← Адаб

Адаб · id 73348

مجلة البيان للبرقوقي

البرقوقي

Полный текст (3 596 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

وكل من يرى أن الإنسانية كانت أبداً في تقدم وتطور لتأخذه الدهشة والحيرة لمنظر القطعة السادسة وهي صورة الإنسان الذي كان يسكن وادي نياندرثال وقد أخذت عن آثار كثيرة عثر بها في كهوف فرنسا وبلجيكا، فإن هذا الجنس الآدمي كما يرى المسيو ريتو ويوافقه المسيو لويز ما سكريه مساعده أقرب إلى الحيوانية منه إلى الإنسانية. والرأي الذي يذهب إليه المسيو ريتو هو أن هذا الإنسان من بقايا الإنسان الأول المرسومة صوته في القطعة الأولى، وجد في وسط جنس أرقى منه فخضع لسلطانه واستكان له، وإن انحطاط قوته الذهنية عنه جعله تحت رحمته ومن ثم أوى من سلطته إلى الكهوف واحتمى بالأحجار. هذا العمر ك كلب الإنسان العاقل، يكتسى بقطع من الفراء يقذف بها إليه سيده ومولاه. ولذلك ترى على ملامحه وفي وجهه سيما الذلة والمسكنة. وليست الحيرة والدهشة بأقل إذا نظرنا إلى القطعتين السابعة والثامنة اللتين تصوران زنوج جريمالدي أسرة أثرية قديمة في مدينة جنوه من أعمال إيطاليا ينسب إليها حتى عام ١٧١٥ من الميلاد أمراء موناكو وتدلان على الجنس الذي ظهرت آثاره من الحفائر التي اكتشفت برعاية أمير موناكو عند ساحل اللازورد، وكذلك في نواحي عسقوينا وفي دسلدورف ولكن كيف اختلطت سلالات سام بسلالات يافث وتعلموا منهم صناعة النحت؟. لقد أحال العلم هذه الظاهرة إلى الانقلابات المتتابعة التي حدثت لهذا الكوكب الأرضي. كانت صقلية في العصر الرابع الجيولوجي قطعة متصلة بإيطاليا، وكان مضيق جبل طارق مقفلاً، وعلى ذلك كان من السهل العبور من أفريقيا سعياً على الأقدام إلى الأرض التي ندعوها اليوم أوروبا، وهكذا اختلط هذا الجنس الأيتوبي إلى حين بسكان هذه المنطقة ولكن هؤلاء ردوهم بعد ذلك إلى أوطانهم الأولى. ومن هيأة هذه الهياكل العظمية الزنجية المستخرجة من أرض الغرب لم يستنتج أحد من العلماء أن هذا الجنس الآدمي كان يعرف صناعة النحت ولكن هذا الاستنتاج جر إلى مناقشات علمية، نخص بالذكر تلك المناقشات التي ثارت حول الرموز التي وجدت فوق ذراعي تمثال عطارد ميلو ويذهب للدكتور ريتو إلى أن سلالات سام الذين زاروا أرض يافث وامتزجوا بالجنس الأبيض قد حملوا إليهم سر صناعة النحت إذ وجد في الأحجار المدرجة فيها عظامهم أشياء منحوتة بعضها منحوت من حجر الصابون وبعضها من

стр. 1227

الحجارة منها ما هو قائم، ومنها مالا يعلو عن الأرض، وأغلب هذه المناحيت كاملة الصنع تامة القالب، ونخص منها تمثال عطارد ولندورف، وهو مفرغ في قالب من حجر الجير، وأما العصابة الصدفية التي ازدان بها هذا النحات الأول فمأخوذة عن العصابة التي وجدت موضوعة فوق جمجمة هيكل عظمي عثر به في كهف الأطفال بمدينة منتون، وأما صورة المرأة الزنجية الأولى المرسومة في القطعة الثامنة فقد اهتد المسيو ماسكريه بين منابش لوسل على نهر الدردون إلى شكل منحوت، والصورة التي تحملها في يدها فمقطوعة من قرون العجل، والأساور الصدفية المحلى بها زندها ومعصمها فمأخوذة عن حلى عثر بها في مدينة منتون. وانظر إلى الصورة التاسعة والصورة العاشرة فنحن الآن قد بلغنا بهما حدود التاريخ المجهول وأشرفنا على تخوم التاريخ المعلوم. هذه القطعة التاسعة تمثل لك صورة الإنسان المعاصر لدخول الزنوج أرض الغرب، وإن تناسب معالم وجهه وجمجمته يدل على شيء من العقل والتمييز، والآثار التي تركها هذا الجنس في كهوف بيريجو لتدل على حذق كبير في صناعة النقش والرسم، ومهارة فائقة في رسم الحيوانات، على حين أن الزنوج الذين جاءوا قبله تخصصوا في رسم الإنسان، وخناجر ذلك العصر كما جاء وصفها في كتاب الآثار القديمة مقطوعة من قرون الأيل الشمالي، أما الأسلحة الأخرى فكانت عديدة. ولعل ذلك لأنهم كانوا يعملون على مقالة الزنوج الأجانب عن أرضهم والدخلاء فيهم. وهذا الإنسان الذي صوره لنا المسيو ريتو دائباً في عمل منقوشاته غارقاً في إفراغ مناحيته، يدل على خطوة جديدة في تاريخ تطور الزينة، فهو كما ترى متجمل في فراء مرتوقة محوكة إلى بعضها، إذ عثر بين الآثار والمنابش بالإبرة الأولى وخيوطها، والمرتقة المستعملة في شد الجلود وحياكتها. والقطعة العاشرة وهي الأخيرة تظهر لك صورة الإنسان النحات وهو في عصر صقل المنحوتات وجلاء المقطوعات الحربية والصناعية إذ كان يشتغل بعمل مصنوعات من قرون الأيل وبدأ به عهد الحفر، وقد استخرج العامة ستيفنز في سنة ١٩١١ من مدينة سيبين من أعمال بلجيكا هيكلاً عظمياً يمثل ذلك العصر، وقد حصل عليه الدكتور ريتو فرسمه والفأس مرفوع بيده إلى رأسه، وفي اليد الأخرى بعض

стр. 1228

المزاريق وعليه سيمياء العزيمة والجد، وحب القتال والحرب. هذا هو الإنسان العاقل المتميز قد جاء يفتح الطريق لكل شيء!. إن رأسه مجلل بقبعة من الألياف. كي يرد بها ضربات عدوه، يزينها جناحاً طائر، تشبه القبعات التي كانت تصنع في أول العهد بعصر المعادن وكان يستعملها أهل الإسكندناوه الأولون وقد أظهرها واجنر على مسرح التمثيل في بعض ما ألف من رواياته. وبعد فلا بد لنا من أن نقول إن هذه التحقيقات ستثير الحذر وتقابل بالتكذيب من فريق المؤمنين وقد لا تصادف إجماعاً من العلماء على صحتها. بلى. أولم تؤخذ من ظلمات لا حد لها. في ماض لا غاية له تعرف ولا تاريخ بها يعترف؟. هذا المسيو ريتو نفسه صاحب التحقيق يذهب في طليعة نقاده وجماعة المعارضين، راضياً بكل مناظرة، متطلباً كل نقد ومناقشة، على شريطة أن يكون المناقش من العلماء المعدودين، سواء كان جيولوجياً أو أنثروبولوجياً أو حيوانياً، فلينتظر القراء رداً أو نقداً أنا معهم من المنتظرين.

стр. 1229

إعجاز القرآن ننشر هنا فصلاً من فصول الجزء الثاني من تاريخ آداب العرب للرافعي. وكل فصول الكتاب كالحلق المفرغة لا يدري أين طرفاها حسناً واتقاناً، وبودنا أن ننشر هذا الكتاب كله في البيان ولكن ماذا يفيد صاحبه من وراء ذلك، وماذا نبقى له ولكتابه إذن - قال الرافعي تحت عنوان: التحدي والمعارضة. كان العرب قد بلغوا لعهد القرآن مبلغهم من تهذيب اللغة ومن كمال الفطرة ومن دقة الحس البياني حتى أوشكوا أن يصيروا في هذا المعنى قبيلاً واحداً باجتماعهم على بلاغة الكلمة وفصاحة المنطق، وأنهم لأول دعوة من بلغائهم وفصائحهم مع تباعد ديارهم بعضهم عن بعض وتعاديهم واختلافهم في غير هذا الحس باختلاف قبائلهم ومعايشهم، لأن الكلام هو يدفعهم إلى المنافرة ويبعثهم على المفاخرة، وما كان الكلام صناعة قوم إلا أصبتهم معه كالجمل المؤلفة يرد بعضها بعضاً ويدور بعضها على بعض فيكون كل فرد منهم كأنه لفظ حي وكأن معنى حياته في الألفاظ. وهذا أمر ثابت ليس فيه منازعة ولا فساد ولا التواء ولم يظهر في أمة ظهوره في جاهلية العرب الأولى قبل الإسلام وفي جاهليتهم الثانية مع بعده حين استفحل أمر الفرق الإسلامية واستحر الجدال بينهم فأفسدوا عقولهم وأسقطوا مروءتهم إلا خواص، واقتحموا تلك الخصومات حتى يبس ما بين بعضهم إلى بعض وإن كان ليس بينهم إلا الدين والعقل. فجاء القرآن الكريم أفصح كلام وأبلغه لفظاً وأسلوباً ومعنى ليجد السبيل إلى امتلاك الوحدة العربية التي كانت معقودة بالألسنة يومئذ وهو متى امتلكها استطاع أن يصرفها وأن يحدث منها وكانت رأس أمره وقوام تدبيره إذ هي الأمة بصبغتها العقلية ومعناها النفسي وهو لا ينتهي إلى هذه الوحدة ولا يستولي عليها إلا إذا كان أقوى منها فيما هي قوية به بحيث يشعر أهلها بالعجز والضعف والاضطراب شعوراً لا حيلة فيه للخديعة والتلبيس على النفس والتضريب بين الشك واليقين ومن طباع النفس التي جبلت عليها أنها متى خذلت وكان خذلانها من قبل ما تعده أكبر فخرها وأجمل صنعها وأعظم همها وأصابها الوهم في ذلك وضربها الخذلان باليأس فقلما تنفعها نافة بعد ذلك أو تجزئها قوة أخرى، وقلما تصنع شيئاً دون التراجع والاسترسال فيما انحدرت إليه. فمن ثم لم تقم للعرب قائمة بعد أن أعجزهم القرآن من جهة الفصاحة التي هي أكبر أمرهم ومن جهة الكلام الذي هو سيد

стр. 1230

عملهم بل تصدعوا عنه وهم أهل البسالة والبأس وهم مساعير الحروب ومغاويرها. وهم كالحصى عدداً وكثرة وليس لرسول الله ﷺ إلا نفسه وإلا نفر قليل معه لم يستجيبوا له ولم يبذلوا مقادتهم ونصرهم إلا بعد أن سمعوا القرآن ورأوا منه ما استهواهم وكاثرهم وغلبهم على أنفسهم، فكانت الكلمة منه تقع من أحدهم وإن لها ما يكون للخطبة الطويلة والقصيدة العجيبة في قبيلة باجمعها، ولهذا قام كل فرد منهم في نصرة النبي ﷺ وكأنه في نفسه قبيلة في مقدار حميتها وحفاظها ونجدتها وهذا هو نفس الشعور الذي كان يشعر به كل مسلم في الجيوش التي انصبت على الأمم أول عهدهم بالفتوح حتى نصروا بالرعب وكأنما كانت أنفسهم تحارب قبل أجسامهم وتعد المراصد لعدوهم من نفسه وتسلبه مالا يسلبه إلا الموت وحده، فالعرب يريدون أن يموتوا فيحيوا ويريد أعداؤهم لآأ، يحيوا فيموتوا. وإلا فأين تقع تلك الشراذم العربية القليلة من جيوش الروم والفرس وهي فيها كالشامة في جلد البعير لو وقعت عليها ذبابة لكانت عسى أن تخفيها؟. على أن من أعجب ما في أمر العرب أنهم كانوا يتخاذلون عن قتال النبي ﷺ وجماعته على كثرة ما استنفرتهم قريش لحربه وما اعترضتهم في حجهم ومواسمهم، وعلى ما كانوا يعرفون من مغبة هذا الأمر وأنه ذاهب بطريقتهم لا محالة فلم يجمعوا كيدهم ولم يصدمونه بل استأنوا به ولبسوه على مره وسرحوا فرصة كانت لهم ممكنة وتركوا أسباباً كانت منهم قريبة. وليس في ذلك سبب وراء القرآن فإن كل آية يسمعونها كانت تصيبهم بالشلل الاجتماعي وتخذلهم في أنفسهم فلا يحسون منها إلا تراجع الطبع وفتور العزيمة، ويكسر ذلك عليهم أمرهم فتقع الحرب في أنفسهم بديئاً بين الوهم واليقين، فإن نصبوها له بعد ذلك أقدموا عليها بنفوس مخذولة وعزائم واهية وأمور منتشرة وخواطر متقسمة وقاموا فيها وهم يعرفون آخرة النزوة وعاقبة الجولة، وتلك حرب سبيلها في القتال سبيل المكابرة الواهنة في الجدال من أقدم عليها مرة كان آية لنفسه وكان عبرة لغيره حتى ما يعتزم لهولها كرة أخرى فمن سكن بعدها فقد سكن. نزل القرآن على الوجه الذي بيناه فظنه العرب أول وهلة من كلام النبي ﷺ وروحوا عن قلوبهم بانتظار ما أملوا أن يطلعوا عليه في آياته البينات كما يعتري

