخصيص بسر سقوطهم: قال الدكتور تحت العنوان المذكور سر عظمة العرب.
نختتم تاريخ حضارة العرب بإلقاء نظرة عامة نجمل بها القول على أسباب عظمة العرب وسر تدهورهم.
فأول عامل مهد السبيل لعظمة العرب وسؤددهم، هو الظروف التي فيها نبغوا، والزمن الذي فيه ظهروا، فإن للظروف عاملاً تمهيدياً يجري على الأفراد جريانه على الشعوب، وله في تكوينهما أكبر الأثر. وإن كثيراً من الصفات والمميزات لا تستطيع ظهوراً ولا رقياً إلا في ساعات مناسبة لها، وظروف موافقة لرقيها. ولا مراء في أن نابوليون ما كان ليصبح سيد أوروبا وعظيمها، لو كان ولد تحت لويس الرابع عشر، ولو كان محمد ﷺ خرج إلى العالم في عصر عظمة الرومان وإقبال دولتهم وضخم قوتهم، لما استطاع العرب آخر الدهر أن يخرجوا من جزيرة العرب، بل ولأنكرهم التاريخ وظلوا في الخمول يضربون.
ولد محمد الزمان المقرر، والساعة الموافقة، وقلنا أن بظهوره تداعي العالم القديم، في جميع أرجائه، وجملة نواحيه، وما كان ليعوز عصبة النبي ورجاله إلا أن يلمسوا بنيان هذا العالم، فإذا هو أطلال بالية، ودمن عافية.
على أن هدم كيان أمة لا يكفي لتأسيس بناء مدنية، وإن في عجز البرابرة الذين خلفوا على المدنية الرومانية في المغرب، كما خلف عليها العرب في المشرق، الدليلا على صعوبة هذا
стр. 1137
الأمر ومشقته، وليس في مكنة الظروف إلا أن تذلل السبيل إلى إنشاء دولة جديدة، وأحداث مدنية طريفة، وينبغي أن يكون من وراء الظروف عوامل أخرى ضرورية نحن الآن آخذون في تقريرها.
ففي رأس هذه العوامل تأثير الجنس، وقد أثبتنا أن خير ما يشخص الأمة ويميزها أن يكون لها مقدار معين من العواطف والاستعدادات والأميال المشتركة، تتغلغل في أفرادها، وتسوق سعيهم وجهدهم إلى مطلب واجد، ومعنى فذ. ومجموع هذه العواطف المشتركة، الناشئة من تراكم الصفات المتوارثة، وأعني بها الخلق الأهلي، هو الوراثة عن ماض لكل من آبائنا وأسلافنا يد في إنشائه، ونحن كذلك نعمل على تكوينه لولدنا وأخلافنا، والخلق بالأهلي وإن اختلف في كل أمة، فقليل الاختلاف بين بنى الجلدة والواحدة، وأهل البلد الواحد.
ولا مراء في أن على هذه العناصر الأساسية للخلق الأهلي، يبني كل جيل، وينشئ كل عهد، ويشيد كل عصر، ولكن بنسبة هي من الضعف والقلة بحيث تحتاج إلى تصرم القرون والأجيال التي ينتج تكاثر هذه التطورات تغيراً محسوساً، وقد يبدو للناس في بعض الأحايين أن التربية والوسط والظروف تحدث بجملتها تغيرات سريعة، ولكنها في الحقيقة لا تلبث أن تزول، لأنها عرضية.
على أن المميزات الأخلاقية والخصائص الفكرية لشعب من الشعوب هي كخصائص الأنواع ومميزاتها الطبيعية ثبوتاً ورسوخاً، ونحن نعرف اليوم أن خصائص الأنواع تنتهي على مر الزمان بالتغير والتحول، ولكن تغيرها نهاية في البطء حتى عدها علماء الطبيعة كأن لا تحويل لها ولا تبديل.
وقد حاولت في مؤلف لي أن أثبت أن ليس بقوة الذهن، وإنما بارتباط العواطف وتوحدها، يتألف الخلق، وما الخلق إلا الأساس الذي تبنى عليه الأمة، ومن ثم كان حقاً على من أراد أن يتوصل إلى شرح الأدوار التي يلعبها الأفراد والشعوب على مسرح التاريخ أن يبدأ بفحص خلقهم واستقرائه، فإن الحكم الذي أدلى به قيصر، ووسم به أبناء فرنسا الأولين، وهو حب الثورات، والميل إلى خوض غمرات الحروب، من غير داع ولا سبب، والاستسلام لأحداث الزمان ليشرح الحوادث التي وقعت لها في ماضينا.
وإن من السهل الرجوع إلى التاريخ للاستشهاد بأن نتائج الخلق تختلف تبعاً للظروف وإن
стр. 1138
المحاسن والمساوئ التي تنسب إليها عظمة أمة من الأمم في عصر من العصور ليصح أن تصبح منشأ سقوطها في عصر آخر. وفي حال العرب مثال لذلك، وإذا حللنا اختلاف النتائج تحليلاً وافياً دقيقاً، لكشف لنا هذا التحليل أن الأسباب واحدة، فقد يبدو لنا من أول وهلة أن بين اليوناني في عهد بريكلين. وبين البيزانطي في أخريات دولة الرومان هوة سحيقة. وبوناً شاسعاً، وذلك هو الواقع لو نظرنا إليهما من الوجهة الاجتماعية. على حين أن أساس الخلق فيهما لم يتحول ولم يتبدل. وإنما هي الظروف وحدها التي عدا عليها التحول والتبدل. فلما انتقلت نعومة اليوناني ورقته ودهاؤه الفلسفي وعذوبة لغته. إلى بيئة غير بيئته. ووسط غير وسطه وزمان غير زمانه. إذا هي قد راحت في البيزانطي غدراً خلاباً. ودهاء دينياً. وثرثرة حمقاء. وإن التفتيشي في القرون الوسطى. في طبائعه الجامدة الصلبة: واليعقوبي الحديث. في الحادة الوحشي. وطبائعه الثورية الهائجة. ليكادان يكونان جد مختلفين. على أننا لو أنعمنا النظر لحظة واحدة. لبدا لنا أن الثاني ليمت إلى الأول بلحمة القرابة والشبه. ولم يتغير فيهما إلا اسم العقيدة.
ويرتبط بهذه العناصر الأساسية لخلق الأمة. وهي في رسوخها وثبوتها كالفقار في الحيوانات الفقارية. طائفة من العناصر الثانوية. وهي في تباينها كالقامات والهيئات والألوان في تلك الحيوانات: على أنا لنصيب إذا قلنا أن الآراء والأذواق هي التي تتغير وتتحول. ولكن تغيرها لا يمس العناصر الأساسية لخلق الأمة. فإن هذه أشبه بالصخرة الصماء. تتقاذف فوقها الأمواج،. وتعتلج أبداً عليها اللجج. دون أن تزعزعها عن مكانها المسكين. وما أشبه الآراء والأذواق بأطباق الرمال. ومهيل لسباسب. وركام الخرزات. ومنثور الأعشاب. التي ترمي بها الأمواج فوق هذه الصخرة. لتنهض عليها وترتفع:
ومن ثم كان المرجع في الموازنة بين الشعوب هو البحث في العناصر الأساسية لخلقها الأهل. وقد وفينا هذه العناصر في خلق العرب حقها من الوصف فلا حاجة بنا الآن إلى ذكرها. بل نترك الآن ما قلناه عن قوة أذهانهم. . وحمية نفوسهم. وأميالهم الأدبية والفنية. مما لا تقوم المدينة بسواه. ولا تسموا الحضارة بدونه. ونقتصر هنا على ذكر ما يخص عاداتهم القديمة في الحرب. فإن في هذه العادات مثالاً بيناً على ما ذكرناه من قبل. وهو أن الاستعدادات والأميال المتشابهة قد تؤدي تبعاً للظروف إلى نتائج مختلفة بعضها عن بعض
стр. 1139
كل الاختلاف. فهذه عادات العرب في الحرب كانت مستمكنة من نفوسهم. متأصلة في أعراقهم. حتى لقد كانت جزيرة العرب قبل النبي ساحة حرب ما يبرد هنا وطيس. ولا ينفض قتال. فلما انضووا تحت دين واحد. وخضعوا لسلطان عقيدة عامة. إذا بهم قد صاروا ألباً واحداً على الأعجمي. فكانت عاداتهم الحربية سبباً من أعظم أسباب انتصاراتهم: حتى إذا دانت لهم الأعداء. وخضعت الرقاب. ولم يبق منهم من يساجلونه الحرب والقتال. عادوا إلى مطاوعة خلقهم الحربي ومتابعته. فشهروا رماحهم في وجوههم، وامتشقوا أسلحتهم على أنفسهم. فكانت طبائعهم التي ضمنت عظمتهم ومجدهم، هي نفسها التي أفضت إلى سقوطهم وتدهورهم.
