Полный текст (3 596 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.
стр. 1331
إذا استعان على ذلك ببدر المال وبالتحف والطرف والنفحات. وكانت المسيحية تعتقد أن في ميسورها أن تغير الأمور عن مجراها الطبيعي. ولكن أساس الإسلام الرضي بسنة الله. ولن تجد لسنته تبديلاً. ولم تكن صلاة المسيحي إلا دعوات لأماني يطلبها. وعلالات يرجوها. وما كانت صلاة المسلم إلا إخلاصاً لله وشكراً على سالف أنعمه وفارط هباته. وكانت تطورات العالم في نظر المسيحي إن هي إلا عوارض فجائية لا تتبع قانوناً ولا تسير على سنة. أما في نظر المسلم فعلى النقيض من ذلك. فكل حركة مادية في رأيه نتيجة حركة سبقتها. وكل فكرة وليدة فكرة تقدمتها. وكل حادث تاريخي نتاج حادث تاريخي انفرط قبله. وكل عمل إنساني منشأ عمل إنساني آخر. ولم يحدث في تاريخ البشر حوادث فجائية مطلقاً. بل كان هناك تتابع بين الحوادث وتلاحق لا مرد لهما ولا متأخر. لأن القضاء سلسلة حديدية. حلقاتها الحقائق. كلها يلزم مكانه الذي وضع فيه. ولم تضطرب منها يوماً خلقه. ولم تنتقل عن مكانها المسكين. وإن كل إنسان خرج إلى العالم دون علمه. وسيرحل عنها دون رغتبه. فليستسلم إذن ولينظر ما يكنه له الغيب في عالمه.
ثم انتقل الفيلسوف دريبر إلى التطور الذي حدث للعرب فقال وما كان أسرع انتقال عصبية العرب ونعرتهم الدينية إلى حب الأعمال الذهنية. فإنه لم يكد ينفرط بعد وفاة النبي عشرون عاماً حتى ظهر هذا الميل الأدبي بأجلى أشكاله في الشام والفرس وآسيا الصغرى ومصر وقد كان علي بن أبي طالب في ذلك العهد خليفة المسلمين فحث الناس على طلب العلوم والآداب بجملة أصولها وفروعها. وجاء على أثره معاوية رأس الدولة الأموية عام ٦٦١ من الميلاد فقلب نظام الحكومة وجعلها ورانية وكانت من قبل انتخابية في الغرب. وعاش ثم عيشة الأبهة والرفاهية والنعمة وكسر قيود التعصب، ونصب نفسه نصيراً للأدب وراعياً، وهذا الانقلاب العجيب. والتطور المدهش الغريب وليداً ثلاثين عاماً. وما كان أشد الفرق بين حال عمر بن الخطاب يوم وجد نائماً على سلم جامع المدينة وبين معاوية. والوفود تدخل عليه في قصر منيف. ازدان بالحلي والنقوش. وحف بالبساتين والجنات. وتجمل بنوافير الماء وعذب البركات.
وما كان يمضي زهاء قرن من يوم وفاة النبي حتى كثرت المعربات من تآليف أشهر كتاب اليونان الأقدمين. ولما كانت قصيدة الألياذة والأوذيسيا تعدان زيغاً في الدين وخرافة. لما
стр. 1332
جاء بها من أوهام الأغريق القديمة وخرافاتهم وخزعبلاتهم. فقد اكتفى العرب بترجمتها إلى السوريانية لينفقوا غلة الباحثين منهم والمستطلعين. ونقل المنصور (٧٥٣ - ٧٧٥م) مقر حكومته إلى بغداد. وقد جعلها حاضرة زاهية زاهرة وصرف كثيراً من زمانه في دراسة علم الفلك والدأب في تقدمه وتهذيبه. وأسس مدارس للطلب ومعاهد للشريعة. واحتذى حفيده الرشيد (٧٨٦م) حذوه. واقتفى أثره. فأمر أن يلحق بكل مسجد مدرسة. ولكن العهد الأوغسطي في بلاد العرب لم يكن إلا عهد الخليفة المأمون (٨١٣ - ٨٣٢م) إذ جعل بغداد مقراً للعلم ومهبطاً. وجمع المكاتب الكبرى وقرب إليه البحاثة وأدنى من جانبه العلماء.
هذا وقد استمر الارتقاء العلمي حتى انقسام الدولة العربية إثر الخلافات الداخلية إلى ثلاثة أجزاء. الدولة العباسية في آسيا والفاطمية في مصر. والأموية في اسبانيا. وأصبحت هذه الدول الثلاث تتنافس في الآداب والعلوم تنافسها في السياسة والملك.
أما في الأدب فإن العرب طرقوا من أبوابه كل ما يهذب الذهن ويبهج الروح. وقد كان فخرهم في عهودهم الأخيرة إنهم أخرجوا من الشعراء ما لم تخرجه أمم العالم مجتمعة. وأما في العلم فكل مقدرتهم تنحصر في أنهم هذبوه على مثال اليونانيين الإسكندريين. لا على مثال اليونانيين الأوروبيين. إذ رأوا أن العلم لا يتقدم آخر الدهر بمجرد النظريات بل بالبحث العملي في قوي الطبيعة وأسرارها. وأكبر مميزات طريقتهم العلمية التجربة والاستقراء. فأما الهندسة والعلوم الرياضية فقد عدوها وسائل لاتساع الذهن وتقوية التصور والتعقل. وإنك لتشهد في عديد مؤلفاتهم في الميكانيكا وعلم الهيدر وستاتك أي علم نواميس التوازن في السوائل وعلم الضوء إن حل مسألة أو مشكلة تختص بعلم من هذه العلوم لم يكن إلا بإقامة تجربة أو باستقراء آلي. ومن ذلك كان العرب واضعي علم الكيمياء. وتوصلوا به إلى اختراع كل أنواع المعدات لمسائل التقطير والإذابة والتصعيد وغيرها. وقد أدى كل ذلك إلى أن استعانوا في علوم الفلك بالآلات الدقيقة المتحللة كالأسطرلاب ومقياس الزوايا وإلى استعمال الميزان وكانوا أعلم بنظرياته وأخبر. وإلى إنشائهم مراصد للفلك مثل التي كانت في بغداد واسبانيا وسمرقند. وانتهى بهم ذلك إلى تقدمهم في الهندسة وحساب المثلثات وإلى اختراع علم الجبر واتخاذ الأرقام الهندية في الحساب - تلك هي النتائج التي نشأت من اختيارهم الطريقة الاستنباطية التي سنها أرسطو واجتنابهم أحلام
стр. 1333
أفلاطون نظرو.
ولكي تكثر خزائن الأسفار. وتحفل المكاتب بالتواليف الكبار. دأبوا في جمع الكتب واقتنائها. وقد روى عن الخليفة المأمون أنه جاء إلى بغداد بمئات من النوق تحمل الكتب الخطية المأثورة. ولما عقد الصلح بينه وبين ميشيل الثالث كان من شروطه أن تدفع إليه خزانة من خزائن القسطنطينية. فكان من بين الأسفار التي نالها رسالة بطليموس في الرياضة السماوية. فدفعه إلى المعربين فعرب باسم المجسطي وقد بلغ عدد الكتب المدخرة في المكاتب مبلغاً عظيماً. إذ كانت مكتبة القاهرة تحتوي مائة ألف مجلد. منها ستة آلاف وخمسمائة في الطب والفلك وحدهما. وكانت قوانين هذه المكاتب تبيح للمتعلمين والدارسين من أهل القاهرة استعارة الكتب وتجيزهم قراءتها. وقد حوت هذه المكتبة كذلك كرتين الأولى من فضة والأخرى من نحاس. وقد قيل أن النحاسية منهما هي الكرة التي صنعها بطليموس.
