Полный текст (3 596 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.
стр. 1191
١٥٠٠ قدم ثم سقط على مسافة ميلين من مكان الحفلة فتهشم ركابه وكانت الضحايا الأولى لهذا الاختراع العظيم.
وأول رجل ركب البالوان جان فرانسوا المتوفى عام ١٧٨٧ وكان من أهل مدينة ميتز. وقد ركب مع رفيق له يدعى جيرون ده فيللت في بالوان أسير. وهو نوع من البالونات يشد بالحبال.
ومن ثم تقدم عمل البالون. وكذلك هذابوا هذا الاختراع وتصرفوا فيه حتى استعملوه في الحروب. ولم تكد تبدأ الثورة الفرنسية الكبرى حتى أسسوا مدرسة في مدينة ميدون من أعمال فرنسا لتعليم فن البالونات ولم يلبثوا أن بنوا أربع بالونات فرقوها على الحدود الفرنسية وفي يونيه عام ١٧٩٤ صعد القائد كوتل في واحد منها الاستكشاف مواقع العدو وقبل واقعة فليرس وقد أجمع المؤرخون على أن انتصار الفرنسيين على الأعداء في غلوا الثورة الفرنسية كان راجعاً إلى فضل هذه البالونات، وفي الحرب التي نشبت بين فرنسا وإيطاليا عام ١٨٥٩ عاد الفرنسيون إلى استعمال البالون في استكشاف مرابض الطليان ومرابط جيشهم ولاسيما في واقعة سالفارينو.
وفي الحرب الداخلية الأمريكية التي نشبت في سنة ١٨٦١ كان الاتحاديون يستعينون بالبالونات ولكن لم تنجل قيمتها في الحرب إلا في حصار باريس (١٨٧٠) إذ كانت هي الوسيلة الوحيدة بين أهل باريس والولايات الفرنسية وكانوا يحبسون فيها الحمائم لتأتي بأخبار المقاطعات وقد بلغ عددها في أيام المحاصرة نحواً من (٦٤) بالوناً وكان فرار غميتا من باريس في أحد هذه البالونات.
على أن البالون لم يقرر كأداة لازمة في الحروب إلا حوالي عام ١٨٨٤ إذ اتفق أغلب الدول على استعمالها. وقد استعان بها الإنجليز والفرنسيون في فتوحهم وحروبهم في أفريقيا والشرق الأقصى.
وكان البحث السائد بين الطيارين منذ بدئ الطيران هو هل في الممكنات تدبير حركات البالونات بصنع دفة لها تديرها كما يشاء الطيار. ومن ثم أخذوا يعدون لذلك العدد ويحاولون الحيل ويقيمون التجاريب وأول هؤلاء هنرى جيفرد في عام ١٨٥٢ إذ طار في بالون تدير حركاته في الجو آلة بخارية. واقتفى آثاره كثيرون فمنهم ديبوى ده لوم في سنة
стр. 1192
١٨٧٢ وتيساندييه في عام ١٨٨٤ وشوارتز في عام ١٨٩٧ ومن تلك السنة بدأ الكونت فرديناندفون زبلن من رؤساء الجيش الألماني ينشيء بالوناً ضخماً وإن شئت فمركباً هوائياً عظيماً يحمل على الأقل خمسة رجال وعمل تجربة في شهر يوليه عام ١٩٠٠ فكانت سرعته في الساعة ١٨ ميلاً وفي سنة ١٩٠٥ بنى زبلن مركباً ثانياً ولكنه لم يلبث أن تهشم في ريح هوجاء. فكان ثالث طار فوق بحيرة كونستانس من أعمال سويسرا وكانت سرعته ستة وثلاثين ميلاً في الساعة يحمل أحد عشر رجلاً. فلما كانت سنة ١٩٠٨ صنع مركباً رابعاً سار في أطباق الجو نحواً من مائتين وخمسين ميلاً في إحدى عشرة ساعة ولكنه تكسر واحترق فرجع الألمان إلى الاكتتاب وعلى رأسهم الإمبراطور فأنشؤوا مركباً خامساً.
ومن ذلك الحين بدأت الدول تلقي الأهمية الكبرى على إنشاء المراكب الهوائية الحربية وبلغ اهتمامهم اليوم الغاية القصوى فإن لألمانيا من المراكب الهوائية اليوم نحواً من ستين طيارة ولإنجلترا مائة وخمسين ولفرنسا خمسمائة وللولايات المتحدة مائة وعشرين وإيطاليا خمسة وثلاثين ولروسيا أربعة عشر ومائة وللنمسا عشرين.
أما فكرة الطيران بالأجنحة فقد طبقوا القواعد العلمية عليها وبحثوا توازن الطير حتى كان منها اختراع الطيارات الهوائية وهي التي تطير بمحرك يدير أجنحتها ويرف بها ويجري هذا المحرك أما بالكهرباء وأما بغاز البترول أو البنزين.
وقد تقدموا في هذه الطيارات فاخترعوا الطيارات المونوبولان أي الموحدة الجناح والطيارات البيبلان وهي المزدوجة الجناح والطيارات التريبلان وهي المثلثة الجناح. ولم تتجل للعالم عجائب الطيران ومدهشاته ولم تبد شجاعة الطيارين وصدق بأسهم ورباطة جأشهم إلا في هذه السنين الأخيرة والفرنسيون سادة هذا الفن ومرقوه. وإن منهم من حاز قصب السبق في مبلغ الارتفاع. ومنهم من ظفر بالأولية في سرعة الطيران. ومن الفريق الأول لاثام إذ بلغ في سنة ١٩٠٩، هو العام الذي أخذ فيه العالم يهتم أكثر من قبل بفن الطيران إلى ارتفاع ١٠٠٠ متر وممن استبقوا في السرعة الكونت دي لامبير وقد طار في نفس ذلك العام فوق برج إيفل بباريس.
وجرت في عام ١٩٠٩ مسابقة ورهان بين بلريو ولاثام على تعدية مضيق المانش محلقين فنجح الأول. وعثر حظ الثاني إذ سقط فوق أديم الماء ولكنه لم يصب بأذى وأما بلريو
стр. 1193
فاستغرق في اجتياز المانش من بولونيا في فرنسا إلى ثغر دوفر في الأرض الإنكليزية نحواً من ثمانية وعشرون دقيقة وقد بلغ بيريون رفيق بليريو في الحادي عشر من شهر مارس من العام الماضي إلى ارتفاع ٥٨٥٠ متراً في مسافة تقرب من ساعة وهذه هي المرة الأولى التي بلغ بها الطيار إلى مثل هذا الارتفاع الشاهق على أن لوكانيو تقوى عليه وبرز في ديسمبر من العام الماضي إذا ارتفع بطيارته إلى علو ٦١٥٠ متراً. وقد كان في العام الذي قبله ارتفع إلى ٥٨١٠ أمتار.
وجاز الطيار الفرنسي دوكور ما بين مدينتي باريس وبرلين في ثماني ساعات إلا قليلاً بينما القطار السريع يجوزها في ثلاث وعشرين ساعة إذ تبلغ مسافة ما بين الحاضرتين نحواً من ٩٠٠ كيلو متراً. فإذا حسبنا ذلك استنتجنا أن دوكور كان يطير في الساعة ما يربي على مائة كيلو متر وأغرب من ذلك وأدعي إلى العجب أن الطيار برنديجون استغرق في طيرانه من باريس إلى مدينة فرسوفيا في بولونيا من أعمال الروسيا يوماً واحداً لم يرفه عن نفسه فيها إلا سبع ساعات.
وبعد كتابة ما تقدم وقعت إلينا رسالة صغيرة باللغة الفرنسية بقلم سعادة الأستاذ المحقق أحمد زكي باشا الكاتب الأول لمجلس النظار. أثبت فيها خطبته التي ألقاها في حفلة إقامة التمثال تخليداً لذكرى الطيار الفرنسي المشهور مويار في مدينة الشمس (هليو بوليس) وأضاف إلى الخطبة المكاتبة التي بعث بها إلى مجلس المعارف الأعلى ووسمها بعنوان (الطيران عند المسلمين) وفيها حقق الكلام على طائري العرب ابن فرناس والجوهري ورجع في ذلك إلى كتب العرب وأسفارهم ونحن نقتطف منها نبذا صالحة لمقالنا هذا: ندع جانباً السير المصرية المعروفة. والأقاصيص اليونانية الشائعة. ونكتفي بأن نذكر مع الأبحار تلك الأقاصيص التي جاءت في تاريخ العرب.
ألم يستعمل النمرود لحرب الله أربعة من النسور أزمع بها صعوداً. تحف به الأخطار وتحدق به التهلكة فوق سطح جهزه بقطع من اللحم الغريض. لكي يحرض هذه الطيور الجوارح على متابعة الصمود والارتفاع.
أولم يكن لسليمان في رحلاته وطوفانه ونقلاته، بساط تسيره الأرواح مسخرة لمشيئته. يطوف فوقه على آسيا وأرجائها؟.
стр. 1194
وفضلاً عن ذلك ألم يتخيل الروائيون. في جميع الملل والنحل. قديمها وحديثها اختراعات هي أبعد ما يكون من الاحتمال والتصديق.
أولم نشهد بعد كل ذلك أن ما كان بالأمس حلم حالم وخيال متخيل. قد أصبح اليوم وهو الحقيقة الملموسة؟.
إن مؤلفي القصص العربية ومن بينها قصص ألف ليلة وليلة. قد وجدوا لهم. حتى في عصرنا هذا. جماعة من المتممين المنفذين. ولو شئنا أن نسرد لك أسماءهم لطال بنا السرد. وإنما نكتفي بذكر جول فرن. فقد أتيحت له السعادة الكبرى فشهد تحقيق بعض أحلامه وخيالاته.
وإليك ما قال سعادة المحقق في الجوهري: هو أبو نصر إسماعيل بن حماد المعروف بالجوهري. ولد بقري فاراب من بلاد تركستان وهي تسمى اليوم أطرار. وقد كان أبو نصر في شبيبته وروق صباه. مولعاً بالسفر والتجواب. تواقاً إلى الارتحال والاغتراب اخترق أواسط بلاد العرب، وتنقل بين أفصح قبائلها. وأبلغ بطونها، في طلب الأدب وإتقان لغة العرب وجاء جافل الجعبة بالشروح القيمة. والدقائق الغالية. وساعده ذلك على وضع أثر كبير في اللغة. لا يبلى ولا ينسى - ويعني بذلك كتاب الصحاح. حتى إذا استوسق له ذلك اندفع مع ولعه إلى زيارة أعمر الحواضر. وأزهر البلدان في الشام وفارس والعراق. واكتسب قربة العلماء. وأخذ عن الأئمة منهم والمتبحرين وتعلم الخط حتى حذقه وأبدع فيه. واقترن فيه اسمه بابن مقلة. ومهلهل واليزيدي. ولم يقصر سعيه على ذلك. بل ضرب بسهام في الأدب والفقه والفلسفة الدينية.
وأقام حتى وفاته بمدينة نيسابور. وتقاطرت عليه الطلاب من كل مكان. يأخذون عنه في حلقات الجامع الكبير بنيسابور اللغة والخط. وفرغ إذ ذاك إلى تنسيق صحاحه وترتيب تآليفه في النثر والنحو وغيرهما. وكان ينسخها بخطه المونق: إلى أن قال سعادة المحقق. وصعد يوماً سطح الجامع الكبير في نيسابور فأهاب بالقوم أيها الناس. لقد استنبطت اليوم للعالم عملاً لا مثيل له ولا قرين. وأنا محدث للخلف أمراً ما تقدمني إلى اختراعه أحد قط.
ثم أخذ دفتين فشدهما إلى جثمانه بالحبال. بدل الأجنحة. وقال للناس إنه طائر في أطباق الفضاء. وإذ ذاك رف بجثمانه في الجو. ولكنه لم ينشب أن سقط سقطة قاتلة طاحت
стр. 1195
بحياته. وكان ذلك عام ٣٩٣ من الهجرة الموافق عام اثنين بعد الألف من مولد السيد المسيح. وبعض المؤرخين يجعل ذلك بعد هذا العهد بخمسة أحوال أو سبعة.
ولكن جهلاء القوم الذين حضروا مقتل أول شهداء الطيران وضحاياه ألقي في روعهم أن الرجل مجنون مختلط العقل.
ثم قال: ومضي بعد ذلك ستون عاماً فقام يومئذ مقلد للجوهري في إنجلترا. إذ جاء في جريدة الطان الفرنسية مقال نقلته عنها جريدة الريفورم التي تصدر في الإسكندرية في ١٨ يوليه عام ١٩٠١ وهذا ما جاء فيه:
إن المذكرة التي ألقاها الموسيو مونجيز في مجمع ليون في الحادي عشر من شهر مايو سنة ١٨٧٥ تدلنا على أول تجربة عملها الكاهن الإنجليزي أولفييه ده مالمسبوري إذ بدأ بتطيير جسمه بواسطة أجنحة صناعية ألصقها بساقيه وساعديه. ولكنه سقط فتهشم ساقاه ومات من جراحة عام ١٠٦٠.
