Полный текст (3 596 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.
стр. 1156
يدخل إلى نفوسهم شيء من معنى الاستسلام والتواكل واعتقاد بالجبر غريب، وتطمئن نفوسهم إلى شيء من الذل، فإذا وجد صاحب سلطان قوي وجد منهم خضوعاًَ وطاعة، ولقد كان ذلك شأن الأمم في القرون الوسطى، واختلطت هذه الطاعة للسلطان بالطاعة لأوامر الدين حتى أصبحت تعتبر جزءاً من الدين وأصبح الملك مستمداً سلطته من الله.
ولهذا لم تكن برلمانات الزمن القديم وخصوصاً في فرنسا برلمانات تشريعية بل كانت هيئات قضائية تعرض عليها المسائل لتحكم هي فيها على حسب ما تأمر به القوانين التي وضعها ممثل السلطة العليا وهو الملك. وإن مراجعة تاريخ القرن الخامس عشر لتدلنا على أن الأمة لم تكن لتستدعى في شيء إلا في أوقات القحط والإفلاس حين كان يحس الملك من نفسه العجز المطلق عن الإحسان في الحكم. وظل الأمر كذلك إلى سنة ١٦١٤ ومن بعدها استبعدت الأمة من المناقشات إلى بزوغ فجر الثورة الفرنساوية.
أما إنكلترا فلم يكن الحال فيها على ما كان عليه في القارة ويظهر أن عزلة هذه الجزيرة عن باقي أوروبا كانت ولا تزال سبباً في إعطاء سكانها شخصية ثابتة معينة لا يجدها أهل أوروبا القريبة كل أمة فيها لتتأثر بما يقع في الأمم الأخرى. وهذا هو الذي يجعلنا نفسر إسراع الإنكليز على ما هو معروف عنهم من المحافظة ليهبوا إلى طلب الحرية قبل أن يجول ذلك بنفس أية أمة أخرى. ولكأنهم سرت إليه العدوى من نظامات الرومان القوية بعد أن ارتكست روما في درك الاستبداد وتورطت في حمأة الترف من جانب الأغنياء وفي رجس المذلة من جهة الفقراء فنبهت الإنكليز هذه العدوى ليقوموا مطالبين تحديد تصرف الملك المطلق. ولقد وصلوا فعلاً في عهد إدوارد الأول ليكونوا برلماناً تألف من مجلسين مجلس للنواب وآخر للوردات على نظام السناتو ومجلس الشعب. وكان مجلس اللوردات يومئذ صاحب الحول الأكبر. ثم توالت الأيام بعد ذلك حتى جاء شارل الأول وأراد أن يعبث بالنظام الحاضر ويستبد بالملك وادعى لنفسه الحق الإلهي في الحكم هنالك ثارت إنكلترا ثورتها الكبيرة التي ظهر فيها أوليفر كرومويل بمظهر الرجل المريد والتي انتهت بقطع رأس شارل الأول بعد أن أخذت منه عهدة بحقوق الأمة الإنكليزية.
وما كان أشبه هذه الحركة بما حصل في روما. تحزب الأشراف أول إلا مرضد الملك وتمكنوا بما لهم من السلطات على عامة اشعب أن يسثيروه معهم بإظهار مظالمه وإدعاء
стр. 1157
الميل للعدل. فلما ثار معهم وأسقطوا سلطة الملك قام من بينهم كرمويل مستبداً بالسلطة ممتهناً حقوق البرلمان ناسياً فضل الشعب. ولما كانت الحرية يومئذ لا تزال في مهدها لم تمتلئ بها النفوس لتكون بذلك على استعداد دائم لدفع كل معتد عليها ولما أن البلاد نالها جهد شديد من أثر هذه الحروب رضخت لسلطة هذا الرجل الذي كانت تعد فيه صديقاً لها. ومهما تكن فترة السكون هذه طبيعية كالتي تعقب كل رجة شديدة فإن ما لاش فيه أن نفوس الأغلبية يومئذ كانت لم تبلغ من التحفز إلى جهة الحرية درجة عليا. بل كانت آثار الحركة الدينية لا تزال ذات أثر مستقر في القلوب غطته حركة الثورة التي استثارها الظلم الشنيع فلما خفض من ذلك الظلم بعض الشيء ظهر ذلك الأثر من جديد وبانت للعالم نتائجه.
على أن إنكلترا لها بما نادت به يومئذ من الأفكار أكبر الفخر. فإنها كانت تنادي بالحرية السياسية من رق الملكية المطلقة في حين كانت أوروبا لا تزال تموج بالدماء من جراء الحروب الدينية التي قامت على أثر ما أعلنه لوثر وكلفني وأعوانهما من حركة الإصلاح الديني. وإذا كانت هذه الحركة نفسها وامتدادها إلى إنكلترا عن طرق كسوث وأخذ كرومويل وأعوانه بنصرتها مما ساعد إلى حد كبير على تحرير الأفكار من ربقة الوهم وتقويض ما دعمت به ملكية يومئذ وجودها من أساس الحق المقدس فإن تعدي الإنكليز نطاق الحركة الدينية البحتة وخروجهم بالفكرة إلى دائرة حياة البلاد السياسية أمر يستدعي الإعجاب. ومن ذلك اليوم ظلت إنكلترا تتقدم في طريق الحياة النيابية ويرتقي برلمانها على قواعد أرستقراطية متينة حتى وصل إلى النصف الأخير من القرن التاسع عشر. وفي هذا النصف ابتدأت المبادئ الديمقراطية تجد إليه مدخلاً. وذلك لأن إحساس الشعب خرج من المحافظة القديمة وهبت عليه من جهة القارة نسمات جديدة بعثت بها المبادئ التي أعلت الثورة الفرنساوية شأنها - مبادئ الحرية والإخاء والمساواة.
من هذا التطور الذي أوصل البرلمان الإنكليزي إلى موقفه الحاضر يظهر لنا أن جماعة الإنكليز ساروا على نظام التدرج المتتابع من حكم الفرد إلى حكم الأرستقراطية وهاهم يتقدمون إلى حكم الشعب بخطى واسعة. وكانوا في سيرهم يتأثرون بما يقع في الأمم الأخرى فيأخذونه إليهم ولكنه يدخل إلى جزيرتهم رويداً رويداً ويأخذ دائماً في دخوله الصبغة الإنكليزية. ولهذا كانت حركاتهم في التقدم من أيام كرومويل إلى اليوم دائمة الحياة
стр. 1158
ولكنها كذلك كانت دائمة الهدوء مالكة روعها هي أشبه شيء بحركات الرجل القوي العاقل مملوءة نشاطاً ومملوءة رزانة. ولسنا ندري إذا كانت إنكلترا ستقدر على أن تتخطى الأزمات الحاضرة التي هي فيها بمثل ذلك النشاط وتلك الرزانة المتين عرفهما لها التاريخ أو أن شيئاً جديداً دخل إلى جسمها وربما يغير من نظامه.
قدمنا أنه بينما كانت إنكلترا ثائرة ضد ظلم الملك كانت أوروبا مخضبة بدماء المجازر الدينية غير ملتفتة إلى سلطة الملك السياسية ولا مهتمة لها. وكان الملك هو كذلك متحزباً مع أهل مذهب علي أهل مذهب آخر. وكأنما فرغت الأمم يومئذ من كل همومها الدنيوية فانصرفت إلى هم الدين تريد أن ترتب ما يضمن لها سعادة الدارين وكأنها كانت دائمة الجزع للمستقبل الغير المعروف فتلهت بالنظر في أمره عن النظر في أمور دنياها. واستفاد الملوك طبعاً من ذلك المركز وتعززت سلطتهم المطلقة ووجد استبدادهم المجال فسيحاً ليظهر بأقسى مظاهره. لذلك كانت الحركة النيابية معدومة أو تكاد ولم تهتم حكومات ذلك الوقت بالالتجاء إلى رأي المجموع الأسني القحط والضنك. وساعد على بقاء هذا الاستبداد الملكي أن جماعة الأشراف كانوا هم الآخرون في مركز ملوط يحكمون اقطاعاتهم الواسعة بمثل الاستبداد الذي يحكم به الملك الأمة. لهذا ولأن الشعوب كانت لا تزال مرتكسة في الجهالة ولأن الإحساس بالحرية لم يكن وجد في النفوس السبيل بقيت الفكرة النيابية غريبة عن أوروبا كل تلك العصور الوسطى.
لكن تلك الحال لم يكن من شأنها أن تدوم. فإن سلطة الملك وصلت إلى حد من الاستفحال غير معقول، كما أن الحركات الدينية هدأت بعد القرن السادس عشر وفكر الناس في الحياة المطمئنة. وابتدأت الحركة الاقتصادية تنمو على أثر هذا الهدوء وتزيد في فخامة سلطان الملك. ولقد كان أكبر ملوك القرن السابع عشرة لويس الرابع عشر ملك فرنسا. فلما رأى عظمة سلطانه وامتداد ملكه وأبهة جلاله أفسح لنفسه مجال الترف وضم الأشراف إلى جانبه فتركوا مقاطعاتهم واستحبوا القربى منه وتوسلوا بالزلفى إليه وإلى محظياته لينالوا عطفه ورضاه. تركوا مقاطعاتهم ونزلوا فرساليا حيث قصره الفخيم وتركوا بذلك لمن دونهم من أصحاب الأطماع وعشاق السلطة أن يبث في الناس روح الحزبية ضد هؤلاء الملوك الجزئيين. وتعاون هذا الداء مع الأدواء الأخرى التي تلزم الاستبداد حتى يتسع ملك
стр. 1159
سلطانه. كما ابتدأ الاتصال الذي أوجدته ضرورات الوقت الاقتصادية بين القارة وإنكلترا ينقل إلى أمم أوروبا صور الأفكار والنظامات الإنكليزية ويبعث إلى النفوس شيئاً من معنى الاعتداد بذاتها وطلب الاعتراف بوجود شخص لها وبالتالي الملال من هذا الحكم المستبد الجائر. وتعاونت الأسباب الداخلية والخارجية وابتدأت تظهر على النظامات الاستبدادية علائم القلق والاضطراب.
وساعد على ظهور نتيجة هذه الأسباب كلها أن الملك العظيم لويس الرابع عشر كان قد أغرق في الاستدانة ليستزيد إلى حد الخيال من ملاذ الترف ويزيد ما أمكن في أبهة ملكه وجلاله. ونتيجة الاستدانة في البلاد المحكومة بالاستبداد زيادة الضرائب إلى حد يجهد أهلها. ومتى كان ذلك أحس هؤلاء الأهالي بالضغط وابتدأوا يضجرون من الحكم وينادون ضده. وذلك هو ما حصل. وهذا الضجر شجع الأسباب الأولى على أن تنتج نتائجها. وكان ذلك كله أساس الثورة الفرنساوية.
بعد حكم لويس الرابع عشر وفي مبتدأ ظهور نتائجه ابتدأت عدوى النظامات الإنكليزية تنتقل للقارة بشكل واضح. وكانت هذه النظامات قد بلغت يومئذ في رقبها مقاماً محموداً. استتب النظام النيابي على قواعد أرستقراطية ثابتة وقامت حكومة أبوية تلحظ الشعب بعين الرعاية كما يراقبها الشعب وهو يقظ لما تعمل مستعد للتمسك بحقوقه عند الحاجة. وانتقلت هذه العدوى من طريق المكاتبة الخاصة بين الأفراد أولاً ثم من طريق الملاحظة العامة والنشر. ولقد تشبع بمبادئها جماعة غير قليلين من كتاب فرنسا في القرن الثامن عشر وأكبر هؤلاء مونتيسكيو وبمجموع الملاحظات التي عمل وضع كتابه روح الشرائع، ضمنه نظام الحكومات وقرر فيه قاعدة فصل السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية وظهر مع كتابه عدد من الكتب الأخرى أخذت منه بعض الشيء وأظهرت ملاحظات أصحابها كذلك في القسم الأكبر منها. ومن أهم تلك الكتب وأكثرها أثراًَ كتاب العقد الاجتماعي الذي وضعه جان جاك روسو، وإذا كان المقام الآن لا يسع تقرير المبادئ التي وصفوا فإن نتيجة ما كتبوا تهمنا هنا جداً. ذلك بأنها قررت بشكل صريح وواضح معنى الحرية على معنى ما نفهمها به الآن. إطلاق قوى كل فرد في حدود الإضرار بالغير.
ولقد كان روسو أظهر أثراً من مونتسكيو لأنه كان من عامة الشعب وكان ذا روح مملوءة
стр. 1160
ثورة وخروجاً على قواعد جمعية يومئذ وكان ذا أسلوب في الكتابة مملوء لوناً وقوة. أما مونتسكيو فكان من طائفة الأشراف كما كان ذا أسلوب علمي هادئ. لهذا لقيت كتابات روسو رواجاً وانتشاراً، وزادها رواجاً أنها لقيت من جانب الحكومة معارضة شديدة. كما أن نظام جمعية القرن الثامن عشر الذي قام على أنقاض نظام جمعية لويس الرابع عشر من وجود صالونات العائلات الكبيرة واجتماع الكتاب والعلماء في هذه الصالونات زاد أفكار روسو انتشاراً وجعل خطابه عن عدم المساواة وآرائه في الحرية وثورته ضد الملكية والأشراف مضغة في الأفواه وموضعاً للنقد وللتحبيذ من جانب فولتير ودلمبير وعدد كبير غيرهم.
ولقيت هذه الروح الثورية أرضاً مستعدة لاستقبالها لما ترك القرن السابع عشر بعده من الآثار التي قدمنا ذكرها. وما كادت الأسباب تتهيأ حتى قامت الثورة الكبرى في فرنسا طاحنة شنيعة تنادي بأجمل المبادئ فأسقطت الملك والأشراف وأقامت حكومة الشعب بأكمل معانيها. فلم يك شيء يتم إلا بالانتخاب ولم يك مرجع إلا صوت الأمة. ونقشت كلمات الحرية والإخاء والمساواة في كل مكان واحتلت من القلوب حباتها. وازداد حدب الناس على هذه الحقوق إلى حد مخيف وصاروا يخشون عليها كل موضع ظنه. ولا يعرفون إلى إعلائها سبيلاً إلا بالقتل وإراقة الدماء.
هذه النفوس الملتهبة الشيقة للعظمة والحرية قضت على حرية أشخاص كثيرين وعلى حياتهم أشبه بسيطة ومقابل ذلك كانت ترفع من تعتقد فيه الإخلاص لها والصدق في العمل إلى مقام الملوك وانتهت بأن رضيت أعظم رجالها ملكاً عليها وأسلمته مفاتيح الحكم،. ذلك الرجل هو نابليون. وقام هو مخوفاً مستبداً دائساً تحت قدمه معاني الحرية طامعاً في الإمبراطورية العظيمة - إمبراطورية العالم أجمع.
