← Адаб

Адаб · id 73348

مجلة البيان للبرقوقي

البرقوقي

Полный текст (3 596 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

السبيل! ومصداق ذلك أن خير ما كتبت. وأجود ما ألفت. والشيء الذي أنا جدير أن أفخر به وأتيه هو مقالتي في موضوع قواعد الأعمال الإنسانية وهو كتاب ما قرأته قط امرأة ولن تستطيع فهمه امرأة أبداً. ولماذا يسوءني أن أروح صفر اليد من النساء وليس عندي مصايدهن. وما لي أزرع الشوك وأنتظر العشب وأبذر القتاد وأرجو التفاح. لقد محت الفلسفة من ذهني الحب وأباد الفكر الهوى. وجبهتي المكفهرة هذه المقبلة على الحكمة والحق إنما هي الصخرة الصماء قد تحطمت عليها سفينة الغرام في ملتطم أمواج الفكر وطامي عباب الرأي والذكرى ومع ذلك فإني لآسف على حرماني ملاذ الهوى ومطايب تلكم المواقف! وتذهب نفسي حسرات وأنفاسي زفرات. فدهري مأتم وعمري مناحة وقلبي فريسة وجفني لطول التهطال غمامة. وقلمي لترجيع البكاء حمامة ونهاري من اسوداد الحداد دجى وليلي من اضطرام اللوعة ضحى. وكذلك قضيت أربعين من عمري أتلهف على نعيم العشق ولا أعطاه. وأشتاق طيب وصال ولا أملاه. وأتمنى وجه حبيب ولا أراه. حتى من به الله بعد الأربعين. ولكن مالي أشكو هذه الأربعين وأتهمها بالخلو من نعمة الجمال والحب إذا كان هذا الوجه الحسن الجميل المشرق المنير يعكس أضواءه على ظلمة تلك الأربعين حتي يرى وجه ماضي وهو من الفرح الجديد والحزن القديم مبتسم في دموعه. ثغور ابتسام في ثغور مدامع ... شبيهان لا يمتاز ذو السبق منهما إني في ذكرى انفليس في لذة لا توصف. وطرب لا يكيف وكأنما يخفق حوالي نور أرجواني. وضياء وردي وكأنما يهب في الحجرة صبا الغرام ونسيم الحب. وكأنما إذا نظرت إلى صورة الحبيبة تلك التي رسمتها بيدي توامضت على الرقعة أشعة ذهبية كعهدي بها يوم كنت أنقشها. وكأنما ينبت في ثرى نفسي أزهار الأمل والسرور كعهدي بها أول ما نبتت. فاذكر العصور الأول وتكر الاويقات السالفة راجعة. وتزدحم على داري السنين الخالية وتقرع الباب وتدخل. وكأني بمتحف اللوفر ثانياً. وكأن شمس أوسترلتز لم تغرب وكأنها لا تزال تشرق في قلبي وكأن فتى المجد وابن الفخار لم يمت وكيف وإنه ليحيى بين جنبي وسويداء مهجتي وكأني في شرخ الشباب وميعة الصبا وكأن الروض قد عاود زخرفه وأخذت الأرض زخاريها وعاد في السماء قزح وكأني أبصر بالعين أذيال

стр. 107

أثواب السنين الماضية وأكاد ألمس باليد حواشي أبراد الأزمن الخالية ولم يذهب سدى ولا مضى عبثاً كل ما أحسه قلبي وأجراه خاطري وقد أقف الآن على قبر الحرية فأنظم في ذكري الغرام نشيداً وأنضد في تجديد عهد الهوى قصيداً ويا أيتها الغانية إن كان ما أبديته لي من شواهد الحب خداعاً فأخدعيني به ما حييت ومنيني ما عشت أضاليل الأماني. علليني بموعد ... وامطلي ما حييت به دعيني أعش في ظل وصلك السجسج وأكتحل بسنا جبينك الوضاح وبروق ثغرك اللماح اقتليني باللثمات وأحييني بالبسمات واسحريني بالنظرات ولكن لا يزل هواك عابثاً بقلبي لاعباً بلبي هازئاً بحالي ساخراً من آمالي فالخديعة في الحب خير من الفطنة في النهى. سياحة النزهة من أمتع لذائذ الدنيا أن يسيح المرء للنزهة ولكني لا أجد تمام تلك اللذة إلا إذا سحت منفرداً ولا أنكر أني قد أنعم بمجالس الإخوان بين جدران البيوت فأما خارجها فحسبي بالطبيعة جليساً ورفيقاً فإن وحدتي بين أعطاف الطبيعة اجتماع وأنا بانفرادي هنالك أبعد ما أكون من الانفراد ثم لا أفهم معنى الجمع بين المشي والكلام وإني متى صرت بين الرياض والأرياف أحببت أن أنسى خواطري وأفكاري وهواجس وهمومي وأنزع شخصيتي وأخرج من إنسانيتي وأصير وسط النبات نباتاً أنا لا أريد أن أكون بين الشجر والبقول ذاك النقاد المعروف بأتناول الكرنب والكراث بذلك النقد الذي أتناول به الشعراء والكتاب وأجيل ملكة البحث والفحص بين البقر والشاء كما أجيلها في ذلك الفصل وذياك الباب وإنما خرجت من المدينة لأنسى المدينة. وما فيها من الزينة والشينة وقد أعرف من الناس من إذا ذهبوا للاصطياف بالأرياف والسواحل نقلوا معهم المدينة بجميع محتوياتها وأحوالها إلى تلك المصايف ولكني من يؤثر الوحدة متى ذهب إلى أماكن الوحدة ويحب العزلة إذا أوى إلى العزلة ولا التمس في الخلوة صديقاً أبث له ما أجد من لذة الخلوة. ورأيي أن روح السياحة هي الحرية التامة في الفكر والشعور والحركة والعمل حسب مشيئة الإنسان من حيث لا يحذر رقيباً ولا يخاف حسيبا وإنما نلجأ إلى السياحة من منغصات المجتمع وعوائقه وعقباته ولكي نفر من الناس ولكي أجد فسحة لفكري ومجالاً لخاطري ومتنفساً لأحساسي. حيث ينطلق من عنان التأمل ما كان قبل محبوساً ويرتاش من

стр. 108

جناح الوهم ما كان في المجتمع مقصوصاً إلا ذرنى برهة من أحاديث الخلان وأقاصيص الإخوان وأعطني سماء زرقاء وأرضاً خضراء وفجاً عريضاً وروضاً أريضاً وثلاث ساعات قبل الغداء ثم دعني وخاطري يسبح في آفاق التأمل ما شاء فلا أخالني إلا مطلقاً عنان المرح بين هاتيك الأودية والمروج أعدو وأثب كالطفل الصغير وأغرد من الطرب كالعصفور وأصعد على سلم الوهم إلى السحابة الوطفاء فأتعلق بأهدابها ثم ألقي من ثمت بنفسي في أعماق الزمن الماضي كما ينغمس الهندي الأحمر في هبوة اللجة الطموح فتقذف به إلى وطنه العزيز وتهديه إلى مسقط رأسه وعند ذلك تثير يد الذكرى دفائن الماضي وتخرج من بحاره غرقى الحادثات الخالية وكسور الآمال التي تحطمت سالفاً في زوابع الشسقاء على صخور النحس في جو قد خبت مصابيح هداه وغارت نجوم سعوده فتخرج تلك الحوادث الغرقى وكسور هاتيك الآمال واللذات والأماني من تحت أمواج الغابر وتبدو لعيني اللهيفة رافلة في أقشب حلل الجدة وأبهى رونق البهجة نعم وتستريح أذني من لجب الجدال وضجة المناظرة ويعوضها الله من سكوت المجالس تتخلله كواذب الفصاحة ومتصنعات الحكمة سكوتاً عميقاً محضاً هو في مذهبي عين الحكمة والفصاحة وليس أحد أميل مني إلى التورية والكناية وسائر صنوف البديع وإلى المحاججة والمحاورة والنقد والتحليل ولكني قد أسأمها أحياناً واللذة تحب وتسأم ولقد أقول مع القائل دعوني هينهة أسترخ! إنكم في شان وأن في شان فإن عبتم ما أنا فيه وقلتم باطل وغى وخمود القريحة ورقدة الذهن قلت لكم هكذا تحسبون وإنكم لفي ضلال وما كنت قط أحبى شعوراً مني الساعة وأيقظ وجداناً وأشد توقداً وأذكى ذكاء أوليست هذه الوردة لذيذة المجتلى من غير شرح ولا مناقشة؟ أولم يشرب إحساسي جمال هذه الزهرة من غير مساعدة برهان ولا معونة نظرية؟ إن قلبي ليطفر نحو هذه الريحانة وإن تلك الريحانة لتطفر نحو قلبي! فإن تسلني سبب ذلك فبينته لك سخرت منه وضحكت مني (وإنما السبب هو أنها تذكرني بحادث لذة مضى ربما احتقرته أنت ولكنه كان عندي مكان الروح قيمة ومقدارا) أفليس إذن من العقل أن أكتم السر في حشاي فأصونه عن مهانة سخرك منه واستهزائك؟ وأجعله لنفسي ذكرى لذيذة أقطع بها الساعات والمسافات ومن ثم لا أكون للمساير ذلك الرفيق المؤنس والصاحب الممتع فأولى بي أن أترك لنفسي فأسير منفرداً وقد يقول قائل لم لا

стр. 109

تجمع بين مسايرة الغير ومحادثة نفسك - بين مرافقة الصديق ومناجاة الخاطر والذكرى فلذلك القائل أقول إن هذا من سوء الأدب وانتهاك حرمة العشرة وإنه لمن الرياء وضرب من الخديعة وإنما يجب على المرء أن يترك نفسه إما لمشيئة الرفقاء مطلقاً وإما لمشيئة نفسه وقد سرني من المستر كوبيت إنكاره من الفرنسيين الجمع بين الغداء وشرب الراح في الوقت بعينه وكذلك أنا لا أقدر على الجمع بين الكلام والتأمل - بين المحاورة الحثيثة والتفكير العميق ولا أقول مع الكاتب ستيرن إن لم يكن في استصحاب الرفيق إلا أني أذكر له كيف يطول الظل على انحدار الشمس لكفي بذلك علة. لي على استصحابه. هذا قول بديع من ستيرن ولكني لا أوافق على الفكرة. لأن التحدث في شأن مناظر الطبيعة يضعف من روعة تأثير تلك المناظر في الشعور ويفسد من حسن وقعها في النفس. فإذا اكفتيت من الاسهاب في شرح جمال تلك المناظر بالاختصار ومن العبارة بالإشارة جاء قولك مقتضباً أبتر جافاً مبهماً. وإن شرحت وأفضت جولت لذة المنظر تعباً. وعفوه نصباً. وكتاب الطبيعة أن تنظر في سطوره يغرك بأن تفسر للرفيق آياته. وتشرح للمساير عباراته. ومن ثم إيثاري الانفراد في النزهة حتى لا أحمل على تنغيص لذة السكينة بالكلام وتكدير منهل الفكر باعتلاج دلاء المحاورة والمناقشة. وإنما للجمع والادخار تلك الساعة. وغيرها للتفسير والرأي والمناظرة. وإنما أريد أثناء النزهة أن أرى خواطري تطفو وترسب في ذهني كأنها نتف زغب الطائر تهفو على حاشية النسيم ولا أريد أن تنشب فيها أشواك الجدال والمباحثة. وإني لا آبي على أي امرئ أن أطوي معه عشرين فرسخاً بالمناظرة ولكني أعلم أنه لا لذة في ذلك. فإني إن ذكرت للرفيق أن ذلك الحقل طيب الرائحة جازان يكون مزكوماً أو معدوم حاسة الشم. أو أومأت إلى شيء قصى لم يبعد أن يكون قصير النظر فيستعين بمرقبه ثم قد تحس في الهواء لذة خفية أو تبصر في لون إحدى السحب بهجة غير معهودة تملأ وجدانك ثم يعيبك أن تصفها أو تبين سببها. فيصبح ليس بينك وبين الرفيق ائتلاف إحساس واتحاد خاطر. متلاصقين جثماناً متباعدين وجداناً وتحاول أن توجد تلك الألفة الاحساسية فيعييك فتساء وتختم بالسخط نزهتك. ولو أن في يدي مفاتيح خزائن اللفظ الأنيق وقد تفجرت على لساني ينابيع البلاغة والبيان لحاولت أن أوقظ تلك الخواطر التي ترقد على مذهب رداء الشفق

