Полный текст (3 596 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.
стр. 1296
مما جعلا. لكي يستطيع القراء على اختلاف طبقاتهم وتفاوت أرزاقهم الاشتراك في الانتفاع بهذه الأسفار المفيدة. فذلك خير لكتاب الواجب وبه أحرى.
هذا والجزء الأول يباع بمكتبة البيان وثمنه الآن ثمانية قروش عدا أجرة البريد.
بعد طبع ما تقدم أهدى إلينا الأستاذان الجزء الثاني من هذا الكتاب وهو كأخيه السابق مفعم بالمباحث الفلسفية الأخلاقية التي تعوز كثيراً من قراء العربية وثمنه كذلك ثمانية قروش عدا أجرة البريد.
كتاب سفن الأسطول الإسلامي
عبد الفتاح أفندي عبادة شاب مصري ذكي الفؤاد شديد العناية بدراسة فروع التمدن العربي، وآية ذلك أنه بعد أن أتم دروسه في المدارس الابتدائية والثانوية لم يكتف بذلك ولم يجعل همه قاصراً على الانتظام في سلك عمال الحكومة وتطليق العلم والدرس والكتب شأن الكثيرين من خريجي المدارس وبالحرى فابريقات التوظف في الحكومة. بل انصرفت نفسه عن هذه السفاسف وتوفر على البحث والقراءة والإطلاع وكان من ذلك أن فزع أولاً إلى الجامعة المصرية وتلقي فيها كثيراً من محاضراتها المختلفة وساعده على ذلك أن فزع أولاً إلى الجامعة المصرية وتلقي فيها كثيراً من محاضراتها المختلفة وساعده على ذلك ثروة خلفها له والده ثم أخذ بعد ذلك يظهر للناس من حين إلى آخر ثمار أبحاثه ونتاج درسه. وهذا كتاب سفن الأسطول الإسلامي أحد ما أخرجه إلى قراء العربية الذين هم أحوج ما يكونون إلى الوقوف على مبلغ ما وصلت إليه مدينة سلفهم الصالح.
فنحث القراء على اقتناء هذا السفر المفيد الذي قلما يجد القارئ ما جمعه في هذا الموضوع إلا مبعثراً هنا وهناك. وقد طبع الكتاب في مطبعة الهلال وثمنه ثلاثة قروش ويطلب من مكتبتي الهلال والبيان.
جوامع الكلم
قال الدكتور لوبون في مقدمة هذا الكتاب الغرض من هذا الكتاب تلخيص بعض الأفكار المنثورة في مؤلفاتي على اختلاف أنواعها وإبرازها في صورة قضايا جامعة. لأن الصيغ المختصرة تأخذ باللب. وتبقى في الذاكرة، ولذلك شاعت جوامع الكلم في عالم الأدب. . . الخ إلى أن قال ما معناه وهذه القضايا الجامعة مبسوطة في مؤلفاتي وهذا المختصر
стр. 1297
جامعها! ومن هنا يعلم القارئ أن هذا جوامع الكلم هو تلخيص كل مؤلفات لوبون في الاجتماع والأخلاق والفلسفة فمن قرأه فكأنما قرأ كل تواليف لوبون ما عرب منها وما لم يعرب. وقد ترجم هذا الكتاب فقيد مصر العظيم بل فقيد العرب والعربية أحمد فتحي زغلول باشا في أيامه الأخيرة وقام بنشره الأستاذ صالح جودت بك وطبعه نجيب أفندي متري صاحب مكتب المعارف فنشكر لسعادة الناشر هذا الصنع الجميل ونحث القراء على اقتناء هذا السفر الجليل وثمنه خمسة قروش ويطلب من مكتب المعارف والبيان.
المنتخب في تاريخ آداب العرب
للفاضل م عطايا الدمشقي
أهدى إلينا من ناحية مكتب الهلال كتاب يسمى المنتخب في تاريخ آداب العرب. امام. . عطايا الدمشقي فليس لنا به علم ولكنا سألنا عنه فعلمنا أنه أحد أفاضل السوريين الموظفين في معارف الحكومة الروسية وأنه ليسرنا السرور كله أن تكثر الكتابة في تاريخ آداب العرب لأن هذا العلم على الرغم من كثرة ما كتب فيه لعهدنا هذا لا يزال بحاجة إلى القول. فإن آداب العرب متشعبة الطرق كثيرة الفرع وهو لهذا أشبه بالمطاط مهما مد منه الكاتب امتد أما هذا كتاب المنتخب فقد ألم فيه صاحبه الفاضل بكل الأبواب العامة لتاريخ الأدب العربي وهو كتاب جامع مفيد يجمل بكل من يهمه الوقوف على تسلسل آداب العرب وعلومهم أن يقرأه وقد وقف على طبعه الفاضلان عبد الفتاح عبادة وألبير عطايا وطبعته مطبعة الهلال وثمنه عشرة قروش ويطلب من مكتبتي الهلال والبيان.
كتاب الحساب التجاري والمالي
أجل كتاب ظهر باللغة العربية في هذا الموضوع بل هو الكتاب الفذ في بابه فبارك الله في الأستاذين سليم أمين حداد المدرس بمدرستي المحاسبة والتجارة العليا والمتوسطة ومحمد سعيد القطان المدرس بمدرسة المحاسبة والتجارة المتوسطة إذ سدا بهذا الكتاب النافع ثلمة في العربية كان يجب أن تسد من أزمان والكتاب يعوز العوز كله جميع المشتغلين بالشؤون المالية والتجارية وهذا الجزء الأول منه يقع في ٣٢٠ صفحة مطبوع طبعاً جميلاً على ورق جيد وثمنه ١٥ قرش ويطلب من مكتبتي المعارف والبيان.
السعادة الأبدية
стр. 1298
اسم اختاره الشيخ علي عبد الرحمن الحسيني لصحيفة أسبوعية وعظية على طراز المجلات الشهرية، والشيخ الحسيني رجل مخلص تقي شديد السخط على أهل هذا العصر فهو يبذل ماله وجهده في سبيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأمثال الأستاذ لعمري هم المفلحون، سدد الله خطاه وجزاه الجزاء الذي يستأهله وجعل لصحيفته الإقبال الذي تستحقه.
المستقبل
نعرف من الفاضل سلامة موسى شاباً متعلماً دارساً وهو مع ذلك يمتاز عن كثيرين من أمثاله بالتفكير وصدع قيود التقليد، وهذا معنى يحمل بكل عاقل أن يبتهج به ويتطلب المزيد منه وفي رأينا أن مجتهداً واحداً مخلصاً وإن كان مخطئاً خير من ألف مقلد على صواب. وقد رأى سلامة أفندي أن هناك حاجة إلى صحيفة تنهج بالكتابة والبحث منهجاً جديداً يعود الناس النظر ويتمشي بالحاضر نحو المستقبل ويدخل على المبادئ الشرقية عناصر جديدة من ضروب الإصلاح الغربي - فأنشأ مجلة أسبوعية أسماها المستقبل ظهر منها إلى الآن ثلاثة أعداد.
ونحن فإنا نأخذ على صاحب المستقبل أمرين عدم احتفاله بلغة الكتابة حتى لا يبالي على أية عبارة يقع ولعل هذا من أركان الإصلاح في نظر المستقبل؟. . وثاني الأمرين عدم تقديره للبيئة الشرقية التي يكتب لها كما يجب وكما هو خليق بالمصلح الحكيم.
وإذا كان الشرق بحاجة إلى الإصلاح على النحو الذي يتطلب المستقبل فإن أول واجبات المصلح أن يتدرج في الإصلاح ويسير الهوينا كي يظفر آخر الأمر بالفلج والنجاح والله يسدد خطانا أجمعين.
стр. 1299
الزباء
كان جذيمة الأبرش من أفضل ملوك العرب رأياً، وأبعدهم مغاراً، وأشدهم نكاية، وأظهرهم حزماً. وهو أول من استجمع له الملك بأرض العراق وضم إليه العرب وغزا بالجيوش - وكان به برص فكنت العرب عنه وهابت العرب أن تسميه به وتنسبه إليه إعظاماً له فقالوا جذيمة الوضاح وجذيمة الأبرش - وكانت منازلة فيما بين الحبرة والأنبار وبقة وهيت وناحيتها وعين التمر وأطراف البر إلى الغمير والقطقطانة وخفية وما والاها - وتجبي إليه الأموال وتفد إليه الوفود. وكان غزا طسما وجدياً في منازلهم من جو وما حولهم - وكانت طسم وجديس يتكلمون بالعربية فأصاب حسان بن تبع أسعد أبي كرب قد أغار على طسم وجديس باليمامة فانكفأ جذيمة راجعاً بمن معه - وكان قد اتخذ صنمين يقال لهما الضيزنان: قالوا - ومكان الضيزنين بالحيرة معروف - وكان يستشقى بهما ويستنصر بهما على العدو وكانت إياد بعين أباغ وأباغ رجل من العماليق نزل بتلك العين فكان يغازيهم فذكر لجذيمة غلام من لخم في أخواله من إياد يقال له عدي بن نضر له جمال وظرف فعزاهم جذيمة فبعثت إياد قوماً فسقوا سدنة الصنمين الخمر وسرقوا الصنمين فأصبحا في إياد، فبعثت إلى جذيمة أن صنميك أصبحا فينا زهداً فيك ورغبة فينا فإن أوثقت لنا أن لا تغزونا رددناهما إليك، قال وعدي بن نصر تدفعونه إلى، فدفعوه إليه مع الصنمين فانصرف عنهم وضم عدياً إلى نفسه وولاه شرابه فأبصرته رقاش بنة مالك أخت جذيمة فعشقته وراسلته وقالت يا عدي أخطبني إلى الملك فإن لك حسباً وموضعاً فقال لا اجترئ على كلامه في ذلك ولا أطمع في أن يزوجنيك، قالت إذا جلس على شرابه وحضره ندماؤه فاسقه صرفاً واسق القوم مزاجاً فإذا أخذت الخمرة منه فاخطبني إليه فإنه لن يردك ولن يمتنع عليك فإذا زوجك فأشهد القوم، ففعل الفتى ما أمرته به، فلما أخذت المرة مأخذها خطبها إليه فأملكه إياها فانصرف إليها فأعرس بها من ليلته وأصبح مضرجاً بالخلوق. فقال له جذيمة - وأنكر ما رأى به - ما هذه الآثار يا عدي، قال آثار العرس، قال أي عرس، قال عرس رقاش، قال من زوجكها ويحك، قال زوجنيها الملك، فضرب جذيمة بيده على جبهته وأكب على الأرض ندامة وتلهفاً، وخرج عدي على وجهه هارباً فلم ير له أثر ولنم يسمع له بذكر. وأرسل إليها جذيمة قال:
حدثيني وأنت لا تكذبيني ... أبحر بنيت أم بهجين
стр. 1300
أم بعبد فأنت أهل لعبد ... أم بدون فأنت أهل لدون
فقالت لا بل أنت زوجتي أمراً عربياً معروفاً حسيباً ولم تستأمرني في نفسي ولم أكن مالكة لأمرئ فكف عنها وعرف عذرها، ورجع عدي بن نصر إلى إياد فكان فيهم، فخرج ذات يوم مع فتية متصيدين فرمي به فتى منهم من لهب فيما بين جبلين فتنكس فمات، واشتملت رقاش على حمل فولدت غلاماً فسمته عمراً ورشحته حتى إذا ترعرع عطرته وألبسته وحلته وأزارته خاله جذيمة فلما رآه أعجب به وألقيت عليه منه مقة ومحبة فكان يختلف مع ولده ويكون معهم، فخرج جذيمة متبدياً بأهله وولده في سنة خصبة مكلئة فضربت له أبنية في روضة ذات زهر وغدر وخرج ولده وعمرو مغهم يجتنون الكمأة فكانوا إذا أصابوا كمأة جيدة أكلوها وإذا أصابها عمرو خبأها في حجرته فانصرفوا إلى جذيمة يتعادون وعمرو يقول:
هذا جناي وخياره فيه ... إذ كل جان يده إلى فيه
فضمه إليه جذيمة والتزمه وسر بقوله وفعله وأمر فجعل له حلى من فضة وطوق فكان أول عربي ألبس طوقاً فكان يسمى عمرو ذا الطوق فبينما هو جالس على أحسن حاله إذ استطارته الجن فاستهوته فضرب له جذيمة في البلدان والآفاق زماناً لا يقدر عليه - قالوا - وأقبل رجلان أخوان يقال لهما مالك وعقيل من الشام يريدان جذيمة قد أهديا له طرفاً وأمتعة، فلما كانا ببعض الطريق نزلاً منزلاً ومعهما قينة لهما يقال لها أم عمرو فقدمت إليهما طعاماً فبيناهما يأكلان إذ أقبل فتى عريان شاحب قد تلبد شعره وطالت أظفاره وساءت حاله فجاء حتى جلس ناحية منهما فمد يده يريد الطعام فناولته القينة كراعاً فأكلها ثم مد يده إليها فقالت تعطي العبد الكراع فيطمع في الذراع فذهبت مثلاً، ثم ناولت الرجلين من شراب كان معها وأوكت زقها فقال عمرو بن عدي:
صددت الكأس عنا أم عمرو ... وكان الكأس مجراها اليمينا
وما شر الثلاثة أم عمرو ... بصاحبك الذي لا تصحبينا
فقال مالك وعقيل من أنت يا فتى فقال:
أن تنكراني أو تنكرا نسبي ... فإني أنا عمرو بن عدي
ابن تنوخية اللخمي ... وغدا ما ترياني في نمارة غير معصى
стр. 1301
فنهضا إليه فضماه وغسلا رأسه وقلما أظفاره وأخذا من شعره وألبساه مما كان معهما من الثياب وقالا ما كنا لنهدي لجذيمة هدية أنفس عنده ولا أحب إليه من ابن أخته، قد رده الله عليه بناء فخرجا به حتى دفعا إلى باب جذيمة بالحيرة فبشراه فسر بذلك سروراً شديداً وأنكره لحال ما كان فيه فقالا أبيت اللعن إن من كان في مثل حاله يتغير فأرسل به إلى أمه فمكث عندها أياماً ثم أعادته إليه فقال لقد رأيته يوم ذهب وعليه طوق فما ذهب عن عيني ولا قلبي إلى الساعة فأعادوا عليه الطوق فلما نظر إليه إليه قال شب عمرو عن الطوق فأرسلها مثلاً، وقال لمالك وعقيل حكمكما قالا حكمنا منادمتك ما بقينا وبقيت، فهما ندماناً جذيمة اللذان ضربا مثلاً في أشعار العرب.