وأنتج عصره من المبادئ والآراء مالا يزال الأكثر منه خالداً تشخص له الأبصار معجبة مقدسة. ولكن هذه المبادئ جميعاً تلاشت في حكمه وفنيت أمام عظمة سلطانه وهمدت الحرية بعدما أحدثت رجتها الهائلة وبعد أن انتشرت مع الجيوش الفرنسوية في أنحاء أوروبا. لكن هذا الهمود كان وقتياً. ولم تمض بعد نابليون إلا سنين قلائل حتى ثارت فرنسا من جديد محتجة على اغتصاب حقوق نالتها بثمن غال من الدماء والأرواح وكان ذلك في
стр. 1161
سنة ١٨٤٨. وسرت عدوى هذه الثورة إلى أنحاء أوروبا وحركت من نفوس أهلها جميعاً وظهرت بذلك حقوق الأمم واضحة قوية وقامت الديمقراطية تأخذ المكان الأول وأصبحت حقوق الشعب مقدسة لا تمس لا استثارات أصحابها، وإلا ردت الغاصب على عقبه.
ـ ٥ ـ
لما ابتدأت فرنسا فتوحاتها من بعد الثورة الفرنساوية على يد نابليون كانت مصر من بين البلاد التي توجهت إليها أنظار ساسة ذلك العصر. فجاءها نابليون بجيشه وبطائفة من علماء بلاده معه. ولما نزلوها أرادوا أن يقيموا شيئاً من آثار مبادئ الثورة الفرنساوية بين ربوعها فألفوا مجلساً يمثل طوائف الأمة المختلفة وينظر في أمورها الداخلية. ولاشك أن إيجاد هذا المجلس يعد من باب حسن السياسة في الاستعمار فإن حكم الأمم أمر غير يسير لتباين ما بين المستعمر والمغلوب من الأخلاق واللغة والعقائد. فلأجل أن يكون هذا الحكم على شكل غير مشوش يجب أن يستعين الحاكم الغالب بجماعة من بين المغلوبين ليرشدوه إلى طريق السلطة على أهل بلادهم. وتؤلف هذه الجماعة طبعاً على النظام الذي يفهمه ذلك الحاكم في بلاده. لذلك ألف نابليون ومن معه هذا المجلس الجامع لمختلف الطوائف في مصر. ألفوه في حين كانت البلاد أبعد ما يكون عن الإحساس بالحاجة إليه لطول ما توالى عليها من ظلم الأتراك والمماليك. لذلك ما لبثوا أن انجلوا عنها حتى انحل عقد المجلس ورجع الحال إلى نصابه القديم.
ولطول ما ألف الناس الخضوع لم يفكر أحد في اغتنام فرصة وجود الفرنساويين وجلائهم ليسعي في إدخال فكرة الاستقلال إلى البلاد. بل لقد استقبل محمد علي ومن معه بصفتهم مبعوثي الباب العالي على الرحب والسعة. وبوصول هذه البعثة العثمانية أبدأ عصر الدسائس فجاهد جماعة المماليك من ناحية ومحمد علي من ناحية ليكسبوا عطف العلماء وبالتالي عطف الأمة. ولم يجل بخاطر أحد من أهل تلك الأمة أن يلقي دلوه في الدلاء وأن يدس مع الدساسين ويرمى بمطمعه إلى ما كان يرمي إليه أحد الفريقين وكأنما صدقت في مصر يومئذ نظرية أفلاطون من أن هناك قوماً خلقوا ليحكموا وجماعة خلقوا ليكونوا محكومين. وانتهت هذه الدسائس بولاية محمد علي برضي العلماء وبمذبحة المماليك وأرسل محمد علي إلى السلطان يخبره أن عبيد الباب العالي قبلوه ملكاً عليهم. ورأت
стр. 1162
حكومة تركيا أن لا مناص من الاعتراف برأي جماعة العلماء فأقرته في الملك واستتب له الأمر وحكم على أرقى نظامات الاستبداد فجعل الأرض كلها ملك الحكومة وما على الأرض من بني آدم ونعم يتبعها طبعاً. وتمكن بذكائه المفرط وحسن حظه وبمعونة من استوفدهم من أوروبا ليعينوه بعلمهم في حكم ملكه الجديد من توسيع ذلك الملك وإعلاء شأنه. وعلى الرغم من نظام الاحتكار الذي أوجده فقد تسني له من طريق المجهودات الصناعية التي أدخلها أن يبعث إلى البلاد حياة وحركة اقتصادية لم تكن تعرف من قبل. وعلى العموم كان حكمه حكم المستبد الذكي ولم تكن الأمة تعرف لنفسها أي حق.
وولى من بعده إبراهيم وعباس وسعيد ولم تكن ولايتهم ذات شأن إلا فيما يتعلق باتفاق سعيد مع المسيو دلسبس على إنشاء قناة السويبس. ثم جاء إسماعيل بأفكاره الجميلة التي أراد البلاد عليها. فلما لم تتمكن من السير معه تركها وجعل هو يعمل ما يخيل له أنه حسن. وأحاط به جماعة أقاموا أنفسهم مشيرين له. ولقد كانوا أغلب الأمر ذوي أطماع شرهة أكثر من أن يكونوا مخلصين محبين للمصلحة العامة. فزينوا لإسماعيل أن يتوسع في أعماله مكبرين له ثروة البلاد على مقياس لو دقق هو في ملاحظته لعلم أن فيه من الغلو والإغراق مالا مثيل له. وتوسع في الأعمال وتوسع على أثر ذلك في الاستدانة وأثقلت الحكومة الأمة بالضرائب. والشعب المصري هو دائماً ذلك الشعب الهادئ المستسلم الكثير الاحتمال. فلما زاد الدين عن النصاب الممكن لحال البلاد الاقتصادية على ما كانت عليه من الفوضى يومئذ أن تقوم بسداده علت ضجة الدائنين من الأوروبيين في سنة ١٨٧٥ وطلبوا من أممهم التداخل. هنالك فكر إسماعيل في أن يلجأ إلى أمته هو الآخر وأن يؤلف من بين أهلها مجلساً يعرضه لأورا ويتقى به خطر النقد المر لشخصه. فألف مجلس شورى النواب وجعله يجتمع ليصادق على أعمال المليك المطاع الكلمة. ولم يكن هذا المجلس إلا شورياً بحتاً فقد كان على حسب نص لائحته إلا في الأمور التي ترى الحكومة أنها من خصائصه فيدرسها ويبدي رأيه فيها للحضرة الخديوية فينظر فيه المجلس الخصوصي وتتذاكر فيه الأقلام والقومسيونات ثم يعاد إلى مجلس الشورى ويرجع أخيراً إلى الجناب الخديوي وهو صاحب الأمر فيه، فإذا كان الجناب الخديوي على ثقة من أن هذا المجلس سيوافق دائماً رغباته ويقر أوامره ويرى رأيه فإنه يحفظ لنفسه الحق في أن يكون له الأمر الأخير حتى
стр. 1163
إذا صادف من باب الاستثناء أن خرج المجلس على أمره كان خروجه عبثاً غير مطاع.
وأدرع إسماعيل بالمجلس ضد تداخل أوروبا وحاربها به زمناً لكن قناصل الدول الأوروبية كانوا يعتدون أن هذا المجلس صورة عملها إسماعيل لخدمته لا تجيب شيئاً من أطماع الأمة التي كانت في نظرهم دائمة الأنين من عمل الخديو ودائمة الطاعة لكل متسلط لذلك استمروا في محاربة إسماعيل حربهم الشعواء والتجأ هو في سنة ١٨٧٨ لتأليف الوزارة النسئولة التي ضمت بين وزارتها أوروبيين هما المستر ريفرس ولسن والمسيو دبلتير والتي كانت عليه أكثر مما كانت له. ومن الأسف أن الأمة كانت أبعد ما يكون عن أن تفكر في كل هذه الحركات السياسية بل كانت تعتقد بسلطان الخديو المطلق اعتقادها بسلطان القوى السماوية وترى أن أسلم الطرق عاقبة التسليم له بكل ما يطلب وطلب رضاه دائماً. ومهما يكن من جهاد إسماعيل للاستنجاد بها في هذه المدة الأخيرة فإن أخلاق الضعف والخوف لم تكن تسمح لها بنصرته مع أن موقفه كان ادعي ما يكون للنصرة. واستحسن هو ذلك منها فلم يلجأ لمعاكسة أوروبا إلا بمسائل شكلية نظرية صرفة وبمجلس شورى النواب الذي لم يكن ذا حول مطلقاً فلما بلغت معاكسة أوروبا حداً قصياً لجأ إلى الباب العالي بطلب نجدته. فأجاب الباب العالي طلبه بأن عزله وولى مكانه ابنه توفيق.
وكان توفيق أميراً مستقيماً حسن المقاصد كامل الأخلاق مقتصداً لكنه كان لا يستطيع أن يتصرف في المركز العسير الذي وجد فيه (ريسنييه، مسألة مصر ص١٧٩) لذلك لم تلبث حركات القلق وعدم الرضى عن حال الحكم إن ظهرت بعد أن كانت مستترة خائفة في حكم إسماعيل. وابتدأت الفتنة العسكرية في سنة ١٨٨٠ وكبرت رويداً رويداً حتى صارت الثورة العرابية. وتحت هذا الاسم طالب رؤساؤها حاكم البلاد بأن يسلم الأمة مفاتيح الحكم ويشرع لها مجلساً نيابياً كامل السلطة، وكبرت هذه الفكرة وامتدت وتألف حولها حزب وطني يناصرها. وأقرها توفيق ووضع لمصر برلماناً نيابياً بالمعنى الكامل وحسب القائمون بالحركة أنهم وصلوا إلى كثير مما يبتغون وانتظروا اجتماع مجلسهم وحياته الطويلة التي أملوا أن تبعث للبلاد إحساساً كاملاً بمعنى الحرية وحباً متناهياً لها يقتضى الاستماتة في الدفاع عنها. لكن آمالهم مع الأسف لم تلبث أن انكسفت أمام حوادث الثورة وهزيمة العرابيين في التل الكبير وبدأ احتلال الإنكليز للبلاد في سنة ١٨٨٢.
стр. 1164
ولما هدأت الثورة أوفد إنكلترا اللورد دفرن سفيرها في الآستانة يومئذ ليدرس أحوال البلاد وليضع لها نظاماً حكومياً. ولم يلبث دفرين أن قدم تقريراً طويلاً حكم فيه بموت مجلس النواب الذي عقد في سنة ١٨٨١ وبإحياء النظام الذي انقضى أجله صيف سنة ١٩١٣ والذي كان مؤلفاً من مجالس المديريات ومن مجلس شورى القوانين والجمعية العمومية. ولم يكن رأي أي من هذه المجالس قطعياً في أية مسألة من المسائل. بل وضعت أولاً للغرض الذي وضع له المجلس الذي عقده الفرنساويون سنة ١٨٩٨ أي لمساعدة الحكام في الحكم وثانياً لتكون صورة تحركها الحكومة على ما تحب وتجد من هذه الحركات ما تلهي به أنظار المتطلعين من أنصار الإنسانية من أهل أوروبا.
وفي هذه السنين ابتدأت الصحافة تنتشر في مصر وتذكر الناس بالحرية وتعلمهم معانيها وقام من بين من قصدوا للصحافة أو كتبوا فيها رجال نوابغ هزت كلماتهم البلاد وأدخلت إلى نفوسنا الميتة شيئاً من الإحساس بالحياة وشوقاً وتطلعاً للحرية. وساعدت الحوادث هؤلاء الرجال ونما بذلك هذا الإحساس وطالبت البلاد مطالبة هادئة بأن تشترك مع الحكومة في الحكم وأن تكون ذات رأي قطعي فيه. وأسمع المتكلمون حكومة مصر وحكومات العالم المتمدين صوت هذه الأمة. وعلى أثر كل هذه المجهودات فكرت القوى الحاكمة في أن تجيب هذا النداء وكان أثر هذا التفكير القانون النظامي الحاضر الذي أنشأ الجمعية التشريعية.
اهتمت الأمة لهذا القانون قدر ما يستحق وكان كل اهتمامها موجهاً لانتخاب الأكفاء من الرجال. وفعلاً انتخب جماعة ذووا كفاءة عالية وعقل راجح وصوت مسموع ترجو أن يبعثوا إلى أمتنا من روحهم ما تزداد معه شوقاً للحرية وتلهفاً على جهتها وأن يسيروا وإياها إلى الحكم الديمقراطي الكامل.
إلى هنا انتهينا من مر النظر سريعاً على تطور النظامات النيابية من جهة تكوين معنى الحرية على مختلف العصور وفي مختلف الأمم بالقدر الذي يسمح ليكون مقدمة لما سيكتبه البيان عن حياة النواب الذين شرفوا كرامى الجمعية التشريعية. // محمد حسين هيكل
стр. 1165
صفحة من سيرة عمر
كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ مثال الإمام العادل. فقد كان تقياً زاهداً ورعاً وقد كان شديد السياسة لا يحابى أحداً ولا يراقب شريفاً مشروفاً. وقد كان يلين في موضع اللين ويقسو في موطن القسوة. وكان جريئاً في التشريع ومن ذا الذي يفهم أسرار الشريعة الإسلامية أكثر من عمر، وهو الذي جعل الطلاق الثلاث في لفظ واحد طلاقاً باتاً بعدما كان كالطلقة الواحدة في عهد الرسول ﷺ وعهد أبي بكر بالصديق وصدر من خلافته. وهو الذي أمر بقطع الشجرة التي بويع رسول الله تحتها بيعة الرضوان في عمرة الحديبية لأن المسلمين بعد وفاة النبي كانوا يجيئونها فيصلون فيقيلون تحتها فلما تكرر ذلك أوعدهم عمر فيها ثم أمر بها فقطعت. وقال المغيرة بن سويد خرجنا مع عمر في حجة حجها فقرأ بنا في الفجر ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ولإ يلاف قريش فلما فرغ رأى الناس يبادرون إلى مسجد هناك فقال ما بالهم قالوا مسجد صلى فيه النبي والناس يبادرون إليه فناداهم فقال هكذا هلك من كان قبلكم اتخذوا آثار أنبيائهم بيعاً من عرضت له صلاة في هذا المسجد فليصل ومن لم تعرض له صلاة فليمض - ونحن ذاكرون هنا طرفاً من نوادر هذا الإمام العظيم لعل فيها عبرة لمن اعتبر.