стр. 1231

الطبع الإنساني من الفترة بعد الاستمرار، والتراجع بعد الاستقرار، ومن اضطراب القوة البيانية بعد إمعانها، وجماحها الذي لا بد منه بعد إذعانها، ثم ما هو في طبع كل بليغ من الاختلاف في درجات البلاغة علواً ونزولاً على حسب مالا بد منه من اختلاف المعاني وتباين الأحوال النفسية المجتمعة عليها والتفاوت في أغراضها وطرق أدائها مما ينقسم إليه الخطاب ويتصرف القول فيه ومروا ينتظرون وهم معدون له التكذيب متربصون به حالة من تلك الأحوال فإذا هو قبيل غير قبيل الكلام، وطبع غير طبع الأجسام وديباجة كالسماء في استوائها لا وهي ولا صدع، وإذا عصمة قوية وجمرة متوقدة وأمر فوق الأمر وكلام يحارون فيه بدءاً وعاقبة. وقد كان من عادتهم أن يتحدى بعضهم بعضاً في المساجلة والمقارضة بالقصيد والخطب ثقة منهم بقوة الطبع ولأن ذلك مذهب من مفاخرهم يستعلون به ويذيع لهم حسن الذكر وعلو الكلمة وهم مجبولون عليه فطرة ولهم فيه المواقف والمقامات في أسواقهم ومجامعهم. فتحداهم القرآن في آيات كثيرة أن يأتوا بمثله أو بعضه وسلك إلى ذلك طريقاً كأنها قضية من قضايا المنطق التاريخي. فإن حكمة هذا التحدي وذكره فيه إنما هي أن يشهد التاريخ في كل عصر بعجز العرب عنه وهم الخطباء اللد والفصحاء اللسن وهم كانوا في العهد الذي لم يكن للغتهم خير منه ولا خير منهم فكانوا مظنة المعارضة والقدرة عليها - حتى لا يجيء بعد ذلك فيما يجيء من الزمن مولد أعجمي أو كاذب أو منافق أو ذو غفلة فيزعم أن العرب كانوا قادرين على مثله وأنه غير معجز وأن عسى أن لا يعجز عنه إلا الضعيف، ويا لله من سمو هذه الحكمة وبراعة هذه السياسة التاريخية. أما الطريقة التي سلكها إلى ذلك فهي أن التحدي كان مقصوراً على طلب المعارضة بمثل القرآن ثم بعشر سور مثله مغتريات لا يلتزمون فيها الحكمة ولا الحقيقة وليس إلا النظم والأسلوب وهم أهل اللغة ولا تضيق أساطيرهم وعلومهم أن تسعها عشر سور. . . ثم قرن التحدي بالتأنيب والتقريع ثم استفزهم بعد ذلك جملة واحدة كما ينفخ الرماد الهامد فقال وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين. فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين فقطع لهم أنهم لن يفعلوا وهي كلمة يستحيل أن تكون إلا من الله ولا يقولها عربي

стр. 1232

في العرب أبداً، وقد سمعوها واستقرت فيهم ودارت على الألسنة وعرفوا أنها تنفي عنهم الدهر نفياً وتعجزهم وأسجلته عليهم ووسمتهم على ألسنتهم، فلما رأوا همهم لا تسمو إلى ذلك ولا تقارب المطمعة فيه وقد انقطعت بهم كل سبيل إلى المعارضة بذلوا له السيف كما يبذل المحرج آخر وسعة وأخطروا بأنفسهم وأموالهم وانصرفوا عن توهين حجته إلى تهوينها على أنفسهم بكلام من الكلام فقالوا ساحر وشاعر ومجنون ورجل يكتب أساطير الأولين وإنما يعلمه بشر وأمثال ذلك مما أخذت به الحجة عليهم وكان إقراراً منهم بالعجز إذ جنحوا فيه إلى سياسة الطباع والعادات تلميحاً كما تقدم وتصريحاً كقولهم أئنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون وقولهم ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين وأمر العادة مما تخدع به النفس عن الحق لأنها أعراق ضاربة في القلوب ملتفة بالطبائع وخاصة في قوم كالعرب كان أمر الماضي عندهم على ما رأيت في موضع سلف وكانت العادة عندهم ديناً حين لم يكن الدين الإعادة. قال الجاحظ: بعث الله محمداً ﷺ أكثر ما كانت العرب شاعراً وخطيباً وأحكم ما كانت لغة وأشد ما كانت عدة فدعا أقصاها وأدناها إلى توحيد الله وتصديق رسالته، فدعاهم بالحجة فلما قطع العذر وأزال الشبهة وصار الذي يمنعهم من الإقرار الهوى والحمية دون الجهل والحيرة حملهم على حظهم بالسيف وننصب لهم الحرب ونصبوا له وقتل من عليتهم وأعلامهم وأعمامهم وبني أعمامهم وهو في ذلك يحتج عليهم بالقرآن ويدعوهم صباحاً ومساء إلى أن يعارضوه إن كان كاذباً بسورة واحدة أو بآيات يسيرة فكلما ازداد تحدياً لهم بها وتقريعاً لعجزهم عنها تكشف من نقصهم ما كان مستوراً وظهر منه ما كان خفياً، فحين لم يجدوا حيلة ولا حجة قالوا له أنت تعرف من أخبار الأمم مالا نعرف فلذلك يمكنك مالا يمكننا قال فهاتوها مفتريات، فلم يرم ذلك خطيب ولا طمع فيه شاعر ولو طمع فيه لتكلفه ولو تكلفه لظهر ذلك ولو ظهر لوجد من يستجيده ويحامي عليه ويكابر فيه ويزعم أنه قد عارض وقابل وناقض. فدل ذلك العاقل على عجز القوم مع كثرة كلامهم واستجابة لغتهم وسهولة ذلك عليهم وكثرة شعرائهم وكثرة من هجاه منهم وعارض شعراء أصحابه وخطباء أمته لأن سورة واحدة وآيات يسيرة كانت أنقض لقوله وأفسد لأمره وأبلغ تكذيبه وأسرع في تفريق أتباعه من بذل النفوس والخروج من الأوطان وإنفاق

стр. 1233

الأموال وهذا من جليل التدبير الذي لا يخفي على من هو دون قريش والعرب في الرأي والعقل بطبقات. ولهم القصيد العجيب والرجز الفاخر والخطب الطوال البليغة والقصار الموجزة. ولهم الأسجاع والمزدوج واللفظ المنثور ثم تحدى به أقصاهم بعد أن أظهر عجز أدناهم فمحال أكرمك الله أن يجتمع هؤلاء كلهم على الغلط في الأمر الظاهر والخطأ المكشوف البين مع التقريع والتوقيف على العجز وهم أشد الخلق أنفة وأكثرهم مفاخرة والكلام سيد عملهم وقد احتاجوا إليه والحاجة تبعث على الحيلة في الأمر الغامض فكيف بالظاهر الجليل المنفعة؟ وكما أنه محال أن يطبقوا ثلاثاً وعشرين سنة على الغلط في الأمر الجليل المنفعة، فكذلك محال أن يتركوه وهم يعرفونه ويجدون السبيل إليه وهم يبذلون أكثر منه. على أن التاريخ لا يخلو من أسماء قوم زعموا أنهم عارضوا القرآن فمنهم من ادعي النبوة وجعل ما يلقيه من ذلك قرآناً كيلا تكون صنعته بلا أداة. . . على أنه لا أتباع له من غير قومه ولا بشايعه من قومه إلا طائفة يستنقرون لأمره ويعطفون عليه جنبات الناس حتى يجمعوا له أخلاطاً وضروباً، وقد تبعوه وشمروا في ذلك حمية وعصبية وحدبا من الطباع على الطباع فهم في غني عن نبوته وقرآنه وإنما رأيهم الخطار بالأنفس والأموال على ما تنزعهم إليه الطبيعة مقاربة لمن قارب صاحبهم ومباعدة لمن باعد وعسى أن يرد عليهم ذلك مغنماً أو ينقلهم من غيرهم أو يجدي عليهم بالعزة والغلبة أو يكون لهم سبيل منه إلى التوئب إن صادفوا غرة وأصابوا مضطرباً إلى غير ذلك مما تزينه المطمعة ويغر به الغرور ويقصد إليه بالسبب الواهي وبالحادث الضئيل وبكل طائفة من الرأي وبغية من الوهم وتستوي فيه الشمال واليمين وتتقدم فيه الرؤوس والأرجل مبادرة لا يدري أيهما حامل وأيهما محمول. . . ومنهم من تعاطى معارضة القرآن صناعة ظن أنه قادر عليها بضع لسانه منها حيث شاء، وهؤلاء وأولئك لا يتجاوزون في كل أرض دخلها الإسلام من بلاد العرب والعجم إلى اليوم عدد ما تراه من عانة ضئيلة تعرض لك من حمر الوحش فقي جانب البر الواسع ثم تغيب وتسقي الريح على آثارها. وسنعدهم لك عدا لتصدر في هذه الدعوى على روية وتحكم في تاريخ المعارضة عن بينة وتعلم القدر الذي بلغوه أو قيل أنهم يلغوه فإن حصر ذلك وبيانه

стр. 1234

على جهته يشبه أن يكون بعض ما يشهد به أو قيل أنهم بلغوه فإن حصر ذلك وبيانه على جهته يشبه أن يكون بعض ما يشهد به التاريخ من إعجاز القرآن، والحق يجمع عليه الناس كافة ثم يكابر فيه الواحد والاثنان والنفر والرهط فتكون مكابرتهم فيه وجهاً من الوجوه التي يثبت بها. [١] فمن أولئك مسيلمة بن حبيب الكذاب تنبأ باليمامة في بني حنيفة علي عهد رسول الله ﷺ بعد أن وفد عليه وأسلم وكان يصانع كب إنسان ويتألفه ولا يبالي أن يطلع أحد منه على قبيح لأنه إنما يتخذ النبوة سبباً إلى الملك حتى عرض على رسول الله ﷺ أن يشركه في الأمر أو يجعله له من بعده وكتب إليه في سنة عشر للهجرة. أما بعد فإني قد شوركت في الأرض معك وإن لنا نصف الأرض ولقريش نصفها. ولكن قريشاً قوم يعتدون، وكان من المسلمين رجل يقال له نهار الرجال قد هاجر إلى النبي ﷺ وقرأ القرآن وفقه في الدين فبعثه معلماً لأهل اليمامة وليشغب على مسيلمة وليشد من أمر المسلمين فكان أعظم فتنة على بني حنيفة من مسيلمة إذ شهد أنه سمع محمداً ﷺ يقول إن مسيلمة قد أشرك معه فصدقوه واستجابوا له وأمروه بمكاتبة النبي ﷺ ووعدوه أن هو لم يقبل أن يعينون عليه، فكان الرجال لا يقول شيئاً إلا تابعه مسيلمة وكان ينتهي إلى أمره ويستعين به على تعرف أحوال رسول الله ﷺ ومعجزاته في العرب ليحكيه ويتشبه به وما قط عارضه في شيء إلا انقلبت الآية معه وأخزاه الله وفي تاريخ الطبري من ذلك أشياء لا حاجة لنا بها صحت أو لم تصح. وقد زعم مسيلمة أن له قرآناً ينزل عليه من السماء ويأتيه به ملك يسمى رحمن. . . بيد أن قرآنه إنما كان فصولاً وجملاً بعضها مما يرسله وبعضها مما يترسل به في أمر أن عرض له وحادثة أن اتفقت ورأى إذا سئل فيه وكلها ضروب من الحماقة يعارض بها أوزان القرآن في تراكيبه ويجنح في أكثرها إلى سجع الكهان لأنه كان يحسب النبوة ضرباً من الكهانة فيسجع كما يسجعون، وقد مضى العرب على أن يسمعوا للكهان ويطيعوا ووقر ذلك في أنفسهم واستناموا إليه ولم يجدوا كلام الكهان إلا سجعاً فكانت هذه بعض ما استدرجهم به مسيلمة وتأتي إلى أنفسهم منها.

стр. 1235

ومن قرآنه الذي زعم قوله أخزاه الله: والمبذرات زرعاً، والحاصدات حصداً، والذاريات قمحاً، والطاحنات طحناً، والعاجنات عجناً والخابزات خبزاً، والثاردات ثرداً، واللاقمات لقماً، أهالة وسمناً. . . لقد فضلتم على أهل الوبر، وما سبقكم أهل المدر، ريفكم فامنعوه، والمعتر فآووه والباغي فناوؤره. وقوله: والشاء وألوانها، وأعجبها السود وألبانها، والشاة السوداء، واللبن الأبيض، إنه لعجب محض، وقد حرم المتذق فما لكم لا تمجعون. . . وقولنه: الفيل ما الفيل، وما أدراك ما الفيل، له ذنب وبيل، وخرطوم طويل. . . وقال الجاحظ في الحيوان عند الفوز في الضفدع: ولا أدري ما هيج مسيلمة على ذكرها ولم ساء رأيه فيها حتى جعل بزعمه فيما نزل عليه من قرآنه: يا ضفدع بنت ضفدعين، نقي ما تنقين، نصفك في الماء ونصفك في الطين، لا الماء تكدرين، ولا الشارب تمتعين. . . وكل كلامه على هذا النمط وأه سخيف لا ينهض ولا يتماسك بل هو مضطرب النسج مبتذل المعنى مستهلك من جهتيه وما كان الرجل من السخف بحثث ترى ولا من الجهل بمعاني الكلام وسوء البصر بمواضعه ولكن لذلك سبباً نحن ذاكروه متى انتهى بنا الكلام إلى موضعه الذي هو أملك به. [٢] ومنهم عبهلة بن كعب الذي يقال له الأسود العنسي يلقب ذو الخمار لأنه كان يقول يا تيني ذو خمار، وكان رجلاً فصيحاً معروفاً بالكهانة والسجع والخطابة والشعر والنسب وقد تنبأ على عهد النبي ﷺ وخرج باليمن ولا يذكرون له قرآناً كان يزعم أن الوحي ينزل عليه وكان إذا ذهب مذهب التنبؤ كب ثم رفع رأسه وقال: يقول لي كيت وكيت يعني شيطانه، وهذا الأسود كان جباراً وقتل قبل وفاة رسول الله ﷺ بيوم وليلة. [٣] وطليحة بن خويلد الأسدي وكان من أشجع العرب يعد بألف فارس، قدم على النبي ﷺ في وفد أسد بن خزيمة سنة تسع فأسلموا ثم لما رجعوا تنبأ طليحة وعظم أمره بعد أن توفي رسول الله ﷺ وكان يزعم أن ذا النون يأتيه بالوحي (وقيل بل جبريل) ولكنه لم يدع لنفسه قرآناً لأن قومه من الفصحاء ولم يتابعوه إلا عصبية وطلباً لأمر يحسبونه كائناً في العرب من غلبة بعضهم على جماعتهم وإنما كانت له كلمات يزعم أنها أنزلت عليه ولم نظفر منها بغير هذه الكلمة رأيناها في معجم البلدان