وكان ملك العرب بأرض الجزيرة ومشارف الشأم عمرو بن ظرب العمليقي من العماليق، فجمع جذيمة جموعاً من العرب فسار إليه يريد غزاته وأقبل عمرو بن ظرب بجموعة من الشام فالتقوا فاقتتلوا قتالاً شديداً فقتل عمرو ابن ظرب وانفضت جموعه وانصرف جذيمة بمن معه سالمين غانمين - ثم ملكت من بعد عمرو ابنته الزباء ومان جنودها بقايا من العماليق والعاربة الأولي وقبائل فضاعة - وكان للزباء أخت يقال لها زبيبة فبنت لها قصراً حصينا على شاطئ الفرات الغربي وكانت تشتو عند أختها وتربع ببطن النجار وتصير إلى تدمر - فلما أن استجمع لها أمرها واستحكم لها ملكها أجمعت لغزو جذيمة تطلب بثار أبيها فقالت لها أختها زبيبة وكانت ذا رأي ودهاء وإرب يا زباء إنك إن عزوت جذيمة فإنما هو يوم له ما بعده أن ظفرت أصبت ثارك وإن قتلت ذهب ملكك والحرب سجال وعثراتها لا تستقال وإن كعبك لم يزال سامياً على من ناواك وساماك ولم تري بؤساً ولا غيراً ولا تدرين لمن تكون العاقبة وعلى من تكون الدائرة - فقالت لها الزباء قد أديت النصيحة وأحسنت الروية وإن الرأي السديد ما رأيت والقول ما قلت فانصرفت عما كانت أجمعت عليه من غزو جذيمة ورفضت ذلك وأتت أمرها من وجوه الختل والخدع والمكر فكتبت إلى جذيمة تدعوه إلى نفسها وملكها وأن يصل بلاده ببلادها وكان فيما كتبت به: إنها لم تجد ملك النساء إلا إلى قبيح في السماع وضعف في السلطان وقلة ضبط المملكة وأنها لم تجد لملكها موضعاً ولا لنفسها كفؤاً غيرك. فأقبل إلى فاجمع ملكي إلى ملكك وصل بلادي ببلادك وتقلد أمري مع أمرك. فلما انتهى كتاب الزباء إلى جذيمة وقدم عليه رسلها استخفه
стр. 1302
ما دعته إليه ورغب فيما أطعمته فيه وجمع إليه أهل الحجي والنهي من ثقات أصحابه وهو ببقة من شاطئ الفرات فعرض عليهم ما دعته إليه الزباء واستشارهم في أمره فأجمع رأيهم على أن يسير إليها ويستولي على ملكها - وكان فيهم رجل يقال له قصير بن سعدو كان سعد تزوج أمه لجذيمة فولدت له قصيراً وكان أريباً حازماً أثيراً عند جذيمة ناصحاً فخالفهم فيما أشاروا به عليه وقال رأى فاتر وغدر حاضر فذهبت مثلاً - وقال لجذيمة أكتب إليها فإن كانت صادقة فلتقبل إليك وإلا لم تمكنها من نفسك ولم تقع في حبالها وقد وترتها وقتلت أباها فلم يوافق جزيمة ما أشار به عليه قصير فقال قصير:
إني امرؤ لا يميل العجز ترويتي ... إذا أتت دون شيء مرة الوذم
فقال جذيمة لا ولكنك امرؤ رأيك في الكن لا في الضح فذهبت مثلاً، فدعا جذيمة ابن أخته عمرو بن عدي فاستشاره فشجعه على المسير وقال إن نمارة قومي مع الزباء ولو قدروا لصاروا معك فأطاعه وعصى قصيراً فقال قصير لا يطاع لقصير أمر - واستخلف جذيمة عمرو بن عدي على ملكه وسلطانه وجعل عمرو بن عبد الجن الجري معه على خيوله وسار في وجوه أصحابه فأخذ على الفرات من الجانب الغربي فلما نزل الروضة دعا قصيراً فقال ما الرأي فقال ببقة خلفت الرأي فذهبت مثلاً واستقبلته رسل الزباء بالهدايا والألطاف فقال يا قصير كيف ترى قال خطر يسير في خطب كبير فذهبت مثلاً وستلقاك الخيول فإن سارت أمامك فإن المرأة صادقة وإن أخذت جنبيك وأحاطت بك من خلفك فإن القوم غادرون فاركب العصا - وكانت فرساً لجذيمة لا تجاري - فإني راكبها ومسايرك عليها فلقيته الخيول والكتائب فحالت بينه وبين العصا فركبها قصير ونظر إليه جذيمة مولياً على متنها فقال ويل أمة حزماً على ظهر العصا فذهبت مثلاً فقال يا ضل ما تجري به العصا وجرت به إلى غروب الشمس ثم نفقت وقد قطعت أرضاً بعيدة فبنى عليها برجاً يقال له برج العصا - وسار جذيمة وقد أحاطت به الخيول حتى دخل على الزباء فلما رأته تكشفت فإذا هي مضفورة الأسب فقالت يا جذيمة أدأب عروس ترى فذهبت مثلاً فقال بلغ المدى وجف الثرى وأمر غدر أرى فقالت أما وإلهي ما بنا من عدم مواس ولا قلة أواس ولكنه شيمة من أناس فذهبت مثلاً. وقالت إني أنبئت إن دماء الملوك شفاء من الكلب ثم أجلسته على نطع وأمرت بطست من ذهب فأعدته له وسقته من الخمر حتى أخذت مأخذها
стр. 1303
منه وأمرت براهشيه فقطعا وقدمت إليه الطست وقد قيل لها أن قطر من دمه شيء في غير الطست طلب بدمه. وكانت الملوك لا تقتل بضرب الأعناق إلا في قتال تكرمة للملك فلما ضعفت يداه سقطتا فقطر من دمه في غير الطست فقالت لا تضيعوا دم الملك فقال جذيمة دعوا دما ضيعه أهله فذهبت مثلاً فهلك جذيمة واستنشقت الزباء دمه فجعلته في برس قطن في ربعة لها وخرج قصير من الحي الذي هلكت العصابين أظهرهم حتى قدم على عمرو بن عدي وهو بالحيرة فقال له قصير أداء أم ثائر قال لا ثائر سائر فذهبت مثلاً وافق قصير الناس وقد اختلفوا فصارت طائعة منه مع عمرو بن عبد الجن الجرمي وجماعة منهم مع عمر بن عدي فاختلف بينهما قصير حتى اصطلحا وانقاد عمرو بن عبد الجن لعمرو بن عدي ومال إليه الناس فقال قصير لعمرو ابن عدي تهيأ واستعد ولا تطل دم خالك قال وكيف لي بها وهي أمنع من عقاب الجو (فذهبت مثلاً) وكانت الزباء سألت كاهنة لها عن أمرها وملكها فقالت أرى هلالك بسبب غلام مهين غير أمين وهو عمرو بن عدي ولن تموتي بيده ولكن حتفك بيدك ومن قبله ما يكون ذلك فحذرت عمر أو اتخذت تفقاً من مجلسها الذي كانت تدلس فيه إلى حصن لها داخل مدينتها وقالت إن فجأني أمر دخلت النفق إلى حصني ودعت رجلاً مصوراً أجود أهل بلادها تصوير أو أحسنهم عملاً لذلك فجهزته وأحسنت إليه وقالت له سرحتي تقدم على عمرو بن عدي متنكراً فتخلو بحشمة وتنضم إليهم وتخالطهم وتعلمهم ما عندك من العلم بالتصوير والثقافة له ثم أثبت عمرو بن عدي معرفة وصوره جالساً وقائماً وراكباً ومنفصلاً ومتسلحاً بهيئته ولبسته وثيابه ولونه فإذا أحكمت ذلك فأقبل إلى فانطلق المصور حتى قدم على عمرو وصنع الذي أمرته به الزباء وبلغ ما أوصته به ثم رجع إليها بعلم ما وجهته له من اصور على ما وصفت له وأرادت أن تعرف عمرو بن عدي فلا تراه على حال إلا عرفته وحذرته وعلمت علمه فقال قصير لعمرو بن عدي أجدع أنفي وأضرب ظهري ودعني وإياها فقال عمرو ما أنا بفاعل وما أنت لذلك بمستحق مني، فقال قصير خل عني إذا وخلاك ذم فذهبت مثلاً، قال ابن الكلبي كان أبو الزباء اتخذ النفق لها ولأختها وكان الحصن لأختها في داخل مدينتها، قال فقال له عمرو فأنت أبصر فجدع قصير أنفه وأثر بظهره ثم خرج كأنه هارب وأظهر أن عمراً فعل به ذلك وأنه يزعم أنه مكر بخاله جذيمة وغره من الزباء فسار قصير حتى قدم
стр. 1304
على الزباء فقيل لها أن قصيراً بالباب فأمرت به فدخل عليها فإذا أنفه قد جدع وظهره قد ضرب فقالت ما الذي أرى يا قصير فقال زعم عمرو بن عدي أني غررت خاله وزينت له السير إليك وغششته وما لأنك عليه ففعل ما ترين فأقبلت إليك وعرفت أني لا أكون مع أحد هو أثقل عليه منك فألطفته وأكرمته وأصابت عنده بعض ما أرادت من الحزم والرأي والتجربة والمعرفة بأمور الملوك فلما عرف أنها قد استرسلت إليه ووثقت به قال لها أن لي بالعراق أموالاً كثيرة وبها طرائف وتياب وعطر فابعثيني إلى العراق لأحمل مالي وأحمل إليك من بزوزها وطرائف ثيابها وصنوف ما يكون بها من الأمتعة والطيب والتجارات فتصيبين في ذلك أرباحاً عظاماً وبعض مالا غنى بالملوك عنه فإنه لا طرائف كطرائف العراق فلم يزل يزين لها ذلك حتى سرحته ودفعت معه عيراً فقالت انطلق إلى العراق فبع بها ما جهزناك به واتبع لنا من طرائف ما يكون بها من الثياب وغيرها فسار قصير بما دفعت إليه حتى قدم العراق وأتي الحيرة متنكراً فدخل على عمرو بن عدي فأخبره وقال جهزني بالبز والطرف والأمتعة لعل الله يمكن من الزباء فتصيب ثأرك وتقتل عدوك فأعطاه حاجته وجهزه بصنوف الثياب وغيرها فرجع بذلك كله إلى الزباء فعرضه عليها فأعجبها ما رأت وسرها ما أتاها به وازدادت به ثقة وإليه طمأنينة ثم جهزته بعد ذلك بأكثر مما جهزته في المرة الأولى فسار حتى قدم العراق ولقي عمرو بن عدي وحمل من عنده ما ظن أنه موافق للزباء ولم يترك جهداً ولم يدع طرفة ولا متاعاً قدر عليه إلا حمله إليها ثم عاد الثالثة في العراق فأخبر عمراً وقال اجمع لي ثقات أصحابك وجندك وهيء لهم الغرائر والمسوح - قال ابن الكلبي وقصير أول من عمل الغرائر واحمل كل رجلين على بعير في غرارتين واجعل معقد رؤوس الغرائر من باطنها فإذا دخلوا مدينة الزباء أقمتك على باب نفقتها وخرجت الرجال من الغرائر فصاحوا بأهل المدينة فمن قاتلهم قتلوه وإن أقبلت الزباء تريد النلق جللتها بالسيف ففعل عمرو بن عدي وحمل الرجال في الغرائر على ما وصف له قصير ثم وجه الإبل إلى الزباء عليها الرجال وأسلحتها فلما كانوا قريباً من مدينتها تقدم قصير إليها فبشرها وأعلمها كثرة ما حمل إليها من الثياب والطرائف وسألها أن تخرج فتنظر على قطرات تلك الإبل وما عليها من الأحمال فإني جئت بما صاء وصمت فذهبت مثلاً. وقال ابن الكلبي وكان قصير يكمن النهار ويسير الليل وهو أول من
стр. 1305
كمن النهار وسار الليل - فخرجت الزباء فأبصرت الإبل تكاد قوائمها تسوخ في الأرض من ثقل أحمالها فقالت يا قصير:
ما للحمال مشيها وئيداً ... أجندلا يحملن أم حديداً
أم صرفانا بارداً شديدا
فدخلت الإبل المدينة حتى كان آخرها بعير أمر على بواب المدينة وهو نبطي بيده منخسة فنخس بها الغرائر التي تليه فأصابت خاصرة الرجل الذي فيها فند منه شيء فقال البواب بالنبطية بشتا بسقا يعني بقوله بشتا بسقا في الجوالق شر وأرعب قلباً فذهبت مثلاً فلما توسطت الإبل المدينة أنيخت ودل قصير عمراً على باب النفق قبل ذلك وأراه إياه وخرجت الرجال من الغرائر وصاحوا بأهل المدينة ووضعوا فيهم السلاح وقام عمرو بن عدي على باب النفق وأقبلت الزباء مولية مبادرة تريد النفق لتدخله وأبصرت عمراً قائماً فعرفته بالصورة التي كان صورها لها المصور فمصت خاتمها وكان فيها سم وقالت بيدي لا بيدك يا عمرو فذهبت مثلاً وتلقاها عمرو بن عدي فجللها بالسيف فقتلها وأصاب ما أصاب من أهل المدينة وانكفأ راجعاً إلى العراق.