روي الزبير بن بكار قال لما قلد عمر عمرو بن العاص مصر بلغه أنه قد صار له مال عظيم من ناطق وصامت فكتب إليه: أما بعد فقد ظهر لي من مالك ما لم يكن في رزقك ولا كان لك مال قبل أن استعملك فأني لك هذا فو الله لو لم يهمني في ذات الله إلا من اختان في مال الله لكثر همي وانتثر أمري ولقد كان عندي من المهاجرين الأولين من هو خير منك ولكن قلدتك فاكتب إلي من أين لك هذا المال وعجل، فكتب إليه عمرو: أما بعد فقد فهمت كتاب أمير المؤمنين فأما ما ظهر لي من مال فأنا قدمنا بلاداً رخيصة الأسعار كثيرة الغزو فجعلنا ما أصابنا في الفضول التي اتصل بأمير المؤمنين نبؤها ووالله لو كانت خيانتك حلالاً ما خنتك وقد أئتمنتني فإن لنا إحساباً إذا رجعنا أليها أغنتنا عن خيانتك وذكرت أن عندك من المهاجرين الأولين من هو خير مني فإذا كان ذاك فو الله ما دققت لك يا أمير المؤمنين باباً ولا فتحت له قفلاً فكتب إليه عمر: أما بعد فأني لست من تسطيرك الكتاب وتشقيقك الكلام في شيء ولكنكم معشر الأمراء قعدتم على عيون الأموال ولن تعدموا عذراً وإنما تأكلون النار وتتعجلون العسار وقد وجهت إليك محمد بن مسلمة فسلم إليه شطر مالك
стр. 1166
فلما قدم محمد صنع له عمرو طعاماً ودعاه فلم يأكل وقال هذه تقدمة الشر لو جئتني بطعام الضيف أكلت فتح عني طعامك وأحضر لي مالك فأحضره فأخذ شطره فلما رأي عمر وكثرة ما أخذ منه قال لعن الله زماناً صرت فيه عاملاً لعمر والله لقد رأيت عمر وأباه على كل واحد منهما عباءة قطوانية لا تجاوز مأبض ركبتيه وعلى عنقه حزمة حطب، والعاص بن وائل في مزررات الديباج فقال محمد أيها يا عمرو فعمر والله خير منك وأما أبوك وأبوه فإنهما في النار. ولولا الإسلام لألقيت معتلفا شاة يسرك غزرها ويسوءك بكؤها قال صدقت فاكتم على قال أفعل.
قال الربيع بن زياد الحارث كنت عاملاً لأبي موسى الأشعرى على البحرين فكتب إليه عمر بالقدوم عليه هو وعماله وأن يستخلفوا جميعاً فلما قدمنا المدينة أتيت يرفا حاجب عمر فقلت يا يزفا مسترشد وابن سبيل أي الهيأت أحب إلى أمير المؤمنين أن يرى فيها عماله فأومأ إلى بالخشونة فاتخذت خفين. مطرقين ولبست جبة صوف ولنت عمامتي على رأسي ثم دخلنا على عمر فصفنا بين يديه فصعد بصره فينا وصوب فلم تأخذ عينه أحداً غيري فدعاني فقال من أنت قلت الربيع بن زياد الحارث قال ما تتولى من أعمالنا قلت البحرين قال كم ترزق قلت ألفا قال كثير فما تصنع به قلت أنفوت منه شيئاً وأعود بباقية على أقارب لي فما فضل منهم فعلى فقراء المسلمين قال لا بأس ارجع إلى موضعك فرجعت إلى موضعي من الصف فصعد فينا وصوب فلم تقع عينه إلا على فدعاني فقال كم سنك قلت خمس وأربعون فقال الآن حيث استحكمت ثم دعا بالطعام وأصحابي حديث عهدهم بلين العيش وقد تجوعت له فأتى بخبز يابس وإكسار بعير فجعل أصحابي يعانون ذلك وجعلت آكل فأجيد وأنا أنظر إليه وهو يلحظني من بينهم ثم سبقت مني كلمة تمنيت لها أنى سخت في الأرض فقلت يا أمير المؤمنين إن الناس يحتاجون إلى صلاحك فلو عمدت إلى طعام ألين من هذا فزجرني ثم قال كيف فقلت يا أمير المؤمنين أن تنظر إلى قوتك من الطحين فيخبز قبل إرادتك إياه بيوم ويطبخ لك اللحم كذلك فتؤتى بالخبز ليناً وباللحم غريضاً فسكن من غربه فقال أههنا عرب قلت نعم فقال يا ربيع إنا لو نشاء إلانا هذه الرحاب من صلائق وسبايك وصناب ولكن رأيت الله نعى على قوم شهواتهم فقال أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا ثم أمر أبا موسى بإقراري وأن يستبدل بأصحابيث.
стр. 1167
وكان عمر ﵁ يعس بالليل فسمع صوت رجل وامرأة في بيت فارتاب فتسلق الحائط فوجد امرأة ورجلاً وعندهما زق خمر فقال يا عدو الله أكنت ترى أن الله يسترك وأنت على معصيته قال يا أمير المؤمنين إن كنت أخطأت فقد أخطأت في ثلاث قال الله تعالى ولا تجسسوا وقد تجسست وقال وأتو البيوت من أبوابها وقد تسورت وقال إذا دخلتم بيوتاً فسلموا وما سلمت.
ذكر عمرو بن العاص يوماً عمر فترحم عليه وقال ما رأيت أحداً أتقى منه ولا أعمل بالحق منه لا يبالي على من وقع الحق من ولد أو والد أني لفي منزلي بمصر ضحى إذ أتاني آت فقال قدم عبد الله وعبد الرحمن ابنا عمر غازيين فقلت أين نزلاً قال في موضع كذا لأقصى مصر وقد كان عمر كتب إلى إياك وأن يقدم عليك أحد من أهل بيتي فتجيزه أو تحبوه بأمر لا تصنعه بغيره فافعل بك ما أنت أهله فضقت ذرعاً بقدومهما ولا أستطيع أن أهدى لهما ولا أن آتيهما في منزلهما خوفاً من أبيهما فو الله أني لعلي ما أنا عليه وإذا قائل يقول هذا عبد الرحمن بن عمر بالباب وأبو سروعة يستأذنان عليك فقلت يدخلان فدخلا وهما منكسران فقالا أقم علينا حد الله فأنا أصبنا الليلة شراباً فسكرنا فزبرتهما وطردتهما وقلت ابن أمير المؤمنين وآخر معه من أهل بدر فقال عبد الرحمن إن لم تفعل أخبرت أبي إذا قدمت عليه أنك لم تفعل فعلمت أني إن لم أقم عليهما الحد غضب عمر وعزلني فنحن على ما نحن عليه إذ دخل عبد الله بن عمر فقمت إليه ورحبت به وأردت أن أجلسه في صدر مجلسي فأبى على وقال أن أبي نهاني أن أدخل عليك إلا أن لا أجد من الدخول بداًَ وإني لم أجد من الدخول عليك بداً أن أخي لا يحلق علي رؤوس الناس أبداً فأما الضرب فاصنع ما بدا لك قال وكانوا يحلقون مع الحد فأخرجتهما إلى صحن الدار وضربتهما الحد ودخل عبد الله بن عمر بأخيه عبد الرحمن إلى بيت من الدار فحلق رأسه وحلق أبا سروعة والله ما كتبت إلى عمر بحرف مما كان وإذا كتابه قد ورد من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى العاصي بن العاصي عجبت لك يا ابن العاصي ولجراءتك علي ومخالفتك عهدي أما أني خالفت فيك أصحاب بدر ومن هو خير منك واخترتك وأنت الخامل وقدمتك وأنت المؤخر وأخبرني الناس بجراءتك وخلافك وأراك كما أخبروا وما أراني إلا عازلك فمسى عزلك ويحك تضرب عبد الرحمن بن عمر في داخل يفتك وتحلق رأسه في داخل بيتك وقد
стр. 1168
عرفت أن في هذا مخالفتي وإنما عبد الرحمن رجل من رعيتك تصنع به ما تصنع بغيره من المسلمين ولكن قلت هو ولد أمير المؤمنين وقد عرفت أن لا هوادة لأحد من الناس عندي في حق يجب لله فإذا جاءك كتابي هذا فابعث به في عباءة على قتب حتى يعرف سوء ما صنع قال فبعثت به كما قال أبوه وأقرأت أخاه عبد الله كتاب أبيهما وكتبت إلى عمر كتاباً اعتذر فيه وأخبرته إني ضربته في صحن الدار وحلفت بالله الذي لا يحلف بأعظم منه أنه الموضع الذي أقيم فيه الحدود على المسلم والذمي وبعثت بالكتاب مع عبد الله بن عمر فذكر اسلم مولى عمر قال قدم عبد الله بأخيه عبد الرحمن على أبيهما فدخل عليه في عباءة وهو لا يقدر على المشي من مركبه فقال يا عبد الرحمن فعلت وفعلت السياط السياط فكلمة عبد الرحمن بن عوف وقال يا أمير المؤمنين قد أقيم عليه الحد مرة فلم يلتفت إليه وزبره فأخذته السياط وجعل يصيح إنا مريض وأنت والله قاتلي فلم يرق له حتى استوفى الحد وحبسه ثم مرض شهراً ومات.
стр. 1169
باب تدبير المنزل
(إلى الزوج)
ويليم كويت من كتاب إنجلترا المعدودين، وساستها المشهورين، ونقادها الأشداء، كان معاصراً للشعراء بيرلون وكولوريدج وسكوت وشلى، وتوفي قبل تتويج الملكة فيكتوريا بعامين. وكان ذلك عام ١٨٣٥، وقد ولد من أبوين فقيرين. فكان فقر الوالد مدعاة له على الكد والسعي، وسلك نفسه في الجندية عام ١٧٨٠. ثم عاد فخرج من الجندية بعد ثمانية أعوام من دخوله، وأخذ من ذلك الحين يكتب في السياسة فكان من أشد المحافظين في أول الأمر، ثم انقلب من أشد الراديكاليين، وحمل حملة شعواء على مذهب الجمهورية في فرنسا ومذهب الديمقراطية في أميركا، وأنشأ عام ١٨٠٠ صحيفة سياسية يومية، ولكنها لم تلفح فعطلها، على أن لم ينشب أن أصدر صحيفة أسبوعية سياسية استمرت حتى وفاته، وكانت في بادئ أمرها على مبدأ المحافظة، ثم صارت من أشد أعداء الحكومة وخصومها، وحوكم مرتين على شدة تهكمه ومطاعنه على بعض رجال الحكومة الإنجليزية، ثم حوكم مرة أخرى بدفع غرامة، مقدارها ألف جنيه وسجن عامين. وكذلك مضى يفر من انجلترا ثم يعاودها، ويصدر صحيفة ثم يعطلها، حتى رشح للنيابة في البرلمان ولكن سقط في الانتخاب بادئ بدء، ولكنه عاد فظفر به، على أنه لم يظهر في البرلمان مقدرته، ثم ضعفت صحته حتى لقى ربه في الثالثة والسبعين من عمره.
أما أسلوبه فما شئت من بيان ووضوح، وما طلبت من خفة وروح، وكان في النقد والتهكم شديداً جريئاً، وكان المعاصرون من الكتاب لا يجترئون على الحكم في أسلوبه أو التعرض لنقد مقاله، خشية من شدة قلمه وهيبة من حدة كلمه، وكان آخر الدهر ثابتاً على مبدئه، فما أيد رأياً إلا ووقف حياته على تأييده، ولا مدح أمراً إلا ومضى على مديحه، وما هجا خصماً إلا وانطلق آخر الحياة في هجائه، وكان صديقاً للشعب ونصيراً، يطلب للجائعين شبعاً، وللمرأة كساء، وللقواعد ملجأ، ولليتامي عائلاَ، وللمظلومين عدلاً.
ونحن نختار لهذا الكاتب الكبير فصلاً جليل الشأن في موضوعه. نقتطفه من كتابه نصائح للشبان وهو الفصل الخاص بنصيحته إلى الزوج، فعسى أن يتدبر شباننا وشوابنا قوله، وينتصحوا بنصيحته، ويعملوا بقواعده، لأن أغلب ما جاء فيه يكاد يكون موقوفاً على
стр. 1170
وصف الأدوية الناجعة لدرء المرض الاجتماعي الذي يعمل في جسم الأمة المصرية، وكرب أن يصبح عضالاً، ونعنى به أحجام الشبان عن الزواج. وسوء حال المتزوجين وفساد لأسرة. وإن في هذا المقال لعبرة للمعتبرين.
سلوكك في المعيشة الزوجية. هو العامل الأكبر في سعادتك وهناء عيشك. ولكن ذلك يتوقف على كيفية بدنك. فإذا كنت قد أحسنت الاختيار - ولا أظنك إلا قد فعلت - فاعلم أن المرأة الشابة الصالحة تصبح امرأة سوء وأما خبيثة. إذا كان زوجها رجلاً ضعيفاً خواراً. وفظاً غافلاً: ومتلافاً مبذراً. وشريراً فاجراً. لأن ما في الزوجة بعد تربيتها وأميالها الطبيعية يكاد يكون جميعه من عمل زوجها.
فأول واجب عليك: مهما كانت حالك من عسر أو رخاء. أن تعرف زوجتك ضرورة القصد في النفقة، وتريها وجوب ارتقاب ذرية ضعفاء. وأفراخ ينبغي لهم الحضانة والكفالة والتربية: وإن لذرارى المستقبل لحقاً عليها في الاشتراك معك على الإدخار لكل هذه التكاليف: ونحن لنا الحق في إنفاق أموالنا وأرزاقنا كما نشاء ونحب، وصرف أنعمنا ومتاعنا كما نريد ونطلب. على أن هذه لا تكون ملك يميننا إلا إذا فضلت على ديوننا، هذا من الوجهة القانونية، أما من الوجهة الأخلاقية فأنا مع زواجنا نعقد قرضاً مع ثمرة هذا الزواج ونتاجه، ومن ثم ينبغي أن يكون إنفاقنا من الاعتدال بحيث يلائم مركز الزوجين في الحياة.