стр. 1236

لياقوت وهي قوله: إن الله لا يصنع بتعفير وجوكم وقيح أدباركم شيئاً فاذكروا الله قياماً فإن الرغوة فوق الصريح. . . وقد بعث أبو بكر ﵁ خالد بن الوليد لقتاله وكان مع طليحة عيينه بن حصن في سبعمائة من بني فزازة فلما التقى الجمعان تزمل طليحة في كساء له ينتظر بزعمه الوحي وطال ذلك منه وألح المسلمون على أصحابه بالسيف فقاله له عيينة هل أتاك بعد؟ قال طليحة من تحت الكساء لا والله ما جاء بعد فأعاد إليه مرتين كل ذلك يقول لا. فقال عيينة: لقد تركت أحوج ما كنت إليه. فقال طليحة قاتلوا عن أحسابكم فأما دين قلادين ثم انهزم ولحق بنواحي الشام وأسلم بعد ذلك وكان له في واقعة القادسية بلاء حسن. [٤] وسجاح بنت الحارث بن سويد التميمية لو كانت في بني تغلب (وهم أخوالها) راسخة في النصرانية قد علمت من علمهم وتنبأت فيهم بعد وفاة رسول الله ﷺ في خلافة أبي بكر فاستجاب لها بعضهم وترك التنصر ومالأها جماعة من رؤساء القبائل وكانت تقول لهم: إنما أنا امرأة من بني يربوع وإن كان ملك فالملك ملككم. قد خرجت بهم تريد غزو أبي بكر ﵁ ومرت تقاتل بعض القبائل وتوادع بعضها وكان أمر مسيلمة الكذاب قد غلظ واشتدت شوكة أهل اليمامة فتهدت له يجمعها وخافها مسيلمة ثم اجتمعا وعرض أهلها أن يتزوجها ليأكل بقومه وقومها العرب فأجابت وانصرفت إلى قومها فقالوا ما عندك؟ قالت كل على الحق فاتبعته فتزوجته. . . ولم تدع قرآناً وإنما كانت تزعم أنه يوحى إليها بما تأمر وتسجع في ذلك سجعاً كقولها حين أرادت مسيلمة: عليكم باليمامة، وداقوا دفيف الحمامة، فإنها عزوة صرامة، لا يلحقكم بعدها ملامة وفي رواية صاحب الأغاني أنه كان فيما أدعت أنه أنزل عليها: يا أيها المؤمنون المتقون لنا نصف الأرض ولقريش نصفها ولكن قريشاً قوم يبغون. وهي كلمة مسيلمة وقد مرت آنفاً. ثم أسلمت هذه المرأة بعد وحسن إسلامها وما كانت نبوتها إلا زفافاً على مسيلمة. . [٥] والنضر بن الحارث، وهذا ومن يجيء بعده لم يدعوا النبوة ولا الوحي ولكنهم زعموا أنهم يعارضون القرآن فلفق النضر هذا شيئاً من أخبار الفرس وملوك العجم ومخرق بذلك لأنه جاء بأخيار يجهلها العرب. . . ولم يحفل أحد من المؤرخين ولا الأدباء بهذا الرجل لحماقته فيما زعم وإنما ذكرناه نحن إذ كنا لا نرى الباقين أعقل منه. . .

стр. 1237

[٦] وابن المقفع الكاتب البليغ المشهور وزعموا أنه اشتغل بمعارضة القرآن مدة ثم مزق ما جمع واستحيا لنفسه من إظهاره وهذا عندنا إنما هو تصحيح من بعض العلماء لما تزعمه الملحدة من أن كتاب الدرة اليتيمة لابن المقفع هو في معارضة القرآن فكأن الكذب لا يدفع إلا بالكذب وإذا قال هؤلاء أن الرجل قد عارض وأظهر كلامه ثقة منه بقوته وفصاحته وأنه في ذلك من وزن القرآن وطبقته وابن المقفع هو ما هو في هذا الأمر. قال أولئك بل عارض ومزق واستحيا لنفسه. . . أما نحن فنقول إن الروايتين مكذوبتان جميعاً وإن ابن المقفع من أبصر الناس باستحالة المعارضة لا لشيء من الأشياء إلا أنه من أبلغ الناس، وإذا قيل لك أن فلاناً يزعم إمكان المعارضة ويحتج لذلك وينازع فيه فاعلم أن فلاناً هذا في الصناعة أحد رجلين اثنين إما جاهل يصدق في نفسه وإما عالم يكذب على الناس ولن يكون فلان ثالث ثلاثة. وإنما نسبت المعارضة لابن المقفع دون غيره من بلغاء الناس لأن فتنة الفرق الملحدة إنما كانت بعده وكان البلغاء كافة لا يمترون في إعجاز القرآن وإن اختلفوا في وجه إعجازه. ثم كان ابن المقفع متهماً عند الناس في دينه فدفع بعض ذلك إلى بعض وتهيأت النسبة من الجملة. ولو كانت الزندقة فاشية أيام عبد الحميد الكاتب وكان متهماً بها لما أخلته إحدى الروايات من زعم المعارضة لا لأنه زنديق ولكن لأنه بليغ يصلح دليلاً للزنادقة. وزعم هؤلاء الملحدة أيضاً أن حكم قاموس وشمكير وقصصه هي من بعض المعارضة للقرآن فكأنهم يحسبون أن كل ما فيه أدب وحكمة وتاريخ وأخبار فتلك سبيله، وما ندري لمن كانوا يزعمون مثل هذا ومثل قولهم إن القصائد السبع المسماة بالمعلقات هي عندهم معارضة للقرآن بفصاحتها. .؟. [٧] وأبو الحسين أحمد بن يحيى المعروف بابن الراوندي وكان رجلاً غلبت عليه شقوة الكلام فبسط لسانه في مناقضة الشريعة وذهب يزعم ويفتري، وليس أدل على جهله وفساد قياسه وأنه يمضي في قضية لا برهان له بها - من قوله في كتاب (الفريد): أن المسلمين احتجوا لنبوة نبيهم بالقرآن الذي تحدى به النبي ﷺ فلم تقدر العرب على معارضته فيقال لهم أخبرونا لو ادعى مدع لمن تقدم من الفلاسفة. . . مثل دعواكم في

стр. 1238

القرآن فقال: الدليل عل صدق بطليموس أواقليدس أن اقليدس ادعى أن الخلق يعجزون عن أن يأتوا بمثل كتابه، أكانت نبوته تثبت؟ فأعجب لهذا الجهل الذي يكون قياساً من أقيسة العلم. . . وأعجب (للكلام) الذي يقال فيه: إن هذا كتاب وذلك كتاب فكلاهما كتاب، ولما كانا كذلك فأحدهما مثل الآخر، ولما كان أحدهما معجزاً لا محالة وما يثبت لصاحب الأول يثبت بالطبع لصاحب الثاني وما دمنا نعرف أن صاحب الكتاب الثاني لم تثبت له نبوة فنبوة صاحب الأول لا تثبت. . . لعمري أن مثل هذه الأقيسة التي يحسبها ابن الراوندي سبيلاً من الحجة وباباً من البرهان لهي في حقيقة العلم كأشد هذيان عرفه الأطباء قط. وإلا فأين كتاب من كتاب وأين وضع من وضع وأين قوم من قوم وأين رجل من رجل؟ ولو أن الإعجاز كان في ورق القرآن وفيما يخط عليه لكان كل كتاب في الأرض ككل كتاب في الأرض، ولا طرد ذلك القياس كله على ما وصفه كما يطرد القياس عينه في قولنا أن كل حمار يتنفس وابن الراوندي يتنفس فأين الراوندي يكون ماذا. . .؟. ولو أن مثل هذه السخافة تسمي علماً تقوم به الحجة فيما يحتج له ويبطل به البرهان فيما يحتج عليه لما بقيت في الأرض حقيقة صريحة ولا حق معروف ولا شيء يسمى، ولكان هذا اللسان المتكلم قد عبدته أمم كثيرة لأن فيه قوة من قوى الخلق ولأنك لا تجد سخيفاً من سخفاء المتكلمين الذين يعتدون مثل ذلك علماً كابن الراوندي مثلاً إلا وجدته قد أمعن في سخفه فلا تدري أجعل آلهة هواه أم جعل آلهة في فمه. وقد قيل إن هذا الرجل عارض القرآن بكتاب سماه (التاج) ولم تقف على شيء منه في كتاب من الكتب مع أن أبا الفداء نقل في تاريخه أن العلماء. قد أجابوا عن كل ما قاله من معارضة القرآن وغيرها من (كفرياته) وبينوا وجه فساد ذلك بالحجج البالغة. والذي نظنه أن كتاب ابن الراوندي إنما هو في الاعتراض على القرآن ومعارضته. متعثراً يسقط بعضه في جهة وينهض بعضه في جهة ويستقيم من ناحية ويلتوى من ناحية وأنه عسى أن لا يكون في اضطراب النسق وتوعر اللفظ واستهلاك المعنى وفساد المذهب الكتابي وضعف الطريقة البيانية شر من هذا كله وما أسلوب الرجل إلا من هذا كله. على أن المعري ﵀ قد أثبت إعجاز القرآن فيما أنكر من رسالته على ابن الراوندي فقال: وأجمع ملحد ومهتدي، وناكب عن الحجة ومقتدي، إن هذا الكتاب الذي جاء به محمد

стр. 1239

صلى الله عليه وسلم كتاب بهر بالإعجاز، ولقي عدوه بالأرجاز، ما حذى على مثال، ولا أشبه غريب الأمثال، ماهو من القصيد الموزون، ولا في الرجز من سهل وحزون، ولا كل خطابة العرب، ولأسجع الكهنة ذوي الأرب، وإن الآية منه أو بعض الآية لتعترض في أفصح كلم يقدر عليه المخلوقون فتكون فيه كالشهاب المتلألئ في جنح غسق، والزهرة البادية في جدوب ذات نسق. ولا يعقل أن يكون الرجل قد أسر في نفسه غير ما أبدى من هذا القول ولم يضطره شيء إليه ولا أعجله أمر عن نفسه ولا كان خلو رسالته منه تضييعاً ولا ضعفاً، وما نشك في أنه كان يستسر بهنات مما يضعف اعتقاده ولكن أمر القرآن أمر على حدة فما هو عند البرهان عليه وراء القبر ولا وراء الطبيعة. (وبعد) فهذا الذي وقفناك عليه هو كل ما صدقوا وكذبوا فيه من خبر المعارضة، أما إن القرآن الكريم لا يعارض بمثل فصاحته وبمثل ما احتواه ولو اجتمعت الأنس بما يعرفونه وأمدهم الجن بمالا يعرفون وكان بعضهم لبعض ظهيراً فهو ما نبسطه فيما يلي، وذلك هو الحق الذي لا جمجمة فيه ولا يستعجم على كل بليغ له بصر بمذاهب العرب في لغتها وحكمة مذاهبها في أساليب هذه اللغة وقد تفقه بالبحث في ذلك والكشف عن دقائقه وكان يجري من هذه اللغة وقد تفقه بالبحث في ذلك والكشف عن دقائقه وكان يجري من هذه الصناعة البيانية على أصل ويرجع فيها إلى طبع. وإن شعور أبلغ الناس بضعفه عن أسلوب القرآن ليكون على مقدار شعوره من نفسه بقوة الطبع واستقاضة المادة وتمكنه من فنون القول وتقدمه في مذاهب البيان فكلما تناهى في علمه تناهي كذلك في علمه بالعجز، وما أهل الأرض جميعاً في ذلك إلا كنفس واحدة ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفذت كلمات الله إن الله عزيز حكيم.

стр. 1240

تاريخ أعضاء الجمعية التشريعية تمهيد آخر الأقلام مزامير التاريخ يترنم فيها بذكر الحوادث العظام. والمفاخر الجسام. ولعله ليس في حوادث الدهر وشؤون العالم شيء هو أجل وأخطر من ظهور رجل عظيم لذلك كان ظهور هذا هو أحق الحوادث وأجدرها يترنم اليراع. في حسن تنغيم وإيقاع وقدما رأينا الروض يزهر ويثمر، فيسجع البلبل الصداح. والفجر يلوح ويسفر، فيصيح غريد الصباح. ولقد ظهر بهذا البلد الأمين في هذا العصر. عصر البعث والنهضة رجال عظام. وقادة أعلام. وكان يراع مجلة البيان بجيش في صدره الغناء. طرباً بذكر سيرهم الغراء. فيهم أن ينطلق. ويريد أن ينطلق فتعتاقه مخافة التقصير. وترده خشية الرجوع بخيبة النضو الحسير. حتى إذا مد في صدره بحر المديح واحتفل واديه. وعب عبابه وزخر طاميه. جاز السواحل وسال. وعدا الحواجز وانثال. وأرسل العبارة تلو العبارة، والمقال أثر المقال، بما قد طال صمته وأحجامه، وانقباضه عن طروق هذا الباب واحتشامه. نعم قد قاض لنا الله بعد طول سكوت أن نتناول سير صفوة رجال هذا العصر ونخبة أبنائه من أهل هذا العصر. وقد رأينا أن نبدأ بأعضاء الجمعية التشريعية إذ كانوا هم ألسنة الأوطان وقولبها. وزبدة الأمة ولبابها. بمقولها ينطقون. وبفؤادها يشعرون وبعينها ينظرون، وبرأيها يرون. وقد خصصنا بهذا العدد خمسة من الأعضاء كلهم سيد نبيل وبطل جليل، والخمسة في موازين الفضل والرجحان متعادلون كالحلقة المفرغة لا يعلم أين طرفاها. ونحن الآن آخذون في الكلام عن الوزير الخطير وكيل الجمعية آنفاً عطوفة عدلي باشا يكن إذ وصل إلينا تاريخه قبل تاريخ سائر الأعضاء. عدلي باشا يكن الوكيل المعين للجمعية التشريعية عدلي باشا يكن أحد سلالة الأسرة اليكنية، رجل كريم البيت شريف المحتد أغر النسب عنيد الحسب، له في المجد كاهل وسنام، ومن العزة القعساء دولة خفافة البنود والأعلام، وما بالكم بمن كان جد مولى (ابن عم) مليك مصر ساكن الجنان محمد علي باشا الكبير،