стр. 1306
القلب الكسير
للكاتب الأميركي واشنطن لوفنج حذق في الصوف، ومهارة في التأثير وخبرة عريضة بمواضع الضعف من القلوب البشرية، وعلم جم بعواطف الناس وآلامهم ووجدناتهم، فهو يودع كل ما يكتب عقله وقلبه، حتى لتقرأ له أجف مقالاته وأخشن رسالاته، فلا ترى بين أثناء كلماتها، وأضعاف فقرها، إلا كلمة حكيمة، أو دمعة مستهلة، أو ضحكة مفترة، أو فكاهة عذبة.
وليس أرفنج بعد بالروائي الصنع الذي يجيد حبك الرواية، ويملؤها بالأسرار المشوقة، والحوادث الغريبة، والألغاز العجيبة، ويدخل عليها من سرقات اللصوص، وتجسسات الشرط، وفضائح العشق، وغير ذلك مما ترى في الروايات الفرنسية والإنجليزية الموضوعة لتفكهة العامة، وكما تشاهد في أغلب الروايات التي تقذف بها المطابع في كل يوم مع صحف الغرب ومجلاته فلا ينتظرن القارئ من أرفنج روائياً على نحو كونان دويل وهول كاين وديماس، فإن الرجل يخاف على القارئ الملل والسآمة، فيصوغ خواطره وآراءه في أسلوب روائي، على قدر الطاقة، يحشد له فيها من فلسفته وحكمته وبدائع آرائه على مثال ما يكتب فطاحل الروائيين الغربيين في هذا العصر.
وإلى القراء قصة له صغيرة سماها القلب الكسير، وصف فيها قلب المرأة إذا كسرته الخيبة في الحب، وأرسل فيها العنان لخواطره، وأفاض في فلسفة الحب ومواقعه من قلوب الرجال والنساء. وجاء في آخر آرائه بقصة مؤثرة مبكية مستثيرة، وهي معدودة من أول حسنات أرفنج، وأبدع ما خط قامه. . قال أرفنج.
جرت العادة عند أولئك الذين جاز بهم العمر حد الشباب وحرارته، والذين نشؤا في بهجة الحياة المبددة، وفرحة العيشة اللاهية، لا قلوب لهم تنبض وتحقق، ولا أفئدة تحسن وتشعر، أن يضحكوا من قصص الحب ورواياته، ويسخروا من حادثات الهوى وحكاياته، ويقولوا تلك أساطير خيالي، وتلك تلفيقات روائي، وتلك أغاليط شاعر، أما أنا فقد علمتني مشاهداتي لطبائع الناس وملاحظاتي أن أرى غير رأيهم، وأذهب غير مذهبهم وأعتقد أنه مهما برد أديم الخلق من هموم الدنيا، وجلد من أمور المعاش، ومتاعب الحياة، وتلقن الابتسامات والضحكات من تكاليف الناس، ومصطلحات الجماعة، فما يزال في أعماق ذلك القلب الجليد نيران هاجعة خافية، لا تكاد تشعل حتى تستمر وتضطرم وقد يكون من
стр. 1307
ضرامها الويل والعذاب.
أجل إني لأصدق الناس إيماناً بذلك الآلة الأعمى وإني لأمضي في إيماني به إلى أقصى غاياته، وأسترسل في تصديقي بتعاليمه إلى أبعد درجاته فهل تريدون أن أسوق إليكم اعترافي يا معاشر القراء - بلى إني لا أومن بوجود قلوب كسيرة، وأفئدة جرحى، وأكباد حرى، وأصدق باحتمال حدوث الموت من الحب الخائب، والحتف في الغرام الضائع، على حين لا أظنه في كل حال داء في الرجال قتالاً، وإن كنت على يقين أن الحب كم ذوي من غادة فتانه، وكم هبط بشابه حسناء إلى ما جون الجنادل والصفائح.
وتعلم أنت أن الرجل منا مخلوق اللذة والطمع. تدفعه طبيعته إلى معترك العالم وضوضائه وجلبته. فليس الحب منه إلا زين شبابه وحليته. بل إن هو إلا مثل أنشودة تعزف. وأغنية بها يصدح ويهتف. بين فترات الفصول وفسحاته. يطمح بعينيه إلى طيب الذكر. ويمد طرفه إلى حسن القالة. ويجد للثراء والنضراء. ويطلب له مكاناً في عقل العالم وذاكرته. ويربغ سياد \ ة على الناس ورفعة شأن.
وأما جميع حياة المرأة فتاريخ عواطفها ووجداناتها. عالمها. قلبها. ودنياها. كبدها. طماعيتها أن تنشيء على هذا العالم دولة. وتقيم على عرش هذه الدنيا مملكة ومطمحها أن تفتش في ثناياه عن خبأ الكنوز. وتثير منه هاجع الدفائن فهي لهذا تبعث بعواطفها مخاطرة ومجازفة. وتنفذ جميع روحها إلى متجر الحب وسوقه. فإذا غرقت تجارتها. واحتوى الماء بضاعتها فأكبر ببلواها من بلوى. وأسوئ بعقباها من عقبي، وحسبك أنه إفلاس القلب. وخراب الفؤاد.
وخيبة الرجل في الحب قد تحدث له آلاماً مرة، ومواجع محرقة، وقد تجرح منه أماكن الرقة، وتدمي منه بعض مواقع البشاشة والوداعة، وتذبل بعض مشام السعادة ووجوهها. ولكنه بعد ما أن يزال مخلوقاً قوياً نشيطاً، يستطيع أن يقذف بأفكاره في زوبعة العمل والجهد، أو يتوارى تحت لج اللهو، وينغمس في مد الملذة والقصف، فإذا برح به الألم لرؤية المكان الذي خاب فيه حبه، واشتدت به اللواعة لمشارفة الموضع الذي فقد فيه قلبه، فليغادر إذا ما شاء مقامه، وليخف من بيته محمله ويستعير كما يقولون أجنحة الصبح، طائراً إلى أنأى أطراف الأرض، مخلداً حيث أقام إلى الراحة والسكون.
стр. 1308
وحياة المرأة أن تدبرتها وقارنت بينها وبين حياة الرجل، وجدتها حياة سكون واحتجاب واعتزال وتفكير، وهي أكثر من الرجل متابعة لأفكارها، ومسايرة لمشاعرها، ومصاحبة لعواطفها. فإذا انقلبت رسل حزن، وحلفاء شجن، فليت شعري أين تجد المرأة عزامها، وأين تطلب سلواها؟.
لقد كان نصيبها أن تغازل فتكسب، وتداعب فتطلب، فإذا طاش سهمها في حبها، ولقيت من الغرام نكبة، وعانت من الهوى برحا فعمرك الله، ما أشبه حالها بحصن أغير عليه، فسلب ونهب. ثم ترك مكاناً خالياً، وهجر قاعاً صفصفاً.
كم من عيون مشرقة زاهية انطفأت، وكم من خدود ناعمة أثيلة أصفرت وكم من حسان ذوت، وكم من قدود هيفاء قضب، لا يعلم إلا الله ما سبب ذبول حسنهن، وانطفاء بهائهن، وكما تضم الورقاء جناحيها إليها، فتخفي السهم الذي يبري في عظامها، ويتغلغل في جوانحها. فكذلك كانت طبيعة المرأة أن تخفي عن العالم آلام حبها المجروح، وغرامها الدامي، وما حب المرأة إلا حليف الحياء ظهير الصمت والسكون، فهي وإن نعمت به وسعدت، لا تكاد تصعد به أنفاسها وترفع به إلى أحد زفراتها، وإن هي يئست به وابتأست حملته في زوايا صدرها، وتركته هناك منزوياً مختفياً بين أطلال سعادتها ودوارس هنائها.
لقد خابت بخيبتها أمنية القلب، ومشتهى النفس، وضاعت بهجة الحياة، وانقضت مسرة الوجود تتجنب الملاهي البهيجة، وتترك الملاعب الموجدة للروح المقوية لخفقات القلب، الباعثة مد الحياة في مجاري الأعصاب والأعراق.
تلقاء المضجع، نابية المرقد، مضطربة السرب، مشتتة الراحة، امتزج نومها الحلو الهنيء بسم الأحلام المحزنة، والخيالات المبكية، يمتص دمها حزنها الجاف، حتى يهوى جسمها الضعيف الواهي تحت أخف الطوارق والعوارض، ثم انظر بعد ذلك إليها، تجد الصداقة مرسلة عيونها فوق قبرها، ساكبة مدرار عبراتها فوق ضريحها، مولهة حيرى تعجب للتي كانت بالأمس مشرقة بكل ضياء فوق ضريحها، مولهة حيرى تعجب للتي كانت بالأمس مشرقة بكل ضياء الصحة، متألقة بكل سنا الجمال، أن تشيع بهذه السرعة إلى موطن الظلمات والديدان!.
وعسيت تسمع منهم أنها قضت أثر برد شديد، وهوت من توعك عارض، ولكنهم لا
стр. 1309
يعلمون بذلك الداء الروحاني الدفين، الذي كان من قبل العارض يشرب من صحتها، ويحسو من دمها، حتى جعلها غنيمة ذلولاً لمناسر الموت ومخالبه.
ليت شعري، أن مثلها كمثل شجرة فينانة يانعة، كانت زينة الأجمة، وفخر الحرش، وبهاء الغابة، حسناء المنظر، بهيجة الورق، ممددة الفنن ولكن في جوفها يسرح الدود، ويأكل الأرض، وإذ ذاك لا تلبت أن تجدها قد ذبلت فجاءة وتداعت، وكنا نترقب أن تصبح أينع ما تكون مظهراً، وأنضر ما تكون فرعاً، وأبهى ما تكون غصناً، ولا ننشب أن نرى منها أفناناً مهصورة. وورقاً منتثراً، وعناء مبدداً متساقطاً، حتى إذا اضمحلت وتآكلت، رأيناها ساقطة في سكون الغاب وهدوئه، وإنا لنقف بأطلالها البالية، ونروح على شرف من بقاياها الهاوية، نحاول عبثاً أن نذكر أية صاعقة انقضت عليها، وأية ريح بارح عصفت بها فجعلتها كما أرى أثراً عافياً.
ولقد رأيت من النساء كثيرات، يأخذن في الضعف، ويسترسلن في الفتور والإهمال، حتى يختفين من هذا العالم، ويرتحلن عن هذه الأرض، وكأني بهن أنفاس مرتفعة إلى السماء، أو دخان متصاعد إلى القبة الزرقاء، وكنت أعود كل حين فأتصور أني قادر على اقتفاء سبب موتهن، بين عديد الأمراض والمهالك من سل، أوبرد، أو نحول، أو سوداء، حتى أهتدى خر ذلك إلى أول عوارض الحب الخائب، وأمارات العشق الضائع.
وقد نبئت في هذه الأيام بحادثة من هذا القبيل، انتشر أمرها في البلد الذي وقعت فيه وذاع، وها أنا أقص عليكم تفاصيلها، وأتلو عليكم من نبئها كما قد نليت على، لا زيادة عندي ولا نقصان.
كلكم لابد يذكر قصة الفتى أ. . . . ذلك الإيرلندي الوطني الأشم، إذ هي من التأثير بحيث لا تنسى ولا تبلى.
في خلال الفتن والهزاهز التي كانت قائمة في إيرلندا على ساقها وقدمها، رفعوه إلى القضاة يحكمون في أمره وقد اتهم بالانشقاق على الحكومة، والخروج على جلالة الملك، فما كان من قضائه إلا أن حكموا عليه بالموت، ودفعوا به إلى المقصلة. وكان لمقتله أثر كبير في النفوس، وأسى بليغ في الأفئدة، إذ كان فتى في طراءة الشباب، وكان جواداً في عنفوان الجود، وكان ذكياً في غلواء الذكاء، وكان نجداً في ريعان النجدة وكان على كل الصفات
стр. 1310
والخلال التي تستحب في الفتيان، وتحمد من الأحداث من الرجال.
وكان أيام المحاكمة أربط ما يكون جأشاً، وأثبت ما يكون جناناً، وأحمى ما يكون آنفاً، وإن الحدة الشريفة التي خلع بها عنه أمام القضاء تهمة الخيانة، والعزة التي نطق بها اسمه، والاسترحام الذي جهر به إلى الأجيال المقبلة في تلك الساعة العصيبة، كل هذه نفذت إلى صميم كل قلب كريم، وتغلغلت في أثناء كل صدر رحيم، حتى لقد بكاه أعداؤه، ولهف عليه أخصامه، وأشفقوا من تلك السياسة المتجهمة العابسة التي أملت الحكم بإعدامه.
ولكن هناك قلباً واحداً، أين لأبلغ الأقلام أن يصف ما كان يكابد من حرقة وألم، ويعالج من تفتيت وتعذيب.