ولا يفي من قولنا أن خلق الأمة قد يحدث تبعاً للظروف نتائج مختلفة جد الاختلاف، إن الظروف وحدها لا ينهض فوقها تطور الأمة بل إن من الظروف عوامل أخرى لها أثر مشهور في هذا التطور.
وفي طليعة هذه العوامل التي بقي علينا الآن بحثها، ذلك العامل الذي ألف بين شعوب العرب وقبائلهم وبطونهم، ودمجهم في أمة واحدة، وكانوا من قبل منقسمين متباعدين، وذلكم العامل هو الدين الذي جاب محمد، فقد أتى هذا الدين بالمثل الأعلى إلى قوم كانوا من قبل خلواً منه صفراً.
أجل. جاء هذا الدين بمثل أعلى يثير في قلوب عصبة المستمسكين به حمية تدفع بهم أجمعين إلى تضحية نفوسهم في سبيله.
ولقد سبق لي أن أعدت القول وكررت أن دين المثل الأعلى من أقوى العوامل على تطور الجماعات الإنسانية، وحسبك من قوته أن ينشئ للأمة عواطف عامة، وأماني مشتركة، وإيماناً حياً، فلقد كان المثل الأعلى في أمة الرومان عظمة روما. وكان عند المسيحيين الأمل في حياة أخرى حافلة بالمناعم والمباهج، وقد صور الإنسان العصري آلة له جديدة، على غرار الآلهة القديمة في عدم عصمتها، وإن كان يقيم لها التماثيل بحق. ويرفع لجلالها الدمى، وإن لهذه الآلهة لتاثيراً صالحاً. يكفيك منه أنه قد يوقف الجماعات الهرمة والشعوب المتدهورة عن الانحطاط والفناء حيناً من الدهر.
وما التاريخ إلا رواية الأحداث والأفعال التي قام بها الناس سعياً وراء المثل الأعلى. ولولا
стр. 1140
هذا المطلب لظل الإنسان عن بربريته. ولما كان له من المدينة نصيب. وانحطاط الأمة يبتدي يوم لا تملك الآم لنفسها مثلاً أعلى تحترمه بجملتها. يدفع كل فرد منها بنفسه في سبيل حمايته والذود عنه.
وقد كان المثل الأعلى الذي أنشأه محمد مثلاً دينياً من كل وجوهه. وامتازت الجولة التي أسسها العرب بهذه الميزة المنفردة. ذلك أنها كانت الدولة العظيمة الفذة التي قامت باسم الدين ومن الدين استخلصت جميع أنظمتها السياسية والاجتماعية.
ولكن أيكفي هذا العامل الأكبر. ونعني به المثل الأعلى. وتلك العوامل التي جئنا بها من قبل. لبيان عظمة العرب؟.
كلا. فنحن لم نستغرق في كل ما قلنا إلا لحظة واحدة. لقد قلنا تداعى العالم القديم. تاهبت لفتحه أمة حافلة بالصفات الحربية مجتمعة عصبة واحدة برباط دين عام بقي عليها أن تقوم بالفتح المبين. وأن تعمل فوق ذلك على حراسة هذا الفتح وحمايته.
ونحن رأينا كيف كانت فتوحات العرب. وكيف كانت غزواتهم. كيف خرجوا من بلاد العرب فانهزموا بادئ بدء إزاء وراث العظمة اليونانية الرومانية. فلم يهن بأسهم ولا تولت شجاعته. بل تعلموا من غالبيهم. وأخذوا عن هازميهم. حتى إذ أصبحوا من الوجهة الحربية أكفاءهم. ومضوا بعد ذلك في الوغى أقرانهم وأضرابهم. لم يعد هناك موضع للشك في فوزهم.
ذلك لأن كل جندي في جيش العرب كان على أهبة أن يهب روحه ومهجته في سبيل انتصار الفكرة التي كان يقاتل في الهيجاء ويجاهد تحت درعها. على حين كانت التضحية وبذل المهج والحمية والعقيدة قد أسلمت الروح في جيوش الروم منذ أمد مديد.
لقد كان من الجائز أن تطمس الانتصارات الأولى على أبصار العرب وتضرب على أعينهم. فتقودهم إلى التطرف شأن كل غالب. وحال كل منتصر فائز. ويحملهم فوق ذلك على أن يسيئوا معاملة المهزومين. ويكرموهم على اعتناق الدين الجديد الذي نهدوا النشرة في أرجاء العالم وفجاجة التي لم تخضع بعد لحكمهم. ولم تذل لصولتهم.
ولكن العرب أصابوا الحزم في تجنب هذا التألب الداهم. وتحامي هذه التهلكة الجلل. التي لم يعرف الصليبيون كيف يتجنبونها ويتفادون من شرها. يوم جاء دورهم فنفذوا إلى الشام.
стр. 1141
فإن الخلفاء الراشدين فطنوا ببراعتهم السياسة التي أندر ما توجد بين أشياع دين جديد وصحابة عقيدة حديثة إلى أن الشرائع والأديان لا يتهجم بها على الناس. ولا تدخل عليهم بالعنف والإكراه. وقد شهدنا العرب في كل مكان دخلوه. وكل بلد فتحوه. في الشام وفي مصر وأسبانيا. يعاملون أهلها بالحسنى. ويأخذونهم بالعرف. ويداورونهم بأعظم اللين وأحسن الوداعة. تاركين لهم شرائعهم وقوانينهم ودياناتهم. غير ضاربين عليهم في مقابل السلم. الذي ضمنوه لهم والأمان الذي أحلوهم فيه. إلا أتاوة زهيدة. وحزبة طفيفة. كانت في أغلب الأحوال أقل من تلك الضرائب التي كانوا يرفعونها من قبل. ولم تشهد هذه الأمم فاتحين يوماً بهذا التسامح. ولا غالبين بهذا اللين وذاك الحدب. ولا عرفوا من قبل ديناً بهذه العذوبة وهذا اللطف.
وكان هذا التسامح وهذا اللطف. وإن تجاهلهما المؤرخون وبالغوا في إنكارهما، سبباً من أسباب السرعة التي بها امتدت فتوحات العرب. وداعياً من أهم الدواعي التي ذللت في كل مكان نشر دينهم وشرائعهم ولغتهم. ونحن نعلم أنها استقرت واشتدت أصولها بين الأمم التي اعتنقتها وسارت على هديها وأنها وقفت بعد ذلك حيال كل هجوم ونهضت إزاء كل غارة. وقام منارها بعدما ذهبت ريح العرب من مسرح العالم.
وأنت لا تجد هذه الحقيقة الرهيبة إلا في حال مصر. فإن الفرس واليونان والرومان الذين تسودوا عليها. وبسطوا فوق أرضها أروقة نفوذهم، لم ينجحوا يوماً في هدم مدينة الفراعنة القديمة. ولم يتوقفوا إلى إسقاطها وإقامة مدنياتهم على آثارها.
ثم ننتقل إلى أسباب أخرى غير تسامح العرب. وعذوبة سلطانهم. وحسن ملكتهم. وما رجع إلى ذلك من نجح دينهم وثبات الأنظمة التي استخلصت من هذا الدين. فنقول إن هذه الأنظمة كانت من السهولة بحيث توافق حاجات الطبقات المتوسطة في الأمم التي استكانت للعرب. فإذا حدث أن هذه الأنظمة لم تلائم كل الملائمة هذه الحاج. كانت العرب أعلم بتحويرها وتذليلها كما تقتضيه الضرورات. ولذلك ترى بين الأنظمة الإسلامية في الهند وفارس وبلاد العرب وبلاد المغرب ومصر فروقاً. هي في بعض الأحيان كبيرة. وإن كانت ترجع إلى قرآن واحد. وتائم بهدى كتاب فذ.
والآن وقد بلغنا بك حيث انتهى العرب من فتح العالم. فلم ننته بعد من بحثنا الذي أخذناه
стр. 1142
على أنفسنا. لأن عصر هذا الفتح لم يكن إلا وجهاً واحداً من وجوه تاريخ عصبة النبي ورجاله. ولم يقف أمر العرب عند فتح أقطار الدنيا وغزو ممالكها. بل لقد أسسوا مدينة جديدة لا دخل فيها للعوامل المتقدم ذكرها. فلا بد أن يكون لها نمت دواع وأسباب.
هناك سببان قاطعان جازمان. يؤول إليها أصل هذه المدينة الجديدة. أولهما الوسط الجديد الذي وجد فيه العرب. وثانيهما استعدات فرائحهم وإفهامهم.