стр. 1241

وبيته صنو ذاك البيت الأرفع الخطير. حقاً لهذه أعلى مراتب المجد وأسمى منازل السؤدد. هذا الرجل الحسيب النسيب سليل صنو الأسرة الخديوية، ونتيج شعبة الأيكة المحمدية، كان المظنون من مثله أن يجري على عادة الأمراء المترفين من الخفض والدعة وينهج من اللهو والبطالة منهج ذوي النعيم والسعة، يفترش مهاد الراحة والرخاء، ويتنكب سبل النصب والعناء، أبيى له ذلك نفس قلقة طموح، وهمه شرود جموح وبصيرة نافذة تشق عن لباب الحقيقة قشور الشبهات، وتهتك عن سر الصواب حجب الأباطيل والترهات، فعلم بفضل البصر والذكاء أن المروءة هي الكد والعمل، وأن القعود والنوم من شيمة الطفل الربيب، والشيخ ذي الدبيب، والحق يقال أن العمل أشرف أمور الحياة وأنفسها وأجل مسائل الوجود وأقدسها، والمرء مهما عصي أوامر الخالق وتجانف عن سبيل الدين فله الأمل الوطيد في الهداية متى كان صادق العمل مخلص السعي، ولكن في الكسل وحده الحرمان واليأس، وحسب العمل نبلاً أنه متصل بنواميس الوجود وشرائع الطبيعة. والرغبة في إتمام العمل إذا كانت صادقة مليئة وحدها أن تقرب المرء من الحقيقة، وبالعمل يستكمل الإنسان فضائل النفس ومكارم الأخلاق فيه تقتلع الأصول الخبيثة، وتصطلم الجراثيم اللئيمة، وتزرع مكانها الأغراس الطيبة، والأشجار الكريمة، وتشاد القرى العامرة والمدن العظيمة، بل بالعمل يصبح المرء نفسه بنياناً محكماً وبستاناً نضيراً بعد إذ هو شطره قفرة مجدبة. وشطره دمة معشبة. ألم تر إلى العمل حتى الأحقر الأخس من أنواعه كيف أنه ير شوارد الضمير ويؤل نوافر النفس ساعة يشرع فيه. أنت تعلم أن العامل الحقير ليس من بلايا الهم والأسف والخوف والرجاء والشك والندم والحق والغضب حتى اليأس. شأنه في ذلك شأن سائر البشر. غير أنه لا يكاد ينكمش في عمله حتى تنقمع شرور هذه الآفات فترتد مقهورة إلى زواياها. وتلوذ مخسورة بمكامنها وخفاياها. ويخلص العامل المسكين من أسارها وترى الرجل قد عاد رجلاً. وتراه تتوهج في صحيفة وجهه وفي سائره نار العمل المباركة مصفية سبيكته من شوب كل عاب وخبث كل منقصة، فطوبى لمن وفق من العمل إلى ما أعدله. فلقد ظفر والله بنهاية الأرب وغاية المنى. وأي نعمة أجزل من أن يكون للمرء عمل في الكون ومقصد في الحياة يسمو إليه ويؤمه. وما أجل العمل أنه لكا النهر المتدفق الحر الانطلاق يحترق أو حال الحياة ومستنقعاتها بقوة الجد

стр. 1242

والإخلاص والهمة والمثابرة ويزداد على قطع المسافات غزارة وكظة. أجل وبمتري الماء الملح من أصول أقصي الأعشاب محولاً وخيم المرائع وموبي المنابت روضة خضراء مخصبة. والعمل لو تعلمون هو الحياة. ترى العامل إذ جد خرج من أعماق قلبه وسويداء لبه هبة الله من القوة - أعني جوهر الحياة السماوي المقدس المنفوخ فيه من روح الله عز شأنه. فإذا خرج من لب الفؤاد ذلك السر ملأ نفسه مروءة ونبلاً. وصدره عرفاناً وعلماً. بل أفعم صدره بالعلم الصادق الحق. فإن أصدق العلم ما كان نتيجة العمل إلا ترى أن بصحة هذا العلم تشهد الطبيعة ذاتها؟ والحقيقة أنك لست جديراً أن تعتد من العلم إلا بما كان ثمرة عملك. فأما ما عدا ذلك فما هو إلا نظريات علمية - أمور تدور عليها مجادلات الطلبة في المعاهد وأشياء تجول على حواشي السحاب في هيئة دوامات جدلية فما تزال تدور حتى نختبرها فنثبتها. وقديماً قبل لا يزيل الشكوك إلا العمل. أدرك عطوفة الوزير الخطير هذه الحقيقة الكبرى، ومثل الوزير خليق أن يدرك كبير الأمر وصغيره ودقيقه وجليله وباديه وكمينه. أحاط علماً بكل خافية ... كأنما الأرض في يديه كره لذلك وقف نفسه على خدمة الأوطان فجعل الجد شعاره والمواظبة دثاره. وتنقل في مناصب الحكومة بعد أن أتم الدراسة في مدارسها فكان أول تعيينه في نظارة الداخلية مترجماً وذلك عام ١٨٨٠ وهو إذ ذاك يناهز السابعة عشرة بمرتب شهري قدره اثنتا عشرة ليرة. وفي عام ١٨٨٣ نعم عليه بالرتبة الثانية وهو لا يزال في نظارة الداخلية. وفي أول أغسطس ١٨٨٥ عين سكرتيراً لدولة ناظر الخارجية المصرية بمرتب شهري ٢٢ ليرة ثم ما زال يرتقي في درج المناصب حتى تقلد إدارة مديرية الفيوم فالمنيا فالشرقية فالدقهلية فالغربية فمحافظة مصر فديوان عموم الأوقاف. واستقال صيانة لصحته عام ١٩٠٧ ولكنه عين في ١٩١٣ وكيلاً للجمعية التشريعية من قبل الحكومة مع منحه امتياز النظار في أمر الحفلات العمومية والمقابلات الخديوية. وفي ١٩١٤ عين ناظراً للخارجية. وبعد فليس أكبارنا شأن عطوفة المترجم به هو أنه تقلد تلك المناصب الكبار، ولا كان أعظامنا قدره من أجل رتبة أو وسام، فنحن نعلم أنه ليس على حسب الأقدار تعطى المناصب. ولا على قدر الأخطار توهب الألقاب والمراتب. بل تعلم أنه قد يرزق العاجز

стр. 1243

الجهول وليس هناك إلا عجزه وجهله. ويحرم الكيس الفاضل ولا ذنب له إلا كياسته وفضله. ولكنا تزن الرجال لا الأسماء ونقدر الأعمال لا الأوسمة ونعلم أن العظمة والبطولة تأبى إلا ظهوراً ولو في أحط الطبقات وأدنى المنازل، وكذلك الخسة والضؤولة تأبى إلا وضوحاً ولو في أرقى الطبقات وأرفع المنازل. فلو أن الأمر في عطوفة الوزير كان قاصراً على تقلده الوزارة أو ولايته من قبل ذلك ما قد ذكرنا من الأعمال والمناصب لما بعثنا له القلم من رقاده. ولا كحلنا في سبيه مقلة اليراع بأيمد مداده. ولكن الأمر هو شيء خلاف الألقاب والأسماء والمرتبات والمراتب - هو الشيم والمحامد والمكارم والمناقب، هو الرجولة والفحولة والعظمة والبطولة، تلك هي الأغاني التي بها يشد ويراع البيان. والآيتت التي يرددها كل برهة وآن. والوزير الخطير له من هذه المناقب الحظ الأوفر والمقام الأسمى، وكيف وهو المأثور عنه رأس الفضائل، وأم المزايا، أعني ما نسميه الشخصية المسيطرة، أو السلطان النفسي، أو القوة الروحية. ومعنى ذلك مغناطيسية الشخصية وتأثير روح العظيم على أرواح الخلق بما يشبه تأثير الكهرباء وهذه القوة هي أهم وسائل رقي النوع، إذ كانت جماهير الناس إنما تنقاد لرأي المفكر العظيم، وتذعن لفكرة الرجل الكبير بتأثير هذه الشخصية - قوة هذه الجاذبية. ولقد رأينا الرجل الكبير يقود الأمة الكثيفة بجاذبيته، ويجر عسكر الخليفة بتلك الكهرباء إلى غزوة عوالم المجهول حيث تسبى عقائل العلم وتقتض أبكار الفنون والمعارف، ولو أن بين الكائنات الطبيعية وبين عقل الإنسان صلة إذن والله لسارت الطبيعة وراء الإنسان حيثما توجه خاشعة منقادة ذلولاً، ولعل في جاذبيات بعض البشر ما هو أشبه شيء بالغناء الذي كان يزعم أنه كان يجذب الأنهار والجبال والبحار والآكام والقفار. والهواء والنار. ولسنا نعني بهذه الجاذبية والشخصية المسيطرة وسلطان الروح مرارة الجد وظلمة الوقار، ولا الغلظة والعجرفية، ولا الكبرياء والغطرسة، فإن هذه ضد الجاذبية هذه سبب الصدود والاشمئزاز والنفرة. فأما الجاذبية فمنشؤها البشر والطلاقة وحلاوة اللقاء وعذوبة الشمائل، وهذه كلها هي ترجمة صفاء النفس وائتلاف أجزاء الروح مسطورة في صحيفة الوجه مقروءة في لوح الحيا. وأن يكون الضمير موطن السرور ومهبط الفرح. وهذا الوصف منطبق على عطوفة الوزير كمال الانطباق، بين فيه في أجلى المظاهر. فهو أعزه الله عذب اللقاء معشوق الشمائل، يصطاد

стр. 1244

شارد القلوب بحبائل شره، وبروض شمس النفوس باعته انبساطه وأنسه. يغنيه تودد وجهه عن تودد لسانه. وتكفيه خلابة نظراته خلابة بيانه. تفيض ابتسامته على أعطاف المجلس رونقاً كرونق الربيع الجديد. وتبعث في ساحة الروح نسيماً كأنفاس الخمائل. وكأني بالوزير الخطير، لو قد مشى بالصلح بين بكر وتغلب في حرب البسوس. بعد أن عم بين المتحاربين الويل وطفح الكيل. وخاب كل سفير، وأخفقت كل واسطة، لأصلح بين الفريقين قبل أن يفوه ببنت شفة أو ينطق بأدنى كلمة. وكأني به يشفي بعذوبة روحه وسحر شيمته من المس والخيال، والهم والغم، والكرب واليأس، وكأني به لو عرض للسيل الجارف لوقف. أو للبركان القاذف لكف. أو للزوبعة الثائرة لهدأت. أو للهاجرة المستعرة لروحت. وإني لأذكر به بطل الأبطال خالب النفوس وجاذب الأرواح نابليون الأول ذلك الذي كان يرد الجيش المرموم بنظرة. ويقتاد الجماهير المجمهرة بشعرة. ذلك الذي بلغ من ثباته وقوته أن خسر دولة الأرض ومملكة الدنيا فلم يك إلا كلاعب الشطرنج خسر دوراً. قد علمنا أن الرجولة أو كما يسميها البعض البطولة والعظمة قد بنيت على قاعدتين وهما الرأي والعزيمة أعني الرأس المفكر واليد الفعالة، وذلك أن يؤتي المرء نفاذ البصيرة وتنفيذ الإرادة. فباجتماعها تكمل الرجولة وبإعوازهما يكون الرجل تمثالاً متحركاً وصنماً أخرس وآلة صماء. وبإعواز أحدهما يكون المرء ناقصاً أبتر. فإذا كان ثاقب البصر بغير عزم لم ينفعه بصره ولم تغن عنه قريحته وكان كالمرأة تريك عديد الصور ولا تنيلك مما تحتويه شيئاً. وكالمسن يسحذ ولا يقطع. وإذا كان ماضي العزيمة بلا رأي فربما كان مضاء عزمه بلاء عليه من حيث أنه يركب به متن الضلال ويتعسف به مجاهل الغي. فأما اجتماع الخلتين فذاك كما قلنا هو عين الرجولة والبطولة. وعدلي باشا هو الرجل الذي اجتمعت فيه الخلتان والتقت لديه الفضيلتان. عرفناه نافذاً البصيرة مسدد الآراء. لاو ذعيا كأنما بين جنب ... يه مصابيح كل ليل بهيم فكم جلى ظلمة الشك بنور اليقين. وكم فض بمفتاح الرأي المشاكل. وكم له من فكرة عالية سديدة. وخطة واضحة رشيدة. ثم يعقب ذلك تنفيذ الآراء بعزيمة أمضى من النجم. وإرادة أصلب من الحديد. وقد جنى أهل الأقاليم التي كان عطوفة الوزير يليها ثمار هذا الفضل المبين. حلوة المذاق عذبة المساغ مباركة الفائدة. وكان عطوفته يرى آثار كده فيحمد جهاده

