← Адаб

Адаб · id 73348

مجلة البيان للبرقوقي

البرقوقي

Полный текст (3 596 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

يوماً وحاولت نفيهما إلى السودان وأعد عثمان باشا ماهر المعروف بالسنيورة محافظ مصر وقت ذلك مشروعاً بذلك تقدم إلى مجلس النظار ولكن المجلس لم يقر عليه إذ لاحظ المرحوم فخري باشا ناظر الحقاقية إذ ذاك أن النفي المطلوب يعد ضربة للقضاة الأجانب الذين التجأت مصر إلى عونهم على توزيع وجوه العدل في هذا البلد ولاسيما أن القرار الذي أصدروه بأن لا وجه لإقامة الدعوى كان باكورة أعمالهم. ولكن على الرغم من هذه المعارضة ظل المترجم به رهن المحابس حتى رفعت ظلامته إلى المستر مكسويل وكان نائباً عمومياً أمام المحاكم الأهلية فأخذه العجب لذلك وأمر على الفور بإطلاق سراحهما فكان ما أمر. وعاد المترجم به بعد أن ردت إليه حريته الشخصية إلى الاشتغال بالمحاماة مع شريكه وكان ذلك إبان افتتاح المحاكم الأهلية وكان أول من تقيد اسمه في محكمة مصر محامياً وكان ذلك عام ١٨٨٤. وانفسخ إذ ذاك المجال في قضايا الجنايات للقوة الخطابية وبدأ المحامي يدلي بدفاعه أما منصة القضاء ويبسط حججه بلسانه ويستنصر ببلاغه مذوده، وهنا تجلي للناس صاحب الترجمة يحمل تحت لسانه وفي تضاعيف صوته موهبة عظيمة الشأن جليلة القدر كانت حرارتها من قبل ذائبة في مداد قلمه، وإذا به ذلك الخطيب المفوه العظيم الذي إذا خطب الناس قاد آراءهم وقاد مع آرائهم إرادتهم، وإذا تكلم رفعهم فوق أنفسهم وأحدث فيهم قوة جديدة لم تكن تجري في شرايينهم وإذا أراد أن يهزم أفكار سامعيه، ويفتح أذهانهم نثر فيهم روحه فكلهم إذ ذاك قطعة منه لا تزال تنجذب إليه بقوة المغناطيسية المنطقية. وكانت صناعة المحاماة في ذلك العهد على أسوأ حال وأحقر مكان وأحط قدر لا يلقي بنفيه في تيارها الكدر إلا الذين استهدفوا لسوء القالة وشين السمعة وخسران الكرامة وقد كان من ضعف ثقة القوم بأهل هذه الصناعة وخشية شرهم ورهبة ضميرهم وإذاهم أن لقبوهم بالمزورين ودعوهم بالأشرار أو ما هو في اصطلاحهم العامي المرازين ولكن المترجم به كان العامل على تطهير سمعة هذه الصناعة الإنسانية الكبرى وإعلاء كلمتها والنهوض بها من عثرتها والسمو بها من كبوتها ورد كرامتها عليها، ولم يكن ليخشى على مكانته الشخصية أن يصيبها شيء من سوء تلك السمعة إذ لا يضير الفيل العظيم أن يكون مركباً

стр. 1262

للملوك والعظماء وما كان في ذلك إلا كالشمس تنفذ بضيئها إلى الأماكن الوخمة والقيعان الوبيئة والمراتع المظلمة فتبدو رخمها وتقتل جراثيمها وتهتك حجاب ظلماتها وترسل في جوها مادة الحياة وتنشر في منافسها مادة الصحة. ولبث يرفع من شأنها يرفعة شأنه ويطهر ذكرها بطهارة ذكره حتى عام ١٨٩١ إذ سمعت مكانتها واستوسق لها أمرها وشرفت سمعتها وما كاد هذا العام ينصرم ويقبل العام التالي حتى اختارته محكمة الاستئناف نائب قاض بها وبذلك كان أول محام في مصر رفع قاضياً، وقد كان لهذا التعيين نشوة ابتهاج وهزة جذل بين لدانة المحامين فلما كان اليوم الثامن عشر من شهر يوليه عام ١٨٩٢ أقام له جلة المحامين وخبرتهم مأدبة كبرى في نزل حديقة الأزبكية. واشترك معهم في تلك الحفلة الكبرى رئيس محكمة الاستئناف في ذلك العهد أحمد بليغ باشا وإسماعيل بك صبري - إسماعيل صبري باشا - وكيلها، وأحمد حشمت بك - حشمت باشا - الأفوكاتو العمومي للمحاكم الأهلية. فلما انتظم عقد الحفل انبرى رأس شعراء هذا الجيل سعادة إسماعيل بك صبري - باشا - فقال: إن تعيين حضرة الفاضل سعد أفندي زغلول عضواً في محكمة الاستئناف لدليل على أن المحاماة والقضاء إخوان رضيعا لبان، وغصتان صنوان، حتى لقد راقني أن أنمثل بقول أبي الطيب المتنبي: هذي منازلك الأخرى نهنيها ... فمن يمر على الأولى يعزيها ثم تلاه إسماعيل بك عاصم المحامي وإليك ما قال إما يعرف صلاح الأمة بصلاح الحكومة وإنما يعرف صلاح الحكومة بحزمها والحزم هو أن يوضع كل شيء في مكانه ويصرف في وجوهه وبابه أن تعطى الوظائف للخليقين بها انحطت وأية حكومة اتخذت ذلك الحزم قانوناً لها تقدمت وقد شاهدتا حكومتنا اليوم تعطي الوظائف في المحاكم الأهلية لمن هم أجدر بها وأصلح لها ولما كانت صناعتنا المحاماة مشتبكة مرتبطة بالقضاء فقد كان لنا جزيل السرور أن رأينا في محكمة الاستئناف الأهلية مثل سعادة رئيسها وحضرة وكيلها الفاضلين وبينا نحن منشرحو الصدر مثلجو الأفئدة لظهور هذا التطور والارتقاء في إصلاح خطة القضاء بانتخاب الأكفاء لها إذ رأينا الحكومة قد نشطت لحظة جديدة مثلى فانتقت من صناعة المحاماة أصولياً نابغة وهو حضرة سعد أفندي زغلول فعينته في محكمة

стр. 1263

الاستئناف ولم يكن قبل في صناعة دنيا فنقول اليوم أنه ارتقى ونهنئه على ارتقائه بل كان في مهنة شريفة سامية وكانت تفخر به وتزهى بجانبه فما كان من القضاء إلا أن نفسه علينا فضمه إليه من بين أظهرنا وكن ذلك دليلاً على انتهاج سبيل الإصلاح إذ كان سعد أفندي زغلول يصلح في الحقيقة لمنصب أرقى مما انتخب له وأسمى مكاناً. وقد اجتمعنا نحن عصبة المحامين الليلة لنهنئ أنفسنا بانتخاب الحكومة لحضرة الفاضل في سلك القضاء ولنهنئ حضرته لأنه سيوجد مع رئيس اشتهر بصفات الكمال ومكارم الأخلاق وطهارة الذمة وحب الاستقلال وسعة العلم واعتذر إليكم أيها السادة لعجزي عن إبداء كل ما يختلج ضميري من الفرح والسرور الحقيقيين. ثم وقف بعده المرحوم إبراهيم أفندي اللفاني فقال يا سعد وفي هذا اللفظ من معنى الإجلال والتعظيم ما يكفيني مؤونة المبال، فيا سعد قد عز علي القول في هذا المقام مع مالي من الأثرة والاختصاص بك والاحتفاظ بجليل فضلك إلى حد يحتبس معه لساني ويعجز عن الإفصاح والبيان، واقتصر الآن على أن أهنئك من قلب يخالطه الأسف عن انفصالك من بيننا، وقد كنت واسطة عقدنا وعلى قدر هذا الأسف تكون تهنئتنا على دخولك في سلك القضاء ولكن علام هل انتقلت إلى مقام تكون فيه أكثر ثراء وأوسع ديناً مما كنت فيه. كلا بل إلى مقام يحبس فيه رزقك على راتب زهيد فعلام إذن نهنئك - أم هل انتقلت إلى مقام تزاول فيه علماً لم تزاول أو تزداد سعة منه ووفراً وكنت فيه قصير الباع - كلا. . فعلام إذن نهنئك؟. بلى. نهنئك لأنك كنت تناضل عن الحق، وتحارب للإنصاف. وتجاهد للعدل. ولم يكن بيدك. فأصبحت والعدل اليوم بيدك يطالبك بحقه. إلا فلنشرب على سر استلامك زمام الحق ونصرته. ثم وقف أحمد حشمت بك. حشمت باشا - النائب العمومي فقال: إخواني قد علمتم أن النيابة العمومية والمحاماة خصمان مختلفان. ولكن كل منهما يناضل عن الحق والإنصاف. ويجد لمحو عوامل الاستبداد والاعتساف. وقد كان حضرة الفاضل سعد أفندي زغلول من أشد أولئك الخصماء وأقواهم حجة ودفاعاً عن الحق وذوداً عن العدل. فأصبح اليوم في صف الحاكمين بين الخصوم. فحق للنيابة العمومية أن ترحب به فيصلاً يقضي بالحق كما عهدته

стр. 1264

في دور خصومه نصيراً له. وانبرى في أثره عدة خطباء يزيدون عن العشرة. يعددون جميعاً حسنات المترجم به في المحاماة ومناقبه ومميزاته. حتى جاء دور ذلك الخطيب المصقع البليغ. والمحامي النابغة المنطبق. الأستاذ إبراهيم بك الهلباوي فوقف يقول إذا التمست من حضراتكم المعاذير وطلبت الصفح عن التقصير. فلي شفيع قائم بين أيديكم ألا وهو كوني أخطب الآن أثر ثلاثة عشر خطيباً. كلهم قد خلب الألباب. وأخذ بمجامع القلوب. ولكن لا أسألكم عذراً لأن موضوع خطب شخص كله فضائل ومهما قال الخطباء فبحر الفضل واسع لا تنفد مادته، ولست أقصد بمقالي إلى الأسف على فراق سعد أفندي زغلول لطائفة المحامين فأنا ما اجتمعنا هنا لتوديعه منها. بل لنهنئ هذه الطائفة التي يحق لها أن نفخر أعجاباً بما نالته بتعيينه من الشرف وعلو الشأن. تقولون إن حرفة المحاماة شريفة وفضلها مقرر. وأقول كان ذلك لها ولكن على القرطاس. وفي القواعد الفلسفية. أما المشاهد فليس كذلك ما كان. فمنذ تسع سنوات كانت أبعد عن اسم الشرف والفضل. وتعلمون أنتم أن المحاكم الأهلية حلت محل المجالس الملغاة التي كان أمامها محامون يسمون بوكلاء الدعاوي ليس صاحب السمعة فيهم الأمن كان أخبر بأغراض القضاة وأعرف بحاجاتهم. فكان ولا ريب هذا الفن ضائع الاعتبار بين أيدي طبقة مضيعة لشرفه خافضة لمكانته فلما تألفت المحاكم الأهلية لم يجسر أحد أن يسوق بنفسه ضحية لهذا الفن وذبحا إلا رفيقنا سعد أفندي زغلول فظل يعالج مرضه ويرتق فتقه ويقيم أوده. ويجاهد في سبيل إعلاء كلمته حتى أسدل الستار على كثير من فضائحه ومعايبه فأقدم إذ ذاك أرباب الشرف على الاحتراف به ولهذا كان سعي رفيقنا بادئ بدء جهاداً مستمراً. ولولاه ما استطاع أحد منا الاشتغال بهذا الفن الذي أصبحنا نعده اليوم فناً شريفاً ومهنة سامية عالية. فالفضل كل الفضل في سمو مكانتها لحضرة سعد أفندي زغلول فلذلك وجب علينا أن نهنئ المحاماة بانتقاله منها وارتقائه إلى منصة القضاء. فهو هو الذي صيرها أهلاً لأن يرتقي منها مثله إلى محكمة الاستئناف. ومن الغريب أنه لما عرض تعيين حضرة صديقنا المفضال سعد أفندي زغلول عضواً في محكمة الاستئناف قال قائل إن حضرته على الرغم مما أحرزه من الفضل وسعة الإطلاع

стр. 1265

في القوانين لم تكن لديه شهادة ليسانسيه فلما بلغ هذا القول سعادة الفاضل رئيس محكمة الاستئناف أجاب بأنه إذا كان معترفاً بفضله وسعة إطلاعه في القانون أفلا يكون اضطلاعه بدراسة الشريعة الإسلامية الغراء شفيعاً له وقائماً مقام شهادة الليسانس. وهذه حجة دامغة ومقال رشيد. وهل من ينكر بعد هذا فضل حضرة سعد أفندي زغلول وقد عرف فضله كل مصري حتى أصبح الفلاح في زوايا القرى يعتمد على اسمه في مقاضاة خصمه إن كان محقاً. وتخور قواه وتهن عزيمته عند ذكر اسمه إذا كان مبطلاً. فهل مثل هذا الفاضل تكبر عليه وظيفة مندوب في قلم قضايا الحكومة وقد أكبرتها من قبل ذلك الأغراض. ثم كادت أن تكبر عليه وظيفة نائب قاض في محكمة الاستئناف وهي الوظيفة التي تحتفل اليوم لها. وأنتم يا حضرات الأخوان تعترفون في سركم وعلانيتكم بأنه أفضلنا وأجدرنا بالرقي واستلام زمام الحكم في أكبر مصالح الحكومة. فالمحاماة التي رفعها إلى ذروة الشرف لا تزال تطالبه بأن يتسم بها أعلى سنام الرعاية والاعتبار. وأن يمحو عنها ما بقي من رسوم الزراية والاحتقار حتى إذا طلب أحدنا فيما بعد إلى منصب أرقى مما نال اليوم لا يجد دونه معترضاً. كلكم تعرفون يا حضرات المحامين أن القضايا كانت ترفع إلى المحاكم وفي كل مائة منها سبعون أو ما يزيد ترفع فيها المسائل الفرعية فتقبل لخطأ في الشكل وجهل بالطرق القانونية. فأصبحت وليس في المئة خمس قضايا مما تقبل فيها الفرعيات. ومرجع الفضل في ذلك كله إلى سعد أفندي إذ كان قدوة وأستاذاً للمشتغلين بصناعة المحاماة بل كان أستاذاً لكثيرين من القضاة. وهذه تقاريره الشرعية والعقلية محفوظة لدينا يرجع إليها كل من استبهم عليه أمر قانوني. فلم يعد بعد من حاجة إلى بقائه بيننا. فقد أتم دروسه علينا سواء من حيث الصدق والاستقامة وطهارة الذمة أو من حيث البلاغة والفصاحة أو من حيث المسائل القانونية الدقيقة المعضلة. فليت شعري لأي شيء نتأسف من فراقه. وليس بنا من حاجة إليه إلا ما يطلب منه في دوره الجديد. أي مشكل قانوني أو أية حادثة قانونية أخذت بطبيعتها شكلاً من الأشكال والالتباس - وللحوادث طبائع تختلف حتى مع وحدة القانون - ولم نر مرجع الفضل في حله إلى حضرة الفاضل سعد أفندي زغلول؟. بل في أي وقت تنازعا في مبدأ قانوني وكان الحكم