стр. 110

ومعصفر ملاءة الغروب. ولكن خيالي الضعيف متى واجه عروس الطبيعة أغضى هيبة وأطرق حيرة وطوى إبراده كبعض الزهر ساعة الأصيل وكذلك أعجز كل العجز عن صفة تلك المشاهد وأنا حيالها وبين أيديها. فأما بعد ذلك بزمن - بعد الادكار والاستحضار والروية - فذاك شيء آخر. وعلى كل حال فالصمت والسكينة للنزهة والطبيعة. وبديع الوصف وغريب التصوير للغرفة والمحفل. ولذلك كان صديقي الكاتب الممتع شارلس لام أسوأ رفيق في النزهة لأنه أحسن جليس في الغرفة ولا أنكر أن هناك موضوعاً واحداً يرتاح المرء إلى طروقه أثناء السياحة - وهو الكلام في شأن طعام العشاء وماذا نتناول من الألوان في المطعم الذي نحن قاصدوه بأقرب قرية. فإن هذه المحادثة لتستعير لذة وتستفيد حلاوة من الهواء الفضفاض من حيث أنه يشحذ الشهوة ويسن أنياب الجوع. وكل فرسخ يطوي بهذا الحديث يحسن طعم الطعام المنتظر ويطيب مذاق الألوان المتوهمة ثم ما أمتع أن يطرق الإنسان لدى مسقط ظلال الليل بلدة قديمة ذات أسوار وحصون أو يأتي قرية متاطمنة الذرى تتعثر أشعة أضوائها فيما يلفها من ملاحف الظلماء فيلقى بها عصار التسيار ويتبوأ دمثاً ليناً وثيراً. هذه يا سيدي نعم جليلة ولذات يجب أن لا تكدر بالشريك الذي لا يذوقها حق مذاقها ولا يلذها تمام اللذة. ولذلك أرى أن أصونها عن المزريات المجحفات وأن أخص بها نفسي وأتنزه فيها عن الشريك والمنازع. وأن أشرب كأسها الروية فأشتف صبابتها وبعد ذلك إن من الله بالفراغ والقدرة وصفتها باللسان ثم بلسان الدواة وما ألذ أن نتناقش بعد شرب الشاي - ذاك الشراب الذي يسر ولا يسكر - وبعد أن نترك أوعية العقول مجالاً ومرتقى لدخانه وضبابه - أن نأخذ في حديث ماذا نأكل للعشاء - بيضاً وشواء أم أرنباً دفيناً في البصل والأرز أم ماذا؟ وقد أذكر أن سانكو صمم في مثل هذه الحالة على كوارع وهو طلب ألجأته إليه الضرورة وليس بمنتهى الحطة. ثم ما ألذ أن تسمع في خلال نجواك. واثناء ذكراك. صليل المراجل والمغارف وآلات المطبخ وهرولة الخدام ولك ما يصحب ذلك من الحركة وأصوات الاستعداد والخدمة (لنصب الخوان للسيد الضيف) هذا والله العيش وتلك الرفاهية والخفض! وأنها لساعات من حقها أن تصان في هيكل الصمت وتقدس في محراب الخيال وتدخر في وعاء الذكرى

стр. 111

لتكون منبع طرب يغذي جداول الخواطر الضاحكة ومجاري الأفكار الهنية. وما كنت لا بد مدنساً طهارة الخيال بالمحادثة فلتكن مع أجنبي غريب. لا صديق قريب. ومع ابن سبيل. لأولى وخليل فإن الغريب ينتحل طباع المكان الذي تلقاه فيه ويأخذ صبغة الساعة التي تجمعك وإياه. وكأنما هو حلس من أحلاس النزل وبعض أثاثه وآلاته وهبه دجالاً فإنه أمتع لي وليس من المحتوم علي أن أنتحل خلقه وأتطبع بطباعه (وإن كان نفر من المشعوذين والمتشردين فذلك ألذ لي وأنا الذي طالما تمني أن يكون أحد هؤلاء وكيف ترى يكون إنكار الناس لهذا الرأي إن أنا أعلنت به وصرحت) هذا وإن منظر الأجنبي لا يذكرني شيئاً مما هربت منه من شؤوني وأحوالي. ولا يكون مقروناً في ذهني إلا بما يحيط بي من الأشياء والحوادث وجهله بي وبجميع أمري يعديني فأكاد أنسي نفسي وشخصيتي ولكن الصديق يذكرني بأمور كثيرة وينبش قبور الألم ويفسد سحر المقام والحال. ويحول بين الذهن وبين ما قد تخيله المرء لنفسه من الشخصية الوهمية بما قد يعرض أثناء الحديث من ذكر وظيفتك ومهنتك وأحوالك وشؤونك. أو بما قد يتفق من أن صديقك من القوم الذين يعرفون أخبث جوانب تاريخك وأقذر نواحي عرضك وسيرتك فيخيل إليك أن سائر سكان النزل والخدم والطباخين يعلمون ذلك أيضاً فتظل وما أنت بابن العالم وأخي الدنيا الذي تخيلت وتوهمت وإنما فلان القاطن بكذا الذي شأنه كيت وكيت. فيضيق بك ما كان انفسح حولك من دائرة الوهم ويرتد مغلولاً ما كان طم لك من شعاع الخيال. ويتضاءل ما كنت حسبت أنك أصبت من بذخ المكانة امتداد شأو الحال. أجل ما ألذ أن يصدع المرء عن نفسه أغلال المجتمع والرأي العام - وأن ينسى ذاته وشخصيته وهمومه بين عناصر الكون وأجزاء الطبيعة ويصبح ابن الساعة واللحضة خالصاً من كل قيد وربقة - لا صلة له بالعالم إلا لوناً من الحلوى أو صحفة من الفاكهة ولا دين عليه إلا ثمن مأكل اليوم ومبيت الليلة - غير مكترث لمدح ولا ذم ولا مبال بسخط ولا رضا ولا مسمى إلا بالسيد الضيف. فأما الآثار والخرائب والمتاحف ومعارض الصور والدمى والتماثيل فإنه يؤثر في زيارتها صحبة الرفيق أو الرفقاء على الانفراد والوحدة. وذلك لأنها مشتركة الفهم عند جميع المتأدبين متحدة المواقع في كافة النفوس ففيها للكلام متسع وللمناظرات مجال. وما يشعر نحوها من الإحساس والوجدان ليس بأخرس مستحيل النقل والبيان. بل ناطق طوع

стр. 112

الشفتين واللسان. وإن كانت بطاح سالسبرى وربى سلسكس مجدبة من شجر الانتقاد وأغراس المناظرة فما خرائب كنيلورث منها بمجدية. وعندي أن أول ما يجب السؤال عنه إذا أريد أن يخرج للتنزه مع الرفاق قصد السرور هو أين يذهب؟ فإذا كان خروج انفراد قصد التأمل والذكرى فالسؤال هو ماذا عسى المرء يصادف في طريقه فليس يراد في حالة الانفراد مكان بعينه. لأنها سياحة الذهن والذهن غني بنفسه عن ذلك المكان أو هذا. وهو بذاته إقليم ودولة في نفسه. وليس همنا أن نبلغ آخر السياحة. وأما السياحة في البلاد الأجنبية فهذا مالا أستطيعه إلا في صحبة رفيق من أبناء جلدتي وأهل وطني. وكيف ولا بدلى أن أسمع نغمة لغتي ولسان أمتي من حين إلى آخر. وإن في طبيعة الإنكليزي لكراهة غريزية للعوائد والأراء الأجنبية يحتاج أبداً إلى أن يداويها ويمحو أثرها بضدها من ذلك العطف الذي يجلده لابن جلدته ووطنه. وكلما بعد الإنسان عن وطنه اشتدت تلك الحاجة إلى الرفيق حتى تصير ضرورة شديدة وغليلاً مشتعلاً بعد أن لم تكن إلا تعلة وسلوة. ولقد يخيل إلى أني كنت أموت اختناقاً لو قد أصبحت يوماً ما وسط صحارى نجد أو قفار حضرموت بلا رفيق من أبناء وطني ولا ينكر أحد أن منظر روما أو أتينا ليس يخلو من شيء مدهش غريب على النفس والعين لا يصح أن يضن عليه بلفظة ويمر به اللسان راقداً. كما لا ينكر أحد أن الأهرام أضخم من أن تكتفي بتأملات خاطر واحد. وأبعد أقطاراً من أن يذرع مساحتها باع ذهن منفرد. هذا وإن المرء وحيداً بين المشاهد الأجنبية ليخيل إليه أنه نوع من الخليقة مغاير لمن يحيط به من الناس أو أنه عضو قد فصل عن جسم المجتمع فيحس وحشة أيما وحشة إلا أن يصادف إنسا من رفيق يشاكله وصديق يماثله. على أني لم أجد كل هذه الوحشة لدن مس قدمى شاطئ فرنسا الضاحك لأول مرة فوجدت بلدة كاليز غاصة الأرجاء بالزينة والبجهة وكان صوت حركة الإنسانية وأنس الحياة يتحدر كمنبت عقود الجمان ومرفض أسلاك الدر في مسمعي. ولم يشذ عن أذني غناء الملامح بفرع سفينة عتيقة السن قد شاب فؤداها ومسها من أولق الموج اولق ومن لوثة البحر خبال. وإنما كنت هناك أنشق نسيم الإنسانية ولما بسطت القدم في بساط تربها الدمث العبق وثراها المفوف قد نمنمته أيدي الأنواء ورشته لله كف صناع بسطت قدماً وثابة ممراحا وهززت عطفاً ملكته نشوة السرور وتقاذفته أريحيات الطرب

стр. 113

وما ذاك إلا لأنها أرض الحرية قد ضربت بها خيامها. ورفعت عليها أعلامها. ولم تحن فيها رقاب الأمم للظلمة والجبابرة! إن في السياحة بالبلاد الأجنبية لاحساسا لا يجده الإنسان في غير ذلك ولكنه أجدر بأن يكون لذيذا في وقته منه بأن يكون باقي الأثر. وذلك أنه لبعده عن أحوالنا العادية ليس حرياً أن يعترض في سياق أحاديثنا ومجرى كلامنا. ولا يلتئم بديباجة حياتنا كأنه كان قطعة من حياة غير الحياة الإنسانية أو كان حلماً من الأحلام وخيالاً توقد برهة ثم خبا. وأنه لمن أشد العناء على الذهن أن يتوهم ذلك الإحساس الغريب بعد زواله وعسير على المرء أن يخلع شخصيته الحقيقية فيلبس شخصية وهمية وصعب عليه أن يوقظ نبض اللذة التي ماتت وقبرت اللهم إلا أن استطاع أن يثب من فوق أسوار الحاضر في حشا الماضي. والشخصية الخيالية الغريبة وحش لا يصاد. وظهر لا يراض والوقت الذي أمضيناه في السياحة الأجنبية مقطوع عن عمرنا. مفصول من حياتنا لا سبيل إلى وصله ولا وسيلة إلى إدماجه والمرء ما دام خارج وطنه رجل آخر خلاف الذي كان هنالك. حتى أن المسافر ليودع نفسه فيمن يودع ولله در القائل خرجت من موطني ومن نفسي فمن أراد أن ينسي الحزن والشجن فليذهب إلى غير بلده من بلاد الله يجد في عجب المناظر وغريب الأحوال سلوة وروحاً. وتغب من عينه مذكرات الهموم وباعثات الأسى ولذلك كنت أنفق حياتي خارج بلادي لو وجدت من يقرضني حياة أخرى أنفقها في وطني حتى أقضى حقوقه. الصانع المسكين (رسالة في قالب قصصي) للروائي الكبير تشارلس دكنز هذا الصانع المسكين يعيش على ضفة نهر زاخر التيار طامي العباب اسمه الزمن يصب في اقيانوس عظيم مجهول اسمه الأبد وما زال ذلك النهر منذ بدء الخليقة يجرى ويطرد وكان ربما غير مجراه وانحدر في مسايل جديدة ومسائل حديثة تاركاً مجاريه القديمة غبراء يابسة ولكنه رهن الانحدار والمسيل حتى يفني الله الزمن ثم تراه لا يقف في وجهه شيء ولا يثبت أمام سيله الجارف ناطق ولا صامت بل كان ما على الأرض منقاد طوع تياره محمول على متنه إلى ذاك الاقيانوس المجهول -.