كان في أيام رخائه الأولى، وعهود نعمته الماضية، قد وقع حبه من فؤاد فتاة حسناء عذبة المحضر، كان أبوها محامياً في قومه مسموع الاسم، نايه الذكر، أحبته ذلك الحب الحار الخالص أول حب المرأة في شبابها، ولشد ما كان حبها، وأحر ما كان وجدها، وأعظم ما كانت لآلامه آلامها يوم حفت به التهلكة، وسددت إليه عبر الدنيا، ووجهت إليه سهام الأقاويل، وأدبر من زمانه ما كان مقبلاً، وهوي من نجوم سعده ما كان متألقاً مسفراً وأحدق باسمه العار والخطر، وإذا كان مصابه قد أثار هاجع الرحمة في قلوب الأعداء، فليت شعري ماذا يكون مبل عذاب تلك التي كانت جميع روحها متوجهة قبل صورته.
ألا فليقل لك أولئك الذين حالت أبواب القبر وصفائحه. بينهم وبين أعز الناس في الدنيا عليهم. وأحب الخلق إلى نفوسهم. أولئك الذين جلسوا على وصيد المقبرة وعتبتها. كمن ترك في العالم وحيداً، قد تولى عنه أحبابه، وارتحل عنه أصحابه.
وأي عزاء تري يشفع لأهوال ذلك القبر. وفضيحة ذلك الموت، وعار ذلك الرحيل، ولم يصيح في الذكرى ما يختلف من لوعة الفراق، أو يذيب الحزن عبرات، ويبعث الأسى دموعاً، كقطرات الندى من جفون السماء تحيي به القلب الكسير والفؤاد الموجع، في ساعة الرحيل المحرقة المؤلمة؟.
ولقد زاد عذابها، وأكبر مصلبها، أن حبها لم يكن عن رضى من أبيها ولا عن مسرة، ولذاك لفظها أبوها من رحمته، ونفاها من حظيرته. وطردها من سقفه وكنفه. ولو استطاعت رحمة الأصحاب، وإعانات الأحباب. وعطايا الأصدقاء، أن تغني عن هذه الروح المنكوبة
стр. 1311
المبتلاة، إذن لما أعوزتها بلوى ولا عز عليها عزاء، لأن الإيرلنديين قوم بر ورحمة، وأهل عطف وحنان.
وكذلك وجدت من مسير الأسر الغنية. والعشائر الكريمة، أرقى صنوف الإكرام، وأعذب ضروب الرحمة، ساقوها إلى ندواتهم ومجتمعاتهم واحتالوا بكل أنواع الملاهي والمناعم أن يبددوا عنها حزنها، ويبعدوها عن قصة حبها، وذكرى نكبتها. فما أجدى كل ذلك نفعاً. فإن من المصائب ما يسحق القلب، ويحرق الروح، وينفذ إلى منبت السعادة فيهشمه، حتى ما يخرج من بعدها زهراً ولا كمأ، وهي لم تكن تمانع في غشيان أماكن اللهو، ومواطن السرور، ولكنها كانت فيها كأوحد ما تكون في أغوار العزلة والانفراد، تمشي وتخطر بينهم تائهة في حلم محزن. كأنها لا تشعر بما حولها لا تعلم. تحمل معها شجناً، يسخر من كل مداعبات الصداقة وملقها وعذب كلماتها، ولا يحفل بأنشودة المنشد، وإن لم يصدح من قبل بأحسن مما صدح وأطرب.
وقد رآها من قص على قصتها في حفلة راقصة، وأنت فلو التقيت بمظهر بؤس، ورهين شقاه، في حفل كهذا لا ترى فيه إلا راقصين وماجنين ولاعبين، إذن لكان منظره أبلغ في قلبك أثراً. وأمضي لموضع الرحمة منك حسرة ولهفاً. هناك إذ تجده طائفاً هائماً كالروح الشاردة، وحيداً لا فرح يملك لنفسه، وإن كان كل ما حوله في فرح. إذ تراه مشتملاً في حلل اللهو متجملاً في ثياب الطرب والمراح، وإن كان يلوح ضعيفاً شاحباً حزيناً. كأنما قد حاول عبثاً أن يخدع قلبه الكسير في لحظة نسيان، وبرهة تناس لأشجان.
خطرت في الحجرات الفخمة الأنيقة، ومشت بين الجمع المزد هي المتماوج وعليها تبدو أمارات الذهول، ثم جاءت فجلست عند درج الموسيقى. ودارت بعينها مبهوتة: انها لا تشعر بما حولها من زينة ومبهجة. وأخذها ما يأخذ كل قلب مريض من التحول والانقلاب. فأنشأت تغني نعمة شجية محزنة. وكانت ذات صوت عذب رخيم، ولكن كان في تلك الساعة سهلاً مؤثراً. كأنما كانت تصعد مع أنفاسها روح البؤس. وأنفاس الشفاء. والنف الجمع حولها صامتين. يسفحون الدموع ويسكبون العبرات.
وقصة فتاة كهذه صادقة الحب. رقيقاً القلب. تثير الاهتمام والعناية في بلد اشتهر بالحمية. وعرف بالحماسة والغيرة، فما عتمت أن وقعت من قلب ضابط شجاع. جعل يظهر لها
стр. 1312
دلائل الحب وجعل يرى أن من كانت مثلها وفيه للميت. لابد أن تروح ودوداً للحي، ولكنها رفضت سؤاله، إذ كانت جميع أفكارها سابحة في ذكرى حبيبها الأول. على أنه أصر على رجائه وألحف في سؤاله. واستشفع إليها من ناحية مكانتها. لا من ناحية فؤادها ورقتها. وأعانه على سؤله اعتقادها بفضله. وشعورها بسوء حالها. وضيق ذات يدها. إذ كانت تعيش من عطف الأصدقاء، وحدب الخلصاء. وجملة القول إنه فاز أخيراً بيدها وإن علم أن قلبها نصيب غيره. لا تحويل لذل ولا تبديل.
ورحل بها إلى صقلية. وهو يعلل النفس بأن تغيير المناظر والمعاهد قد يمحو من فؤادها ذكرى أحزانها الأولى. وكانت له زوجة محبوبة وكانت معه قدوة للزوجات. وقد حاولت فما استطاعت أن تكون ناعمة البال. رخية العيش. وأي دواء يداوي ذلك الحزن الصامت القاتل. الذي بلغ صميم الروح. واستقر في أعماق النفس، وبدأت تهزل وتضمحل وتفتر فتوراً ضعيفاً بطيئاً. حتى هبطت إلى القبر ضحية قلب كسير.
وقد بكاها الشاعر الإيرلندي مور بهذه الأسطر الآتية:
لقد أصبحت بعيدة عن الأرض التي يهجع عندها حبيبها الفتى يرسل حولها العشاق حار الزفرات. وساخن التنهدات. وهي تغضى عنهم نظرها وتسترسل في البكاء والنحيب. لأن قبر حبيبها يرقد فؤادها.
وإنها لتغني أناشيد بلادها وتصدح بأغاني قومها. وتذكر كل نغمة كان يحب وكل لحن كان يؤثر. فواها لها. إنهم ليتهيجون بأغاريدها ويطربون لنشائدها ولا يعلمون أن قلب المغنية جريح. وفؤاد المنشدة كسير.
عاش لحبه. ومات لبلده. وما أدرجوه إلا في أكفان الحياة فلن تجف عليه دموع قومه. ولن يطل مكث حبيبته بعده.
إلا فاجعلوا قبرها عند مطلع الشمس. ومشرق الضياء. ومبعث النور ليسطع في الصبح البهي فوق مضجعها. يحييها بابتسامة من جزيرة حزنها. . .
стр. 1313
نوادر وملح وفكاهات
سأل رجل عمر بن فنن عن الحصاة من حصى المسجد يجدها الإنسان في ثوبه أو خفه أو جبهته قال له إرم بها فقال الرجل زعموا أنها تصيح حتى ترد إلى المسجد قال دعها تصيح حتى ينشق حلقها قال الرجل أو لها حلق قال فمن أين تصيح - أنت جارية أبا ضمضم فقالت إن هذا قبلني فقال قبليه فإن الله يقول والجروح قصاص - حدث السندي بن شاهك قال بعث إلي المأمون بريداً وأنا بخراسان فطويت المراحل حتى أتيت باب أمير المؤمنين وقد هاج بي الدم فوجدته نائماً فأعلمت الحاجب بقصتي وقدمت إليه عذري وما هاج بي من الدم فانصرفت إلى منزلي فقلت أحضروا لي الحجام قالوا هو محموم قلت هاتوا حجاماً غيره ولا يكن فضولياً فأتوني به فما هو إلا اندارت يده على وجهي حتى قال جعلت فداك هذا وجه لا أعرفه فمن أنت قلت السندي بن شاهك قال ومن أين قدمت فإني أرى أثر السفر عليك قلت من خراسان قال وأي شيء أقدمتك قلت وجه إلى أمير المؤمنين بريداً ولكن إذا فرغت سأخبرك بالقصة على وجهها قال وتعرفني بالمنازل والسكك التي جئت عليها قلت نعم قال فما هو إلا أن فرغ حتى دخل رسول أمير المؤمنين ومعه كركي فقال إن أمير المؤمنين يقرئك السلام وهو يعذرك فيما هاج بك من الدم وقد أمرك بالتخلف في منزلك إلى أن تغدو عليه إن شاء الله ويقول ما أهدى إلينا اليوم غير هذا الكركي فشأنك به قال فالتفت السندي إلى جلسائه فقال ما يصنع بهذا الكركي فقال الحجام يطبخ سكباجا قال السندي يصنع كما قال وحلف على الحجام أن لا يبرح فحضر الغداء فتغدينا قال ثم قلت يعلق الحجام من العقبين ثم قلت جعلت فداك سألتني عن المنازل والسكك التي قدمت عليها وأنا مشغول في ذلك الوقت وأنا أقصها عليك فاستمع خرجت من خراسان وقت كهذا فنزلت كذا يا غلام أوجع فضربه عشرة أسواط ثم قلت وخرجت منه إلى مكان كذا يا غلام أوجع فضربه عشرة أسواط ثم قلت وخرجت منه إلى مكان كذا يا غلام أوجع فضربه عشرة أخرى ولم يزل يضربه لكل سكة عشرة حتى انتهى إلى سبعين سوطاً فالتفت إلى الحجام وقال يا سيدي سألتك بالله إلى أين تريد أن تبلغ قلت إلى بغداد قال لست تبلغ حتى تقتلني قلت فأتركك إلى أن لا تعود قال والله لا أعود أبداً قال فتركته وأمرت له بسبعين درهماً فلما دخلت على المأمون أخبرته الخبر قال وددت أنك بلغت به إلى أن تأتي على نفسه.
стр. 1314
حدث الأصمعي قال ولي رجل قضاء الأهواز فأبطأت عليه أرزاقه وليس عنده ما يضحي به ولا ما ينفق فشكا ذلك إلى امرأته وأخبرها ما هو فيه من الضيق وأنه لا يقدر على أضحية فقالت له لا تغنم فإن عندي ديكا عظيماً قد سمنته فإذا كان يوم الأضحى ذبحناه فبلغ جيرانه الخبر فأهدوا له ثلاثين كبشاً وهو في المصلى لا يعلم فلما صار إلى منزله ورأى ما فيه من الأضاحي قال لامرأته من أين هذا قالت أهدى لنا فلان وفلان وفلان حتى سمعت له جماعة فقال لها يا هذه تحفظي بديكنا هذا فلهو أكرم على الله من إسحق بن إبراهيم إنه فدى ذلك بكبش واحد وفدي ديكنا هذا بثلاثين كبشاً.
سأل رجل أشعب أن يسلفه ويؤخره فقال هاتان حاجتان فإذا قضيت لك إحداهما فقد أنصفت قال الرجل رضيت قال فأنا أؤخرك ولا أسلفك.
قيل لأشعب لو أنك حفظت الحديث حفظك هذه النوادر لكان أولى بك قال قد فعلت قالوا له فما حفظت من الحديث قال حدثني نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال من كان فيه خصلتان كتب عند الله خالصاً مخلصاً قالوا إن هذا حديث حسن فما هاتان الخصلتان قال نسي نافع واحدة ونسيت أنا الأخرى.
стр. 1315
العدد ١٩ - بتاريخ: ٣١ - ٧ - ١٩١٤
стр. 1316
الجلال والجمال
الفصل السابع
الكلام على الجليل
كل ما من شأنه أن يهيج في النفس وجدانات الألم والخوف، أو بعبارة أخرى كل ما كان رهيباً بصورة ما، أو كان له ارتباط بأشياء رهيبة، أو كان يؤثر في النفس مثل تأثير الرعب، فهذا مصدر من مصادر الجليل، أعنى أنه محدث في النفس أشد الوجدانات وأقواها، أقول أشد الوجدانات وأقواها لأني أوقن إن وجدانات الألم أشد وأقوى من التي يكون منشؤها اللذة. لاشك أن الآلام أشد تأثيراً على الجسم والنفس من أمتع الملاذ وأنعم المسار. وما أحسب إني واجد ذاك الرجل الذي يرضى أن يختم عمراً يمد له في نعم متواترة، وحياة تطال له في آلاء متصلة بيوم من الموت الزؤام، والحمام الأحمر. ولا يدع فبقدر زيادة الألم على اللذة في مبلغ التأثير تكون زيادة صورة الموت على وددان الألم في مقدار الإزعاج والأذى. وقل في آلام الحياة البدنية والنفسية ما يؤثر عليه الموت. ألا ترى أن الذي يزيد الألم ألماً علمنا أنه يريد الأجل ورسول ملك الموت. والخطر أو الألم إذا رفرف أحدهما فوق رؤوسكم كان غير ملئ بإفادتنا أدنى لذة. على أنهما قد يفيدان اللذة إذا أقاما منا على مسافات معلومات وبأشكال خاصة. وسآتي ببيان ذلك فيما بعد.