стр. 1266

بين الفريقين غيره. أولم يكن الرجوع إلى آرائه في الأحكام السابقة إليه بسبيل هذا المبدأ. وانتقاله اليوم إلى سلك القضاء لا يحزننا بل يملأ صدورنا فرحاً واغتباطاً. إذ به تزول عنا بقية الوصمة التي لم تبرأ حرفتنا من عابها حتى الآن. فلو قال لنا قاض من القضاة بعد اليوم إن فيكم من لا يصلح لشيء أجبناه. بل إن فينا من شرف منصب القضاء. فلما انتهى الأستاذ من هذه الخطبة البليغة. وانتهى الحضور من التصفيق والهتاف ودلائل الاستحسان والإعجاب. قام في أثره صاحب الترجمة يرسل بينهم ذلك الصوت العذب السحري وينثر فيهم ذلك البيان الجزل السحباني. يشكر لهم احتفالهم به وشهادتهم بفضله وإقرارهم بنبوغه وعبقريته بل إن شئت قل قطعة من اعترافاته وناهيك باعتراف العظماء، قال: إخواني وسادتي - قد عهدتموني وليس من شيمتي الحسد، إذ ليس الحسد بنافع أحداً مطلقاً، كما أنه لم يكن من طبعي الافتخار، فأنا آمن بما عهدت فيكم من أن ترموني به. ولكني أرى نفسي اليوم على غير ما طبعت عليه، أراني حاسداً نفسي فخوراً بما أنا اليوم فيه. إذ كنت موضوع اهتمامكم ورهين عنايتكم. وكنت أود لو أني بينكن أهنئ غيري من بين صفوفكم، بما يناله عن جدارة واستحقاق. إخواني وسادتي - قد كنت أعرف من نفسي القدرة على البيان. وتقرير الحقائق، بل كنت أعتقد - ولو كنت مخطئاً في اعتقادي - أني على شيء من البلاغة والفصاحة واللسن، وما عهدت نفسي كالآن عيباً محصراً محتبساً عاجزاً عن القيام بما يجب لحضراتكم في بيان مقام الشكر لكم. وأراكم اختلفتم في الوجهة وتباينتم في الأسلوب وقد اتحدتم في المعنى واجتمعتم فماذا يسعني من أساليب البيان لأداء ما يحق لكل منكم، بماذا أشكركم وقد هجرت الكلام شهراً، ولولا أن مظاهر السرور على وجوهكم تدفعني للمقال - وإن لساني محض معبر عما يليه إحساسي الخالص ما استطعت الكلام الآن بعد أن اقتنعت من نفسي بأني عاجز عن مجاراة كل منكم في حلبة الفصاحة والبيان. إخواني - أراني لا أزال واحداً منكم. وإن نهاية الشرف عندي أن تقبلوني كذلك لأنكم أنتم الذين تخدمون الحقيقة ولا زلتم تجدون في طلبها. ولم يكن من أمري إلا أن ضعفت عن مجاراتكم واجتثاث السير معكم في هذا الطريق المحمود فجلست وسرتم.

стр. 1267

هذا ما دعاني لأن أكون قاضياً. بعد أن كنت معكم محامياً. استرحت بعد العناء. لا زراية يشرف المحاماة، لأنها حرفة إظهار الحق لمن تولى أمر القضاء بين الناس، وأرى أن أفخر حلي الشرف أني كنت بينكم زمناً طويلاً أسعى معكم في إظهار الحقائق، والله يعمل إني ما سعيت إلا لهذا المقصد الشريف. ولكني أشهد أنكم أشد مني عزيمة إذ قعدت وأنتم نهوض. إخواني. إنني ما سبقت إلى اتخاذ فن المحاماة شعاراً إلا لأنها الحرفة التي تستلزم بسط آراء المشتغل بها على حضرات القضاة الفضلاء والأقران وجماهير العامة، فهي من ثم الحرفة الوحيدة التي تظهر فيها قيمة المرء في وسطه. والحق أقول ما كنت بمستطيع أن أخالط من كانوا مشتغلين بهذا الفن يوم لبست شعاره. كما قال أحد إخواني أثناء كلامه وإني محدثكم الحديث. أول ما هممت بالاشتغال بفن المحاماة وحدثتني نفسي بشأنها. نظرت فإذا من رزئت به من الذين كانوا عنوان سمعتها وذكرها. كأنهم الشوك يؤذي الناس ويعذبهم وذلك أنهم كانوا يسيئون إلى عباد الله بخيانتهم وزيغهم عن طريق الحق والهدى، ولذلك ترددت بادئ بدء ثم قلت في نفسي ما ضرك لو كنت وردة بين هاتيك الأشواك، ولو كنت الآن ما حدثتها هذا الحديث فمن حسن حظي أني أجبل البصر في هذا المحفل الحافل فلا أجد أثراً لذلك الشوك فلما استقر بخاطري أن القيام بالواجب خير للمرء حتى وإن كان يحرفه هي بأهلها من سقط المتاع أقدمت مستحصد العزم على الاشتغال بهذه الحرفة بين أولئك الذين عددتهم شوكا، والحمد لله إذ قد لفظهم الزمان لفظ النواة، وطهر الله مواضع نظرنا أن تقتحمهم في هذه الليلة. إخواني لا أحب أن أخوض في حديث أولئك القوم ولكني أقول كما قال أحد إخواني إنه كان من أقصى واجبات تلك الشرذمة إرضاء خواطر أولئك القضاة الذين بحقهم الحق، وذهب بهم العدل. ذلك ما أقول بصفتي محامياً بالأمس واليوم قاضياً لا يليق بي في الحالتين أن أكذب على نفسي وعلى غيري. والذي حبب إلى الاشتغال بهذه الصناعة إني كنت مشتغلاً من قبلها بوظيفة من شأنها الإطلاع على أحكام المحاكم الملغاة التي كانت تنشر في الجريدة الرسمية يوم كنت عضواً

стр. 1268

في هيئة تحريرها، وكان من حظي أن عهد إلى أمر نقد تلك الأحكام، وتلخيص معانيها، ثم انتقلت من هذه الوظيفة إلى وظيفة ناظر قلم قضايا مديرية الجيزة. وهي كما تعلمون أشبه بوظيفة القاضي، إذ كان من خصائصه أن تصدر الأحكام في كثير من المواد الجزئية. فلما انفصلت من هذه الخدمة كما تعلمون وصفاً الجو من الأحداث لم يرق عيني أن أطرق باب أحد التماساً للرجوع في وظيفتي أو وظيفة غير هاوان كنت ممن يحب التواضع استغفر الله، بل إني رجوت من توسمت فيه الخير أن يساعدني لنيل وظيفة، فاعرض جهلاً منه غني ونأي بجانبه، فكبر عندي الأمر وازددت ميلاً إلى الأشغال بحرفة المحاماة وقلت لنفسي علام تحتمل يا سعد منه جهول، وما ضرك أن تكون مستقيماً بين مفسدين، بل ما ضرك أن تكون وردة بين الأشواك، فهان علي إذ ذاك أن احترف حرفة لم يكن فيها مناضل عن حق لوجه الحق. هذا ما كان يحيط به حديث نفسي يوم أردت الاشتغال بحرفة المحاماة وأن في العالم الكوني وجوداً يحب صاحبه أن يشعر به، ذلك هو الوجود الإنساني. فكأن يخيل لي أن استقامتي في حرفة منيت بالفساد والضلال لابد من أن يعرف قدرها الوجود فأجتني ثمارها، وكنت لذلك أتوسم أن تأتي ظروف أحبها وتحبني. إخواني - إنني اشتغلت بالمحاماة متنكراً عن أهلي وأصحابي وكلما سألني سأئل هل صرت محامياً أقول معاذ الله أن أكون كقوم خاسرين. وجملة القول إني كنت أجتهد أن لا يعرفني إلا أرباب القضايا وإن كنت أجهل ماذا تكون العاقبة وقدر لي أني حبست في أول اشتغالي بهذه الحرفة ظلماً وعدواناً فنفعني مشروعي فيها وقد كنت أدافع عن الخصوم بالكتابة عن التقارير التي كانت تقدم إلى للإجابة على ما فيها من المسائل فانظروا إخواني في أمر محام كان يناضل عن الحق وهو منه سليب، وبعد أن انقضت مدة سحبني عدت إلى مزاولة هذه الصناعة لا أبقي بها غير الحقائق مطلباً - وكنت أحب أبدأ أن يحترمني القاضي فأحذر كل ما يؤدي إلى غير ذلك - ولعل سعادة الرئيس يذكر أنه لما كان بين أعضاء لجنة الامتحان التي طلبتني أمامها وسألتني ما هي واجبات المحامي. كان جوابي درس القضية جيداً - والمدافعة عن الحق واحترام القضاء. سادتي تعلمون أن الحق صعب الاكتشاف وإن الحقيقة إذ تكون ضالة تتشعب طرق نشدانها

стр. 1269

علي الباحث ويعلم الله كم من ليال مضت ما كان أمرها عندي لا لأني كنت في عيش ضنك. ولا لأني قليل الميسرة. ولكن لأن الحقيقة ضائعة لا أجدها في طريق تشداني لها بين أناس عهدت إليهم أمانة ولا من يؤديها منهم لأهلها - كنت أرى القانون يكرهني على احترام القضاة وضميري يأبى الامتثال لاحترام كثير منهم فكنت أجمع بين الاحترام والتحقير ولا أستطيع التوفيق بين الظاهر والباطن - فأعجبوا أيها الأفاضل من مطبع غير مطيع - ولا جناح على لأن القوانين لا حكم لها على السرائر والضمائر - أقول الحق إني كنت أسأل من القاضي حقاً ومن النيابة واجباً فلا أجد هذا ولا ذاك - أما الآن فكلنا يعترف في سره وعلنه بأن القضاء ارتقى - والحق عنه مسؤول. ومازلت إخواتي أعد نفسي محامياً عن الحقيقة التي أردنا المحاماة عنها جميعاً. وإني شاكر فضلكم منشرح الصدر من كونكم عددتموني جوهراً شفافاً سطعت عليه أشعة العدل وأنوار الحق - فادعوا الله معي أن يؤيد روح الحق في بلادنا ويزيد في نشر الفضيلة والعدل. هذا ما وسعه هذا العدد من تاريخ سعادة المترجم به. ولما كان هذا التاريخ قد يربى على مائة صفحة اضطرنا إلى نشره تباعاً في البيان. فتح الله بك بركات عضو الجمعية التشريعية عن دائرتي فوه ودسوق والقسم البحري من كفر الزيات التابعة لمديرية الغربية إذا كان الدهر قد عصف بالأمة العربية بعد ذلك السؤدد والفخار. وذهب بظلها بعد أن بسطته على قرص الشمس وأشعة الأقمار. فقد أبى إلا أن ينثر أخلاف أهلها مع الريح، ويذرو بقية رجالها في مشارق الأرض ومغاربها، فلم يخسر العالم منهم إلا صفة الأمة، ولم يفقد إلا شخصية المجموع، وشاء التاريخ إلا أن يحشر من الشراذم القليلة من العرب، أو ممن ينتمون إلى العرب، أفراداً وأسرات، في كل بلد كان للعرب فيه أثر، وقطر كان لتلك الأمة فيه شأن وخبر، ليكونوا دلائل وبراهين على قديم ملكهم، وعناوين وفهارس لمجلدات تاريخهم، وهم وإن اندمجوا في أهل البلد الذي نزلوه، وامتزجوا بالقوم الذين نشؤوا فيهم، وخلف لهم من تزاوجهم ذراري وحفدة وسلالات، وأصبحت لهم مميزات الموطن الذي