стр. 114

هذا الصانع المسكين يعيش في مكان ليس فيه إلا عاملاً كادحاً وهو من أكدح العاملين وأدأب الجاهدين. عيشه اليابس الوعر. ودهره العلقم المر. ورزقه ينفذ إليه من سم الإبرة. ويدر عليه من جانبي صخرة. ومع ذلك فقد كان قانعاً بقسمته. راضياً عن عيشته. يستقبل اليوم باسط الوجه منشرحاً. وينصرف عنه شاكر القلب مرتاحاً. وكان هو وسائر أهل طبقته. أناساً يكدون من لدن يرتفع النهار. إلى أن يقبض الليل الأبصار. ولم يكن لهم دون ذلك من مطمح ولا هم يريدون. وكانت دار الحكومة ناحية من مسكن هذا الصانع وكان لا يزال بها خطابة ولجب. وجلبة وصخب. ولم يكن للرجل بذلك علاقة اللهم إلا أن ينظر ويتعجب وكان يراهم (أعني رجال الحكومة) يقيمون التماثيل حديداً ومرمراً ونحاساً أمام مسكنه الحقير فيأخذون عليه منافذ النور والهواء بأشباح هذه الأفراس النحاسية. وأشخاص تلك الصور الحديدية وتمادي على تعجبه من هذه الأشياء وماذا يراد بها ثم ابتسم ابتسامته الساذجة ومضى في عمله. وكانت الحكومة (وهي مؤلفة من أضخم رجال البلد وأكثرهم جلبة وضوضاء) قد تكلفت أن تحمل عنه أعباء الإدارة ومؤنة التفكير فتدبر له شؤونه وتنظم أحواله. وكان الرجل يقول نعم ما تصنع بي الحكومة. ستعنى بأمري جزاء شيء من المال أجعله لها (والحكومة أيها القارئ ليست فوق مال الرجل) وذلك أنعم لي وأنفع ومن ثم ما ترى من تلك الخطب في دار الحكومة والصياح والضوضاء وما ترى من تلك التماثيل التي يكلف الرجل المسكين أن يسجد لها من دون الله. ويقول الرجل ويحك جبينه حيرة وعجباً أنا لا أفهم كل هذا. فعسى أن له معني يدق عن فهمي ويلطف عن إدراكي. فتجيب الحكومة معناه إن أعظم المجد والشرف للأعظم أعمالاً وآثارا. فقال أهو كذلك؟ وسره ما سمع. ولكنه نظر في التماثيل فلم يجد بينها صورة رجل فاضل ممن يعرف ولا صورة ذلك الرجل العظيم تاجر الأصواف الذي توفى آنفاً. ولا صورة رجل من كبار الأطباء الذين بفضلهم نجا هو وبنوه من آفة الداء ولا تمثال شجاع ممن أطلقوا العباد من رق الجبابرة وتركوهم أحراراً بعد أن كانوا عبيداً وأسرى ولا تمثال شاعر أو قصصي ممن أوجد للفقراء والمساكين من الخيال حياة أجمل وأعلى كلها لذائذ وعجائب

стр. 115

على حين أنه كان يجد بين تلك التماثيل صور أناس لم يعرف عنهم كثيراً من الخير وصور آخرين ما عرف عنه إلا النكر والضير. قال الرجل أنا لا أفهم ذلك. ثم ذهب إلى بيته وجلس إلى النار يصطلي ويحاول نسيان ما رأى. وكان بيته حقيراً تحفه طرقات مسودة ولكنه كان عزيزاً عليه حبيباً إليه وكانت زوجته قد كبرت قبل أوانها وخشن العمل كفيها وأيبس أناملها ولكنها كانت قرة عينه وكان اصيبيته قد انحلهم سوء الغذاء وحبس البؤس شبابهم ولكنهم كانوا زينة بصره وثلجة صدره وكان أبعد غايته وأقصى أمنيته أن يرى العلم لهم قريناً والعرفان الفا وخدينا حتى لقد كان يقول إذا كان الجهل منشأ خطأي وخطلي فليكفهم التعليم غلطي وزللي وإن تعذر على أن أقطف ثمار الكتب من الفائدة واللذة فليصبحن ذلك عليهم من السهل. ولكن الحكومة لم تر مارآه من حاجة اغيلمته إلى التعليم فأهملت تهذيبهم وتنويرهم فأبصر الرجل شيطان الجهل قد نبغ وسط داره فاستحوذ على بنيه ورأى ابنته قد أصحبت خرقاء رخوة متثاقلة وراح غلامه يركض أفراس الشهوة في سنن الغواية ويحدو اينق الباطل في سبل الجرم والجناية وأبصر نور الفطنة في أعين أطفاله يتحول مكراً وريبة حتى جعل يتمنى أنهم كانوا بلها وحمقى. وقال أنا لا أفهم هذه الأشياء ولكني أعلم أنه ما يراد بها خير وأما وهذه الأرض المقشعرة والسماء المكفهرة والجو المغيم والأفق المظلم أني لأنكر هذه الأعمال ولا أراها جوراً وظلماً!. ولما سكت عنه الغضب (وكان غضبه كالبرق الخاطف لا يهيج حتى يزول) نظر إلى الآحاد أيام فراغه والى الأعياد أيام بطالته ولهوه فلم يجدها إلا أسباب ملل ودواعي سأم وإلا السكر وما يعقب من المحن والمصائب فالتفت إلى الحكام وقال لهم نحن معشر العمال والمهنة أرانا قد ركب الله في طباعنا حاجة إلى اللذة النفسية واللهو الذهني فانظروا ماذا نقع فيه من الإثم والجريمة لحرماننا لذة الأنفس ومتاع الأذهان ألا فأبيحوا اللهو الحلال واستشلونا من هذه الوهدة وأطلقونا من ذلك الضيق. فضجت الحكومة وصاحت وهاجت وماجت عند ما نادى نفر قليلون يطلبون للرجل نعمة

стр. 116

التعليم كيما يبصر بدائع الوجود وعجائب الفنون حتى بهت الرجل وقال حائراً مندهشاً: أنا الذي أحدثت هذا؟ وهل كل ذلك لأني أعلنت حاجة نفسي والتمست المخرج من غمي وكربتي؟ ليت شعري ماذا يراد بنا وإلى أي طريق نحن مسوقون. وأنه ذات يوم لمكب على عمله إذ بلغته أنباء الطاعون يفتك في العمال ويصرعهم بالآلاف فخرج يستوثق من الخبر فإذا هو صحيح وإذا الموتى والذين في سكرة الموتى مختلطون هؤلاء بأولئك قد غصت بهم تلك المساكن الضيقة التي يعيش في أحدها فياله من سم جديد أضيف إلى ما قد أفعم به ذلك الهواء المنتن الخبيث ويا لها ضربة صعقت الأبناء والآباء والأقوياء والضعفاء ونكبة اجتمع فيها العقلاء والسفهاء والأعداء والأولياء. وماذا لديه من أسباب الهرب وسبل الفرار؟ الحمد لله لا منجى ولا مهرب ولا منفذ ولا مذهب ومكث الرجل حيث هو ومات أحبابه بعينيه وأتاه قسيس يحاول أن يخفف عنه ويرقق فؤاده في تلك المحنة التي تنسى المرء أخلاقه وتخرج الإنسان من سجيته ولكن الرجل أجاب قائلاً: أي فائدة في كلامك لرجل كتب عليه المقام في هذا المكان الخبيث فعادت نقمة وعذاباً كل حاسة أرادها الله له باب نعمة ولذة وأصبحت كل لحظة من عمره عبأ يضاف إلى ما يفدحه من الأعباء ويهد كاهله من الاثقال أعرني نظرة إلى السماء ونفساً من خالص الهواء وأكحل عيني بمرود الضياء واسقني جرعة من سائغ الماء وأعني على النظافة وخفف عني ثقل هذه الحياة ورقق من كثافة هذا الهواء وترفق بهذه الجثث وأحملها من هذه الغرف الضيقة فلقد ألفنا صورة الموت حتى كاد يذهب من نفوسنا جلاله وهيبته. كل ذلك والرجل منكمش في عمله ونه كذلك ذات يوم وبه من الحزن والوحشة ما به إذ وقف عليه رئيسه في ثوب حداد وكان قد فجع بزوجته وكانت جميلة وبرة كريمة ورزء كذلك ابنه ولم يكن عنده سواه. قال الرجل أيها الرئيس أنك قد رزئت جليلاً وفارقت خليلاً فعزاء حسناً وصبراً جميلاً وقد أعطيك السلوان لو أملكه ولكن أين مني ذلك. فشكره الرئيس ولكنه قال ويل منكم معشر العمال. منكم نبع الداء ونجم البلاء. ولو أنكم أطبتم معايشكم وعنيتم بأسباب النظافة والصحة لما بت أندب غلامي ثاكلا وأبكي زوجتي

стр. 117

أرملاً. فهز الرجل رأسه قائلاً إنه لن تصلح الأحوال حتى تشركنا الحكومة معها في الحكم والإدارة وأنا لا نستطيع إلى الصحة والنظافة سبيلاً حتى يهيء لنا ولاة الأمر أسباب ذلك ولا نجد الطريق إلى العلم حتى يأخذ ولاة الأمر بأيدينا ولا نهتدي إلى سبل اللهو الحلال حتى يهدينا ولاة الأمر إليها وإن مضار هذا الإهمال والتفريط وإن لم تنجم إلا بيننا ولكنها لا تنتهي عندنا بل تتعدانا إلى سائر الطبقات غيرنا حتى يفشو المصاب وتعم البلوي. ولكن الرئيس قال ويحكم معشر العمال ما نكاد نسمع ذكركم إلا مقروناً بإحدى المصائب!. فأجاب قائلا: ما منا تبتدئ ولا فينا تنتهي المصائب. وقد كان في قوله هذا من الحق في نازل الوباء من البؤس والضر ما حمل الحكومة على عزيمة إشراكه في شيء من الأمر - على الأقل في الاحتياطات اللازمة لأبادة الوباء ولكنه ما زال خوفهم حتى أنحوه عن زمرتهم واستبدوا بالأمر دونه فعاد الوباء أشد طغياناً وأحصد فتكاً.

стр. 118

أمالي البيان أقترح على البيان بعض أهل الفضل والأدب إدخال باب جديد بين زمرة أبوبه يكون موضوعه جمع ما هو مبدد في كتب الأدب - كالأغاني وكامل المبرد والعقد الفريد وزهر الآداب وإضرابها - من مستملح الأخبار ومستعذب الآثار. وسير الأدباء والشعراء والظرفاء والمغنين والمجان وأيام العرب وحكاياتهم المستطرفة حتى يكون ذلك مغنياً عن شتى الكتب ومطولات الأسفار وحتى يجد قارئ البيان من سير الماضين وأحوالهم ما فيه تفكيه للنفس وترويح للخاطر وتثقيف للفكر وأدب للناشئ وذكرى للمنتهى ولقد وقع هذا الاقتراح من نفسنا موقعاً حسناً وأصاب منها ما يصيب البارد العذب من الصديان فأجمعنا النية على أن نثبت في هذا الباب كل لذ ممتع من سير الماضين وآدابهم ونوادرهم مما تفرق في تضاعيف الكتب وثنايا السطور حتى يكون هناك شجرة أدب يانعة الثمر قريبة المتناول يهتصر قارئ البيان أغصانها ويجتني من كثب أثمارها وحتى تبلغ مسامع الكثير من شبابنا أخبار أسلافنا التي طال احتجابها عليهم وعز وصولها إليهم وهي عند النصفة أولى المعلومات بالعلم والمدارسة كيما نكون دائماً على ذكر من شؤن آبائنا الأولين وكيما يتصل السبب بينهم وبين نشئنا المولع بالغريب والمستهتر (المولع أشد الولوع) بالأجنبي الذي ليس بيننا وبينه لحمة جنس ولا لغة ولا دين مع أعراضه عن سلفه ورضائه بوصمة الجهل بشؤنهم وهي كما قلت نعمت المحصولات العلمية التي إذا جهلها منتسب لهذه اللغة استبدت به عجمة الأعجام وتقطعت حبال ما بينه وبين قومه وأنكرته آدابهم. ومحبته أذواقهم وكذلك ترى الكثير من أولئك في المحافل الحافلة على جانب عظيم من النكر وركود الريح ويبس الطبيعة فلا تأذن من ناحيتهم إلا كل قول أبنز عار لا تحليه ملحة ولا يزينه استشهاد ولا يتخلله أدب: كل ذلك لجهلهم بآداب أسلافهم وطرائفهم واحتقارهم إياها وهم بذلك إنما يجنون على أنفسهم ويسيئون إليها من حيث يدرون ولا يدرون فيا أيها النشء أبناء الماضيين عليكم أدب أسلافهم قبل أدب غيرهم وليس يجعل بكم وأنتم سلالتهم أن تجهلوا ما هنالك من أدب باهر. وظرف ظاهر. وفكاهات ونوادر ولا والله لن تغني عنكم آداب الأغيار مالم تبتن على أدبكم أنفسكم الذي به تعتزون. وبجهله تذلون. ولتعلمن أن من أجنى ما تجنون على قوميتكم أن تجهلوا ماضي آبائكم وتستبدلوا بهم من لا شبه بينه وبينكم وإنكم إن فعلتم ذلك واسترسلتم ولم تتداركوا نسيتم ما ضيكم فأنساكم الله

стр. 119

حاضركم ونسيتم سلفكم فأنساكم الله أنفسكم. وإذا كانت أمم المغرب لا تزال تعنى العناية كلها بآداب يونانهم ورومانهم وتعتمد في آدابهم أنفسهم عليها على نزارة آداب أولئك إذا قيست بآداب العرب وبعدما بين الجلين (الإفرنج - واليونان والرمان) من النسب والقرابة أفلا يليق بكم أنتم وأنتم أبناء العرب وبدينهم تدينون وبلغتهم تخاطبون أن تعنوا كذلك بآدابهم وتحرصوا على معرفتها كل الحرص. - نعم ولا نخالكم بعد أن سيبذل البيان جهده في تقريبها اليكم وجعلها منكم على طرف الثمام وحبل الذراع إلا فاعلين. أما هذه الأمالي فهي كشكول جامع يتنقل فيه القارئ بين جد وهزل وأدب وحكمة وخبر نادرة فمن أخبار شاعر إلى مجون ما جن إلى ظرف خليع إلى أدب مليك إلى كل ما تلتقى فيه الفائدة باللذة والفكاهة من أخبار الماضين ونوادر الأولين إن شاء الله.