فأما الوسط فقد ذكرناه لك آنفاً وصفناه. وقلنا ما كاد العرب يخرجون من مهامه جزيرتهم وينسلون من فدافد أرضهم. حتى ألفوا أنفسهم إزاء بدائع المدينة اليونانية الرومانية. وما كان أغربها لعيونهم وأشدها أخذاً بمجامع أفئدتهم فلما تبينوا تفوقها الذهني. كما تبينوا من قبل تفوقها الحربي. جاهدوا في مضاهاتها. ودأبوا في مساواتها ومجاراتها.
ولكن مجاراة مدينة مستبقة متفوقة ينبغي لها بادئ بدئ روح قابلة خصبة. إذ حسبك بياناً لصعوبة هذا العمل تلك المجهودات المضيعة الخائبة التي حشدها البرابرة زهاء قرون وأجيال لانتحال آثار المدينة اللاتينية والانتفاع بها. وما كان العرب بحمد الله أمة بربرية. وما كانوا قوماً همجيين. ونحن وإن كنا لم نعلم ما كان من مدينتهم في العصر الذي تقدم عصر محمد، حين إذ كانت بينهم وبين سائر الأمم رابطة المتاجرة. فقد أثبتنا لك إنهم كانوا يوم ظهر النبي فيهم على رقى في الأدب بالغ. ومعلوم أن العالم أو الأديب إذا جهل كثيراً من الأشياء أعانته استعداداته الذهنية على استظهارها ووعيها. وكذلك استعان العرب على فهم العالم الجديد في أعينهم. الطريف لأنظارهم. بنفس الحمية التي جاؤوا بها إلى فتحه. وعين الأريحية التي أقبلوا بها لغزوه.
ولم يأت العرب في بحث هذه المدينة التي ألفوا أنفسهم بغتة إزاءها. بشيء من مؤثرات الخرافات التي انقضت ظهور البيزنطيين دهراً طويلاً وأثقلت كواهلهم أمداً مديداً. ولذلك كانت حرية أرواحهم. وخلوصها من قيود الخرافة. وأسار الأوهام سبباً من أسباب ارتقائهم السريع. وكثيراً ما يحدث في حياة الشعوب إن تأثير الماضي قد يفيد الأمة دهراً. ويؤتيها من لدنه خيراً. ثم لا يعدو بعد ذلك أن يستبد بها. ويجعلها تنزل على حكم الخرافات الماضية. ويحول بينها وبين كل تقدم ورقي.
وإن الاستقلال الطبيعي الذي نشأت عليه أرواح العرب. وتصورهم وابتكارهم. لتتجلى في
стр. 1143
تلك البدائع الجديدة التي أحدثوها. وقد أبنالك أن العرب لم تلبث طويلاً إن وسمت عمارتها وفنونها. وفي نفس الوقت علومها. بذلك الطابع الشخصي الذي يتبين في أعمالها وآثارها من النظرة الأولى. ولما كانت الفلسفة النظرية التي جاء بها اليونان قل ما تلتئم مع طبيعة أرواحهم. لم يأخذوا عنها إلا النزر القليل وكان أحب الأشياء إلى نفوسهم الفنون والعلوم والأدب وقد وصفنا لك الرقي الذي كان على أيديهم في هذه الفروع المختلفة. بما فيه الكفاية والغناء.
تلك هي الأسباب الهامة التي تؤول إليها عظمة العرب. فهلم الآن نبحث في سر تدهورهم.
стр. 1144
صفحة في الأدب
حدث أبو سعيد الخدري قال: جلس رسول الله ﷺ على المنبر وجلسنا حوله فقال: إني أخاف عليكم بعدي ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا وزينتها - قال - فقال رجل أو يأتي الخير بالشر يا رسول الله - قال - فسكت عنه رسول الله ورأينا أنه ينزل عليه فأفاق يمسح عنه الرحضاء وقال أين هذا السائل وكأنه حمده. فقال إنه لا يأتي الخير بالشر. وإن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطا الويلم إلا آكلة الخضر فإنها أكلت حتى إذا امتلأت خاصرتاها استقبلت عين الشمس فثلطت وبالت ثم رتعت، وإن هذا المال خضرة حلوة، ونعم صاحب المسلم هو لمن أعطى المسكين واليتيم وابن السبيل (أو كما قال رسول الله) وإن من يأخذه بغير حقه فهو كالآكل كل الذي لا يشبع ويكون عليه شهيداً يوم القيامة.
قال الأزهري: في هذا الحديث مثلان ضرب أحدهما للمفرط في جمع الدنيا مع منع ما جمع من حقه: والمثل الآخر ضربه للمقتصد في جمع المال وبذله في حقه - فأما قوله ﷺ وإن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطا فهو مثل الحريص والمفرط في الجمع والمنع وذلك أن الربيع ينبت أحرار العشب التي تحلو ليها الماشية فتستكثر معها حتى تنفتخ بطونها وتهلك كذلك الذي يجمع الدنيا ويحرص عليها ويشح على ما جمع حتى يمنع ذا الحق حقه منها - وأما مثل المقتصد المحمود فقوله إلا آكلة الخضر فإنها أكلت حتى إذا امتلأت خاصراتها استقبلت عين الشمس فثلطت وبالت ثم وقعت - وذلك أن الخضر ليس من أحرار البقول التي تستكثر منها فتهلكه أكلاً ولكنه من الجبنة التي ترعاها بعد هيج العشب ويبسه - قال - وأكثر ما رأيت العرب يجعلون الخضر ما كان أخضر من الحلى الذي لم يصفر الماشية ترتفع منه شيئاً فشيئاً ولا تستكثر منه. فلا تحبط بطونها عنه - قال - وقد ذكره طرفة فبين أنه من نبات الصيف في قوله:
كبنات المخر يمأدن إذا ... أنبت الصيف عساليج الخضر
فالخضر من كلأ الصيف في القيظ وليس من أحرار بقول الربيع والنعم لا تسترسله ولا تحبط بطونها عنه - قال - وبنات مخر أيضاً وهي سحائب يأتين قبل الصيف: فضرب النبي آكلة الخضر مثلاً لمن يقتصد في أخذ الدنيا وجمعها ولا يسرف في فمها والحرص عليها وأنه ينجو من وبالها كما نجت آكلة الخضر إلا تراه قال فإنها إذا أصابت من الخضر استقبلت عين الشمس فثلطت وبالت وإذا ثلطت حبطها وإنما تحبط الماشية إذا لم تثلط ولم
стр. 1145
تبل وأتطمت عليها بطونها. وقوله إلا آكلة الخضر معناه لكن آكلة الخضر وأما قول النبي إن ذها المال خضرة حلوة ههنا الناعمة الغضة. وحث على إعطاء المسكين واليتيم منه مع حلاوته ورغبة الناس فيه ليقيه الله وبال نعمتها في دنياه وآخرته.
وقال رسول الله ﷺ : إن هذا الدين متين فأوغل فيه يرفق فإن المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى.
قال صاحب اللسان في مادة وغل وذكر الحديث - يريد سرفيه برفق وأبلغ الغاية القصوى منه بالرفق لا على سبيل التهافت والخرق ولا تحمل على نفسك وتكلفها مالا تطيقه فتعجز وتترك الدين والعمل. وقال في أمثال الميداني وذكر بين أمثاله قول النبي إن المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى - قال المنبت المنقطع عن أصحابه في السفر والظهر الدابة قال هذا رسول الله لرجل اجتهد في العبادة حتى هجمت عيناه أي غارتا.
ومن كلمة لعلي بن أبي طالب ﵁:
ولو شئت لاهتديت الطريق إلى مصفى هذا العسل. ولباب هذا القمح. ونسائج هذا القز. ولكن هيهات أن يغلبني هواي، ويقودني جشعي إلى تخير الأطعمة. ولعل بالحجاز وباليمامة من لا طمع له في القرص ولا عهد له بالشبع. أو أبيت مبطاناً وحولى بطون غرثي وأكباد حرى. أو أكون كما قال القائل:
وحسبك عاراً أن تبيت ببطنه ... وحولك أكباد تحن إلى القد
أأقنع من نفسي بأن يقال هذا أمير المؤمنين ولا أشاركهم في مكاره الدهر أو أكون أسوة لهم في جشوبة العيش. فما خلقت ليشغلني أكل الطيبات كالبهيمة المربوطة همها علفها. أو المرسلة شغلها تقممها. تكترش من أعلافها وتلهو عما يراد بها. أو أترك سدى. أو أمهل عابثاً. أو أجر حبل الضلالة أو أعتسف طريق المتاهة.