стр. 1270

عاشوا فيه وعاداته، إلا أنك لتظفر بالعربي منهم، فلا تقرأ في صفحة وجهه إلا صفحات تاريخ العرب كله، ولا تطالع في أساريره إلا سلاسل مآثرهم ومدوناتهم، ولا تقع فيه إلا على شيمهم وخلاتهم، ولا تسقط منهم إلا على قوة إفهامهم، ورجاحة ألبابهم، وهو بعد متميز عن أهل وطنه، متفرد دون الوسط الذي يحوطه، متفوق على أفراد أمته، لأنه وإن فقد الروح الاجتماعية التي هز بها آباؤه عروش العالم، وفتحوا بتأثيرها بلدانه وأقطاره إلا أن فيه لا تزال الروح الطبيعية التي تجعل العربي أبداً إنساناً قوياً في كل شيء، ولا تزال سلالات العرب في كل بل يقوون كفاآت أهله بتزواجهم، ويدخلون عليهم من دمائهم، حتى ليدور الفلك مداره، وتنصرم القرون، وتنفرط الأجيال، وينتهي اليوم الأخير من عمر الدنيا، ولا يزال في العالم رجل يقول ها أنا ذا عربي. نقول ذلك ونحن بصدد نابغة مصري الموطن والمولد، عربي الأرومة والمحتد، وإذا كانت كل أمة من الأمم إنما طرأت على الأرض التي انتحلتها واستوطنتها، وكانت السلالات البشرية قاطبة لا تكاد تعرف لها موطناً أصلياً تقول هذا موطني على الحقيقة لا على المجاز، فليس بعاب على المصريين أن يكون عظيمهم يرجع بنسبة إلى أصل غير مصري. فلا يندهش الناس بعد إذ رأوا من فتح الله بك بركات ما رأوا من شدة الذكاء، وقوة العارضة، وحمية الأنف، والنضح عن الحقوق، والدأب في خدمة المجموع. إن نقول إن هذا النابغة المصري ينتمي نسبه إلى أبي بكر الصديق، فمن دمائه تجري روح ثلاثة عشر قرناً كاملاً، بل تكاد تكون روحه قطعة من روح الإسلام كله، تفيض جميع مميزاته النفسية وخلاله ووجداناته وأفعاله من طبيعة الدم الذي يسري في عروقه، فكل ما ترى من وجداناته أثر من آثار ذلك الفيض الذي نبع منه، بل هي صورة مصغرة من صورة روح الصديق ﵁، ولتجدن ماء الغدير الفياض في حلاوة مساغه وعذوبة مذاقه لا يختلف عن ماء النهر العظيم الذي فاض منه واستمد، وكل ما نرى من غيرته وحميته طليعة من طبائع مزاجه، يمدها قلب كبير، وروح حارة، وليس كأولئك الذين لا تكون الحمية فيهم والغيرة إلا نتيجة الظروف، حتى لا تكاد تفرق بين غيرتهم وبين انفعالاتهم، ومثلهم في ذلك مثل الجياد غير الصافنات إذا عرضت في السوق للبيع، وجرى بها سمارها شوطاً صغيراً، أظهرت

стр. 1271

نشاطاً وخفة، وأبدت عتقاً وكرماً، فإذا ابتاعها مبتاع، وانطلق بها: لم يجد أثراً لذلك النشاط الوقتي الذي شاهده. ولد صاحب الترجمة في اليوم الخامس عشر من شهر شعبان عام ١٢٨٢ بمنية المرشد. وكانت يومذاك تابعة لمركز دسوق، وهي الآن تتبع مركز فوه من أعمال مديرية الغربية، وأبوه عبد الله أفندي بركات، وكان إذ ذاك عمدة لمنية المرشد، ثم رفع بعدها إلى وظيفة مأمور مركز دسوق، وجده الشيخ عبد بركات، وكان من ذوي الثراء الطائل، والغني العريض، وكان موظفاً في عهد محمد علي الكبير، رأس الأسرة الخديوية، يشغل وظيفة كانت تسمى حينذاك ناظر قسم أو ما هو في معنى ذلك، وبدأ مقام هذه الأسرة بمنية المرشد منذ ثلاثمائة سنة، وقد نزحت إليها من البرلس، وتنمي إلى أبو بكر الصديق ﵁. فلما درج إلى الحول السابع، دفعه والده إلى كتاب البلد، شأن كل مصري حتى اليوم، فلبث في هذا المعهد الصغير حتى كان عام ١٢٩٣ فأرسله والده إلى مدرسة رشيد الأميرية، وظل بها حتى أتم التعليم الابتدائي، ثم انتقل حوالي عام ١٢٩٧ إلى مدرسة الجمعية الخيرية الإسلامية بالإسكندرية. وكان ناظرها إذ ذاك عبد الله نديم. وبقي بها عاملاً كاملاً. وفي سنة ١٢٩٨ دخل المدرسة التجهيزية يدرب الجماميز بالقاهرة ومكث بها حتى السنة الثالثة، وإذ ذاك ثارت الثورة العرابية، وقد تقدمت بوالده السن، وألفي الحاجة ماسة إلى المترجم به. ليقوم بإدارة مزارعه، ورعي شؤونه وتدبير ثروته، إذ كان أكبر أولاده، فانقطع عن الدراسة والمدرسة، وما كانت المدرسة يوماً معهداً للعظمة. ولا متخرجاً للنبوغ، وهل كانت روح النابغة لتذكو وهل كانت نفس العظيم لتنضج بين برامج المدارس وقيودها، وجدرها وحيطانها. ومحفوظاتها وقشور علمها. وما نفس النابغة إلا قبس من قبس الله. يريد مضطرباً واسعاً. ومكاناً طلقاً فضاء، وإلا عاد دخاناً يخنق الأنفاس. ويعمي الأبصار. بل كم أفسدت المدرسة من روح خصبة، وعقل قابل للنضوج. واستعدادات كبيرة، وما روح العظيم من المدرسة إلا في محبس. وأقام صاحب الترجمة بعد ذلك ببلدة. وكانت المشاحنات والفتن والضغائن فاشية بين أهل البلد. سارية بين أسراته وعشائره، حتى كان بالبلد على صغره سبعة عشر محامياً يشتغلون

стр. 1272

بقضايا الخصومات الثائرة بين أهليها أمام المحاكم التي أنشئت إذ ذاك للفصل في أمثال هذه الخصومات والمشاحنات. وكانت أراضي أهل البلد في ذلك الحين مرهونة للمصارف البنوك للحكومة، واندفعوا في الفتن والمشاحنات وأمعنوا في المدابرة والمنازعة. حتى ضجت المديرية والمركز في أخريات عام ١٨٨٦ ميلادية من هذا البلد وحال أهلية ففزعت الأهالي والحكومة إلى صاحب الترجمة يريدونه على أن يكون عمدة للبلد، وكان إذ ذاك في ريعان الشباب، لم يجز بعد الربيع الأول بعد العشرين. على حين أن القانون لم يكن ليبيح وقتئذ تعيين من هو في مثل سنه في منصب العمدة. وكان المترجم به لا يميل إلى إسناده إليه. لما كان يراه في ذلك الحين من عسف الحكام وبلوغهم من الإرهاف والاستبداد إلى الحد الذي لا يلتئم مع رجل يشعر بكرامة نفسه وشخصيته. ولكنه اضطر إلى قبوله. إذ رأى إلحاح الأهالي وإلحافهم. ووعود الحكام إياه بأنهم سيأخذون بالحسنى. ويجنحون إلى اللين والعرف. وكذلك ترى الرجل النابعة النابه. تبدأ شهرته حيث تبدأ مواهبه تظهر لقومه وأهل بلده. ولا تزال شهرته تنتقل من بلده إلى جوار بلده. ومن جوار بلده إلى البلدان القريبة منه وكذلك تروح في البلاد وتغدو حتى تعم الأمة جميعها. ومضى في منصبه ذاك حتى سلخ عام ١٩٠٧. يصلح ذات بين القوم. ويرد الحزازات والضغائن ائتلافاً ومودة. حتى كان من أثر ذلك أن انفرط خمسة عشر عاماً لم ترفع فيها قضية واحدة لأحد من الأهالي إلى محكمة من المحاكم. لا بينه وبين آخر من أهل البلد نفسه. ولا بينه وبين الغير. وأخذ ينشر الأمن في بلده والتحاب والتواصل بين أهليه. وكان من ذلك أن ديون الأهالي سددت. واستخلصت أراضيهم من قيود الرهون. وحسنت حالهم. ونمت ثروتهم. وابتاعوا من أرض البلدان الأخرى المجاورة. وبلغت الثقة بينهم إلى حد أن الرجل منهم إذا احتاج إلى مال قليل أو كثير. افترضه من أخوانه. دون سند أو سفتجة أو شهود. وكذلك مضي يبت بين إخوانه العمد روح التضامن والائتلاف والتضافر حتى أضحوا جميعاً يداً واحدة مجتمعين فيما ينفعهم. متوانين على ما يوجب احترامهم وتوقيرهم. وعند إنشاء لجان الشياخات وتأديب العمد والمشايخ منذ نيف وعشرين عاماً انتخب صاحب الترجمة عضواً نائباً عن مركز فوه في لجنة الشياخات بإجماع الآراء. وإن كان أحدث العمد سناً. فكان له في هذه اللجنة كثير من المواقف المشهودة حيان مديري هذه المديرية.

стр. 1273

وكانوا هم أصحاب النفوذ والسيطرة على هذه اللجنة التي كانوا بطبيعة الحال يرأسونها. وكان هو الرجل الفذ الذي كان يخالف أميال المديرين وأهواءهم ونزعاتهم. غير مبال بسخطهم. ولا حافل يغضبهم. ولا مكترث بما يجلب عليه غضب أمثالهم. وبقي بهذه اللحنة حتى نهاية سنة ١٩٠١. وكان يعاد انتخابه في كل عام. بإجماع الآراء. وانتخب في سنة ١٨٩٩ في لجنة تعديل الضرائب بمركز فوه ونهض في ذلك بواجبه. حتى أن الضرائب المقررة على مركز فوه كانت أخف بكثير من سائر الضرائب المقررة على بلاد القطر. ولا يغيب عنك ما لاقى من المشاق. وعاني من الصعوبات في سبيل المحافظة على الصدق والأمانة في هذا التعديل. وفي سنة ١٩٠٢ انتخب عضواً لمجلس مديرية الغربية. فلم يستطع أن يظهر مواهبه وكفاءته. إذ كانت مجالس المديريات ضيقة الدائرة. لا تنعقد إلا مرة واحدة في كل عام. للتصديق بما تقرره نظارة الأشغال. وبقي عمدة إلى أوائل سنة ١٩٠٨ إذ انتخب عضواً لمجلس شورى القوانين. وإذ ذاك جالت مواهبه العالية جولاتها. وتجلت كفايته الشخصية في أبهى مظاهرها. لأن الرجل العظيم لا يبدو عظيماً إلا في المواطن التي تجد عظمته فيها مجالاً واسعاً. ومنتدحاً براحاً. وأنت فلو جئت بديمو ستنيز اليوناني رب الفصاحة وملك الخطابة. ورأس البيان. فجعلته معلم صبية. إذن لما وجدت منه إلا رجلاً بسيطاً. ولا ألفيت لبلاغته أثراً. وما كان ليستطيع أن يظهر لا كل بيانه ولا بعضه. فلا جرم أن تكون كفاءة صاحب الترجمة في مجلس الشورى غيرها في مجلس المديرية. فليس من يقف مدافعاً عن حق فئة قليلة كمن يقف في جماعة ناضحاً عن حقوق الأمة جمعاء. ولعل الناس لم ينسوا بعد ما كان له من مواقف مشهورة. ومواطن مأثورة. مما لا يتسع المقام لذكره الآن. وظل في مجلس الشورى حتى انفض في سنة ١٩١١ وجاءت على آثاره الجمعية التشريعية فانتخب عضواً فيها عن مركزي فوه ودسوق وبعض بلدان من مركز كفر الزيات. ولا يفوتنا أن نصف لك في بضع كلمات هيئة المترجم به وأخلاقه ومبادئه. إذ كانت الطبيعة تنم في الإنسان عن روحه، وتخرج للناس منها صورة دقيقة الحجم تطبعها فوق

стр. 1274

ملامح وجهه وهيأته ومعارفه وجميع أجزاء تركيبه الإنساني. وما آداب المرء إلا نتيجة ائتلاف إرادته النفسية ونظامه الجثماني، بل إن هي إلا آراؤه نفذت إلى يديه وقدميه ووجهه وجميع أجزاء جسمه. فقام بهذه الحركات التي اصطلحنا على تسميتها بالآداب. فلو أنت طالعت المترجم به، لألفيت رجلاً خفيف اللحم، ربعة القوام، أسمر اللون، بشوشاً. وقد خط الشيب مفرقيه وشاربيه. ولو جدت إزاءك رجلاً نشيطاً حلو الحديث. طيب المحاضرة. ثم إذا أنت خالطته ومازجته وأنست إليه. رأيت منه أخلاقاً سامية. وصفات حرية بإعجابك خليقة بمديحك واستحسانك. وجملة هذه الأخلاق ثقته بنفسه. والثقة بالنفس من أخلاق العبقريين. لأن الرجل العبقري كوكب في نفسه لا يستمد من نور غيره. ويأتي بعد ذلك ميله إلى الجد. وصدوفه عن اللهو. فهو رجل عمل لا يجد اللذة إلا في قضاء عمله. وما عرفناه يوماً من جلساء القهاوي وروادها. أولئك الذين تزدحم بهم قارعات الطريق وأفاريزها. وأبهاء القهاوي وقاعاتها. حتى ليخال لك وهم مرصوصون بعد المغيب مصفوفون أنهم جاءوا يسمعون محاضرة أخلاقية. وكأن في كل قهوة خطيباً يخطب زبائنها. وأنه ليجول بخاطرك ساعة تشهد ذلك المحفل الحافل إن نصف بيوت المدينة قد خلت من رجالها وشبابها. والمترجم به من أشد الناس حرصاً على الفروض الدينية وأدائها في حينها. لا تفوته فريضة، ولا يشغله عن صلاته شاغل. والمبدأ الذي يسير عليه في جميع أعماله هو الانتصار للحق وتأييده أنى كان، والإخلاص للأمة، والعمل على تحقيق مطالبها في ظل السكون بعيداً عن لغط اللاغطين، بنجوة من هذا الاضطراب العصبي الذي تحدثه السياسة في أبعد الناس عنها. والذي يفسد على قادة الأمة أمرهم. قليني باشا فهمي أحد النواب عن المصريين الأقباط في الجمعية التشريعية في كل أمة طوائف، وفي كل شعب نحل وعناصر، ولكل من هذه العناصر شخصية لا تظهر إلا إذا قام بمفرده، ولكنه يفقد في غمار العناصر الأخرى للأمة هذه الشخصية، ويكتسب بدلها شخصية المجموع الممتزج، كما يكون من المركبات الكيماوية ومخاليطها،