стр. 1245

وسعيه. وعند الصباح يحمد القوم السرى. فلا غرو أن كان الوزير بعد كل هذا شديد الحرص على استقلاله بالرأي وانفراده بالإدارة. وما ذلك بمستغرب من الكفؤ الشديد الثقة بنفسه. الجليل الروح. الكبير العقل. فلما كان في عهد ولايته بعض الأقاليم تسلط على المدير بين مفتشي الداخلية من الإنكليز فلم يبق من المديرين إلا من رضخ لهذه السلطة الجديدة إلا عدلي باشا فإنه عرف به عن ذلك سمو همته وعلو روحه. واحترامه نفسه. فنفي عن ساحتيه كل سلطة طارئة وتداخل أجنبي وانفرد بالحكم تفرد القمر البدر في مملكة السماء. وتوحد الأسد الغضنفر في العربة العصماء والأجدل الطموح في رأس القمة الشماء. كل ذلك فعله عطوفة الوزير في سكينة وصمت. وكذلك قضي الله أن أعظم الأمور وأجل الشؤون إنما تبلغ بالسكون. وإن قصوى الغايات وعليا الدرجات إنما تنال في هدوء وصمت. ومصداق ذلك أنك إذا نظرت في التاريخ وجدت أن أبرك العصور وأدر الأزمان هي التي تمر في أمن وسلام وتنقضي في سكون وصمت. هذه هي الأزمان التي نجم في غضونها ثروة البلاد وتتوفر الخبرات والبركات وتبني فيها القوة الكامنة. وتشاد فيها أركان الدولة. أما أوقات الثورات والحروب تلك الصائحة بأفواه المدافع. الضاجة بزماجر الملاحم والوقائع. فهذه أوقات هدم وتقويض. وأزمان تخريب وتبديد. لذلك قال أحد ظرفاء الفلاسفة وبالغ في قول مونتسكيو طوبى لأمة سجلات تاريخها مملة فقال الفيلسو الفكه طوبى لأمة سجلات تاريخها خالية قوله مملة أي ليس فيها أوصاف حروف ووقائع وقصص وفتن وثورات مما يلذ القراء وبلى السامعين. بل فيها من الحوادث والمسائل ما يجري عادة في غير أوقات الحروب والفتن. ثم بالغ الآخر فقال طوبى لأمة لا تؤثر عنها حوادث قط فصحف تاريخها خالية بيضاء. ألم تر إلى الدوحة العادية كيف أنها تحيا وتنمو في الغابة ألف عام لا يسمع لها حس ولا جرس. أجل إنه لا يسمع صوتها إلا مرة واحدة. أتعلم متى؟ حينما يجيئها الخطاب بفأسه. حينئذ تعلن الدوحة حياتها ومماتها مما يصرخه تدوى لها أرجاء الغاب. وانظر إلى بذرة الشجرة العظيمة تلقيها الطبيعة من حجر الريح الفضفاضة في بطن الثرى! من كان حاضر ساعة الغرس ومن كان حاضر ساعة الإيراق وساعة الأزهار والأثمار، ومن حينما ليست الشجرة حلي نورها وفاكهتها قام بدق البشائر وهتاف الفرح والسرور لا أحد. كلا، ولا

стр. 1246

أثقب الناس نظراً وأدقهم ملاحظة. هذه الحوادث المفرحة لم تحدث بغتة حدوث الفتن والحروب ولكنما نمت تدريجاً وأحكمت شيئاً فشيئاً لا في ساعة بل في أشهر وأعوام. كذلك تأثير الرجل العظيم مثل الوزير عدلي باشا يكون صامتاً شاملاً كتأثير الهواء والشمس تلك التي تجمع بين المنظر الفتان والأثر الفعال - بين الجمال والمنفعة - بين حب الناس إياها وحاجتهم إليها. وبالاثنين تكمل الفضيلة. فإن الشخص المحبوب لحسنه ورونقه وهو قليل المنفعة ناقص نقص ذي المنفعة ليس بذي رونق يستميل وخلابة تسبى وإنما كريه بغيض تجتويه الأعين وتنبو عنه النفوس. فأما الوزير فهو الذي جمع الخلتين فاستكمل بفضل ذلك الفضيلة. فلقد بلغ من فرط محبة الناس إياه مع اعترافهم بجزيل هباته وبيض أياديه أن كثر فيهم من سمي بنيه باسمة فكلما نودي بالاسم الجليل في شوارع المدن وطرقاتها وفي دورها ومنازلها صباح مساء. وحينما يضرب الليل خيامه. ويحدر الصباح لثامه. كان ذلك النداء ثناء ذائعاً وشكراً سياراً لما أولى هذا الرجل العظيم من سابغ آلائه وجزيل نعمائه. وكذلك الرجل العظيم كلما حل أرضاً فرحل عنها ترك بها من محاسن الآثار الخالدة مالا يزال يذكر بها ما اصطحب الفرقدان. واختلف الملوان. ولسان حال البلاد وأهلها يناديه: فاذهب كما ذهبت غوادي مزنة ... أثنى عليها السهل والأوعار ميشيل بك لطف الله أحد النواب في الجمعية التشريعية عن المصريين السوريين لا أظن أن في أقطار العالم وممالكه بلدين يكادان يكونان لولا التقسيم السياسي بلداً واحداً. لا تفصلهما حدود الاجتماع. ولا تميز بينهما الفروق الطبيعية، ولا تحدهما التخوم السياسية، غير مصر والشام. فهما قطعتان من الشرق متداخلتان متمازجتان تجوز الأولى إلى أختها الأخرى. فما تبرح ترى السماء الصاحية. والشمس الزاهية. وما تنفك تشم الهواء العليل، وتستاف النسيم البليل. وتشارف الجو الجميل. وترتع في الروض العشيب، وتمرح في المنظر الخصيب، فإذا نزل المصري أرضاً سورية. فكأنه لا يزال في مصر، بين أصحابه وإخوانه، وأحبابه وجيرانه. وإذا هبط الوسري وادي النيل، رأى رحباً وسعة. وألقي خصباً ودعة. واطمأن به المقام، ورأى بدائع ضروب الترحيب، وشهد محاسن صنوف الأكرام،

стр. 1247

وما منشأ ذلك الود الاجتماعي بين الأمتين إلا أن الأمة السورية قد تنزهت نفسها من شوائب تلك النقيصة الاجتماعية التي تراها شائعة بين أكثر أمم الدنيا وأغلب شعوب الأرض. ونعني بها ذلك الزهو الأهلي الكاذب الذي يوشك أن يقطع بين الأمم ما تصله الروابط الاجتماعية الأخرى. إذ ترى كل أمة تياهة بنفسها مزهوة على غيرها. تجنح إلى تفضيل نفسها على ما سواها من الأمم الأخرى، وتعد آدابها وعاداتها وأخلاقها هي المقياس الصحيح الذي يجب أن يقاس به آداب العالم وعاداته وأخلاقه، وتعتقد أن الله لو جعل الناس أمة واحدة. لاختارها لتكون تلك الأمة!. وهناك رابطة أخلاقية تربط قلب السوري بقلب أخيه المصري. وتذلل بينهما أسباب التعارف والامتزاج، وهي أن السوري سريع الاختلاط بأهل البلد الذي يستوطنه والوسط الذي يعيش بين ظهرانيه، وهذه لعمرك مزية إنسانية. لا تحدها حدود الوطنية، وإنما تحدها حدود الآدمية كلها. وما أعرف فضيلة هي خير مقاماً من حب الاختلاط بالناس، فلو لم يخلق الله الهواء خليطاً من الأكسجين والنتروجين، لاحترق العالم. والتهب عنصر الوجود، وكذلك لو لم يختلط فكر الإنسان ومزاجه بفكر غيره ومزاجه. لاحترق وأحرق معه جهازه الجثماني. والعالم من أقصاه إلى أقصاه يسير على مبدأ الاتصال. وإلا فلو قامت كل أمة بنفسها. ولم تعمل على مواصلة غيرها لما عدت الدنيا أن تكون غابات كثيفة. يسكن كل غابة منها نوع غريب من أنواع الحيوانات الإنسانية. وقد ذلل للسوري اختلاطه ببني الأمم الأخرى الشرقية منها والغربية ما أودعه الله في مزاجه الهادي من محاسن الآداب. وما محاسن الآداب إلا الجواز الذي يبيح لصاحبه الدخول إلى باحات القلوب والاستقرار في حبات الأفئدة. إذ كانت القلوب البشرية لا تفتح موصد أبوابها إلا لذي الصفحة المشرقة. والوجه البش المبتسم والقول اللين الكريم. والخلق السهل الذلول. وقد أوتي السوري من هذه جميعها القسط الأوفر والحظ الأجمل الأكمل. والأمة السورية اقبل الأمم الشرقية للرقي الغربي. وأكبرها استعداداً للتطور المدني. وهي تجري مع روح العصر نازعة قيود الماضي. خالصة من سلاسل المبدأ الشرقي القديم، بل هي الأمة الشرقية الوحيدة التي امتازت بقوة الدأب وروح المثابرة. وإنك لترى السوري عند خط الاستواء في ذلك الجو الملتهب والحر الأبدي والقيظ الصامت أو عند مناطق

стр. 1248

الجليد الشديدة الزمهرير. يجد ويعمل لا مستشعراً فتوراً ولا كلالاً. ولا واجداً نصباً ولا رهقاً، لأنه يستعين على المكاره، ويستنصر على المشاق بروح قوية جعلت شعارها ذلك المبدأ العظيم الذي سنه بونابرت بقوله: لا شيء في الحرب يعجزني فإن عز على صانع البارود صنعته وإذا أعوزني صانع المدافع والبنادق كنته، وأنا كما تعلم مدبر الأمر مصرف الملك. وبين أيدينا الآن ترجمة رجل من أفاضل السوريين وكبير من أكابرهم، وعظيم من خلاصة عظمائهم، توفر على حبه مصر والمصريين وحبس عصارة الحياة من علم وأدب وفضل ومال على كل مشروع مصري. وعمل خيري ومبرة عظيمة كبيرة، مع أنك ترى كثيراً من أغنيائنا وأصحاب الألوف المؤلفة فينا يسيرون على مبدأ الحياد!. فلا يقوم في الأمة مشروع إلا خذلوه بصمتهم. ولا تنهض لنا نهضة حيوية إلا أماتوها بجمود أكفهم، فالأمة بهم فقيرة وإن كانوا سراتها، والأمة بهم معدمة وهم علم الله عدمها، وماذا لعمرك ترتقب منهم من نفع، وماذا ترتجي من فائدة. والعقول ناضبة، والأكف جعدة، والجيوب ممسكة، والأيدي إلى الأعناق مغلولة، وهل كانت الأمة لتقوم إلا بحبيب الموسر وعقل المفكر. وما يقوم العقل في خدمة المجموع دون الحبيب، ولا أثر له ولا فائدة بحتة إذا لم يعضد بالمال، ويعان بجود الجواد. وصفد الصافد، وعطاء السرى، ورفد الغني، وإلا فلو أصبحت الأمة وكلها عقول تفكر، وأذهان تدير. وآراء تفيض وتسح، وخواطر تتابع وتسنح، ولم يفض من جيوب الأمة جيب، ولم يهتز للندى غنى، ولم يقبل على تعضيدها موسر، إذن لضاع فيض هذه العقول وتكلبها سدى وهقاء، كما يضيع الجدول الفضفاض في رمال الصحراء، وإذن لوقفت الأمة عن سيرها، ولزمت مكانها لا ترى لها محركاً، ولا تجد لأمرها ملاكاً، ولا تبصر لنفسها قواماً، وإذ ذاك تنحط ورح الأمة وتضعف عزيمتها من جراء هذه الخيبة المتواصلة التي تصدم بها كلما قام مشروع، أو تأسست للخير جمعية، أو أنشئت لتعميم التربية والتعليم جامعة أو كلية، ويكفيك من عاقبة هذا الانحطاط النفساني إنه مقدمة للانحطاط الفكري، فإن العقول من هذا الفشل المتتابع تهرم وهي في حدثاتها. وتضعف وهي لا تزال في عنفوانها، ولا تلبث إلا ذهان الخصيبة أن يصيبها الجدب لقلقهما تجد من رى، وتشهد من عناية ورعى، إذ كانت الفكرة الواحدة في عقل المفكر مثتاثا تلمذية كثاراًُ

стр. 1249

من قويم الأفكار، وتنتج ترباً كبيراً من رشيد الآراء. فلا غرو إذا قلنا أن ميشيل بك لطف الله أكثر من المصريين مصرية. وأشد من الوطنيين السراة وطنية. بعدما رأينا من جمود أكثرهم، وضنهم بحق الأمة عليهم، وبذلهم فيما لا ينفع الأمة ويضرهم. وإسرافهم حيث لا ينبغي الإسراف. وشحهم حيث لا يخمد الشح، وبعدما رأت الأمة المصرية جمعاء، من صاحب الترجمة الجواد الفياض، والكريم اليد والخلق، والشريف الروح والوجدان، والرجل العامل في سكون واطمئنان، لا يبقي كغيره من الموسرين بمكارمه المظاهر الكاذبة! ولا يروم بمآثره العامة الأبهة الجوفاء، ولا يسأل على ميراثه من الشهرة أجراً ولا جزاء. وعنده أن اللذة الروحانية بتعضيد الأمة وشد أزرها خير من لذة الجثمان باقتناء السيارات، وابتياع فخم المركبات، وشراء الجياج الصافنات، والجلوس إلى غرير الجواري وحسان القينات والتمتع بأطايب النعم وأفانين الملذات، علم أن الإنسان إن لم يرتفع إلى صف الملائكة انخفض إلى صف الشياطين، فأبت طبيعته إلا الارتفاع لا الانخفاض، وشاءت سجيته إلا الروحانية لا الحيوانية، فكان منه الإنسان الروحاني الكريم العواطف العظيم المشاعر والوجدانات، ولعمري هل انتقلت الإنسانية من همجيتها الأولى إلى حالها اليوم من حضارة وعمران، إلا بأولئك الروحانيين كبار النفوس المتجردين عن الحيوانية الذين ازدان بهم كل عصر من عصور التاريخ، وازدهى كل جيل من أجيال البشر والذين لولاهم لكنا اليوم ساكني الكهوف والأجحار، ورواد الغاب والجبال، ومعاشري الأوابد والأوعال، ثم دعك من ذكر الجماهير فإن من الخطأ لبين أن تقدر الأمة بتعدادها وتوزن بأحصائها وتقاس بآلاف الأميال المربعة من طولها وعرضها، وإنما ينبغي أن تعتبر بأهميتها في الجيل الذي هي فيه والقرن الذي تقطعه، ولا تكون هذه الأهمية إلا بأولئك الأفراد القلائل الذين إذا ظهروا في الأمة فكأنهم سكان الأمة وكان تعدادها تعدادهم وليت شعري لو كان الثلمائة الأسبارطيون وقفوا يوم ثرمو بوليه إزاء مثلهم من الفرس لا إزاء مليونين أو يزيدون. فاستكانوا لهم. وأخذوا بكثرتهم. فهل كان الأمر يكون في الحالين سواء في تاريخ الإغريق. وإن شئت فقل في تاريخ الإنسان ولقد أصاب رجال نابوليون العظيم إذا كانوا يدعونه (بالمائة ألف) ولو كان بونابارت رجلاً أميناً لما عتموا أن دعوه (بالمائة مليون).