الفصل الثامن
الكلام على الوجدانات الخاصة بالاجتماع
الفريق الثاني من وجدانات البشر هو ذلك المتعلق بالاجتماع، والاجتماع نوعان: الأول هو اجتماع الذكران والإناث للتناسل. والثاني - وذلك أعم - هو اجتماعنا بالناس وغيرهم من أصناف الحيوان، والذي هو كائن بوجه ما بيننا وبين عالم الجماد. فالوجدانات الخاصة بالمحافظة على النفس محورها الألم والخطر. وألصق اللذات بهذا الغرض هي لذة حادة حارة توارة مجنونة عاتية وهي بلا شك أعلى الملاذ الحسية. ومع ذلك فإن انقطاع هذه اللذة العظيمة لا يبلغ أن يكون قلقاً أو كدراً. وما أحسب أنه محدث أقل تأثير إلا في بعض أحوال خاصة. والناس إذا أخذوا في وصف ما يجدون من الآلام والأخطار لا تراهم يصفون أولاً ما كانوا فيه من صحة وأمن ثم يندبون ضياع هذه النعمة. ولكن كل أمرهم
стр. 1317
يدور حول ما هم فيه من واقع الألم والروع. ولكن الأمر خلاف ذلك في صلة الذكر بالأنثى فإنك إن أصغيت إلى شكوى العاشق المهجور ألفيته يقيض في ذكر ما كان يجده أو يرجوه من ملاذ الوصال وفي محاسن معشوقه. ففقدان النعيم هو أكبر ما يشغل باله ويبعث مقاله. وليس يشذ عن هذه القاعدة أشد حالات الهيام وأقصى غايات الوله تلك التي تذهب بعقل ربها وتفضي به إلى المس والخبال وإلى الجنون. فإن المرء إذا استحوذ على روحه فكرة ما. وتسلطت عليه حالة بعينها فإنها تتملكه وتجتازه حتى تحول بينه وبين كل ما عداها، وتهدم من أسوار العقل وحواجزه كل ما يحاول أن يحتويها ويحسبها، وانهدام أحد أسوار العقل هو الجنون. ولا يشترط في ذلك أن تكون الفكرة أو الحالة النفسية هي الحب. بل أي فكرة أو حالة أخرى مليئة أن تسبب هذه النتيجة كما يرى من كثيرة أسباب الجنون وشتى علله. وهذا القول يثبت إن وجد أن الحب خليق أن يحدث نتائج خارقة للعادة لا أن هذه النتائج الخارقة لها أدنى صلة بالألم الإيجابي.
الفصل التاسع
سبب الفرق بين الوجدانات الخاصة يخلة المحافظة
على النفس والوجدانات المرتبطة باجتماع الذكر والأنثى:
لما كان أداء فرائضنا على اختلاف أنواعها متوقفاً على الحياة. وكان أداء هذه الفرائض بجد وجدوا حسان وإتقان متوقفاً على الصحة فلا غرو إن كنا نتأثر أشد التأثر بكل ما يتهدد سلامة هذه أو تلك ولما كانت مطامع الإنسان وآماله لا تنتهي عند إحراز الحياة والصحة أصبح وجدان هاتين النعمتين غير مشفوع بلذة محسة لئلا تقنع بهذه اللذة فنكسل وتفتر همتنا ونجنح إلى القعود والتواني. بل إن الله جعل التناسل غرضاً عظيماً سامياً فحدا إليه البشر بأقوى البواعث فأصبح لذلك مقروناً بأكبر اللذات وأحد الشهوات. ومن جهة أخرى لما كان هذا الأمر (التناسل) لم يرد منه أن يكون شغلنا الشاغل المستنفد جميع قوانا وأوقاتنا فمن الحكمة أن لا يكون فقد اللذة المقرونة به مشفوعاً بشديد الألم. والفرق بين البشر والحيوان في هذا الصدد جدير بالنظر. فالناس مستعدون في جميع الأوقات على السواء لمباشرة لذات العشق لأن عقلهم في ذلك دليلهم من حيث وقت قضاء هذه اللذات والصورة التي يقضونها عليها. فلو أن عدم هذه الملاذ كان مشفوعاً بشديد الألم
стр. 1318
إذن لوجد العقل صعوبة كبيرة في أداء وظيفته. أما البهائم تلك التي تتبع في هذا الشأن قوانين قلما يكون لقوة اختيارها دخل فيها - هذه البهائم لها أوقات مضروبة. ولا يبعد أن عدم قضاء الشهوة في هذه الأوقات يكون مؤلماً جداً إذ كان مانعاً لأمر لابد منه وليس يتم في غير هذا الأوان.
الفصل العاشر
الكلام على الجمال
إن الوجدان المرتبط بأمر التناسل من حيث كونه تناسلاً لا غير إنما هو الغلمة أو الشبق. وهذا واضح في شأن البهائم التي ترى الوجدانات فيها أبسط كياناً منها في الآدميين وأقل اختلاطاً. والتي تراها أقصد طريقاً منا إلى أغراضها وأقرب سبيلاً. فهي لا تراعي في أمر تزاوجها إلا مسالة التذكير والتأنيث على أنا لا ننكر انحياز كل فرد إلى قبيلة وجنسه مؤثراًَ ذلك على سائر الأجناس والقبائل. ولكن هذا الايثار لا يرجع فيما أحسب إلى جمال يراه الحيوان خاصاً بفصيلته ونوعه كما زعم الكاتب أديسون بل إلى قانون طبيعي تخضع له البهائم. وهذا ظاهر مما هو مشاهد فيها من قلة اختيارها وتمييزها بين أفراد قبيلتها التي قصرتها عليها حدود الجنسية. أما الإنسان ذلك الذي ركب في غريزته الاستعداد لتنوع العلاقات وتعدد الصلات فقد أبى إلا أن يضيف إلى شبق البهائم رغبة في بعض الصفات الاجتماعية التي من شأنها أن تشحذ الشهوة المشترك فيها مع الحيوان. ولما كان ليس كالحيوان يغشي أية أنثى صادف وجب أن يكون هناك شيء يدعوه إلى التخير والانتخاب، وأن يكون هذا الشيء صفة محسة إذ ليس غير هذه له مثل كفايتها وسرعتها وقوتها في إحداث باعث التخير. هذه الصفة المحسة هي جمال الأنثى. فالذكران مسوقون إلى الإناث بوجه عام لمجرد كونهن إناثاً وبقوة قانون الطبيعة المشترك. ولكنهم بوجه خاص متعلقون بالأفراد بتأثير الجمال الشخصي. وإني اسمي الجمال صفة اجتماعية وذلك لأن من كان من النساء والرجال بل من الحيوان (وكثيرهن) يلذنا ويفرحنا بمنظره فذلك لاشك يبعث في قلوبنا الحنان والحب لشخصه. حتى ترانا نهوى قربه ونرتاح إلى الاتصال به إلا أن يكون تمت مانع. وإني بعد لا أدري ما الحكمة في حدوث ذلك بين الإنسان وجميل الحيوان ولا ما القصد والغاية. لأني لا أرى لاتصال المرء بالحيوان المليح الأنيق الوشي والحلة من
стр. 1319
العلة مالا أراه لاتصاله بخلاف ذلك من الحيوانات غير ذات الحسن والبهجة. على أنه ربما كان لله في ذلك حكمة وشأن وغاية تقصر دونها إفهامنا إذ كان تدبيره غير تدبيرنا وأسلوبه خلاف أسلوبنا.
الفصل الحادي عشر
الكلام على الاجتماع والعزلة
أما الفريق الآخر من الوجدانات الاجتماعية فهو ذاك الحاث على الاجتماع بوجه عام. وإني أقول في هذا الصدد إن الاجتماع من حيث هو مجرد اجتماع خال من المميزات الخاصة ليس فيه لذة إيجابية وبيد أن العزلة التامة المطلقة أعني الانقطاع الكامل الدائم عن سائر المجتمع هو من أشد وأقسى الآلام الإيجابية. هذا وإن في أنس المجالس وحلاوة الأحاديث، ومحاسن التآلف والتواد ما يملأ النفس لذة ونعيماً. ومن وجهة أخرى فإن ما يتخلل مناعم التعاشر من فترات العزلة لا يخلو من مسيرة خاصة. وهذا دليل على أنا خلقنا للحلوة والتأمل وكذلك للعمل والسعي. إذ كل لكل من العزلة والاجتماع لديه. وكانت حياة العزلة المطلقة تنافي أغراض الوجود بدليل أن الموت نفسه أقل بشاعة من ذلك وأخف روعة.
الفصل الثاني عشر
الكلام على العطف والتقليد والطمع
الوجدانات الاجتماعية من وجهة هذا التقسيم ذات اختلاط. وتمازج تتشعب شعباً متنوعة وتخرج أشكالاً مختلفة تطابق شتى الأغراض التي لتحقيقها وجدت، وضروب الغايات التي ما خلقت هذه الوجدانات إلا لتخدمها في سلسلة الاجتماع الكبرى. والحلقات الثلاث الرئيسية في هذه السلسلة هي العطف والتقليد والطمع.
الفصل الثالث عشر
العطف
إنما بفضل الأول من هذه الوجدانات أعني العطف يمكننا الاتصال بنفوس الغير والافضاء إلى مواضع همومهم وشؤونهم. حتى نشعر بشعورهم فلا يكون موقفنا منهم موقف المتفرج لا يعنيه ما يكايدون ولا يجفل بما يأخذون ويدعون. أجل إنما ينبغي عليك أن تعد هذا
стр. 1320
الوجدان - العطف - كنوع من البدل والعوض به يستطيع المرء أن يضع نفسه موضع الغير فيرى برأيه ويحس بقلبه في كثير من المواطن. فهذا الوجدان ذو وجهين. فتارة يكون من قبيل تلك الوجدانات الخاصة بالمحافظة على النفس فمحوره الألم ولذلك يعد مصدراً من مصادر الجليل. هذا من جهة وتارة تكون اللذة محور هذا الوجدان فينطبق عليه كل ما قيل في الوجدانات الاجتماعية سواء كانت خاصة بالمجتمع على وجه عام أو ببعض أشكالها وهيئاتها. وإنه بهذه الوسيلة - أي بفضل وجدان العطف - يستطيع الشاعر والمصور والموسيقار بقوة القصيد والنقش والأنغام أن ينقلوا وجداناتهم من صدورهم إلى صدرو الناس، وان ينفضوا لذة ومسرة على الشقاء والبؤس بل على الموت ذاته. وذلك أن هذه المصائب آلم الأشياء في الحقيقة ولكنها في الفنون الجميلة مصدر لذة عظيمة. وقد كانت هذه القضية موضع كثير من الجدل والمناقشة. فقالوا إن سبب تلك اللذة هو اعتقادنا أن هذه القصة المحزنة ما هي إلا حديث خرافة، ثم سرورنا بالنجاة مما تصفه هذه الفنون من الآفات والبلايا. والذي أراه أن من الخطأ في مثل هذه المباحث أن يسند سبب الإحساسات تلك التي إنما منشأها بنية الجسد أو تركيب النفس وكيانها الخاص إلى النتائج المنطقية التي هي نمرة في البحث في شأن الأشياء المثيرة لتلك الإحساسات المذكورة. إذ الحقيقة أن تأثير القوة الاستدلالية في تهييج الوجدانات هو أقل بكثير مما يحسب العالم.
الفصل الرابع عشر
الكلام على تأثير وجدان العطف على المنكوبين في نفس صاحب
الوجدان
قبل البحث في موضوع تأثير المأساة على نفوس البشر يلزمنا أن ننظر كيف نتأثر بالمصائب الحقيقية التي تصيب الغير من بني جنسنا. ولا يسعني في هذا الصدد إلا القول بأن المرء يجد ولاشك شيئاً من السرور ليس بالقليل لما يصيب غيره من فجائع الدهر. فإن مصيبة الغير إذا لم تكن من البشاعة بحيث تنفرنا من المصاب فلا نستطيع الدنو منه بل كانت بحيث تغرينا بالاقتراب من صاحب البلوى. ومصاحبته والعطف عليه، إذن فلا بد من أن يكون لنا في ذلك نوع ما من المسرة وإلا فما كنا نستطيع إقبالاً على صاحب البلية. الست ترانا نجد في قراءة حقائق تواريخ أمثال هذه الفجائع من اللذة مثل ما نجد في قراءة
стр. 1321
الخرافات من ذلك إشعاراً وقصصاً. وما كان قارئ الحوادث السارة من أنباء الفتوحات وعز الدول وأبهة الملوك ليجد من اللذة عشر معشار ما يجد قارئ الفاجعات والفوادح من خراب الممالك وذل الملوك وبؤس أرباب الرفه والنعيم وحرق العشاق والمغرمين ومصارع الفرسان والأبطال وما إلى ذلك من جليل الخطوب وكارثات المحن. ومما يزيد استمتاعنا بقراءة أمثال هذه البلايا أن يكون المصاب الناشب في مخالب الفاجعة إنساناً محمود الشيمة ميمون النقيبة. خذ مثلاً على ذلك نبأى كاتو وسيبيو. فكلاهما ماجد كريم فاضل. غير أن مصرع الأول وضياع الأمر الجليل الذي كان يحاول أشد روعة في نفوسنا من ظفر الثاني وتواتر النعم عليه وترافد الخيرات والفواضل. وما ذاك إلا أن الرعب وجدان باعث للسرور ما لم يقاربك جداً. والرحمة وجدان مشفوع بالمسرة إذ كان منبعها الحب والانعطاف. والمرء إذا كان قد أعد بالفطرة لإنجاز أمر من الأمور فإن الوجدان الذي يوقظ همتنا إلى محاولة هذا الأمر لابد أن يكون مصحوباً بنوع ما من السرور أو اللذة مهما كانت ماهية هذا الأمر. ولما قضت إرادة الله أن تربطنا جميعاً آصرة العطف فقد أكد أسباب هذه الآصرة بمزاج مناسب المقدار من اللذة. وأكثر ما يكون مقداره أشد ما تكون الحاجة إليه أعني في مصائب الغير. ولو كان وجدان العطف ألما كله لكنا نتقي جهدنا جميع بواعثه من الأشخاص والأماكن كما يفعل قليلو المروءة ساقطو الهمة من المغرقين في الكسل المتغالين في الفتور والتواني. ولكن الأمر بخلاف ذلك في السواد الأعظم من الناس. فأنا لسنا إلى شيء أسرع منا إلى مكان الحادث الأليم والخطب الجلل. وكذلك ترى مشهد الفجيعة أبداً يولد فينا ضرباً من اللذة سواء كان أمام أعيننا أو كان معروضاً على ناظر الوهم في صفحات الأسفار. على أن هذه اللذة ليست صافية بل ممزوجة بجانب عظيم من الإشفاق والكرب. فاللذة هي الحادي لنا على مواطن المصيبة. والكرب هو داعينا إلى إنقاذ أنفسنا من الألم بإنقاذ ذوي البلية. كل هذا يصدر منا بلا سابق تأمل وتدبر بل بغريزة تزجينا إلى غايتها دون اختيارنا.