وقال الحسن البصري حادثوا هذه القلوب فإنها سريعة الدثور، وأقدعوا هذه الأنفس فإنها طلعة وإنكم أن لا تقدعوها تنزع بكم إلى شر غاية.
قوله حادثوا مثل ومعناه أجلوا واشحذوا نقول العرب حادث فلا سيفه إذا جلاه وشحذه. والدثور الدروس يقال درس الربع إذا انمحى. ومعنى ذلك تعهدوها بالفكر والذكر. وقوله فإنها طلعة يقول كثيرة التشوق والتنزي إلى ما ليس لها. ويقال للجارية إذا كانت تبرز
стр. 1146
وجهها لترى حسنها تخفيه لتوهم الحياء خبأة طلعة.
стр. 1147
تاريخ أعضاء الجمعية التشريعية
(تمهيد)
المجالس النيابية وتطورها
ـ ١ ـ
من الأغلاط المتداولة التي ورثها العصر الحاضر أن المدينة كلما تقدمت قضت على شخصية الأفراد وعبثت بحريتهم وجعلتهم آلات متحركة تخدم المجموع بالشكل الذي يريده المجموع من غير إرادة لأي فرد منهم في ذلك. وأساس هذا الخطأ راجع إلى ظهور المجاميع على أشكالها المختلفة ظهوراً واضحاً، وإلى شيوع مبدأ الجبر الذي يعد الحرية الفردية خيالاً لا حقيقة له، وإلى فكرة علم الاجتماع الجديدة الذاهبة إلى أن الصفة الأولى والظاهرة لكل أمر اجتماعي هي إكراه الجماعة من يخرج على هذا الأمر ليرجع إليه. والحقيقة التي تنتجها الملاحظة واستقراء الحوادث والرجوع إلى التاريخ هي أن المدينة يتقدمها إنما تعمل لإظهار شخصية الفرد ولتكميل حريته ولتوسيع دائرة العمل أمامه. وتعمل لذلك بوسائل كثرة كنشر التعليم وإكثار الصناعات وتحرير الطوائف الوضيعة من رق ملاك أرزاقها: وتسير في عملها على أسس ثابتة وإلى الأمام وكل أنصارها أمل بأنها ستصل من هذا الطريق لتعميم الحرية والإخاء على الأرض ولتقديم أكبر حظ ممكن من السعادة للإنسانية.
وإنما ساعد المدينة على هذه التقدم الذي وصلت إليه - وتؤمل أن تبلغ به غايتها العليا - اطمئنان الناس على حريتهم التي جاهدوا لنيلها طويلاً بعد أن تمكنوا من الانتصار الفكري على الاعتقادات التي كانت راسخة في الأذهان، والتي تولدت على الزمان بمقتضيات الحياة القديمة من وجوب الطاعة لصاحب السلطان، ثم بعد ان انتقل هذا الانتصار الفكري إلى الوجود العام ظهر في العمل فحرك الشعوب وأقام الأمم وبعث فيها جميعاً روج التشبث بالحرية والإخاء والعدالة، واعتبرت هاته الصفات حقوقاً يجب المطالبة بها ويجب الوصول إليها ونيلها ولو بالقوة. وفعلاً لم تكف حركة التنبه الأولى ليتنازل الملوك والمستبدون عن أطماعهم ويسلموا للأمم بحقوقها، بل استلزم الأمر حركات عنيفة وثورات طاحنة سالت فيها دماء وطارت رؤوس وارتكبت فظائع ومظالم حباً في العدل والإخاء
стр. 1148
اللذين بقيا دفينين تحت عسف الاستبداد وتحكمه. بعد ذلك كله توجت الحرية الفردية والسياسية القوانين، واطمأن الناس للحياة وللعمل فيها، وقامت في العالم هذه الحركة السلمية المدهشة بعظمتها التي نرى اليوم بأعيننا، وأيقن كل إنسان إن نقص الحرية مؤد لا محالة إلى نقص أهم أجزاء الحياة.
والمدهش في كل هذه الحركة نحو الحرية أنها لم تصل لتحد بالمعنى المضبوط الذي نفهمها به اليوم إلا بعد قرون طويلة من الجهاد لها. وكأنما كانت الحركة نحوها حركة فطرية تدفع إليها ظروف الوجود وتريد هذه الظروف أن تخلص بالناس من قيود الوهم الاستبدادي الذي كان أصل شقاتهم إلى الحرية لأنها مصدر سعادتهم الثابتة. وفي كل تطور من هاته التطورات كانت كلمة الحرية تأخذ معنى جديداً أمام أهل الزمان الذي حصل فيه هذا التطور.
وليس من الممكن أن نرجع في التاريخ لنصل إلى فكرة أول مجتمع إنساني في الحياة حتى نبدأ من هناك ملاحظاتنا على التغيرات التي طرأت على معنى الحرية وقيمتها ذلك بأن المجتمع الإنساني أقدم بآلاف السنين من التاريخ المعروف لنا. كما أنا لا نستطيع أن نصدق النظريات الخيالية التي وضعت في هذا الباب ونفترض ما يسميه جان جاك روسو بالحالة الطبيعية حال الإنسان المنفرد المستكمل كل الحرية بمعناها المادي. فإن ما نعرفه عن حال الإنسان لا يسمح لنا بتصور وجود لهذا الإنسان المنفرد. لذلك يكفينا أن نلاحظ ما كانت تعتبر به الحرية في الأمم المعروفة في التاريخ القديم والتطورات التي انتابت حكوماتها لنصل من ذلك إلى العصور الأخيرة وظهور وجود الرق.
فكان العبيد في كل أمة من أمم تلك الأيام جماعة غير معترف لهم بأي حق من حقوق الحياة الإنسانية.
بل كانوا في منزلة الأشياء الجائز التصرف فيها بكل أنواع التصرف إلى درجة استهلاكها. وبما أن هذا النظام كان عاماً قبلته الأذواق واطمأنت إليه النفوس وكان من مستلزمات مدنية ذلك العصر. وكان العبيد يملكون لأرباب العائلات الذين كانوا أصحاب الشأن والتصرف في كل شيء حتى في أفراد العائلة الذين لم يكونوا من طائفة العبيد. ولقد كان آباء العائلات حينئذ معتبرين ملوكاً لعائلتهم يتوارثون الملك ويقومون بحماية كل من كان
стр. 1149
تحت رعاياتهم من أصل العائلة أو من العبيد. واجتمع أرباب العائلات من بعد وكونوا المدائن وصاروا يتشاورون فيما بينهم في أمرها. وأدى هذا الاجتماع إلى خروج بعض أفراد من العائلات ممن ثقل عليهم حمل سلطة رب الأسرة وكونوا جماعة الشعب الغير المتمتع بالحماية. ووجودهم وتعدد الأسر استلزم قيام سلطة مركزية للنظر في مصالح الجميع. وكانت هذه السلطة أغلب الأحيان في يد ملك مطلق أو حاكم مستبد، وقيام هذا الملك أو الحاكم من شأنه أن يستعد جماعة الأشراف أرباب العائلات. فيقوم من بينهم الأغنياء وينفقون من أموالهم ويتهددون مدينيهم ويصلون من ذلك للتسلط على الشعب تسلطاً استبدادياً. ويلجأ الملك للشعب فيقوم الشعب ثائراً ويعاونه بعض الأغنياء ممن انفصلوا عن جماعة الأشراف أو ممن جاءتهم ثروتهم من طريق الاتجار. هنالك يجرد الأشراف من حقوقهم ويخذل الملك وتقوم حكومة الشعب اسما وإنما يتمتع بها في الحقيقة جماعة الأغنياء الذين نصروه. فإذا كان الأشراف قد وصلوا إلى حالة الضعف المطلق سارت الأمور إلى ناحية المساواة العامة. أما إن كانوا قد حفظوا شيئاً من القوة سواء بثروتهم أو باستحياء الشعب منهم أو بأي سبب آخر رجعت الخصومات حتى تنتهي أغلب الأمر إلى حكومة استبدادية. لكن هذه الحكومة قصيرة العمر أغلب الأحيان كذلك. ومن بعدها تسير الديمقراطية في تقدمها نحو الارتقاء الاقتصادي والفكري.
هذه الملاحظة العامة التي تنقل عن المسيو كروازيه صادقة عند التطبيق على الأمم القديمة وهي صادقة كذلك في قسمها الأخير فيم يتعلق بالأمم الحديثة وسيرى القارئ ذلك حين كلامنا عن ظهور الفكرة النيابية وتطورها في إنكلترا وفي فرنسا.
أما عن الزمن القديم فنكتفي بذكر تطور الحكومة في روما وآثار الفكرة النيابية فيها بعد أن تجيء بكلمة عن الحياة السياسية في البلاد العربية.