وأما مكتبة خلفاء الأندلس فقد بلغت مجلداتها ستمائة ألف حتى أن فهارسها استنفدت أربعة وأربعين كتاباً. وقد كان في الأندلس فوق ذلك سبعون مكتبة عمومية. وبلغت المجاميع والكتب التي في حوزة الأفراد العدد الكبير والمقدار الطائل. وقد روى أن طبيباً رفض دعوة سيلطان بخاري لأن حمل أسفاره يتطلب أربعمائة من الإبل:
وقد أعد في كل مكتبة مكان للنسخ والتعريب والتأليف. وقد كان لحونيان الطبيب مكان خاص بالترجمة في بغداد (٨٥٠م) وقد أصدر منها مترجمات عدة لأرسطو وأفلاطون وأبقراط وجالينوس وأضرابهم. أما التواليف فقد كانت العادة أن يسأل طلبة الجوامع أساتذتهم أن يضعوا لهم رسائل في الموضوعات والعلوم التي كانوا بحاجة إليها. وكان لكل خلفة مؤرخ مخصوص. وإن كتب العشق والقصص أشباه ألف ليلة وليلة خير شهيد بما كان للعربي من قوة الخيال. وقد وضعوا أسفاراً كبرى في التاريخ والفقه والسياسة والفلسفة والتراجم. ولم تكن هذه الأخيرة مقصورة على تراجم المشهورين منهم بل ومشهور الخيل والإبل والنوق. ولم يضعوا فوق التآليف رقيباً. وإن كانوا عمدوا في العهود الأخيرة إلى مراقبة الكتب الدينية فلم يأذنوا بنشرها إلا بعد ترخيص. وكثرت ندبهم المراجع الجغرافية والتاريخية والإحصائية والطبية. وكثرت المعاجم ومختصراتها كمعجم العلوم لمحمد بن عبد
стр. 1334
الله. وكانوا يعنون بصقل ورق الكتب وجودته ونصاعة بياضه. ويؤثرون تخلل أنواع المداد في سطور الكتاب وسلالة. وتذهب العناوين ورؤوس الأبواب والفصول وتحليتها بالرسوم والنقوش.
وكانت الدولة العربية من أقصاها إلى أقصاها حافلة بالمدارس والجامعات. في المغول والتتر والفرس والعراق والشام ومصر وأفريقية ومراكش وفاس وأسبانيا. ففي أقصى حدود هذه الدولة العظيمة التي فاقت الدولة الرومانية في اتساع ملكها وترابى نواحها قامت جامعة سمرقند وفي الحدود الأخرى جامعة جيرالدة في اسبانيا وقد قاتل جيبون في عرض كلامه على رعاية الخلفاء للعلم وأخذهم بناصر الأدب كان أمراء الأقاليم والولايات المستقلون في حق الرعاية كالخلفاء. وكان من مباراتهم بعضهم بعضاً ن انتشرت روح العلم بين سمرقند وبخارى وبين فارس وقرطبة، وكان من ذلك أن وزيراً من الوزراء (هو نظام الملك) أفرد من ماله مائتي ألف دينار لتأسيس جامعة في بغداد. يهبها في كل عام خمسة عشر ألف دينار. وكان الذين يتلقون فيها العلم ستة آلاف طالب. وكانت يجرى على فقراء الطلاب ومحاويجهم الصلات والأعطيات الكافية. وكانت الأساتذة تتناول أجوراً وفيرة. وكان الداعي إلى جمع الأسفار ونسخها في كل مدينة حب الاستطلاع من فريق المتعلمين والمجتهدين. والزهور والمحمدة من فريق السراة والأغنياء.
وكانت تفوض رعاية هذه المدارس والجامعات في بعض الأحايين إلى النسطوريين وفي أحيان أخر إلى اليهود، وكانوا يجزونهم الجزاء الأوفر، ويرفدونهم الرفد الأكبر، ولم يعتدوا بأي البلاد فيها ولد الطالب، ولا في أية عشيرة نشأ، ولا أي دين يعتنق. وأية آراء دينية يرى، ما دام العلم طلبته، والرغبة في التعلم حاجته.
وسارت الجامعات على مثال الجامعة الطبية التي كانت في القاهرة فكانت لا تخرج الطالب إلا بعد تأدية امتحان شديد دقيق. فإذا جازه الطالب أبيح له الاحتراف بصناعة. وأول مدرسة طبية أنشئت في أوروبا هي المدرسة التي أسسها العرب في ساليرن (سالرنو) من بلاد إيطاليا. وأول مرصد فلكي مرصدهم الذي أقاموه في اشبيلية من بلاد إسبانيا.
ولو شئنا أن نبين للقارئ نتائج هذه النهضة العلمية المدهشة لما اتسع نطاق هذا الكتاب، بل نقول إن العلوم القديمة تقدمت على أيدي العرب وتهذبت. وأخرجوا كذلك علوماً حديثة
стр. 1335
طريفة. اخترعوا علم الجبر ووضعوا أساسه وقواعده بعدد يوفنتوس. واخترع محمد بن موسى حل المعادلات التي من الدرجة الثانية، واخترع عمر ابن إبراهيم حل المعادلات التي من الدرجة الثالثة. والعرب هم الذين ابتدعوا حساب المثلثات وجعلوه على ما ترى منه اليوم. وتركوه علماً منفصلاً مستقلاً. ووضع ابن موسى المذكور رسالة في حساب المثلثات الدائرية وألف البغدادي رسالة أخرى في مساحة الأرض كانت على نصيب وافر من المتانة والسداد والافتنان حتى قال قوم إنها نسخة منقولة عن كتاب أوقليدس في هذا الموضوع.
ولم يقتصروا في علم الفلك على تأليف الفهارس وإنما وضعوا كذلك مصورات للكواكب والنجوم. وسموا الكبرى منها بالأسامي العربية التي نراها حتى اليوم في كراتنا السماوية. وحققوا حجم الأرض، وحددوا طول السنة وعدد أيامها. وقد عنى الفلكي الكبير لابلاس برسالة لفلكي منهم سماها علم الكواكب. وحلها من الاعتداد محلها. وكذلك لفت لابلاس الأنظار واسترعى اهتمام علماء الفلك إلى الرسالة الخطيرة التي ألفها ابن يونس المصري في عهد الحاكم بأمر الله (سنة ١٠٠٠م) لأنها احتوت كثيراً من دقائق الملاحظات منذ عهد المنصور في الكسوف والخسوف والاعتدال الربيعي والخريفي ومخانس النجوم والبروج والمنازل. وقد توفر الفلكيون من العرب على عمل الآلات الفلكية العديدة. وتركيبها وقياس الزمن بواسطة الساعات المختلفة الأنواع والأشكال. وكانوا كذلك أول من اخترع البندول.
وأما في العلوم العملية فهم أول من وضع مبادئ الكيمياء الحديثة وأول من اخترع حمض النيتريك وحمض السلفيوريك (الكبريت) والكحول. وأول من استعانوا بالكيمياء على تركيب الأدوية. وأول من استعملوا الصيدليات. وأعدوا بها المعدات الكيماوية.
وبعد أن أفاض الدكتور دريبر في بيان نتائج هذه النهضة العلمية والإصلاحلات والاختراعات التي أحدثتها العرب في جميع العلوم ووضعوها اختتم بحثه بهذه الفقرة: قال:
وكذلك كانت تلقن في مدارسهم مذاهبنا الحديثة في النشوء والتطور والارتقاء. بل إنهم ذهبوا بها إلى أبعد ما نذهب نحن فأجروها أيضاً على الأجسام المعدنية والأجسام غير العضوية. واسمع الآن ما يقول الخازني في القرن الثاني عشر من الميلاد.
عندما يسمع العامة من الفلاسفة الطبيعيين إن الذهب جسم بلغ حد الكمال والارتقاء.