والضرر الأكبر أن تبدأ باستخدام خادمة أو خدمات، فإذا كنت في ثراء نضير وعيشة راضية، أو كان عمل البيت شاقاً يحتاج إلى معونة الخادمة، فبحسبك خادمة أو خادمتان، أما إذا كانت خدمة الدار لا تطلب إلا يدين اثنتين، فليت شعري لم تكون أربعة، ولاسيما أنك لا تستطيع أن تستخدم اليد دون الفم، بل وما هو مثل الفم في التكاليف والأذى، وأعني به اللسان. فإذا أصبحت يوماً رب بنين وأطفال فأنت إذ ذاك ملزم أن تطلب ردحاً من الدهر عون الخادمة، أو خدمة الحاضنة، ولكن ما حاجة زوجة العامل أو المزارع أو التاجر (إلا إذا كانت الأسرة كبيرة) إلى عون الخادمة وإذا كانت الزوجة شابة فتية، فلم لا تعمل وتجد مثل زوجها، وأي عدل هناك في طلبها إليك أن يكون في بيتك امرأتان لا واحدة. إنك لم تتزوجهما معاً، ولكنهما إذا تلازما وتشابها فقد تزوجتهما فعلاً، ولو نجوت بنفسك من
стр. 1171
جريمة الجمع بين الزوجين، فإنك عرضة لأشد نتائجها خطراً وويلاً.
ولعمري لا تستخدم الخادمة إلا بأجور غير تافهة، وهي مع ذلك تجلس إلى الزوج والزوجة. وتسمع كل كلمة تدور بينهما، أو بينهما وبين أصدقائهما وأين أن تكم فاها، أو تسكت لسانها، وإذا كانت الخادمة أجمل من الزوجة وأسحر من السيدة وما أكثر ما يحدث ذلك فإنها ستعرف كيف تجيب على النظرات والرنوات التي لابد أن تلقاها من ذلك الذي تدعوه بسيدها دعابة وهزؤا.، وهذا لعمرك الجمع بين الزوجين في أتم أشكاله ومعانيه، ولكن رتواتك إليها لا تكفيها ولا تغنيها، فهي تطلب دفؤاً وموقداً، وهي تروم فوق جمره وفحمه نوعاًَ آخر من الدفء، وضرباً آخر من النار. . . وإن كانت لا تستغني عن الفحم، ولا تتخلى عن الوقود. وإنها لتنعم ملك بالمأكل والكن، ومع ذلك تمنى النفس بنار الحب، ونحن إلى أجيج العشق.
ووجود خادم واحد شر من وجود خادمين أو خدام، فإن من حسن حظ سيدهم ومولاهم أنهم لا يتفقون ولا يتواتون، وأكثر ما يثقل عبء الزواج على أعجز الناس حملاً له، أشباه الكتبة ومن يحاكيهم لأن زوجاتهم يحسبن أنهن خليقات بأن يعشن عيش الأميرات، لأن عمل رجالهن في نظرهن خفيف لا رهق فيه ولا نصب ولكن رحمة الله لهؤلاء المساكين، نعم أن عملهم ليس بالشاق الجاف ولكنه لم يخرج عن كونه عملاً بل وشغل ساعات طوال فيها من الكد والعناء ما فيها، ولا نجد معدل دخلهم يربى على ضعف دخل النجار أو البناء أو الحائك.
وفضلاً عن ذلك فإن الزوجين ينفقان على طعامهما وشرابهما أقل مما لو تخدما خادماً، ومهما تكن زوجتك من الاعتدال في النفقة والقصد. فإن اقتصادها لا يجديها كبير نفع لو اتخذت جارية لها، إذ ليس في مكنتكما أن تقتصدا مع بقاء الخادم، وملازمة هذا الحائل، حتى وإن اجتمعتما على ضرورة الاقتصاد. بل لا تستطيعان أن توفرا عليكما شيئاً يكون تعلة لأيام النفقة المقبلة فليت شعري لم أذن تجلب إلى دارك مثل هذه المتعبة. وتجعل زوجتك عليها حارساً ورقيباً. بل لم تقلقها، وتقطع عليها خير مراميها، وصالح مقاصدها وتفسد عليها خلقها، وتمر عليها حلاوة طبعها. أجل ليت شعري لم تأتي هذا الأمر المنكر الطائش؟.
стр. 1172
ذلك لأنك تريد أن تجري في عيشك مجري المودة الفاسدة، وتتبع طراز الناس، أو لخجل فيك كاذب وزهو غير محمود،
لعلك تقول ليس في وسع الزوجة أن تنهض بخدمة الدار وشأنها، يا سبحان الله!، وكيف يكون ذلك، أتعجز المرأة اشابة العبلة أن تطهو الطعام، وتغسل الثياب، وتحيكها أو ترفوها، وتنظف البيت وتتعهده، وتهيئ مهاد زوجها ومهادها، أصلحك الله، وكيف إذن قدرت على الزواج، إن لم تكن جلبت إليك ثروة كبرى، أو كنت غير ذي ثروة. إذن فاسمع ما أدلى به إليك. . إن الدخل الصغير لا يضع الزوجة المخدمة والزوج المختدم في مستوى واحد.
أما إذا عمل البيت أشق في الحقيقة على الزوجة الفتية وأتعب لها وأكثر رهقاً. أو خفت عليها منه، وأشفقت أن يضعف صحتها، أو يذوي حسنها، فلك حينئذ أن تتردد، على أن العمل ليس من المشقة والصعوبة بحيث خفت، بل أنه ليحفظ صحتها، ويكسبها روحاً ونشاطاً، ويصون جمالها.
وإنك لتسمع الفتيات يغنين وهن يغسلن الثياب حتى يسأمن الغناء، ولكنك لا تسمع لهن غناء، ولا يبلغ مسمعيك منهن تغريد، وهن آخذات فيما يسمين بشغل الإبرة. وفي نساء الأمريكان أسوة حسنة، ومثال طيب إذ لا يأخذهن ذلك الزهو الكاذب الذي يمنع آلافاً من الزوجات في إنجلترا مما تتطلبه المنفعة الزوجة، وتدعو إليه الحكمة والسداد، وتحث عليه حتى أميالهم الخصوصية، فترى الأميركيات دائبات لا عن حاجة ولا عن إكراه وكيف يكون الإكراه، والأمريكان أعطف أهل الدنيا قلوباً. وأحدب أهل الأرض أفئدة. وأليهم خلقاً، وإنك لتراهن في الريف يقمن بخدمة لدار. فإذا أتممنه عجن على البستان أو الحقل، يزرعن الشجر ويشذبنه ويقطعن الكلأ وينقلنه، ويعملن في الأرض ويحرثن، ويجمعن الأثمار والأعشاب. وكل ذلك في جو لا يخف المرء فيه للعمل خفته له وهو في إنجلترا وهن يجنين من ذلك ويستفدن، إذ يتحفهن أزواجهن مما اقتصدوا لهن ووفروا، وما أندي يد الأمريكي في مثل هذه الحال، وما أخفه إلى تكريم زوجته وإتحافها.
ثم يجب أن تعنى بسمتك ومظهرك أمام الزوجة الشابة، فإن العجائز من الأزواج والثيبات قد فلت الأيام من غربهن، وأطفأت من جذوتهن، حتى لا يكسر قلوبهن تقطيب من زوج، ولا يثير شجنهن تجهيم من بعل، أما الشابة الحدثة الغفل فعلى النقيض من ذلك. وأعلم أن
стр. 1173
أول تجهيمة منك سيف إلى قلبها، وسهم إلى جوانحها، وكذلك أرادت الطبيعة أن يصبح الرجال أقل شغفاً وصبابة بعد ليلة العرس، وأن تكون النساء على العكس يزداد حبهن ويتعاظم وجدهن، وأعجب ما فيهن أنهن حديدات البصر، مستطلعات دخائل القلوب، نافذات إلى أعشار الأفئدة، فإذا وضعن أول طفل. انقسم هذا الوجد قسمين فقسم للأب وقسم للابن، وأنت قبل هذا موضوع هذا الحب بحذافيره، فإذا طمحت إلى السعادة فنشدتك الله إلا ما بادلتها هذا الحب، وتجنبت كل ما يغضبك من الناس، ويسلبك بشرك وطلاقتك. ودع كل ما يغضبك منها أو يحبسك عن السرور والتهلل واجعل عباراتك وألفاظك ونظراتك كما كانت قبل أن تسميها زوجتك.
وأظهر لها في كل حين حبك وإعجابك، لا بالتودد الفارغ ولا بالتحبب المتكلف، كأن ترفع عن الأرض منديلها أو قفارتها، أو كأن تحمل عنها مروحتها أو مظلتها، ولا بأن تنوط بعنقها القلائد، وتحبوها بالعقود والقلب والحلي، ولا بأن تكلف البلاهة والحمق فترنو وعليك سمة السرور إلى هنأتها وهفواتها ومناقصها، ولكن عليك أن تبدي دلائل الحب في أفعالك، وسمات الحنان في طيب معاملتك، وأظهر لها في أفعالك مبلغ اهتمامك لصحتها وحياتها وراحتها وهنائها، واجعل مديحك إياها يشمل جميع فضائلها، والتزم الصدق في المديح والتأثير حتى تعتقد أن لا إطراء فيه فإن الرجل الذي شأنه أطلق لزوجته إنما يعد أذنيها الاستماع ملق الناس وخداعهم ونفاقهم، واجعل أفعالك وأقوالك تحمل لها في كل ساعة وحين ضماناً على أنك تقدر صحتها وحياتها وسعادتها قبل كل شيء، وأظهر لها ذلك في أبين مظهر، ولاسيما في أزمنة الشدة، وساعات البلاء.
كانت داري أول عهدي بالزواج بمدينة فلادلفيا، وإن شئت فقل على مقربة منها ففي يوم من هاتيك الأيام، في صميم شهر يوليو القائظ، أصاب زوجتي بعد نفاسها أرق طويل، فما أخذت جفنيها إغفاءه، ولاران على عينيها الكرى مدة يومين كاملين. وأنت تعلم أن المدن الكبرى في البلدان الحارة والأقطار المصيفة أكثر ما تكون مملوءة بالكلاب، فإذا اشتد القيظ في الليل سمعت لكلاب المدينة عواء منكراً، ونباحاً طويلاً، وعراً كالجبا ففي تلك الليلة التي أنا بصددها، اشتد عواء الكلاب، حتى ليشق على امرئ صحيح الجسم غير موجع ولا عان، أن يظفر بالإغفاء لحظة وجيزة، وإني لجالس في فراشي، وكانت الساعة التاسعة، إذ
стр. 1174
قالت زوجتي إني لأستطيع الآن نوماً، لو لم يكن عواء هذه الكلاب، فما كان مني إلا أن نزلت مسرعاً درج السلم وانطلقت في الشارع، في قميص وسراويل، عاري القدمين، لا نعل ولا جوارب، وانحرفت إلى ناحية من الطريق عند ركام من الأحجار، وجعلت أقذف بها هذه الكلاب، وأعدو في أثرها، حتى أبعدتها عن الدار بمسافة طويلة وكذل قضيت تلك الليلة بجملتها عاري القدمين، خشية أن يبلغ أذنيها صوت وقع نعلى، وكان اجر الطريق من وديقة الحر لذاعاً موجعاً، ولكن مجهدتي هذه أحدثت الغرض المبتغى، والمقصد المطلوب، إذ هنأ النوم زوجتي ساعات طوالاً، فلما كان الصباح انبعثت إلى عملي، وما كنت أعود منه إلا إذا أذنت الساعة السادسة من المساء.
وما كنت يوماً بالذي يتبع ظل امرأته، ويمشي في أثر زوجته وقلما تنزهت معها، ولو فعلت لما كان لمجرد المماشاة والمتابعة، بل لمقصد غير المشي وطلبة غير المتابعة، بل لمقصد غير المشي وطلبة غير المتابعة، وأنا فوق ذلك رجل ضرب لا أحتمل الهوينا ولا أحب المشي الوئيد وهيهات لها أن تجاريني في مشيتي، ولم نمش معاً في الأربعين عاماً من زواجنا إلا مرات معدودات، ولعمري أنني رجل أبغض الزوج التابع لزوجته المماشي لها، إذ أغده خادماً أكثر منه زوجاً.
واعلم أن أكبر دليل على أنك تحبها هو أن تهب لها فراغ وقتك وخلوات ساعاتك فليت شعري ماذا عسى يقال في زوج اعتاد أن يترك داره ويغادر أهله وموقده، طالباً صحابة له في الحان أو القهوة.
وقد نبئت أنك فلما تلتقي في فرانة طولها وعرضها، شرقها والمغرب، بزوج لا يصرف المساء في القهوة أو الحن، وإني ليحزنني أن أقول أن كثيراً من الأزواج في هذا البلد ينضجون في هذه المنقصة على منوال الفرنسيين، فترى لهم أندية الشراب، وأندية التدخين وأندية المغنين، وأندية الميسر وأندية المزاح والهزل، والحال لا مبرر هناك لهذه ولا موجب. وهي سخف وحماقة وسفه في الأغراب. فكيف بالأزواج. وماذا هم قائلون لنسائهم وأبنائهم في هذا النجافي عن مراقدهم، وهذا الهجر لبيوتهم، وهذا الخفر لعهد الزوجات. وهذا المثل السيئ للأبناء.
إن في هذا لمستجمع النكبات ومستجم البلايا، وأول هذه النكبات الرزء في المال وفاتحتها
стр. 1175
السرف في النفقة، وإن ما يضيع في هذه السبيل من دخل الرجل لكاف - لو اجتمع لإدخار ثروة طيبة لولد من ولده، ثم يأتي من بعد ذلك تلف الصحة من جراء ملاهي الليل وطوفانه، ثم المشاجرات والمشاحنات، فاعتياد خبيث الكلام ومستر ذله فالسعاية بين الناس، فاستحسان النكتة الفاحشة، والمزحة المستبردة. فاستخفاف بكل رزين. وسخرية من كل وقور.