стр. 1250

ولد صاحب الترجمة في القاهرة قبل الثورة العرابية ببضع سنين، فلا جرم أن ينشأ على حب مصر، ولا عجب أن يشب على مودتها. ويغتذى من محبتها، ولا بدع أن تراه بالمصريين مشغوفاً، وبخدمتهم صبا، وبالانتساب إلى مصر فخوراً، إذ كان منشأ الحب الائتلاف، وباب المودة الاختلاط، وقد يفضل المولد على الموطن، وقد يؤثر الصديق على القريب، ويستحب على ابن الجلدة الغريب، وذلك تبعاً لكثرة المخالطة وقلتها، وطول الملازمة وقصرها، ولعل صاحب الترجمة ورث حب مصر عن أبيه، وأخذه عن والده، فإن أباه حبيب باشا لطف الله جاء من بيروت مولده إلى مصر حوال عام ١٨٥٢ فتخذها عن حب موطناً، ونزل بأسرته الكريمة عليها ضيفاً عزيزاً حتى إذا استتب به المقام اشتغل في تجارة الصادرات والواردات بين إنجلترا والهند والسودان في سن الفيل والعاج والصمغ والأقمشة. فلما استمكن من فؤاده حب هذه البلاد ونعم بجناب أهلها. رأى أن ينقطع إلى سكناها. ويبقى على قربها، فاشترى له منذ ثلاثين عاما أملاكاً بها وضياعاً، ثم اعتزل التجارة بعد ذلك العهد بعشرة أحوال. ولما ترعرع المترجم به دفعه والده إلى مدرسة اليسوعيين. ثم انتقل منها إلى مدرسة الفرير ثم رحل عنها إلى المدرسة التوفيقية وتوجه بعد ذلك إلى بيروت ليتم الدراسة بكليتها وعاد بعد حين إلى مصر فدخل مدرسة الحقوق الفرنسية. فلما شعر والده بالحاجة إليه دعاه قبل أن يتم دروسه في الحقوق إلى مشاركته في إدارة أعماله المالية. ولا أظن أن والده أساء صنعاً أو أخطأ شاكلة الصواب. فإن الشهادات المدرسية لا تزيد في شخصية الرجل. ولا ترفع من قدره. بل قد تفسد في بعض الأحايين شخصية حاملها وأخلاقه. بما قد تدخل عليها من زهو وعجب وغرور وخيلاء. فكم رأينا من طالب كان قبل أن يحرز شهادته على نصيب وافر من طيب الأخلاق. وعذوبة المحضر. ولين الجانب. فلما سقطت عليه الشهادة الدراسية إذ به انقلب صلفاً مزهواً فاسد الروح. شموس العطف. مصمر الخد حتى لكأنما قد فاز عند الله بالشهادتين!!. وليست شهادات الليسانس والدكتوراه والدبلوم وغيرها بالمقادير التي تقدر بها أنصبة محرزيها من العلم، وأقساطهم من الإطلاع والأدب. ومواهبهم من العبقرية والذكاء وهؤلاء

стр. 1251

حملة الليسانس وأخوانها من عليا الشهادات يعدون في هذا البلد بالعشرات والمئات لا نسمع لهم صوتاً. ولا تشهد لهم آراء. ولا تجد لهم فضلاً. اللهم إلا أفراداً نوابغ. نضجوا خارج المدرسة وذكوا خارج الدرس ونبغوا دون الشهادة وتوفروا على العلم للعلم لا لوظائف الحكومة. وأخلدوا إلى الإطلاع والآداب. لا للشارات والألقاب. بهم تنتفع الأمة وبهم تسود. ولم ينشب المترجم به إن دخل في الحياة العمومية لأن العظمة الشخصية لا ترضي العزلة. ولا تسكن للانفراد. ولا تطمئن للوحدة. فإنك أن تضع القطعة المغناطيسية جانباً ولم تقر بها من قطع الحديد وسبائك المعدن. لا تجدها تمتاز عن سائر أنواع الحديد والرصاص، ولا تعرف عن بقية المعادن بامتياز واختصاص فمن ثم انتظم المترجم به في سلك عدة جمعيات سورية أنشئت للخير وأسست للغوث والبر. على أنه لم يلبث أن أقال نفسه. ونفض منها يده. إثر خلاف قام بينه وبين أعضائها على وجوه هذا الخير الذي اجتمعوا له. وطرق البر الذي نصبوا أنفسهم للانفاق منه. وكان رأيه أن تصرف أموالها على الفقراء من جائع عان. وظمآن هيمان. وعار لهفان. ومريض أسوان. ومنكوب مهان. وكان غرضهم أن ينشؤا الكنائس ويبتنوا البيع والمعابد وما كان رأيه إلا الرأي الحصيف. وما كان مقصده إلا المقصد الشريف، لأن الفقراء والمحرومين هم الفتوق التي تشوه ثوب الإنسانيه. بل هم في جثمانها الجراح الدامية وما خلق الله عظماء الرجال إلا لرتق هذه الفتوق. وتضميد هذه الجروح. وما برأهم ألا ليكونوا للناس محسنين وأساة. فلا تستمع بعد للفلاسفة المختلطين القساة. ولا يغرنك صيحاتهم أن اقتلوا الضعفاء. وأبقوا على الأصلح. واتركوا العالم للأقوياء فهؤلاء نظروا إلى الدنيا من خلال زجاجة سوداء، فبدت لأعينهم كذلك مظلمة، ولو صدع بأمرهم. واتبع رأيهم. لكانوا عمرك الله أول ضحاي هذا الرأي. وأول ذبائح هذا المذهب الدموي. ثم أين تلك القوة المطلقة التي لا يشوبها شيء من الضعف. بل أين ذاك الضعيف الذي لا يعتريه شيء من القوة. وليت شعري ما أعانه الملهوفين وإغاثة المكروبين. وإعالة المنكوبين. إلا أحسن صنوف العبادة. وأصلح ضروب التسبيح والتكبير، وماذا يعني الإكثار من المعابد والكنائس والمحاريب والله قد خلق هذه الأرض جميعاً لتكو مسجده وكنيسته ومحرابه، ولقد أصاب دكنز القصى الكبير إذ وصف الإنسان بمعبد الله.

стр. 1252

ولم يخرج المترجم به من هذه الجمعية إلا ليدخل جمعية أعظم خيراً وأوفر بها. وأكبر قدراً. وأعلم أثراً. جمعية الهلال الأحمر، تلك الحسنة الكبرى التي جاءت بها المدنية الحاضرة فجعل على خزائنها واختير أمين صندوقها، فكم من جراح برأها وكم من طعنات نجلاء لمها، وكم من نفوس كانت على شفا الموت فأنقذها، وكم من أرواح أوشكت أن تفيض فأمسكها، وما يشق المشرفي جرحاً الأسد بدينار من ماله. ولا تجري دماء جريح إلا أوقف جريانها بضماد من عطائه، ذلك هو العمل المبرور والسعي المشكور ومن أحيا نفساً فقد أحيا الناس جميعاً. ولا تنس حفلة الطيران واحتفاءه وأسرته بمقدم الطيارين العثمانيين وإكرام مثواهما وإحسان وفادتهما وكان في جمعية الاحتفال أمين صندوقها فأعانها بماله وعضدها بحسن إدارته، وهو اليوم يشتعل في نقابة زارعي الأقطان المصرية للدفاع عن مصالحهم. وهناك حسنة كبرى لا تحد بحدود ولا تقاس بمقياس ولا توزن بميزان، تلك أن الحكومة كانت بادئ بدء لا تقدر على اعتبار إخواننا السوريين عنصراً من العناصر المصرية وكان قانونها النظامي لا يبيح تعيين أحد منهم نائباً في الجمعية التشريعية، فكان من سعى المترجم به واجتهاده أن أقرت الحكومة على اعتبارهم عنصراص متمماً للأمة، وبذلك ألف بين القلوب وربطها برباط من الأربطة السياسية الوثقى بعدما وصل بينها وأخي الحب الأهلي وأواصر الصداقة وأسباب الألفة والود، وناهيك بذلك من عمل سياسي مجيد. وهذه الأسرة اللطفية الكريمة تتألف اليوم من والد المترجم به سعادة المفضال حبيب باشا لطف الله، والمترجم به وإخوته. وقد أنعم عليه الجناب العالي بالرتبة الثانية وكذاك أنعم عليه الشاه الحالي بوسام السير خورشيد. فترى أنت من هذه الفذلكة المجملة أن صاحب الترجمة يعيش للأمة ويحيا لحياتها ويعمل لا لنفسه وإنما لرقبها مؤثراً رخاءها على رخائه مفضلاً مصلحتها على مصلحته علم أن للأمة حقوقاً على الفرد. فأبى الآن يقوم بواجبات ألوف الأفراد. ونحن فلو أردنا أن نبسط لك جملة من سديد آرائه وطائفة من جليل خواطره لما وسعها إلا كتاب كبير، فحسب القارئ منها أن نذكر أن أكبر أماني المترجم أن يثبت على الزمن فساد تلك الكلمة المتداولة اتفق الشرقيون على أن لا يتفقوا ويرى أن خليقاً بالشرقيين أن يجتمعوا

стр. 1253

ويتفقوا ويتناصروا إزاء هذا الغربي الجارف دون ملاحظة الفروق الدينية والجنسية حتى لا يكون ثم موضع للمشاحنات الباطلة لتي لا ترد ولا تجدي. وإنما تجلب الضرر الكبير. وربما عدنا إلى تفصيل أرائه وخواطره. وتوفيتها قسطها من الشرح والبيان والتعليق.

стр. 1254

العدد ١٨ - بتاريخ: ٣١ - ٦ - ١٩١٤

стр. 1255

تاريخ أعضاء الجمعية التشريعية سعد زغلول باشا نحن الآن إزاء تاريخ مصر الحديثة كله مجتمعاً في تاريخ رجل. بل نحن الآن حيال ترجمة الأمة مجتمعة في ترجمة واحد. وكأني بالقوة الأزلية تراعي وجوه الاقتصاد في خلق الناس وتوزيع ثروة العقول عليهم. فهي إذا شاءت أن تخلق عظيماً. أو أرادت أن تجود بعقل جبار. جمعت إليها آلافاً من العقول الإنسانية فدمجتها في عقل جبار عظيم. ولقد يمر الجيل فيعدو إلى القرن. والأقدار لا تزال تهيئ للأمة عقلاً مفرداً هائلاً يغنيها عن نصف عقولها. ويكون بمثابة الغذاء التاريخي لها. هذا ونساء الأمة في كل ساعة يحملن. وحبالاها في كل يوم يلدن. ومرضعاتها في كل لحظة يرضعن. وإنك لتقرأ إحصائية المواليد في الأسبوع الواحد. فترى العشرات والمئات قد خرجوا للعالم من منابت مختلفة. وأصلاب وترائب متباينة. فما يخطر ببالك أن سيكون من هذه الأدمغة الصغيرة عقل للأمة كبير. ثم انثن فاطلع إلى إحصائية الوفيات تجدها لا تزيد ولا تنقص عن تلك إلا شيئاً يسيراً. فمن ذلك تعلم أن الطبيعة تزيد على عدد الأمة في صبحها ما تنقصه منها في مغربها. لكي يطرد بها بقاء التوازن الحيوي في الأمة. ثم هن جاءك نبأ أمة الصين. وهل سمعت بتعدادها. وهل علمت أن قد مضي ما يربي على ألفي عام. والأقدار لم تصغ بعد من هذه الملايين العديدة رجلاً آخر على مثال كونفوشيوس. فكأنها لم تطبع من كونفوشيوس إلا نسخة واحدة. فإذا ما أخرجت الأمة عظيماً. فكأنما لم تتسع في عهده إلا له وحده. وكأن روحه وعقله وأخلاقه ومميزاته عدسات تبصر منها أمته عقلها وأخلاقها ومميزاتها. وكأنه يجلو بصر كل منا، ويزيل عن عينيه حجاب الأنانية فلا ننظر إلا له ولعظائم فعاله. ولا تكون الأمة منه إلا كما يكون من الصبية إزاء معلمهم، إذ كانت الحياة تجري على قاعدة مدرسية بحتة. والناس يحترمون عظيمهم لأنه أبدع قالب يحاولون أن يصوغوا أنفسهم على نحوه ومثاله. ونحن بني الدنيا نعيش ونتغذى من العظمة. ونحس في وجود العظيم بيننا أنا جميعاً عظماء. ونشعر في حضرة العقل الكبير أنا بجملتنا جمع عقلاء. لأنه ينبه منا خامد عقولنا. ويثير في قلوبنا هاجع حميتنا. ويوقد بين أضالعنا فاتر أرواحنا. ويكرهنا على أن نتناول

стр. 1256

كل عمل بعمله بحثاً وتفكيراً. ويريدنا على أن نتداول كل كلمة يقولها شرحاً وتفسيراً. ويطالبنا بأن ننهض لحسناته تحبيذاً وتفكيراً. لأن الناس يستحبون الحمية، وإن لم يكونوا هم مادتها. ويتطلبون الحرارة النفسية، وإن لم يكونوا هم أنفسهم نشأتها. ولا تقوى أعصاب الأمة إلا بالمصل الذي يحقنها به قادتها. ولا تشتد عضلاتها إلا بالحركات الرياضية التي يمرنها عليها رجالاتها، وكان خليقاً بقادة الشعوب أن يكونوا أعلم بطب النفوس، وأخبر بالأدوية النواجع التي توافق أمزجة شعوبهم. هذا ولو لم تكن الجمعية التشريعية تضم بين أعضاءها صفوة رجال الأمة، وخلاصة مجموعها. لما رأيت من عرض الأمة فرداً واحداً متنبهاً متيقظاً. ولأسدل السبات ستره على الأمة والجمعية معاً. فلا تكون محاضر الجمعية إلا مواعيد نوم تبتدئ وتنتهي بدقات أجراس أول من ينام وأول من يصحو من أعضائها، وإذن لما سمعت في النوادي والمجتمعات والأسمار هذه الشروح القيمة. والتأويلات الجليلة. والاستنباطات الدقيقة والاستنتاجات الثمينة. والاقتراحات السديدة. والآراء الوجيهة. التي يلقاك بها القوم على اختلاف طبقاتهم. وتباين أقدارهم. وتعدد أوساطهم. ولما رأيت نبض السياسة على ما شهدت من قوة. وعاينت من ضربان وانتظام. وهذه الروح السياسية القويمة: وهذا التطور الفلسفي الذي وثبت إليه الأمة: هما فيض من روح رجل عظيم: كان أكبر ثمرة جادت بها الأقدار على هذا البلد المجدب رجالاً: الخصيب زرعاً، المريع نباتاً: بل هو المادة الواسعة التي يتغذى منها تاريخ مصر الحديث: وهو الكوكب الإنساني الذي في كل قلب مصري منه وميض: وفي كل عقل مصري من سناه قبس وضياء. وفي كل نفس مصرية من وهجه شعاع ولألاء. ولا أحسب القارئ يعوزه بعد ذلك التفهيم. ولا ظنه بحاجة إلى زيادة الإيضاح والتبيين: - بلى: هو سعد زغلول باشا قائد الأمة اليوم: ووزيرها بالأمس: وقاضيها من قبل ذلك ومحاميها، بل هو أول محام راح في الأمة قاضياً: وأول قاض كان وزيراً: وأول وزير أضحى في هذا الجيل نائبا!. وأنت فستقرأ في الصفحات الآتية تاريخه الحافل بالعظائم: وتعي ترجمته المترعة بالمحاسن والمكارم: فتتبين لنفسك كيف يكون العظيم في قوة الإرادة: وما قوة الإرادة إلا