وعملت بعد ذلك تجربتان. لم يكن حظهما من النجاح بأكثر من حظ أولفيبيه هذا أقام بالأولى في هد لويس الرابع عشر اللار إذ تعهد أن يطير من سانت جرمان غابة فيزينه. ولكنه سقط على مسافة أمتار من مكان طيرانه. وأصابته من ذلك جراح بالغة. وقام بالتجربة الثانية بزنييه. كما جاء في مقال مسهب نشرته جريدة العلماء في ١٨ ديسمبر عام ١٨٧٥.
ثم انتقل سعادة المحقق إلى الكلام عن ابن فرناس فقال إنه أول طيار. وأنه أسبق من الجوهري. ففي النصف الأول من القرن الثالث الهجري نبغ في قرطبة حاضرة الأندلس: رجل خليق باهتمامنا، حرى با كبارنا، يستأهل اسمه أن يكون في سجل الطيران، وقد ورد ذكر أبي القاسم عباس بن فرناس في أربعة مصادر؟ في يتيمة الثعالبي ولم يذكر له فيها الايتين باسم بن فرناس؟ وفي العقد الفريد لابن عبد ربه. وأثبت له شعراً فخماً مؤثراً قاله في انتصار أميره عبد الرحمن بوادي سليط. وفي البيان المغرب لابن عذاري المؤرخ المراكشي المشهور جاء بنفس القصيدة التي في العقد. باسم ابن مرداس. وقد كتب عنه المقري في نفح الطيب وهو المصدر الذي رجع إليه زكي باشا في الكلام عن أبي القاسم. وبعدما أسهب سعادته وأطال في تحقيق التحريف الذي وقع في الاسم واختلاف هذه
стр. 1196
المراجع في فرناس ومرداس ومرناس وقرناس. انتقل إلى ما كان من مؤمن بن سعيد من شعراء قرطبة. وسخريته من أبي القاسم يوم قال للأمير محمد من أبيات:
رأيت أمير المؤمنين محمدا ... وفي وجهه بذر المحبة يثمر
فقال له مؤمن قبحاً لما ارتكبت. جعلت وجه الخليفة محرثاً يثمر فيه البذر فخجل وسبه، وكان ابن فرناس من قبل ذلك نحوياًَ وأثبت ذلك السيوطي واعتمد على المؤرخ الأندلسي أبي بكر الزبيدي. وكان أول من فك بقرطبة كتاب العروض للخليل. وأول من فك الموسيقى وأول من استنبط بالأندلس صناعة الزجاج من الحجارة. وصنع الآلة المعروفة بالثقال ليعرف الأوقات على غير رسم ولا مثيل.
وصنع في بيته هيئة السماء. وخبل للناظر فيها النجوم والغيوم والبروق والرعود فلم يسلم أبو القاسم من سخرية مؤمن بن سعيد. ولا نجا من بذاءة لسانه.
واحتال في تطيير جثمانه فكسا نفسه الريش ومد له جناحين وطار في الجو مسافات بعيدة ولكنه لم يحسن الاحتيال في وقوعه فتأذى في مؤخره. وقال المقري إنه لم يدر أن الطائر يقع على زمكه. ولم يعمل له ذنباً، وفيه قال مؤمن بن سعيد:
يطم على العنقاء في طيرانها ... إذا ما كسا نفسه ريح قشعم
وفي هذا البيت شهادة لأبي القاسم لا تدفع ولا ترد. إذ جاءت من عدو حانق مهتاج ومن ذلك نستخلص أن أبا القاسم في القرن التاسع من التاريخ المسيحي لم ينجح فقط في تطيير جثمانه في القضاء بل استطاع كذلك أن يقوم بسياحة هوائية.
فليسمع الغربيون. ولتطب نفساً أبناء العرب!.
وأعجب ما كان في هذه الأيام من الرحلات الجوية. رحلات الطيارين الفرنسيين دوكور، وفدرين، وبونييه، من باريس إلى القاهرة عن سماء الشآم. ورحلة الطائر الإنجليزي ما كان عن سماء البحر المتوسط. وكلتا الرحلتين تعد من المهارة الفائقة كل حد.
والآن اسمع ما كتب الطيار دوكوريصف ما عاناه في جبال طوروس قال:
بدأت أسير بضعة أمتار محاذياً هذا الطود الأشم. كما تحوم البعوضة حول ثغرة في السقف. ولكن لم ألبث أن وجدت صدعاً في الصخور قد اختفى عاليه في السحاب المركوم والغيم المتكاثف فلما عرفت أني في الوادي الذي يحاذي الخط الحديد الذي يجري الألمان
стр. 1197
اليوم عمله. اندفعت إليه ولكني ما كدت أدفع في هذا الصدع الضيق حتى هبت ريح هوجاء جعلتني أهتز وأترنح وأميد وأنا أنساق مع الريح إلى الأمام. وكانت طيارتي تسير بسرعة شديدة تقرب من ١١٠ كيلو مترات في الساعة ولكن قوة الريح جعلتها تقطع ضعف هذه السرعة ولم أنشب أن فقدت كل تدبير وصرت أميل مع الريح كالورقة في الرياح المعصرات. فآونة أعمد إلى هذا الجناح. وأونه إلى ذاك وكنت أرى الأرض تحتى تطوي طي السجل للكتب وكانت المراكز التي في طريقي حيث ينام العمال الذين يعملون في النفق والخط الحديد. ترسل إلى بعضها الأبناء البرقية تنبيهاً لها بمقدمي وممري، وقد علمت أني كنت أقطع ٣٥٠ كيلو متراً في الساعة.
وكنت أنسل في طباق السماء كالبرق الخاطف مصطدماً في كل حين بطبقات الغيم وركام السحائب هذا والصدع يأخذ في الارتفاع والتطاول، حتى صرت كأني في درب مسدود يشق عنده الهبوط ويستحيل لدنه الارتفاع والتحليق فتبينت أن ختام الرحلة قد آن، وإن قد أزفت الأزفة. ليس لها من دون الله كاشفة. وإن الموت مني قاب قوسين أو أدنى. ولكني حمدت الله إن لم أصحب معي رفيقي. بل جعلته يجتاز دروب الجبل وإذا بثغرة في السحاب قد انشقت وفرجة في الغيم قد انجلت. فانبعثت أطير فيها حتى بلغت مكاناً أشبه في شكله (بالقمع) متوجاً أعاليه بالسحب وانفتح في الجهة اليمنى صدع جديد. آتياً من صوب البحر الأبيض تلتقي عنده ريحان متناوحتان قد نشأ من تناوحهما. دوامة هوائية جعلت منها اهتز وأميل.
ومضت بضع دقائق. وأنا لا أعرف ماذا أصنع والطيارة منطلقة بسرعة ٢٥٠ كيلو متراً. ولمحت أخيراً على جوانب الجبل. وقد اكتست ثوباً سندسياً من العشب. مكاناً فضاء منكشفاً، فيممته مواجهاًَ الريح وأنا أؤمل أن سرعة الزوبعة وسرعة الطيارة سيتوازنان ويتعادلان وذلك ما حدث ولكن ريحاً أخرى هبت من تلقاء البحر الأبيض انحرفت بي وانعطفت. وجعلت أهبط بسرعة ١٠٠ كيلو متر في الساعة. وارتميت على جانب الجبل على مقربة من الموضع الذي اخترت لهبوطي واصطدمت بشجرة هناك فحطمتها تحطيماً وسقطت بطيارتي على خمسين متراً من الموضع.
حتى إذا أفقت من غشيتي. وجدتني لا أزال في مكاني. قابضاً على سيور طيارتي وازائي
стр. 1198
جذع الشجرة المحطمة وما بي من خدش ولا جرح! ولكن شاء القدر لطيارة دوكور بعد أن جازت هذه القحم وتخطت هذه العقاب واحتملت هذه اللأواء إلا أن تحترق بعد ذلك بساعات. وأما فدرين ورفيقه بونيبه فقد تعلما من صاحبهما دوكور. وعاينا ما عاين من هول وعرفا ما نال من عذاب. فتحاميا أن يلقيا بنفسهما وطيارتيهما إلى مضايق الجبل وصعابه ومن ثم كان النجاح حليفهما والتوفيق نصيبهما.
فأما بونييه وميكانيكيه بارنبيه. فوصلا المقدس بين هتاف. واكيهم الفرنسيين. وابتهاج السوريين وخفقات الأعلام وازدحام الجماهير. وتألب الناس من جميع الطبقات والأجناس.
وبلغ فدرين يافا ولكنه لم يلج على المقدس. بل انطلق في طريقه. لا يلوى على شيء حتى بلغ القاهرة واحتفل به المصريون أيما احتفال.
وهنا يجمل بنا أن نتحف القراء بما جادت به قريحة أمير الشعراء أحمد بك شوقي في استقبال هؤلاء الطيارين - وإذا كان للعلوم الطبيعية أن تفخر بالطيارات وهؤلاء الطيارين، فإن خليقاً بالآداب الرفيقة أن تفخر الفخر كله بأميرها المفدى - وإذا كانت الماديات قد أزعجت النسور في الجواء. فقد رحبت بشعر أمير الأدب ملائكة السماء - قال شوقي:
يا فرنسا نلت أسباب السماء ... وتملكت مقاليد الحواء
غلب النسر على دولته ... وتنحى لك عن عرش الهواء
وأتك الريح تمشي أمة ... لك يا بلقيس من أوفي الإماء
روضت بعد جماح وجرت ... طوع سلطانين علم وذكاء
لك خيل بجناح أشبهت ... خيل جبريل لنصر الأنبياء
وبريد يسحب الذي على ... برد في البر والبحر بطاء
تطلع الشمس فيجرى دونها ... فوق عنق الريح أو متن العماء
رحلة المشرق والمغرب ما ... لبثت غير صباح ومساء
بسلاء الأنس والجن فدى ... لفريق من بنيك البسلاء
ضاقت الأرض بهم فاتخذوا ... في السموات قبور الشهداء
فيه يمون جيران البها ... سمراء النجم في أوج الغلاء
حوما فوق جبال لم تكن ... للرياح الهوج يوماً بوطاء
стр. 1199
لسليمان بساط واحد ... ولهم ألف بساط في الفضاء
يركبون الشهب والسحب إلى ... رفة الذكر وعلياء الثناء
يا نسوراً هبطوا الوادي على ... سالف الحب ومأثور الولاء
داركم مصر وفيها قومكم ... مرحباً بالأفريين الكرماء
طرتموا فيها فطارت فرحاً ... بأعز الضيف خير النزلاء
هل شجاكم في ثرى أهرامها ... ما أرقتم من دموع ودماء
أين (نسر) قد تلقى قبلكم ... عظة الأجيال من أعلى بناء
لو شهدتم عصره أضحى له ... عالم الأفلاك معقود اللواء
جرح الأهرام في عزتها ... فمشى لقبر مجروح الإباء
أخذت تاجاً بتاج ثارها ... وجزت عن صلف بالكبرياء
وتمنت لو حوت أعظمه ... بين أبناء الشموس العظماء
جل شأن الله هادى خلقه ... يهدي العلم ونور العلماء
زف من آياته الكبرى بنا ... طلبة طال بها عهد الرجاء
مركب لو سلف الدهر به ... كان إحدى معجزات القدماء
نصفه طير ونصف بشر ... يا لها إحدى أعاجيب القضاء
رائعاً مرتفعاً أو واقعاً ... أنفس الشجعان قبل الجبناء
مسرج في كل حين ملجم ... كامل العدة مرموق الرواء
كبساط الرياح في القدرة أو ... هدهد السيرة في صدق البلاء
أو كحوت يرتمي الموج به ... سابح بين ظهور وخفاء
راكب ما شاء من أطرافه ... لا يرى من مركب ذي عدواء
ملأ الجو فعالاً وغدا ... عجب الغربان فيه والحداء
وترى السحب به راعدة ... من حديد جمعت لا من رواء
حمل الفولاذ ريشا وجرى ... في عنانين له نار وماء
وجناح غير ذي قادمة ... كجناح النحل مصقول سواء
وذنبي كل ريح مسها ... مسه صاعقة من كهرباء
стр. 1200
يتراءى كوكباً ذا ذنب ... فإذا جد فسهما ذا مضاء
فإذا جاز الثريا للثرى ... جر كالطاووس ذيل الخيلاء
يملأ الآفاق صوتاً وصدى ... كعزيف الجن في الأرض العراء
أرسلته الأرض عنها خبراً ... طن في آذان سكان السماء
يا شباب الغد وأبنائي الفدى ... لكموا أكرم وأعزز بالفداء
هل يمد الله لي العيش عسى ... أن أراكم في الفريق السعداء
وأرى تاجكمو فوق السهى ... وأرى عرشكمو فوق ذكاء
من رآكم قال مصر استرجعت ... عزها في عهدها خوفو ومناء
أمة للخلد ما تبنى إذا ... ماني الناس جميعاً للعفاء
تعصم الأجسام من عادي البلى ... وتقى الآثار من عادي الفناء
إن أسأنا لكم أو لم نسيء ... نحن هلكي فلكم طول البقاء
إنما مصر إليكم وبكم ... وحقوق لابر أولى بالقضاء
عصركم حر ومستقبلكم ... في يمين الله خير الأمناء
لا تقولوا حطنا الدهر فما ... هو إلا من خيال الشعراء
هل علمتم امة في جهلها ... ظهرت في المجد حسناء الرداء
باطن الأمة من ظاهرها ... إنما السائل من لون الإناء
فخذوا العلم على أعلامه ... واطلبوا الحكمة عند الحكماء
وافرأوا تاريخكم واحتفظوا ... بفصيح جاءكم من فصحاء
أنزل الله على ألسنهم ... وحيه أعصو الوحي الوضاء
واحكموا الدنيا بسلطان فما ... خلقت نضرتها للضعفاء
واطلبوا المجد على الأرض فإن ... هي ضاقت فاطلبوه في السماء
ولما رأى سكان المقدس طياراً فرنسياً يهبط لأول مرة مدينتهم، أخذتهم الغيرة القومية، ونهضت في نفوسهم الحمية، فاجتمعوا على تقديم طيارتين إلى الجيش العثماني، ليطير بهما ضابطان فوق سماء البوسفور نافذين إلى سماء الأرض المقدسة، فقرر القائد أنور باشا ناظر الحربية العثمانية أن ينفذ طيارة من الآستانة إلى مصر حتى لا يكون العثمانيون
стр. 1201
متخلفين عن الفرنسيين في مسألة المسائل في هذه الأيام.