стр. 1275

فإنك ترى الماء مركباً كيماوياً من الهيدروجين والأكسجين، ولكل من هذين العنصرين مميزات وصفات شخصية، على أن ليس للماء المؤلف من اختلاطهما أدنى نصيب من تلك المميزات الفردية، فإذا انتقضت هذه الرابطة بين العناصر المتممة للأمة وانتكث السبب الذي يمسكها، وانحلت الآصرة التي تشدها أصبح أمر الأمة فرطاً، وأضحى فيها بدل مجموع واحد مجاميع كثيرة، وعوض أمة واحدة أمم متعددة. كلها يطالب بالامتياز في الحقوق الاجتماعية والمدنية، وكلها لا يتوخى فائدة المجموع الأمي. وإنما يتوخى فائدة عنصره. وإذ ذاك تصطدم المصالح وإذا اصطدمت المصالح ثار الخلاف، ولا يكون من مصير الخلاف، إلا تعطيل التطور الاجتماعي الذي تنشده كل جماعة إنسانية. هذا وإن العنصرين المؤلفين لمجموع الأمة المصرية. هما العنصر الإسلامي وله الأغلبية. والعنصر القبطي وله الأقلية. ولا غنى لتركيب الأمة عن أحدهما. ولا يقوم المسلمون في الاعتبار المصري دون إخوانهم الأقباط. ولا قائمة للأقباط دون إخوانهم المسلمين. فمن ثم ينبغي أن يتوارى الاختلاف الديني أمام الوحدة المصرية، وينظر الفريقان إلى مصلحة مصر بنظرة المصري لا بنظرة المسلم ولا القبطي. لأن الوطن ليس بالمسجد ولا بالمعبد حتى تعتبر فيه الفروق الدينية. وقد كان الفريقان والعهد ليس ببعيد يتقاطعان ويتجادلان، ويقيمان الجمعيات والمؤتمرات. ليقرر كل منهما حقوقه، ويعلن مطالبه، ويذيع رغائبه، وكأن حق المصري لابد أن يختلف باختلاف نحلته. ولكن أمد هذا التقاطع لم يطل. وكان من مساعي عقلاء العنصرين وكبار رجالهما، أن تبدل ذلك التقاطع وحده ووثاماً، وعاد ذلك التناكر تعارفاً وسلاماً. وأصبح المسلمون والأقباط اليوم على محض التحاب والصفاء. نذكر ذلك ونحن بسبيل ترجمة نابغة من نوابغ المصريين الأقباط. ونابه من كبارنا بينهم هو أول من مشى بالسلام بين العنصرين. وأول من أصلح منهما ذات البين. ووفق بين القلوب، وهدأ من ثائرة الأقلام، حتى لا يدع أن يلقب فينا برجل السلام. ولقد عطوفة صاحب الترجمة لستين عاماً خلون بعد الألف والثمانمائة، فهو الآن في العقد السادس من عمره، فبدأ علومه في مدارس الأقباط والفرنسيس، ثم دخل في خدمة الحكومة سنة ١٨٧٥ فما زال يثب من منصب إلى منصب، حتى أخريات عام ١٨٩٣ إذ أصبح

стр. 1276

مديراً لعموم الدخوليات - المكوس - ومراقباً عاماً لإدارة الأموال الغير المقررة في نظارة المالية، وكانت تشتمل إذ ذاك الدخوليات، في جميع أنحاء القطر والملاحة والأسماك والمعادن والكباري ودمغة المصوغات والضر بخانة ومصلحة الملح والإدارة العمومية لنظارة المالية ومجالس التأديب في جميع القطر، ثم اعتزل بعد ذلك خدمة الحكومة، ونحن فلا نريد أن نفيض في تفاصيل خدماته الرسمية فذلكم مشهور متداول. فليست هذه الدقائق ميزان شخصيته ونباهة ذكره، بل إن له من جلائل الأعمال ما يجعله خليقاً بالاحترام التاريخي. وحسبك مسعاه في الثورة العرابية فقد قام في تلك الظروف في أمنع حصن من الحزم والتبصر، ورأى السجون قد أقفلت أبوابها على أبرياء أخذوا بالظنة، فنهض بحركة جليلة، وبذل جهده لدى المغفور له سلطان باشا رئيس الحكومة في ذلك الحين. حتى أطلق المئات من الوجهاء والأعيان من ظلمات السجون. ونذكر لعطوفته مساعيه في جمعية الهلال الأحمر إذ بذل لها من ماله ووقته ووقف نفسه لهذا العمل الإنساني الجليل. ومثوله الأخير بين يدي جلالة السلطان. وموقفه في المشروع الاقتصادي الذي قامت به لجنة زراعة الدخان، إذ اقترح عليهم العمل تحت إشراف لجان مسؤولة فكان قوله القول الفصل. ولما توترت العلاقات بين الأقباط والإكليروس واشتد بينهما الخلاف في مسألة المجلس المالي، وشق على كبار الأقباط وأعيانهم حل هذه المشكلة المعضلة، قام عطوفته منفرداً وأعانه اللورد كتشنر في وضع لائحة جديدة لإعادة المجلس الملي موفقاً في بنوده وفقره بين الأقباط وغبطة البطريرك، وكان من نتيجة ذلك أن أعيد افتتاح المجلس بعد أن كان منفضاً سنين عدة، ونظر في الأعمال المرجأة المتأخرة ونشر السلام لواءه على الأكليروس والأقباط. وهو من حائزي رتبة روملى كلربك، ولا تعطي هذه الرتبة عادة إلا إلى رؤساء النظار، ولا يحملها في مصر إلا القليون، ومن الأوسمة التي حازها من الحكومة المصرية لما عاناه في خدمتها من كد وأنفق من مجهودات، الوسام المجيدي الأول، وهو أكبر وسام يعطي في هذه الديار، وقد نال عدة أوسمة من الحكومات الأجنبية. وقليني باشا فهمي رجل ديموقراطي الملبس والمعيشة، يقيم في مصر سبعة أشهر وفي

стр. 1277

أوروبا خمسة، ومشتاه في حلوان. وهو ذو ثروة متوسطة. وهو من أكبر الأسرات في مديرية المنيا. وجده الماسوف عليه يوسف عبد الشهيد بك. وكان من أقران المرحوم سلطان باشا وشريعي بك. وبه فرط ولوع بالأسفار. وشدة شغف بالسياحات. ساح في فرنسا وإنجلترا. وإيطاليا والنمسا والمجر وألمانيا وسويسرا وروسيا وزار تركيا واليونان وبلغاريا ورومانيا وهو من المصريين الأفذاذ الفذين قاموا بالسياحة في الجزائر وتونس وإليك صورته وهو في زي المغاربة. وأنت لو رأيت صاحب الترجمة إذن لرأيت رجلاً حاضر الذهن. قوي الفكر، رقيق الشعور، يخيل إليك أنك تقرأ في أسارير وجهه مكنون سريرته. وأنك لتجد منه استئناساً وتعاين بشراً ورقة وخلابة. فإذا ما سا أوروبا خمسة، ومشتاه في حلوان. وهو ذو ثروة متوسطة. وهو من أكبر الأسرات في مديرية المنيا. وجده الماسوف عليه يوسف عبد الشهيد بك. وكان من أقران المرحوم سلطان باشا وشريعي بك. وبه فرط ولوع بالأسفار. وشدة شغف بالسياحات. ساح في فرنسا وإنجلترا. وإيطاليا والنمسا والمجر وألمانيا وسويسرا وروسيا وزار تركيا واليونان وبلغاريا ورومانيا وهو من المصريين الأفذاذ الفذين قاموا بالسياحة في الجزائر وتونس وإليك صورته وهو في زي المغاربة. وأنت لو رأيت صاحب الترجمة إذن لرأيت رجلاً حاضر الذهن. قوي الفكر، رقيق الشعور، يخيل إليك أنك تقرأ في أسارير وجهه مكنون سريرته. وأنك لتجد منه استئناساً وتعاين بشراً ورقة وخلابة. فإذا ما سايرته وبادلته الرأي وقارضته الحديث يقنت ساعتذاك أنك في حضرة عظيم يضطرك إلى احترام رأيه والتسليم به. وإن تذهب معه المذهب الذي يريد. وقد يبدهك بالحجة. ويبغتك بالبرهان فلا ترى وجهاً لمنازعته القول ولا تفارقه إلا وأنت مطمئن الرأي موفور الإقناع. قوي الفكر. ذلك لأن للقوة عدوى سريعة الظهور. فكل ما يجعلنا أقوياء في الرأي والروح والوجدان يزيد في قوتنا، ويفتح أمامنا أبواب العمل، ويبسط قبالتنا ميدان الفعل. ونحن بني الناس مدينون لكل قلب كبير. وعقل عبقري. ولسان عذب. وروح متقدة. ونحن لا نستمد شيئاً من المجتمعات. وإنما من تلك الأرواح الرقيقة والقلوب الشريفة التي تخرجها لنا القوة الألهية بين عديد ما تخرج في كل يوم من تلك القوالب الإنسانية المعتادة التي لا يفترق بعضها عن بعض إلا في أحجامها وأشكالها واختلاف تركيبها. وإنه ليتبادر إليك في لغة حديثه إذا أنت جلست إليه معان جمة ما شئت من أدب وعلم وفضل واستمكان وإن من الناس من يحاجك كأنك خصمه فلا يزال يعطيك من صخبه وشدة جدله. حتى تقوم من حضرته وأنت لحديثه كاره ولكن الأناة والتؤدة والقول العذب اللين من شأن الرجل العظيم. وهذا ما نشعر به في حديث صاحب الترجمة وإنك لتصغي إلى قوله وهو يتدفق متدبراً متئداً فيخيل إليك أنه يتناول من ذاكرة حافلة مترعة وليس بمرسل القول للعفو والساعة. وهذه خلة كانت ولا تزال نصيب راجحي العقول موفوري

стр. 1278

الحجي. أما عن مبادئه وخطته في الجمعية التشريعية فإن عطوفته يذهب إلى وجوب العمل المطمئن الهادئ والتفاهم المبني على حسن الثقة فالتشريع لا يكون بالمخاصمة والتحمس والمنابذة. ويرى أن حسن التفاهم بين الأمة والحكومة سيأتي بالفائدة العامة للبلاد وأهليها لأننا إذا ظننا بالحكومة سواء واعتقدت فينا سوء النية ظللنا متنافرين. كل يعمل على معاكسة الآخر ولا يخفى ما في ذلك من الضرر الذي يعود على الأمة ونحن نقول إن عطوفته ممن يهمهم أن يخرجوا من المسائل التشريعية بنتيجة تجري المنفعة والربح للأمة.

стр. 1279

أخبار وحوادث الفقيد العظيم ليس هناك خسارة أشد على الأمة وأفدح. ولا نكبة أدمى لقلبها وأجرح من موت الرجل النابغة العظيم. وناهيك بمصاب قد يعوق الأمة عن سير رقيها الاجتماعي. ويرجع بها خطوات كبرى تقدمتها. وبسلبها فوائد عظمى اكتسبتها. وبفقدها رجلاً مكتملاً بين ملايين ليس سوادهم كذلك - ويحرمها من عقل كبيرين عديد عقول عادية. ويسرقها صنفاً من رجالها عزيز الضريب. منقطع النظير لا أوان لظهوره يعرف، ولا حين له يرتقب. وإذا أنت علمت ذلك فلا جرم أن ترى الأمة المصرية اليوم في حزن عام واسى شامل. لوفاة رجل من أنبغ نوابغها. فقدت بفقده عقلاً ناضجاً. على حين ترى أكثر عقول الأمة لا تزال نيئة فجة، وقلما مبدعاً وأين في الأمة الأقلام المبدعة، ورأياً ثاقباً ساطعاً وأين الآراء الثاقبة الساطعة. وكيف لا تشهد العيون بالعبرات شارقة واكفة. وكيف لا تكون القلوب من لوعة الأسى واجفة راجفة. وفقيدنا نابغة القضاء. ونابغة الكتاب. ونابغة المعربين. المرحوم أحمد فتحي زغلول باشا. وكيل نظارة الحقانية بالأمس. والبيان وصاحبه من فقده في حزنين بالغين. ورعن شجنين عظيمين. نبكيه لأننا من أفراد هذه الأمة الباكية عليه. ونأسى عليه لأنه كان لنا الصديق الحميم. والعون العظيم. والنصير الذي لا تخيب نصرته. والعضد الذي لا نقدر مساعدته. وقد كان ﵀ قبل مرضه بأيام يتأهب لافتتاح مشروعنا أبطال العالم بالكتاب عن فيلسوف من فلاسفة الفرنسيين. وقد بلغ من عنايته بهذا المشروع أن تباحث كثيراً مع الأستاذ لطفي السيد بك في الخطة التي سينهجها في الكتابة على البطل الذي وقع عليه اختياره. ولكن حم القضاء. ولا مرد لقضاء الله. أما وقد جمد القلم الآن في أيدينا كما جمد الجمع في مآقينا. فإنا تاركون للأستاذ لطفي السيد بك التعبير عن شعورنا بكلمته التاريخية الآتية. إذ كانت أجمع كلمة في تقدير ذلك لفقيد العظيم: قال الأستاذ: أيها السادة: إن أحمد فتحي باشا زغلول هو أصغر أمجال المرحوم الشيخ إبراهيم زغلول من أعيان إبيانا ولد في تلك القرية في ٤ ربيع الأول سنة ١٢٧٩ هجرية. مات أبوه ﵀ إذ كان