стр. 120

أخبار السيدة سكينة بنت الحسين ﵄ كانت السيدة سكينة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب سيدة نساء عصرها وكانت من أجمل النساء وأظرفهن وأحسنهن أخلاقاً وكانت عفيفة سلمة برزة من النساء تجالس الجلة من قريش وكان يجتمع الشعراء في فناء دارها ولها مع الشعراء والمغنين والمجان حكايات ونوادر تدل على أدبها وبصرها بالشعر وظرفها ولطف غريزتها فلا جرم أنا ذاكرون من أخبارها ما لا يخرج عن شريطتنا في هذه الأمالي إن شاء الله. كان اسم السيدة سكينة آمنة وقيل أمينة وقيل أميمة وسكينة لقب لقبت به وكانت أمها الرباب بنت امرئ القيس بن عدي الكلبي وفيها يقول الحسين ﵁: لعمرك أنني لأحب داراً ... تكون بها سكينة والرباب أحبهما وأبذل جل مالي ... وليس لعاتب عندي عتاب وكانت السيدة آية في الجمال وكانت تصفف جمتها تصفيفاً لم ير أحسن منه حتى عرف ذلك وكانت تلك الجمة تسمى السكينية وكان عمر بن عبد العزيز إذ وجد رجلاً يصفف جمته السكينية جلده وحلقه - وتزوجت السيدة عدة أزواج وكان أول ما تزوجت عن عبد الله بن الحسين بن علي وهو ابن عمها وأبو عذرتها ثم خلفه عليها مصعب بن الزبير زوجه إياها أخوها علي ابن الحسين ومهرها مصعب ألف ألف درهم ولما حملها أخوها إليه رضخ إليه بأربيعن ألف دينار قالت السيدة دخلت على مصعب وأنا أحسن من النار الموقدة في الليلة القراء وولدت من مصعب بنتاً سمتها الرباب فلما قتل مصعب ولى أخوه عروة تركته فزوج الرباب ابنه عثمان فماتت وهي صغيرة فورثها عثمان بن عروة عشرة آلاف دينار. حدثت سعيدة بنت عبد الله بن سالم قالت لقيت سكينة بين مكة ومنى فقالت قفي يا ابنة عبد الله فوقفت فكشفت عن بنتها من مصعب وإذا هي قد أثقلتها الحلي واللؤلؤ فقالت ما ألبستها إياه إلا لتفضحه. ثم تزوجت السيدة من عبد الله بن عثمان الخزامي ثم من زيد بن عمرو ابن عثمان ثم من الأصبغ بن عبد العزيز بن مروان ولم يدخل بها ثم من إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف

стр. 121

ولم يدخل بها وقيل في ترتيب أزواجها غير ذلك وكان أحد أزواجها زيد بن عمرو بن عثمان كما حدث أشعب (وكان قد اتخذته السيدة سميرا لها) انجل قرشى قال أشعب فخرج حاجاً وخرجت معه سكينة فلم يدع أوزة ولا دجاجة ولا بيضاً ولا فاكهة إلا حمله معه وأعطتني مائة دينار فخرجت ومعها طعام على خمسة أجمال فلما أتينا السيالة نزلنا وأمرت بالطعام أن يقدم فلما جيء بالأطباق أقبل أغيلمة من الأنصار يسلمون على زيد فلما رآهم قال أوه خاصرتي ارفعوا الطعام وهاتوا الترياق والماء الحار فجعل يتوجرهما حتى انصرفوا ودخلنا وقد هلكت جوعاً فلم آكل إلا مما اشتريته من التسوق فلما كان من الغد أصبحت وبي من الجوع ما الله به عليم ودعا بالطعام فأمر باسخانه وجاءته مشيخة من قريش يسلمون عليه فلما رآهم اعتل بالخاصرة ودعا بالترياق والماء الحار فتوجره ورفع الطعام فلما ذهبوا أمر بإعادته فأتى به وقد برد وقال لي يا أشعب هل إلى أسخان هذا الدجاج سبيل فقلت له أخبرني عن دجاجك هذا من آل فرعون فهو يعرض على النار بكرة وعشيا - وحكى أن أحد أزواجها زيد بن عمرو استأذنها أن يحج مع سليمان بن عبد الملك وأعلمها أنها أول سنة حج في الخليفة وأنه لا يمكنه التخلف عن الحج معه وكانت لزيد ضيعة يقال لها العرج وكان له فيها جوار فأعلمته أنها لا تأذن له إلا أن يخرج أشعب معه فيكون عيناً لها عليه ومانعاً له من العدول إلى العرج ومن اتخاذ جارية لنفسه في بدأته ورجعته فقنع بذلك وأخرج أشعب معه وكان له فرس كثير الأوضاح حسن المنظر يصونه عن الركوب إلا في مسايرة أمير أو يوم زينة وسرج يصونه لا يركب به غير ذلك الفرس وكان معه طيب لا يطيب به إلا في مثل ذلك اليوم الذي يركب فيه وحلة موشية يصونها عن اللبس إلا في يوم يريد التجمل فيه بها فحج مع سليمان وكانت له عنده حوائج كثيرة فقضاها ووصله وأجزل صلته وانصرف سليمان وكانت له عنده حوائج كثير فقضاها ووصله وأجزل صلته وانصرف سليمان من حجه ولم يسلك طريق المدينة وانصرف ابن عثمان يريد المدينة فنزل على ماء لبني عامر بن صعصعة ودعا أشعب فأحضره وصرصرة فيها أربعمائة دينار وأعلمه أنه ليس بينه وبين العرج إلا أميال وإن أذن له في المسير إليها والمبيت عند جواريه غلس إليه فوافى وقت ارتحال الناس فوهب له الأربعمائة دينار فقبل يده ورجله وأذن له في السير إلى حيث أحب وحلف له أنه يحلف

стр. 122

لسكينة بالإيمان المحرجة أنه ما صار إلى العرج ولا اتخذ جارية منذ فارق سكينة إلى أن رجع إليها فدفع إليه مولاه الدنانير ومضى قال ابن أشعب حدثني أبي أنه لم يتوهم أن مولاه سار نصف ميل حتى رأى في الماء الذي كان عليه رحل زيد جاريتين عليهما قربتان فألقتا القربتين وألقتا ثيابهما عنهما ورمتا بأنفسهما في الغدير وعامتا فيه ورأى من مجردهما ما أعجبه واستحسنه فسألهما عند خروجهما من الماء عن نسبهما فأعلمتاه أنهما من اماء نسوة خلوف لبني عامر بن صعصعة بالقرب من ذلك الغدير فسألهما هل يسهل على مواليهما محادثة شيخ حسن الخلق طيب العشرة كثير النوادر فقالتا وأني لهن بمن هذه صفته فقال لهما فأنا ذلك فقالتا له انطلق معنا فوثب إلى فرس زيد فأسرجه بسرجه الذي كان يركبه ودعا بحلته التي كان يضن بها فلبسها وأحضر الفسط الذي كان فيه طيبه وتطيب منه وركب الفرس ومضى معهما حتى وافى الحي فأقام في محادثة أهله إلى قرب وقت صلاة العصر فأقبل في ذلك الوقت رجال الحي وقد انصرفوا من غزواتهم وأقبلت تمر به الرعلة بعد الرعلة فيقفون به فيقولون ممن الرجل فينتسب في نسب زيد فيقول كل من اجتاز به ما نرى باساً وينصرفون عنه إلى قرب غروب الشمس فأقبل عليه شيخ فان على بجير هرم هزيل ففعل مثل ما كان يخبر من تقدمه فقال مثل قولهم قال أبي ثم رأيت الشيخ وقد وقف بعد قوله فأوجست منه لأني رأيته قد جعل يده اليسرى تحت حاجبه ورفعها ثم استدار ورأى وجهي وركبت الفرس فما استويت عليه حتى سمعته يقول أقسم بالله ما هذا قرشي وما هذا إلا وجه عبد فركضت فرسي وهو يقول من أنت واتبعني فلما يئس من اللحاق بي انتزع سهماً فرماني نه فوقع في مؤخرة السرج فكسرها ودخلتني روعة من ضربة أحدثت لها الحلة ووافيت رجل مولاي فغسلت الحلة ونشرتها فلم تجف ليلاً وغلس مولاي من العرج فوافاني في وقت الرحيل فرأى الحلة منشورة مؤخرة السرج مكسورة والفرس قد أضربه الركوب وسفط الطيب مفضوض الخاتم فسألني عن السبب فصدقته فقال لي ويحك أما كفاك ما صنعت بي حنى انتسبت في نسبي وسكت عني فلم يقل لي أحسنت ولا أسأت حتى وافينا المدينة فلما وافاها سألته سكينة عن خبره فقال يابنت رسول الله وما سؤالك إياي ولم يزل ثقتك معي وهو أمين على فسليه عن خبرى يصدقك عنه فسألتني فأخبرتها أني لم أنكر عليه شيئاً ولم أمكنه من ابتياع جارية ولم أطلق له الاجتياز بالعرج فاستحلفتني

стр. 123

فلما حلفت لها بالإيمان المحرجة فيها طلاق أمك (يخاطب ابنه) وثب فوقف بين يديها وقال والله يا بنت رسول الله لقد كذبك العلج أقمت بها يوماً وليلة وغلست بها عدة من جواري وها أنا تائب إلى الله مما كان مني وقد جعلت توبتي منهن وتقدمت في حملهن إليك وهن موافيات المدينة في عشية هذا اليوم فبيعهن وعتقهن إليك وأنت أعلم بما ترين في العبد السوء فأمرتني بإحضار الأربعمائة دينار فلما أحضرتها أمرت بابتياع خشب بثلثمائة دينار وليس عندي ولا عند أحد من أهل المدينة علم بما تأمر به ثم أمرت بأن يتخذ بيت من عود وجعلت النفقة عليه من أجر النجارين من المائة الباقية ثم أمرت بابتياع بيض وتبن وسرجين بما بقي من المائة دينار بعد أجرة النجارين ثم أدخلتني والبيض والتبن والسرجين في البيت وحلفت بحق جدها لا أخرج من ذلك البيت حتى أحضن ذلك البيض كله إلى أن يفقس ففعلت ذلك ولم أزل أحضنه حتى فقس كله فخرج الفراريج وربيت في دار سكينة وكانت تنسبهن وتقول بنات أشعب وحدث الرواة قالوا اجتمع في ضيافة السيدة سكينة جرير والفرزدق وكثير وجميل ونصيب فمكثوا أياماً ثم أذنت لهم فدخلوا عليها فقعدت حيث تراهم ولا يرونها وتسمع كلامهم ثم أخرجت وصيفة لها وضيئة قد روت الأشعار والأحاديث فقالت أيكم الفرزدق فقال لها ها أنا ذا قالت أنت القائل: هما دلتاني من ثمانين قامة ... كما انحط بازٍ أقتم الريش كاسره فلما استوت رجلاي بالأرض قالتا ... أحي نرجي أم قتيل نحاذره فقلت ارفعوا الأمراس لا يشعروا بنا ... وأقبلت في إعجاز ليل أبادره أبادر بوابين قد وكلابنا ... وأحمر من ساج تبص مسامره قال نعم فما دعاك إلى إفشاء سرها وسرك هلا سترت عليك وعليها خذ هذه الألف والحق بأهلك ثم دخلت على مولاتها وخرجت فقالت أيكم جرير قال ها أنا ذا فقالت أنت القائل: طرقتك صائدة القلوب وليس ذا ... حين الزيارة فارجعي بسلام تجري السواك على أغر كأنه ... برد تحدر من متون غمام لو كان عهدك كالذي حدثتنا ... لوصلت ذاك وكان غير ذمام إني أواصل من أردت وصاله ... بحبال لا صلف ولا لوام