فلما كان يوم الأحد لثمان خلون من فبراير الماضي، برحت طيارتان من نوع المونوبولان الفرنسي، أي الطيارة المنفردة الجناح، تقل الأولى الطيار فتحي بك وسواقه الميكانيكي الملازم صادق بك رفيق أنور باشافي بني غازي وتقل الأخرى الملازم نوري بقك ورفيقه إسماعيل حقي بك، وأقيمت لهم قبل رحلتهم حفلة شائقة في الآستانة، حضرتها ابنة السلطان مراد، وقد قدمت بيدها باقة من الزهر إلى القائد فتحي بك، وانبعث الطيارتان في ذلك اليوم شاخصة إلى القاهرة.
وحدث في الطريق لنوري بك ما عطله كثيراً، ولكن الطيار فتحي بك انطلق محلقاً لم يسف ولم يتأخر، فوصل إلى قونية في اليوم العاشر من فبراير، ثم بلغ طرسوس في الحادي عشر منه وجاز جبال طوروس على ارتفاع ٣٥٠٠ متر واستراح يومين كاملين ليملأ طيارته بحلب، فلما كان اليوم الخامس عشر من ذلك الشهر، حلق في سماء بيروت في هتاف البيروتيين وتهليلهم، وقد احتفلوا به وبرفيقه احتفالاً عظيماً.
وحدث له في ١٩ فبراير حادث، لعله كان سبب الفاجعة الكبرى التي نزلت به في السابع عشر منه، إذ سقط الطيار في أحد الغدران التي تجري في أرباض بيروت واختلت طيارته اختلالاً كبيراً فاستغرق في إصلاحها خمسة أيام سوياً.
وعاود الطيران في الرابع والعشرين فبلغ دمشق بعد ساعة وعشر دقائق. بعد ما جاز جبال لبنان كرة أخرى، في احتفال كبير، وعيد أكبر، ولم يسلم أحد عنهما بعد ذلك أمراً. بل لم يلبث الناس أن رأوا إطلال الطيارة وبقاياها، وأشلاء الطيارين الشهمين على مقربة من بحيرة كبريا نضج أول مصابهما العالم الإسلامي وتقطعت عليهما الأكباد، وشقت الجيوب، وفاضت الشؤون، وسحت العبرات، على أن المصاب وأن يكن عظيماً فقد كان فخراً للعثمانيين وكيف لا يكون الفخر، والشهيدان راحا ضحية للعلم، وأكثر الضحايا من أبطال الدولة العثمانية ورجالاتها راحوا ضحايا للحروب ومدمراتها.
وقد دفن الفقيدان في حظيرة ضريح صلاح الدين الأيوبي. ونعم هذا الجوار.
أما الطيار نوري بك ورفيقه إسماعيل حقي بك، فقد سقطت الطيارة فوق أديم البحر، فغرق الطيار نوري بك، وقار الله النجاة لإسماعيل حقي بك، وقد دفن الشهيد الثالث جانب رفيقيه
стр. 1202
الشهيدين الأولين - قال شوقي يرثي:
انظر إلى الأقمار كيف تزول ... وإلى وجوه السعد كيف تحول
وإلى الجبال الشم كيف يميلها ... عادي الردي باشارة فتميل
وإلى الفراقد كيف تنثر في الثرى ... أشلاؤهن حجارة ونصيل
وإلى الزياج تخر دون قرارها ... صرعى عليهن التراب مهيل
وإلى النسور تقاصرت أعمارها ... والعهد في عمر النسور يطول
في كل منزلة وكل سمية ... قمر من الغر السماة قتيل
يهوي القضاء بها فما من عاصم ... هيهات ليس من القضاء مقيل
(فخ السماء) و (نورها) سكنا الثرى ... فالأرض ولهى والسماء ثكول
سر في الهواء ولذ بناصية السهى ... الموت لا يخفى عليه سبيل
واركب جناح النسر لا يعصمك من ... نسر يرفرف فيه عزرائيل
ولكل نفس ساعة من لم يمت ... فيها عزيزاً مات وهو ذليل
ما الميت من همل الأنام كهالك ... زالت به دنيا وباد قبيل
فارفع لنفسك بعد موتك ذكرها ... فالذكر عمر لو علمت طويل
لا تذهب الحسنات في أثر الفتى ... إن الزمان بنشرهن كفيل
أإلى الحياة سكنت وهي مصارع ... وإلى الأماني يسكن المسلول
لا تجفلن ببؤسها ونعيمها ... نعمى الحياة وبؤسها تضليل
ما بين نضرتها وبين ذبولها ... عمر الورود وأنه لقليل
هذا بشير الأمس أصبح ناعياً ... كالحلم جاء بضده التأويل
يجري من العبرات حول حديثه ... ما كان من فرح عليه يسيل
ولرب أعراس خبأن مآتما ... كالرقط في ظل الرياض تقيل
يا أيها الشهداء لن ينسى لكم ... فتح أغر على السماء جميل
والمجد في الدنيا لأول مبتن ... ولمن يشيد بعده فيطيل
لولا نفوس زلن في سبل العلي ... لم يهد فيها السالكين دليل
والناس باذل روحه أو ماله ... أو علمه والآخرون فضول
стр. 1203
والنصر غرته الطلائع في الوغى ... والتابعون من الخميس حجول
كم ألف ميل نحو مصر قطعتمو ... فيم الوقوف ودون مصر ميل
طوروس تحتكمو ضئيل طرفه ... لمت طلعتم في السحاب كليل
ترخون للريح العنان وإنها ... لكمو على طغيانها لذلول
اثنين أثر اثنين لم يخطر لكم ... إن المنية ثالث وزميل
ومن العجائب في زمانك أن يفي ... لك في الحياة وفي الممامات خليل
لو كان يفدى هالك لفداكمو ... في الجو نسر بالحياة بخيل
أي الغزاة أولى الشهادة قبلكم ... عرض السماء ضريحهم والطول
يغدو عليكم بالتحية أهلها ... ويرفرف التسبيح والتهليل
إدريس فوق يمينه ريحانة ... ويسوع فوق يمينه إكليل
في عالم سكانه أنفاسهم ... طيب وهمس حديثهم انجبل
إني أخاف على السماء من الأذى ... في يوم يفسد السماء الجيل
كانت مطهرة الأديم نقية ... لا آدم فيهخا ولا قابيل
يتوجه العاني إلى رحمانها ... ويرى بها برق الرجاء عليل
ويشير بالرأس المكلل نحوها ... شيخ وباللحظ البريء بتول
واليوم للشهوات فيها والهوى ... سبل وللدم والدموع مسيل
أضحت ومن سفن الجواء طوائف ... فيها ومن خيل الهواء رعيل
وأذيل هيكلها المصون وسره ... والدهر للسر المصون مذيل
هلعت (دمشق) وأقبلت في أهلها ... ملهوفة لم تدر كيف تقول
مشت الشجون بها وعم غياطها ... بين الجداول والعيون ذبول
في كل سهل أنة ومناحة ... وبكل حزن رنة وعويل
وكأنما نعيت أمية كلها ... للمسجد الأموي فهو طلول
خضعت لكم فيه الصفوف وأزلفت ... لكم الصلاة وقرب الترتيل
من كل نعش كالثريا مجده ... في الأرض عال والسماء أصيل
فيه شهيد بالكتاب مكفن ... بمدامع الروح الأمين غسيل
стр. 1204
أعواده بين الرجال وأصله ... بين السهى والمشتري محمول
يمشي الجنود به ولولا أنهم ... أولى بذاك مشى به جبريل
حتى نزلتم بقعة فيها الهدي ... من قبل تاو والسماح نزيل
عظمت وجل ضريح (يوسف) فوقها ... حتى كأن الميت فيه رسول
شعري إذا جبت البحار ثلاثة ... وحواك ظل في فروق ظليل
وتداولتك عصابة عربية ... بين المآذن والقلاع نزول
وبلغت من باب الخلافة سدة ... لستورها التمسيح والتقبيل
قل للإمام محمد ولآله ... صبر العظام على العظيم جميل
تلك الخطوب وقد حملتم شطرها ... ناء الفرات بشطرها والنيلد
أن تفقدوا الآسادا أو أشبالها ... فالغاب من أمثالها مأهول
صبراً فأجر المسلمين وأجركم ... عند الإله وإنه لجزيل
يا من خلافته الرضية عصمة=للخلق أنت بأن يحق كفيل
والله يعلم أن في خلفائه ... عدلاً يقيم الملك حين يميل
والعدل يرفع للممالك حائطاً ... لا الجيش يرفعه ولا الأسطول
هذا مقام أنت فيه محمد ... والرفق عند محمد مأمول
بالله بالإسلام بالجرح الذي ... ما أنفك في جنب الهلال يسيل
ألا حللت عن السجين وثاقه ... إن الوثاق على الأسود ثقيل
أيقول واش أو يردد شامت ... صنديد (برقة). وثق مكبول
هو من سيوفك أغمدوه لريبة ... ما كان يغمد سيفك المسلول
فاذكر أمير المؤمنين بلاءه ... واستبقه أن السيوف قليل
وصف مصر
للفاضل أحمد أفندي الألفي
لعمرو بن العاص القائد العربي الشهير، وفاتح مصر، وأميرها في صدر الإسلام، كتاب في وصفها والإشارة إلى السياسة الصالحة لعمادها وحكم أهلها أرسله إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ثاني الخلفاء الراشدين. ويعد هذا الكتاب من أفضل المأثور عن سلفنا الصالح
стр. 1205
فصاحة وحصانة، وقد وفقت إلى تفسير ما تمس الحاجة إلى تفسيره من ألفاظه ومعانيه تفسيراً يستشف منه القارئ على إيجازه ما فيه من بلاغه الوصف وسمو المبدأ قال:
اعلم يا أمير المؤمنين أن مصر تربة غبراء وشجرة خضراء طولها شهر وعرضها عشر، يكتنفها جبل أغبر، ورمل أعفر، يخط وسطها نهر مبارك الغدوات ميمون الروحات يجري بالزيادة والنقصان كجري الشمس والقمر، له أوان تظهر به عيون الأرض وينابيعها فيدر حلابه ويكثر عجاجه وتعظم أمواجه، فيفيض على الجانبين فلا يمكن التخلص من القرى بعضها إلى بعض إلا في صغار المراكب وخفاف القوارب وزوارق كأنهن المخايل ورق الأصايل فإذا تكاملت زيادته نكص على عقبه كأول ما بدا في جريته وكما في حدته فعند ذلك تخرج ملة محقورة.
وذمة مخفورة يحرثون بطون الأرض، ويبذرون بها الحب، ويرجون النماء من الرب فإذا احقل الزرع ورف سقاه من فوقه الندى، وغذاه من تحته الثرى.
فبينما مصر يا أمير المؤمنين لؤلؤة بيضاء إذ هي عنبرة سوداء فزمردة خضراء فديباجة زرقاء فتبارك الفعال لما يشاء.
والذي يصلح هذه البلاد ويميرها ويقر قاطنها فيها، أن لا يقبل قول خسيسها في رئيسها، وأن لا يستأدي خراج الثمرة إلا في أوانها وأن يصرف ثلث ارتفاعها في عمل جسورها وترعها، فإذا جرى العمل على هذا المنوال تضاعف ارتفاع المال والله تعالى الموفق في الحال. والمآل.
سر تطور اليابان
إن للمرء وطنين. وطنه واليابان
تلك هي الكلمة الجديدة التي يجب أن توضع بجانب الكلمة المأثورة عن رديارد كبلنج. أكبر شعراء إنجلترا في هذا العصر وهي (إن للمرء وطنين. وطنه وفرنسا).
ذلك لأن كل من ساح في بلاد اليابان وزار أرض الشمس المشرقة افتتن بحسن تلك البلاد وأعجب بأدب أهلها وحسن أخلاقهم وتربيتهم. وقد كتب أحد كتاب فرنسا المشهورين عدة مقالات شائقة يصف بها اليابان وأخلاق اليابانيين. وقد آثرنا أن نأتي بنبذ منها.