стр. 1280

رضيعاً وكان شقيقه سعد زغلول باشا فطيماً، خلفهما أبوهما في حضانة والدتهما التي هي إحدى عقائل عائلة بركات الشهرية بالغربية، وكانت وقت وفاة زوجها لا يتجاوز عمرها العشرين. فقامت على ولديها ووقفت نفسها على تربيتهما تحت إشراف أخيهما الكبير لأبيهما المرحوم الشناوي أفندي زغلول الذي عني بتعليمهما على أحسن ما تعلم به أبناء الأعيان. تعلم فتح الله الصغير في كتاب البلد ثم في مدرس رشيد ثم المدرسة التجهيزية ثم في مدرسة الألسن فاتفق أن زاره المرحوم أحمد خيري باشا ناظر المعارف العمومية فأعجب بذكاء الشاب فتح الله صبري وأعطاه اسمه (أحمد) ونحت من (فتح الله) فتحي وأصدر أمراً رسمياً إلى المدرسة بتسميته أحمد فتحي وبأن يرد إليه ما دفع من المصارف وباعتباره طالباً مجانياً. فلما كانت ١٨٨٤ أرسلته نظارة المعارف إلى فرنسا لدرس الحقوق فحصل على شهادة الليسانس ورجع سنة ١٨٨٧ ووظف بقلم قضايا الحكومة ثم رئيساً لنيابة أسيوط ثم رئيساً لنيابة اسكندرية ثم مفتشاً بلجنة المراقبة فرئيساً لمحكمة الزقازيق ثم رئيساً لمحكمة مصر ثم وكيلاً لنظارة الحقانية وظيفته الأخيرة التي مات وهو قائم بها. كان فتحي باشا كما سمعتم اليوم وقبل اليوم وكما قرأتم في التقارير الرسمية مثال الموظف الفاني في الاشتغال بأداء واجباته القائم بعمله وعمل غيره أحياناً ولم يمنعه ذلك من أن يكون معرباً ممتعاً أميناً ومؤلفاً كبيراً. عن هذا الصوف ومن هذه الجهة وقفت أمامكم أؤبن فقيد العلم والعلماء. أيها السادة: إن شدة الذكاء وقوة النفس وحسن الإخلاص. تلك الصفات التي ظهرت آثارها على فتحي باشا منذ شبابه الغض راجع معظمها إلى التأثير الورائي من أبويه وعلى الأخص والدته التي أفاضت عليه من صفاتها بما يفيض الأصل على الفرع، وبما تعهدت أمره في التربية وما غرست من المبادئ الصالحة مما جعل لفتحي شخصية ممتازة منذ صباه. لا يأخذكم العجب في قولي فإن من أمهاتنا نحن القرويين من هن مع بساطة في المدارك العقلية وبعد عن العلوم والمعارفة على جانب عظيم من الذكاء الفطري ورفعة الأخلاق وعزة النفس وذوق سليم في الحكم وطيبة وتقوى في المعاملات. ينقلن هذه الصفات لأبنائهن بحكم قانون الانتقال الوراثي فتكون لهم مال في الحياة العملية. ولولا هذه الصفات

стр. 1281

لهلك القرويون غير المتعلمين بما هم فيه من جهل عميق وما عانوا من استبداد طويل. ولكن هذه الصفات الأولية قد قامت في نجاحهم مقام المعارك زمناً طويلاً ولا يزال الاتكال عليها وحدها يؤدي إلى الآن نتائجه المتواضعة في بلادنا. فإذا جاءت العلوم والمعارف على هذه الصفات الأولية ظهر النبوغ قلة وكثرة تبعاً لقوة الاستعداد أي لقوة تلك الصفات الوراثية فللأمهات القرويات أن يقبلن أيضاً شكر الجيل الحاضر. وعلينا أن نعترف علناً ومن غير تردد بما للأمهات من الأهمية العظمى من حيث توريث البنين والقيام على تربيتهم الأولى. وأمامنا المثل الحسي أن والدة فتحي باشا ينسب إليها الفضل الأكبر في أن أخرجت لمصر نابغتين: نابغة نرجو له العمر الطويل. ونابغة فقدناه آسفين. فقدناه ونقدم اليوم للتاريخ منه صورة هي أقوم صور نوابغنا حجة لحسن الاستعداد وعلو الكفاءة العلمية والعملية جميعاً. إن الصفات الأولية لفتحي من شدة الذكاء وقوة النفس وحدة المشاعر هن أساس نبوغه. كان يحمل نفساً على قوتها الهائلة رقيقة المشاعر قلقة لا تستقر أو تبلغ من خدمة العلم مناها. وهيهات أن تبقى طويلاً أمثال هذه النفس في البيئات التي لا تلائم بقاءها ونجاحها. وهيهات أن تبلغ مني. كلما تقدمت اتسع أمامها أفق الأغراض وكلما انقضى سبب جاءها سبب جديد. تعلم فتحي فصادقت القواعد العلمية من عقله مقاماً رحباً وقرت فيه أصولها ووجدت منه نفساً طلعة قوية في مركزها ميالة للانتشار في مظاهرها الخارجية يناديه صوتها الخفي: إن وف حق العلم. وآت زكاة النبوغ فأقدم منذ حداثة سنه على نشر العلم إجابة لداعي الضمير. أقدم على هذا المركب الخشن وكان الواجب عليه أن يقدم لأنه استكمل عدة الأقدام: زكاة مضيء وعقل عاصم وعلم هاد ولسان عضب ذلق غواص على موضع الحجة وقلم سيال ومركز نبيل. كيف لا يكون مقداماً من جمع بين كل هذه الأسباب. لا أكاد أبريء فتحي من الوقوع في حيرة اختيار الطريقة التي يجب عليه اتباعها لخدمة العلم في مصر: التأليف أو التعريب وأيهما أنفع. وإذا كان التعريب فعلي أي نوع يقع الاختيار. حيرة لا بد منها لشاب خارج من المدرسة تضطرم بين ضلوعه نار الشوق إلى مجد الوطن العلمي خلو من التجارب لا يملك إلا كفاءته العلمية.

стр. 1282

نظر فتحي نظرة صادقة إلى حال الأمة المصرية وحكومتها فرأى أننا أحوج ما نكون إلى معرفة المثل الأعلى الذي نبغي الوصول إليه من نظاماتنا السياسية والاجتماعية حتى تتحد أطماعنا الوطنية على طريقة عامة واضحة. ورأى فوق ذلك أن أول خطوة يخطوها المصلحون العلميون هي نقل العلم إلى أوطانهم بالتعريب. إن هذه الطريقة كانت هي ألف باء النهضة العلمية في كل أمة وفي كل زمان. هذا النظر المزدوج كان رائد فتحي باشا في تعريبه منذ خرج من المدرسة إلى أن مات. فإنه بدأ في سنة ١٨٨٨ يعرب (العقد الاجتماعي) لجان جاك روسو فلم يتمه ولكنه عرب بعد ذلك (أصول الشرائع) لبنتام. و (خواطر وسوانح في الإسلام) للكونت هانري دي كاستري و (سر تقدم الإنكليز السكسونيين) لأدمون ديمولان و (روح الاجتماع) و (سر تطور الأمم) لجوستاف لوبون. و (خطاب مصطفى فاضل باشا) نشر ذلك مع معرباته. وله فوق ذلك (جوامع الكلم) لجوستاف لوبون وكتاب بورجار في الاقتصاد السياسي. و (حضارة العرب) لجوستاف لوبون. و (جمهورية أفلاطون) و (الفرد ضد المملكة) لسبنسر. وكلها لم يتم تعريبها وأما مؤلفاته المنشورة فهي كتاب المحاماة ورسالة في التزوير وشرح للقانون المدني وقد ألف أخيراً كتاب (في التربية العامة) كنت أعلم أنه قد تم ولكنه لم يطبع. قرأت معرباته المنشورة. وتفحصت من غير المنشورة. وأستطيع بعد ذلك أن أقول من غير تردد إن فتحي كما كان نابغة في الفقه كذلك كان نابغة في التعريب يمسك الكتاب يقرؤه أولاً ثم يدخل بنظره الحاد في طيات نفس الكاتب فيظهر أسرارها بقلمه العربي المبين. ومن التعاريب ما يترجم الألفاظ تحمل معانيها خالية من روح الكاتب وحرارته فلا يكون لها التأثير المطلوب إلا معربات فتحي فإنك تقرأ فيها المعاني والأغراض كأنك تقرأ كاتبها من غير فرق. لفتحي باشا تعريبه شخصية تامة ممتازة في طريقته وفي أسلوبه البياني. أما نحوه في التعريب فليس هو الالتزام الحرفي للأصل ولا مجافاة الأصل. ولكن نحوه بين ذلك وسط مرضي. أما أسلوبه فهو عربي خالص لا يعني فيه بفضله الزخرف والمحسنات اللفظية ولكنه مع

стр. 1283

ذلك متين الرصف ظاهر الرشاقة جذاب جداً. لم يكن فتحي باشا يعرب ليعرب. ولا طلباً للشهرة أو المال من وراء التعريب. فإنه ليس سبيلهما في بلادنا العلم والكتابة وكان حسبه شهرة مناصبه العالية وكفايته التي ما كانت يوماً واحداً موضعاً للشك من أحد سواه في ذلك أصدقاءه وحساده عارفوه وغير عارفيه. ولكننا إذا جمعنا معرباته دلنا مجموعها على أن فتحي كان له غرض ثابت يرمي إليه من وراء نشر هذه الكتب. غرضه نشر مبادئ الحرية. حرية الفرد. وحرية الأمة. وتنبيه أطماع الأفراد والأمة جميعاً إلى اتخاذ مثل أعلى قبله لهم في أطماعهم الوطنية. أنه منذ سنة ١٨٨٨ كان يرى الأمة تتقلب في أغراض أحياناً متعاكسة ودائماً مبهمة فكان يسيئه هذا المنظر ويود لو أن الشعور الوطني - الذي كان وقتئذ في خدر مستمر - يولى وجهة قبل الاستقلال على نحو منتج. كان يود لو أنهم يدركون أن إبهام الغرض وعدم إدراكه بوضوح يجعله مستحيل المنال. لذلك أراد أن يقدم للجمهور (عقد الاجتماع) لروسو حتى يتبين الجمهور حق الفرد وحق الأمة وما يجب أن يكون لها من السلطان. وللأسف لم يظهر هذا الكتاب مع أنه بلغ من تعريبه مبلغاً كبيراً، ولكنه أصدر بعد ذلك تعريب بنتام في أصول الحقوق والواجبات. حتى جاء الزمن الأخير وظهر الشعور الوطني بمظهر جميل ولكن لا يزال في مقاصده بعض اللبس حتى فيما هو مكتوب من المبادئ في الصحف وما للصحف إلا ترجمان الرأي العام. ولعل فتحي باشا أمام هذه المشاهد أشفق على حرية الأفراد وتربية الأمة من الميل الظاهر إلى ما يشبه الاشتراكية فإن الناس لم يقصروا في طلبتهم على حقوق الأفراد من الحرية وحق الشعب من السلطة بل أخذوا مع ذلك كله يطالبون الحكومة أن تقوم لهم بكل شيء. ومهما كان في أساليب هذه المطالب من الانتقاد الضمني إلا أن مثل هذه الحركة من شأنها أن تجعل الحكومة هي كل شيء والفرد لا شيء. الاشتراكية قد تكون معقولة إذا كان للأفراد شأن في تنصيب الحكومة. وإلا فإنما نهي اشتراكية معكوسة النتائج. فأخذ فتحي باشا عن بعد يهدي الأفراد إلى وجوب الاستمساك بشخصيتهم ويبين لهم أن تربية الشخصية هي التي كانت (سر تقدم الإنكليز السكسونيين) يطلب إلى المصريين أن يتشبهوا بهؤلاء وأن لا يفنوا شخصيتهم فيفني وجودهم. واستطراداً في هذا النظر تصدى إلى

стр. 1284

تعريب (الفرد ضد المملكة) وتعريب روح الاجتماع وسر تطور الأمم. كل ذلك ليبقي في الجمهور الأسس العلمية للرقي حتى يطبق الناس حالهم على هذه الأصول فينتفعوا بتجارب الأمم. أيها السادة: إن التوفيق بين منتخبات فتحي باشا للتعريب ينتج فوق ما قدمنا أنه كان يعتنق مذهب الحربين سواء كان ذلك في التربية والتعليم أو في الأصول الاجتماعية والسياسية بل الاقتصادية أيضاً لأنه لو كان اشتراكياً في الاقتصاد لما عمد إلى ترجمة بورجار بل لكان عمد إلى ترجمة أحد الاقتصاديين الاشتراكيين الظاهرين بالاشتراكية. ولو شئنا أن نبين عقائد فتحي باشا من منتخباته ومن أحاديثه لضاق بنا المقام ولكني أكتفي الآن بالإشارة إلى أن بين اختيار فتحي لتلك المؤلفات وبين مذهبه الحري في محاولة الإصلاح الاجتماعي والسياسي نسباً متصلاً جد الاتصال. حسبي الإشارة إلى ذلك وإلى أن فتحي باشا كان ذا مبادئ ثابتة وطرائق معينة في كل شيء. فكما أنه ابتداء في خدمة العلم بالابتداء الطبيعي وهو نقل العلم إلى البلاد كذلك كان يرى أن البدء في الارتقاء الاجتماعي والسياسي لا يكون بأخذ ثمرات آخر تطور للمبادئ الاجتماعية والسياسية في الأمم التي تمدنت من قبلنا. ولاشك في أن إدخال المبادئ الاشتراكية في آخر تطورها الحاضر على أمة ناهضة من عقال الاستبداد نتيجته اضطراب خطر قد يكون ضرره أكثر من نفعه. من ذلك نأخذ أن فتحي باشا كان رجل ارتقاء لا رجل ثورة. إنه كان يكره الثورة - بعد سن الرجولة بالضرورة - يكرهها بكل مظاهرها حتى الفكرية منها فكما أنه كان يرى أن خير القوانين ليس هو القانون الحسن في ذاته ولكنه القانون الذي يحتمل الشعب تطبيقه. كذلك كان يرى أن خير المبادئ الاجتماعية والسياسية هو ما كان لبينه وبين طبائعه وعاداته نسب تكمل ما فيها من نقص وتقوم ما بها من اعوجاج. كان فتحي يستسر بهذه الآراء الحرة العريقة في الحرية: فإذا لم يكن نشرها ليتفق مع مركزه في الحكومة فلقد نشرها بالتعريب والعقل ليرضي دواعي ضميره وليثابر على تربية قومه تربية صالحة على قواعد ثابتة من معرفة الحقوق والواجبات. فليس فقيدنا ﵀ من أرباب المناصب. بل هو على ذلك من أرباب المذاهب ومن هو كذلك من