стр. 124

قال نعم قالت أولاً أخذت بيدها وقلت لها ما يقال لمثلها أنت عفيف وفيك ضعف خذ هذه الألف والحق بأهلك ثم دخلت إلى مولاتها وخرجت فقالت أيكم كثير قال ها أنا ذا فقالت أنت القائل: وأعجبني ياعز منك خلائق ... كرام إذا عد الخلائق أربع دنوك حتى يدفع الجاهل الصبا ... ودفعك أسباب المنى حين يطمع فو الله ما يدري كريم مماطل ... أينساك إذ باعدت أو يتضرع قال نعم قالت ملحت وشكلت خذ هذه الثلاثة آلاف والحق بأهلك ثم دخلت على مولاتها ثم خرجت فقالت أيكم نصيب قال ها أنا ذا فقالت أنت القائل: لولا أن يقال صبا نصيب ... لقلت بنفسي النشأ الصغار بنفسي كل مهضوم حشاها ... إذا ظلمت فليس لها انتصار قال نعم فقالت ربيتنا صغاراً ومدحتنا كباراً خذ هذه الألف والحق بأهلك ثم دخلت على مولاتها وخرجت فقالت يا جميل مولاتي تقرئك السلام وتقول لك والله مازلت مشتاقة لرؤيتك مذ سمعت قولك: ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... بوادي القرى إني إذاً لسعيد لكل حديث بينهن بشاشة ... وكل قتيل عندهن شهيد فجعلت حديثنا بشاشة وقتلانا شهداء خذ هذه الألف دينار والحق بأهلك. ورووا أن الفرزدق خرج حاجاً فلما قضى حجه خرج إلى المدينة فدخل على السيدة مسلماً فقالت له يا فرزدق من أشعر الناس قال أنا قالت كذبت أشعر منك الذي يقول: بنفسي من تجنبه عزيز ... علي ومن زيارته لمام ومن أمسى وأصبح لا أراه ... ويطرقني إذا هجع النيام قال والله لئن أذنت لي لأسمعنك أحسن منه قالت فاخرج عني ثم عاد إليها من الغد فدخل عليها فقالت يا فرزدق من أشعر الناس قال أنا قالت كذبت صاحبك أشعر منك حيث يقول: لولا الحياء لهاجني استعبار ... ولزرت قبرك والحبيب يزار كانت إذا هجر الضجيع فراشها ... كتم الحديث وعفت الأسرار لا يلبث القرناء أن يتفرقوا ... ليل يكر عليهم ونهار

стр. 125

فقال والله لئن أذنت لي لأسمعنك أحسن منه فأمرت به فاخرج ثم عاد إليها في اليوم الثالث وحولها مولدات كأنهن التماثيل فنظر الفرزدق إلى واحدة منهن فأعجب بها وقالت يا فرزدق من أشعر الناس فقال أنا فقالت كذبت صاحبك أشعر منك حيث يقول: إن العيون التي في طرفها مرض ... قتلننا ثم لم يحيين قتلانا يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به ... وهن أضعف خلق الله أركانا فقال يا بنت رسول الله إن لي عليك حقاً عظيماً ضربت إليك من مكة إرادة السلام عليك فكان جزائي منك تكذيبي ومنعي من أن أسمعك وبي ما قد عيل معه صبري وهذه المنايا تغدو وتروح ولعلى لا أفارق المدينة حتى أموت فإن أنا مت فأمري أن أدرج في كفني وأدفن في حر تلك الجارية: يعني الجارية التي أعجبته: فضحكت السيدة وأمرت له بالجارية فخرج بها آخذاً بريطتها (ملاأتها) وأمرت الجواري أن يدففن في أقفائهما ثم قالت يا فرزدق أحسن صحبتها فإني آثرتك بها على نفسي. ووقفت السيدة مرة على عروة بن أذينة فقالت له يا أبا عامر أنت الذي تقول: قالت وأبثثتها سري وبحت به ... وقد كنت عندي تحب الستر فاستتر ألست تبصر من حولي فقلت لها ... غطى هواك وما ألقى على بصري وأنت القائل: إذا وجدت أوار الحب في كبدي ... أقبلت نحو سقاء القوم ابترد هبني بردت ببرد الماء ظاهره ... فمن لنار على الأحشاء تتقد قال نعم قالت هن حرائر وأشارت إلى جواريها أن كان خرج هذا من قلب سليم وهذا عروة بن أذينة كان من كبار العلماء وفحول الشعراء سمع ابن عمر وروى عنه مالك في الموطأ وهو القائل: لقد علمت وما الأشراف من خلقي ... إن الذي هو رزقي سوف يأتيني أسعى إليه فيعنيني تطلبه ... وإن قعدت أتاني لا يعنيني لا خير في طمع يدني إلى طبع ... وغفة من قوام العيش تكفيني كم من فقير غني النفس تعرفه ... ومن غني فقير النفس مسكين ومن عدو رماني لو قصدت به ... لم آخذ النصف منه حين يرميني

стр. 126

ومن أخ لي طوى كشحاً فقلت له ... إن انطواءك عني سوف يطويني إني لأنظر فيما كان من إربي ... وأكثر الصمت فما ليس يعنيني لا أبتغي وصل من يبغي مقاطعتي ... ولا ألين لمن لا يبتغي ليني واتفق أن عروة وفد هو وجماعة من الشعراء إلى هشام بن عبد الملك فتبينهم فلما عرف عروة قال ألست القائل: لقد علمت: الأبيات فاظرق عروة ملياً ثم خرج من فوره ذلك فركب ناقته وخرج إلى الحجاز فافتقده هشام فلم يره وسأل عنه فقيل له راح إلى الحجاز فندم على ما كان منه وقال أنه شاعر ولسنا نأمن أن ينالنا من لسانه شيء فأرسل إليه بصلة جزيلة فوافاه الرسول بها حين وافى منزله بالمدينة فقال للرسول قل لأمير المؤمنين كيف رأيت صدقه في قوله - ومن شعر عرووة بن أذينة: إن التي زعمت فؤادك ملها ... خلقت هواك كما خلقت هوىً لها فيك الذي زعمت بها فكلاكما ... أبدى لصاحبه الصبابة كلها ولعمرها لو كان حبك فوقها ... وقد ضحيت إذاً لاطلها وإذا وجدت لها وساوس سلوة ... شفع الضمير إلى الفؤاد فسلها بيضاء باكرها النعيم فصاغها ... بلباقة فادقها وأجلها لما عرضت مسلماً لي حاجة ... أخشى صعوبتها وأرجو ذلها منعت تحيتها فقلت لصاحبي ... ما كان أكثرها لنا وأقلها فدنا فقال لعلها معذورة ... في بعض رقبتنا فقلت لعلها رجع ما انقطع من أخبار السيدة سكينة (البقية تأتي).

стр. 127

الفكاهات والملح كاره الدنيا ما زال المستر اندرو ترفرتون منذ دب على صدر الوجود غريب الأحوال عجيب الأطوار تناقض أخلاقه أخلاق الخلق ويناقض بعضها بعضاً تحت ظلها الضئيل تلك المعاني الجمة والأمور الكثيرة - أعني كلمة شاذ والناس لحمقهم وجهالتهم ولضؤولة أذهانهم وضيق أفكارهم يرون كل ما خالف طريقتهم ونافى عادتهم أفناً وسفهاً ويحسبون غروراً وضلالاً أنهم على المنهج القويم والصراط المستقيم. فكل من حاد عنهم جار عن القصد. وما عن الرشد. والناس حيوانات عمي مقلدون من غير تأمل ولا استبصار. فهم كقطيع الضأن جلودها من أديم واحد وألوانها متشاكلة ويرى كل واحد منها حتم عليه أن يشبه سائر القطيع في كل أطواره وأحواله فيرد حيث ترد الجماعة ويصدر حيث تصدر ويقبل متى أقبلت ويدبر إذا هي أدبرت. فإذا أزعجها كلب فخافت وجب عليه أن يخاف معها فإن فرت حتم عليه أن يفر أيضاً. فإن بدأت الفرار بالظلف الأيمن وبدأه بالأيسر كان في نظرها جانياً مجرماً بل مختلط العقل به مس ولوثة. وقد اتفق أن المستر أندرو ترفوتون بدأ السير بين قطيع الآدميين بقدم مغايرة لتلك التي بدأ بها سائر القطيع فاضطغن عليه الجماعة هذه الغلطة وقاموا له بالمرصاد لا يدعون فرصة للتشهير به والنقمة عليه حتى ينهزوها ولا يتركون خصاصة للاقتحام عليه بالإيذاء أو يلجوها. فكان عندهم أعجوبة المهد هدف المدرسة. كرة القذاف في الكلية حيث جعل الأستاذ يشبه رأسه بسقف خلع منه حجر وإن سقفاً فقد أحدى لبناته لجدير أن ينهار إذا هو لم يصلح في أوان الإصلاح. والناس إن يبصروا سقف دار ينهدم لم يعجبوا وقالوا نتيجة إهمال: فما لهم إذا أبصروا سقف دار ينهدم لم يعجبوا وقالوا نتيجة إهمال. فما لهم إذا أبصروا سقف عقل ينقض - ملكهم العجب واستحوذت عليهم الدهشة ولم يفطنوا إلى أن السبب في ذلك هو إهمالهم وعدم مداواتهم خلل الذهن المعتل بأدوية الرأفة واللطف والمحاسنة والمعذرة والتجاوز والملاينة؟ ولم يكتف المجتمع بأنحائه بتلك المظالم على رأس أندرو ترفرتون حتى خيب آماله في كل عزيز ومحبوب - في الصديق والأخ والحبيبة. أعطاهم صفو الوداد وجزوه أقذاء البغض

стр. 128

وخولهم حسن الوفاء وأهدوه سوء الغدر وأنزلهم من قلبه مرعى كريماً. وارتعوه من لؤمهم مراداً وخيماً فلا غرو أن كره الناس وحنق على البشر وأصبح يقذى طرفه بصورة الإنسان وعاد نسخة أخرى لذلك البطل الخيالي الذي ألف عليه شاكسبير إحدى مصنفاته تيمون اتينا وإنما الفرق بين بطل الشاعر الأكبر وبين أندرو ترفرتون تيمون لندن هو أن الأول فر من لؤم العالم إلى شاطئ البحر وفر الثاني إلى كوخ منفرد بعراء لندن. وإن تيمون اتينا نفث حنقه وغيظه في إبداع الشعر وقذف تيمون لندن مراجم غضبه نثراً. وسكن قرية قد احتجبت عن الدنيا بأسوار عالية وانقطعت عن العالم بحائلين: حائل من الطوب والحجارة وحائل من النفرة والقطيعة. وأشيع عنه أنه أصبح أبخل الناس يشح بالسحتوت والدانق وليس الأمر كذلك ولكنه كره كل ملذة وزهد في كل منعم ومترف فأصبح لا يعرف فيم ينفق المال وأين وإن كان في العالم رجل يبغض المال. بغض الداء العضال. ويرى رنين القطع الذهبية كرنين ناقوس المنية فذاك هو اندور نرفرتون. واتخذ خادماً يدعى شرول كان أشد نقمة منه على العالم وبغضاً للدنيا ومنع داره أن تمس تربها قدم آدمية وتزعزع هواءها نغمة انسية. وأرسل لحيته وليحة خادمه وكان حمل اللحية إذ ذاك يرى آية على الجنون ولو عاش ترفرتون اليوم لما وصمت اللحية عقله وألقت الريبة على لبه ولكنها كانت تشين ولا شك سمعته وتلوث اسمه وكنيته وليست أنكر أن آراءنا في موضوع اللحية قد ارتقت اليوم وتحسنت وإن كان ينتظر لها رقي فوق ذلك ومنزلة أسمى. أو يحسب أحدكم أنه يتأتى لأحد موظفي المصارف المالية أن يجمع في وقت واحد بين لحيته ووظيفته؟ وكانت عيشة هذا الرجل وخادمه أشبه ما يكون بعيشة الرجل المتوحش في أوائل الزمن وطفولة الدهر. وكان مذهب المستر ترفرتون أن يقلل ما استطاع من معوله في شؤون الحياة والعيشة على معونة الناس الذين إنما يدعون المعونة في نظره دعوى كاذبة ويتخذونها ذريعة إلى الأذى والغدر والخديعة وكذلك أستغني عن خدمة الخضري بقطعة من الأرض وراء داره زرعها خضرا وبقولا. ولو فسح له الله في تلك القطعة لاستغني عن الفلاح وزرع حنطته بيده. ولكنه إن أعياه الاستغناء عن الزارع فلم يعيه عن الطاحن والخابز. فاستحضر رحي وقسم العمل بينه وبين خادمه فأخذ الطحين وأعطي الخادم العجن