قال الكاتب: أن جميع من شاهدوا بلاد اليابان قد صرحوا بأنهم غادروها والحزن يغالبهم
стр. 1206
لفراقها. كأنهم قد فارقوا وطناً لهم محبوباً.
والحقيقة المقررة أن الياباني بوجه عام أكثر حضارة ومدنية من أي أوروبي يشابهه في طبقته وبيئته. وهذه الحقيقة تتجلى لعين السائح من أول خطوة يخطوها في الطرق.
والأدب عام في اليابان في أحقر الناس. فإن السائل منهم ليسأل أحدهم ولا يخطر في باله أن مخاطبه سيرفض الإجابة عما طلب. واليابانيون يجيبون على تحيات الخدم كما يجيبون على تحية أكفائهم وصحابتهم وأقرانهم. وفي المتاحف يلقون التحية إلى الحارس. وترى الرجال الذين يتساوون في مركزهم الاجتماعي مع سائقي المركبات في فرنسا والبلاد الغربية على جانب عظيم من الأدب والتهذيب وقد نبئت أن اللغة اليابانية لا تتسع لألفاظ الشتائم والسباب. ومن يريد أن يكون منهم خشناً في القول جافاً في الكلام لا يستطيع لذلك سبيلاً. ولقد قضيت شهرين في تلك البلاد صرفت أكثرها في طرقها وشوارعها فلم أر أحداً مغضباً صاخباً. ولا سمعت يوماً صوتاً ارتفع بسباب.
والحارس يقف إذا داناه الزائر. وأنت تستطيع أن تجاذبه أطراف الحديث. لأنه على جانب عظيم من التربية بل والعلم. وربما كان من الملمين بفروع العلوم.
نحن نعيش في قرافة تحت الجمهورية. ولكن اليابانيين يعيشون في ظل المساواة الاجتماعية. وفي فرنسا ولاسيما في المدن الكبرى ينظر إليك من هو دونك كأنك خصم له وعدو كأنما أنت سبب فقره وانحطاطه. ويتقبل منك العطايا وعليه سيما الذلة أمارات الاستهانة والاستهتار. أما في اليابان فإن خادمة الحان لتؤثر أن تنفحها بحلوان زهيد. ملفوف في غلاف. مصحوب بتحية. على أن ترمي البها بعطاء كبير تتبعه غلظة ويصحبه جفاء وفي أغلب الأحيان ترى الحلوان المعطي بجفاء مرفوضاً أدباً وحياء. وقد كانوا قبل اليوم بقليل لا يضعون حداً لأجور المقام في فنادق الريف بدل يدعون ذلك إلى كرم النظيل وأدب المقيم. فإذا حان وقت الرحيل دفع صاحب الفندق إلى السائح مروحة بمثابة تبادل للضريبة التي يسمونها ثمن الشاي.
ولا تزال هذه العادة موجودة إلى الآن. ولكنها بدأت تزول لكثرة السياح والنزال.
وفي أوروبا تجد فروقاً بين الطبقات المختلفة ونفوراً بين العامة والخاصة. وكلاهما يرجع إلى زهو الأغنياء من جهة. وخشونة الفقراء من جهة أخرى. والاختلاف في التربية أكثر
стр. 1207
في التنفير من الاختلاف في الثروة. ولكني لم أر بلداً قلت فيه الفروق وندر فيه النفور بين الناس غير اليابان. فكلهم مهذب. وكلهم مؤدب. ولا حاجة هناك إلى مركبات تعد لركوب السيدات خاصة. حتى يكن في نجوة من أية خشونة محتملة الوقوع من الرجال. بل ترى في السفر السيد الياباني والسيدة اليابانية يتخاطبان دون تكلف لعبارات التأدب المصطنعة. بل يتكلمان كأنهما من أسرة واحدة. من غير غلظة أو قحة. حتى إذا افترقنا تبادلا التحية وسار كل في سبيله.
واليابانيون بأسرهم يعرفون القراءة والكتابة. وهم بقرضون الشعر جميعاً. وقد قامت في أثناء الحرب الأخيرة جمعية أخذت توزع على الجند والمجاهدين في سوح القتال غلفاً محتوية بعض جوارب ورسائل و (فرش) للأسنان وتبغ وحلوى. وكانوا يكتبون على كل غلاف اسم المهدي. فكان الجندي المتقبل للعطية يشكر مهديها ببضعة أبيات من الشعر.
والياباني في نظر الغربي الذي لم تسبق له به صحبة يظن غليظ الطباع غضوباً ولكنه لو تعرف له وصاحبه رأى منه رجلاً محبباً بشوشاً كريماً ومثال ذلك أنه في محط من محاط السكة الحديد وقفت قاطرة بجانب الأخرى وكانت حجرات الدرجة الأولى للقاطرة الأولى بإزاء حجرات الدرجة الثالثة للقاطرة الأخرى. وكان في الأولى سفر من الغربيين وكان في الثانية ركب من عامة اليابانيين. وكان الفريقان ينظرون إلى بعضهما شذراً متجهمين. ولكن لم يلبث أن لوح بغتة أحد الغربيين بيده إلى طفل ياباني بين المسافرين في القاطرة الأخرى وابتسم له وعلا وجهه علائم البشر. وإذا بوابل من التحيات قد اندفع من اليابانيين. وما لبثوا أن تبادلوا باقات الزهور وطاقات الرياحين.
الأرمادللو
لعمري أن أمريكا لعجيبة في كل شيء حتى في حيوانها. هذا هو الأرمادللو كما يسميه الأسبان، حيوان عجيب، له غطاء عظمي فوق ظهره يتألف من أطواق تختلف في عددها وكثافتها باختلاف أنواع الأرمادللو، وهذا الحيوان يتغذى من الجذور والحشرات والديدان والأفاعي والعظام والنمل والرمم، وأغلبها وإن لم يكن كلها من الحيوانات الليلية، وهي لا تؤذي ولا تضر ولا تحاول أدنى مغالبة إن مسكت أو صيدت، وأهم الوسائل التي تتخذها للهرب سرعتها الغريبة في حفر الحفر في الأرض وصبرها على الاستكنان في الحجر
стр. 1208
الذي تأوى إليه وهي رغماً من صغر أطرافها وقصر سوقها، سريعة الجري والعدو، ويستطيب أكل لحمها أهل البلاد التي تكثر بها، وهي تسكن السهول الشاسعة والغابات المترامية في النواحي الحارة والمعتدلة من جنوب أمريكا، على أن في ولاية تكساس شمال خليج المكسيك، نوعاً منها وأكبر أنواعها النوع المسمى الأرمادللو المارد إذ يبلغ طوله نحواً من ياردة.
ويوجد في غابات سورينام والبرازيل. ومنها نوع يسمى الببا لها أطواق متحركة في غطائها.
وهذا النوع الذي ترى أمامك صورته يتألف غطاؤه من سبعة أطواق وأرجله وأذناه نهاية في القصر.
стр. 1209
مطبوعات جديدة
تاريخ آداب العرب
صدر المجلد الثاني من هذا الكتاب النفيس الذي يضعه أديبنا النابغة مصطفى صادق أفندي الرافعي، وليس من أدباء العربية كتاباً وشعراء، ولا من قرائها متعلمين ومتأدبين، إلا من عرف (تاريخ آداب العرب) وما كان له من الشأن عند ظهور المجلد الأول منه، وكيف طار صيته وكيف عده العلماء فتحاً جديداً في تاريخ الأدب العربي حتى إننا لا نزال نذكر فيه كلمة الأستاذ البحاثة الكبير أحمد زكي باشا من مقالته التي نشرها عنه يومئذ وهي قوله ولو كان كتابه مخطوطاً من أعلاق الدفائن، وقد ضربت عليه أغلاق الخزائن، أو كان في بلد يعسف دونه الباحث الأديب أتباج القفار، ويخوض إليه أمواج البحار، لكان من شعائره أن يسعى إلى مكانه، ويطاف بأركانه، ولكان فتح خزائنه من الفتوح في جهاد العالم المجتهد بيقينه، أما إذا نحصل عليه فذلك عنده من الظفر كأنما أوتي كتابه بيمينه. .
فما نحن الآن بمحدثين عن الرافعي ولا عن كتابه ولكنا نوجز الكلام فنذكر للقراء أن هذا الجزء الذين بين أيدينا يقع في زهاء ٣٧٠ من قطع البيان وهو مقصور على البحث في إعجاز القرآن وصفه بلاغة نبينا محمد ﷺ ، وتلك مسألة المسائل العربية في الدين والأدب والتاريخ وقد كان يلم بها علماء الكلام قديماً ويتكلم في بعض جهاتها طائفة من علماء البلاغة بسط الرافعي تاريخ كل ذلك في كتابه، ولكنهم جميعاً إنما يتناولونها من ناحية التسليم لا من ناحية البحث، ومن جهة ضرب الأمثلة لا من جهة تقرير القواعد وقد أغفلوا المعاني الاجتماعية وفلسفة البلاغة من كلامهم وهما طرفا المحور الذي تدور عليه هذه الرحي.
أما أدباء هذا العصر فما منهم إلا من يتحاشى جهده أن يتكلم في هذه المضلة وهم في الجملة يخرجونها من تاريخ الآداب إلا كلمات قليلة لا خير فيها وما هي من قدر الموضوع في شيء يستحق أن يسمي شيئاً. وما كان ذلك عن تهاون منهم ولا عن إنكار لإعجاز القرآن ولا عن جهل بأن هذا الباب أصل الأصول في تاريخ الأدب الإسلامي كله وأن كل كتاب في تاريخ الأدبيات يخلو منه فإنما هو يخلو من جمال التأليف ومن فلسفة الأدب ومن سر تاريخه - لم يكن إهمالهم عن شيء من ذلك، ولكن المعنى في نفسه دقيق جداً محرج
стр. 1210
للغاية وهو لا يخرج نقلاً وتلفيقاً من كتب التراجم ودواوين الأدب ولكنه يخرج من الرأس المحيط والعقل الجبار والقلم الهائل فما القرآن بشعر شاعر ولا كتابة كاتب ولا خطابة خطيب ولا تأليف مؤلف ولكنه كلام إلهي بائن بنفسه متميز بإعجاز نظمه وأسرار تركيبه، فمن كتب عنه لا يكتب إلا مبتكراً وهذا الابتكار ليس علماً ولا صنعة ولا حفظاً ولا إحاطة ولكنه حظوظ ومواهب ورب ألف عالم مجتهد يحملهم عالم واحد قد رزقه هذه الموهبة.
ولا يفوتنك عناء الصبر الطويل الذي لابد منه لمن يقتحم هذه العقبة في الآداب العربية حتى يأكل الفكر أكلاً وحتى كأنما يحترم العمر فلا توفق إليه إلا موفق ولا يصبر عليه الصبور إلا بعون من الله. ولولا هذه العلة - علة الصبر الطويل والوقت الممدود - لكان أحق الناس بتحقيق هذا البحث أستاذنا الإمام الشيخ محمد عبده ﵀ فقد خرج من الدنيا وليس له في إعجاز القرآن إلا الفصل الذي كتبه في (رسالة التوحيد) أما في تفسيره فقد مر عليه مراً غير ملم ولا متوقف. وهو ﵀ لم يكن يشكو من أمر شكاته من ضيق وقته وتزاحم أعماله وأنه لا يستطيع أن يتفرغ لشيء من أصناف التأليف كما يحب وبمقدار ما يقتضيه تجويد العمل.
وهذا الأستاذ المفكر الكواكبي ﵀ قد أشار إلى إعجاز القرآن إشارة مقتضبة في كتابيه (أم القرى) و (طبائع الاستبداد) لم يثبت بها عجزاً ولم يحقق إعجازاً وكان ﵀ دائم الفكر طويل النظر واسع الوقت متوفراً على أعماله، وما نظن أن شيئاً صرفه عن هذا الحث إلا معضلة البلاغة.
ولو شئنا لعددنا كثيراً ولكننا نقول في الجملة أن أديبنا الرافعي لا ينقصه شيء من الصفات التي لا بد منها في أحكام هذا الوضع، فهو بحيث يعرفه قراء العربية من بعد النظر وتوقد لذكاء وموهبة الابتكار وشدة النفس وصرامة العزيمة وسعة الإطلاع وقوة البلاغة والوقوف على أسرار البيان، وقد لبث يعمل في هذا الجزء سنتين من لدن أصدر الجزء الأول إلى الآن فلا يدع أن جاء كتابه من وراء الغاية، وخرج من الدقة والأحكام كما تخرج الآية.