стр. 1285

شأنه أن يكون شقياً بفرضين معذباً ضعفين. يكاد لا يكون له من وقته شيء. فهو مقسم بين الأعمال الرسمية الشاقة وبين خدمة العلم يعمل لها بالتأليف والتعريب شطر الليل وأحياناً طوال الليل ومدة العطلة فإذا لامه في ذلك أصدقاؤه هز كتفه هزة فيلسوف لا يبالي مات اليوم أو مات غداً، نعم كان المؤلف فتحي يعتقد أن الحياة تقدر بما يتم فيها من العمل الصالح لا بعدد السنين. يكاد كلامي يلقى في الأذهان من فتحي باشا صورة عالم استغرقته أغراضه وشغلته همومه فزهد في الجمعية وفرط في القيام بالاصطلاحات المدنية. كلا إن فتحي باشا على ذلك كان مترفاً في عيشته متأنقاً في مظاهرها المختلفة. كثير الاختلاط لا تفوته عيادة مريض من أصدقائه ولا رد لزيارة ولا مواساة معارفه في أحزانهم. كذلك لا ينقبض عزمه عن شهود حفلة أنس. ولا تلوى به همومه ومشاغله عن الاعتناء باقتناء التحف والطرف وتعرف أوضاع الجمال حيث كان ﵀ كان على علمه العميق ومنزلته العالية رجلاً غاية في الوداعة والظرف. من ذلك يظهر لي أن فتحي باشا كان يعتقد الحياة الفردية كلا واحداً من حقه أن يكون متعادلاً في جميع مظاهره. وأن اعتدال السلوك لا يتم إلا بهذا التعادل فكما يجب على المرء أن يخدم عقله كذلك يجب عليه أن يخدم مشاعره. حتى لا تعطل ملكة من الملكات تضحية لملكة أخرى. ولا شك في أن خير قاعدة تنتج المثل الأعلى للرجل الكامل بمعنى الكلمة هي قاعدة تنمية ملكات الإنسان وقواه بنسبة واحدة. كذلك كان فتحي باشا. وعلى هذا كنا نراه في شؤونه. غير أن الاستثناء كان يلحق لديه هذه القاعدة أيضاً. فإنه يظهر لنا من جهة أخرى أنه كان يضحي قواه الجثمانية في سبيل شهوته العلمية. وهذا المثال مع الأسف هو وقلة الحرص على المال كأنهما أمران عامان في كثير من أبطال العلم وخدمة الأوطان. عفواً. أيها السادة. ليس فتحي في عداد الموتى الذين يؤبنون بقولة واحدة تردد لكل منهم على السواء: كان وكان. . . وعليه الرحمة والرضوان. إن فتحي ليس ملكاً لأهله وأصدقائه بل هو ملك التاريخ. وبهذا العنوان يدب علينا دراسته إنه صورة كبرى من أكبر صور النبوغ المصري بروزاً وأولاهم بالعناية والدرس. إنه رجل كبير. كبير في عقله

стр. 1286

وفي عواطفه بل في أطماعه أيضاً. وما كان يبين عليه أن اقتناء المال داخل في برنامج أطماعه. أقول وليس هو في هذا المعنى استثناء من عظماء الرجال أمثاله. أولئك الذين ماتوا ولا أصفر ولا أبيض كأنهم الأنبياء لا يورثون. فإن لم يتركوا تراثاً فقد تركوا مجداً خالداً. نعم إن أطماع فتحي باشا كانت كبيرة متناسبة مع كفاءته وثقته بنفسه. ولكنها لم تكن من الأطماع الشخصية في شيء، إنه كان يألم لما نحن فيه ويرجو أن يكون له من السلطة ما يسهل لقومه سبيل التقدم إلى الأمام - قد تكون هذه العلة هي العذر العام الذي ينتحله كل المغرمين بالمناصبة العالية. ولكن فتحي ليس من هؤلاء لأنه كان ينفذ الخطة التي رسمها لمشاغله العمومية فأخذ يسهل التقدم بقلمه ومن الطبيعي أن يرجو أن يسهله بعمله أيضاً فيكون بذلك قد جمع بين سبي النفع لا كصديقه روسو الذي قال لو كنت شارعاً أو أميراً لا اعتضت عن الكتابة في السياسة بتحقيق ما أقرر من المبادئ. على أنه يجب عليَّ في هذا الموقف أن أسارع إلى التصريح بأن فتحي لم يقدم بين يدي أطماعه إلا كفاءته. أما شخصيته واستقلاله في الرأي فلا دخل لهما في هذه الصفقة. بل ربما كان حجر عثرة في سبيل ارتقائه. على أن فتحي باشا مهما كان محسود القدرة فإنه كان دائماً عمدة الحكومة في كثير من المشروعات الدقيقة التي تحتاج إلى مفاوضات بين جهات مختلفة. وموضع الاستشارة من نظارته وغير نظارته في وضع القوانين. كما تشهد به الألسن الرسمية والتقارير الرسمية. أيها السادة - كنا نكرم فتحي باشا في نحو هذا الأوان من العام الماضي ونتوج مؤلفاته. وها نحن أولاء جئنا اليوم نؤبنه ونتأسف على وفاته. فما أقل هذا الوجود حرصاً على الرجال النابغين!. أيها السادة - إن صورة فتحي باشا الذي اشترك في رسمها جميع خطباء هذه الحفلة الممثلين للمعاني والطبقات المتباينة صورة ندخرها عند الزمان على أنها طليعة النهضة العلمية وأثر من آثار المجد المصري الفخيم ولنكون قدوة للنابغين من أبنائنا على مر الزمان، فاللهم لعبدك الأمين في خدمة العلم رحمة ولبلاده عزاء أنك، أنت السميع المجيب. وقال أمير الشعراء أحمد بك شوقي يرثي الفقيد العظيم:

стр. 1287

أكذا تقر البيض في الأغماد ... أكذا تحين مصارع الآساد خطوا المضاجع في التراب لفارش ... جنبيه مضطجع من الأطواد مالت بقسطاس الحقوق نوازل ... ومشت على ركن القضاء عواد ورمى فحط البدر عن عليائه ... رام يصيب الشمس في الارآد قل للمنية نلت ركن حكومة ... وهدمت حائط أمة وبلاد ووقفت بين الحاسدين وبينه ... يا راحة المحسود والحساد كل له يوم وأنت بمرصد ... لتصيد الأحباب والأضداد ما كل يوم تظفرين بمثله ... إن النجوم عزيزة البلاد يا ساكن الصحراء منفرداً بها ... كالنجم أو كالسيل أو كالصاد كم عن يمينك أو يسارك لو ترى ... من فيلق متتابع الإمداد ألقى السلاح ونام عن راياته ... متبدد الأمراء والأجناد ومصفداً ما داينوه وطالما ... دان الرجال فبتن في الأصفاد ومطيع أحكام المنون وطالما ... سبقت لطاعته يد الجلاد ومعانق الأكفان في جوف الثرى ... بعد الطراز الفخم في الأعياد مرت عليك الأربعون صبيحة ... مر القرون على ثمود وعاد في منزل ضربت عليه يد البلي ... بحوالك الظلمات والأسداد تلقي الضباع الليل في عرضاته ... واليوم في الأطناب والأوتاد يا أحمد القانون بعدك غامض ... قلق البنود مجلل بسواد والأمر أعوج والشؤون سقيمة ... مختلة الأصدار والإيراد والقول مختلط الفصيح بضده ... تبكي جواهره على النقاد وأتت علي الأقلام بعدك فترة ... فصحت وكانت مدمنات مداد عجبي لنفسك لم تدع لك هيكلاً ... إن النفوس لآفة الأجساد ولرأسك العالي تناثر لبه ... ونزا وصار نسيجه لفساد لو كان ماساً ذابت أو ياقوتة ... لتحركت بذكائك الوقاد حملته في ليله ونهاره ... هم الفؤد وهمة الإرشاد

стр. 1288

فقتلته ورزحت مقتولاً به ... رب اجتهاد قاتل كجهاد جد الطبيب فكان غاية طبه ... تقليب كفيه إلى العواد والموت حق في البرية قاهر ... عجبي لحق قام باستبداد لا جد إلا الموت والإنسان في ... لعب الحياة ولهوها متماد وليت في أثر الشباب ومن يعش ... بعد الشباب يعش بغير عماد من ذم من ورد الشبيبة شوكه ... حمل المشيب إليه شوك قتاد حرص الرجال على حياة بعدها ... حرص الشحيح على فضول الزاد يا ابن القرى نالت بمولدك القرى ... ما لم تنله حواضر وبواد غذتك من حسن المغبة سائغ ... وسقتك من جاري المياه براد وتعاهدتك أشعة في شمسها ... ينفذن عاقية إلى الإيراد ونشأت بين الطاهرين سرائراً ... والطاهرات الصالحات العاد رضوان عيش في صلاح عشيرة ... في طهر سقف في عفاف وساد فجمعت بخير نباتها ومضت به ... ريح المنية قبل حين حصاد أمسي ذووك طويلة حسراتهم ... وأخوك ينشد أوثق الأعضاد في ذمة الشبان ما استودعتهم ... من خاطر وقريحة وفؤاد ورسائل لك لا تمل كأنها ... كتب الصبابة أو حديث وداد وخطابة في كل ناد حافل ... ينصب آذاناً إليها النادي ومعربات كالمنار وإنها ... لزيادة في رأس مال الضاد وإذا المعرب نال أسرار اللغي ... روى عباداً من أناء عباد العلم عندك والبيان مواهب ... حليتها بشمائل الأمجاد ومن المهانة للنبوغ وأهله ... شبه النبوغ تراه في الأوغاد (فتحي) رثيتك للبلاد وأهلها ... ولرائح فوق التراب وغاد وسبقت فك القائلين لمنبر ... عال عليهم خالد الأعواد ما زلت تسمع منه كل بديهة ... حتى سمعت يتيمة الإنشاد وحياة مثلك للرجال نموذج ... ومماتك المثل القويم الهادي

стр. 1289

ورثاؤك الإرشاد والعظة التي ... تلقي على العظماء والأفراد مكسوب جاهك فوق كل مقلد ... وطريف مجدك فوق كل تلاد فخر الولاية والمناصب عارة ... كالفخر بالآباء والأجداد ولربما عقدا نجاداً للعصا ... والصارم الماضي بغير نجاد فافخر بفضلك فهو لا أنسابه ... تبلى ولا سلطانه الفاد رحلة سمو الجناب العالي راق سمو الجناب العالي الخديوي حفظه الله أن يتفقد في طريقه إلى مصطافه بالإسكندرية شؤون رعيته: ويتبين بنفسه الرقي الذي خطت إليه البلاد في عهده النضير وعصره الزاهر. ويشهد بعينه حال الأهلين الزراعية والاقتصادية. فتفضل أبقاه الله ورعاه بالوقوف بالبلاد التي في طريقه وزيادة السراة والأغنياء في السراداقات التي أقاموها احتفالاً بأميرهم وابتهاجاً بسمو مليكهم وقد كان الوجه البحري لا بل القطر أجمعه في عيد عام وفرح عظيم وابتهاج لا يقدر بهذه الرحلة المباركة التي قام بها سمو العزيز أيده الله. وقد انتدب سعادة رصيفنا الكاتب المفضال أحمد حافظ بك عوض مدير سياسة المؤيد الأغر لوضع سفر جليل يتناول كل ما اتصل بهذه الرحلة فنرجو له التوفيق حتى يتم هذا الكتاب على النحو الذي يبتغي صاحبه إن شاء الله. الوزارة الرشدية سقطت فجأة في الشهر الماضي الوزارة السعيدية. وكان من المزمع اختيار عطوفة مصطفى فهمي باشا لمنصب رئاستها، ولكن لم يتم ذلك. فأسندت إلى رجل يصلح لها وتصلح له وأكبر وزير عامل اشتهر بالصراحة والنزاهة والاستقلال وبعد الهمة وعلو النفس، هو عطوفة حسين رشدي باشا ناظر الحقانية في الوزارة المستقلة. وتألفت الوزارة الجديدة على هذا النحو عطوفة حسين رشدي باشا رئيس الوزارة وناظر الداخلية، عبد الخالق ثروت باشا ناظر الحقانية. أحمد حلمي باشا ناظر المعارف. يوسف وهبه باشا ناظر المالية، إسماعيل سري باشا ناظر الأشغال والحربية. عدلي يكن باشا ناظر الخارجية. إسماعيل صدقي باشا ناظر الزراعة. محمد محب باشا ناظر الأوقاف.

стр. 1290

وقد اعتزم البيان أن يكتب تراجم أعضاء هذه الوزارة العاملة في الأعداد القادمة أسوة بأعضاء الجمعية التشريعية ونوابها الكرام. الطياران العثمانيان قدم مصر منذ أيام الطياران العثمانيان سالم بك وكمال بك فكان لقدومهما رنة فرح وابتهاج عظيمين لطول ما ارتقب المصريون وفود الطيارين العثمانيين وانتظروا حضورهما. وقد احتفلت جمعية الطيران بهما وأقيمت لهما الولائم. وأدبت لا كرامهما المآدب هذا وقد ورد على الطيارين تلغراف من الآستانة يطلب عودتهما. فتقرر أن يسافرا على الباخرة الرومانية في الثاني والعشرين من هذا الشهر (مايو). فصل التمثيل العربي في الأوبرا الخديوية مثلت جوقة الأستاذ النابعة جورج أفندي أبيض أربع روايات منتقاة من أبدع حسنات الدراما الإفرنجية. وهي الشرف الياباني تعريب فؤاد أفندي سليم. ورؤى بلاس لفيكتور هوجو تعريب نقولا أفندي رزق الله. وقيصر وكليوباترة لموليير القرن العشرين برنارد شو تعريب إبراهيم أفندي رمزي. والإيما لبريو تعريب صالح بك جودت، والمؤلفون من أعيان مؤلفي الدراما الغربية. والمعربون من خيرة كتَّاب مصر وصفوة المعربين وقد أجادت الجوقة أحسن الإجادة. وأبدعوا غاية الإبداع مما يدل على مقدرة الأستاذ جورج أبيض ومهارته في انتقاء القديرين من الممثلين وكان بودنا أن نعقد فصلاً مطولاً نتناول فيه نقد كل من هذه الروايات من جميع وجوهها ونبدي الملاحظات التي تراءت لنا في التمثيل ولكن ضاق نطاق هذا العدد عن احتوائه فأرجأناه إلى العدد التالي. وقد فاتنا أن نذكر أن جوقة الممثل المتفنن عبد الله عكاشة وأخوته مثلت في الأوبرا الخديوية قبل الجوقة الأولى ثلاث روايات مؤلفة: وهي نعيم بن حازم للكاتب المجيد والمطلع المجتهد عبد الحليم أفندي دولاور. والقضاء والقدر للشاعر الفحل خليل مطران وطارق بن زياد لكاتب غير معروف. وسنقصر كلامنا في العدد القادم على رواية نعيم بن حازم لأننا لم نشهد من هذه الروايات الثلاث غيرها.