стр. 1336
يعتقدون جد الاعتقاد أن الذهب لم يصل إلى حالته تلك إلا بتنقله بين أنواع الأجسام المعدنية كلها أي كانت طبيعته الذهبية من قبل رصاصاً. ثم صارت بعد ذلك قصديراً فنحاساً ففضة حتى بلغت درجة الذهب. وكأني بهم لا يعلمون إن الفلاسفة الطبيعيين يريدون بقولهم ذاك ما يريدون بقولهم إن الإنسان بلغ حد الكمال والتوازن في طبيعته وتركيبه. فليس معنى ذلك أن الإنسان كان يوماً عجلاً. فصار حماراً. فغدا حصاناً. فأضحى بعده قرداً. حتى صار في النهاية إنساناً.
стр. 1337
شذرات من فلسفة نيتشه
لعل القراء يذكرون الفصل الذي جاء في العدد الثاني والثالث من السنة الثانية يتضمن الكلام على فلسفة نيتشه وإلا طافة بشيء من ترجمته. وبعض شذرات اقتطفت من فجره. واليوم جئنا نعاود الاقتطاف من هذه الفلسفة الحارة المتأججة. والآراء المضطرمة المستعرة. ثمرات هي وإن مجت مرارة وعلقماً وصبراً، خير من تلك الآراء الهادئة الحلوة التي يسترطها المتناول. فلا تكاد تستقر في جوفه حتى ينمي حلاوتها. وليست الآراء المريرة إلا أملاحاً تزيل من جوف متناولها عتيق آراءه. وجامد أفكاره. وهي وإن لم تصادف الرضى والقبول، لا تستحق الكره ولا تستأهل الجفوة والأعراض.
النساء ـ: كل ما في المرأة لغز. لا يطلب إلا حلاً واحداً. ذلك ما يسمونه بالحمل الرجل للمرأة واسطة. غايتها الطفل. ولكن ما مكان المرأة من الرجل؟ كل رجل صادق الرجولة حقيقيها. يروم مطلبين مختلفين. الخطر واللهو - فلذلك يطلب المرأة كأشد اللعبات خطراً.
ليدرب الرجل على القتال ويمرن. ولتعلم المرأة على أن تكون ملهاة للرجل ومنعمة فكل ما عدا ذلك سخف وحماقة وجنون.
لا يستطيب الرجل المقاتل الثمار الشديدة الحلاوة ولا يستعذ بها. فلذلك يحب المرأة. لأن أحلى النساء مذاقاً. وأعذبهن مساغاً. لا تبرح مرة المطعم.
المرأة أعلم من الرجل بالأطفال. ولكن الرجل أشد طفولة من المرأة.
إن في الرجل لطفلاً مختبئاً يريد أن يلعب فأقبلن أيتها النساء واكتشفن لي الطفل الكامن في الرجل.
إلا فلتكن المرأة لعبة للرجل نقية. صافية. دقيقة كالجوهرة. تألق بسنا فضائل عالم لم يحن بعد حينه. ولم يأن أوانه.
ليسطع في حبكن. يا جماعة النساء. أشعة هذا النجم الزاهي. دعن أملكن يقول ليتني ألد الإنسان الأعلى!.
ولتجعلن الشجاعة رفيقة حبكن. وليكن في حبكن شرفكن. فإن المرأة قل ما تفهم الشرف في غير الحب. ولكن ليكن شرفكن في أن تحبين أكثر من أن تحبين ولا تكن في الحب إلا السابقات.
ليخش الرجل المرأة إن هي حبت. فإنها إذ ذاك تضحي كل شيء. وتعد كل شيء غيره
стр. 1338
تافهاً لا قيمة له ولا قدر.
وليخف الرجل المرأة إن هي أبغضت. فالرجل شرير في صميم نفسه. ودخيلة روحه. ولكن المرأة بجملتها شريرة فاجرة سافلة.
من هو أكره للآخر وأبغض؟ - إلا فاسمع ما يقول الحديد للمغناطيس أنا الذي أكره لك وأبغض. لأنك أنت الذي تجتذب. وإن كنت أضعف من أن تشدني إليك وتجر. .
إن سعادة الرجل في أن يقول أنا الذي أريد وسعادة المرأة هو الذي يريد.
إلا فانظروا. الآن أصبح العالم كاملا! كذلك تظن كل امرأة يوم تذعن بكل حبها وتستسلم.
يجب على المرأة أن تطع. بل يجب عليها أن تجد لملئها غوراً. لأن روح المرأة اديم متحرك متنقل. غشاء مظلم معتم. فوق ماء قريب الغور دانية.
ولكن روح الرجل عميقة غائرة يفيض آذيها من منابع وأجحار ومغاور ضنية تتخيل المرأة قوتها. ولكنها لا تستطيع لها فهماً.
الزواج والنسل - لي سؤال أريد أن ألقيه عليك وحدك. أريد أن ألقي بسؤالي أنا في أعماق نفسك. مسبار أاسبر به غور روحك.
أنت اليوم فتى في ميعة الشباب. وعفرة الصبا. وتريد طفلاً. وتروم زوجاً. لكني أسألك هل أنت بالرجل الحري بالزواج. الخليق بالذراري والأطفال؟.
أنت الرجل القوي المنتصر الهازم نفسه. القاهر فوق شهواته. المهيمن على عواطفه. المتغلب على فضائله - ذلك سؤالي إليك ومستفسري.
أم هو الحيوان ينفث في رغبتك. أم هي الضرورة. أم العزلة. . أم النزاع؟.
إنك ستبني فوقك وتشيد. ولكن قبل أن تبني يجب أن تبني أنت جثماناً وروحاً.
إنك ستزيد في نفسك وتنميتها وتكبرها. لا إلى الإمام فقط. ولكن إلى فوق. حيث جنة الزواج تعينك على بنياتك. وليتها تساعدك في تشييدك.
ستخلق جسماً أرفع من جثمانك وأسمى. وأشهق من بنياتك وأعلى. ستخلق طوقاً خالفاً.
وما الزواج عندي إلا رغبة الزوجين في خلق وليد هو أكبر وأسمى من خالقيهما. أما الزواج إلا الاحترام المتبادل بين الزوجين لتحقيق هذه الرغبة.
فليكن هذا معنى الزواج وحقيقته. ولكن ماذا أسمي ما يدعوه أولئك الكل زواجاً؟.
стр. 1339
بلى أسميه أجداب الروح في الزوجين. بل اسميه قذارة الروح في الاثنين، اسميه لذة يرثي لها في البعلين.
كلهم يسمون هذا زواجاً. وكلهم يقولون إن زواجهم يقضي في السموات. ولكني أحب سماء هؤلاء الحيوانات المشتبكة في مسائل السموات.
لا تضحكوا لهذا الزواج. فأي طفل لا يحق البكاء على والديه؟.
إن في هذا الرجل لسعت خير وعنوان فضل. وإنه لناضج لمعنى الأرض. على أني ما كدت أرى زوجته حتى تبدت لي الأرض كأنها دار المتهوسين المجانين.
بلى. إني لأوثر أن تهز الأرض رجفة. أو تأخذ الأرض صيحة. إذ أرى الرجل القديس لأوزة بعلاً!.
هذا مضى يطلب الحق وينشده. فرجع آخر نجعته يحمل كذبة مزخرفة. يسميها زواجاً.
وهذا راح يطلب فتاة لها صفات الملائكة. فلم يصبح إلا وهو وصيف لامرأة. ولا يزال يريد أن يصير هو ملكاً.
كم من حماقات قصيرة تسمونها أنتم حباً. فيأتي الزواج فيرد هذه الحماقات القصيرة جنوناً واحداً مستطيلاً.
حاجة الحق إلى القوة، ليس الحق بقوة في ذاته. وإن قال لك أولئك الجدليون الثرثارون المالقون نقيض ذلك. ينبغي للحق أن يجتذب القوة إلى جانبه. وأما إن يركن هو إلى جانبها. وإلا كان نصيبه الموت والفناء. وقد شوهد صدق ذلك بما هو أكثر من الكفاية والغناء.