وهل ترى الزوج المتجافي عن زوجته وأولاده يحسب أنها لا تحذو حذوه في قليل ولا كثير، إنه لو فعل لكان مخدوعاً في أمره. واهماً في حسبانه. إذ لو قلدته مثلاً في الشراب لما كان له عذر في الشكوى ولا شفاعة. وهنا يكون التبذير مزدوجاً. والإنفاق مضاعفاً. وإذا كان في الدار خدم. فهم أعلم ذ ذاك بموعد غيابه. وأوان حضوره. وهم بين الموعدين ومطلقو السراح. يمرحون ويلعبون. وذلك أمر أن لم يكن عدلاً كان طبيعياً. وما أصدق المثل القديم القائل كما يكون السيد يكون خادمه وليس من العدل في شيء أن يخدم السكير الفاجر كما يخدم العزوف المتيقظ المنتبه. ولا عذر إذا رأيت الخدم في غياب المولى آخذين في السمر ولعب الورق والميسر. ولم لا يكون ذلك والسيد قد اختط لهم الخطة وضرب ذلك المثل. وهذه أصلحك الله تجيء بالفسقة من الزوار والفجرة من الأضياف وتعقب الخسائر الفوادح. والتكاليف البواهظ، وتجر فساد أخلاق البنين وعاداتهم. وليس فوق ذلك الأسوء معاملة الزوجة. والناس تؤثر صحبة من تحب وترضى، وتستحب مخالطة من ترى في مخالطته أكبر السرور وأعظم البهجة ولكاني بمن يصرف فراغ وقته وغفلات عيشه. في صحبة غير زوجته ومجالسه غير بنيه. يقول لهم إنه يرى الغبطة في مجالسة الناس ولا يراها في مجالستهم. وترى الأبناء يبادلون آباءهم على ذلك استهتاراً واستصغاراً. أما الزوجة الخفيفة الرقيقة الفؤاد فإما أن تكون هذه الفعال سيفاً في حشاها. وسهماً في كبدها. وأما غضبه الانتقام، أو فترة لاقتصاص. وحسبك أنه ضرب من الانتقام لا يعز على المرأة الشابة ولا يطول. وما على الذين استهدفوا لنشر هذه العادة واستناموا لها إلا أن يذكروا ما جاء في كتاب فاركيهار - خدع العاشقين - إذ قالت السيدة (صالن) لخادم اتخذته عاشقاً لها وخليلاً. إن زوجي يأتي الدار بعد منتصف الليل مترنحاً منثنياً فيرتمي فوق السرير بجانبي كالسمكة العظيمة في شبكة الصائد. يهدم نظام فراشي ويزفر أبخرة الشراب في وجهي ثم
стр. 1176
يلتوي في أضعاف اللحاف. ويتركني بين ملتحفة وغير ملتحفة. ويسمعني حتى الصباح صوت ذلك البلبل المغرد. . . منخاره! ولئن كان هذا الضرب من الانتقام شديداً غليظاً. فإنية لو قعدت مقاعد القضاء لما كان حكمي على السيدة إلا رقيقاً خفيفاً. إذ بأية سنة أم بأي حق يرتقب زوج هذه حاله أخلاصاً من زوجته ووفاء من بعله. يعد ما خفر ذمة قضاها. ونكث عهوداً أبرمها. وفك آخية عقدها. أم بأية شرعة ترتبط هي بعهدها وتستمسك منه بموقفها، لقد كانت تظن أنها قد بنت بإنسان. فإذا به قد تكشف لها عن إحدى العجماوات. بلى. لم يأت أمراً بخدش قانون البلاد. أو يهتك حرمان الشرائع. ولكنه نقض العهد الذي به امتلكها. واليمين التي بها تزوجها. ومن ثم فإن العقد الذي بينهما في نظر العهد مفسوخ. والرباط مفكوك.
стр. 1177
كشكول البيان
(تفاريق علمية - وأدبية - وتاريخية - وفلسفية - وأخلاقية - وفكاهية - ونظرات في سير مشهوري العالم - وشذرات في أخبار العالم وأحداثه الحاضرة).
آدم سميث
(شيخ الاقتصاديين)
ولد آدم سميث في الخامس من يونيه سنة ١٧٢٣ بمدينة كركلدي من أعمال اسكوتلندا. ومات أبوه - وكان مديراً للجمارك في هذه المدينة - قبل ولادته ببضعة أشهر فكلفته أمه وحدها وقامت على تربيته.
ولما كان ضعيف البنية وهو في سن الطفولة ازدادت أمه عناية به. ودأبت في السهر على راحته. والقيام بكل ما يحتاج إليه. وما كان سميت ليجحد نعمة أمه عليه بل قابلها بالشكر والحنان والرأفة والطاعة وكل ما يمكن للابن عمله إزاء أمه مدة ستين سنة طويلة.
ويروى أنه خطف في سن الثالثة من عمره إذ كان ذاهباً لزيارة خال له في بلدة استراشنري في صحبة أمه إلا أن الله لم يشأ أن يحرم العالم من شيخ الاقتصاد السياسي وواضعة فسرعاه ما افتقد واقتفى أثر الجانبين فرد إلى أهله.
تلقى سميت دروسه الأولية بمدرسة كركادي وكان يمنعه ضعف صحته من الاشتراك مع إخوانه في ألعابهم يومذاك. وكان محبوباً لديهم مشهوراً بشغفه بالكتب وركونه إلى الهدوء والسكون ومخاطبته نفسه منفرداً وكثرة تفكيره حتى لقد كثر ما كان يذهب فكره عن الجماعة وهو بينهم جالس. ولبث بكركادي حتى سنة ١٧٣٧ ثم ألحق بجامعة جلاسكو ومكث بها ثلاث سنوات وانتقل منها إلى أكسفورد حيث درس على أساتذة جامعتها سبع سنوات متوالية. وكان شديد التعلق بالرياضيات والفلسفة الطبيعية مدة وجوده بجلاسكو إلا أن أمياله تغيرت عن انتقاله لأكسفورد فتحول ميله إلى الأديان والعلوم الأخلاقية والسياسية وكثيراً ما كان يشغل نفسه بالترجمة من اللغة الفرنسية قصد تحسين عبارته وإجادة أسلوبه.
وحدث وهو بأكسفورد ما أظهر أمياله الشخصية فإن رؤساء الجامعة دخلوا حجرته ذات يوم على غير علم منه فوجدوا لسوء حظه على مكتبه رسالة في الطبيعة البشرية لهيوم فحرموه من الكتاب بعد أن أوسعوه تأنيباً على قراءته مثل ذلك الكتاب الذي تكلم فيه
стр. 1178
صاحبه عن الأديان بطريقة توافق واجب احترامها والحرية التامة في الكلام عليها وبحثها.
ولما عاد من أكسفورد سنة ١٧٤٧ وقد كان ذهب إليها ليهيء نفسه للاندماج في سلك القسس مكث بكر كادي مسقط رأسه مع أمه سنتين. ثم استوطن أدنبره بعد أن غير قصده فعدل عن دخول الكنيسة لاحتوائه البحث في الديانات وكرهه بيئة القساوسة وشغف بدرس الآداب ودفعه بعض أخوانه وخلصائه في أخريات سنة ١٧٤٨ إلى إلقاء محاضرات في البلاغة والأدب ففعل وكان يحضرها جم غفير من طلبة الحقوق والدين وإنه وإن عز الآن وجود شيء من هذه المحاضرات إلا أن شهادة معاصريه من الأساتذة ومن قرأوا عليه تدلنا على أنها كانت غاية في الجودة والمتانة وكثير منهم رجع إليها في حياة سميث ولا ننسى أن نذكر أنها كانت الأولى من نوعها في اسكتلندا (أيفوسيا) حتى أن الجامعة لما رأت ميل الناس لسماع أشباه هذه الموضوعات عينت أستاذاً لها سنة ١٧٦٠.
وقد كسب من وراء هذه المحاضرات طيب الأحدوثة وساعده ذلك ووساطة بعض أصحابه في نيله رتبة أستاذ للمنطق بجامعة جلاسجو سنة ١٧٥١ ثم رقي في السنة التالية إلى مركز أستاذ الفلسفة الأخلاقية وكانت هذه الوظيفة أوفق لأميال آدم سميت واستعداده الطبيعي.
وقد ساعدته الأبحاث التي استدعتها هذه الوظيفة إلى إنضاج معلوماته وأفكاره الخاصة هذا وقد كان سميت يعد الأيام التي قضاها في دراسة الفلسفة الأخلاقية من ارغد أيام حياته وأهنأ زمان عيشه. لأنه كان يقضي أغلبها في درس موضوعات كانت بطبيعته مشغوفاً بها وقسم دروسه هذه إلى أربعة أقسام الأول منها يبحث في الدين الفطري وأدلة وجود الآلة وصفاته. والثاني درس فيه الأخلاق وتكلم فيها عن آرائه التي ضمنها كتابه نظرية الأميال الخلقية والثالث درس فيه بتوسع الجزء الخاص بالعدل والفضاء وعلاقة الخلق متبعاً في ذلك طريقة منتسكيو التاريخية والرابع درس فيه الأنظمة السياسية التي لم يراع العدل عند سنها بل روعي فيها من وجهة ثروة الحكومة وقوتها مثل الأنظمة الدينية والعسكرية التي كانت من أهم موضوعات كتابه ثروة الأمم.
وبدأ سميث حياة التأليف بمقالين أرسلهما نقلاً إلى مجلة أدنبرة ضمن الأول نظره في قاموس الدكتور جونسون وهو من أشهر كتَّاب الإنجليز والثاني خطاباً لمدير المجلة فيه
стр. 1179
بعض ملحوظات على أدب الأمم الأوروبية المختلفة وهذا يدلنا على سعة إطلاع سميث في وقت كان درس أدب اللغات الأجنبية فيه مطرحاً.
وفي سنة ١٧٥٩ أخرج للناس كتابه (نظرية العواطف الأخلاقية) وكان قضى وقتاً طويلاً في تأليفه والعناية به.
وعلى الرغم من أن أكثر نظرياته التي ذكرها في كتابه هذا دحضها بعده كثير من الفلاسفة كروسو وغيره فإن ذلك لا يحط من قيمة الكتاب من وجهة الآراء وتعدد الأمثلة والشواهد ورقة التعبير وجزالة الأسلوب ولا يزال معدوداً من أعظم كتب الفلسفة والأخلاق في الأدب الإنجليزي.
وقد أكسبه هذا الكتاب شهرة عظيمة ورفع مكانه في أعين المشتغلين بالموضوعات الأخلاقية والفلسفية. وعدوه من أعظم علماء الأخلاق وأبلغ الكتَّاب حتى أن فولتير كان ينفذ إليه بعض الطلبة ليقرؤا عليه دروسه.
ثم أن سميت بعد طبع كتابه توسع في الكلام على الجزئين الثالث والرابع من محاضراته الخاصين بالمسائل القانونية والاقتصادية والمالية فأجمع مجلس إدارة جلاسكو على منحه لقب دكتور في الحقوق اعترافاً بفضله وشكره له على الموضوعات المفيدة والأبحاث الجليلة التي يلقيها في الجامعة.
وقد أفاده كتابه السابق الذكر فائدة أكبر مما سبق وذلك أنه لما عم ذكر اسمه بالمدح والثناء وذاع صيته دعته الكنتيس أوف دلكيث سنة ١٧٦٣ لمصاحبة ابنها الدوق في سياحته إلى القارة الأوروبية مانحة إياه في الوقت نفسه شروطاً حسنة جعلته لا يتردد في إجابة طلبها والاستقالة من جامعة جلاسكو وابتدأ رحلته ميمما فرنسا يصحبه تلميذه سنة ١٧٦٤ فقصدا باريس وبرحاها بعد أربعة أيام وذهبا إلى طولوز مقر البرلمان يومئذ ومكثا بها ثمانية عشر شهراً درس سميث في خلالها آداب فرنسا وحالتها السياسية والاقتصادية وتركاها إلى جنيف حيث مكثا لمدة شهر هناك التقى في غضونه بفلتير إذ كان يقطن فرثي في ذلك العهد ثم قصدا باريس ومكثا بها زهاء عام تمكن سميث في خلاله من الاجتماع بكبراء الفرنسيين أصحاب العقول الراجحة والآراء السديدة التي كان لها الأثر الأكبر في كتاباته ونعني بهم ده كسنى وترجو عزاء الفيزوقراطيين أصحاب المبادئ الحرة.
стр. 1180
وقد كان لهم عنده منزلة عظيمة حتى أنه كان يوده أن يهدي كتابه ثروة الأمم إلى ده كسني لو لم يحل موت الأخير دون ذلك.
وفي سنة ١٧٦٦ رجع سميث إلى لندن في رفقته تلميذه دوق بيكلك وانتقل منها إلى عهوده الأولى بكر كلدي حيث أقام عشر سنوات يحوطه السكون وترفرف حوله الدعة والراحة عشر سنوات خالية من المشاغل والمتاعب قضاها في الدرس والتحصيل وتأليف كتابه الكبير (ثروة الأمم) ولم يكن عمله هذا شاقاً بل دفعه إليه حبه لهذا الموضوع فكان عملاً لذيذاً يدلنا على ذلك كتاب بعث به إلى صديقه دافيد هيوم سنة ١٧٦٧ جاء فيه يشغلني هنا الدرس في موضوع توفرت عليه منذ شهر وليس لي من سلوة إلا النزهة منفرداً والمشي طويلاً على ضفاف البحر ومن ذلك يمكنك أن تحكم كيف أقضي أوقاتي على أني أشعر بالسعادة واللذة وصفاء الذهن وما أظنني نعمت بأيام أسعد من هذه وإنك لتحسن إلى لو كتبت من آن لآخر تنبئني عما يفعله إخواني في لندن أليس في هذا دليل كاف على أن المؤلف يدفعه إلى عمله لذة خاصة ومحرك آخر غير عامل المال والشهرة؟.
ولبث سميت على تلك الحال إلى سنة ١٧٧٦ إذ بدء عصر جديد في تاريخ الاقتصاد السياسي والعلوم المالية والاجتماعية والسياسية ـ. عام ظهور كتاب ثروة الأمم ظهر الكتاب فلم ينشب أن انتشر وسرعان ما ترجم إلى جميع اللغات الأجنبية في مؤلفه والسبب في ظهور كتاب سميث على غيره من الكتب وانتشاره راجع إلى:
[١] القيمة الأدبية الكبرى التي كانت لكتابات سميث كما مر ذكره.
[٢] أن آدم سميث اقتبس أفضل آراء من سبقه من العلماء ومما استفاده بالخبرة أو وصل إليه بالدرس ومن معاشرته للفيزوقراطيين أثناء إقامته بباريس سنة ١٧٦٥.
وليس لنا أن نفحص كتاب سميث ونأتي على كل ما ذكره فيه بل نكتفي بذكر أهم المسائل التي تؤثر عنه وما قبل فيها.
تكلم على تقسيم العمل فقال يلزم أن يقسم كل عمل من الأعمال إلى أجزاء صغيرة يختص كل عامل بجزء منها وبذلك تحصل على الفوائد الآتية:
[١] مهارة العامل في حرفته وسهولة العمل عليه لاختصاصه بشيء قليل يمكن إجادته بسرعة.
стр. 1181
[٢] مهارة العامل تؤدي إلى سرعته في عمله وبذلك تقتصد كثيراً من الوقت.