стр. 1291

مطبوعات جديدة تاريخ الصحافة العربية انتدب جناب البحاثة الفاضل الفيكونت فيليب دي طرازي أحد علماء بيروت إلى وضع سفر واف فضفاض في تاريخ الصحافة العربية بعد أن نظر فلم يجد من تصدى إلى هذا العمل الشاق النافع على الرغم من الحاجة الماسة إليه. قال جنابه فأقدمت على تحقيق هذه الأمنية تعزيزاً لمقام صحافتنا الشريفة وإعلاء لمنارها أمام الغربيين الذين برزوا في هذا الفن الجليل وجاهدوا في جادته الجهاد الحسن. وهكذا تيسر لي بعد العناء الشديد أن أسد هذه الثلمة في لغتنا العربية وأزف عملي لكل ناطق بالضاد وهو يحتوي على أخبار الصحف أفراداً وإجمالاً مع أميال أصحابها وأسماء محرريها وتراجم المشاهير منهم بعبارة يفهمها الخاص والعام. وتخليداً لذكرهم زينت الكتاب برسوم الصحافيين الذين توفقت إلى الحصول عليها بعد بذل النفس والنفيس آسفاً لعدم الفوز برسومهم قاطبة فجاء سفراً جزيل المنافع لا يستغني عنه السياسي والصحافي والمؤرخ والشاعر والأديب والمصور والتاجر والأستاذ والتلميذ والحاكم والمحكوم. إذ يجد فيه كل واحد منهم ما يتوق إليه من ضروب السياسة أو كنوز الصحافة أو آثار التاريخ أو أساليب النظم أو بدائع الرسوم أو أطايب الأخبار والفكاهات مالا يلاقيه في كتاب سواه. فإنه أشبه شيء بدائرة معارفه عصرية لا تقتصر موادها على الصحافة فقط بل تتضمن أيضاً أكثر مطالب العلوم والآداب. والفنون المفيدة. وقد انتقدت كل جريدة أو مجلة أو نشرة أو رسالة موثوقة بما تستحقه من المدح والذم بقطع النظر عن مذاهب أربابها وأحوالهم الشخصية وذلك بنية صادقة وقصد سليم. واستندت في ما رويته إلى أوثق المصادر حرصاً على الحقيقة وعملاً بحرفة التاريخ وقسمت الكتاب أربعة أقسام أو حقب بحيث تتناول كل حقبة قسماً من أخبار الصحافة. ثم صدرته بتوطئة ذات ثمانية فصول في تعريف الصحافة وآدابها وأسماء مؤرخيها وغير ذلك مما تهم معرفته إتماماً للفائدة. وختمته بجدول عام يشتمل على أسماء الصحف بلا استثناء شيء منها على قدر ما يستطيعه باحث محقق في بلاد الشرق. وقد رتبتها بحسب البلدان والممالك التي ظهرت فيها متبعاً لفي تاريخ صدورها نظام الأقدم فالأقدم. وجعلت بجانب كل منها اسم

стр. 1292

صاحبها وبيان خطتها ويوم نشأتها ليكون العمل وافياًَ بكل أطرافه. وكذلك جاء كتابه وافياً بكل ما وعد. وقد أهدى إليها جنابه الجزأين الأول والثاني من هذا السفر النفيس وهما واقعان في نحو من خمسمائة صفحة من طراز أطول وأعرض من طراز البيان وحرف أدل وأجمل. ونحن فلا نأخذ على الفيكونت دي طرازي إلا تساهله في لغة الكتاب وإنا لنود لو يحتفل جنابه بأسلوب كتابته. ويتوخى الصواب في لغته جهد استطاعته. وإنه لو فعل لما أخل بشر بطته من التسهيل والتقريب. نقول ذلك وليس من غرضنا أن ننتقص الفيكونت أو نطعن على كفايته فيما يقصد إليه من كتابه فمثل الفيكونت خليق بالإجلال والإكبار، وبحسبه أنه استقل بعمل محفوف بالمكاره فهو وحده ذلل صعابه، ومهد عقابه، وراض عصيه حتى واتاه وأم صاغراً رحابه، نعم وأنه لجدير بكل قارئ أن يقتني لذلك كتابه. وقد جاء في الفصل الثاني الذي ضمنه جنابه أقوال مشهوري الملوك والكتاب والصحفيين في الصحافة مما يصح أن يكون تعريفاً للصحافة هذه الكلمات التي هي من جوامع الكلم. يقول روزفلت ليس المجرم الحقيقي هو من يتعمد القتل أو ارتكاب أعظم المعاصي بل هو الذي يملك شيئاً لا يكون من أهله بالغش والخداع كالصحافي المقلد أو السياسي المنافق لأن الواجبات الأولية في الصحافي أو السياسي هو أن يكونا حاصلين على ثقة الشعب بمجرد القدوة الصالحة في الأعمال والأقوال. ويقول اللورد روزبري يجب أن تكون قاعدة الصحف كن صادقاً ولا تخف. وقال تولستوى الجرائد نصير السلام وصوت الأمة وسيف الحق القاطع ومجيرة المظلومين وشكيمة الظالم فهي تهز عروش القياصرة وتدك معالم الظالمين. وقال اللورد ملنر أحد كبار السياسة الإنكليز إن الصحافة أجل وأعظم حرفة في العالم وربما استثنى من ذلك منصب الوزارة. وقال فولتير الصحافة هي آلة يستحيل كسرها. وستعمل على هدم العالم القديم حتى يتسنى لها أن تنشيء عالماً جديداً. . . الخ. والكتاب يباع في مكتبة البيان وثمنه مائة قرش وأجرة البريد أربعة قروش. الإيمان

стр. 1293

قال الدكتور جوستاف لوبون في كتابه حقائق الزمن الحاضر ضعف الإنسان عن الحياة بلا يقين ففضل المعتقدات وإن ضعف أساسها عن الزندقة وإن وضح برهانها ذلك ما تجلى للكاتب الفرنسي المشهور أوجين بريو العضو بالأكاديمية الفرنساوية المولود سنة ١٨٥٨ إذ كان ذات يوم في معبد من المعابد فألفي المصلين قائمين يضرعون لتمثال معبودهم يلتمسون منه قضاء الحاجات وكان من بينهم مرضى وذووا عاهات وبائسون تعلقت آمالهم بربهم تعلقاً اتصلت به سعادتهم، فتأثرت نفسه وجال في خاطره أنه لو استطاع أن يرشد هذا الجمع إلى كذب ما يعتقد، وإلى أن معبوده لا يسمع ولا يعي لما فعل حرصاً على هذا الأمل أن يزول. وهذا الخيال الكريم أن يتبدد ومن ثم خطر له أن يضع رواية في هذا الموضوع فاختار له مصر الفرعونية لما اشتهر به ساكنوها قديماً من التمسك بمعتقداتهم وتقديس معبوداتهم وتعليق آمالهم على حياة أخرى بها ثواب وعقاب فقدم مصر واستعان بمسيو لجران رئيس مهندس معبد الكرنك على وضع روايته الإيمان - قالت جريدة الطان لما ظهرت هذه الرواية واحتفلت بها الصحف الفرنسية الاحتفال اللائق بها وإنها رواية تصدت لمسألة اجتماعية كبرى كانت من القدم مثار الأفكار ومحل الخلاف بين الناس وهي مسألة الإيمان. ولقد مثل لنا فيها كاتبها صورة العذراء الطاهرة (يوما) وهي تسعى إلى الموت فرحة سكرى برحيق الإيمان وصورة الحكيم المصلح (سانتي) وهو يحاول تطهير النفوس من الخرافات وإرشادها إلى الفضيلة المجردة وصورة الشعب الغشوم وقد استسلم لإيمانه الأعمي وصورة الكاهن الماكر وقد تولى قيادة تلك القوة العمياء إلى حيث تخدم مطامعه وأمانيه - وصورة الإيمان البصير في نفس (مييريس العمياء) التي لا تؤمن بآلهة باسمهم يقتلون الناس وهي الكلمة التي ختم بها المؤلف روايته. وقد قام بنقل هذه الرواية إلى العربية سعادة الكاتب الفاضل صالح جودت بك لما رأى أن التمثيل العربي وبالحرى الشعب المصري بحاجة إلى أمثال هذه الروايات القيمة ونحن فنقول أن لغة الترجمة جاءت كما يظن بسعادة المترجم جزالة ومتانة وأمانة في النقل وقد قام بتمثيل هذه الرواية الجليلة التي يحق لعشاق العربية أن يزهو بترجمتها جناب الممثل النابغة جورج أبيض وجوقته في الأوبرا الخديوية فأجادت الجوقة كيف شاء الإتقان والنبوغ.

стр. 1294

وقد طبعت مكتبة المعارف هذه الرواية ذلك الطبع النظيف المتقن وثمنها ثمانية قروش عدا اجرة البريد وتطلب من مكتبتي المعارف والبيان. أعيان البيان كان تاريخ الحركة الأدبية في القرن الثالث عشر الحلقة المفقودة في سلسلة تاريخ الأدب العربي. حتى ما تكاد ترى من أبناء هذا الجيل من يعرف تاريخ فارس الجوائب (مثلاً) أو يحفظ له من آثار قلمه اللهم إلا نفراً قليلاً هم الذين تشبثوا بأهداب الإطلاع وشغفوا بحب البحث والتنقيب. وهؤلاء لا يجوزون حد العشرات. إذ يظهر أن الإطلاع ثقيل الدم على روح المصري؟ وإن البحث لديه من المغلظات وإن الاطمئنان إلى قراءة سفر جديد، كتكلف مشاق سفر بعيد، على أنك ترى تاريخ آداب العرب في القرون المنصرمة قبل القرن الثالث عشر أوفر نصيباً من الانتشار، وأسعد حظاً من الإيثار والاستظهار، وقد رأى الأديب حسن أفندي السندوبي مساس هذه الحاجة ووجوب سد هذه الثلمة، ورد هذه الحلقة إلى أخواتها من سلسلة التاريخ العام. فشمر لهذا العمل، وحبس نفسه لإنجازه، وأسماه أعيان البيان، وصدر الجزء الأول منه بمقدمة جميلة في تأريخ الانقلابات والأدوار التي تقلب فيها الأدب العربي، وجاء بتاريخ اثنى عشر عيناً من أعياننا بدأهم بالشيخ حسن قويدر، وختمهم بالشيخ عبد الهادي نجا الأبياري، وطريقته في ذلك أن يبدأ بترجمة العين ثم بكلمة في مميزاته. فأخرى في مؤلفاته ثم بماله من الآثار نظماً كان أو نثراً، أو هماً معاً هذا والكتاب جليل الفائدة. كبير القدر. لا يسعنا معه إلا أن نسدي شكرنا للسندوبي أفندي على ما أسدى هو للغة من خدمة كبرى، والكتاب يباع بمكتبة البيان وثمنه عشرة قروش. مختارات الزهور جمعت مجلة الزهور مختار ما نشرته في سنيها الأربع من القصائد التي نظمها كبار الشعراء المصريين والسوريين والعراقيين. فجاءت مجموعة شعر طيبة. تستأهل الاقتناء إذ هي الروضة الأنف تجمع أصناف الأزهار وأطيب الأثمار، وهي أحسن مروح للنفس من عناء الأعمال فنلفت إليها اهتمام القراء. الواجب إننا لو استطعنا أن ننسي الموت فلن نستطيع أن نفر من الفلسفة بل نذكرها حتماً في أعمال

стр. 1295

الحياة والذي يذكرنا بها هو الواجب عندما نبدأ عملاً ذا خطر نسمع من أنفسنا صوتين أحدهما صوت المنفعة يقول لنا: هذا هو ما يفيدك الراحة والأمن والثروة والمجد والسلطان. وثانيهما وهو ما يسميه الناس صوت الواجب يقول لنا: أنس نفسك خاطر بها ضحها. ليصغ الملحدون إلى صوت المنفعة، ولكن الذي يؤثر الواجب هو صاحب اليقين الفلسفي عرف ذلك أم لم يعرفه. فإنه لا يمكن الإيمان بالواجب بدون إيمان بالله والحرية والخلود. وإن في حياة منصف وموته لدليلاً لا ينقض على وجود الله، هذه هي الأفكار التي ملكتني عندما صممت على تأليف سفر مختصر في الأخلاق لعامة الناس ولاسيما ذوي العقول المستنيرة الذين يشعرون بميل إلى الفلسفة من غير أن يكونوا قد درسوها. تلك كلمة كبيرة جاءت في مقدمة كتاب الواجب للأستاذ جول سيمون الفيلسوف الفرنسي الكبير والسياسي المشهور، المعاصر لفيكتور هوجو ولويس بونابرت المعروف بنابليون الثالث، ومن هذه الكلمة يعرف القارئ روح المؤلف ويتبين مذهبه ويتوسم فائدة الكتاب، ويستشف قيمته الكبرى، ومنفعته الشديدة، وكتاب الواجب من خير ما كتب للناس في موضوعه، وقد كنا عربنا في بعض أعداد السنة الأولى من البيان جزءاً يسيراً منه ولكنا أمسكنا عن متابعة التعريف لأمر ما. وقد سرنا وملأ قلوبنا غبطة وفرحاً أن تناوله كاتبان فاضلان من كتَّاب مصر العاملين على خدمتها، ونعني بهما الأستاذ طه حسين ومحمد بك رمضان، وقد ظهر الجزء الأول منه مصدراً بكلمة جليلة للمعربين الفاضلين، يشرحان بها غرض جول سيمون في كتابه والدواعي التي استحثته على وضعه. وجاء بكلمة طيبة في تاريخ حياة المؤلف والألقاب العلمية التي نالها. والوظائف السياسية التي تقلب فيها. أما عبارة الترجمة فتدل على عناية الأستاذين واستمساكهما بالأساليب السهلة الممتنعة. واللغة الجزلة الفصحى وهذا ما كنا نرتقبه من قلم الأستاذ طه حسين معرباً، بعدما عرفنا فضله كاتباً ومفكراً ويزداد جذلنا به إذ نراه مقبلاً على دراسة اللغة الفرنسية. ونتوقع أن يكون منه بعد قريب شيخ من مشايخ المعربين، ورأس من رؤوس المترجمين، ونحن في شغف وارتقاب لصدور الجزء الثاني وتواليه، حتى تنعم بفائدة هذا الكتاب، ونستطيبه بجملته. ونود لو يجعلا ثمن الجزء أرخص