стр. 1257

انتصار للقوة الإلهية الكامنة في الإنسان: وما القوى في إرادته إلا من يكون لنفسه قانوناً وشرعة ونظاماً: يعلم علم اليقين أنه إذا نزل على رأيك وحكمك: وعمل بأمرتك وإرادتك: وخضع لسيطرتك وسلطتك: عطل فيه الإرادة التي تحركه: وأفسد على الله الميكانيكية التي ركبها فيه لتسيره: وكأني بقوة الإرادة من النباتات التي قل ما تنمو في هذا الجو المصري، وندر ما تطلب في تربته: وإنك أن تظفر من القوم برجل قوى الإرادة. فكأنك ظفرت منه بمادة هذه القوة وعنصرها: ومن ذا الذي ينكر على صاحب هذا التاريخ أنه في طليعة من ذكت قوة إرادتهم: واشتد في نفوسهم الاستقلال في الرأي: وقليل هم. ولا يغيب عنك قوة منطقة وسحر بيانه، وشدة عارضته: فكأنما يكسب قضيته في ذاكرته. قبل أن يقف لها في ساحة المحاجة والجدال: كما كان نابوليون العظيم يهزم عدوه فوق خريطته الحربية: قبل أن تضمه وإياهم سوح الحرب: وتجمعه بهم ميادين القتال. ولد سعادة سعد زغلول باشا بناحية أبيانا من اعمال مركز فوه عام ١٨٦٠: فهو اليوم في الحول الرابع والخمسين، ولكنك لو أشرفت عليه لرأيت ثم شيخاً أشيب يسند في حدود السبعين، وكذلك عظماء الرجال تذيب جسومهم تلك الحرارة المتأججة في أجوافهم وجنوبهم وكلما ازداد ضرام تلك الحرارة الروحانية. استمد وقوده من اللحم والدم. وأنت فلا ترى رجلاً نابغة إلا وجدته أبداً أكبر من عمره الحقيقي. حتى أنك لتلقى الشاعر العبقري - والشاعر أحر خلق الله روحاً، وأكثر علباد الله توهجاً - يبدو لك في مظهر الشيخ الوقور. وهو لا يعدو أن يكون شاباً في مقتبل العمر وحداثة الشباب. ولشد ما يخطئ الناس إذ يقدرون عمر الرجل العظيم كما يقدرون أعمار سائر البشر. كأنهم لم يعلموا أن دقيقة العظيم تعدل يوم غيره. فلما حبا إلى السابعة من عمره دخل مكتب القرية وظل به حوال خمسة أعوام. ثم شخص إلى دسوق لتجويد القرآن فجوده علي الشيخ عبد الله عبد العظيم. وكان أخوه الرجل الطيب الشناوي أفندي زغلول يومذاك رئيس مجلس مركز دسوق. ولم يلبث المترجم به في دسوق طويلاًَ بل جاء إلى القاهرة موطن عظمته ومهد شهرته ومعهد نباهته ودخل الأزهر ولبث يتلقي فيه العلوم خمس سنوات، وكان السيد جمال الدين الأفغاني حينذاك بالقاهرة، فلم يكد يستقر بصاحب الترجمة المقام في القاهرة حتى تعرف إليه وإلى تلاميذه أمثال المرحوم

стр. 1258

الأستاذ محمد عبده والهلباوي والباجوري والشيخ عبد الكريم سلمان فتلقي على الأستاذ محمد عبده القطب على الشمسية وبعض كتب في التوحيد وكان الأستاذ إذ ذاك من علماء الأزهر، ثم تعين بعد ذلك صاحب الترجمة محرراً في الوقائع المصرية وكان يرأس تحريرها الشيخ عبده وكان من بين كتابها ومحرريها الشيخ سلمان والسيد وفا زغلول شقيق نصر بك زغلول المحامي، وأقام في تحرير الوقائع سنة وبضعة أشهر يكتب بتوقيعه مقالات في الاستبداد والشورى والأخلاق وكان قبل تعيينه في الوقائع المصرية قد لخص كتاب ابن مسكويه وطبع منه أغلبه، وكان يكتب مقالات في جريدة مصر وكان يديرها ذلك الكاتب الحمي الأنف الألبي القلم أديب بك إسحق وكان بين الذين يتابعون تلك الجريدة من الكتاب سليم نقاش وكذلك كان يوافي بكتاباته صحف البرهان والمحروسة والتجارة وكلها كانت للمأسوف عليه سليم نقاش وكان الشيخ حمزة فتح الله يكتب إذ ذاك في صحيفة البرهان. والقارئ يرى من ذلك أن المترجم به بدأ حياته العظيمة بشباه القلم وسنان اليراع يستنفد في جميع ما يكتب عصارة ذلك الذهن القوي بطبيعته الذي لا عون له إلا روح الزمن. ولا خلابة له إلا من روح صاحبه، وماذا أنت متصور من مبلغ سحر كاتب يكتب ليستمع لرنات براعته وتوقيعات قلمه أمثال أديب إسحاق ومحمد عبده وسليم نقاش ومن علمت من الفحولة الأعلام، ولعمري ما كانت الصحف وقتذاك كما ترى منها اليوم يتهجم على ميدانها التلميذ والسوقة والكاتب الفج والدعي والغبي والركيك حتى لا تكاد تقرأ في كثير منها بعد أحداث اليوم وأنبائه إلا موضوعات إنشائية لعلها نماذج المعلمين في المدارس. ولا تأخذ عينك بين أعمدتها وأنهارها إلا قصائد نسيب يصف فيها بعض هؤلاء الرصاصين وجه حبائب ولدن لهم في مخيلاتهم يشيبون بوجوه لهن سافرات - وإلى جانب هذه القصائد السافرة مقال مطول في وجوب الحجاب! - إلى آخر ما يقرع سمعك من كل مضحك مبكي. ولا تعجب بعد ذلك إذ تعلم أن مقالات صاحب الترجمة في الوقائع والبرهان كانت من مهيئات الثورة ومضرماتها. فكأنما ألقت إليه الأقدار ذلك القلم الذي وضعته من قبل بين أنامل جان جاك روسو. فأقام به العالم وأقعده.

стр. 1259

وعين المترجم به بعد تحرير الوقائع معاوناً في الداخلية ثم ناظراً لقلم قضايا الجيزة على أنه لم يلبث بذلك القلم إلا بضعة أسابيع حتى إذا فصلت الثورة العرابية. فصل من وظيفته. وكان انفصاله بتهمة أنه من تلاميذ الشيخ محمد عبده وأنه من المنتمين إلى المرحوم البارودي واكتفوا من عقابه بفصله. ويجمل بنا أن لا ننسى تلك الحسنة الكبرى التي أسداها المترجم به إلى اللغة إذ كان يصحح ركيك المقالات. وقاسد الأساليب وعاثر العبارات، التي كانت تنتهي إلى الوقائع أيام كان من محرريها. فكان ذلك درساً عملياً لنشر اللغة، واتساع نطاقها. وإبرائها من ذلك الاضطراب العامي الذي يأبى أشباه العامة إلا أن تصاب اللغة منه بعدواهم. وكانت طريقته في ذلك أن ينشر الرسائل بنصها. ثم يجيء بعدها بما هو أصح منها لغة وأفصح سياقاً. حتى يتبين الصحيح من المعتل. وينكشف السليم من المختل. وحتى يعلم الذين في ألسنتهم مرض - لا زادهم الله مرضاً. إن بضاعتهم قد بان فسادها، وإن تجارتهم اللغوية قد وضح وكسها وكسادها - ونحن أن تعجب فعجب لهؤلاء الذين يأبى العرف اليوم إلا أن نسميهم من باب المجاز كتاباً وإنك لتشفق عليهم أن يبدو للناس عوارهم فتفتح لهم عبارة قد فسدت أو جملة ركت أو اصطلاحات أخلقت أو تراكيب ابتذلت على أنهم ما يزالون يريدونك على تهريب هذه المواد المحظورة ونشرها على حساب اللغة وحساب ضميرك ثم هم بعد ذلك ساخطون غاضبون لأساليبهم العصرية في حسبانهم وهي أن انتسبت إلى أي عصر لبرأ إلى الزمن كله من الانتساب إليها، وإذا أنت جئتهم من جانب النصخ والاستدارك تشفع بعضهم لك أنهم إنما يكتبون موضوعات علمية، فكأنما قد كتب على أبواب الموضوعات العلمية ممنوع دخول اللغة الصحيحة. . . وما كان من تلك الطريقة المثلى التي سنها المترجم به إلا أن صحت لغة الدواوين من علتها وقامت نهضة مدهشة في مصالح الحكومة بلغ منها أن سواد الموظفين كانوا يهرعون إلى المدارس الليلية لتعلم اللغة العربية الفصحى. ثم دخل في سلك المحاماة مع المرحوم حسين أفندي صقر وكان هذا رئيس قلم في نظارة الداخلية ثم فصل بسبب الثورة فانتقل صاحب الترجمة معه في المحاماة أمام المجالس الملغاة ولم تكن المحاماة في ذلك الحين شفوية بل كانت بتقارير تتبادل بين طرفي الخصوم

стр. 1260

أو وكلائهما، ثم إنهم بالاشتراك في جمعية سرية كان قد ألفها شخص فرنسي جاء من الجزائر واجتمع ببعض القوم في مصر فأقاموا منهم جمعية سرية سموها جمعية الانتقام، على أن هذه التهمة التي قرفوه بها والظنة التي أخذوه بأسبابها لم تكن لتروعه ولم تكن لترهبه لأن الرجل الكبير كالكرة المطاطية تقذف بها إلى الأرض وتأبى هي إلا سمواً وارتفاعاً ولا ترى النهم تروج إلا حيث يروج الكذب ولا يروج الكذب إلا حيث تذل النفوس وتفسد الطبائع والناس كما علمت يحبون التهم الحب كله ويخفون للظنون ويبتهجون. وهم لا يريدون فيها قضاة ولا يسألون عليها دفاعاً ولا يطلبون لها شهوداً ولا محلفين لأنهم يخافون أن يفسد التحقيق عليهم تلك اللذة النفسانية التي أحدثتها التهمة فيهم. فإذا ما برأ القضاة متهماً فاعلم أن في الناس الوفا لا يزالون يعتقدون بإدانة ذلك المتهم البرئ. ولا جرم أن تكون التهمة التي تجنوها على صاحب الترجمة أفك أفاك وقرية مفتر وانتقام حقود. وهل كانت الطبيعة القوية الوثابة التي فطره الله عليها. لنستطيع أن تعمل ساعة واحدة في ظل المكامن والمخابئ. هذا ولم يكن لصاحب الترجمة معرفة بأحد من رجال هذه الجمعية ولا من أعضائها ولكن لما اكتشفت الحكومة أمر هذه الجمعية وقبضت على بعض زعمائها سنحت لبعض رجال الحكومة الفرصة لمطاوعة فعمدوا إلى الانتقام من أعدائهم فكأنهم لم يكتشفوا جمعية الانتقام إلا ليقيموا لأنفسهم مثلها!. وكان من الذين استهدفوا لشره هذا الانتقام صاحب الترجمة وشريكه المرحوم حسين أفندي صقر. وتألفت لجنة لمحاكمتهما مع زعماء هذه الجمعية من بعض القضاة الأجانب الذين جيء بهم من بلجيكا للاشتراك في تشكيل المحاكم الأهلية تحت رئاسة قاض منهم يسمي فلمنكس وعضوية مسيو دهولس الذي كان مستشاراً في محكمة الاستئناف وانفصل عنها منذ زمن قريب. وحسين بك واصف - حسين باشا واصف الآن - والمرحوم حامد بك محمود ومحمود بك سالم. فلما تناولت اللجنة القضية وبحثتها تبين لها براءة صاحب الترجمة وشريكه وعجبت لإدخالهما في هذه التهمة النكراء. وأقرت بأن لا وجه تمت لإقامة الدعوى عليهما ولامت الحكومة على أنها مهما ظلما وعدواناً وأمرت بإخلاء سبيلهما للتو واللحظة، وقد لبثا في السجن سبعة أيام. على أن الحكومة لم تنفذ هذا الأمر بل أبقتهما ٩٨