[٣] إن كثيرين ممن يختصون بعمل من الأعمال يهتدون إلى اختراعات تسهل عليهم مشاق العمل وبذا تكثر الاختراعات المفيدة واستشهد لذلك بصناعة الدبابيس فقال إن عمل الدبابيس قبل تقسيم العمل كان شاقاً وما كان العامل يصنع أكثر من عشرين دبوساً في اليوم مهما كان مقدار مهارته وحذقه - أما الآن فبفضل تقسيم العمل أصبح صنع الدبابيس من أيسر الأمور ولا بصير السلك دبوساً قبل أن يمر بأيدي عشرة من العمال على الأقل فعامل بعد السلك وآخر يقومه وثالث يقطعه إلى أجزائه الصغيرة ورابع يحدد (أو يجدد) طرفه وخامس بعد الطرف الآخر ليضع الرأس عليه ولا توضع الرأس قبل أن يعمل فيها ثلاثة من العملة على الأقل وعلى ذلك يقول إنه رأى مصنعاً صغيراً به عشر رجال أمكنهم أن ينجزوا بالتضامن صنع نحو ٤٨٠٠٠ دبوس أي أن معدل عمل الواحد منهم ٤٨٠٠ مع أنه لو اشتغل منفرداً لا يستطيع إنجاز عمل أكثر من ٢٠ كما قدمنا.
ولم يخف على سميث المضار التي تنشأ من تقسيم العمل فذكر مضاره مثل:
[١] جهل العامل المختص بشيء واحد بسيط بكثير من الأمور الاجتماعية الخاصة بحياته وصعوبة وجده عملاً يعيش من روائه لو أمكن الاستغناء عنه أو كثر أمثاله.
[٢] بلادة العامل وانتقاله من الإنسانية إلى الوحشية لا نكافه على عمل خاص ولكنه رأى أن الفوائد تربى على المضار فحكم بوجوب اتباع المبدأ ووصف علاجاً لبعض المضار التي ذكرناها وهو التعليم الأولى المجاني الإجباري حتى يصير عند العامل المعلومات الكافية لفهمه ما يدور حوله وما يجب عليه فعله بعد عمله اليومي.
وكان سميت أول من خطأ الفيزوقراطيين في مبدئهم الأول وهو أن الأرض المنتجة الوحيدة للثروة فقال إن أحداث الثروة يعتمد على العمل ورأس المال اعتماده على الأرض وخيراتها ولو أنه ترك للأرض المكان الأول وقد زاد الأستاذ مارشال هذه العوامل الثلاثة عاملاً رابعاً هو التنظيم فللمنظم أو المدبر دور مهم غير دور العملة ورأس المال والأرض.
وخصص سميث جزءاً كبيراً من كتابه للكلام عن السياسة التجارية الحرة قد حض فيها رأى المركانتايلست وهم القائلون بعدم ضرورة النجارة الدولية وأنها تقلل من ثورة المملكة فبين أن التجارة يلزم أن تكون حرة لا تعوقها عوائد جمركية ولا خلافها وبني ذلك على
стр. 1182
نظرية تقسيم العمل السباقة الذكر قائلاً إننا إذا ما اتبعنا السياسة الحرة إنما بإكراه كل مملكة على الاشتغال بالعمل الذي وضعتها الطبيعة له أي التي تحسنه أما بمنح الطبيعة ميزة فيها على غيرها أو بعادة قديمة موروثة. . . فالمملكة التي يكثر فيها الحديد والفحم تكون صناعية والتي هي غنية التربة كمصر لا تحترف بغير الزراعة وهنا يلزمنا أن نذكر شيئاً عما أثر في سميث حتى أخذ بالتجارة الحرة ونشرها فنقول أنه عاش في جلاسجو البلد الصناعية الكبرى معاشراً كثيراً من رؤساء المصانع فيها دارساً النظامات المقيدة للصناعة من جماعات عمال وقوانين تخرج (أوتمرن) وضرائب على الصادرات والواردات فأثر كل ذلك فيه تأثير دعاه لأن يكون شديد الحملة على التقييد ثم أنه ذهب إلى فرنسا وبه ذلك البغض للنظامات الصناعية والتجارية الموجودة فاجتمع مع الفيزوقراطيين وأدى ذلك إلى زيادة رسوخ المبدأ عنده فقال أنه ما دام الإنسان لا يخرق قوانين العدل فينبغي أن يترك وشأنه باحثاً عن منفعته التي وجدها ومزاحماً للناس بماله وحذقه وبعبارة أخرى أنه ينصح بعدم تداخل الحكومة في المسائل الاقتصادية. ويظهر لنا أن الأيام تعمل على تحقيق مبدئه هذا فقد قرأنا في الجرائد أخيراً أن الطيارات ابتدئ في استعمالها لتهريب البضائع الممنوع دخولها بين بلجيكا وفرنسا. وأنه ليصعب بل ليستحيل على الحكومات مراقبتها. وسيأتي يوم تضطر فيه الحكومات إلى رفع الأعمال الجمركية من اختصاصها.
وخصص سميث الجزء الخامس من كتابه لدخل الملك والحكومة وهو ما يدخل في بحث علم المالية الحديث وله فيه أربعة قوانين في موضوع الضرائب لا يخلو منها كتاب مالي:
[١] كل فرد يلزمه أن يمد الحكومة على قدر ما يمكنه وبنسبة دخله الذي يحصل عليه تحت ظل الحكومة ورعايتها.
[٢] يجب دفع الضريبة في الوقت المناسب ففي مصر تدفع ضرائب الأرض بعد جمع محصول القطن مثلاً.
[٣] يلزم أن يعرف دافع الضريبة مقدارها ويوم دفعها وطريقة ذلك.
[٤] يجب تقليل مصاريف الجباية جهد الاستطاعة حتى لا يزيد المال المجموع عما دخل في خزينة الحكومة (بعد مصاريف الجباية) قليلاً جداً.
وقد مات دافيد هيوم صديق سميث بعد ظهور ثروة الأمم ببضعة أشهر فكتب سميث وهو
стр. 1183
في لندن مقالة وصف فيها خلق صاحبه ومدحه مدحاً دعى كثيراً من أعدائه إلى الطعن فيه والشك في عقيدته لكنه لم يعرهم التفاتاً بل تركهم غير مصغ لما يقولون.
وفي سنة ١٧٧٨ عين سميث بمساعدة تلميذه دوق بيكلك مديراً للجمارك في اسكتلندا فعاد ليعيش في جلاسكو متمتعاً باجتماعات أصدقائه الأول وبصحبة أمه وابنة عمه. ويقال أنه كان يصرف أغلب دخله في ذلك الوقت على أعمال خيرية سرية يأتيها بدون أن يعلم به أحد.
وفي سنة ١٧٨٧ عين رئيساً لجامعة جلاسكو فقبل المنصب بالشكر وسر قلبه لذلك الفخر العظيم.
وابتدأت صحته في الاضمحلال من ذلك الحين ومما عجل به أسفه على موت أمه سنة ١٧٨٤ ولها من العمر تسعون سنة وموت ابنة عمه ١٧٨٨ فمات عقب مرض أنهكه بعد ذلك بسنتين أي سنة ١٧٩٠ ويقال أنه تحمل مرضه بصبر عجيب أدهش جميع أخوانه وأحزنهم.
قلنا في مبدأ الكلام على سميث أنه كان شديد الولوع بالكتب وقراءتها وقد ازداد معه هذا الشغف يكبر سنة وكانت نتيجة ذلك أنه أخلف بعد موته مكتبة هائلة تحوي ما لا يقل عن خمسة آلاف مجلد من الكتب النفيسة القيمة.
ومن الغريب أن سميت أوصى قبل موته بأن تحرق كل أوراقه إلا ما أراد بقاءه منها لذلك لا نجد الآن محاضراته التي كان يلقبها بايدنبرغ ولا الخاصة بالخلق والمنطق التي كان يلقبها بجلاسكو.
علينا الآن أن نذكر كلمة بشأن ما يقال عن سميث من أنه موحد علم الاقتصاد السياسي وخالفه كما يدعى ذلك بعض الاقتصاديين الإنجليز: إننا لا نجحد أن العلم كان قبل سميث بعض آراء مبعثرة ما جمعت ولا رتبت إلا في كتاب ترجو المسمي التأملات فأخذ سميث عنه بعض الشيء وأضاف عليه أشياء كثيرة من معلوماته وآرائه الخاصة إلا أن الكتاب كما يقول جان بيست ساي الاقتصادي الفرنسي غير منظم به كثير من الحشو. فسميث في الحقيقة ليس خالق الاقتصاد وإنما جامع متفرقه وأول من وضعه في شكل علمي منظم.
ألبانيا وأميرها الجديد
стр. 1184
إذا كان في طول أوربا وعرضها، مجاهل ومفاوز، فتلك لعمري ألبانيا أجمل مقاطعة في جميع أرجاء القارة الغربية، ولو أنه قد تصرم ما ينيف على مائة عام منذ وصفها المؤرخ الإنجليزي الأوحد إدوارد جيبون بأنها مملكة تشرف على إيطاليا تكاد تكون مجهولة كصميم أمريكا فلم تزدد معلومات الناس عن هذا البلد العجيب ولا عن أهله، وإن طبيعة المملكة الوحشية، وهمجية سكانها وبربريتهم، والفوضى البادية في أنظمتهم الاجتماعية، والصعوبات التي تمنع من تعلم لسانهم، وعجز الولاة العثمانيين عن مساعدة السياح على التغلغل في صميم تلك البلاد، كل هذه الأسباب كانت الحائل دون معرفة هذه المجاهل الغريبة.
ولعل لفظة ألبانيا هذه، وتلك التي في بلاد القوقاز، وأرمينيا، والباني في بريطانيا / وأرفينيا في فرنسا. مأخوذة جميعها من مادة ألب ومعناها الهضاب البيضاء.
وعدد سكان البابا يقدر بما يربي على مليون ونصف مليون من النسم، ومن هذا المدد نحو من مليون ومائتي ألف من الألبان، والباقي من الصرب والبلغار، والأتراك واليونان، فالصرب يحتلون الجهات الشمالية من البلاد والأتراك يقطنون النواحي الجنوبية الشرقية، وللبلغار مستعمرة كبيرة على مقربة من مدينة دبرة وأخر بدة وفي جنوب هذه المستمرة يسكن قوم في الجبال يسمونهم ولاك وفي أبروس عدد من اليونانيين ليس بالقلييل، ويبلغ عدد سكان ولاية أشقودرة. / ٢٥٧٠٠٠ / نفس وولاية يانينا / ٠٠٠ر٥٥٢ /.
ولعل الألبان هم أقدم أهل الجنوب الشرقي من أوروبا، وليس في التاريخ ولا في الأساطير، ولا في موروث الأنباء ما ينبئ عن كيفية وصولهم إلى أوروبا، ولعلهم سلالة المهاجرين الأقدمين من الآريين وإن العدد الأكبر من الأسماء السلافية الموجودة في ألبانيا حتى في المقاطعات التي لا يوجد بها أدنى أثر للسلافين يدل على كثرة مهاجرة أقوام الصرب والبلغار إلى ألبانيا في أوائل العهد بالقرون الوسطى، ولكن السكان الأصليين طردوا هؤلاء المهاجرين من أرضهم، وبينا ترى شجاعة الجبلين - أهل الجبل الأسود - قد نوه بها كتاب الأرض جميعاً. ترى الألبانيين لا يذكرون بمديح ولا يشهد لهم بثناء ما عدا مديح الشاعر بيرون. على أنه مما يستأهل الذكر والتنويه أن المهاجرين من الألبانيين والشراذم المنثورة في بقاع الأرض، ولا سيما في اليونان وإيطاليا ومصر، لا يزالون
стр. 1185
محتفظين بشخصياتهم ومميزاتهم ولغتهم وعاداتهم وأساطيرهم، وترى الألبانيين المستوطنين البلاد الإيطالية واليونانية قائمين كالصخرة الثابتة لا يزعزعهم تيار المدينة الإيطالية ولا يذهب بهم سبلها، على حين مضي على بقائهم بها نحو من ستمائة عام،
والألبانيون يسمون أنفسهم شكبنار وأرضهم شكبيريا وقد اختلف المؤرخون في ترجمتها فالمؤرخ هان يقول إنها مأخوذة من شكيبوج ومعناها أنا أعلم وهي إذن تؤدي معنى الذي يعلم وبعضهم يذهب إلى أن مؤداها ساكن الصخر من لفظة شكب ومعناها في الألبانية الصخر.
طبائع أهلها ومميزاتهم - من السكان الأولين لشبه جزيرة البلقان من دخل في الجنس اللاتيني فكان لاتينياً، ومنهم من فني في الجنس اليوناني فكان يونانياً، ومنهم من امتزج بالعنصر السلافي فأضحى سلافياً، إلا أن الألبان وقفوا أمام كل جنس من هذه الأجناس، فلم تستطع أن تؤثر على شخصيتهم ولا على جنسيتهم وطبائعهم، ومن ثم فهم مختلفون جد الاختلاف عن سائر سكان شبه الجزيرة، وهم ينقسمون إلى نوعين، النوع الأول يسمى الحج والثاني يدعى النوسك فأما الحج فرغماً من وحشيتهم وهمجيتهم وشيوع الخرافات بينهم وتفشي الجهل فيهم، على صفات بالإعجاب خليقة بالاستحان، بل يندر أن توجد في أهل أوروبا الشرقية، وجملة هذه الخصال السذاجة وطيب القلب والبسالة والأمانة والتضحية وهم في الحرب خير الجنود وأبسل المغاوير، وكثيراً ما استخدمهم سلاطين آل عثمان حراساً لسدتهم وحفاظاً، وكثيراً ما يكونون للسفارات في الشرق حجاباً. وقد كان من تزاوجهم باليونان وامتزاجهم ما أصلح من حالهم وقوي من عنصرهم وكفاآتهم. وهم هؤلاء الفتك والسلب والنهب والرعي. وأما النوسك فهمهم التجارة والزراعة والصناعة. وصفات الأولين العبوسة والكسل والكبر والغطرسة. وصفات التوسك الوداعة والثرة والابتسام.
وواجب الانتقام للثأر والأخذ للثرة يتوارثونه كابراً عن كابر ووالداً عن والد. وهو كذلك ورائه في أهل الأسرة الواحدة. وسكان الضيعة الواحدة. وعشائر القبيلة الواحدة. وإن حادثة واحدة لتجر في أغلب الآحايين إلى أحداث كثر وجرائم متعددة وحروب طاحنة بين أهل الأسر المتجاورة، وترى القائل يأوى عادة إلى الجبال مخافة من المنتقم، أو يضرب في داره لا يبرحها الأعوام الطوال. وقد بلغ من هذه الحروب والخصومات والأحن أن عدد من
стр. 1186
يموتون موتاً طبيعياً لا يكاد يبلغ ٧٥ في المائة كل عام.