стр. 1296

مما جعلا. لكي يستطيع القراء على اختلاف طبقاتهم وتفاوت أرزاقهم الاشتراك في الانتفاع بهذه الأسفار المفيدة. فذلك خير لكتاب الواجب وبه أحرى. هذا والجزء الأول يباع بمكتبة البيان وثمنه الآن ثمانية قروش عدا أجرة البريد. بعد طبع ما تقدم أهدى إلينا الأستاذان الجزء الثاني من هذا الكتاب وهو كأخيه السابق مفعم بالمباحث الفلسفية الأخلاقية التي تعوز كثيراً من قراء العربية وثمنه كذلك ثمانية قروش عدا أجرة البريد. كتاب سفن الأسطول الإسلامي عبد الفتاح أفندي عبادة شاب مصري ذكي الفؤاد شديد العناية بدراسة فروع التمدن العربي، وآية ذلك أنه بعد أن أتم دروسه في المدارس الابتدائية والثانوية لم يكتف بذلك ولم يجعل همه قاصراً على الانتظام في سلك عمال الحكومة وتطليق العلم والدرس والكتب شأن الكثيرين من خريجي المدارس وبالحرى فابريقات التوظف في الحكومة. بل انصرفت نفسه عن هذه السفاسف وتوفر على البحث والقراءة والإطلاع وكان من ذلك أن فزع أولاً إلى الجامعة المصرية وتلقي فيها كثيراً من محاضراتها المختلفة وساعده على ذلك أن فزع أولاً إلى الجامعة المصرية وتلقي فيها كثيراً من محاضراتها المختلفة وساعده على ذلك ثروة خلفها له والده ثم أخذ بعد ذلك يظهر للناس من حين إلى آخر ثمار أبحاثه ونتاج درسه. وهذا كتاب سفن الأسطول الإسلامي أحد ما أخرجه إلى قراء العربية الذين هم أحوج ما يكونون إلى الوقوف على مبلغ ما وصلت إليه مدينة سلفهم الصالح. فنحث القراء على اقتناء هذا السفر المفيد الذي قلما يجد القارئ ما جمعه في هذا الموضوع إلا مبعثراً هنا وهناك. وقد طبع الكتاب في مطبعة الهلال وثمنه ثلاثة قروش ويطلب من مكتبتي الهلال والبيان. جوامع الكلم قال الدكتور لوبون في مقدمة هذا الكتاب الغرض من هذا الكتاب تلخيص بعض الأفكار المنثورة في مؤلفاتي على اختلاف أنواعها وإبرازها في صورة قضايا جامعة. لأن الصيغ المختصرة تأخذ باللب. وتبقى في الذاكرة، ولذلك شاعت جوامع الكلم في عالم الأدب. . . الخ إلى أن قال ما معناه وهذه القضايا الجامعة مبسوطة في مؤلفاتي وهذا المختصر

стр. 1297

جامعها! ومن هنا يعلم القارئ أن هذا جوامع الكلم هو تلخيص كل مؤلفات لوبون في الاجتماع والأخلاق والفلسفة فمن قرأه فكأنما قرأ كل تواليف لوبون ما عرب منها وما لم يعرب. وقد ترجم هذا الكتاب فقيد مصر العظيم بل فقيد العرب والعربية أحمد فتحي زغلول باشا في أيامه الأخيرة وقام بنشره الأستاذ صالح جودت بك وطبعه نجيب أفندي متري صاحب مكتب المعارف فنشكر لسعادة الناشر هذا الصنع الجميل ونحث القراء على اقتناء هذا السفر الجليل وثمنه خمسة قروش ويطلب من مكتب المعارف والبيان. المنتخب في تاريخ آداب العرب للفاضل م عطايا الدمشقي أهدى إلينا من ناحية مكتب الهلال كتاب يسمى المنتخب في تاريخ آداب العرب. امام. . عطايا الدمشقي فليس لنا به علم ولكنا سألنا عنه فعلمنا أنه أحد أفاضل السوريين الموظفين في معارف الحكومة الروسية وأنه ليسرنا السرور كله أن تكثر الكتابة في تاريخ آداب العرب لأن هذا العلم على الرغم من كثرة ما كتب فيه لعهدنا هذا لا يزال بحاجة إلى القول. فإن آداب العرب متشعبة الطرق كثيرة الفرع وهو لهذا أشبه بالمطاط مهما مد منه الكاتب امتد أما هذا كتاب المنتخب فقد ألم فيه صاحبه الفاضل بكل الأبواب العامة لتاريخ الأدب العربي وهو كتاب جامع مفيد يجمل بكل من يهمه الوقوف على تسلسل آداب العرب وعلومهم أن يقرأه وقد وقف على طبعه الفاضلان عبد الفتاح عبادة وألبير عطايا وطبعته مطبعة الهلال وثمنه عشرة قروش ويطلب من مكتبتي الهلال والبيان. كتاب الحساب التجاري والمالي أجل كتاب ظهر باللغة العربية في هذا الموضوع بل هو الكتاب الفذ في بابه فبارك الله في الأستاذين سليم أمين حداد المدرس بمدرستي المحاسبة والتجارة العليا والمتوسطة ومحمد سعيد القطان المدرس بمدرسة المحاسبة والتجارة المتوسطة إذ سدا بهذا الكتاب النافع ثلمة في العربية كان يجب أن تسد من أزمان والكتاب يعوز العوز كله جميع المشتغلين بالشؤون المالية والتجارية وهذا الجزء الأول منه يقع في ٣٢٠ صفحة مطبوع طبعاً جميلاً على ورق جيد وثمنه ١٥ قرش ويطلب من مكتبتي المعارف والبيان. السعادة الأبدية

стр. 1298

اسم اختاره الشيخ علي عبد الرحمن الحسيني لصحيفة أسبوعية وعظية على طراز المجلات الشهرية، والشيخ الحسيني رجل مخلص تقي شديد السخط على أهل هذا العصر فهو يبذل ماله وجهده في سبيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأمثال الأستاذ لعمري هم المفلحون، سدد الله خطاه وجزاه الجزاء الذي يستأهله وجعل لصحيفته الإقبال الذي تستحقه. المستقبل نعرف من الفاضل سلامة موسى شاباً متعلماً دارساً وهو مع ذلك يمتاز عن كثيرين من أمثاله بالتفكير وصدع قيود التقليد، وهذا معنى يحمل بكل عاقل أن يبتهج به ويتطلب المزيد منه وفي رأينا أن مجتهداً واحداً مخلصاً وإن كان مخطئاً خير من ألف مقلد على صواب. وقد رأى سلامة أفندي أن هناك حاجة إلى صحيفة تنهج بالكتابة والبحث منهجاً جديداً يعود الناس النظر ويتمشي بالحاضر نحو المستقبل ويدخل على المبادئ الشرقية عناصر جديدة من ضروب الإصلاح الغربي - فأنشأ مجلة أسبوعية أسماها المستقبل ظهر منها إلى الآن ثلاثة أعداد. ونحن فإنا نأخذ على صاحب المستقبل أمرين عدم احتفاله بلغة الكتابة حتى لا يبالي على أية عبارة يقع ولعل هذا من أركان الإصلاح في نظر المستقبل؟. . وثاني الأمرين عدم تقديره للبيئة الشرقية التي يكتب لها كما يجب وكما هو خليق بالمصلح الحكيم. وإذا كان الشرق بحاجة إلى الإصلاح على النحو الذي يتطلب المستقبل فإن أول واجبات المصلح أن يتدرج في الإصلاح ويسير الهوينا كي يظفر آخر الأمر بالفلج والنجاح والله يسدد خطانا أجمعين.

стр. 1299

الزباء كان جذيمة الأبرش من أفضل ملوك العرب رأياً، وأبعدهم مغاراً، وأشدهم نكاية، وأظهرهم حزماً. وهو أول من استجمع له الملك بأرض العراق وضم إليه العرب وغزا بالجيوش - وكان به برص فكنت العرب عنه وهابت العرب أن تسميه به وتنسبه إليه إعظاماً له فقالوا جذيمة الوضاح وجذيمة الأبرش - وكانت منازلة فيما بين الحبرة والأنبار وبقة وهيت وناحيتها وعين التمر وأطراف البر إلى الغمير والقطقطانة وخفية وما والاها - وتجبي إليه الأموال وتفد إليه الوفود. وكان غزا طسما وجدياً في منازلهم من جو وما حولهم - وكانت طسم وجديس يتكلمون بالعربية فأصاب حسان بن تبع أسعد أبي كرب قد أغار على طسم وجديس باليمامة فانكفأ جذيمة راجعاً بمن معه - وكان قد اتخذ صنمين يقال لهما الضيزنان: قالوا - ومكان الضيزنين بالحيرة معروف - وكان يستشقى بهما ويستنصر بهما على العدو وكانت إياد بعين أباغ وأباغ رجل من العماليق نزل بتلك العين فكان يغازيهم فذكر لجذيمة غلام من لخم في أخواله من إياد يقال له عدي بن نضر له جمال وظرف فعزاهم جذيمة فبعثت إياد قوماً فسقوا سدنة الصنمين الخمر وسرقوا الصنمين فأصبحا في إياد، فبعثت إلى جذيمة أن صنميك أصبحا فينا زهداً فيك ورغبة فينا فإن أوثقت لنا أن لا تغزونا رددناهما إليك، قال وعدي بن نصر تدفعونه إلى، فدفعوه إليه مع الصنمين فانصرف عنهم وضم عدياً إلى نفسه وولاه شرابه فأبصرته رقاش بنة مالك أخت جذيمة فعشقته وراسلته وقالت يا عدي أخطبني إلى الملك فإن لك حسباً وموضعاً فقال لا اجترئ على كلامه في ذلك ولا أطمع في أن يزوجنيك، قالت إذا جلس على شرابه وحضره ندماؤه فاسقه صرفاً واسق القوم مزاجاً فإذا أخذت الخمرة منه فاخطبني إليه فإنه لن يردك ولن يمتنع عليك فإذا زوجك فأشهد القوم، ففعل الفتى ما أمرته به، فلما أخذت المرة مأخذها خطبها إليه فأملكه إياها فانصرف إليها فأعرس بها من ليلته وأصبح مضرجاً بالخلوق. فقال له جذيمة - وأنكر ما رأى به - ما هذه الآثار يا عدي، قال آثار العرس، قال أي عرس، قال عرس رقاش، قال من زوجكها ويحك، قال زوجنيها الملك، فضرب جذيمة بيده على جبهته وأكب على الأرض ندامة وتلهفاً، وخرج عدي على وجهه هارباً فلم ير له أثر ولنم يسمع له بذكر. وأرسل إليها جذيمة قال: حدثيني وأنت لا تكذبيني ... أبحر بنيت أم بهجين

стр. 1300

أم بعبد فأنت أهل لعبد ... أم بدون فأنت أهل لدون فقالت لا بل أنت زوجتي أمراً عربياً معروفاً حسيباً ولم تستأمرني في نفسي ولم أكن مالكة لأمرئ فكف عنها وعرف عذرها، ورجع عدي بن نصر إلى إياد فكان فيهم، فخرج ذات يوم مع فتية متصيدين فرمي به فتى منهم من لهب فيما بين جبلين فتنكس فمات، واشتملت رقاش على حمل فولدت غلاماً فسمته عمراً ورشحته حتى إذا ترعرع عطرته وألبسته وحلته وأزارته خاله جذيمة فلما رآه أعجب به وألقيت عليه منه مقة ومحبة فكان يختلف مع ولده ويكون معهم، فخرج جذيمة متبدياً بأهله وولده في سنة خصبة مكلئة فضربت له أبنية في روضة ذات زهر وغدر وخرج ولده وعمرو مغهم يجتنون الكمأة فكانوا إذا أصابوا كمأة جيدة أكلوها وإذا أصابها عمرو خبأها في حجرته فانصرفوا إلى جذيمة يتعادون وعمرو يقول: هذا جناي وخياره فيه ... إذ كل جان يده إلى فيه فضمه إليه جذيمة والتزمه وسر بقوله وفعله وأمر فجعل له حلى من فضة وطوق فكان أول عربي ألبس طوقاً فكان يسمى عمرو ذا الطوق فبينما هو جالس على أحسن حاله إذ استطارته الجن فاستهوته فضرب له جذيمة في البلدان والآفاق زماناً لا يقدر عليه - قالوا - وأقبل رجلان أخوان يقال لهما مالك وعقيل من الشام يريدان جذيمة قد أهديا له طرفاً وأمتعة، فلما كانا ببعض الطريق نزلاً منزلاً ومعهما قينة لهما يقال لها أم عمرو فقدمت إليهما طعاماً فبيناهما يأكلان إذ أقبل فتى عريان شاحب قد تلبد شعره وطالت أظفاره وساءت حاله فجاء حتى جلس ناحية منهما فمد يده يريد الطعام فناولته القينة كراعاً فأكلها ثم مد يده إليها فقالت تعطي العبد الكراع فيطمع في الذراع فذهبت مثلاً، ثم ناولت الرجلين من شراب كان معها وأوكت زقها فقال عمرو بن عدي: صددت الكأس عنا أم عمرو ... وكان الكأس مجراها اليمينا وما شر الثلاثة أم عمرو ... بصاحبك الذي لا تصحبينا فقال مالك وعقيل من أنت يا فتى فقال: أن تنكراني أو تنكرا نسبي ... فإني أنا عمرو بن عدي ابن تنوخية اللخمي ... وغدا ما ترياني في نمارة غير معصى
следующие страницы →