الصدق - كثيرون من الناس صادقون، ليس لأنهم يخجلون من إظهار عواطف النفاق والافتراء وإنما لأنهم لا يستطيعون أن ينجحوا في تحريض غيرهم على التصديق بفاقهم ولما كانوا قليلي الثقة بمقدرتهم التمثيلية آثروا سهولة تمثيل الصدق.
стр. 1340
ابن الرومي
(تابع الكلام على حياته)
ومن قوله أيضاً:
يا ابن حرب كسوتني طيلساناً ... يزرع الرفو فيه وهو سباخ
عد ملياً قد ناطح الدهر حتى ... كل أركانه بهن انفاخ
مات نساجه ومات بنوهم ... وبدا الشيب في بنيهم وشاخوا
طيلسان إذا تداعت خروق ... بين أتنائه لهن صراخ
سرني صوته وقلت لصحبي ... لم يصوت إلا وفيه طباخ
تستمر الصدوع طولاً وعرضاً ... فيه حتى كأنهن رخاخ
ومنه أيضاً يستهدي كساء:
يا من عكفنا عليه لاذين به ... فما عكفنا على بدر ولا وثن
أعاذك الله من حال تماطلني ... لضيقها بكساء تافه الثمن
أنظر إلى هذه الدنيا وزينتها ... تر المكارم فيها زينة الزين
فاكس ابن شكرك ما يبلى على ثقة ... أن سوف يكسوك ما يبقى على الزمن
فهذا وما سبق من مثله خليق أن يريك مبلغ فاقته ورقة حاله وخصاصته، وإذا ذكرت أنه ربما لزم كسر بيته أياماً لا يخرج فيها ولا يتصرف، وحوله صبية غرائي قد أخذتهم أموة الجوع، يشربون على ريقه النفس وما غلوا شرابهم بشيء وهو يخشى أن يبرح بيته مخافة أن يفجأه مالا يطيق احتماله. والناس لا يرحمون ضعفه ولا يرفقون به. ولا يكفون عن التضاحك منه والعبث به. فمن هازل يتداعب به ويعيبه بمشيته. ومن لئيم يزعم أنه عنين ويرميه بأنه مخنث. ومن حاسد يعيب شعره ليهيجه وهو ينفشه عليه. وإنه ربما رق له جيرانه وحنوا عليه فبعثوا له بشبعة من طعام وشربة من ماء. وإنه كان يمدح أهل الثراء فلا يفيد سوى الرد. ويستصرخ بذوي الغنى واليسار فلا يغنون عنه قلامة ظفر. إذا ذكرت ذلك لم تستغرب قولنا في مفتح هذا الفصل إننا لا نعرف رجلاً أصابه ما أصابه ولا عظيماً تهاون به الناس حياً وميتاً ألا هو. على أنه لو لم يكن عظيماً وكان من أجلاف عصره وهمجهم لعجبنا كيف يجوع ويظمأ. ولاستغربنا كيف يخلو عصر من أهل المروءة
стр. 1341
والأريحية. فكيف وهو أشعر أهل زمانه. والموفي على أقرانه؟.
روى أبو إسحق الحصري في زهر الآداب قال قال علي بن إبراهيم كاتب مسروق البلخي كنت جالساً بداري فإذا حجارة سقطت بالقرب مني فبادرت هارباً وأمرت الغلام بالصمود إلى السطح والنظر إلى كل ناحية من أين تأتينا الحجارة فقال امرأة من دار ابن الرومي الشاعر قد تشوفت وقالت اتقوا الله فينا واسقونا جرة من ماء وإلا هلكنا فقد مات من عندنا عطشا. فتقدمت إلى امرأة عندنا ذات عقل ومعرفة أن تصعد إليها وتخاطبها ففعلت وبادرت بالجرة وأتبعتها شيئاً من المأكول ثم عادت إلى فقالت: ذكرت المرأة (التي في دار ابن الرومي) أن البيت مقفل عليها من ثلاث بسبب طيرة ابن الرومي فتعجبت من حديثها.
على أن شعره حافل بالشكوى مما لقيه في حياته من أذى الناس وصرف الأيام وعنت الليالي ولو نحن أردنا استقصاء ذلك لاحتجنا أن تنقل أكثر ديوانه ولكنا تجترئ باليسير من ذلك فمنه قوله:
ويح القوافي ما لها سفسفت ... حظي كأني كنت سفسفها
ألم تكن هوجا فسددتها ... ألم تكن عوجاً فتقفها
كم كلمات حكت أبرادها ... وسطها المن وطرفتها
ما أحسنت إن كنت حسنتها ... ما ظرفت إن كنت ظرفتها
أنحت على حظي بمبراتها=شكراً لأني كنت أرهفتها
فرفقته حين وقفتها ... وهفهفته حين هفهفتها
وكتفت دون الغنى سدها ... حتى كأني كنت كنفتها
أحلف بالله لقد أصبحت ... في الرزق أفتني وما إفتها
لم أشكها قط بتقصيره ... فيها ولا من حيفة حفتها
حرمت في سني وفي ميمتي ... قراى من دنيا تضيفتها
لهفي على الدنيا وهل لهفة ... تتصف منها أن تلهفتها
كم آهة لي قد تأوهتها ... فيها ومن أف تأففتها
أغدو ولا حال تسنمتها ... فيها ولا حال تردفتها
أوسعتها صبراً على لؤمها ... إذا تقصته تطرقتها
стр. 1342
وقوله يذم الزمان وأهله:
ذهب الذين تهزهم مداحهسم ... هز الكماة عوالي المران
كانوا إذا امتدحوا رأوا ما فيهم ... فالأريحية منهم بمكان
والمدح يقرع قلب من هو أهله ... قرع المواعظ قلب ذي إيمان
كم قائل لي منهم ومدحته ... بمدائح مثل الرياض حسان
أحسنت ويحك ليس في وإنما ... استحسن الحسنات في ميزاني
وقوله من قصيدة يمدح بها إسماعيل بن بلبل الشيباني:
أمثل شعري يلوى حقه وله ... عليك من شيمك المحمود وأعوان
مالي لديك كأني قد زرعت حصي ... في عام جدب وظهر الأرض صفوان
أعايذ بك يستسقى بمعطشة ... وفي يمينك سبحان وجيحان
وبي صدا وبحلفي غصة برح ... فاعجل بغوثك إن الريث خذلان
إلى قوله:
إن لا يعني على دهري أخو ثقة ... من العباد فإن الله معوان
أو يبطل الحق بين الناس كلهم ... فليس للحق عند الله بطلان
وقوله:
عجبت لقوم يقبلون مدائحي ... ويأبون تنويبي وفي ذاك معجب
أشعري سفساف فلم يجتنبونه ... وإلا تكن هاتي قلم لا أثوب
وقوله:
أبا الصقر لست أرى مهديا ... لك المدح غيري إلا متابا
ولو وقف الأمر عند حد الفقر والخصاصة لقلنا فقير معدم أمثاله في الأرض كثير لا يحيط بهم حساب في كل زمان ومكان. وما زالت تلك حال الأديب. يقبل على الأدب فتعرض عنه الدنيا ويدبر عنه المال والنشب. ولكن الأمر لسوء طالعه قد جاوز الأملاق والفاقة إلى ما هو شر من ذلك وأصعب. وفي الفصل الآتي بيان ذلك وشرحه.