وقد يقيمون صلحاً بين القبيلتين المتخاصمتين. وقد يقيمون هدنة أيام. والمفوضون في مثل ذلك هم أهل الدين. وهم يرعون حق الضيف على المضيف إلى الحد الأبعد والغاية القصوى. ولا يجرأ سائح أفاق على التغول في داخلية البلاد إلا بذمة أحد السكان ووساطته. فإذا ضمن من الباني عهداً فهو المرحب به المكرم. وفي بعض الولايات يجعلون حداً مقرراً لثمن الدماء والديات فمثلاً في بلدة أرجيرو كسترو لا تزيد الدية عن (١٢٠٠) قرش وفي خيماره (٢٠٠٠) قرش. فإذا دفعت الديات وأخذها أهل القتيل عاد الوئام بين الأسرتين واستتب السلام. والألبانيون يوقرون نساءهم وينظرون إليهن بالتبجيل والإكرام حتى ليستعينون بهن في قضاء الصلح بين المتخاصمين وإنفاذ المهادنة بين المتكاشحين. وإن المرأة منهم لتجوب الولاية كلها لا خوف يأخذها ولا خشية. وإن عهداً منها ليحمي السائح. ويرد أمان الخائف. ويسكن سرب الغريب. وهن يرافقن رجالهن إلى ميادين القتال. ليواسين الجرحى ويغمدن جراح المرتشين ويحملن جثث الموتى.
ولباس التوسك جد مخالف للباس الحج وأشهر أثوابهم الفستان الأبيض وقد اتخذه اليونانيون حديثاً. والحج يلبسون سراويل حمراء مزركشة بأربطة سوداء وسترة قصيرة ضيقة والأغنياء منهم يزينون السترة بأشرطة من الذهب وكلهم يلبس الطربوش وأهل الشمال يتمنطقون (بالطبنجة) والمسدسات.
ديانتهم وشؤون التعليم عندهم - السواد الأعظم من الألبان وهو يبلغ ثلاثة أخماس مجموع السكان يدينون بالشريعة الإسلامية. وأكثر من نصف سكان ولاية أشقودرة من المسلمين. والبانيا الوسطى تكاد تكون بجملتها بلداً إسلامياً وفي الجنوب عدد غير قليل من المسيحيين.
أما شؤون التعليم فتكاد تكون مطرحة مهملة وسواد السكان أميون سواء في ذلك المسيحيون والمسلمون وكانت الحكومة العثمانية تمتع الأهلين من التعلم باللغة الألبانية وبذلك لأسباب سياسية. وفي بعض البلدان مدارس ابتدائية وثانونية عثمانية. وفي الجوامع يدرس القرآن. والأسر الكبيرة من الألبان ترسل بنيها للتعلم في مدارس القسطنطينية أو ويانة (فينيا). وفي أشفودرة كلية للجزويت تحت رعاية الحكومة النمسوية. وللفرنسسكان عدة مدارس ابتدائية.
стр. 1187
والحكومة الطليانية ترعى شؤون ثلاث مدارس عمومية والتعليم فيها بالطليانية وفي جنوب البانيا عدة مدارس لليونان. وفي يانينا مدرسة للألعاب الرياضية، وأسرات النجار في هذه المدينة على جانب من العلم والتربية. واللغة التي يتكلمون بها في يانيا اليونانية المحرفة. .
جئنا بهذه الكلمة مجملة لتستطرد بها إلى وصف أمير الألبانيين الجديد وكيف كان دخوله مقر الإمارة. وحاضرة الملك. بعد ما انسلخت هذه الولاية عن الدولة.
في أوائل شهر مارس المنصرم ركب البرنس ولهلم ده ويد - وإن شئت ففل غليوم الأول أمير ألبانيا الجديد - الباخرة طورس من ثغر تريسته يريد دورازو وحاضرة أمارته وفي حاشيته أسطول دولي، يتألف من الباخرة الفرنسية (بروي) والطليانية كوارتو والإنجليزية جلوستر وبذلك بدأ عهداً جديداً تحفه الأخطار، عهد الإمارة، ورعاية شؤون أمة أولية تستحب الفوضى على النظام.
وكان قد استقبل قبل ذلك باسبوع في قصره بتويد الوفد الذي جامعن ألبانيا لتقديم التاج إليه، والبرنس كما ترى من صورته في لباس جديد على الزي التركي الألباني، أما الأميرة صوفيا زوجته فقد أعدت لنفسها قبل دخولهما دورازو أثواباً إسلامية. سراويل من الحرير واسعة. وجعلت تستقبل المرحبين والمهنئين وهي جالسة جلسة الأتراك على أنها احتفظت بالزي الغربي وكانت تلبسه تحت برنسها الفروي، وكانت تزين شعرها الفاحم بدرة من الماس وكانت صفراء اللون بهاريته.
ولما مثل أسعد مثل رئيس الوفد في حضرة الأمير. كان يدعوه بلفظة موريت ومعناها الأمير والملك معاً ولئن كان الناس لا يزالون في حيرة لا يدرون أي لقب يطلقون على البرنس دمويد اليوم فلعل لفظة موريت تصلح له كما يقولون على فردنياند ملك البلغار تزار وهي لغة في قيصر.
وألقى أسعد باشا بين يديه خطبة موجزة أجاب عليها الأمير بمثلها فلما فرغ من خطبته تصافح الخطيبان وشد كل يد الآخر وهما يتناظران. وإذ ذاك هتف الحضور هتافاً عالياً.
وقد بالغت حاشية البرنس وبلاطه في إظهار التودد والانعطاف نحو نواب الشعب الأرناؤودي إذ سمحوا لهم يتفقد قصر الأمير وزيارة ضياعه ودعوهم إلى رؤية الصور المتحركة حتى إذا رافقوا الأمير وزوجة من قصرهما بنويد إلى مدينة والدتبرج مثلوا في
стр. 1188
حضرة والدي الأميرة ومن هناك انحدروا إلى ويانة ومنها إلى تريستة حيث ارتقبوا وصول الأمير.
ولن تمضي بضعة أيام حتى ترى ألبانيا في نظام جديد وستنزل الدول أعلامها الخفاقة فوق أشقودرة. ولم يبق إلا لجنة المراقبة الدولية والجندرمة التي نظمت لحفظ النظام والأمن.
ولم يخف البرنس دويدر في خطابته التي رد بها على أسعد باشا أنه لم يقبل التاج فرحاً مبتهج القلب. إشفاقاً من الصعوبات التي تتور مركزه السياسي.
وقد كتب كاتب مقالاً طويلاً يصف فيه ألبانيا نجتزئ منه بهذه السطور الآتية إنك لا تلقى في كل ألبانيا كيلو متراً واحداً لا بل ولا متراً واحداً من الطرق الصالحة أو ما يصح أن يقال له كذلك. فليس بها إلا شقوق في الجبال ودروب. وبقاع مستنقعة، وليس في داخلية البلاد إلا بلدان كبيران لهما قنطرتان، وأهل البلاد مشتتون منتشرون ومن الشاق في أغلب الأحيان أخذ معلومات عن الأماكن المأهولة. والنواحي المطروقة وليس فيها حوانيت ولا حانات ولا فنادق بالمعنى الغربي. وإنما ترى هنا وهناك خاناً أو أكثر من خان.
ثم انتقل إلى وصف قرى الألبان قال:
ودار الفلاح الألباني تشبه أكواخ الزنوج. وفي ألبانيا مثلت القرى كلها مؤلفة من الأكواخ. وهذه الأكواخ يشيدونها من فروع الشجر وأحراش القش. وفي الجهات الجبلية يبنون بيوتاً من الحجارة تشبه من جميع أجزائها القلاع والحصون. وهم يجعلون الطابق الأسفل مرابط لخيولهم ومحابس لشائهم وإهراء لغلاتهم ويفردون الطابق الأعلى لمسكنهم ومنامهم. ويصعد إلى الطابق الأعلى بدرج عمودية. وتري فتحات النوافذ صغيرة جداً. وليس لها زجاج. وهم يحتمون من أشعة الشمس والمطر والريح بقفلها بألواح من الخشب وللمنازل المبنية من الحجارة سقوف خشبية. وأما سقوف الأكواخ فمن الآجر ولا يعرفون المقاعد ولا الكراسي ولا السرر ولا غيرها من الرياش. بل يأكلون وينامون على الأرض.
الطيارات والطيارون
ليس في عديد أمهات المسائل في هذا العصر العملي مسألة ذات خطر وبال مثل مسألة السياحة في الهواء. وهي من قديم العصور وغابر الأجيال أمنية الإنسان ومطمح نظره على أنها من الصعوبات بمكان. أوليس معنى ذلك أنا نمشي على الهواء وندوس بأقدامنا
стр. 1189
فوق الفضاء ونتخطى نافذين في صميم الجواء.
وينقسم فن الطيران إلى قسمين. يسمى الأول منها أي فن تطيير الآلات التي حجمها أخف من الهواء. مثل البالونات. ويسمى الثاني أي فن الطيران الصناعي بواسطة الطيارات الآلية وهي التي أثقل حجماً من الهواء مثل الأروبلانات ويتضمن هذا القسم المجهودات التي احتال بها الناس من قديم الزمان لتطيير جثمانهم.
والنوع الثاني أقدم تاريخاً من الأول فقد دل عليه علم الميثولوجيا وذكرته الخرافات القديمة. وهناك حكايات كثيرة تنبئ عن أناس حاولوا الطيران بجسومهم. فقد ثبت أن أول رجل فكر في تطيير جثمانه أبو القاسم عباس بن فرناس إذ كسا نفسه الريش ومد له جناحين وطار في الجو مسافة ولكنه لم ينشب أن سقط فتأذى في مؤخره لأنه لم يعمل له ذنباً. على أن مؤرخي الإفرنج والمصادر الإفرنجية لم تذكر أبا القاسم لا بالأولية ولا بغيرها. بل تقول أن أولهم جون ويلكنز. المتوفى عام ١٦٧٢. إذ بحث في عام ١٦٤٠ عن إمكان الوصول إلى القمر طائراً. وقد كتب في مذكراته أن قسيساً إنجليزياً يسمى الماراس في عهد الملك إدوارد الملقب بالمعترف طار من بلد في اسبانيا إلى مسافة جزء من ثمانية من الميل ويقال أن جيوفاني باتستا دانتي من مقاطعة بيرون في فرنسا طار فوق بحيرة ترازمين في إيطاليا عدة مرات. وفي أول العهد بالقرن السادس عشر أخذ طلياني من الكيماويين على عاتقه الطيران من سواحل إنجلترا إلى سماء فرنسا وفعلاً أنجز ما وعد ولكنه لم يكد يطير حتى سقط وتهشم فخذه. وحوال ذلك العهد بحث المسألة العالم ليناردو دافنشي وأخذ يطبق عليها القواعد العلمية وترى في مذكراته كثيراً من الصور التي تمثل أجنحة صناعية تلصق بالسوق والسواعد على نحو الخوافي والقوادم.
وفي كتاب للفيلسوف الإنجليزي المعاصر لشكسبير فرنسيس باكون نبذتان تدوران حول الطيران وإمكانه.
ولعل اليمامة الطائرة التي صنعها أرشيتاس من أهل ترانتام هي أقدم أثر لفكرة الطيران وكانت هذه الآلة على شكل يمامة أو حمامة من الخشب مصنوعة على قواعد علمية وتحوي كمية من الهواء في جوفها ولعل هذا الهواء هو الهيدروجين أو الهواء الساخن اللذان استعملا بعد ذلك بقرون وأجيال.
стр. 1190
على أن أول اختراع للبالون يرجع إلى ميشيل مونتجولفييه المولود عام ١٧٤٠ والمتوفى عام ١٨١٠ وإلى جاك أيتين مونتجولفييه أخيه المولود عام ١٧٤٥ والمتوفى عام ١٧٩٩ وهما ولجا بيير. ونتجولفييه وكان وراقاً مشهوراً بين أهل مدينة أنوناي على بعد أربعين ميلاً من مدينة ليون وكان الأخوان قد لاحظا تعلق الغمائم في الفضاء فاهتديا إلى أنهما لو استطاعا أن يخزنا هواء ساخناً يشبه بطبيعته أبخرة الغمائم والسحب في كيس كبير خفيف الحجم لارتفع بالكيس في الجو ففي أخريات عام ١٧٨٢ خزنا مقداراً من الهواء الساخن في عدة أكياس فلما تم لهما ذلك وجدا أن الأكياس بدأت تصعد في الهواء حتى إذا تأكد لهما نجاح تجربتهما هذه أزمعا عمل بالون كبير وتطييره على مشهد من الجمهور ففي الخامس من شهر يونيه عام ١٧٨٣ بحضور جم غفير من المتفرجين ملأ كيساً من التيل يبلغ محيطه نحواًَ من ١٠٥ أقدام بالهواء الساخن فلما ترك ارتفع ارتفاعاً عظيماً ثم هبط بعد عشر دقائق على مسافة ميل ونصف وبذلك كان اختراع البالون.
على أن الأخوين مونتجولفييه توهما أن الكيس صعد لخفة حجم الهواء الساخن وفي البالون لم يكن شيء من الحرارة ولذلك لم يلبث أن ابترد الهواء الساخن المختزن وتبع ذلك هبوط البالون.
وأثارت هذه التجربة أهمية كبرى في باريس حتى أن بارتلميه فوجاس ده سانت فويد المولود سنة ١٧٤١ والمتوفى سنة ١٨١٩ أستاذ الجيولوجيا بمتحف التاريخ الطبيعي بباريس فتح باب الاكتتاب لإعادة عمل التجربة ومن ثم صنع الأخوان وبرت بالوناً جديداً تحت مراقبة العالم الطبيعي شارل وارتأوا في بادئ الأمر إعادة تجربة مونتجولفييه بحذافيرها. ولكن العالم الطبيعي شارل ارتأى استعمال غاز الهيدروجين وصعد به إلى نحو ٣٠٠٠ قدم حتى إذا مكث محلقاً في الجو ما يقرب من ثلاثة أرباع الساعة سقط في حقل قريب من بلدة جونس على مسافة خمسة عشر ميلاً من مكان صعوده وقد ذعر الفلاحون منه فمزقوه إرباً.
وعاد مونتجولفييه فعمل في سبتمبر عام ١٧٨٣ تجربة في فرساليا بحضور الملك والملكة ورجال البلاط ونسائه وجمع عظيم من المتفرجين وعلق بالبالون قفصاً ووضع به شاة وديكاً وبطة فكانت هذه الحيوانات أول السياح في الهواء. وارتفع بها البالون إلى علو
стр. 1191
١٥٠٠ قدم ثم سقط على مسافة ميلين من مكان الحفلة فتهشم ركابه وكانت الضحايا الأولى لهذا الاختراع العظيم.