стр. 129

والخبز. وجريا على هذه السنة كان يجلب اللحم قطعاً ضخمة فيأكلون منها جديدة ما شاء أو يقددان الباقي برغم أنف كل جزار: بقرى وضاني. وأما الشراب فقد رشيا منه بنبيذ الشعير وكانا يصنعانه بأيديهما وبهذا الأسلوب استطاع ذانك الرجلان - راهبا العصور الحديثة - أن يعطيا العيشة كل حق ويحرما معظم الباعة والتجار كل درهم. وكان كل منهما منفصلاً في جميع أمره عن أخيه لكل منهما مائدته وكرسيه ومجلسه ومتبغه وعباءته وكانت المراجل والقدور والصحاف مشتركة بينهما. ولم يكن لهما مواعيد غذاء ولا بسط ولا زرابى ولا مناضد ولا أسرة ولا صناديق ولا أدنى شيء من تحف الدور وآلة الزينة ولا خادمات للغسل والتنظيف والتنظيم والتأليف وكان أحدهما إذا أراد أكلاً أو شرباً تناول رغيفه وأخذ فلذة من اللحم فطبخها ولف هذه بتلك ثم نظف ثغره وارتشف ثغر كاسه من غير أن ينبس لرفيقه ببنت شفة أو يوميء إليه بنظرة وإذا جرى بخاطر أحدهما أنه في حاجة إلى غسل قميصه (وذلك نادر جداً) قام بنفسه إلى الحوض فغسله. وإذا اكتشف أحدهما أن جانباً من الدار قد تراكمت أقذاره عمد إلى سجل من الماء ومكنسة ثم اندفع يغسله كأنه وجار كلب. وإذا أراد أحدهما النوم تلفف في عباءته ثم انطرح على أحد مقعديه ونال من النوم ما شاء فربما كان ذلك في أوليات الليل وربما كان في أخرياته سيان عنده ذلك وذلك. وإذا لم يكن هناك عمل من طحن أو خبز أو غرس أو طبخ أو غسل أو كنس. جلسا متقابلين يطويان رداء الزمن بالتدخين من غير أن يتبادلا لفظة واحدة أو يقرع مسمع أحدهما صوت أخيه. فإذا فتح الله عليهما بالكلام تشاتما وكان حديثهما حرب رهان ومعركة لجائزة ختامها السب الصريح والقذع الفاحش. فمثلهما في ذلك مثل المتلاكمين يبدآن بالمصافحة ثم لا يلبثان أن يتقارضا من اللكزات ما يذهب عن وجه كل منهما صورة آدم. وكان شرول المنصور في كل هذه المعارك لانطلاق لسانه مما تقيد به لسان سيده من أغلال الآداب وآثار التعليم المدرسي. ولقد كان شرول وإن حمل لقب الخدمة السيد الآمر الناهي. بفضل سبقه المبين لرئيسه في جميع ميادين السباب والفحش وفضله عليه في آلات الاغتصاب والعنف. إذ كان أطول لساناً وأجش صوتاً وأعظم لحية. وعندى أن أضمن العقوبات وقوعاً عقوبة التياه الفخور. وقد كان ترفرتون أسرع الناس إلى الفخر

стр. 130

باستقلاله فلما وافته العقوبة أتته في صورة بشرية اسمها شرول. نزل المستر ترفرتون من أعلى غرف الكوخ ذات صباح إلى غرفة بأسفل الدار مما يسميه المتمدينونمنظرة ولكنه بلا اسم عند هذين المتوحشين. نزل إلى أسفل الكوخ يحمل على وجهه أشنع صور السخط والنكد وفي عينيه أصرم نظرات الكره والحنق. وكان طول الغم والحزن والبغضاء والحقد والمقت قد أنضب ماء محياه وعرق لحم صدغيه. وأخلق ديباجتيه. وأغار عينيه. وسربل وجهه سفعة وشحوباً وطوح بهيئته وراء سنه بمراحل فخيل شيخاً بالياً وما طوى بعد مسافة الشباب. نزل إلى أرض الدار أشعث أغبر غير مغسول الوجه متلبد خصل اللحية في جلباب كتان وسخ يضطرب عليه من فرط السعة وقلة الإحكام كأنه الجوالق. فكان ذلك الرجل الشريف المحتد الناصع النسب نجل العلية الأمجاد. وسليل السادة الأجواد. يبدو كأنه خرج إلى العالم في أعماق السجون وجعل حرفته بيع الأطمار الخلقة والأسمال الرثاث. وكان مغلقاً فوق المدفئة بالموضع الذي تعلق فيه المرآة في دار متمدينة قطعة من فخذ شاة. وعلى المائدة رغيف خشن غليظ أسمر وفي ركن الغرفة راقود من نبيذ الشعير. يتدلى فوقه من مسمارين على الحائط قد حان من الخشب مثلمان مشققان وكان ملقى تحت التنور شباك شواء كأنما قد نبذ النواة عقب استعماله آخر مرة. فأخرج المستر ترفرتون من جيب جلبابه سكيناً وضراً فأخذ فلذة من اللحم ثم ألقى الشباك على النار وأنشأ يشوي طعامه. وما هو إلا أن قلب الفلذة على الجمر حتى فتح الباب ودخل شرول في فمه متبغه يحتثه سائق الجوع مثل سيده. وكان شرول قصيراً لحيماً رهل اللبات أصلع بطيناً. قد عوضه الله من ناصيته لحية وحفة كثيفة حقق الله في فرعها الجثلين السبطين البالغين ثندوتيه آمال زارعها وغارسها (هو السيد ترفرتون). وكان عليه (الخادم) رداء مزدوج الذيل أصابه في سوق الاطمار وقميص كأنه صفحة من تاريخ الأولين وأزار قد لبسه الدهر طفلاً. وجذاء لا عهد له باليرندج منذ نفض منه اليدين الصانع قد قلصت شفتاه حنقاً على البشر. بين محاجره جذوتان تتقدان: يدير حجاجاه إذا الليل جنه ... شهاب لظى يعشى له المتنور ولو أن مصوراً أراد وجهاً آدمياً قد جمع بين لوائح البطش والقوة والقحة والقبح والفظاظة

стр. 131

والغلظة والمكر والحيلة لما وجد أجمع لرغباته. وأوعى لطلباته من وجه المستر شرول. ولم تخطر بين الرجلين كلمة تحية ولا مر بينهما صوت السلام ولا شعاع البصر. ووقف شرول صامتاً مفكراً ينتظر نصيبه من النار ليطبخ طعامه. ولما فرغ السيد من شي فلذاته أتى بها المائدة وأخذ نصف الرغيف وشرع يأكل ولم بلع أول لقمة تنازل لأن ينظر في وجه شرول الذي كان إذ ذاك يجرد نصل سكينه ويدنو من فخذ الشاة المعلق بخطوات ثعلب وعيني ذئب. فقال ترفرتون وأشار إلى قميص شرول إشارة المندهش المنكر قبحك الله أتلبس قميصاً نظيفاً! فتصنع شرول الرقة وتكلف الظرف وأظهر أنه حمل كلام ترفرتون أحسن محمل فقال أنا إن لم ألبس لهذا اليوم قميصاً نظيفاً فلا لبسته أبداً. أما تدري يا سيدي أن هذا هو اليوم الذي تستأنف فيه عدد سنيك أبقاك الله لأمثاله بأكمل خير وعافية وعساك حسبت أني ربما نسيت يومك هذا؟ كلا. وما كنت لأفعل. ولو نسيت نفسي. أبقى لي الله وجهك الحسن الجميل ما عمرك اليوم يا سيدي؟ ألا في سبيل الله عهد طفولتك إذ أنت مشرق الديباجة غض الاهاب مكتنز التنين حاظي البضيع يتلألأ قمر محياك فتبدو نجوم ثغرك وإذ رداؤك ومئزرك قطعة واحدة وفي جيدك طوق زينة تغرد فيه كما سجع في طوقه الهزار. وإذ يحيى بك الأضياف كما يحيون بالريحان وتتهادى الشفاه خدك المنتقب بالشفق كما تتهادى خد الصهباء في نقاب الزجاج. وإذ بين شفتيك من قطعة الحلوى الحمراء شفة ثالثة وإذ ي يدك اللعبة وفي جيوبك البلى! في سبيل الله أو في سبيل الشيطان ذلك العهد وتلك العصور! ثم لا تخش على هذا القميص أن أبليه بكثرة اللبس فإني أريده ليوم جنازتك الذي قد حم أو كاد. أو ليس كذلك؟ فأجاب ترفرتون قائلاً: لا تخسر قميصاً نظيفاً من أجل جنازتي فما تركت لك في تركتي نصيباً ولا ذكرت اسمك في وصيتي. فمتى سير بي إلى القبر سر بك إلى ملجأ المساكين. فقال شرول متصنعاً شدة الاهتمام والعجب أو قد كتبت وصيتك يا سيدي معذرة أيها الهمام إذا قلت لك أني ما زلت أراك تذعر من هذا الأمر. فأصاب شرول بكلمته هذه موقع ألم من نفس سيده حتى قرع السيد المائدة ونظر إلى شرول

стр. 132

مغضباً. وقال: أذعر أن أكتب وصيتي أيها الأحمق! أنا لا أذعر من ذلك ولا من الحمام فاغراً فاه متلعاً جيده. بيد أني لم أكتب وصية قط وما كان ذاك من مذهبي. وكان قد فرغ شرول من غذائه وأخذ يصفر وعاود ترفرتون الكلام فقال بلى ليس من مذهبي أن أورث دانقاً من ثروتي رجلاً من البشر. فإن الأغنياء الذين يتركون وراءهم تراثاً للورثة هم زرعة الشر وغرسة السوء. وإذا كان لامرئ جذوة مروءة تلتهب في قلبه فأردت إخمادها فأورثه مالاً. أو رأيت شريراً فأحببت أن تزيد شره فأورثه مالاً أوشئت أن تجمع فئة يكون عملها الفساد وشأنها الفسق والفجور والنكر فأورثهم مالاً وسمه إمدادا خيريا. أو كان لك فتاة فوددت أن تزوج من شر الناس طرا فأورثها مالاً. أو أردت بالفتيان والشباب الداهية الدهياء فأورثهم مالاً أو سرك أن تترك الشيوخ مصايد لقاذورات الخليقة وحشرات الأنس وبغاث الناس وأراذلهم فأورثهم مالاً. وإذا أردت أن تقطع الرحم وتفصم عرى المودات وتجذم أسباب القرابات. وتترك حرباً عواناً بين الابن وأبيه. والأخ وأخيه. والصهر وحميه. ورب البيت وكل من فيه. فاترك لهم مالاً. اكتب وصيتي! تظن أن كراهتي للنوع قد بلغت كل هذا؟ كلا إني وإن كنت قد نزعت في قوس تلك الكراهة فإنه ما زال بعد في القوس منزع. وإن اك قد كرعت في كاس تلكم البغضاء نهلاً وعلا فما اشتففت بعد الصبابة. وما كنت مهما بلغ حنقي على أبناء آدم لأنزل بهم مثل ذلك البلاء! وهنا أخذ المستر ترفرتون الزق وملأ قدحاً فشربه. وأرث شرول النار وقلب عليها فلذة الضأن وضحك في خفية. فسمع ضحكة ترفرتون وقال مغضباً لمن ترى أيها السفيه أترك ثروتي؟ ألاخي وهو الذي يحسبني وحشاً ضارياً؟ أم لابنة أخي - القينة الممثلة شمعة المسارح ومحط أبصار الرجال؟ - تلك الابنة التي تشأت على كراهتي فإن لبست على الحداد أسود حالكاً لبس فؤادها السرور أبيض ناصعاً؟ أم لك أترك ثروتي يا أيها القرد في جلدة إنسان! أنت الذي لا تكاد تنفض يديك من تراب قبري حتى تبني حول ذهبي وفضتي مصرف مرابي شره يمتص دماء الناس مع أموالهم وينشب مخلبيه في الأرملة واليتيم والشقي والمنكوب ويترك

стр. 133

عباد الله يئنون من وطأة الدين تحت جبل راسي وحز مواسي على صحتك يا مستر شرول واعلم أن الذي من عليك بنعمة الضحك لم يدعني منها عطلا - ولاسيما حين يلهمني أن أخرجك من ثروتي صفر اليدين أو بخفي حنين. وهنا أخذ الغيظ يسري في أحشاء شرول وانكشفت تلك الدماثة التي تصنعها عندما دخل الغرفة عن حقيقة خلقه من القسوة الخشونة والجفاء ونضا صوته ما كان قد تنكر فيه من غلائل الرقة عن حقيقة تكوينه من الغلظة والشدة وقال وقد جلس إلى طعامه حسبك مزاحاً وهزلاً وأي فائدة هناك في تكلمك عن مالك كلاما لا يعمل به ولا يسري؟ فسوف يرثك فيه ولا شك الوارث. قال ترفرتون سأتركه لمن أجده للمال مبغضاً محتقراً فلا قبل للمال بإفساد خلقه. فقال شرول أعني تتركه لغير أحد. قال السيد بلى قد أعلم ذلك. قال شرول ملحاً ولكن ذلك لا يكون أبداً ولا بد للمال من وارث. قال ترفرتون أترى ذلك مستحيلاً؟ عجباً! ألست حراً أفعل بمالي ما أشاء؟ أليس يمكنني أن أحوله جميعاً أوراقاً مالية أشعلها ناراً قبل ممات فأخرج من الحياة أحمد الله الذي مهد لي أن أتركها وما تركت بها ما يزيد شرها شراً؟ - وحسبي من العزاء ذلك! نقلاً عن قصة السر الميت للقصصي الشهير ولكي كولنز