ـ ٢ ـ
كانت العرب قبل الإسلام قبائل تجمع كل قبيلة منها عصبية العائلة وترجع إلى جد واحد يكون هو أبا العائلة الأول. وكان لكل قبيلة رئيس يرجعون إلى رأيه ويخضعون لحكمه. وكان هذا الرئيس عالي المكانة بينهم عظيم الشأن مسموع الكلمة. فلما جاء الإسلام أخذ يجمع تحت لوائه أشتات هذه القبائل المتفرقة ويضم له ما تآلف منها وما تنافر ويوفق بينهم
стр. 1150
باسم الدين الجديد وبعقيدة التوحيد التي امتلكت أفئدتهم. وبقي السيد الرسول ﷺ يبعث من أعماله وأقواله إلى الأمة العربية الجديدة ما يزيد انضمامها وتضامنها. وكان الحكم يومئذ لله يجيء عنه بطريق الوحي إلى مختارة والمختار يبلغه للناس ويقوم بتنفيذه بينهم فكان ناقل الشرع إليهم وكان قاضيهم وكان المدبر لسياستهم. لكنه كان لا يستبد بالأمر دونهم، وكان يرجع إلى رأيهم في المسائل الكبيرة وبالأخص في مسائل الحرب والسلم. وكانوا راضين حكمه محبين له، فلما استأثر الله برسوله لم يوص بالخلافة إلى أحد من بعده. واجتمع المسلمون بالسقيفة يتشاورون فيمن يكون له الأمر، وإنما ضم هذا الاجتماع بالطبع عدداً من الرؤساء ومسموعي الكلمة. وبعد خلاف حصل بين المهاجرين والأنصار تمت البيعة لأبي بكر، ولما اجتمع له الأمر خطب الناس وكان من بعض ما قاله: أطيعوني ما أطعت الله. فإذا عصيت الله فلا طاعة لي عليكم. ثم دعا عمر وأعيان أصحاب رسول الله ﷺ فقال ما ترون لي من هذا المال فقال عمر أنا والله أخبرك ما لك منه، أما ما كان لك من ولد قد بان عنك وملك أمره فهمه كرجل من المسلمين. وأما ما كان من عيالك وضعفة أهلك فتقوت منه بالمعروف وقوت أهلك فإنك قد شغلت بهذا الأمر عن أن تكسب لعيالك يراجع الإمامة والسياسة جزء أول صحيفة ٢٨.
هكذا كانت الحال أيام الإسلام الأولى فكان الناس يتشاورون وينتخبون خليفة من بينهم. فإذا ما انتهوا من ذلك انتهوا من الأعمال العامة وصاروا يأتمرون بأمر هذا الرئيس وهو مكلف طبعاً بأن يسير على مقتضى أوامر الكتاب والسنة وأن ينفذها. وطبيعي أنه كان يسعى دائماً لكسب عطف الكبراء من الرجال بأن يصغي لمشورتهم لكن الأمر كان بعيداً جداً عن الحالة النيابية التي نتصور اليوم. تلك كانت حال هذه العصور. وسيرى القارئ أن هذه الحال نفسها كانت حال المملكة الرومانية حتى في أعز ما صلت إليه، وسبب ذلك أن الحرية الفردية على ما نتصور اليوم لم تكن ذات وجود ظاهر بل كانت الأكثرية العاملة تعطي حكم القطيع يساق ولا رأي له. ولهذا الاعتبار ولأن مسألة الرئاسة ونفوذ كلمة الرئيس كانت مستأصلة في الأخلاق يومئذ كان رؤوس الناس أنفسهم يرون طبيعياً وجود رئيس صاحب سلطان.
ولم يكن هذا الرئيس يستمد سلطته من منتخبيه إلا يوم انتخابه. أما بعد هذا الانتخاب فإن
стр. 1151
سلطته يكون مصدرها الإله الذي هدى الناس لاختياره. ولقد كان هذا الاحتقار سائداً آخذاً بقلوب الرئيس والمرؤوسين جميعاً. على أن سيادته لم تكن لتمنع وجود التشاور وخصوصاً في مسألة الحرب والسلم. وسبب التجاء الجمعيات القديمة إلى الشورى في هذه المسألة وجوب رضي العاملين في الحرب عنها حتى تكون طاعتهم لرئيسهم ساعة الحرب طاعة بالغة حد التفاني لأن أساسها الرضى.
لما حضرت الوفاة أبا بكر أوصى بالخلافة لعمر ووضع وصيته في غلاف ودفعه لعمر نفسه وقال له: خذ هذا الكتاب واخرج به إلى الناس وأخبرهم أنه عهدي وسلهم عن سمعهم وطاعتهم. فخرج عمر بالكتاب وأعلمهم فقالوا سمعاً وطاعة. فقال له رجل ما في الكتاب يا أبا حفص، قال لا أدري ولكني أول من سمع وأطاع، قال الرجل لكني والله أدري ما فيه. أمرته عام أول وأمرك العام الإمامة والسياسة جزء أول ص ٢٣. وبهذا العهد من أبي بكر تمت البيعة لعمر على غير رضى من كثير من الناس وخصوصاً من أهل الشام. فعمل عمر عشر سنين بعد أبي بكر فو الله ما فارق الدنيا حتى أحب ولايته من كرهها وكان في غضون هذه المدة يؤمر الأمراء ويولى القضاء ويبعث بالفؤاد للفتح والغزو ويعمل كل ما يحتاجه صلاح الأمة والملة راجعاً إلى أحكام الله وسنة نبيه. وما كان لأحد أن يدخل في الأمر بأكثر من المشورة وإبداء الرأي.
وقتل عمر ﵁ وخلفه عثمان بعد بعض خلاف. وبعد أن عمر طويلاً في الخلافة سائراً على منهج حسن زين له أصحابه من بني أمية الأثرة فخصهم دون غيرهم بالأمر وأصبحوا حوله حزباً وبلغ من شأنهم أن استضعفوه لكبره فكان لا يولى وال ولا يقام قضاء إلا بأمرهم ورأيهم. وزادوا في ذلك إلى حد خرج عن الذوق المعقول واستفز أبناء أبي بكر وعمر وعلي. وكان ذلك سبب قتل عثمان وذيوع الفوضي في البلاد العربية على الشكل الفظيع الذي يعرفه القارئ.
وابتدأت الحروب بين علي ومعاوية وتدرجت الحكومة بذلك من استمداد رأى الشعب كما كان أيام أبي بكر وعمر وأول خلافة عثمان ودخلت العصبيات الحزبية يحيط بكل جماعة غوغاء من الأفراد الذي لا يعرفون الحرية ولا الحق المبنية هي عليه وانتهت بظهور الاستبداد الملكي في زمن معاوية ومن خلفه من أبنائه وأقربائه. وانطفأت بذلك الشعلة
стр. 1152
الوقتية التي أوجدها صاحب الشريعة وبقيت من بعده زمناً، ولكنها لم تجد أرضاً مستعدة لتخليدها ولا نفوساًَ تفهمها فتحتفظ بها وتنميها لتصل منها إلى حال نيابة حقيقية، ونشر الاستبداد أعلامه ونما وترعرع ولكنه بقي مختفي الأثر تحت سلطان القوة العظيمة التي كانت مظهر الدولة العربية يومئذ وبقي اسم الخليفة قروناً عظيم الرنين، وامتدت الفتوحات وكبرت الإمبراطورية العربية. هنالك بنأت تظهر عيوب الاستبداد الدخيلة من عدم استطاعة حكم البلاد الواسعة لتمكن خصوم المستبد من القيام في أطراف نائية عنه وجمع أنصار حولهم والتوصل لمغالبته وإرسال الفوضى بذلك إلى قلب المملكة. ونشأ عن ذلك نتائجه من تجزئة السلطة ومن انقطاع سير المدنية التي كانت قائمة ومن التقهقر والاضمحلال.
هذه نظرة عامة عن حال الفكرة النيابية في البلاد العربية في أيام الإسلام الأولى ومنها يرى القارئ. أن هذه الفكرة لم تكن موجودة إلا بشكل غير واضح وغير منظم لذلك سرعان ما ذهبت واختفى أثرها تحت سلطان الاستبداد. على أن العرب لم يكونوا منفردين بهذه الحالة فإن مدينة الزمان عموماً كانت بعيدة عن سيادة مثل هذه الفكرة. وذلك ما سيظهر الآن عند بحث تطورها في الأمة الرومانية.