стр. 1211
العدد ١٧ - بتاريخ: ٣١ - ٥ - ١٩١٤
стр. 1212
الجمال والجلال
قد رأينا أن نتحف قراء البيان بنبذ وشذورات مختارة من أنفس كتاب تناول هذا الموضوع الجليل الذي جرت في مضماره حلبة الأقلام فانثنت عنه حسرى، ولم يسبق إلى الغاية سوى قلم الفيلسوف الكبير والخطيب المصقع أدمند برك واضع هذا الكتاب الذي نحن بصدده. وكان الفيلسوف المذكور قد أوتي نفاذ البصيرة ودقة التفكير، مع سحر البيان وخلابة التعبير، فجاء كتابه آية الآيات، ومعجزة المعجزات، وأصبح على قلة حجمه قد لا تساويه الخزائن المشحونة، وسيرى القارئ مصداق هذا القول إذا ذاق ما نحن مقدموه بين يديه من محاسن ألوان هذا الخوان البديع. أو تنسم ما نحن مهدوه إليه من أطايب أفانين هذا الروض المريع. وقبل أن نطرق هذا الباب يجدر بنا أن نذكر كلمة موجزة عن المؤلف ليعلم القارئ من هو أدمند برك فنقول:
أدمند برك هو خطيب الإنكليز المفوه وحكيمهم الجليل، كان إيرلندياً ولد في دبلن عام ١٧٢٨ ونال شهادة أستاذ في الآداب عام ١٧٥١ وأبدى في سنى دراسته ميلاً شديداً لقراءة أنواع العلوم وصنوف الفنون وأبدى كذلك سرعة بديهة وقوة ذاكرة وولوعاً بالشعر وما وراء المادة. وبعد نيل شهادة أستاذ في الآداب درس القانون ولكنه لم يحترف به بل انصرف للتعمق في الآداب والفلسفة وكان يستظهر كل ما راقه من ملح الكتاب وطرف الشعراء وحكم الفلاسفة، ثم شرع يفكر في ترشيح نفسه للخدمة العامة أعني خدمة الوطن من الوجهتين السياسية والاجتماعية. وفي ذلك يقول ولما وجدت أن دستورنا وتجارتنا هما منبع مجدنا وسعادتنا لم آل جهداً في تفهم هذين الركنين وتوطيدهما فكان سفر القانون لكثرة ما قلب أوراقه وطول ما نظر في سطوره رث الغلاف خلق الصحائف.
وفي عام ١٧٥٧ تزوج ابنة الأستاذ نيوجنت فكانت ريحانة قلبه وسلوة همومه طول عمره. ويحسن بنا في هذا الموضع أن نسأل ذوي الحرص على الشهرة والمجد والمنصب من الفتيان أن يردوا من مطامعهم، ويكفوا من حدة حرصهم، وأن يؤثروا الصبر والقناعة والزهد أسوة بهذا الرجل العظيم (برك) الذي كان مع بلوغه الثلاثين من عمره ومع ما كان قد أوتى إذا ذاك من جليل المواهب الآلهية والعلوم الاكتسابية عاثر الجد أسود الحظ يعول زوجة وهو لا منصب له ولا عمل وليس في سعة من الرزق ولا في ذروة من المجد ولا جاه له ولا ذكر. ففي ذلك يقول في كتاب له لبعض أصدقائه إنما منعني من الرد عليك
стр. 1213
صروف الدهر ودول الأيام واضطرابي بين هذا البلد وذاك بينا تراني في لندن إذ أنا بالريف، ثم لا تلبث أن تراني في بلاد الفرنس وكأنك بي بعد أيام أطأ تربة أمريكا:
يوماً بحزوى ويوماً بالعقي ... ق وبالعذيب يوماً ويوماً بالخليضاء
ولكن الله أراد بالأمة الإنكليزية خيراً فلم يقدر لفيلسوفها العظيم مناخاً في غير أرضها، ولم يبشنف بأنغام مزهر بيانه إلا مسامع بني أوطانه. وفي عام ١٧٥٨ اقترح على أحد الساسة دودزلي كتابة تاريخ سنوي لإنكلترا يستوعب أهم حوادث الحياة الاجتماعية والسياسية والأمور الأخلاقية، فوافق الاقتراح هوى في نفس ذلك السياسي، وظهر التاريخ السنوي واستمر برك يكتب القسم السياسي أو الخلاصة حتى عام ١٧٨٨ بأجر سنوي قدره مائة جنيه.
وفي عام ١٧٦١ ذهب السياسي هاملتون إلى إيرلنده ليشغل بها وظيفة كاتب أسرار الحاكم العام وهو اللورد هاليفاكس إذ ذاك واستصحب معه بيرك كاتباً له وهنالك انتفع هاملتون أشد الانتفاع بمواهب بيرك ومعارفه وأجرى عليه رزقاً قدره ثلاثمائة جنيه في العام، ثم حدث خلاف بينهما فاستقال بيرك وعاد إلى إنكلترا وقد بلغ السابعة والثلاثين من عمره، وأصبح ذا ذرية وأنه لصفر من المال والوظيفة، بعيد من مناطق الحرف وميادين العمل. ولكن أعاظم الرجال لابد لهم من عصور محنة وأيام شدة وأوقات فراغ وعزلة تنضج فيها قرائحهم وتجم فيها بدائههم وتحتفل اثناءها خواطرهم ويتهيأون في خلالها لملاقاة الخطوب الجسيمة وإمضاء الأمور العظيمة. فيخرج أحدهم من غيابة العزلة والخمول والمحنة وقد سله الله للخطوب من الغمد كسل المهند المغمود.
فلما كان عام ١٧٦٥ رأس الوزارة اللورد روكنجهام رئيس الأحرار إذ ذاك فاتخذ بيرك كاتب أسراره، فكان هذا العمل الجديد مدعاة لظهور فضل بيرك فعرف القوم قيمته وأحبوه حباً جماً حتى إذا كان انتخاب أعضاء البرلمان في عام ١٧٦٥ انتخب بيرك عضواً من حزب الأحرار، ومن ذلك الحين فصاعداً بزغ نجمه وأزهرت دولته وهبط على مجلس البرلمان من فيه ذلك الوحي الجليل السنين الطوال، وتساقط عليهم ذلك الدر البهي الذي لا معدن له إلا بحر علمه الفياض، ولج خاطره الزاخر. وكم له في مجلس البرلمان من موقف كان يأخذ فيه بمجامع القلوب وأزمة النفوس إذ يرسل القول متدفقاً عذباً حتى تظل الألباب
стр. 1214
عليه حائمة، والأرواح عاكفة، ترف عليه رفيف النور والأقحوان على صافي النطاف سلسال، وإذ أوتار القلوب في يديه يعزف عليها أنغام السرور، وآونة ألحان الترح يحزن ويفرح ويبكي ويضحك.
ولكتابات بيرك وخطبه المكان الأعلى لدى طالب العلوم السياسية والاجتماعية. فأما كتابات شبابه وأوائل خطبه فتمتاز بدقة التفكير والتعبير مع الإيجاز المعجز، وأما كتاباته وخطبه المتأهرة فتمتاز بكثرة المحسنات اللفظية وشدة الاحتفال والتأنق، وتنفرد بما يشبه حذاقة يد المصور وإشراق ألوانه وتنوع صبغه. وإن كتاباته وخطبه الأخيرة هي التي شبت أنكى الحروب وأفظعها حين أثار الرأي العام الإنكليزي ضد الثورة الفرنسية وبعث إنكلترا على مقاتلة فرنسا قمعاً لها وردعاً واستئصالاً لما نشرت من تلك المبادئ الخبيثة والمذاهب الممقوتة، ولئلا تنتقل منها العدوى إلى إنكلترا ويسري إليها الداء، ففي هذا يقول حذار مما نحن هاجمون عليه من الخطر العظيم - خطر إعجاب الشعب الإنكليزي بما قد أتته حكومة فرنسا من الجرائم والآثام فيقلد فظائع ديمقراطية نهابة سلابة فتاكة مفترسة سفاحة مغتصبة حمقاء هوجاء مجنونة لا مبدأ لها وليس فيها ذرة من المروءة والإنسانية ونحن مع شدة احترامنا آراء بيرك فلا يسعنا إلا مخالفته في رأيه هذا واستهجان هذا الحكم الجائر الذي أصدره على حكومة فرنسا إذ ذاك وعلى معظم الفرنسيين.
وفي ١٧٩٠ نشر بيرك سفره المسمى خواطر عن الثورة الفرنسية وهو الذي أثار الشعب الإنكليزي ضد الثورة الفرنسية وحدا به إلى ما لم تحمد عقباه من تلك الحرب العوان الحطمة. ولو ترك الفرنس وشأنهم لأسسوا حكومة نظامية ثابتة لا تقل جودة ونظاماً عن حكومة الولايات المتحدة أو حكومة الإنكليز. وكان رئيس حزب الأحرار في إنكلترا فوكس لا يرى هو وحزبه في الثورة الفرنسية إلا نزعة إلى الانتصاف، ونهضة إلى الإصلاح، ولكن بيرك خالف رأي الأحرار على أنه منهم وأبى أن يقعد معهم في المجلس وأن يضمه صفهم فانتقل إلى ناحية الحزب المضاد وجلس إلى جانب الوزراء المحافظين متحملاً مسؤولية عمله هذا. وجعل يحث الوزارة على قتال فرنسا قائلاً إذا اجترأت إحدى الحكومات على قلب كيان الشرائع والأديان عامة وسلكت من الضلال سبيلاً يخشى معها حدوث الفتنة والفوضى في ممالك أخرى وجب على الشعوب والأمم أن تحارب هذه الأمة.
стр. 1215
فهذه هي حال فرنسا. وماذا يقي بلادنا سريان هذا الداء إليها وانتقال هذه العدوى؟ الحرب لا غيرها.
فرأى اللورد جرانفيل المسالمة في مبدأ الأمر ورآها كذلك بيت. والواقع إن المسألة كانت تكون إذ ذاك خير خطة وكان عليها ضمان ازدياد ثروة البلاد وقوتها. وكانت شواهد الحال كلها تغري الساسة باتباع خطة المسالمة. بل كانت المسالمة غاية كبار الساسة الفرنسيين والغرض الذي كانوا يرمون إليه حتى جعلوا يحاولون توثيق عرى الوداد بين فرنسا وإنكلترا وتوكيد أسباب السلام بين الإنكليز وبينهم فجاهر باتباع السلام ميرابو وتايواند وبيسيون حتى روبسبير نفسه الملقب بالسفاح وشارب الدماء. ولكن تشنيعات بيرك ومطاعنه قامت عقبة في سبيل المحافظة على السلم، وقد ذكر ميرابو في تقرير رسمي كتبه في ذلك الصدد أسباب إيثاره خطة السلم وقد أعدبنا أحد هذه الأسباب لقوة حجته وهو قوله: إن أقل آفات الحرب على فرش أن للفرنسيين الفوز والظفر هو أن جماعة القواد تأخذ من رؤوسهم نشوة النصر وتزهوهم أبهة الحياة الحربية فإذا وضعت الحرب أوزارها أنفوا أن يتركوا عظمة الجندية إلى تواضع العيشة الملكية فيطلبوا سن القوانين لإبقاء الجيوش وهذه طلائع أسوأ الحكومة أعني الحكومات الحربية.
وأخيراً تمكن بيرك عام ١٧٩٣ من حمل إنكلترا على التداخل في شؤون فرنسا وساعده على ذلك ما ارتكبه الفرنس من إعدام ملكهم لويز السادس عشر. فذكر الإنكليز مقتل مليكهم شارل الأول فثاروا وأقسموا ليوقعن أقصى العقوبة على الفرنسيين وليرغمهم على إعادة العرش إلى أسرة البوربون وأعقب ذلك حرب استمرت اثنين وعشرين عاماً كابدت إنكلترا أثناءها من الكرب والبلاء والمحنة والشقاء ما يعني به الوصف ويعجز عنه البيان. وطالما حاول فوكس إيقاع الصلح واستجلاب السلم ولكن بيرك كان يكتب ضده بقلم من نار ويرد عليه بلسان شيطان. وعلى هذه الحال أمضى بيرك السبع السنين التي تبقت من عمره ثم قضى نحبه في الثامن من شهر يوليه ١٧٩٧.
وكتابات بيرك وخطبه مملوءة من الحكم والأحكام والمبادئ بما يجدر أن يسترشد به السياسي في التشريع العملي وتأسيس الحكومة الصالحة. وإذا اضطر إلى تعضيد حزب الأقلية وتوريج الآراء الكاسدة والمذاهب المكروهة قدرة على ذلك اقتداؤه بذلك الخطيب
стр. 1216
المفوه والمنطقي البليغ الذي استطاع أن يدحض حجة الخصوم ويعلي كلمته مدة ثلاثاً وعشرين حجة.
أما كتابه قواعد الجلال والجمال هذا الذي نريد أن نتحف القراء بأطايبه فهو من مؤلفات صباه ولكنه كهل الحكمة مشحون بالفلسفة يهدي القارئ إلى أسرار الجلال والجمال بعيدها وقريبها فيصبح له في أنحاء الوجود وأرجاء الطبيعة الجامدة والناطقة نظرة الفيلسوف النقاد والحكيم البصير. ذلك إلى ما يمتاز به موضوع الكتاب من دواعي الإمتاع واللذة، وأي شيء أروع في الفؤاد وأعذب في النفس من الجمال والجلال.