стр. 134

المستر دير أو منتهى الذهول كادح صديقي دير من طول صحبة الكتب يصير كتاباً ولقد بصرت به منذ أيام واقفاً إلى جنب وعاء فيه كتب وهو صامت ساكن لا حراك به فوددت والله لو حملته إلى مكان التجليد فجلدته في أنفس الجلد المسكوفى ووضعته في المكتبة إذن لازدانت به المكتبة وحسبه الناظر قاموس جونسون أو إحدى مجلدات دائرة المعارف. وهو كثير الذهاب إلى معاهد العلم يقضي كثيراً من زمنه في التردد بينها وبين نزل كليفورد حيث يقطن بين أشابه خبيثة من المحامين وكتبة المحاماة والسماسرة - أفاعي القانون وذئابه - كأنه الحمامة المخفوضة الجناح في عش الغربان وقد نجاه صمته وانقباضه من شر ذلك الخليط وأنزله بنجوة من مخالب القانون وبمأمن من ابره وحماته تهب من فوق رأسه زوابع القضاء فلا تضيره وماذا تنال الضائرات من رجل لو زلزلت الأرض حوله وقامت الساعة ما أحس وما شعر فكان سكان النزل يرونه صباح مساء ولا يخطر ببال أحد أن يمسه بسوء اللهم إلا إذا استطاع الإنسان أن يمس بالسوء معنى من المعاني قد جرد حتى من اللفظ والصوت. وارتاع صديقي دير عند ما طلعت عليه في دار الكتب وليس ارتياعه لبغت المقابلة أو لأنه لم يك يتوقع لقائي بمثل ذلك المكان بل لأنه أشد الناس ذهولاً والرجل الشديد الذهول يروعه كل ما يهيب بعقله من عوالم الخيال ويوقظه من غفلة الذهن ومن آيات ذهوله أنه قصد منذ أيام دار صديقنا في ميدان بدفورد ولما بلغ الدار علم من الخادم أن أهلها قد رحلوا إلى مصيفهم بالريف ثم سيق إلى غرفة الجلوس بالمداد والقلم فدون اسمه في دفتر الزوار وحي الخادم معلناً أسفه وغمه ومضى وما هي إلا ساعة أو اثنتان حتى عادت به تجولاته إلى جوار تلك الدار فذكر أهلها وطيب عيشهم واشتعل خياله بتلك الذكرى فعمد نحو الدار مرة أخرى من حيث لم يشعر أنه قد زارها منذ ساعتين وقال له الخادم ما كان قاله قبله من غياب الأسرة وأبدى هو من الأسف والغم ما أبداه قبل وطلب من المداد والقلم ما كان قد طلبه قبل وجيء بالكتاب الذي جيء به قبل وإنه ليضع شفتي القلم على خد الطرس ليكتب اسمه وإذا بنفس ذلك الاسم ينظر إليه نظر الساخر الضاحك! فأصابه من الرعب ما يصيبك

стр. 135

إذا باغتك شخص نفسك وفاجأك خيالك من غير مرآة وقد عاهد دير نفسه أن لا يسترسل في الذهول إلى هذا الحد وأملي أن لا يكلف نفسه مؤنة الوفاء بعهده. وذلك لأن غياب المستر دير عن نفسه إنما هو حضوره بين يدي الله فإذا مر بك وعيناه تلقاء وجهك فلم يرك ومضي في طريقه كأنه لم يعثر بإنسان فاعذره واعلم أنه في تلك الدقيقة بمحراب الله في بيت المقدس أو طائف يدور بأضرحة الأنبياء ومقابر الأولياء والشهداء أو ربما كان في هذه اللحظة مع أرواح الفلاسفة أفلاطون وأرسطو وهارنجتون يفكر فيما عسى يرفع أمتك وبني جنسك جميعاً في مرقاة التمدين والسعادة. وكان المستر دير بدأ أعماله بعد تدآب الدرس وجهد المذاكرة مدرساً مع ناظر مدرسة فظ غليظ القلب جامد الكف جعد الأنامل مظلم الجناب موحش الكنف لا تندى راحته ولا يبض حجره بمرتب شهري قدره ستون قرشاً خلاف الأكل والشرب والمسكن وما حدث قط أنه أخذ أكثر من نصف ذاك المرتب البخس مدة إقامته مع ذلك الناظر السافل الوغد وكان إذا أثخن الدهر في ثيابه وأطل الفقر من خروق سراويله لدى الركبتين ومن نوافذ ردائه عند المرفقين فاضطر برغم خجله واحتشامه إلى التعريض بذكر المرتب النزر تشاغل عنه الناظر اللئيم وتغافل حتى إذا قام بعد العشاء بين التلاميذ واعظاً وخطيباً لم ينس أن يذكر في عرض كلامه جملة عن فوائد الفقر ومزاياه ومضار المال وبلاياه خاتماً مقالته بقول الإنجيل اللهم اكف عبادك الصالحين شر الثراء ونقمة الطمع! وما يماثلها من الآيات والجمل - فكانت لسائر الطلبة حكماً وعظات وكانت لصاحبنا دير وصلا كاملاً بجميع المتأخر له لدى الناظر.

стр. 136

مطبوعات جديدة تاريخ حرب فرنسا مع ألمانيا أهدى إلينا الفاضل يوسف أفندي توما البستاني نسخة من كتاب بهذا العنوان فتصفحناه فوجدناه أوفى كتاب عربي لتلك الحرب المعروفة بحرب السبعين التي نشبت بين فرنسا وألمانيا سنة ١٨٧٠ وكان قد وضع تلك المقالات الممتعة الفاضل البحاثة جرجي أفندي يني الطرابلسي صاحب مجلة المباحث ونشرها تباعاً في مباحثه فنهض اليوم يوسف أفندي توما وجمع مفرقها وطبعها على حدة في سفر تبلغ صفحاته نيفاً ومائتين فحبذا لو أقبل عليه محبوا الاطلاع على أسباب تلك الحرب ونتائجها ووقائعها وقيمة الكتاب عشرة غروش مصرية عدا أجرة البريد ويوجد في مكتبة البيان وفي سائر المكاتب. ديوان القاياتي يوجد بين ظهرانينا الآن شعراء مجيدون لا يكادون يتخلفون عن أولئك الذين ملأوا الدنيا شهرة والله يعلم أن شهرتهم هذه إنما كانت على الأكثر من ناحية أنهم هم أنفسهم يتكالبون عليها ولا يدعون وسيلة يتوسلون بها إليها وليست الشهرة عند العاقلين دليل الفضل كما أن الخمول ليس دليل التخلف - ومن بين أولئك الشعراء المجيدين الذين لم ينالو من الشهر كفاء استحقاقهم الأديب الكريم السيد حسن القاياتي (بالقاف لا بالغين) أحد خريجي الأزهر والمنقطعين إلى الأدب - وقد أهدى إلينا أخيراً ديوان شعره فنظرنا فيه فوجدنا الشاعر كثير الغوص على المعاني غير غافل مع ذلك عن اللفظ وإلى القراء قطعاً مختلفة من شعره. من قصيدة وهو في الوصف: ثم تقدمت في توق ... كواطي صفحة اليماني أرى نجوم الظلام فيه ... شتى رقاع بطيلسان ومنها في الترام: يرمى بأشباحنا إليها ... جم التلوى كافعوان يسوقه قائد خفي ... كأنه الحب في الجنان ومنها:

стр. 137

مجلسنا مسرق أنيق ... حديثنا فيه ذو افتنان يضفو علينا بديع نبت ... ككلة رقشت لباني يخال والطير فيه شاد ... ستور خزٍ على قيان كأنما الورد في ذبول ... جفون سكرى من الغواني وفي وصف الساعة: ومضمرة لهذا الدهر بغضاً ... يزيد على الزمان ولا يبيد تعدد ساعه حقداً عليه ... كذلك يصنع الحنق الحقود وما تنفك عن أنات صبٍ ... أقام بصدره وجد شديد وإن أحشاؤها اضمرن سراً ... يشافهني به وجه ودود ينم على الذي تخفيه فيها ... كما نمت على الخجل الخدود ويفضي بالسرائر من حشاها ... لسان ذو براعات حديد فكانت مثل ذي ود حميد ... يفوز بسره أخٌ حميد وتقضي الليل تسبيحاً بحمدي ... ترن وكافروا نعم رقود ومن ثانية في وصف التصوير: سمت لك بعد النوى صورتي ... كما واصل المولع المولع بعثيت بها لا تريب الرقيب ... وليست كعهدك بي تجزع تناجيك وهي صموت اللسان ... بما يشتكيه الحشا الموجع كذى الحب كتمه جاهدا ... فأظهر تبريحه المدمع حكتني لديك كما تنظري ... ن مرآة معجبة تلمع هي الجسم أثأر منه الجفا ... خيالاً مرائيه يسترجع لقد طلب الدهر مثلي علا ... فأتعبه النادر المبدع فأطلع من صورتي حاكياً ... وأعجزه خلقي الأرفع شهدت على ربها أنه ... ليحكي يد الله إذ يبدع إذا شاء صور طيف الخيال ... على أنه مجفل مفزع ولو شاء صور سرى الذي ... تكن الضمائر أو تودع

стр. 138

وطبٌ بتصوير وحي العيون ... تشكو جوى الحب أو تضرع يكاد يمثل في صورتي ... خفوق فؤادي كما يسمع ويجلو عليك ندوب الفؤاد ... ونار حشاي التي تلذع ويجلوك ماثلة في الضمير ... يحنو على شخصك الموضع ومنها في وصف آلة التصوير وحاكية من صنيع الفرنج ... ة أبدع في صنعها المبدع أظل إذا زرتها ساكناً ... لديها وقوف الذي يخضع وتقبل مني طويل الخشوع ... قبول صلاة الذي يخشع أهابت بظلي فلبى الدعاء ... مطيعاً كما يؤمر الطيع يقيم بأحشائها كالجنين ... إذا حان مولده يوضع ومن ثانية في وصف الفنوغراف: إيه رفيقي والرفيق مساعد ... في الصدر هم قد أقام وخيما فأذن لمسمعه الغناء تداوه ... إن شئت أن يحي بأن تترنما أشتاقها فكأن فيها مغرما ... ذهبت حشاشته يطارح مغرما ومنها: تصغي إلى قول المحدث مثل من ... يصغى لسر جليسه متفهماً وتصونه في القلب نقشاً لا كمن ... يلفي بسر خدينه متبرماً فمتى ترد يكن الحديث مسيرا ... ومتى ترد يكن الحديث مكتما ليست تعاب إذا حكتك بكذبة ... أويكذب الرسل الكرام على السما نقل الهواء لها الغناء فأقبلت ... تقرى المسامع منه درا نظما كالنحل يجني النور غضاً يانعاً ... فيرده أريا يلذك مطعما تقريك صوتاً لست تبصر ربه ... كالمنشد المطراب حين تلثما تتلوها تلك الصحائف إبرة ... هي غادرتها كالكتاب منمنما فعل الوليد إذا تقري لوحه ... أوحى بأصبعه إليه ليحكما ومن أخرى في وصف التليفون:

стр. 139

رب بشرى قد ساقها لقلوب ... مقفرات من السرور يباب فكان كالريح إذ تحمل الطل ... ع إلى عاطل من الثمار العذاب قرب الموقف الذي أنت فيه ... للمكان القصي كل اقتراب فغدا كالهوى يضم قلوب إلا ... حباب ضماعلي نوى الأحباب ومن ثانية في وصف راقصة والردف منها ناهد ... مثل الكثيب الملبد يزيد أحياناً وتن ... هاه عن التزيد تقلب الأمواج ب ... ين رائح ومغتدى يتبعها في رقصها ... خفق فؤادي الموقد فنفسي مردداً ... كرقصها المردد وجمر قلبي موقداً ... كخدها المورد رفيقة المس فهل ... تكحل عين أرمد تلقى الثرى بأخمص ... ما قر بل لم يكد فهل تدوس منصلاً ... عضب الشبا لم يغمد وفي وصف الطيران والطيارات ولو كنت لاثام لم أحتمل ... صنيعه ما طار من جنده شهدت له طيرة أوشكت ... تريني المجرة من ورده تعالى فأية نفس هناك ... عثايا المباراة لم تفده ترى كل قلب يطيل الخفو ... ق كأيدي المصفق في حمده ألا ليت شعري ماذا ابتغي ... من النجم أو شاء من عنده رآنا نصوغ عقود الثنا - ء فود الدراري في عقده هذا ما وقع عليه النظر بعض ما عثر به الاختيار من ديوان السيد القاياتي فنحتث المتأديين على اقتنائه وثمنه خمسة قروش مصرية ويباع في مكتبة البيان.