ـ ٣ ـ
تخبرنا الأقاصيص أن روما أنشئت على تل كان قبل إنشائها سوقاً يجتمع إليه الناس من (أترسك) الشمال و (لاتين) الجنوب، وأن الذي أسسها روموليس سنة ٧٥٣ قبل الميلاد وتولى هو الأمر عليها ثم عقبه جماعة اعتبروا ملوك المدينة ولكنهم لم يكونوا من نسله ولا عقبه بل كان منهم الأترسكي والسابيني وغيرهم وكان الملك يأخذ بمشورة السناتو الذي كان يتألف من آباء العائلات ورؤساء العشائر. وإنما كانت السناتو صاحبة الرأي الغالب فيما يتعلق بمسائل الحرب والسلم فقط. وكانت تتألف من عدد معين من كبار رؤساء العشائر وذوي الأهمية منهم يختارهم الملك ليكونوا أصحاب مشورته.
وفي درجة تحت الملك وتحت العائلات المكونة يوجد الشعب وكان الشعب يومئذ هو المجموع المختلط الغير المنظم المكون من جماعة الخارجين عن عائلات الأشراف كالمهاجرين والمغلوبين الذين أتى بهم إلى أرض روما أو صغار التجار الذين اجتلبهم أمل
стр. 1153
الكسب. كما يجب أن يضاف إلى هؤلاء جميعاً عدد من الذين كانوا يعيشون أولاً في حماية الأشراف ثم رأوا الانفصال عنهم والعيش الحرفي مدينة أصبحت وافرة العدد. وقد كان عدد هؤلاء يزداد على الزمان باتساع المدينة ويقلل بذلك من شأن عائلات الأشراف فيها. وساعد الملوك هؤلاء الجماعة من الناس مساعدة جدية لأن مصلحة الملك كانت يومئذ متفقة مع مصلحة العدد الأكبر لما كانت في روما من الحاجة للجند لحمايتها من أعدائها الكثيرين الذين كانوا يحيطون بها. وكان من أكبر المساعدات التي نالها الشعب اعتراف الملك بوجود اجتماعي لهم تمكنوا معه من إيجاد جماعة يمثلونهم إلى جانب السناتو. لكن صوت هؤلاء كان بادئ الأمر صوتاً خافتاً غير مسموع. ثم ازداد هؤلاء الممثلون مع الزمان وبتكرار المطالبة في العدد وازدادوا كذلك في السلطة. فابتدأوا ثلاثاً وبلغوا خمساً وثلاثين. وعلا صوتهم حينئذ حتى لم يكن بد من سماعه ومن الإذعان له - غير أن هذه القوة لم يصل إليها الشعب إلا بعد أن أسقط جماعة الأشراف الملك وتربعوا في دست الحكم نحو القرنين وأقاموا من بينهم قنصلين ينتخبان لعام يكونان فيه صاحبي السلطة المطلقة فلا يحد من نفوذهما إلا الضرورات الملجثة التي ترى فيها السناتو لزوم تعيين مستبد (دكتاتر) لمدة ستة أشهر. وكان شأن الشعب في هذين القرنين ضئيلاً تابعاً لأحكام السناتو وسلطة القناصل فلم يكن لجمعياته أن تجتمع إلا بأمر القنصل كما لم تكن قرارات هذه الجمعيات إلا استشارية. أما الأشراف فكانوا يومئذ أصحاب الحول والطول من الجهات السياسية والحربية والدينية فهم الذين اختصوا بتقديم القربانات للآلهة وهم الذين كانوا يقرون الحرب ويقرون بالسلم وهم الذين كانوا يعملون كل شيء. ولقد كان سلطانهم هذا مبنياً على فضائل عندهم أساسها الثقة بالنفس واحترام العقائد المتوارثة. وكانوا يعيشون على جانب عظيم من بساطة العيش وحب العمل فلا يأنفون أن يشتغلوا بأيديهم ولا يرون أن ينفصلوا عن أهلهم بفاصل من الرفاهة والكسل فكان عندهم بوجه عام ما يلزم أن يكون عند الرئيس من الفضيلة.
وفي هذا الوقت كان الشعب الذي يحكمون مكيفاً بطبيعة الحياة بحيث يحتمل آثار كل هذه القوى المجتمعة. فلقد كان العامي - كما كان الشريف - غاية في التدين شديد الانتباه إلى كل العلائم التي تظهر إرادة الآلهة لا يتقدم خطوة من غير رضاهم. يملؤه برق السماء أو
стр. 1154
بروح الطائر خوفاً وهلعاً، ويعتقد طائعاً في كل هذه الأمور تفسير العارفين بأفكار الآلهة. يمضي حياته في المزرعة أو في الجيش ولا يبقى من بني طائفته في المدينة إلا عدد قليل لم تكن حياتهم التافهة الوضيعة لتبعث إليهم رأياً من الآراء الحرة أو الصريحة، فلاحهم في المزرعة كفلاح كل القرون قوي مجد صابر مهتم للفائدة العاجلة قليل الميل للأحلام والآمال خاضع لما لا بد منه محافظة بفطرته. وجنديهم معتاد النظام مطواع، على العموم لم يكن في حياة ابن الشعب ما يدفع خياله للحركة بل كان عقله عملياً متجهاً لتقدير الوقائع أكثر من اتجاهه للمسائل الفكرية ولهذا لم يكن مستعداً لابتكار نظام حكومي يريد تحقيقه، كما أنه لو أراده كان يجد أمامه خصوماً لا يتنازلون له إلا مرغمين ركروازيه، الديمقراطيات القديمة ص٣٠٨ لهذا كان سعي الشعب إلى جهة الحرية بطيئاً جداً، لكنه كان موجوداً دائماً لإحساس الشعب بضغط الأشراف عليه، وظهر أخيراً بالمظهر الوحيد الممكن النجاح حيث اضرب الشعب عن الاشتراك في الحرب مقرراً ذلك في اجتماع عقده فوق الجبل المقدس، ولما رأى السناتو ما في الأمر من حقيقة الخطر اضطر للإذعان واعترف بجماعة ممثلي الشعب الذين أعطوا رآسته، والذين كانوا يتكلمون بصوته على أن سلطتهم أول الأمر كانت قليلة حيث كانت ممتدة على الشعب وحده فكانوا يجمعونه ويأخذون رأيه ورأيه لا يكون نافذاً إلا بعد أن يقره السناتو. لكنهم وصلوا أخيراً ليكون لهم من الحق بحيث يستطيعون تعطيل أي قرار تريده السلطة، فلا ينفذ رأيها على الشغب إلا برضاهم، ولما كان ذلك مما يعطل حتماً كل القرارات لجأ هؤلاء الرؤساء إلى استعماله ميل حقوق جديدة لمن يمثلونهم، فكانوا كلما طلبوا للموافقة على أمر جديد عرضوا حقهم في الرفض وطالبوا بحق جديد ليوافقوا على الأمر المعروض عليهم. ومن هذا تدرجوا إلى المساواة بين الأشراف والشعب.
وبعد الوصول إلى هاته المساواة السياسية فرغت روما إلى فتوحاتها الخارجية واتسع نطاق ملكها وغلبت قرطاجنة وظهرت بمظهر العظمة الذي يخلده التاريخ لها وتجلت أمام العالم قادرة لم تدنس فيها الأخلاق بعد بالترف، قسمت الأعمال العامة بين أهلها بشكل منتظم، واحترمت القوانين وحفظ الدين الأفراد في دائرة الواجب ودفع شرف الاسم الروماني الناس للعمل الجد والشجاعة الحقيقية وكان نظامها السياسي يومئذ متوازناً بحيث تظهر معه
стр. 1155
كل الفضائل وتتلاشى السيئات. فكان القناصل يعملون بكل القوة التي يمكن أن تصدر عن ملك من غير أن يكونوا مستبدين لوجود الرقابة عليهم، وكانت السناتو تدير المالية وترعى السياسة الخارجية وتتمكن بذلك من حد سلطة القناصل كما كانت تنظر في القضايا العامة. ولم يكن دور الشعب بأقل أهمية من ذلك فإنه كان ينتخب القضاة ويقرر مسائل الحرب والسلم. وكانت هذه السلطات كلها مرتبة غير متضاربة ترمى لغرض واحد هو عظمة روما. وهذا الغرض الذي رمت إليه قد بلغته.