فصل في طيرة ابن الرومي وتعليلها
تذكر في هذا الباب جملة من أخبار ابن الرومي وطرفاً مما اتصل بنا عن طيرته ثم تقفى
стр. 1343
عليها بعد سردها برأينا في الطيرة وتعليلها:
قالوا كان ابن الرومي مفرط الطيرة شديد الغلو فيها. وكان من عادته أن يلبس ثيابه كل يوم ويتعوذ. ثم يصير إلى الباب والمفتاح معه فيضع عينه على ثقب في خشب الباب فتقع عينه على دار له كان نازلاً بإزائه وكان (أي جاره) أحدب يقعد كل يوم على بابه فإذا نظر إليه ورجع وخلع ثيابه وقال لا يفتح أحد الباب. وفي هذا الأحدب يقول:
قصرت أخادعه وطال قذاله ... فكأنه متربص أن يصفعا
وكأنما صعقت قفاه مسرة ... وأحس ثانية لها فتجمعا
وقال علي بن عبد الله بن المسيب: كان ابن الرومي يحتج للطيرة ويقول إن النبي ﷺ كان يحب الفأل ويكره الطيرة. افتراه كل يتفاءل بالشيء ولا يتطير من ضده ويقول إن النبي مر برجل وهو يرحل ناقة ويقول يا ملعونة فقال لا يصحبنا ملعون. وإن علياً ﵁ كان لا يغزو غزاة والقمر في العقرب. ويزعم أن الطيرة موجودة في الطباع قائمة فيها. وإن بعض الناس هي في طباعهم أظهر منها في بعض. وإن الأكثر في الناس إذا لقي ما يكرهه قال على وجه من أصبحت اليوم. فدخل علينا يوم مهرجان سنة ثمان وسبعين (ومائتين) وقد أهدى إلىَّ عدة من جواري الفيان وكانت فيهن صبية حولاء وعجوز في إحدى عينيها نكتة. فتطير من ذلك ولم يظهر لي أمره. وأقام باقي يومه فلما كان بعد مدة يسيرة سقطت ابنة لي من بعض السطوح فماتت وجفاه القاسم بن عبيد الله (وزير المعتضد) فجعل سبب ذلك المغنيتين وكتب إلى:
أيها المحتفى بحول وعور ... أين كانت عنك الوجوه الحسان
قد لعمري ركب أمراً مهينا ... ساءني فيك أيها الخلصان
فتحك المهرجان بالحول والعو ... رأرانا ما أعقب المهرجان
كان من ذاك فقدك ابنتك الحر (م) ... ة مصبوغة بها الأجفان
وتجافي مؤمل لي خليل ... لج فيه الجفاء والهجران
وعزيز علي تقريع خل ... لا يدانيه عندي الخلان
غير أني رأيت أذكاره الحزم ... وإشعاره شعاراً يصان
لا تهاون بطيرة أيها النظيا ... ر واعلم بأنها عنوان
стр. 1344
قف إذا طيرة تلقتك وانظر ... واستمع ثم ما يقول الزمان
فلما غاب من أمورك عنوان (م) ... مبين وللزمان لسان
لا تصدق عن النبيين إلا ... بحديث يلوح فيه البيان
خبر الله أن مشأمة كانت (م) ... لقوم وخبر القرآن
أفزور الحديث تقبل أم ما ... قاله ذو الجلال والفرقان
أترى من يرى البشير بشيراً ... يمتري في النذير ياوسنان
وكان أبو الحسن علي بن سليمان الأخفش غلام أبي العباس المبرد في عصر ابن الرومي شاباً مترفاً ومليحاً مستظرفاً وكان يعبث به فيأتيه بسحر فيقرع الباب فيقال له من فيقول قولوا لأبي الحسن (يعنى ابن الرومي) مرة بن حنظلة فيتطير لقوله ويقيم الأيام لا يخرج من داره وذلك كان سبب هجائه إياه فمن أول ما عاتبه به قوله:
قولوا لنحوينا أبي حسن ... إن حسامي إذا ضربت مضي
أعرف بالأشقياء بي رجلاً ... لا ينتهي أو يصير لي غرضا
يليح لي بالسلامة والسلم (م) ... ويخفي في قلبه مرضا
قال فقلنا ثم استقال فأع ... فيناه ثم استحال فانتفضا
وليس تجدي عليه موعظتي ... إن قدر الله حينه وقضي
كأنني بالشقي معتذراً ... إذا القوافي أذقنه المضضا
لا يأمنن السفيه بادرتي ... فإنني عارض لمن عرضا
عندي له السوط أن تلوم في السير=وعندي اللجام إن ركفنا
فاعتذر إليه وتشفع عنده بجماعة من أهل بغداد فقبل عذره ومدحه بقصيدته التي يقول فيها:
ذكر الأخفش القديم فقلنا ... إن للأخفش الحديث لفضلا
وإذا ما حكمت والروم قومي ... في كلام معرب كنت عدلا
ثم عاد إلى أذاه واتصل به أن رجلاً عرض عليه قصيدة من شعره قطعن عليها فقال قصيدته التي يقول فيها:
لا يلمني جارم سطوت به ... من زرع الشر عامداً حصده
جعلت عدل القصاص ملتحدي ... فليكن البغي ثم ملتحده
стр. 1345
كذلك إني خلقت ذا لدد=حتى أرى الخصم تاركاً لدده
لاسيما من عفوت عنه قاطع ... ته أتاني وهيجت صيده
سأسمع الناس ذمه أبداً=ما سمع الله حمد من حمده
ولابن الرومي في الأخفش أفخاش كثيرة مثبتة في ديوانه. وكان أصحابه غير الأخفش يعبثون به أيضاً فيرسلون إليه من يتطير من اسمه فلا يخرج من بيته أصلاً ويمتنع من التصرف سائر يومه - وأرسل إليه بعض أصحابه يوماً بغلام حسن الصورة اسمه حسن فطرق الباب عليه فقال من قال حسن فتفاءل به وخرج وإذا على باب داره حانوت خياط قد صلب عليها ورقتين كهيئة اللام ألف ورأى تحتها نوى تمر فتطير وقال هذا يشير بأن لا تمر ورجع ولم يذهب معه.