стр. 140

العدد ٣ - بتاريخ: ٢١ - ١١ - ١٩١١

стр. 141

تاريخ الإسلام المقدمة الثانية في الأديان نحن الآن بمعرض تاريخ الإسلام بمعرض تاريخ الإسلام دين من الأديان وقد نبع بين أمة كانت تدين قبله بدين وكان لكل جيل من العالم وقتئذ دين كذلك فجاء الإسلام واشتهرها وسفه أحلام أهليها ومحاها كما يمحو النور الظلام فكان حقاً علينا لذلك أن نلم إلمامة بالأديان التي كانت معروفة قبل الإسلام ولاسيما ما كان منها ذائعاً في جزيرة العرب وما ضاقبها حتى نكون على بصيرة تامة بالحركة الدينية في تلك الأعصر ونعلم هل كان هناك حاجة إلى دين صحيح ينتاش أهل تلك الأوقات مما هم مرتطمون فيه ويهديهم إلى صراط مستقيم - وحتى يتجلى لنا كثير من تلك الاصطلاحات الدينية التي ورد ذكرها في القرآن الكريم وعلى لسان السيد الرسول ﵊ وفيما يمر بنا من التاريخ الإسلامي من مثل يهود ونصاري وصابئة ومجوس ومشركين ومن مثل بد وود وسواع ويغوث ويعوق ونسر وهبل ومن مثل بحيرة ووسيلة وحام إلى أمثال تلك الأسماء التي نجهل كثيراً من مسمياتها كما هي في الواقع وفي عرف الإسلام. إن الدين عند الله الإسلام وهو الذي أوصى به نوحاً وإبراهيم وموسى وعيسى وأوتي النبيون من ربهم وأوحي بعد ذلك إلى خاتم النبيين محمد بن عبد الله ﷺ . فدين الله واحد وإنما تتفاوت صوره وتتباين أشكاله بتباين استعدادات الأمم وما تمثله به أمزجتها وتكيفه به طبائعها وتدخله عليه من ضروب البدع وأفانين الأوهام. دين الله واحد وكذلك الحقيقة واحدة وإنما تتعدد ظواهرها بتعدد الأزياء التي تتزياً بها وكثرة ما تحلى به من صنوف الزخارف وأنواع الزينة (وإن كانت زينة كشينة) حتى تتوارى الحقيقة بالحجاب ولا يكون هناك إلا الزخرف والثياب. دين الله واحد لأن ينبوعه واحد - ينبوعه ذات الإله المقدسة وما الأنبياء والمرسلون إلا مبلغون عنها ما فيه صلاح الإنسان متضافرون على طريق هذا الصلاح لأنهم من عند الله الواحد لا من عند أنفسهم مرسلون. دين الله واحد وهل هو غير الفضيلة وكما الإنسان وأن يكون بحال من التقى والصلاح

стр. 142

تستدر عليه أخلاف السعادة وبلهنية العيش وتنفى عنه أكداره. ما هو الدين؟ هو كما أسلفنا وبعبارة أوجز وأجمع (الإسلام) وليس قولنا الإسلام كقولنا الإسلام والنصرانية واليهودية والمجوسية والصابئة والبوذية وما إلى ذلك وإنما هو كما جاء في القرآن الكريم وكما يشعر مدلول اللفظ أن تسلم وجهك لله وتخلص إليه التوحيد والعبادة وما يستتبع ذلك من الخلوص والتقى والصلاح وفعل الخير والتنكب عن الأذي والضير: فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن أتبعن وقل للذين اؤتوا الكتاب والأميين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ والله بصير بالعباد: لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون: ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه - والإسلام هكذا هو الدين الحنيف دين إبراهيم وموسى وعيسى وسائر النبيين بل هو دين الفطرة التي فطر الله الناس عليها: ﴿إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهرون وسليمان وآتينا داود زبوراً ورسلاً قد قصصناهم عليك من قبل ورسلاً لم نقصصهم عليك﴾ ﴿فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾. أما ما أصار الدين أدياناً وجعله فرقاً وألواناً وأوجد هذا الاختلاف المبين وذلك التعدد المشين فإنما هو ضيق الفكر الإنساني وما جبل عليه البشر من الطمع والأثرة وما يريده القائمون بأمر الدين لأنفسهم من الهيمنة والسلطان والاستبداد بالعقول وما يصيب العقول في بعض الأحايين من الانحطاط والوهن وما يتسرب إلى الأذهان من الأوهام والأفن حتى يستحيل كل ذلك على كر الغداة ومر العشى ديناً وما هو بدين. لذلك كانت هناك ملل ونحل ومذاهب وأديان: ولا يزالون مختلفين الأمن رحم ربك أسلفنا أن الدين عند الله الإسلام وأنه دين الفطرة التي فطر الله الناس عليها فكان من البديهة لذلك إن الدين وجد مع الإنسان إذ لا حياة للإنسان بلا دين كما لا حياة له بلا قلب - وجد الدين مع الإنسان الأول ولكن لا في تلك الصورة التي نعرفها نحن وإنما في صورة هي أبسط وأليق بعقل الإنسان الموحش القديم وللعلماء في ذلك أي في ما هو أول معبود للإنسان وما الذي دفعه إلى التدين آراء مضطربة ومذاهب متناقضة لصعوبة أن يعرف

стр. 143

المؤرخ ذلك معرفة يقين وأن يعلمه علماً ليس بالظن فمن قائل أن أول ما عبد الإنسان آباؤه وأجداده وذلك أنه لما رأى ريب المنون يتخطف من كانوا معه من أهليه وذوي قرباه ولم يدرك ما هنالك من بعث ونشور خاف موتاه ثم عبدهم - ومن ذاهب إلى أن الإنسان استهول قوي الكون وخافها فساقه خوفه إلى التماس آلهة يذهبون عنه الروح فجعل يعبدها في الأنهار والأشجار والشمس والقمر وسائر الكواكب وما إلى ذلك فأفرخ ذلك من روعه وسكن من خوفه - وقريب من هذا ما قاله آخرون من أن الإنسان لما أحس ضعف نفسه وضؤولته حيال هذا الوجود وضخامته حاول التماس المعونة فيما يعالج من شؤون الحياة فطفق يقدس ما يظنه الها أو ما فيه روح من عند الله ويتقرب بالقرابين والذبائح وكل ما يظنه مجتلباً رضاء الآلهة ومعونتهم - أما ما ذهب إليه أكثر النظار من المتقدمين والمتأخرين وكات تتفق عليه كلمتهم فهو هذا. فرض الفلاسفة أنه لو ولد إنسان في جوف الأرض فترك ثمت حتى بلغ أشده وكمل عقله ثم اخرج بغتة إلى ظاهر الأرض فإذا الشمس بارزة في موكب لألائها نهاراً وإذا الكوكب الوقاد قد طلع له ليلاً كأنه ماسة تلتهب بلألاء أبهر مما نرى نحن - نحن الذين حجبت الألحاد والكفريات - فيشرق الكوكب في نواحي نفس ذلك الإنسان كما يشررق في نواحي الأفق ويظهر كأنه مقلة في وجه السماء تنظر إليه من أعماق الأبدية وتنم له عن رونق السر الأزلي القديم - ألا ينظر هذا الموحش إلى هذا المنظر الباهر كما ينظر الشاعر وإن لم يقدر على القصيد ثم ينفذ بصره الثاقب إلى ما أودع الله ذاك المشهد من روعة الجلال فيخر له ساجداً. فهذا هو أصل غريزة الدين وهذا هو ما كان من الإنسان الموحش القديم حتى إذا دبت الأيام ودرجت الليالي وجاء اللاحق على أثر السابق وتلقي عنه دينه وتقاليده محرفة غير منظور فيها إلى اللب والجوهر كما هو الشأن في التقليد والمحاكاة وتلوثت فطرة الإنسان وضعف إدراكه ونمت فيه غريزة الطمع والأثرة أخذ هذا السر يتضاءل وذلك الشعور الفطري السليم يختفي وقامت الأصنام والتماثيل مقام هذه المخلوقات السماوية القدسية فإذ ذاك يرسل الله أناساً ذوي بصائر نافذة وقلوب ذكية ثاقبة يفطنون إلى انحراف الإنسان عن الجادة ويقيمونه على الطريق المتسقيم وهكذا أرسل الله الأنبياء والرسل تترى لئلا يكون

стр. 144

للناس على الله حجة بعد الرسل فمن الناس من استرسل في غوايته وتشبث بتقاليده وعادته ومنهم من أنار الله بصيرته وعرفه الحق فانتهج محجته ومنهم مذبذبون بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ومن هنا بقيت على الأرض أديان كثيرة وعاشت أدهاراً طويلة وقصيرة (متلو). ﴿وتلك الأيام نداولها بين الناس﴾ بالأمس كانت العرب تغزو إيطاليا وتفري في أحشائها واليوم تغزو إيطاليا بلاد العرب وتعالج امتلاكها وليس يعلم إلا الله ماذا تلده الليالي فربما غزى العرب إيطاليا كرة أخرى. (للبيان كلمة بهذا العنوان ألم فيها بما كان بالأمس من فتوحات العرب في إيطاليا وما يكون الآن من إيطاليا في بلاد العرب وكلمة في تقويم طرابلس وتاريخها وقد كانت النية أن تنشر في هذا العدد بيد أنه لم تتسع لها صفحاته فأرجأناها إلى العدد الخامس واجتزأنا بنشر خريطة طرابلس وبرقة في هذا العدد وكذلك أرجأنا موضوعات وفيرة كثيرة من بينها شذرات فلسفية وباب النقد والتقريظ وتدبير الصحة وأخبار العلم ومقالات مختلفة لكتاب كثيرين - أرجأنا كل ذلك للأعداد التالية).

стр. 145

فصول من كتاب الأبطال فصل من مقدمة الباب السادس الذي عقده كارليل للكلام عن كرومويل ونابوليون بونابرت وقد تعرض هنا مسائل خطيرة ومباحث معضلة يمنعنا من طروقها ضيق المجال. وإنما نذكر كلمة شبيهة بكلمة (بيرك) حيث يقول (إسناد القضاء إلى نخبة من القضاة يشتركون في إصدار الأحكام هو روح الحكومة) فكذلك نقول نحن أن خلاصة أعمال المجتمع الإنساني سواء سارت على طريق الخطأ أم على منهج السداد هو الاهتداء إلى أعقل رجال بلدك وأفضلهم وأحزمهم ثم تقليده الحكومة والسلطة وإعطاؤه الخضوع والطاعة حتى يستطيع بذلك أن يهدي الناس حسبما يلهمه عقله ويوحي إليه فؤاده وإنما إلى ذلك قصدت البرلمانات وخطبها ولوائح الإصلاح والثورات فرنسية وغير فرنسية. اهتد إلى أعقل رجال بلدك وأكفئهم وأرفعه إلى المكان الأعلى وبجله وأكبره تحرز لبلادك خير حكومة. وإنك إن تفعل هذا فقد بلغت المدى وكل شيء بعد ذلك فضول ولغو. فإن أعقل الرجل هو أيضاً أكرمهم وأبرهم وأرحمهم. وليس فوق نصحه نصح. وقول الإمام امام القول. وكل ما يأمرنا به فهو ولا شك أحكم وأليق وأعلى ما نستطيع أن نجده تحت قبة الفلك. وهو ما يجب علينا أن نأتمره ونصدع به مع الحمد والشكر! وتلك الحكومة هي الضالة المنشودة والغاية القصوى. أقول الغاية القصوى والله يعلم أن الغايات تبلغ بالأمل. ولا تنال بالفعل وللأماني جياد سابحات تسبق وفد الرياح يرسلها الفكر في مضمار الوهم فتطير بأجنحة الرجاء إلى كل غاية أبعد منالاً من الثريا فإذا طلبت تلك الغاية بافراس العمل في ميدان الحقائق قامت العقبات. واعترضت النوب والآفات وسقطت الجياد أثناء المضمار طلحاً أنضاء جسرى من الجهد والإعياء. دامية السنابك من الحفا مهزولة الأعطاف من الأين والوجى. وكذلك تبقى الغايات من طعمة المنى سخرة الواقع كالخيال في المرآة يبيح العين ما يمنع الكف. أو كالسماء وكل ما زينت به ... وكبعدها وكقربها من لاق وأنا وإن استحال علينا أن نبلغ الغايات. فحسبنا أن نأخذ في سمتها أو نقع منها على مسافة ترضي وتسر! ولا يفعل أحد من الناس ما نهى عنه الشاعر الألماني (شلر) إذ قال (المرء
следующие страницы →