لكن هذه العظمة نفسها كانت تحمل في ثناياها بذور المرض والفساد. ذلك بأن التوازن في السلطات لم يكن مبنياً على احتفاظ كل منها بحق تعتقده ولكنه كان نتيجة محتومة للمجهودات التي صرفت من جانب الأشراف والشعب للحصول على المساواة السياسية. فلما ترامت أطراف المملكة انهالت إليها الثروة فكان الأشراف أول من يتلقاها بما لهم من تالد العز والثروة، وعلى هذا ابتدأ التوازن يختل وابتدأت المدينة ينخر فيها سوس الترف من جانب الأشراف ويقابله ألم التعس من جانب الشعب، ولم يكن الشعب يقدر لنفسه حقوقاً يريد أن يحتفظ بها حتى يجعلها موضع نظره كما أن اختلاط الأجانب المهزومين بالغزاة الفاتحين جر إلى النتيجة عينها من زيادة فوضي الشعب وضياع نظامه، وبدل ذلك المجموع المرتب الذي كان عضواً عاملاً في عظمة روما أصبح غوغاء أميل إلى التجمهر على غير جدوى من العمل المرتب المنتج وأصبح بذلك ألعوبة في يد كل قوى يغريه بالوعود أو ينثر له المال ويجود عليه بالملذات، وبكلمة أخرى أصبح مستعداً للاستبداد لا ينقصه إلا الحاكم المستبد.
ولقد كان قيصر على باب أن ينادي به ملكاً لولا أن عوجل بالقتل، وبعد قيصر بأيام ليست بالطويلة حكمت روما بالاستبداد واستمرت فيه.
في تلك العصور دخلت المسيحية بلاد الرومان وابتدأ قانونها يأخذ مكان القانون الروماني أو يأخذه إليه، ومهما كانت هي في أصلها ديانة عبادية صرفة فقد جعلت تمتد وتضم إلى جناحها وتحت سلطاتها المعاملات الدنيوية شيئاً فشيئاً، وحرض رجالها على ذلك ضم السلطة الدينية والسلطة الزمنية في شخص البابا، فكان بما له من السلطان على الملك أكبر مشرع، ومتى أصبح القانون دينياً لم يبق في يد الناس طبعاً أن يشرعوا لأنفسهم، لهذا
стр. 1156
يدخل إلى نفوسهم شيء من معنى الاستسلام والتواكل واعتقاد بالجبر غريب، وتطمئن نفوسهم إلى شيء من الذل، فإذا وجد صاحب سلطان قوي وجد منهم خضوعاًَ وطاعة، ولقد كان ذلك شأن الأمم في القرون الوسطى، واختلطت هذه الطاعة للسلطان بالطاعة لأوامر الدين حتى أصبحت تعتبر جزءاً من الدين وأصبح الملك مستمداً سلطته من الله.
ولهذا لم تكن برلمانات الزمن القديم وخصوصاً في فرنسا برلمانات تشريعية بل كانت هيئات قضائية تعرض عليها المسائل لتحكم هي فيها على حسب ما تأمر به القوانين التي وضعها ممثل السلطة العليا وهو الملك. وإن مراجعة تاريخ القرن الخامس عشر لتدلنا على أن الأمة لم تكن لتستدعى في شيء إلا في أوقات القحط والإفلاس حين كان يحس الملك من نفسه العجز المطلق عن الإحسان في الحكم. وظل الأمر كذلك إلى سنة ١٦١٤ ومن بعدها استبعدت الأمة من المناقشات إلى بزوغ فجر الثورة الفرنساوية.
أما إنكلترا فلم يكن الحال فيها على ما كان عليه في القارة ويظهر أن عزلة هذه الجزيرة عن باقي أوروبا كانت ولا تزال سبباً في إعطاء سكانها شخصية ثابتة معينة لا يجدها أهل أوروبا القريبة كل أمة فيها لتتأثر بما يقع في الأمم الأخرى. وهذا هو الذي يجعلنا نفسر إسراع الإنكليز على ما هو معروف عنهم من المحافظة ليهبوا إلى طلب الحرية قبل أن يجول ذلك بنفس أية أمة أخرى. ولكأنهم سرت إليه العدوى من نظامات الرومان القوية بعد أن ارتكست روما في درك الاستبداد وتورطت في حمأة الترف من جانب الأغنياء وفي رجس المذلة من جهة الفقراء فنبهت الإنكليز هذه العدوى ليقوموا مطالبين تحديد تصرف الملك المطلق. ولقد وصلوا فعلاً في عهد إدوارد الأول ليكونوا برلماناً تألف من مجلسين مجلس للنواب وآخر للوردات على نظام السناتو ومجلس الشعب. وكان مجلس اللوردات يومئذ صاحب الحول الأكبر. ثم توالت الأيام بعد ذلك حتى جاء شارل الأول وأراد أن يعبث بالنظام الحاضر ويستبد بالملك وادعى لنفسه الحق الإلهي في الحكم هنالك ثارت إنكلترا ثورتها الكبيرة التي ظهر فيها أوليفر كرومويل بمظهر الرجل المريد والتي انتهت بقطع رأس شارل الأول بعد أن أخذت منه عهدة بحقوق الأمة الإنكليزية.
وما كان أشبه هذه الحركة بما حصل في روما. تحزب الأشراف أول إلا مرضد الملك وتمكنوا بما لهم من السلطات على عامة اشعب أن يسثيروه معهم بإظهار مظالمه وإدعاء
стр. 1157
الميل للعدل. فلما ثار معهم وأسقطوا سلطة الملك قام من بينهم كرمويل مستبداً بالسلطة ممتهناً حقوق البرلمان ناسياً فضل الشعب. ولما كانت الحرية يومئذ لا تزال في مهدها لم تمتلئ بها النفوس لتكون بذلك على استعداد دائم لدفع كل معتد عليها ولما أن البلاد نالها جهد شديد من أثر هذه الحروب رضخت لسلطة هذا الرجل الذي كانت تعد فيه صديقاً لها. ومهما تكن فترة السكون هذه طبيعية كالتي تعقب كل رجة شديدة فإن ما لاش فيه أن نفوس الأغلبية يومئذ كانت لم تبلغ من التحفز إلى جهة الحرية درجة عليا. بل كانت آثار الحركة الدينية لا تزال ذات أثر مستقر في القلوب غطته حركة الثورة التي استثارها الظلم الشنيع فلما خفض من ذلك الظلم بعض الشيء ظهر ذلك الأثر من جديد وبانت للعالم نتائجه.
على أن إنكلترا لها بما نادت به يومئذ من الأفكار أكبر الفخر. فإنها كانت تنادي بالحرية السياسية من رق الملكية المطلقة في حين كانت أوروبا لا تزال تموج بالدماء من جراء الحروب الدينية التي قامت على أثر ما أعلنه لوثر وكلفني وأعوانهما من حركة الإصلاح الديني. وإذا كانت هذه الحركة نفسها وامتدادها إلى إنكلترا عن طرق كسوث وأخذ كرومويل وأعوانه بنصرتها مما ساعد إلى حد كبير على تحرير الأفكار من ربقة الوهم وتقويض ما دعمت به ملكية يومئذ وجودها من أساس الحق المقدس فإن تعدي الإنكليز نطاق الحركة الدينية البحتة وخروجهم بالفكرة إلى دائرة حياة البلاد السياسية أمر يستدعي الإعجاب. ومن ذلك اليوم ظلت إنكلترا تتقدم في طريق الحياة النيابية ويرتقي برلمانها على قواعد أرستقراطية متينة حتى وصل إلى النصف الأخير من القرن التاسع عشر. وفي هذا النصف ابتدأت المبادئ الديمقراطية تجد إليه مدخلاً. وذلك لأن إحساس الشعب خرج من المحافظة القديمة وهبت عليه من جهة القارة نسمات جديدة بعثت بها المبادئ التي أعلت الثورة الفرنساوية شأنها - مبادئ الحرية والإخاء والمساواة.
من هذا التطور الذي أوصل البرلمان الإنكليزي إلى موقفه الحاضر يظهر لنا أن جماعة الإنكليز ساروا على نظام التدرج المتتابع من حكم الفرد إلى حكم الأرستقراطية وهاهم يتقدمون إلى حكم الشعب بخطى واسعة. وكانوا في سيرهم يتأثرون بما يقع في الأمم الأخرى فيأخذونه إليهم ولكنه يدخل إلى جزيرتهم رويداً رويداً ويأخذ دائماً في دخوله الصبغة الإنكليزية. ولهذا كانت حركاتهم في التقدم من أيام كرومويل إلى اليوم دائمة الحياة
стр. 1158
ولكنها كذلك كانت دائمة الهدوء مالكة روعها هي أشبه شيء بحركات الرجل القوي العاقل مملوءة نشاطاً ومملوءة رزانة. ولسنا ندري إذا كانت إنكلترا ستقدر على أن تتخطى الأزمات الحاضرة التي هي فيها بمثل ذلك النشاط وتلك الرزانة المتين عرفهما لها التاريخ أو أن شيئاً جديداً دخل إلى جسمها وربما يغير من نظامه.