وروى بعضهم قال: بعثت بخادم لي يعرفه وأمرته يجلس بإزائه وكانت العين تميل إليه وتقدمت إلى بعض أعواني أن يدعو الجار الأحدب فلما حضر عندي أرسلت وراء غلامي لينهض إلى ابن الرومي ويستدعيه الحضور فإني لجالس ومعي الأحدب إذ وافى أبو حذيفة الطرسوسي ومعه برذعة الموسوس صاحب المعتضد ودخل ابن الرومي فلما تخطى باب الصحن عثر فانقطع شع نعله فدخل مذعوراً وكان إذا فاجأه الناظر رأي منه منظراً يدل على تغير حال فدخل وهو لا يري جاره المتطير منه فقلت له يا أبا الحسن أيكون شيء في خروجك أحسن من مخاطبتك للخادم ونظرك إلى وجهه الجميل فقال قد لحفني ما رأيت من العترة لأني فكرت أن به عاهة وهي قطع اثييه قال برذعة شيخنا يتطير قلت نعم وبفرط قال ومن هو قلت على بن العباس قال الشاعر قلت نعم أقبل عليه وأنشده أبياتاً منها:
ومن صحب الدنيا على جور حكمها ... فأيامه محفوفة بالمصائب
فخذ خلسة من كل يوم تعيشه ... وكن حذراً من كامنات العواقب
ودع عنك ذكر الفأل والزجر واطرح ... تطير جاز أو تفاؤل صاحب
ثم قام أبو حذيفة وبرذعة معه فحلف ابن الرومي لا يتطير من هذا ولا من غيره وأومأ إلى جاره! ومن شدة حذره وعظيم تطيره قوله لأبي العباس بن ثوابة وقد ندبه إلى الخروج معه وركوب دجلة من قصيدة طويلة:
ومن يلق ما لاقيت في كل مجتنى ... من الشوك يزهد في الثمار الأطايب
стр. 1346
أذاقتني الأسفار ماكره الغني ... إلى وأغراني يرفض المطالب
ومن نكبة لاقيتها بعد نكبة ... وهبت اعتساف الأرض ذات المناكب
فصبري على الأقتار أيسر مطلبا ... على من التغرير بعد التجارب
لقيت من البر التباريح بعدما ... لقيت من البحر ابيضاض الذوائب
سقيت على ربي به ألف مطرة ... شغفت لبغضيها بحب المجادب
ولم أبغها بل ساقها لمكيدتي ... تلاعب دهر جد بي كالملاعب
أبي أن بغيت الأرض حتى إذا رمت ... برحلى أتاها بالغيوث النواكب
سقي الأرض من أجلي فأضحت مدلة ... تمايل صاحبها تمايل شارب
فملت إلى خان ورت بناؤه ... مميل غريق النوب لهفان لاغب
فما زلت في جوع وخوف ووحشة ... وفي سهر يستغرق الليل واصب
يؤرقني سقف كأني تحته ... من الوكف تحت المزجيات الهواضب
يظل إذا ما الطين أثقل متنه ... تضر نواحيه صرير الجنادب
وكم خان سفر خان فانقض فوقهم ... كما نقض صقر الدجن فوق الأرانب
وما زال ضاحي البر يضرب أهله ... بسوطي عذاب جامد بعد ذائب
فإن فاته قطر وثلج فإنه ... رهين بساف ثارة ويحاصب
فذاك بلاء البر عندي شاتيا ... وكم لي من صيف به ذي مثالب
ألا رب نار بالقضاء اصطليتها ... من الضح بودي لفحها بالحواجب
فدع عنك ذكر البر أني رأيته ... لمن خاف هول البحر شر المهارب
ومازال يبغيني الخوف موارباً ... يحوم عل قتلي وغير موارب
فطوراً يناديني بلص مصلت ... وطوراً يسميني بورد الشوارب
وأما بلاء البحر عندي فإنه ... طواني على روع من الروح واقب
ولو ثاب عقلي لم أدع ذكر بغضه ... ولكنه من هوله غير تائب
ولم لا ولو ألقيت فيه وصخرة ... لوافيت منه النعر أول راسب
ولم أتعلم قط من ذي سباحة ... سوى الغوص والمصفوف غير مغالب
فأيشذ إشفاقي من الماء أنني ... أمر به في الكوز مر المجانب
стр. 1347
وأينشي الردى منه على كل شارب ... فكيف بأمنيه على نفس راكب
أخل إذا هزته ريح ولألأت ... له الشمس أفواجاً طوال الغرائب
كأني أرى فيهن فرسان بهمة ... يليحون تحوى بالسيوف الغواضب
فإن قلت لي قد يركب اليم طامياً ... ودجلة عند اليم بعد المذانب
فلا عذر فيها لامرئ هاب مثلها ... وفي اللجة الخضراء عذر لهائب
لطامن حتى تطرقن قلوبنا ... وتغضب من مزح الرياح اللواعب
ولليتم أعذار بعرض متونه ... وما فيه من آذية المتراكب
إبراهيم عبد القادر المازني
стр. 1348
نوادر وملح وفكاهات
كان الجاحظ أبو عثمان عمرو بن بحر سيد كتاب العربية قصيراً دميماً جاحظ العينين مشوه الخلقة حبهم المنظر حتى قال فيه بعض الشعراء:
لو بمسخ الخنزير مسخاً ثانياً ... ما كان دون قبح وجه الجاحظ
حكي عن نفسه قال: ما أخجلني قط إلا امرأتان رأيت إحداهما في المعسكر وكانت طويلة القامة وكنت على طعام فأردت أن أمازحها فقلت انزلي كلي معنا فقالت اصعد أنت حتى ترى الدنيا معرضة بقصره - وجاءت إلى الأخرى وأنا على باب داري فقالت لي إليك حاجة وأنا أريد أن تمشي معي فقمت معها إلى أن أتت بي إلى صائغ يهودي فقالت له مثل هذا وانصرفت فسألت الصائغ عن قولها فقال إنها أتت إلي بفص وأمرتني أن أنقش لها عليه صورة شيطان فقلت يا سيدتي ما رأيت الشيطان فأتت بك.
وأتاه يوماً رجل فقال سمعت أن لك ألف جواب مسكت فعلمني منها فقلت نعم فقال إذا قال لي إنسان يا زوج الفاعلة يا ثقيل الروح أي شيء أقول له قال قل له صدقت: وطلب إليه شخص كتاباً إلي بعض أصحابه يوصيه به فكتب له رقعة وختمها فلما خرج الرجل من عنده فضها فإذا فيها: كتابي إليك مع من لا أعرف ولا أوجب حقه. فإن قضيت حاجته لم أحمدك وإن رددته لم اذمك: فرجع إليه الرجل فقال الجاحظ كأنك فضفضفت الورقة قال نعم قال لا يضرك ما فيها فإنه علامة لي إذا أردت أن أشكر شخصاً.
حدث أبو العباس المبرد قال حدثنا محمد بن عامر الحنفي وكان من سادات بكر بن وائل وأدركته شيخاً كبيراً مملقاً وكان إذا أفاد على إملاقه شيئاً جاد به وقد كان قديماً ولي شرطة البصرة فحدثني هذا الحديث الذي ذكره ووقع إلى من غير ناحيته ولا أذكر ما بينهما من الزيادة والنقصان لأن معاني الحديث مجموعة فيما أذكر لك. ذكر أن فتياناً كانوا مجتمعين في نظام واحد كلهم ابن نعمة وكلهم قد شرد عن أهله وقنع بأصحابه فذكر ذاكر منهم قال كنا أكترينا داراً شارعة على أحد طرق بغداد المعمورة بالناس وكنا نفلس أحياناً ونوسر أحياناً على مقدار ما يمكن الواحد من أهله وكنا لا ننكر أن تقع مؤنتنا على واحد منا إذا أمكنه ويبقى الواحد منا لا يقدر على شيء فيقوم به أصحابه الدهر الأطول وكنا إذا أيسرنا أكلنا من الطعام ألينه ودعونا الملهين والمهلبات وكان جلوسنا في أسفل الدار فإذا عدمنا الطرب جلسنا في غرفة لنا نتمتع منها بالنظر إلى الناس وكنا لا نخل بالنبيذ في عسر ولا
стр. 1349