الفصل الأول
الجدة
أول وأبسط ما يبدو لنا من حركات النفس الإنسانية هو الوجدان المسمى التطلع وأعنى بالتطلع الميل إلى استكشاف الجديد والتلذذ به. ونحن لا نزال نرى الصبيان يعدون من مكان إلى مكان لتصيد الشيء الجديد يتهافتون على كل ما يصادفونه لا يتخيرون ولا ينتقون فكل شيء يجذب أبصارهم لأن كل شيء جديد في عصر الطفولة، ولكل جديد لذة تستميل وتستهوي ولكن لما كانت هذه الأشياء التي لا سبيل لها إلى النفوس البشرية إلا مزية الجدة لا تلبث أن تزول بالتكرار جدتها لذلك كان التطلع أسرع الوجدانات النفسانية زوالاً وأكثرها انتقالاً وأقلها من النفس استمكاناً. فهو ذو شهوة حادة ولكنها سريعة الاكتفاء. سهلة الاشتفاء. وهو أبداً مشفوع بخلتي القلق والشوق. والتطلع بطبيعته حركة دائبة. سريع المر على ما يصادف من الأشياء فما هو إلا زمن قصير حتى يستوعب صنوف الموجودات التي يلقاها المرء في هذا الكون. ثم يكثر تردد هذه الموجودات على الحواس وكلما كثر خواص ممتعة وصفات معجبة خلاف صفة الجدة لأصبح الإنسان بعد مضي عصر الطفولة لا يبصر في هذه الدنيا إلا ما يكره ولا يرى إلا ما يمل ويسأم. بيد أن هذه الأشياء المؤثرة في النفوس بقوى خلاف عامل الجدة نرى أن الحكمة الإلهية لا تخليها بتاتاً من نوع ما من الجدة فإنه لا يخلو البتة من الجدة إلا ما أخلقه الابتذال وأبلاه الامتهان وسلبه طول الصحبة والمزاولة كل بهجة وطلاوة.
الفصل الثاني
стр. 1217
الألم واللذة
فمن ذلك نرى أن تحريك الوجدانات في نفوس الكبار يستلزم أن تكون الأشياء المراد منها ذلك التحريك تحتوي - فضلاً عن شيء ما من الجدة - عوامل أخرى محدثة أما ألماً ولذة. والألم واللذة هما وجدنان سبطان لا يمكن تعريفهما والإنسان لا يخطئ قط معنى ما يعتريه من الوجدانات ولكنه كثيراً ما يخطئ في تسميتها وفي الكلام عن أسبابها ونتائجها فيذهب البعض إلى أن مصدر الألم إنما هو زوال لذة ما، كما أن منشأ اللذة إنما هو انقطاع أو تخفيف ألم ما. فأما الذي أذهب إليه أنا فهو أن كلا الألم واللذة القوى منعهما والضعيف هو أمر حادث ووجدان إيجابي لا سلبي وليس أحدهما متوقفاً وجوده على زوال الآخر. ورأيي أن النفس الإنسانية تكون في معظم أوقاتها بحال ليست هي بالألم ولا باللذة أسميها حالة فتور فإذا انتقلت من هذه الحال إلى حالة لذة واقعية فما أحسب أن ذلك يستلزم أني أعاني أولا شيئاً من الألم. فإذا كنت في مثل هذه الحالة من الفتور أو الراحة أو السكون أو كما شئت أن تسميها ففوجئت بالغناء المطرب أو المنظر المونق ذي اللون المشرق والشكل المعجب أو صافح أنفك شذى المسك ونفح الطيب. أو تشرب لذيذ الراح على غير ظمأ إليها، أو تذوق الحلوى على غير سغب، فإنك لاشك تجد في كل من هذه الأحوال لذة مع أنك لم تكن قبل الاستمتاع بهذه المناعم في شيء من الألم. وهل إذا أمتعت حواسك بهذه المناعم المختلفة ثم زالت عنك لنسها تستطيع أن تقول أن زوال هذه اللذة قد أعقبك ألماً. ومن جهة أخرى إذا كنت في حالة فتور فأصابتك لطمة شديدة أو تجرعت شراباً مراً أو خدش سمعك صوت منكر أفتقدر أن تقول إنك لم تجد لهذه الأشياء ألما محتجاً على ذلك بأنها لم تكن نتيجة زوال لذة. فإذا قيل أن الألم في هذه الأحوال إنما نشأ من زوال لذة ولكن هذه اللذة كانت من شدة الخفاء بحيث أنه لم يكن ليظهرها إلا زوالها، قلت أن هذا القول تكلف ليس له أساس من الحق فإنه لا شيء قط يدعوني إلى التسليم بوجود مالا أجد ولا أحس فإن اللذة لا تكون لذة إلا إذ شعر بها لذلك لا أستطيع حمل نفسي على الاعتقاد بأن الألم واللذة هما أمران متعلق أحدهما بالآخر وأ، هما لا يوجدان إلا بمضادة أحدهما للآخر. ولكني اذهب إلى أن هناك آلاماً وملاذ إيجابية لا يتوقف بعضها على بعض. وهذا ما يدلني عليه الشعور الصادق والإحساس الصحيح. ولا أكاد أميز بين ثلاثة أشياء متباينة مستقلة
стр. 1218
تمييزي بين أحول النفس الثلاث: الفتور والألم واللذة. فإني أبصر كل واحدة منها بأنها من الأخريين منفصلة عنهما ليس لها بهما أدنى صلة أو علاقة. هب أن أمراً أصيب بمغص فلا شك أنه يكون في ألم. فإذا طرحته على آلة التعذيب أحس ولا ريب ألماً أشد، فهل ترى ألم التعذيب كان منشؤه زوال لذة؟ وهل نوبة المغص تعد لذة أو ألماً حسبما نشاء أن نعدها؟.
الفصل الثالث
فرق ما بين زوال الألم واللذة الإيجابية
إن الأمر في الألم واللذة ليس مقصوراً على أن وجود أحدهما غير متوقف على زوال الآخر كله أو بعضه. بل أن زوال اللذة كلها أو بعضها لا يشبه الألم الإيجابي، وإن زوال الألم كله أو بعضه قليل الشبه (من حيث تأثيره) باللذة الإيجابية. ولعل الشطر الأول من هذه القضية أقرب أن يسلم به الناس من شطرها الآخر إذ أن من الواضح أن اللذة إذا جرت بنا شوطها تركتنا حيث كنا قبل مباشرتها أعني في حالة سكينة ممزوجة بأثر حميد مما كنا فيه من تلك اللذة. واعلم أن المرء لا يستطيع أن يدرك لأول نظرة أن زوال الألم الشديد لا يشبه اللذة الإيجابية. فليذكر المرء في أي حالة يجد نفسه عقب الإفلات من خطر شديد أو الخلاص من سورة ألم حادة فإنه إن فعل ذلك تذكر أنه يجد نفسه بحال جد مخالفة لما يعتري النفس من شهود اللذة الإيجابية. إذ أنه يجد نفسه بحالة انتباه ويقظة مشفوعة بشيء من الخوف - بحالة سكينة يعلوها الروع.
فإن هيئة الوجه حينذاك وحركة الجسد تنم عن ذلك، فلو أن جاهلاً بالأمر أبصر هيئة وجوهنا وحركة أجسادنا حينئذ ما شك أننا بحال من الروع الدهش وما مر بباله قط أن بنا أدنى شيء من اللذة. ولا أرى في مصداق ذلك أحسن مما قاله شيخ الشعراء هو ميروس في بعض أبواب الألياذة. وهو قوله يصف هيئة رجل رفع عنه الألم: إن مثله كمثل رجل أجرم وخاف السلطان ففر هارباً:
كأن فجاج الأرض وهي عريضة ... على الخائف المطلوب كفة حابل
يؤتي إليه إن كل ثنية ... تميمها ترمي إليه بقاتل
فما زال بهذه الحال من الرعب والفرق حتى خرج من دار الخوف وأفضى إلى مأمن هنالك
стр. 1219
كنت تراه أصفر الوجه مبهوتاً شاخص البصر مبهوراً. وتلك لعمرك هيئة كل من كان بمثل حالة ذلك الناجي من الخطر المفلت من التلف أفضى به الفرار إلى مأمن فراح دهشاً فرقاً مبهوتا. وبيان ذلك أنه إذا اعترى أحدنا شديد الجزع لسبب ما فزال هذا السبب لم يزل معه الجزتع للتو واللحظة بل بقي حيناً بعد زوال سببه. فمثل ذلك كالزوبعة تهيج بالبحر فلا يسكن بسكونها البحر ولا يفتر بفتورها العباب بل تبصر الماء بعدركدة الريح في القطام. والموج في اصطدام. وكذلك تقرع الطبول وتنبض الأوتار فيبقى لها صدى في الأسماع وفترة في العظام فإذا زال من نفس نقيذ الألم تلك البقية وذهبت من روحه هذه الفضلة عاد إلى حاله المعتادة من الهدوء والسكينة. وقصارى القول أن اللذة وجدان إيجابي مستقل لا يكون قط منشؤها زوال ألم أو خطر.
الفصل الرابع
الكلام على السرو واللذة من حيث تضادهما
ولكن أيجوز لنا بناء على ذلك أن نقول أن زوال الألم أو تخفيضه يترك دائماً ألماً محضاً، أو أن انقطاع اللذة أو نقصانها لا يزال مشفوعاً بنوع من اللذة، كلا لا يجوز لنا أن نقول ذلك. بل الذي أقول هو هذا: أولاً إن هناك ملاذ مستقلة إيجابية وآلاماً مستقلة إيجابية، ثانياً إن الشبه الكائن بين الشعور الناشئ من انقطاع الألم أو تخفيضه وبين اللذة الإيجابية المستقلة أبعد وأضعف من أن يسوغ لنا أن نلحق الأول بالثاني أو نسميه باسمه. ثالثاً إن زوال اللذة أو نقصانها لا يشبه الألم الإيجابي المستقل. ولاشك أن في الشعور الأول (أعنى ما يعقب زوال الألم أو نقصانه) لشيئاً بعيداً من الكراهية والإيذاء. وهذا الشعور الذي هو في كثير من الأحوال محمود والذي هو في جميع الأحوال مخالف للذة الإيجابية لا أعرف له اسماًَ. ولكن ذلك لا يمنع كونه شعوراً حقيقياً جد مغاير لسائر الوجدانات. ومما لا ريب فيه إن كل نوع من الرضى أو اللذة مهما كانت صفة تأثيره هو ذو وجود مستقل في نفس الشاعرية. أجل أن كل شعور هو لاشك إيجابي مستقل وإن كان السبب كما هو الواقع في هذه الحالة - ربما كان نوعاً من الفقدان والسلب. وأنه ليجدر بنا ويجب علينا أن نميز بالتسمية بين شيئين مختلفين مثل هذا الخلاف في ماهيتهما وهما اللذة الإيجابية المستقلة المجردة من كل علاقة وتلك اللذة التي لا تكون قط بلا علاقة - وهذه العلاقة علاقة بالألم.
стр. 1220
وأنه لمن أفحش العيب والخطأ أن يخلط بين شعورين متغايرين هذه المغايرة علة وأثراً حتى تقع الشبهة بينهما ويلتبس أحدهما بالآخر وما ذلك إلا لأن العامة لم يفرقوا في التسمية بينهما بل أدرجوهما معاً تحت اسم واحد عام. ولكني سأطلق على تلك اللذة النسبية المتعلقة بالألم اسم السرور وسأبذل الجهد في أن لا أستعمل هذا اللفظ لغير هذا المعنى بل أجعله وقفاً عليه رهناً به. ولقد آثرت اتخاذ كلمة مألوفة معروفة أقصر مدلولها واخصص مفهومها على إدخال كلمة جديدة ربما تعذر حسن إدماجها في سلك اللغة وانتظامها في سمط الألفاظ وخلاصة القول إني سأستعمل كلمة السرور في التعبير عن الوجدان الناشئ من زوال الألم أو تخفيفه وكلمة اللذة في التعبير عن اللذة الإيجابية المستقلة التي لا علاقة لها بالألم.