الفصل الخامس عشر
الكلام على تأثير المأساة
الذي ذكرناه في الفصل السالف هو الواقع في أمر الأحزان الحقيقية. أما من جهة الأحزان
стр. 1322
المحكية. فالفرق الوحيد هو الشرور الناشئ من تأثير التقليد والحكاية. فإنه مهما بلغ من أحكام التقليد ودقة الحكاية فليس يخفى علينا أنه تقليد لا حقيقة وهذا محدث لنا شيئاً من اللذة. وفي بعض الأحايين قد توازي اللذة المولدة من تأثير التقليد تلك المستفادة من الشيء نفسه. بيد أني أخطئ من يزعم أن جانباً عظيماً من سرورنا بالمأساة ناشئ من علمنا بأنها خداع وليست بحقيقة وأقول أنه كلما دنت المأساة من الحقيقة وبعدت من الخرافة كانت أشد تأثيراً وأعظم وقعاً. على أنه مهما يكن وقعها وتأثيرها فلن تبلغ في ذلك مرتبة الحقيقة التي تمثلها. وسأضرب لذلك مثلاً فأقول أعمد ذات يوم إلى أكبر المراسح وأفخمها وأعمل على أن تمثل به أجل مأساة وأعظمها. وأندب لذلك صفوة طائفة الممثلين ونخبتها. واستكمل لدار التمثيل زخرفها وزينتها. واستعن على ذلك بأقصى قدرة الفنون الثلاثة الشعر والتصوير والموسيقى ومنتهى سحرها وفتنتها. حتى إذا احتشدت جموع المشاهدين. والتف محافل المفترجين واشرأبت للمشهد المرقوب أجيادهم. وامتدت للمنظر المنتظر أبصارهم. فأذع بين جمهورهم أن مجرماً كبيراً سياسياً يساق إلى المشنقة في الميدان المجاور. ثم انظر ماذا يكون. لاشك أنك ستبصر بيت التمثيل قد أقفرت في الحال عرصاته وصغرت من ذلك الجمع الكثيف ساحاته. وإن جمهور النظار قد هرعوا سراعاً إلى ميدان المشنقة. دليل لعمرك قاطع على ضعف تأثير الفنون التقليدية إزاء سلطان الحقيقة. وقوة الوجدانات الحقيقية. ويخطئ البعض فيقولون إن رؤية المصائب الوقعية مشفوعة بالألم المحض. وخطأهم هذا راجع إلى عدم تمييزهم بين الشيء الذي يأبى أحدنا البتة أن يفعله والشيء الذي لو وقع لتاقت أنفسنا إلى رؤيته. فنحن يسرنا أن نبصر من الأشياء ما نود من صميم الفؤاد إصلاحه وتعويضه فمن باب أولى لا نود أن نفعله بأيدينا. انظر إلى لندن هذه المدينة الفاخرة أفتحسب أن إنساناً قد بلغ من خبثه وشره أن يحب أنه يرى هذا البلد الأمين فخر إنكلترا وأوروبا قد خرب بسبب زلزال أو حريق ولو أنه بموئل من بادرة هذا المصاب ومعتصم. ولكن هب أن هذا المصاب قد حدث بالفعل إذن فأي جموع وجماهير يأتون من مهاب الرياح الأربع لينظروا الآثار الخربة والأنقاض وبينهم من كل لا يعنيه أن يبصر المدينة في رونق بشاشتها وبهجة جمالها. وليس خلاصنا من المصاب - حقيقياً كان أو خيالياً - هو سبب سرورنا. أنا لا أرى ذلك مطلقاً: وأظن أن منشأ هذه الغلطة هو عدم
стр. 1323
تمييزنا بين الشرط الذي عليه يتوقف فعلنا أو إحساسنا شيئاً ما وبين السبب الداعي إلى هذا الشيء. فإذا قتلني رجل بسيف فإن من الشروط اللازمة لذلك كون كل منا حياً قبل وقوع هذا الحادث. ومع ذلك فإن من السخف أن يقال إن كون كل منا حياً كان السبب في جريمته وموتي. وكذلك فإن خلاص نفسي من كل خطر مهدد هو شرط لازم لاستعدادها للسرور بمصاب الغير حقيقياً أو خيالياً بل للسرور بأي شيء مهما كان سببه ثم من السفسطة أن يقال إن خلاص نفسي من الخطر المهدد هو سبب سروري بمصاب الغير أو خلافه. وما أحسب أن أحداً من الناس يحس في نفسه ذلك بل إنك لتجد الرجل المصاب (ما لم يشتد به ألم أو يرنق فوقه خطر) ليتوجع لمصاب الغير. وإن أشد الناس تأثراً بمصاب غيره من رققت كبده المصيبة وألات عريكته البلية. بل ربما رحمنا غيرنا من بلاء نود من صميم قلوبنا لو أنه كان من مصابنا بدلاً.
стр. 1324
سر تدهور العرب
بقلم الدكتور جوستاف لوبون
إن كثيراً من تلك العوامل التي ذكرناها آنفاً ونحن بسبيل بيان أسباب عظمة العرب ليصح أن نجيء به الآن توضيحاً لأسباب تدهورهم، ويكفينا أن ندخل ذلك العامل الأكبر، والسبب الأعظم، الذي دعوناه فيما مر بك بالظروف، حتى نشهد أوفر الصفات نفعاً، وأكبر المميزات فائدة، تحدث أسوأ النتائج، وأفدح العواقب، وأشأم المغبات، وذلك أمر مشهود في حياة الأفراد كما هو جار في حياة الشعوب، إذ لا ريب في أن الاستعدادات الأخلاقية، والأميال الذهنية، قد تؤيد النجح في وقت معين ثم هي بعد ذلك قد تؤوب في وقت آخر بالخيبة والفشل، وقد أبنت لك فيما تقدم كيف أن الغرائز الحربية. والنزعات العدائية الخلافية، التي ركبها الله في أرواح العرب، أسدل إليهم في عصر الفتح وزمان الغزو، الخدمة الجلى، واليد الطولى، فلما سكنت ثائرة تلك الفتوحات، وهدأت الوقائع، وانتهت الغارات والغزوات، ولم يجد العرب إزاءهم عدواً يساجلونه الحرب، ويطارحونه القتال، إذا هي قد عادت عليهم وبالا، وساءت بهم منهجاً وسبيلاً، وبلغت الفرقة منهم الغاية القصوى، ووصل الانقسام والانشقاق إلى أبعد حدودهما، وما كان الانشقاق إلا من عاداتهم الثابتة المتأصلة، فبدؤا إذ ذاك في تجزئة تلك الدولة وتبديد نظام عقدها، وكان من حق تلك العادات أن تفضي إلى سقوطهم، وما فقدوا اسبانيا وصقلية ألا على الأخص أثر خلافاتهم الأهلية، ومشاحناتهم الداخلية، ولم يتسن للمسيحيين أن يقهروهم على أمرهم، ويخرجوهم من أرضهم، إلا من جراء هذه المنافسات الدائمة، والمنازعات المستمرة.
أما عن أنظمتهم السياسية والاجتماعية فقد أثبتناهما بين الأسباب التي دعت إلى نجحهم السريع، ويصح لنا الآن أن نقول إنها كذلك أحد العوامل التي عملت على سقوطهم، إذ لم يصب العرب رائد النجاح، ولم يفلج الله لهم سهام النصر، ولم يفتحوا أقطار العالم وفجاجه، إلا عند ذلك اليوم الذي عرفوا فيه بفضل ذلك الدين الجديد الذي جاء به محمد، كيف يذعنون إلى حكم قانون ثابت، وينزلون على نير شرع مقرر، وكان ذلك القانون وحده قادراً على جمع ما تبدد من قواهم، وتوطيد ما افترق من أمرهم، وكان نير هذا القانون الصلب الثابت على أحسن حال وأنصف حكم، عندما كانت أنظمة النبي وفاق حاجات
стр. 1325
قومه، ومطالب أمته، ولكن لما خطت مدنيتهم خطواتهم، وبلغت حضارتهم بعد شأوها، وجب أن تنقح هذه الأنظمة وتهذب، إذ أصبح نير تلك القوانين القديمة من الثقل بحيث كان من الجائز لهم أن يرفعوه عن كواهلهم، ويضعوا وزره عن ظهورهم، وإن الأنظمة التي اشترعها القرآن، والتي كانت المعبرة عن حاجات العرب في عصر النبي، لم تصبح كذلك بعد تصرم عدة قرون، ولما كان هذا الكتاب في آن واحد مجموع شرائع دينية، وأنظمة مدنية سياسية، وكان من أصله لا يقبل تحويراً ولا تبديلاً، فقد كان من الأمور غير الممكنات أن تنقح أجزاؤه الأساسية، ولم تبد نتائج انشقاق العرب، ولم ينكشف للعيان عواقب انقسامهم، ألا يوم أن بدأت قوة العرب في الارتجاف والاضطراب، إذ أحدث انشقاقهم انتكاسات دينية، كان يراد بها على زعمهم تجديد شباب الإسلام، وإعادة زهوه، وإرجاع غضارته وريعانه، وما كان يقصد بها ألا إلى رده إلى نص القرآن وفصه، فلما كانت تلك العصور الزاهرة المشرقة، عصور خلافتي بغداد وقرطبة، عرف المسلمون جد المعرفة كيف يدخلون تحت رقابتهم وتصرفاتهم الإصلاحات التي أوجبتها حاجات الأمم التي رضيتها.
ولم تظهر صعوبة سن الإصلاح بأجلى مظهرها إلا في أنظمة العرب السياسية فإن هذه الأنظمة التي جعلت على رأس هذه الدولة حاكماً يصرف في يده جميع السلطات الحربية والدينية والمدنية. كانت هي وحدها المذللة تأسيس دولة عظمى، ورفع بنيان مملكة مترامية النواحي والأطراف، على أنها كانت مع ذلك أقل العوامل ملاءمة لتاكيد بقائها، فإن لتلك الملكيات المطلقة التي تجتمع كل سلطانها في يد واحدة قوة عتيدة في الفتح لا تغلب ولا تقهر، ولكنها لا تستطيع أن تنجح إلا على شريطة أن يكون على رأسها في كل حين رجال آية في العظمة والمراس والتفوق، فإذا أقبل ذلك اليوم الذي يعز فيه عليها رجل من هؤلاء الرجال، فاعلم أنها لا تلبث إلا عشية أو ضحاها حتى يتداعى بنيانها حجرة حجرة وتتساقط قواعدها لبنة لبنة.
وكان في مقدمة النتائج التي نشأت من النظام السياسي الفاسد الذي كانت عليه أمة العرب، تجزئة مجموع دولتهم، وتمزيق شملها، وتفريق أجزائها، إذ كان الولاة ينوبون في الولايات عن الخلفاء، قابضين مثلهم على كل السلطات الحربية والدينية والمدنية، ومن ثم لم يلبثوا
стр. 1326
أن امتدت أعينهم إلى الحكم كما يشهون، وتطلعت نفوسهم إلى سياسة ولا يلتهم، وتدبير أمرها كما يرغبون ويحبون، حتى إذا لم يجدوا لقوتهم قوة تعادلها وتكافئها، هان عليهم أن يدعوا السيادة لأنفسهم، ويجاهروا بأنهم سادة الولايات وأمراؤها، فلم يفز بها منهم نفر. إلا كان فوزه تحريضاً للآخرين، ولم يسب التوفيق فريق، ألا كان توفيقه إغراء لزملائه الباقين، فلم تنشب خير ولايات الدولة العربية وأوفرها ثراء. وأعظمها قدراً. أن أضحت ممالك مفترقة عنها منفصلة.
وكان لهذا الانفصال نتائج سيئة، وأخرى حسنة. فالأولى لأن تجزئة الدولة أوهنت قوتهم الحربية. والأخرى لأن هذه التجزئة نفسها سهلت تقدم المدنية العربية وارتقاءها. فلا ريب أنه لو لم تنفصل مصر والأندلس عن الدولة العربية. إذن لما بلغتا درجة التقدم التي شهدتاها. وقد كانت الولايات في أيدي عمال هم في كل حين عرضة للعزل والفصل. لا يجدون أية فائدة في أن يروا ولاياتهم في رغد ورخاء، ولا يحك في صدورهم ألا التمول والإثراء. ولا يتلجلج في نفوسهم ألا الإكثار والاغتناء. ولذلك أضحت كما كان حالها بعد ذلك تحت أولئك الحكام الذين كانت تبعث بهم حكومة القسطنطينية.