وأول رجل ركب البالوان جان فرانسوا المتوفى عام ١٧٨٧ وكان من أهل مدينة ميتز. وقد ركب مع رفيق له يدعى جيرون ده فيللت في بالوان أسير. وهو نوع من البالونات يشد بالحبال.
ومن ثم تقدم عمل البالون. وكذلك هذابوا هذا الاختراع وتصرفوا فيه حتى استعملوه في الحروب. ولم تكد تبدأ الثورة الفرنسية الكبرى حتى أسسوا مدرسة في مدينة ميدون من أعمال فرنسا لتعليم فن البالونات ولم يلبثوا أن بنوا أربع بالونات فرقوها على الحدود الفرنسية وفي يونيه عام ١٧٩٤ صعد القائد كوتل في واحد منها الاستكشاف مواقع العدو وقبل واقعة فليرس وقد أجمع المؤرخون على أن انتصار الفرنسيين على الأعداء في غلوا الثورة الفرنسية كان راجعاً إلى فضل هذه البالونات، وفي الحرب التي نشبت بين فرنسا وإيطاليا عام ١٨٥٩ عاد الفرنسيون إلى استعمال البالون في استكشاف مرابض الطليان ومرابط جيشهم ولاسيما في واقعة سالفارينو.
وفي الحرب الداخلية الأمريكية التي نشبت في سنة ١٨٦١ كان الاتحاديون يستعينون بالبالونات ولكن لم تنجل قيمتها في الحرب إلا في حصار باريس (١٨٧٠) إذ كانت هي الوسيلة الوحيدة بين أهل باريس والولايات الفرنسية وكانوا يحبسون فيها الحمائم لتأتي بأخبار المقاطعات وقد بلغ عددها في أيام المحاصرة نحواً من (٦٤) بالوناً وكان فرار غميتا من باريس في أحد هذه البالونات.
على أن البالون لم يقرر كأداة لازمة في الحروب إلا حوالي عام ١٨٨٤ إذ اتفق أغلب الدول على استعمالها. وقد استعان بها الإنجليز والفرنسيون في فتوحهم وحروبهم في أفريقيا والشرق الأقصى.
وكان البحث السائد بين الطيارين منذ بدئ الطيران هو هل في الممكنات تدبير حركات البالونات بصنع دفة لها تديرها كما يشاء الطيار. ومن ثم أخذوا يعدون لذلك العدد ويحاولون الحيل ويقيمون التجاريب وأول هؤلاء هنرى جيفرد في عام ١٨٥٢ إذ طار في بالون تدير حركاته في الجو آلة بخارية. واقتفى آثاره كثيرون فمنهم ديبوى ده لوم في سنة
стр. 1192
١٨٧٢ وتيساندييه في عام ١٨٨٤ وشوارتز في عام ١٨٩٧ ومن تلك السنة بدأ الكونت فرديناندفون زبلن من رؤساء الجيش الألماني ينشيء بالوناً ضخماً وإن شئت فمركباً هوائياً عظيماً يحمل على الأقل خمسة رجال وعمل تجربة في شهر يوليه عام ١٩٠٠ فكانت سرعته في الساعة ١٨ ميلاً وفي سنة ١٩٠٥ بنى زبلن مركباً ثانياً ولكنه لم يلبث أن تهشم في ريح هوجاء. فكان ثالث طار فوق بحيرة كونستانس من أعمال سويسرا وكانت سرعته ستة وثلاثين ميلاً في الساعة يحمل أحد عشر رجلاً. فلما كانت سنة ١٩٠٨ صنع مركباً رابعاً سار في أطباق الجو نحواً من مائتين وخمسين ميلاً في إحدى عشرة ساعة ولكنه تكسر واحترق فرجع الألمان إلى الاكتتاب وعلى رأسهم الإمبراطور فأنشؤوا مركباً خامساً.
ومن ذلك الحين بدأت الدول تلقي الأهمية الكبرى على إنشاء المراكب الهوائية الحربية وبلغ اهتمامهم اليوم الغاية القصوى فإن لألمانيا من المراكب الهوائية اليوم نحواً من ستين طيارة ولإنجلترا مائة وخمسين ولفرنسا خمسمائة وللولايات المتحدة مائة وعشرين وإيطاليا خمسة وثلاثين ولروسيا أربعة عشر ومائة وللنمسا عشرين.
أما فكرة الطيران بالأجنحة فقد طبقوا القواعد العلمية عليها وبحثوا توازن الطير حتى كان منها اختراع الطيارات الهوائية وهي التي تطير بمحرك يدير أجنحتها ويرف بها ويجري هذا المحرك أما بالكهرباء وأما بغاز البترول أو البنزين.
وقد تقدموا في هذه الطيارات فاخترعوا الطيارات المونوبولان أي الموحدة الجناح والطيارات البيبلان وهي المزدوجة الجناح والطيارات التريبلان وهي المثلثة الجناح. ولم تتجل للعالم عجائب الطيران ومدهشاته ولم تبد شجاعة الطيارين وصدق بأسهم ورباطة جأشهم إلا في هذه السنين الأخيرة والفرنسيون سادة هذا الفن ومرقوه. وإن منهم من حاز قصب السبق في مبلغ الارتفاع. ومنهم من ظفر بالأولية في سرعة الطيران. ومن الفريق الأول لاثام إذ بلغ في سنة ١٩٠٩، هو العام الذي أخذ فيه العالم يهتم أكثر من قبل بفن الطيران إلى ارتفاع ١٠٠٠ متر وممن استبقوا في السرعة الكونت دي لامبير وقد طار في نفس ذلك العام فوق برج إيفل بباريس.
وجرت في عام ١٩٠٩ مسابقة ورهان بين بلريو ولاثام على تعدية مضيق المانش محلقين فنجح الأول. وعثر حظ الثاني إذ سقط فوق أديم الماء ولكنه لم يصب بأذى وأما بلريو
стр. 1193
فاستغرق في اجتياز المانش من بولونيا في فرنسا إلى ثغر دوفر في الأرض الإنكليزية نحواً من ثمانية وعشرون دقيقة وقد بلغ بيريون رفيق بليريو في الحادي عشر من شهر مارس من العام الماضي إلى ارتفاع ٥٨٥٠ متراً في مسافة تقرب من ساعة وهذه هي المرة الأولى التي بلغ بها الطيار إلى مثل هذا الارتفاع الشاهق على أن لوكانيو تقوى عليه وبرز في ديسمبر من العام الماضي إذا ارتفع بطيارته إلى علو ٦١٥٠ متراً. وقد كان في العام الذي قبله ارتفع إلى ٥٨١٠ أمتار.
وجاز الطيار الفرنسي دوكور ما بين مدينتي باريس وبرلين في ثماني ساعات إلا قليلاً بينما القطار السريع يجوزها في ثلاث وعشرين ساعة إذ تبلغ مسافة ما بين الحاضرتين نحواً من ٩٠٠ كيلو متراً. فإذا حسبنا ذلك استنتجنا أن دوكور كان يطير في الساعة ما يربي على مائة كيلو متر وأغرب من ذلك وأدعي إلى العجب أن الطيار برنديجون استغرق في طيرانه من باريس إلى مدينة فرسوفيا في بولونيا من أعمال الروسيا يوماً واحداً لم يرفه عن نفسه فيها إلا سبع ساعات.
وبعد كتابة ما تقدم وقعت إلينا رسالة صغيرة باللغة الفرنسية بقلم سعادة الأستاذ المحقق أحمد زكي باشا الكاتب الأول لمجلس النظار. أثبت فيها خطبته التي ألقاها في حفلة إقامة التمثال تخليداً لذكرى الطيار الفرنسي المشهور مويار في مدينة الشمس (هليو بوليس) وأضاف إلى الخطبة المكاتبة التي بعث بها إلى مجلس المعارف الأعلى ووسمها بعنوان (الطيران عند المسلمين) وفيها حقق الكلام على طائري العرب ابن فرناس والجوهري ورجع في ذلك إلى كتب العرب وأسفارهم ونحن نقتطف منها نبذا صالحة لمقالنا هذا: ندع جانباً السير المصرية المعروفة. والأقاصيص اليونانية الشائعة. ونكتفي بأن نذكر مع الأبحار تلك الأقاصيص التي جاءت في تاريخ العرب.
ألم يستعمل النمرود لحرب الله أربعة من النسور أزمع بها صعوداً. تحف به الأخطار وتحدق به التهلكة فوق سطح جهزه بقطع من اللحم الغريض. لكي يحرض هذه الطيور الجوارح على متابعة الصمود والارتفاع.
أولم يكن لسليمان في رحلاته وطوفانه ونقلاته، بساط تسيره الأرواح مسخرة لمشيئته. يطوف فوقه على آسيا وأرجائها؟.
стр. 1194
وفضلاً عن ذلك ألم يتخيل الروائيون. في جميع الملل والنحل. قديمها وحديثها اختراعات هي أبعد ما يكون من الاحتمال والتصديق.
أولم نشهد بعد كل ذلك أن ما كان بالأمس حلم حالم وخيال متخيل. قد أصبح اليوم وهو الحقيقة الملموسة؟.
إن مؤلفي القصص العربية ومن بينها قصص ألف ليلة وليلة. قد وجدوا لهم. حتى في عصرنا هذا. جماعة من المتممين المنفذين. ولو شئنا أن نسرد لك أسماءهم لطال بنا السرد. وإنما نكتفي بذكر جول فرن. فقد أتيحت له السعادة الكبرى فشهد تحقيق بعض أحلامه وخيالاته.
وإليك ما قال سعادة المحقق في الجوهري: هو أبو نصر إسماعيل بن حماد المعروف بالجوهري. ولد بقري فاراب من بلاد تركستان وهي تسمى اليوم أطرار. وقد كان أبو نصر في شبيبته وروق صباه. مولعاً بالسفر والتجواب. تواقاً إلى الارتحال والاغتراب اخترق أواسط بلاد العرب، وتنقل بين أفصح قبائلها. وأبلغ بطونها، في طلب الأدب وإتقان لغة العرب وجاء جافل الجعبة بالشروح القيمة. والدقائق الغالية. وساعده ذلك على وضع أثر كبير في اللغة. لا يبلى ولا ينسى - ويعني بذلك كتاب الصحاح. حتى إذا استوسق له ذلك اندفع مع ولعه إلى زيارة أعمر الحواضر. وأزهر البلدان في الشام وفارس والعراق. واكتسب قربة العلماء. وأخذ عن الأئمة منهم والمتبحرين وتعلم الخط حتى حذقه وأبدع فيه. واقترن فيه اسمه بابن مقلة. ومهلهل واليزيدي. ولم يقصر سعيه على ذلك. بل ضرب بسهام في الأدب والفقه والفلسفة الدينية.
وأقام حتى وفاته بمدينة نيسابور. وتقاطرت عليه الطلاب من كل مكان. يأخذون عنه في حلقات الجامع الكبير بنيسابور اللغة والخط. وفرغ إذ ذاك إلى تنسيق صحاحه وترتيب تآليفه في النثر والنحو وغيرهما. وكان ينسخها بخطه المونق: إلى أن قال سعادة المحقق. وصعد يوماً سطح الجامع الكبير في نيسابور فأهاب بالقوم أيها الناس. لقد استنبطت اليوم للعالم عملاً لا مثيل له ولا قرين. وأنا محدث للخلف أمراً ما تقدمني إلى اختراعه أحد قط.
ثم أخذ دفتين فشدهما إلى جثمانه بالحبال. بدل الأجنحة. وقال للناس إنه طائر في أطباق الفضاء. وإذ ذاك رف بجثمانه في الجو. ولكنه لم ينشب أن سقط سقطة قاتلة طاحت
стр. 1195
بحياته. وكان ذلك عام ٣٩٣ من الهجرة الموافق عام اثنين بعد الألف من مولد السيد المسيح. وبعض المؤرخين يجعل ذلك بعد هذا العهد بخمسة أحوال أو سبعة.
ولكن جهلاء القوم الذين حضروا مقتل أول شهداء الطيران وضحاياه ألقي في روعهم أن الرجل مجنون مختلط العقل.
ثم قال: ومضي بعد ذلك ستون عاماً فقام يومئذ مقلد للجوهري في إنجلترا. إذ جاء في جريدة الطان الفرنسية مقال نقلته عنها جريدة الريفورم التي تصدر في الإسكندرية في ١٨ يوليه عام ١٩٠١ وهذا ما جاء فيه:
إن المذكرة التي ألقاها الموسيو مونجيز في مجمع ليون في الحادي عشر من شهر مايو سنة ١٨٧٥ تدلنا على أول تجربة عملها الكاهن الإنجليزي أولفييه ده مالمسبوري إذ بدأ بتطيير جسمه بواسطة أجنحة صناعية ألصقها بساقيه وساعديه. ولكنه سقط فتهشم ساقاه ومات من جراحة عام ١٠٦٠.
وعملت بعد ذلك تجربتان. لم يكن حظهما من النجاح بأكثر من حظ أولفيبيه هذا أقام بالأولى في هد لويس الرابع عشر اللار إذ تعهد أن يطير من سانت جرمان غابة فيزينه. ولكنه سقط على مسافة أمتار من مكان طيرانه. وأصابته من ذلك جراح بالغة. وقام بالتجربة الثانية بزنييه. كما جاء في مقال مسهب نشرته جريدة العلماء في ١٨ ديسمبر عام ١٨٧٥.
ثم انتقل سعادة المحقق إلى الكلام عن ابن فرناس فقال إنه أول طيار. وأنه أسبق من الجوهري. ففي النصف الأول من القرن الثالث الهجري نبغ في قرطبة حاضرة الأندلس: رجل خليق باهتمامنا، حرى با كبارنا، يستأهل اسمه أن يكون في سجل الطيران، وقد ورد ذكر أبي القاسم عباس بن فرناس في أربعة مصادر؟ في يتيمة الثعالبي ولم يذكر له فيها الايتين باسم بن فرناس؟ وفي العقد الفريد لابن عبد ربه. وأثبت له شعراً فخماً مؤثراً قاله في انتصار أميره عبد الرحمن بوادي سليط. وفي البيان المغرب لابن عذاري المؤرخ المراكشي المشهور جاء بنفس القصيدة التي في العقد. باسم ابن مرداس. وقد كتب عنه المقري في نفح الطيب وهو المصدر الذي رجع إليه زكي باشا في الكلام عن أبي القاسم. وبعدما أسهب سعادته وأطال في تحقيق التحريف الذي وقع في الاسم واختلاف هذه
следующие страницы →