الفصل الخامس
الفرح والحزن
اعلم أن انقطاع اللذة يؤثر في النفس على ثلاثة أشكال. فإذا كانت لم تنقطع إلا بعد استمرارها زمناً كافياً كان كل ما يحدثه انقطاعها هو حالة السكون الاعتيادية. وإذا كان انقطاعها بغتة نشأ عن ذلك قلق في النفس يسمى حسرة فإذا فقد سبب اللذة حتى أيس من استرجاعه نشأ بالنفس وجدان يسمى الحزن وليس شيء من هذه الثلاث كلا ولا الحزن نفسه ولو بلغ أقصاه بمشبه وجدان الألم. وذلك أن الحزين يترك الحزن يشيع في نفسه ويتفشى في روحه ويسترسل هو فيه ويتمادى وكأنه يحب الحزن ويألفه ويستريح إليه. ولكن هذا خلاف ما يحدث من الألم الواقعي الذي ما علمنا أن امرأ احتمله طائعاً مختاراً لبرهة طويلة من الزمن، وليس بالأمر العسير أن يفهم الناس أن صاحب الحزن ربما حمله مختاراً راضياً مرتاحاً إلى حمله وإن لم يكن بالأمر اللذيذ على الإطلاق، الممتع بوجه عام، وتفسير ذلك أن من شأن الحزن أن لا يزال بمثل المفقود لقلب الفاقد الحزين فيقلبه لناظر وهمه في أعجب أشكاله وأبهج ألوانه وأخلب صوره وأن يجد ذكرى كل ما كان قد اتصل بهذا المفقود من الحوادث ولحقه من الأحوال والشؤون لا يغادر من ذلك صغيرة ولا كبيرة إلا أوردها وساقها إلى مخيلة الحزين الواجد. والسليب الفاقد. كذلك من شأن الحزن أن يرجع بصاحبه إلى العصر الماضي فيشهده في عالم الخيال كل نعمة كان في سالف الأيام باشر، وكل مسرة لابس. وكل لذة عاقر. وكل حسنة خالس. ويطيل به الوقوف على
стр. 1221
خيالات تلك الملاذ والمطايب. ويكثر به التلوم على أشباح هاتيك المباهج والمطارب. مبدياً بها من جديد المحاسن الآلاف المؤلفة مما كان قد خفى على المرء أيام يباشر حقيقة هذه النعيم واللذائذ. وكذلك الذكرى تذيع - بعد افتقاد الشيء - للوهم. غوامض أسرار كانت أيام وجدانه تغيب عن الفهم. فلا تدركها المعرفة ولا يحيط بها العلم. فمن ذلك ترى أن الحزن تخيم من فوقه اللذة. وإن البلاء الذي تحتمله إذ ذاك لا شبه له بالألم المطلق الذي لا يكون قط إلا بغيضاً مشكراً، والذي ما أن نزال نبتغي الخلاص من ربقته. ويحمل بي هنا أن أستشهد على صدق هذه القضية بأبيات لشيخ الشعراء صناجة العالم القديم والزمان الأول هو ميروس وهي أبيات من ملحمته المسماة الأوديسيا ينعت بها بطل القصة مصاب خلانه وأخدانه، ويندب فيها بلواه وبلواهم. ويبكي شجوه وشجوهم. قال هو ميروس في تلك القصيدة الكبرى على لسن ذلك البطل إني لا أحب إدامة الإطراق والتفكير والهم ولا الاسترسال مع الخواطر المحزنة والهواجس المبرحة ولكن من شأني أن لا أزال فرق بين الخاطر المحزن وأخيه بالفكرة السارة والذكرى المفرحة بيد أن هذه الخواطر الحزينة على ما طويت عليه من حزن ولويت عليه من شجن لتكسبني لذة وتورثني متاعاً.
إني ربما صبوت للحزن وتقت إلى الأسى فسرحت خاطري في أودية الذكرى أحضر مخيلتي صور من مضى من الأصحاب. وعهود من تولى من الأحباب. رعياً مني لحرمتهم وقضاء لحقهم.
ما في اد كارك ساعة من باس ... تقضي حقوق الأزمن الأدرا
وهشت نفسي للوجد وارتاحت عيني للبكاء وخفت جوانحي للزفير وإن من الحنين ما يستحب، وإن من الدموع ما يستعذب وما بلت حرقة الجوى بمثل ماء الشؤون. ولا أطفئت جمرة الغليل بمثل مقلة هتون.
الفصل السادس
الوجدانات الخاصة بوقاية النفس
معظم الأمور الجديرة بأن تحدث في النفس تأثيراً من ألم محض أو لذة محضة أو مزيج من هذا أو ذاك لا تكاد تخرج عن أحد هذين البابين وقاية النفس العمران، فإن إليهما مرجع كل وجدان نفساني. وإني أرى الوجدان الخاصة بوقاية النفس تدور حول الألم أو الخطر.
стр. 1222
فترى أن ذكر الألم والمرض والموت يملأ النفس بوجدانات الخوف والرهبة. ولكن الحياة والصحة وإن هما مكنا المرء من التمتع بالملاذ فإنهما لا يستطيعان وحدهما أن يحدثا من عنيف الوجدانات وشديدها مثلما يحدث ذكر والمرض والموت. وخلاصة القول إن الوجدانات الخاصة بوقاية النفس تدور غالباً حول الألم والخطر وهي أشد الوجدانات وأقواها وأعنفها.
стр. 1223
الإنسان الأول
المسيوريتو أوجي من مشهوري علماء البلجيك، وبحاثة أثري في طليعة البحاثين. إلى ندوة العلوم بمجمع بلجيكا. هو من أعضائه. عشر قطع من أوثق المصادر. تمثل صور الإنسان الأول في أدوار همجيته الأولى.
وقد اعتمد المسيو ريتو عل المصادر العلمية. وثوق بصحتها، وصنع قوالب صغيرة الحجم، ودقيقة المعالم، تمثل نصف الإنسان الأعلى، في هيآته المختلفة التي تتابعت وراء بعضها وتلاحقت، والتطورات التي حدثت لها في العصور المظلمة التي لم يصل إلى التاريخ الإنسان علمها.
وقد أفرغها في قوالبها، وصنع قواعدها. النحات البلجيكي المشهور لويز ماسكرية. ولكي يصل المسيو ريتو ومساعده إلى أبعد غاية من الحقيقة المقبولة. أو الاحتمال المناسب، بدأ رسم الجماجم التي اتفق العلماء المحققون على شكلها ونسبوها إلى الإنسان في العصور المجهولة من التاريخ، ثم صورا بعد ذلك عضلات الوجه والسواعد والصدر. على حسب قوانين التناسب التشريحي. فلما تم لهما تصوير الهيكل العظمي. شرعا يكسوانه اللحم والشعر. وبعد ذلك صورا النظرات الملائمة لحال كل جنس وحياته والظروف التي يعيش فيها. ورسما الأسلحة التي كان كل يستعملها في العمل والقتل والذبح. ولاء ما بين ملامحهم ونظراتهم. وبين الأعمال التي كانوا يعملونها، وأثبت المسيو ريتو مع دمية من هذه الدمى شرحاً لها دقيقاً. وإليك صور هذه التماثيل. وما كتب المسيو ريتو من الشروح عليها:
إن القطعة الأولى: وهي التي تمثل الإنسان وهو في الطبقة الثالثة الجيولوجية. وصورة جمجمة الإنسان القردي ونصف وجهه، وهي الصورة التي رسمها العالمة الفرنسي الدكتور مانوفرييه للجمعية الأنثروبولوجية في باريس، وأردفها بنظام متججرة تدل على العصر الذي كان يعيش فيه هذا النوع. وكلاهما مثل الإنسان منذ عشرة آلاف من القرون. حين بدأ ينتقل من آكل العشب إلى أكل الثمر، أيام كان وسطاً بين القرد والإنسان. ومسيطراً على كل ما حوله من حيوان. دون أن يكون له من القوة العقلية ما يجعله يتسلط عليه ذهنياً، وكانت سيطرته لا جفاء فيها ولا إيذاء.
ولئن كان في حركاته لا يزال بعض الخصائص التي كانت لأجداده ذوات الأربع. فقد كان يمشي مستقيماً، إذ شاهد نفس من ذوات، وكان يقتبس من تورية الأحجار. وكان يصنع
стр. 1224
أسلحة من الحجارة إلا فانظر إليه، ودع منخارية الواسعين، وفمه الرغيب، وحسبك النظر، عينيه. فإنك ترى الرضا بالرزق المقسوم له بادياً فيهما، ولا فكر يتجلى على وجهه المسيخ ولا هم.
والقطعة الثانية لا تدل على تطور كبير. صنعت صورتها على غرار التي عثر بها العالم موير في هيدلبرج، وهذه الصورة تمثل الإنسان في الطبعة الرابعة الجيولوجية. وقد انتقل من آكل الثمر فأضحى آكل اللحم تريك أنه قفل راجعاً من الصيد يحمل جثة خنزير جبلي، قابضاً بيده على أداة الموت، وهي كالمناخس أو المعاول الحجرية.
وانظر إلى عارضة. تجسد أنه لم يرتفع أكثر من عارض الإنسان الذي تقدمه إلا يسيراً. وهيأة ملامحه تنبئك أنه قد أحس بقوته. وشعر بفوزه على الحيوان وسلطانه. وتبدلك أنه قد لاقى العناء والوصب في محاربة الخنزير واصطياده.
ولكن بين هذه الصورة. والصورة التي بعد فرق كبير. هذا هو الإنسان الذي كان يسكن جبال جالية من أعمال كنت إحدى مقاطعات إنجلترا وقد رسمت صورته على مثال الهيكل العظمي وصورة أسلحته وأدواته من الآلات التي عثر بها مع الهيكل العظمي. في تلك النواحي منذ خمسة وعشرين عاماً. وأخذ شكلها كذلك عن آثار تمثل ذلك العصر الجيولوجي نفسه اهتدى إليها على ضفاف السين. وفي بلجيكا بين بلدتي مونز وبلنش وفي تسمانيا وغيرها.
هذه هي صورة من صور الإنسان الأول العاقل وقد بدأت الغريزة فيه تقوى وتتطور إلى مبادئ التصور والتفكير. هذا هو مخترع الصناعة الحجرية الأولى. كان يجوب الصخر فيجعل منه أسلحة أمتن من أسلحة أسلافه. وآلات أدق من آلات آبائه.
إن جبينه لا يزال ضيقاً منخفضاً. ولكن وراء هذا الجبين قد نهضت فكرة الحق للقوي. على أنه لم يفكر في مهاجمة الفيلة العظيمة في احراشها. وإنما كان يعسف ويظلم من هو دونه من نوعه أي الإنسان المرسوم في الصورة الثانية المأخوذة عن العامة موير ويجور عليه. ويناله بالأذى. ومن ذلك العهد بدأ الرق والاستعباد.
وترى من صورته أنه يحمل في يده اليسرى سلاحاً مستديراً مشدوداً إلى رقبته بقلادة من أعواد الشجر. وقد قال العلامة ريتو إن هذا السلاح الحجري الذي كان يستعمله الإنسان
стр. 1225
الأول لأمة للقتال وعدة للذبح. لهو مبدأ الزينة وأصل الحلي.
ولننتقل إلى القطعة الرابعة وهي التي تمثل الإنسان القصير الجمجمة الذي كان يسكن أنحاء جرينل، وهي قرية من قرى نهر السين، وهو النوع الثاني من العصر الجيولوجي الرابع، وهو في نظر المسيو ريتو نتاج تمازج بين الإنسان الشمالي والأجناس التي جاءت بعده، إذ يقول المسيو ريتو إن ظهور جنس جديد كهذا قد جر إلى استئصال الأجناس الأخرى التي تقدمته على أن هناك كثيراً من الشروح والأبحاث والاستنتاجات، وكلها تدور على أنه قد جرى في عروق طبقات كثيرة من الجنس البشري دماء ثلاثة أجناس أخرى من البشر، كل منها أكثر تطوراً في التقدم الذهني من سابقه. ودليل ذلك إن قد حدث تحسين في صنع الآلات وعمل أسلحة جديدة كالرمح والمزراق ليساعد على المحاربة والمناجزة على مسافات بعيدة، إذ بدأ الأفراد والقبائل يتنازعون على ملكية الأرض، في ذلك العصر الذي تدل صناعة قطع الصخور وجوب الحجارة فيه على تقدم كبير. كما ترى من هيأة هذا الإنسان، ساكن أنحاء جرينل، وهو يصنع قطعة من الحجر بدقة وحذق وبعد نظر واهتمام.
والقطعة الخامسة تمثل الإنسان الذي كان يسكن كومب كابل وقد أخذت صورته من الهيكل العظمي الذي اكتشف هناك، ومن عصر ذلك الإنسان يبدأ استعمال المنقاش والآلات التي يستعملها اليوم صنَّاع الدنان. وصناع الرقوق والبسباكون، ووجد الهيكل العظمي الذي اكتشفوه في كومب كابل متوجاً بتاج من الصدف، وذلك ولا ريب لحماية شعورهم وجدائلهم من شدة الريح وعصف الهواء. وإن استنتاج المسيو ريتو أن منشأ القلائد والأطواق والحلي والجواهر وأنواع الزينة الحديثة، هو ذلك السلام الحجري المشدود إلى عنق ساكن جبال جالية كما مر بك، ليصح أن يقال أيضاً في هذا التاج الصدفي، وهل نستطيع أن نتصور أن هذا المشبك الذي كان يعقص به الإنسان القديم شعره وفروعه أو لعله كان الشارة الفارقة بين أهل السيادة منهم وأهل الخدمة والعبودية، هو أصل التيجان ومنشؤها؟.
ولكن هكذا يرى المسيو ريتو، ولعله على صواب.
والذي حدا بالمسيو ريتو إلى الباس هذه الصورة ناراً من الفر وهوا أن هذا الإنسان كحان يعيش في عصر جليدي. ومن ثم مسته الحاجة إلى الدفء فاشتمل في فراء الحيوانات.