وأصبحت طائفة من هذه الممالك الصغرى المستقلة على تقدم بليغ، ورقي كبير. ولكنها كانت جميعاً مفضية إلى الخاتمة التي أفضت إليها الدول القديمة. حيث أضحت القوة الحربية. بدلاً من أن تعتمد في بعض أمرها كما هي الحال اليوم - على الاستعدادات الحربية الخطيرة الشأن: لا تستطيع أن ترتكز ألا على عدد جندها وبأسهم في الحرب وصدق لقائهم: وقوة كهذه لا تلبث أن تندحر إزاء الغارة الأولى: وأنت تعلم أن المدنية ترقق الطباع. وتهذب النفوس: ولكنها لا ترقى الصفات الحربية. بل تعد للدولة محتوم التدهور: ومقضى السقوط: وإن الشعوب التي يملك كل فرد من أفرادها قسطاً من رغد العيش: وحظاً من الرخاء والرفاهية: لا تنشب أن تجد نفسها مهددة من تلك الشعوب التي عضت الحاجة بنيها: فرغبوا في تبديل حالهم: وتغيير رزقهم: وكذلك كان فناء أكثر المدنيات القديمة الكبرى: وكذلك كان مآل الرومان. وكذلك كان عقبى العرب. إذ لأمراء في أن الفاتحين على اختلاف أجناسهم من ترك ومغول وغيرهم. أولئك الذين هدموا كيان العرب: ونقضوا بنيان ملكهم: يوم بلغوا درجة من المدنية عالية. لو كانوا جاؤوهم في ذلك
стр. 1327
العصر الذي كان فيه عصبة النبي قد أتموا تأسيس دولتهم. وألفوا منهم شعباً صلب العود مريراً. لا يقدح في ساقه التعب ولا النصب. يألف الشظف والعسر. ويعتاد كل ضروب الفاقة والحرمان لم تلن بعد من جنبه الخشن نعمة. ولم تهذب من طبيعته المتبدية رفاهية. إذن لكانت الخيبة نصيبهم. وكانت الهزيمة مآبهم.
وينبغي لنا أن نذكر من بين أسباب سقوط العرب، اختلاف الأمم والنحل التي خضعت لملكهم، واستكانت لصولتهم. ويتجلي أثر هذا السبب الأخير في وجهين مختلفين، كل منهما سيئ مشئوم، فالوجه الأول أن وجود أجناس مختلفة في الأمة يبعث على الاحتكاك والاختلاط، وهذا يؤدي إلى المنازعات والمنافسات بين هذه الاجناس المتباينة. والوجه الآخر إن ذلك يحدث الامتزاج والتزاوج، ولا يلبث التزاوج أن يغير دم الفاتحين الغالبين.
وكان امتزاج الأجناس المختلفة في الأمة داعياً أبداً إلى انحلالها السريع وقد شهد التاريخ أنه ليس من الممكنات أن تجتمع الأجناس المتباينة المتشاكلة في يد واحدة، إلا بمراعاة شرطين واجبين، أولهما أن قوة الفاتح قوة يجب أن تكون من التماسك والثبات والصلابة بحيث يوقن كل فرد من الأمة أن كل مقاومة يطلب أو تمرد يروم ليست إلا عرضة سريعة الزوال، وثانيهما أن الغالب ينبغي أن لا يتزوج من المغلوب، حتى لا يؤدي ذلك إلى أن يفنى العنصر الأول في العنصر الآخر، وأنت ترى أن العرب لم تحسب للشرط الثاني حساباً، ولم تتدبره يوماً، على أن الرومان أنفسهم لم يجعلوه دائماً نصب أعينهم ولم يتدهوروا إلا يوم أن تركوه جملة واحدة.
ومن بين الأسباب العديدة التي جرت إلى انحلال العالم الروماني القديم، سبب هو أعظم شأناً، وأفحل خطراً، هو تلك السهولة التي جنح إليها سادة الدنيا الأولون فأباحوا كل حقوق الوطنيين للبرابرة فأصبحت روما منذ ذلك الحين موطن أجناس مختلفة ولم تعد السلطة فيهم للرومان. وانطفأت على أثر ذلك جذوة تلك المشاعر التي ضمنت من قبل عظمة روما ومجدها. إذ كان ابن المدينة الأتربة أي روما حتى ذلك العهد لا يحجم عن بذل مهجته في سبيل مدينته لأن عظمتها كانت لديه مثلاً أعلى شديد الأثر في نفسه قوى السلطان عليه. ولكن أية قيمة. وأي أثر. وأي وزن لهذا المثل الأعلى في نفس المتبربر المتأبد.
وإن من صعاب الأمور وشدائدها أن تعيش الشعوب المتألقة من أجناس ونحل مختلفة
стр. 1328
ومصالح ورغائب وعواطف متباينة متضادة تحت شرع واحد وقانون مفرد، ولا يكون ذلك من الممكنات في أغلب الأحيان إلا بواسطة ضغط من الشدة بمكان، وفي النظام المسنون اليوم للأيرلنديين والهنود دليل على ذلك وبرهان.
على أن العرب لم تأخذ بهذا الضغط تلك الأجناس المختلفة التي خضعت لها وأذعنت لحكمها، لأن الدين والأنظمة التي جاؤوهم بها صادفت منهم القبول والرضى ولأنهم كانوا يعاملون جميع النحل والشعوب التي آثرت الإسلام على دينها واختارته لنفسها، مهما كان أصلها، على قسطاس من المساواة التامة الكاملة، وكذلك كان شرع القرآن وسنته، وما كان الفاتحون ليميلوا يوماً إلى تجنب هذا الشرع والانحراف عن سننه والزيغ عن جادته فكان من ذلك بادئ بدء أن الغالبين والمغلوبين ألفوا منهم شعباً واحداً ذا اعتقادات ومشاعر ومصالح مشتركة، وظل الائتلاف ضارباً بجرانه في جميع أجزاء الدولة العربية ما بقيت قوة العرب من العظمة بحيث كانت تجد من الجميع توقيراً لها واعتداداً بشأنها.
على أن المنازعات بين هذه الأجناس والعناصر المتباينة وإن قمع شرها إلا أن نارها لم تخب ولم تخمد. فلما بلغت عادات العرب من الخروج والانشقاق أشدها. وانتهت إلى مستفحل أمرها. إذا بتلك المنازعات قد عادت من مكمنها وبانت من مخبئها وظهرت بأجلى مظهرها. ولم تنشب الممالك الخاضعة لصولة الإسلام أن أضحت ميدان أحزاب لا تفتأ أبداً في تكاشح وتدابر وقتال. ومنذ حاصر المسيحيون آخر موطن للعظمة الإسلامية في الأندلس وهذه الأحزاب والفرق على حالها من التقاتل والشحناء.
وإن لوجود هذه الأجناس المختلفة في كل بلدان الإسلام وخاضع أقطاره نتيجة أخرى أشرنا فيما مربك إلى شرها. ونبهنا إلى خطرها وويلها. وهي اختلاط العرب بجميع الأمم التي عاشت بين ظهرانيها. وذلك أن العرب بامتزاجهم بتلك الأمم التي ليست دونهم وليست بأقل مدينة منهم كمسيحي أسبانيا مثلاً قد كان من الجائز أن يكتسبوا منهم بعض الميال والاستعدادات ولكن اختلاطهم بالشعوب المنحطة عن مستواهم كبعض الشعوب الآسيوية وأهل المغرب لا يجلب عليهم إلا الخسارة والوكس. وليس من شأن هذا الامتزاج في كلتا الحالين إلا أن ينتهي بإفناء أخلاقهم التي يتركب من مجموعها عنصرهم. والحقيقة المشهودة أنه لما ضاعت عظمة العرب السياسية على أثر فقدهم اسبانيا ومصر لم تكن
стр. 1329
الممالك التي دانت لهم تحتوي الأشر ذمة قليلة من العرب الأقحاح.
وأنت فدع جانبا الغارات وغيرها من الأسباب العديدة التي أدت إلى سقوط العرب واعلم أن مجرد تزاوجهم بالأمم كما بيناه لك كان كافياً وحده لتقرير هذا السقوط. وأمامنا مثال لذلك نستمده من حال مراكش فإن الغارات هي التي أبقت على حياتها ولكن هذه الدولة على الرغم من ذلك قد هوت اليوم إلى ما يشبه نصف بربرية. بعد أن نعمت من قبل برقي ومدنية كانت من العظمة بحيث تنافس مدنية أسبانيا ورقيها. وإن سيادة المغاربة. وفوق ذلك تزاوجهم المستمر بالعنصر الزنجي هما اللذان هبطا بمستوى تلك المدينة جد الهبوط. وقد زعم الناس أن المستقبل كان لنتاج هذا التزاوج. وذلك أمر محتمل جائز. ولكني لا أرضاه للأمم التي تريد أن تحتفظ بمكانتها في العالم وتحرص على مستواها بين أترابها من الأمم والشعوب.
стр. 1330
تاريخ النزاع بين العلم والدين
النهضة العلمية عند العرب
نعود اليوم فنلخص للقارئ في السطور الآتية فصلاً جليل الشأن مستفيضاً من فصول ذلك الكتاب القيم تاريخ النزاع بين العلم والدين للدكتور البحاثة جون ويليم دريبر. وهو الفصل الذي يحتوي الكلام على الروح العلمية عند العرب وأسبقيتهم الغرب في وضع أساس العلوم وقواعدها. وهو يكاد يكون من الكتاب واسطة عقده.
يقول الدكتور ويليم دريبر: إن الصداقة التي جرت بين عمرو بن العاص فاتح مصر وبين حنا النحوي. لندل على مبلغ استعداد الذهن العربي لقبول الآراء الحرة. والأفكار المطلقة. وإن وثبة ذلك الذهن من عبادة الأوثان إلى دين الوحدانية الذي جاء به محمد قد هيأت له من العلم كل سبب. وأفسحت له ميادين الفلسفة والأدب. وكان أكبر معين على ذلك عقيدة القضاء والقدر التي نزل بها القرآن. ومؤادها أن ليس في مقدرة أحد من البشر أن يعجل أو يؤخر يومه المحتوم. وإن الموت يدركنا وإن كنا في بروج مشيدة. ولا تدري نفس بأي أرض تموت. لا يعلم ذلك إلا الله فالمسلمون هم الخاضعون لإرادة الله المذعنون لقضائه. وهم يجمعون بين مذهبي التسيير والتخيير بقولهم انا أعطينا صورة الحياة فعلينا أن نلومها كما نشاء. ويقولون أننا إذا تغلبنا على القوانين الطبيعية فلا ينبغي لنا أن نقاومها. وإنما يجب أن نوازن بينها ونكافئ.
فكان من هذه العقيدة المظلمة أن أعدت أربابها والمستمسكين بها إلى النهوض بأعمال كبار وإنجاز مآثر عظام. وقد شهدت ما كان من العرب وكبرى فعالهم إذ ردت اليأس فيهم اعتزاماً واستماتة. وعلمتهم احتقار الأمل. والسخرية من باطل الأماني.
ومن هذا يتبين لك الفروق بين الأمم المسيحية والإسلامية فقد كان المسيحي مقتنعاً بوجود تداخل مستمر في قضاء الله. وكان يعتقد أن ليس هناك ما يسمى بقوانين طبيعية يسير عليها الكون. بل قد يستطيع بصلواته ودعواته وتضرعاته أن يجعل الله بغير له نظام الأمور. فإذا لم تفلح دعواته عند الله ولم تتقبل صلواته وتسبيحاته. فقد تفلح عند المسيح أو العذراء أو القديسين. أو بتأثير المخلفات. وبركة الرفات وعظام الصالحين. فإذا لم تغن عنه أبتها لأنه. فقد يفوز بقضاء أربته بتوهط القسيس أو غيره من رجال الدين. ولاسيما
стр. 1331
إذا استعان على ذلك ببدر المال وبالتحف والطرف والنفحات. وكانت المسيحية تعتقد أن في ميسورها أن تغير الأمور عن مجراها الطبيعي. ولكن أساس الإسلام الرضي بسنة الله. ولن تجد لسنته تبديلاً. ولم تكن صلاة المسيحي إلا دعوات لأماني يطلبها. وعلالات يرجوها. وما كانت صلاة المسلم إلا إخلاصاً لله وشكراً على سالف أنعمه وفارط هباته. وكانت تطورات العالم في نظر المسيحي إن هي إلا عوارض فجائية لا تتبع قانوناً ولا تسير على سنة. أما في نظر المسلم فعلى النقيض من ذلك. فكل حركة مادية في رأيه نتيجة حركة سبقتها. وكل فكرة وليدة فكرة تقدمتها. وكل حادث تاريخي نتاج حادث تاريخي انفرط قبله. وكل عمل إنساني منشأ عمل إنساني آخر. ولم يحدث في تاريخ البشر حوادث فجائية مطلقاً. بل كان هناك تتابع بين الحوادث وتلاحق لا مرد لهما ولا متأخر. لأن القضاء سلسلة حديدية. حلقاتها الحقائق. كلها يلزم مكانه الذي وضع فيه. ولم تضطرب منها يوماً خلقه. ولم تنتقل عن مكانها المسكين. وإن كل إنسان خرج إلى العالم دون علمه. وسيرحل عنها دون رغتبه. فليستسلم إذن ولينظر ما يكنه له الغيب في عالمه.