стр. 1261

يوماً وحاولت نفيهما إلى السودان وأعد عثمان باشا ماهر المعروف بالسنيورة محافظ مصر وقت ذلك مشروعاً بذلك تقدم إلى مجلس النظار ولكن المجلس لم يقر عليه إذ لاحظ المرحوم فخري باشا ناظر الحقاقية إذ ذاك أن النفي المطلوب يعد ضربة للقضاة الأجانب الذين التجأت مصر إلى عونهم على توزيع وجوه العدل في هذا البلد ولاسيما أن القرار الذي أصدروه بأن لا وجه لإقامة الدعوى كان باكورة أعمالهم. ولكن على الرغم من هذه المعارضة ظل المترجم به رهن المحابس حتى رفعت ظلامته إلى المستر مكسويل وكان نائباً عمومياً أمام المحاكم الأهلية فأخذه العجب لذلك وأمر على الفور بإطلاق سراحهما فكان ما أمر. وعاد المترجم به بعد أن ردت إليه حريته الشخصية إلى الاشتغال بالمحاماة مع شريكه وكان ذلك إبان افتتاح المحاكم الأهلية وكان أول من تقيد اسمه في محكمة مصر محامياً وكان ذلك عام ١٨٨٤. وانفسخ إذ ذاك المجال في قضايا الجنايات للقوة الخطابية وبدأ المحامي يدلي بدفاعه أما منصة القضاء ويبسط حججه بلسانه ويستنصر ببلاغه مذوده، وهنا تجلي للناس صاحب الترجمة يحمل تحت لسانه وفي تضاعيف صوته موهبة عظيمة الشأن جليلة القدر كانت حرارتها من قبل ذائبة في مداد قلمه، وإذا به ذلك الخطيب المفوه العظيم الذي إذا خطب الناس قاد آراءهم وقاد مع آرائهم إرادتهم، وإذا تكلم رفعهم فوق أنفسهم وأحدث فيهم قوة جديدة لم تكن تجري في شرايينهم وإذا أراد أن يهزم أفكار سامعيه، ويفتح أذهانهم نثر فيهم روحه فكلهم إذ ذاك قطعة منه لا تزال تنجذب إليه بقوة المغناطيسية المنطقية. وكانت صناعة المحاماة في ذلك العهد على أسوأ حال وأحقر مكان وأحط قدر لا يلقي بنفيه في تيارها الكدر إلا الذين استهدفوا لسوء القالة وشين السمعة وخسران الكرامة وقد كان من ضعف ثقة القوم بأهل هذه الصناعة وخشية شرهم ورهبة ضميرهم وإذاهم أن لقبوهم بالمزورين ودعوهم بالأشرار أو ما هو في اصطلاحهم العامي المرازين ولكن المترجم به كان العامل على تطهير سمعة هذه الصناعة الإنسانية الكبرى وإعلاء كلمتها والنهوض بها من عثرتها والسمو بها من كبوتها ورد كرامتها عليها، ولم يكن ليخشى على مكانته الشخصية أن يصيبها شيء من سوء تلك السمعة إذ لا يضير الفيل العظيم أن يكون مركباً

стр. 1262

للملوك والعظماء وما كان في ذلك إلا كالشمس تنفذ بضيئها إلى الأماكن الوخمة والقيعان الوبيئة والمراتع المظلمة فتبدو رخمها وتقتل جراثيمها وتهتك حجاب ظلماتها وترسل في جوها مادة الحياة وتنشر في منافسها مادة الصحة. ولبث يرفع من شأنها يرفعة شأنه ويطهر ذكرها بطهارة ذكره حتى عام ١٨٩١ إذ سمعت مكانتها واستوسق لها أمرها وشرفت سمعتها وما كاد هذا العام ينصرم ويقبل العام التالي حتى اختارته محكمة الاستئناف نائب قاض بها وبذلك كان أول محام في مصر رفع قاضياً، وقد كان لهذا التعيين نشوة ابتهاج وهزة جذل بين لدانة المحامين فلما كان اليوم الثامن عشر من شهر يوليه عام ١٨٩٢ أقام له جلة المحامين وخبرتهم مأدبة كبرى في نزل حديقة الأزبكية. واشترك معهم في تلك الحفلة الكبرى رئيس محكمة الاستئناف في ذلك العهد أحمد بليغ باشا وإسماعيل بك صبري - إسماعيل صبري باشا - وكيلها، وأحمد حشمت بك - حشمت باشا - الأفوكاتو العمومي للمحاكم الأهلية. فلما انتظم عقد الحفل انبرى رأس شعراء هذا الجيل سعادة إسماعيل بك صبري - باشا - فقال: إن تعيين حضرة الفاضل سعد أفندي زغلول عضواً في محكمة الاستئناف لدليل على أن المحاماة والقضاء إخوان رضيعا لبان، وغصتان صنوان، حتى لقد راقني أن أنمثل بقول أبي الطيب المتنبي: هذي منازلك الأخرى نهنيها ... فمن يمر على الأولى يعزيها ثم تلاه إسماعيل بك عاصم المحامي وإليك ما قال إما يعرف صلاح الأمة بصلاح الحكومة وإنما يعرف صلاح الحكومة بحزمها والحزم هو أن يوضع كل شيء في مكانه ويصرف في وجوهه وبابه أن تعطى الوظائف للخليقين بها انحطت وأية حكومة اتخذت ذلك الحزم قانوناً لها تقدمت وقد شاهدتا حكومتنا اليوم تعطي الوظائف في المحاكم الأهلية لمن هم أجدر بها وأصلح لها ولما كانت صناعتنا المحاماة مشتبكة مرتبطة بالقضاء فقد كان لنا جزيل السرور أن رأينا في محكمة الاستئناف الأهلية مثل سعادة رئيسها وحضرة وكيلها الفاضلين وبينا نحن منشرحو الصدر مثلجو الأفئدة لظهور هذا التطور والارتقاء في إصلاح خطة القضاء بانتخاب الأكفاء لها إذ رأينا الحكومة قد نشطت لحظة جديدة مثلى فانتقت من صناعة المحاماة أصولياً نابغة وهو حضرة سعد أفندي زغلول فعينته في محكمة

стр. 1263

الاستئناف ولم يكن قبل في صناعة دنيا فنقول اليوم أنه ارتقى ونهنئه على ارتقائه بل كان في مهنة شريفة سامية وكانت تفخر به وتزهى بجانبه فما كان من القضاء إلا أن نفسه علينا فضمه إليه من بين أظهرنا وكن ذلك دليلاً على انتهاج سبيل الإصلاح إذ كان سعد أفندي زغلول يصلح في الحقيقة لمنصب أرقى مما انتخب له وأسمى مكاناً. وقد اجتمعنا نحن عصبة المحامين الليلة لنهنئ أنفسنا بانتخاب الحكومة لحضرة الفاضل في سلك القضاء ولنهنئ حضرته لأنه سيوجد مع رئيس اشتهر بصفات الكمال ومكارم الأخلاق وطهارة الذمة وحب الاستقلال وسعة العلم واعتذر إليكم أيها السادة لعجزي عن إبداء كل ما يختلج ضميري من الفرح والسرور الحقيقيين. ثم وقف بعده المرحوم إبراهيم أفندي اللفاني فقال يا سعد وفي هذا اللفظ من معنى الإجلال والتعظيم ما يكفيني مؤونة المبال، فيا سعد قد عز علي القول في هذا المقام مع مالي من الأثرة والاختصاص بك والاحتفاظ بجليل فضلك إلى حد يحتبس معه لساني ويعجز عن الإفصاح والبيان، واقتصر الآن على أن أهنئك من قلب يخالطه الأسف عن انفصالك من بيننا، وقد كنت واسطة عقدنا وعلى قدر هذا الأسف تكون تهنئتنا على دخولك في سلك القضاء ولكن علام هل انتقلت إلى مقام تكون فيه أكثر ثراء وأوسع ديناً مما كنت فيه. كلا بل إلى مقام يحبس فيه رزقك على راتب زهيد فعلام إذن نهنئك - أم هل انتقلت إلى مقام تزاول فيه علماً لم تزاول أو تزداد سعة منه ووفراً وكنت فيه قصير الباع - كلا. . فعلام إذن نهنئك؟. بلى. نهنئك لأنك كنت تناضل عن الحق، وتحارب للإنصاف. وتجاهد للعدل. ولم يكن بيدك. فأصبحت والعدل اليوم بيدك يطالبك بحقه. إلا فلنشرب على سر استلامك زمام الحق ونصرته. ثم وقف أحمد حشمت بك. حشمت باشا - النائب العمومي فقال: إخواني قد علمتم أن النيابة العمومية والمحاماة خصمان مختلفان. ولكن كل منهما يناضل عن الحق والإنصاف. ويجد لمحو عوامل الاستبداد والاعتساف. وقد كان حضرة الفاضل سعد أفندي زغلول من أشد أولئك الخصماء وأقواهم حجة ودفاعاً عن الحق وذوداً عن العدل. فأصبح اليوم في صف الحاكمين بين الخصوم. فحق للنيابة العمومية أن ترحب به فيصلاً يقضي بالحق كما عهدته

стр. 1264

في دور خصومه نصيراً له. وانبرى في أثره عدة خطباء يزيدون عن العشرة. يعددون جميعاً حسنات المترجم به في المحاماة ومناقبه ومميزاته. حتى جاء دور ذلك الخطيب المصقع البليغ. والمحامي النابغة المنطبق. الأستاذ إبراهيم بك الهلباوي فوقف يقول إذا التمست من حضراتكم المعاذير وطلبت الصفح عن التقصير. فلي شفيع قائم بين أيديكم ألا وهو كوني أخطب الآن أثر ثلاثة عشر خطيباً. كلهم قد خلب الألباب. وأخذ بمجامع القلوب. ولكن لا أسألكم عذراً لأن موضوع خطب شخص كله فضائل ومهما قال الخطباء فبحر الفضل واسع لا تنفد مادته، ولست أقصد بمقالي إلى الأسف على فراق سعد أفندي زغلول لطائفة المحامين فأنا ما اجتمعنا هنا لتوديعه منها. بل لنهنئ هذه الطائفة التي يحق لها أن نفخر أعجاباً بما نالته بتعيينه من الشرف وعلو الشأن. تقولون إن حرفة المحاماة شريفة وفضلها مقرر. وأقول كان ذلك لها ولكن على القرطاس. وفي القواعد الفلسفية. أما المشاهد فليس كذلك ما كان. فمنذ تسع سنوات كانت أبعد عن اسم الشرف والفضل. وتعلمون أنتم أن المحاكم الأهلية حلت محل المجالس الملغاة التي كان أمامها محامون يسمون بوكلاء الدعاوي ليس صاحب السمعة فيهم الأمن كان أخبر بأغراض القضاة وأعرف بحاجاتهم. فكان ولا ريب هذا الفن ضائع الاعتبار بين أيدي طبقة مضيعة لشرفه خافضة لمكانته فلما تألفت المحاكم الأهلية لم يجسر أحد أن يسوق بنفسه ضحية لهذا الفن وذبحا إلا رفيقنا سعد أفندي زغلول فظل يعالج مرضه ويرتق فتقه ويقيم أوده. ويجاهد في سبيل إعلاء كلمته حتى أسدل الستار على كثير من فضائحه ومعايبه فأقدم إذ ذاك أرباب الشرف على الاحتراف به ولهذا كان سعي رفيقنا بادئ بدء جهاداً مستمراً. ولولاه ما استطاع أحد منا الاشتغال بهذا الفن الذي أصبحنا نعده اليوم فناً شريفاً ومهنة سامية عالية. فالفضل كل الفضل في سمو مكانتها لحضرة سعد أفندي زغلول فلذلك وجب علينا أن نهنئ المحاماة بانتقاله منها وارتقائه إلى منصة القضاء. فهو هو الذي صيرها أهلاً لأن يرتقي منها مثله إلى محكمة الاستئناف. ومن الغريب أنه لما عرض تعيين حضرة صديقنا المفضال سعد أفندي زغلول عضواً في محكمة الاستئناف قال قائل إن حضرته على الرغم مما أحرزه من الفضل وسعة الإطلاع

стр. 1265

في القوانين لم تكن لديه شهادة ليسانسيه فلما بلغ هذا القول سعادة الفاضل رئيس محكمة الاستئناف أجاب بأنه إذا كان معترفاً بفضله وسعة إطلاعه في القانون أفلا يكون اضطلاعه بدراسة الشريعة الإسلامية الغراء شفيعاً له وقائماً مقام شهادة الليسانس. وهذه حجة دامغة ومقال رشيد. وهل من ينكر بعد هذا فضل حضرة سعد أفندي زغلول وقد عرف فضله كل مصري حتى أصبح الفلاح في زوايا القرى يعتمد على اسمه في مقاضاة خصمه إن كان محقاً. وتخور قواه وتهن عزيمته عند ذكر اسمه إذا كان مبطلاً. فهل مثل هذا الفاضل تكبر عليه وظيفة مندوب في قلم قضايا الحكومة وقد أكبرتها من قبل ذلك الأغراض. ثم كادت أن تكبر عليه وظيفة نائب قاض في محكمة الاستئناف وهي الوظيفة التي تحتفل اليوم لها. وأنتم يا حضرات الأخوان تعترفون في سركم وعلانيتكم بأنه أفضلنا وأجدرنا بالرقي واستلام زمام الحكم في أكبر مصالح الحكومة. فالمحاماة التي رفعها إلى ذروة الشرف لا تزال تطالبه بأن يتسم بها أعلى سنام الرعاية والاعتبار. وأن يمحو عنها ما بقي من رسوم الزراية والاحتقار حتى إذا طلب أحدنا فيما بعد إلى منصب أرقى مما نال اليوم لا يجد دونه معترضاً. كلكم تعرفون يا حضرات المحامين أن القضايا كانت ترفع إلى المحاكم وفي كل مائة منها سبعون أو ما يزيد ترفع فيها المسائل الفرعية فتقبل لخطأ في الشكل وجهل بالطرق القانونية. فأصبحت وليس في المئة خمس قضايا مما تقبل فيها الفرعيات. ومرجع الفضل في ذلك كله إلى سعد أفندي إذ كان قدوة وأستاذاً للمشتغلين بصناعة المحاماة بل كان أستاذاً لكثيرين من القضاة. وهذه تقاريره الشرعية والعقلية محفوظة لدينا يرجع إليها كل من استبهم عليه أمر قانوني. فلم يعد بعد من حاجة إلى بقائه بيننا. فقد أتم دروسه علينا سواء من حيث الصدق والاستقامة وطهارة الذمة أو من حيث البلاغة والفصاحة أو من حيث المسائل القانونية الدقيقة المعضلة. فليت شعري لأي شيء نتأسف من فراقه. وليس بنا من حاجة إليه إلا ما يطلب منه في دوره الجديد. أي مشكل قانوني أو أية حادثة قانونية أخذت بطبيعتها شكلاً من الأشكال والالتباس - وللحوادث طبائع تختلف حتى مع وحدة القانون - ولم نر مرجع الفضل في حله إلى حضرة الفاضل سعد أفندي زغلول؟. بل في أي وقت تنازعا في مبدأ قانوني وكان الحكم
следующие страницы →