стр. 1226
وكل من يرى أن الإنسانية كانت أبداً في تقدم وتطور لتأخذه الدهشة والحيرة لمنظر القطعة السادسة وهي صورة الإنسان الذي كان يسكن وادي نياندرثال وقد أخذت عن آثار كثيرة عثر بها في كهوف فرنسا وبلجيكا، فإن هذا الجنس الآدمي كما يرى المسيو ريتو ويوافقه المسيو لويز ما سكريه مساعده أقرب إلى الحيوانية منه إلى الإنسانية. والرأي الذي يذهب إليه المسيو ريتو هو أن هذا الإنسان من بقايا الإنسان الأول المرسومة صوته في القطعة الأولى، وجد في وسط جنس أرقى منه فخضع لسلطانه واستكان له، وإن انحطاط قوته الذهنية عنه جعله تحت رحمته ومن ثم أوى من سلطته إلى الكهوف واحتمى بالأحجار.
هذا العمر ك كلب الإنسان العاقل، يكتسى بقطع من الفراء يقذف بها إليه سيده ومولاه. ولذلك ترى على ملامحه وفي وجهه سيما الذلة والمسكنة.
وليست الحيرة والدهشة بأقل إذا نظرنا إلى القطعتين السابعة والثامنة اللتين تصوران زنوج جريمالدي أسرة أثرية قديمة في مدينة جنوه من أعمال إيطاليا ينسب إليها حتى عام ١٧١٥ من الميلاد أمراء موناكو وتدلان على الجنس الذي ظهرت آثاره من الحفائر التي اكتشفت برعاية أمير موناكو عند ساحل اللازورد، وكذلك في نواحي عسقوينا وفي دسلدورف ولكن كيف اختلطت سلالات سام بسلالات يافث وتعلموا منهم صناعة النحت؟.
لقد أحال العلم هذه الظاهرة إلى الانقلابات المتتابعة التي حدثت لهذا الكوكب الأرضي.
كانت صقلية في العصر الرابع الجيولوجي قطعة متصلة بإيطاليا، وكان مضيق جبل طارق مقفلاً، وعلى ذلك كان من السهل العبور من أفريقيا سعياً على الأقدام إلى الأرض التي ندعوها اليوم أوروبا، وهكذا اختلط هذا الجنس الأيتوبي إلى حين بسكان هذه المنطقة ولكن هؤلاء ردوهم بعد ذلك إلى أوطانهم الأولى.
ومن هيأة هذه الهياكل العظمية الزنجية المستخرجة من أرض الغرب لم يستنتج أحد من العلماء أن هذا الجنس الآدمي كان يعرف صناعة النحت ولكن هذا الاستنتاج جر إلى مناقشات علمية، نخص بالذكر تلك المناقشات التي ثارت حول الرموز التي وجدت فوق ذراعي تمثال عطارد ميلو ويذهب للدكتور ريتو إلى أن سلالات سام الذين زاروا أرض يافث وامتزجوا بالجنس الأبيض قد حملوا إليهم سر صناعة النحت إذ وجد في الأحجار المدرجة فيها عظامهم أشياء منحوتة بعضها منحوت من حجر الصابون وبعضها من
стр. 1227
الحجارة منها ما هو قائم، ومنها مالا يعلو عن الأرض، وأغلب هذه المناحيت كاملة الصنع تامة القالب، ونخص منها تمثال عطارد ولندورف، وهو مفرغ في قالب من حجر الجير، وأما العصابة الصدفية التي ازدان بها هذا النحات الأول فمأخوذة عن العصابة التي وجدت موضوعة فوق جمجمة هيكل عظمي عثر به في كهف الأطفال بمدينة منتون، وأما صورة المرأة الزنجية الأولى المرسومة في القطعة الثامنة فقد اهتد المسيو ماسكريه بين منابش لوسل على نهر الدردون إلى شكل منحوت، والصورة التي تحملها في يدها فمقطوعة من قرون العجل، والأساور الصدفية المحلى بها زندها ومعصمها فمأخوذة عن حلى عثر بها في مدينة منتون.
وانظر إلى الصورة التاسعة والصورة العاشرة فنحن الآن قد بلغنا بهما حدود التاريخ المجهول وأشرفنا على تخوم التاريخ المعلوم.
هذه القطعة التاسعة تمثل لك صورة الإنسان المعاصر لدخول الزنوج أرض الغرب، وإن تناسب معالم وجهه وجمجمته يدل على شيء من العقل والتمييز، والآثار التي تركها هذا الجنس في كهوف بيريجو لتدل على حذق كبير في صناعة النقش والرسم، ومهارة فائقة في رسم الحيوانات، على حين أن الزنوج الذين جاءوا قبله تخصصوا في رسم الإنسان، وخناجر ذلك العصر كما جاء وصفها في كتاب الآثار القديمة مقطوعة من قرون الأيل الشمالي، أما الأسلحة الأخرى فكانت عديدة. ولعل ذلك لأنهم كانوا يعملون على مقالة الزنوج الأجانب عن أرضهم والدخلاء فيهم.
وهذا الإنسان الذي صوره لنا المسيو ريتو دائباً في عمل منقوشاته غارقاً في إفراغ مناحيته، يدل على خطوة جديدة في تاريخ تطور الزينة، فهو كما ترى متجمل في فراء مرتوقة محوكة إلى بعضها، إذ عثر بين الآثار والمنابش بالإبرة الأولى وخيوطها، والمرتقة المستعملة في شد الجلود وحياكتها. والقطعة العاشرة وهي الأخيرة تظهر لك صورة الإنسان النحات وهو في عصر صقل المنحوتات وجلاء المقطوعات الحربية والصناعية إذ كان يشتغل بعمل مصنوعات من قرون الأيل وبدأ به عهد الحفر، وقد استخرج العامة ستيفنز في سنة ١٩١١ من مدينة سيبين من أعمال بلجيكا هيكلاً عظمياً يمثل ذلك العصر، وقد حصل عليه الدكتور ريتو فرسمه والفأس مرفوع بيده إلى رأسه، وفي اليد الأخرى بعض
стр. 1228
المزاريق وعليه سيمياء العزيمة والجد، وحب القتال والحرب.
هذا هو الإنسان العاقل المتميز قد جاء يفتح الطريق لكل شيء!.
إن رأسه مجلل بقبعة من الألياف. كي يرد بها ضربات عدوه، يزينها جناحاً طائر، تشبه القبعات التي كانت تصنع في أول العهد بعصر المعادن وكان يستعملها أهل الإسكندناوه الأولون وقد أظهرها واجنر على مسرح التمثيل في بعض ما ألف من رواياته.
وبعد فلا بد لنا من أن نقول إن هذه التحقيقات ستثير الحذر وتقابل بالتكذيب من فريق المؤمنين وقد لا تصادف إجماعاً من العلماء على صحتها.
بلى. أولم تؤخذ من ظلمات لا حد لها. في ماض لا غاية له تعرف ولا تاريخ بها يعترف؟.
هذا المسيو ريتو نفسه صاحب التحقيق يذهب في طليعة نقاده وجماعة المعارضين، راضياً بكل مناظرة، متطلباً كل نقد ومناقشة، على شريطة أن يكون المناقش من العلماء المعدودين، سواء كان جيولوجياً أو أنثروبولوجياً أو حيوانياً، فلينتظر القراء رداً أو نقداً أنا معهم من المنتظرين.
стр. 1229
إعجاز القرآن
ننشر هنا فصلاً من فصول الجزء الثاني من تاريخ آداب العرب للرافعي. وكل فصول الكتاب كالحلق المفرغة لا يدري أين طرفاها حسناً واتقاناً، وبودنا أن ننشر هذا الكتاب كله في البيان ولكن ماذا يفيد صاحبه من وراء ذلك، وماذا نبقى له ولكتابه إذن - قال الرافعي تحت عنوان: التحدي والمعارضة.
كان العرب قد بلغوا لعهد القرآن مبلغهم من تهذيب اللغة ومن كمال الفطرة ومن دقة الحس البياني حتى أوشكوا أن يصيروا في هذا المعنى قبيلاً واحداً باجتماعهم على بلاغة الكلمة وفصاحة المنطق، وأنهم لأول دعوة من بلغائهم وفصائحهم مع تباعد ديارهم بعضهم عن بعض وتعاديهم واختلافهم في غير هذا الحس باختلاف قبائلهم ومعايشهم، لأن الكلام هو يدفعهم إلى المنافرة ويبعثهم على المفاخرة، وما كان الكلام صناعة قوم إلا أصبتهم معه كالجمل المؤلفة يرد بعضها بعضاً ويدور بعضها على بعض فيكون كل فرد منهم كأنه لفظ حي وكأن معنى حياته في الألفاظ. وهذا أمر ثابت ليس فيه منازعة ولا فساد ولا التواء ولم يظهر في أمة ظهوره في جاهلية العرب الأولى قبل الإسلام وفي جاهليتهم الثانية مع بعده حين استفحل أمر الفرق الإسلامية واستحر الجدال بينهم فأفسدوا عقولهم وأسقطوا مروءتهم إلا خواص، واقتحموا تلك الخصومات حتى يبس ما بين بعضهم إلى بعض وإن كان ليس بينهم إلا الدين والعقل.
فجاء القرآن الكريم أفصح كلام وأبلغه لفظاً وأسلوباً ومعنى ليجد السبيل إلى امتلاك الوحدة العربية التي كانت معقودة بالألسنة يومئذ وهو متى امتلكها استطاع أن يصرفها وأن يحدث منها وكانت رأس أمره وقوام تدبيره إذ هي الأمة بصبغتها العقلية ومعناها النفسي وهو لا ينتهي إلى هذه الوحدة ولا يستولي عليها إلا إذا كان أقوى منها فيما هي قوية به بحيث يشعر أهلها بالعجز والضعف والاضطراب شعوراً لا حيلة فيه للخديعة والتلبيس على النفس والتضريب بين الشك واليقين ومن طباع النفس التي جبلت عليها أنها متى خذلت وكان خذلانها من قبل ما تعده أكبر فخرها وأجمل صنعها وأعظم همها وأصابها الوهم في ذلك وضربها الخذلان باليأس فقلما تنفعها نافة بعد ذلك أو تجزئها قوة أخرى، وقلما تصنع شيئاً دون التراجع والاسترسال فيما انحدرت إليه. فمن ثم لم تقم للعرب قائمة بعد أن أعجزهم القرآن من جهة الفصاحة التي هي أكبر أمرهم ومن جهة الكلام الذي هو سيد
стр. 1230
عملهم بل تصدعوا عنه وهم أهل البسالة والبأس وهم مساعير الحروب ومغاويرها. وهم كالحصى عدداً وكثرة وليس لرسول الله ﷺ إلا نفسه وإلا نفر قليل معه لم يستجيبوا له ولم يبذلوا مقادتهم ونصرهم إلا بعد أن سمعوا القرآن ورأوا منه ما استهواهم وكاثرهم وغلبهم على أنفسهم، فكانت الكلمة منه تقع من أحدهم وإن لها ما يكون للخطبة الطويلة والقصيدة العجيبة في قبيلة باجمعها، ولهذا قام كل فرد منهم في نصرة النبي ﷺ وكأنه في نفسه قبيلة في مقدار حميتها وحفاظها ونجدتها وهذا هو نفس الشعور الذي كان يشعر به كل مسلم في الجيوش التي انصبت على الأمم أول عهدهم بالفتوح حتى نصروا بالرعب وكأنما كانت أنفسهم تحارب قبل أجسامهم وتعد المراصد لعدوهم من نفسه وتسلبه مالا يسلبه إلا الموت وحده، فالعرب يريدون أن يموتوا فيحيوا ويريد أعداؤهم لآأ، يحيوا فيموتوا. وإلا فأين تقع تلك الشراذم العربية القليلة من جيوش الروم والفرس وهي فيها كالشامة في جلد البعير لو وقعت عليها ذبابة لكانت عسى أن تخفيها؟.
على أن من أعجب ما في أمر العرب أنهم كانوا يتخاذلون عن قتال النبي ﷺ وجماعته على كثرة ما استنفرتهم قريش لحربه وما اعترضتهم في حجهم ومواسمهم، وعلى ما كانوا يعرفون من مغبة هذا الأمر وأنه ذاهب بطريقتهم لا محالة فلم يجمعوا كيدهم ولم يصدمونه بل استأنوا به ولبسوه على مره وسرحوا فرصة كانت لهم ممكنة وتركوا أسباباً كانت منهم قريبة. وليس في ذلك سبب وراء القرآن فإن كل آية يسمعونها كانت تصيبهم بالشلل الاجتماعي وتخذلهم في أنفسهم فلا يحسون منها إلا تراجع الطبع وفتور العزيمة، ويكسر ذلك عليهم أمرهم فتقع الحرب في أنفسهم بديئاً بين الوهم واليقين، فإن نصبوها له بعد ذلك أقدموا عليها بنفوس مخذولة وعزائم واهية وأمور منتشرة وخواطر متقسمة وقاموا فيها وهم يعرفون آخرة النزوة وعاقبة الجولة، وتلك حرب سبيلها في القتال سبيل المكابرة الواهنة في الجدال من أقدم عليها مرة كان آية لنفسه وكان عبرة لغيره حتى ما يعتزم لهولها كرة أخرى فمن سكن بعدها فقد سكن.
نزل القرآن على الوجه الذي بيناه فظنه العرب أول وهلة من كلام النبي ﷺ وروحوا عن قلوبهم بانتظار ما أملوا أن يطلعوا عليه في آياته البينات كما يعتري
следующие страницы →