ثم انتقل الفيلسوف دريبر إلى التطور الذي حدث للعرب فقال وما كان أسرع انتقال عصبية العرب ونعرتهم الدينية إلى حب الأعمال الذهنية. فإنه لم يكد ينفرط بعد وفاة النبي عشرون عاماً حتى ظهر هذا الميل الأدبي بأجلى أشكاله في الشام والفرس وآسيا الصغرى ومصر وقد كان علي بن أبي طالب في ذلك العهد خليفة المسلمين فحث الناس على طلب العلوم والآداب بجملة أصولها وفروعها. وجاء على أثره معاوية رأس الدولة الأموية عام ٦٦١ من الميلاد فقلب نظام الحكومة وجعلها ورانية وكانت من قبل انتخابية في الغرب. وعاش ثم عيشة الأبهة والرفاهية والنعمة وكسر قيود التعصب، ونصب نفسه نصيراً للأدب وراعياً، وهذا الانقلاب العجيب. والتطور المدهش الغريب وليداً ثلاثين عاماً. وما كان أشد الفرق بين حال عمر بن الخطاب يوم وجد نائماً على سلم جامع المدينة وبين معاوية. والوفود تدخل عليه في قصر منيف. ازدان بالحلي والنقوش. وحف بالبساتين والجنات. وتجمل بنوافير الماء وعذب البركات.
وما كان يمضي زهاء قرن من يوم وفاة النبي حتى كثرت المعربات من تآليف أشهر كتاب اليونان الأقدمين. ولما كانت قصيدة الألياذة والأوذيسيا تعدان زيغاً في الدين وخرافة. لما
стр. 1332
جاء بها من أوهام الأغريق القديمة وخرافاتهم وخزعبلاتهم. فقد اكتفى العرب بترجمتها إلى السوريانية لينفقوا غلة الباحثين منهم والمستطلعين. ونقل المنصور (٧٥٣ - ٧٧٥م) مقر حكومته إلى بغداد. وقد جعلها حاضرة زاهية زاهرة وصرف كثيراً من زمانه في دراسة علم الفلك والدأب في تقدمه وتهذيبه. وأسس مدارس للطلب ومعاهد للشريعة. واحتذى حفيده الرشيد (٧٨٦م) حذوه. واقتفى أثره. فأمر أن يلحق بكل مسجد مدرسة. ولكن العهد الأوغسطي في بلاد العرب لم يكن إلا عهد الخليفة المأمون (٨١٣ - ٨٣٢م) إذ جعل بغداد مقراً للعلم ومهبطاً. وجمع المكاتب الكبرى وقرب إليه البحاثة وأدنى من جانبه العلماء.
هذا وقد استمر الارتقاء العلمي حتى انقسام الدولة العربية إثر الخلافات الداخلية إلى ثلاثة أجزاء. الدولة العباسية في آسيا والفاطمية في مصر. والأموية في اسبانيا. وأصبحت هذه الدول الثلاث تتنافس في الآداب والعلوم تنافسها في السياسة والملك.
أما في الأدب فإن العرب طرقوا من أبوابه كل ما يهذب الذهن ويبهج الروح. وقد كان فخرهم في عهودهم الأخيرة إنهم أخرجوا من الشعراء ما لم تخرجه أمم العالم مجتمعة. وأما في العلم فكل مقدرتهم تنحصر في أنهم هذبوه على مثال اليونانيين الإسكندريين. لا على مثال اليونانيين الأوروبيين. إذ رأوا أن العلم لا يتقدم آخر الدهر بمجرد النظريات بل بالبحث العملي في قوي الطبيعة وأسرارها. وأكبر مميزات طريقتهم العلمية التجربة والاستقراء. فأما الهندسة والعلوم الرياضية فقد عدوها وسائل لاتساع الذهن وتقوية التصور والتعقل. وإنك لتشهد في عديد مؤلفاتهم في الميكانيكا وعلم الهيدر وستاتك أي علم نواميس التوازن في السوائل وعلم الضوء إن حل مسألة أو مشكلة تختص بعلم من هذه العلوم لم يكن إلا بإقامة تجربة أو باستقراء آلي. ومن ذلك كان العرب واضعي علم الكيمياء. وتوصلوا به إلى اختراع كل أنواع المعدات لمسائل التقطير والإذابة والتصعيد وغيرها. وقد أدى كل ذلك إلى أن استعانوا في علوم الفلك بالآلات الدقيقة المتحللة كالأسطرلاب ومقياس الزوايا وإلى استعمال الميزان وكانوا أعلم بنظرياته وأخبر. وإلى إنشائهم مراصد للفلك مثل التي كانت في بغداد واسبانيا وسمرقند. وانتهى بهم ذلك إلى تقدمهم في الهندسة وحساب المثلثات وإلى اختراع علم الجبر واتخاذ الأرقام الهندية في الحساب - تلك هي النتائج التي نشأت من اختيارهم الطريقة الاستنباطية التي سنها أرسطو واجتنابهم أحلام
стр. 1333
أفلاطون نظرو.
ولكي تكثر خزائن الأسفار. وتحفل المكاتب بالتواليف الكبار. دأبوا في جمع الكتب واقتنائها. وقد روى عن الخليفة المأمون أنه جاء إلى بغداد بمئات من النوق تحمل الكتب الخطية المأثورة. ولما عقد الصلح بينه وبين ميشيل الثالث كان من شروطه أن تدفع إليه خزانة من خزائن القسطنطينية. فكان من بين الأسفار التي نالها رسالة بطليموس في الرياضة السماوية. فدفعه إلى المعربين فعرب باسم المجسطي وقد بلغ عدد الكتب المدخرة في المكاتب مبلغاً عظيماً. إذ كانت مكتبة القاهرة تحتوي مائة ألف مجلد. منها ستة آلاف وخمسمائة في الطب والفلك وحدهما. وكانت قوانين هذه المكاتب تبيح للمتعلمين والدارسين من أهل القاهرة استعارة الكتب وتجيزهم قراءتها. وقد حوت هذه المكتبة كذلك كرتين الأولى من فضة والأخرى من نحاس. وقد قيل أن النحاسية منهما هي الكرة التي صنعها بطليموس.
وأما مكتبة خلفاء الأندلس فقد بلغت مجلداتها ستمائة ألف حتى أن فهارسها استنفدت أربعة وأربعين كتاباً. وقد كان في الأندلس فوق ذلك سبعون مكتبة عمومية. وبلغت المجاميع والكتب التي في حوزة الأفراد العدد الكبير والمقدار الطائل. وقد روى أن طبيباً رفض دعوة سيلطان بخاري لأن حمل أسفاره يتطلب أربعمائة من الإبل:
وقد أعد في كل مكتبة مكان للنسخ والتعريب والتأليف. وقد كان لحونيان الطبيب مكان خاص بالترجمة في بغداد (٨٥٠م) وقد أصدر منها مترجمات عدة لأرسطو وأفلاطون وأبقراط وجالينوس وأضرابهم. أما التواليف فقد كانت العادة أن يسأل طلبة الجوامع أساتذتهم أن يضعوا لهم رسائل في الموضوعات والعلوم التي كانوا بحاجة إليها. وكان لكل خلفة مؤرخ مخصوص. وإن كتب العشق والقصص أشباه ألف ليلة وليلة خير شهيد بما كان للعربي من قوة الخيال. وقد وضعوا أسفاراً كبرى في التاريخ والفقه والسياسة والفلسفة والتراجم. ولم تكن هذه الأخيرة مقصورة على تراجم المشهورين منهم بل ومشهور الخيل والإبل والنوق. ولم يضعوا فوق التآليف رقيباً. وإن كانوا عمدوا في العهود الأخيرة إلى مراقبة الكتب الدينية فلم يأذنوا بنشرها إلا بعد ترخيص. وكثرت ندبهم المراجع الجغرافية والتاريخية والإحصائية والطبية. وكثرت المعاجم ومختصراتها كمعجم العلوم لمحمد بن عبد
стр. 1334
الله. وكانوا يعنون بصقل ورق الكتب وجودته ونصاعة بياضه. ويؤثرون تخلل أنواع المداد في سطور الكتاب وسلالة. وتذهب العناوين ورؤوس الأبواب والفصول وتحليتها بالرسوم والنقوش.
وكانت الدولة العربية من أقصاها إلى أقصاها حافلة بالمدارس والجامعات. في المغول والتتر والفرس والعراق والشام ومصر وأفريقية ومراكش وفاس وأسبانيا. ففي أقصى حدود هذه الدولة العظيمة التي فاقت الدولة الرومانية في اتساع ملكها وترابى نواحها قامت جامعة سمرقند وفي الحدود الأخرى جامعة جيرالدة في اسبانيا وقد قاتل جيبون في عرض كلامه على رعاية الخلفاء للعلم وأخذهم بناصر الأدب كان أمراء الأقاليم والولايات المستقلون في حق الرعاية كالخلفاء. وكان من مباراتهم بعضهم بعضاً ن انتشرت روح العلم بين سمرقند وبخارى وبين فارس وقرطبة، وكان من ذلك أن وزيراً من الوزراء (هو نظام الملك) أفرد من ماله مائتي ألف دينار لتأسيس جامعة في بغداد. يهبها في كل عام خمسة عشر ألف دينار. وكان الذين يتلقون فيها العلم ستة آلاف طالب. وكانت يجرى على فقراء الطلاب ومحاويجهم الصلات والأعطيات الكافية. وكانت الأساتذة تتناول أجوراً وفيرة. وكان الداعي إلى جمع الأسفار ونسخها في كل مدينة حب الاستطلاع من فريق المتعلمين والمجتهدين. والزهور والمحمدة من فريق السراة والأغنياء.
وكانت تفوض رعاية هذه المدارس والجامعات في بعض الأحايين إلى النسطوريين وفي أحيان أخر إلى اليهود، وكانوا يجزونهم الجزاء الأوفر، ويرفدونهم الرفد الأكبر، ولم يعتدوا بأي البلاد فيها ولد الطالب، ولا في أية عشيرة نشأ، ولا أي دين يعتنق. وأية آراء دينية يرى، ما دام العلم طلبته، والرغبة في التعلم حاجته.
وسارت الجامعات على مثال الجامعة الطبية التي كانت في القاهرة فكانت لا تخرج الطالب إلا بعد تأدية امتحان شديد دقيق. فإذا جازه الطالب أبيح له الاحتراف بصناعة. وأول مدرسة طبية أنشئت في أوروبا هي المدرسة التي أسسها العرب في ساليرن (سالرنو) من بلاد إيطاليا. وأول مرصد فلكي مرصدهم الذي أقاموه في اشبيلية من بلاد إسبانيا.
ولو شئنا أن نبين للقارئ نتائج هذه النهضة العلمية المدهشة لما اتسع نطاق هذا الكتاب، بل نقول إن العلوم القديمة تقدمت على أيدي العرب وتهذبت. وأخرجوا كذلك علوماً حديثة
стр. 1335
طريفة. اخترعوا علم الجبر ووضعوا أساسه وقواعده بعدد يوفنتوس. واخترع محمد بن موسى حل المعادلات التي من الدرجة الثانية، واخترع عمر ابن إبراهيم حل المعادلات التي من الدرجة الثالثة. والعرب هم الذين ابتدعوا حساب المثلثات وجعلوه على ما ترى منه اليوم. وتركوه علماً منفصلاً مستقلاً. ووضع ابن موسى المذكور رسالة في حساب المثلثات الدائرية وألف البغدادي رسالة أخرى في مساحة الأرض كانت على نصيب وافر من المتانة والسداد والافتنان حتى قال قوم إنها نسخة منقولة عن كتاب أوقليدس في هذا الموضوع.
ولم يقتصروا في علم الفلك على تأليف الفهارس وإنما وضعوا كذلك مصورات للكواكب والنجوم. وسموا الكبرى منها بالأسامي العربية التي نراها حتى اليوم في كراتنا السماوية. وحققوا حجم الأرض، وحددوا طول السنة وعدد أيامها. وقد عنى الفلكي الكبير لابلاس برسالة لفلكي منهم سماها علم الكواكب. وحلها من الاعتداد محلها. وكذلك لفت لابلاس الأنظار واسترعى اهتمام علماء الفلك إلى الرسالة الخطيرة التي ألفها ابن يونس المصري في عهد الحاكم بأمر الله (سنة ١٠٠٠م) لأنها احتوت كثيراً من دقائق الملاحظات منذ عهد المنصور في الكسوف والخسوف والاعتدال الربيعي والخريفي ومخانس النجوم والبروج والمنازل. وقد توفر الفلكيون من العرب على عمل الآلات الفلكية العديدة. وتركيبها وقياس الزمن بواسطة الساعات المختلفة الأنواع والأشكال. وكانوا كذلك أول من اخترع البندول.
وأما في العلوم العملية فهم أول من وضع مبادئ الكيمياء الحديثة وأول من اخترع حمض النيتريك وحمض السلفيوريك (الكبريت) والكحول. وأول من استعانوا بالكيمياء على تركيب الأدوية. وأول من استعملوا الصيدليات. وأعدوا بها المعدات الكيماوية.
وبعد أن أفاض الدكتور دريبر في بيان نتائج هذه النهضة العلمية والإصلاحلات والاختراعات التي أحدثتها العرب في جميع العلوم ووضعوها اختتم بحثه بهذه الفقرة: قال:
وكذلك كانت تلقن في مدارسهم مذاهبنا الحديثة في النشوء والتطور والارتقاء. بل إنهم ذهبوا بها إلى أبعد ما نذهب نحن فأجروها أيضاً على الأجسام المعدنية والأجسام غير العضوية. واسمع الآن ما يقول الخازني في القرن الثاني عشر من الميلاد.
عندما يسمع العامة من الفلاسفة الطبيعيين إن الذهب جسم بلغ حد الكمال والارتقاء.
следующие страницы →