يسر فإنا لكذلك يوماً إذا يفنى يستأذن علينا فقلنا له أصعد فإذا رجل نظيف حلو الوجه سري الهيئة ينبئ رواؤه على أنه من أبناء النعم فأقبل علينا فقال إني سمعت مجتمعكم وحسن منادمتكم وصحة إلفتكم حتى كأنكم أدرجتم في قالب واحد فأحببت أن أكون واحداً منكم فلا تحتشموني قال وصادف ذلك منا أقتاراً من الفوت وكثرة من النبيذ وقد كان قال لغلام له أول ما يأذنون لي أن أكون كأحدهم هات ما عندك فغاب الغلام عنا غير كثير ثم أتانا بسلة خيزران فيها طعام المطبخ من جدي ودجاج وفراخ ورقاق وأشنان ومحلب وأخلة فأصبنا من ذلك ثم أفضنا في شرابنا وانبسط الرجل فإذا أحلى خلق الله إذا حدث وأحسنهم استماعاً إذا حدث وأمسكهم عن ملامة إذا خولف ثم أفضينا منه إلى أكرم محالفة وأجمل مساعدة وكنا ربما امتحناه بأن ندعوه إلى الشيء الذي نعلم أنه يكرهه فيزهر لنا أنه لا يحب غيره ويرى ذلك في إشراق وجهه فكنا نعني به عن حسن الفناء ونتدارس أخباره وآدابه فشغلنا ذلك عن تعرف اسمه ونسبه فلم يكن منا إلا تعرف الكنية فإنا سألناه عنها فقال أبو الفضل فقال لنا يوماً بعد اتصال الأنس إلا أخبركم بم عرفتكم قلنا إنا لنحب ذلك قال أحببت جارية في جواركم وكانت سيدتها ذات حبائب فكنت أجلس لها في الطريق التمس اجتيازها فأراها حتى أخلقني الجلوس على الطريق ورأيت غرفتكم هذه فسألت عن خبرها فخبرت عن ائتلافكم وثمالئكم ومساعدة بعضكم بعضاً فسكان الدخول فيما أنتم فيه أسر عندي من الجارية فسألناه عنها فخبرنا فقلنا له نحن تختدعها حتى نظفرك بها فقال يا إخواني إني والله على ما ترون مني من شدة الشغف والكلف بها ما قدرت فيها حراماً قط ولا تقديري إلا مطاولتها ومصابرتها إلى أن يمن الله بثروة فاشتريها فأقام معنا شهرين ونحن في غاية الاعتباط بقربه والسرور بصحبته إلى أن اختلس منا فنالنا بفراقه ثكل ممض ولوعة مؤلمة ولم نعرف له منزلاً نلتمسه فيه فكدر علينا من العيش ما كان طاب لنا به وقبح عندنا ما كان حسن بقربه وجعلنا لا نرى سروراً ولا غما إلا ذكرناه لافضال السرور بصحبته وحضوره والغم بمفارقته فكنا فيه كما قال الشاعر:
يذكر نبهم كل خير رأيته ... وشر فما أنفك منهم على ذكر
فغاب عنا زهاء العشرين يوماً فبينما نحن محتازون يوماً من الرصافة إذا به قد طلع في موكب نبيل وزي جليل فلما بصر بنا انحط عن دابته وانحط غلمانه ثم قال يا إخواني والله
стр. 1350
ما هنا إلى عيش بعدكم ولست أما طلبكم بخبري حتى آتي المنزل. لكن ميلوا بنا إلى المنزل فحملنا معه فقال أعرفكم أولاً بنفسي أنا العباس ابن الاحنف وكان من خبري بعدكم أني خرجت إلى منزلي من عندكم فإذا المسودة محيطة بي فمضى بي إلى دار أمير المؤمنين فصرت إلى يحيى بن خالد فقال لي ويحك يا عباس إنما اخترتك من ظرفاء الشعراء لقرب مأخذك وحسن تأتيك وإن الذي ندبتك من شأنك وقد عرفت خطرات الحلقاء وإني أخبرك أن ما ردة هي الغالبة على أمير المؤمنين اليوم وأنه جرى بينهما عتب فهي بذلة المعشوق تأبى أن تعتذر وهو بعز الخلافة وشرف الملك يأبى ذلك وقد رمت الأمر من قبلهما فأعياني وهو أحرى أن تستعبده الصبابة فقل شعراً يسهل عليه هذه السبيل فقضي كلامه ثم دعاني إلى أمير المؤمنين فصرت إليه وأعطيت قرطاساً ودواة فاعتراني الزمع واذهب عني ما أريد للاستحثاث فتعذرت على كل عروض ونفرت عني كل قافية ثم انفتح لي شيء والرسل تعتبني فجاءتني أربعة أبيات رضيتها وقعت صحيحة المعنى سهلة الألفاظ ملائمة لما طلب مني فقلت لأحد الرسل أبلغ الوزير إني قد قلت أربعة أبيات فإن كان بها مقنع وجهت بها فرجع إلى الرسول بأن هلتها ففي أقل منها مقنع وفي ذهاب الرسول ورجوعه قلت بيتين من غير ذلك الروى فكتبت الأبيات الأربعة في صدر الرقعة وعقبت بالبيتين فقلت:
العاشقان كلاهما متغضب ... وكلاهما متوجد متعتب
صدت مغاضبة وصد مغاضباً ... وكلاهما مما يعالج متعب
راجع أحبتك الذي هجرتهم ... إن المتيم قلما يتجنب
إن التجنبان تطاول منكما ... دب السلولة وعز المطالب
ثم كتبت تحت ذلك
لابد للعاشق من وقفة ... تكون بين الهجر والصرم
حتى إذا الهجر تمادى به ... راجع من يهوى على رغم
ثم وجهت بالكتاب إلى يحيى بن خالد فدفعه إلى الرشيد فقال والله ما رأيت شعراً أشبه بما نحن فيه من هذا والله لكاني قصدت به فقال له يحيى وأنت والله يا أمير المؤمنين المقصود به هذا بقوله العباس في هذه القصة فلما قرأ البيتين وأفضى إلى قوله.
стр. 1351
راجع من يهوى على رغم. استغرب ضحكاً حتى سمعت ضحكة ثم قال أي والله أراجع على رغم يا غلام هات نعلى فنهض وأذهله السرور عن أن يأمر لي بشيء فدعاني يحيى وقال إن شعرك قد وقع بغاية الموافقة وأذهل أمير المؤمنين السرور عن أن يأمر لك بشيء قلت لعل هذا الخبر ما وقع مني بغاية الموافقة ثم جاء غلام فساره فنهض وثبت مكانه فنهضت بنهوضه ثم قال لي يا عباس أمسيت أنبل الناس أتدري ما ساروني به هذا الرسول قلت لا قال ذكر لي أن ماردة تلقت أمير المؤمنين لما علمت بمجيئه ثم قالت له يا أمير المؤمنين كيف كان هذا فناولها الشعر وقال هذا أتي بي إليك قالت فمن يقوله قال عباس بن الأحنف قالت فيم كوفي قال ما فعلت شيئاً بعد قالت إذا والله لا أجلس حتى يكافأ قال فأمير المؤمنين قائم لقيام ماردة وأنا قائم لقيام أمير المؤمنين وهما يتناظران في صلتك فهذا كله لك قلت مالي من هذا إلا الصلة ثم قال هذا أحسن من شعرك قال فأمر لي أمير المؤمنين بمال كثير. وأمرت لي ماردة بمال دونه وأمر لي الوزير بمال دون ما أمرت به وحملت على ما ترون من الظهر ثم قال الوزير من تمام اليد عندك أن لا تخرج من الدار حتى يؤهل لك هذا المال ضياعاً فاشترى لي ضياعاً بعشرين ألف درهم ودفع لي بقية المال فهذا الخبر الذي عاقني عنكم فهلموا حتى أقاسمكم الضياع وأفرق فيكم المال قلنا له هناك الله فكل منا يرجع إلى نعمة من أبيه فأقسم وأقسمنا فقال أسوتي فيه فقلنا أما هذه فنعم قال فامضوا بنا إلى الجارية حتى نشتريها فمشينا إلى صاحبتها وكانت جارية جميلة حلوة لا تحسن شيئاً أكثر ما فيها ظرف اللسان وتأدية الرسائل وكانت تساوي على وجهها خمسين ومائة دينار فلما رأى مولاها ميل المشتري استام بها خمسمائة فأجبناه بالعجب فحط مائة ثم حط مائة ثم قال العباس يا فتيان إني والله أحتشم أن أقول بعد ما قلتم ولكنها حاجة في نفسي فأكره أن تنظر إلى بعين من قد ماكس في ثمنها دعوني أعطه بها خمسمائة دينار كما سأل قلنا له وإنه قد حط مائتين قال وإن فعل قال فصادفت من مولاها رجلاً حراً فأخذ ثلاثمائة وجهزها بالمائتين فما زال إلينا محسناً حتى فرق الموت بيننا.