قدمنا أنه بينما كانت إنكلترا ثائرة ضد ظلم الملك كانت أوروبا مخضبة بدماء المجازر الدينية غير ملتفتة إلى سلطة الملك السياسية ولا مهتمة لها. وكان الملك هو كذلك متحزباً مع أهل مذهب علي أهل مذهب آخر. وكأنما فرغت الأمم يومئذ من كل همومها الدنيوية فانصرفت إلى هم الدين تريد أن ترتب ما يضمن لها سعادة الدارين وكأنها كانت دائمة الجزع للمستقبل الغير المعروف فتلهت بالنظر في أمره عن النظر في أمور دنياها. واستفاد الملوك طبعاً من ذلك المركز وتعززت سلطتهم المطلقة ووجد استبدادهم المجال فسيحاً ليظهر بأقسى مظاهره. لذلك كانت الحركة النيابية معدومة أو تكاد ولم تهتم حكومات ذلك الوقت بالالتجاء إلى رأي المجموع الأسني القحط والضنك. وساعد على بقاء هذا الاستبداد الملكي أن جماعة الأشراف كانوا هم الآخرون في مركز ملوط يحكمون اقطاعاتهم الواسعة بمثل الاستبداد الذي يحكم به الملك الأمة. لهذا ولأن الشعوب كانت لا تزال مرتكسة في الجهالة ولأن الإحساس بالحرية لم يكن وجد في النفوس السبيل بقيت الفكرة النيابية غريبة عن أوروبا كل تلك العصور الوسطى.
لكن تلك الحال لم يكن من شأنها أن تدوم. فإن سلطة الملك وصلت إلى حد من الاستفحال غير معقول، كما أن الحركات الدينية هدأت بعد القرن السادس عشر وفكر الناس في الحياة المطمئنة. وابتدأت الحركة الاقتصادية تنمو على أثر هذا الهدوء وتزيد في فخامة سلطان الملك. ولقد كان أكبر ملوك القرن السابع عشرة لويس الرابع عشر ملك فرنسا. فلما رأى عظمة سلطانه وامتداد ملكه وأبهة جلاله أفسح لنفسه مجال الترف وضم الأشراف إلى جانبه فتركوا مقاطعاتهم واستحبوا القربى منه وتوسلوا بالزلفى إليه وإلى محظياته لينالوا عطفه ورضاه. تركوا مقاطعاتهم ونزلوا فرساليا حيث قصره الفخيم وتركوا بذلك لمن دونهم من أصحاب الأطماع وعشاق السلطة أن يبث في الناس روح الحزبية ضد هؤلاء الملوك الجزئيين. وتعاون هذا الداء مع الأدواء الأخرى التي تلزم الاستبداد حتى يتسع ملك
стр. 1159
سلطانه. كما ابتدأ الاتصال الذي أوجدته ضرورات الوقت الاقتصادية بين القارة وإنكلترا ينقل إلى أمم أوروبا صور الأفكار والنظامات الإنكليزية ويبعث إلى النفوس شيئاً من معنى الاعتداد بذاتها وطلب الاعتراف بوجود شخص لها وبالتالي الملال من هذا الحكم المستبد الجائر. وتعاونت الأسباب الداخلية والخارجية وابتدأت تظهر على النظامات الاستبدادية علائم القلق والاضطراب.
وساعد على ظهور نتيجة هذه الأسباب كلها أن الملك العظيم لويس الرابع عشر كان قد أغرق في الاستدانة ليستزيد إلى حد الخيال من ملاذ الترف ويزيد ما أمكن في أبهة ملكه وجلاله. ونتيجة الاستدانة في البلاد المحكومة بالاستبداد زيادة الضرائب إلى حد يجهد أهلها. ومتى كان ذلك أحس هؤلاء الأهالي بالضغط وابتدأوا يضجرون من الحكم وينادون ضده. وذلك هو ما حصل. وهذا الضجر شجع الأسباب الأولى على أن تنتج نتائجها. وكان ذلك كله أساس الثورة الفرنساوية.
بعد حكم لويس الرابع عشر وفي مبتدأ ظهور نتائجه ابتدأت عدوى النظامات الإنكليزية تنتقل للقارة بشكل واضح. وكانت هذه النظامات قد بلغت يومئذ في رقبها مقاماً محموداً. استتب النظام النيابي على قواعد أرستقراطية ثابتة وقامت حكومة أبوية تلحظ الشعب بعين الرعاية كما يراقبها الشعب وهو يقظ لما تعمل مستعد للتمسك بحقوقه عند الحاجة. وانتقلت هذه العدوى من طريق المكاتبة الخاصة بين الأفراد أولاً ثم من طريق الملاحظة العامة والنشر. ولقد تشبع بمبادئها جماعة غير قليلين من كتاب فرنسا في القرن الثامن عشر وأكبر هؤلاء مونتيسكيو وبمجموع الملاحظات التي عمل وضع كتابه روح الشرائع، ضمنه نظام الحكومات وقرر فيه قاعدة فصل السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية وظهر مع كتابه عدد من الكتب الأخرى أخذت منه بعض الشيء وأظهرت ملاحظات أصحابها كذلك في القسم الأكبر منها. ومن أهم تلك الكتب وأكثرها أثراًَ كتاب العقد الاجتماعي الذي وضعه جان جاك روسو، وإذا كان المقام الآن لا يسع تقرير المبادئ التي وصفوا فإن نتيجة ما كتبوا تهمنا هنا جداً. ذلك بأنها قررت بشكل صريح وواضح معنى الحرية على معنى ما نفهمها به الآن. إطلاق قوى كل فرد في حدود الإضرار بالغير.
ولقد كان روسو أظهر أثراً من مونتسكيو لأنه كان من عامة الشعب وكان ذا روح مملوءة
стр. 1160
ثورة وخروجاً على قواعد جمعية يومئذ وكان ذا أسلوب في الكتابة مملوء لوناً وقوة. أما مونتسكيو فكان من طائفة الأشراف كما كان ذا أسلوب علمي هادئ. لهذا لقيت كتابات روسو رواجاً وانتشاراً، وزادها رواجاً أنها لقيت من جانب الحكومة معارضة شديدة. كما أن نظام جمعية القرن الثامن عشر الذي قام على أنقاض نظام جمعية لويس الرابع عشر من وجود صالونات العائلات الكبيرة واجتماع الكتاب والعلماء في هذه الصالونات زاد أفكار روسو انتشاراً وجعل خطابه عن عدم المساواة وآرائه في الحرية وثورته ضد الملكية والأشراف مضغة في الأفواه وموضعاً للنقد وللتحبيذ من جانب فولتير ودلمبير وعدد كبير غيرهم.
ولقيت هذه الروح الثورية أرضاً مستعدة لاستقبالها لما ترك القرن السابع عشر بعده من الآثار التي قدمنا ذكرها. وما كادت الأسباب تتهيأ حتى قامت الثورة الكبرى في فرنسا طاحنة شنيعة تنادي بأجمل المبادئ فأسقطت الملك والأشراف وأقامت حكومة الشعب بأكمل معانيها. فلم يك شيء يتم إلا بالانتخاب ولم يك مرجع إلا صوت الأمة. ونقشت كلمات الحرية والإخاء والمساواة في كل مكان واحتلت من القلوب حباتها. وازداد حدب الناس على هذه الحقوق إلى حد مخيف وصاروا يخشون عليها كل موضع ظنه. ولا يعرفون إلى إعلائها سبيلاً إلا بالقتل وإراقة الدماء.
هذه النفوس الملتهبة الشيقة للعظمة والحرية قضت على حرية أشخاص كثيرين وعلى حياتهم أشبه بسيطة ومقابل ذلك كانت ترفع من تعتقد فيه الإخلاص لها والصدق في العمل إلى مقام الملوك وانتهت بأن رضيت أعظم رجالها ملكاً عليها وأسلمته مفاتيح الحكم،. ذلك الرجل هو نابليون. وقام هو مخوفاً مستبداً دائساً تحت قدمه معاني الحرية طامعاً في الإمبراطورية العظيمة - إمبراطورية العالم أجمع.
وأنتج عصره من المبادئ والآراء مالا يزال الأكثر منه خالداً تشخص له الأبصار معجبة مقدسة. ولكن هذه المبادئ جميعاً تلاشت في حكمه وفنيت أمام عظمة سلطانه وهمدت الحرية بعدما أحدثت رجتها الهائلة وبعد أن انتشرت مع الجيوش الفرنسوية في أنحاء أوروبا. لكن هذا الهمود كان وقتياً. ولم تمض بعد نابليون إلا سنين قلائل حتى ثارت فرنسا من جديد محتجة على اغتصاب حقوق نالتها بثمن غال من الدماء والأرواح وكان ذلك في
следующие страницы →