стр. 1352
تاريخ أعضاء الجمعية التشريعية
سعد زغلول باشا
ـ ٢ ـ
بلغنا بالقارئ من ترجمة رجل مصر العظيم، سعد زغلول باشا، منطبق الأمة ومقولها، والمحامي عنها ومذودها إلي تلك الحفلة الكبرى التي أقامها المحامون لتكريمه على أثر انتخابه نائب قاض بمحكمة الاستئناف، وكان ذلك في اليوم الثامن عشر من شهر يوليه عام ١٨٩٢ أي منذ اثنين وعشرين حولاً، وجئنا بالخطبة المؤثرة الرقيقة التي ألقاها المترجم به بين جماعة المحتفلين وفيها تلك الاعترافات البليغة التي فاض بها قلب من تلك القلوب الخفاقة النابضة وجاشت بها نفس من تلك النفوس العبقرية الفياضة، وإن للنفوس لعبقرية هي في أغلب الأحيان، أشد من عبقرية الأذهان، وما عبقرية النفوس إلا قوة الشعور بالواجب، والإيمان بالحق، ومنابذة الباطل، وهي الوحي الإلهي الذي يتنزل على النفوس الخصيبة، فيملؤها روحانية، ويرسل في نواحيها مادة الإحساس الشفاف، وإذا كانت القوة الإلهية لا تكثر في الإنسانية من عداد العبقريين عقولاً وأذهاناً، فما أقل خلقها للعبقريين نفوساً ووجداناً لأن القوة الإلهية تدأب في عملها، وتجد في إخراج قوالبها، على أنك لتهز إليك جذع الشجرة المثمرة، فلا تستطيب من متساقط ثمارها، ولا تستعذب من متناثر بواكرها إلا ثمرة أو ثمرتين، وأنت فتجد أنواع الزهر الذي لا رائحة له ولا عرف، أكثر بأضعاف من أنواع الأزاهر ذات الشذى والأريج إذ كانت لذة الجميل أن لا يكون شائعاً، ولا يروح فاشياً ذائعاً، ولعل أكبر الدلائل على العظمة الإلهية أن تخلق عظيماً واحداً، بين ألوف كلهم صغار، وإن تصور امرأة حسناء وسيمة، في أسرة كل نسائها قباح دميمات، وما أجمل مظهر الخير، وما أروع موقفه، إذا أكتنفه الشر من كل مكان.
كذاك كان نصيب سعد زغلول باشا من عبقرية الذهن، وكذلك كان قسطه من عبقرية النفس، وهما لم يجتمعا في قالب إنساني إلا أحدثا توازناً في جميع عواطفه، فإنك ترى أكثر العبقريين أذهاناً، أقرب إلى الحيوانية من غيرهم، وأشد إسفافاً إلى البهيمية من سواهم، ولو كان أمثال الفردده موسيه وبيرون ونابوليون، عبقريي النفوس، لما هام الأول بحب البغايا، ووصل الفاجرات، وما استرسل الثاني في هوى الغادات الفاتنات، ولا ركب الثالث رأسه،
стр. 1353
فطاح بملايين النفوس والمهجات.
ونحن اليوم عائدون فآخذون في ذلك التاريخ العظيم ونحن له أشد روحاً وأخف نشاطاً، لأنا نرى في خلاله دروس الحكمة تلقى من فم التاريخ، ونشهد في تضاعيفه مزايا العظمة تطل من الماضي إلى الحاضر، واثبة إلى المستقبل، فدافعة إلى الأبدية.
دخل المترجم به في سلك القضاء، بتلك الشخصية القوية التي ما أسند إليها عمل عظيم، إلا استكان لها، وتشكل بشكلها، واصطبغ بصبغتها، وتضاءل إزاء قوتها، وما كان أكبر الأعمال، وأرفع المناصب، إلا ليضيق بصاحب الشخصية القوية، وإن اتسع لألوف الناس، ورحب بعديد ضعاف النفوس واحترام النفس من أسمى العظمة النفسية، ونحن لشد ما نروح معجبين مكبرين، إذا وقفنا على رجل من عرض العامة، في قهوة أو منتدى، يستمسك برأيه، ويستند إلى حجته، لا ينزل عنهما ولا ينكص، وقد اجتمع الجلوس كلهم على نقيض رأيه، واتفقوا جميعاً على دحض حجته. بل إنك لتمتلئ إعجاباً وإكباراً لشأن الرجل العامي الحقير، يجيئك بكيس نقود فقدته، ويأبى أن يقبل منك على ما أحسن أجراً ولا عطاء، ويرفض أن ينال منك على ما صنع مكافأة ولا جزاء.
وما أروع الشخصية القوية في منصة القضاء، وما أشد جلال القاضي المهيب، إذا اجتمع جلاله بجلال مقعده، والتقت روعة شخصيته، بروعة سدته. وعلى قدر قوة الشخصية في القضاة، تكون قوة الإنكار في المجرمين والجناة، حتى أنك لتلقى المتهم إزاء القاضي القوي الشخصية، مضطرباً مذهولاً حائراً مذعوراً، إذ يخيل إليه أمام تلك القوة الخفية - قوة الجاذبية بين القوي والضعيف إن قد انفتحت مغاليق نفسه، وانكشفت حيالها مجاهل ضميره وبدت أعماق سريرته، وأنه قد أصبح بين يدي القاضي، وكله ثغور تطل منها ذنوبه، وتشرف من خلالها جرائمه، حتى إذا بلغ منه تأثير تلك القوة السحرية كما يبلغ من المنوم تأثير مغناطيسية المنوم، أدلى إلى القاضي باعترافه وهو هادئ ساكن، وأشهده على جريمته، ليتخلص من ذلك التأثير الشخصي الذي يصدمه به القاضي ويهدم فيه كل عزيمة للإنكار، وكل إصرار على التنصل والتكذيب.
وكم من جرائم ما كان ليجدي في اكتشاف جناتها دقة التحقيق، وما كانت لتغني في الاهتداء إلى مرتكبيها شدة التحري والاستقصاء، وقوة البحث والاستهداء، ولا ذكاء الشرطة وحيلهم،
стр. 1354
ولا مهارة المحققين وخدعاتهم لو لم تقع في يد قاض قوي الشخصية، اهتدت قوة شخصيته إلى المجرم من الجلسة الأولى.
وبعد فإن صاحب الترجمة، كما قالت صحيفة إلا يجيب عنه منذ ثمانية أعوام، من فريق القضاة المصريين، الذين يعتقدون أن القانون لا يعاقب رغبة في الانتقام، ويرون أن من الواجب الأخذ بالرفق في تنفيذ القانون وذلك لأن العقاب لا يطهر المجرم، ولا يزيل عنه أقذار الجريمة، ولكنه على نقيض ذلك أشد إفساداً للمجرم من الجريمة نفسها ولا تظن أنت أن المجرم يصبح بعد العقاب نفس مرتكب الجرم، بل كأن غيره الذي احتمل العقاب على فعلته، وقاسي تبعة جريمته، وليس الانتقام إلا عدلاً وحشياً، وما كان القانون إلا عدلاً إنسانياً، ومن ثم فلا ينبغي أن يشوب العقاب القانوني شائبة من وحشية الانتقام، وإنما يجب أن تمازجه إنسانية العدل، ولا أظن القانون يعاقب اللصوص والقتلة، وغيرهم من الآثمين والجناة لينزع من قلوبهم تلك الأنانية الشديدة التي دفعتهم إلى الاعتداء على حقوق غيرهم ونفوسهم وأموالهم. وإيست جرائم السرقة والقتل وغيرهما. هي التي نفسها جعلت بين الناس قتلة ولصوصاً ومعتلين.
ولعل صرامة العقاب القضائي وشوائب الانتقام التي تشوبه وإمارات الترة البادية عليه هي التي تجعل من الأمور المستحيلات أن نصبح في مجتمع إنساني يعلن المجرم فيها عن جريمته. ويذيعها على أفراد جنسه. ويملي هو الجكم بعقابه وهو معتز متفاخر بأنه بذلك يوقر القانون الذي سنه بيده وأنه بعقاب نفسه ينقذ القوة المخولة له ونعني بها قوة المشرع. وسلطة واضع القانون. ولا يكون من ذلك العقاب الاختياري إلا أن المجرم يرفع نفسه ويعلو بها فوق جريمته ويمحو آثارها بصراحته وعظمته وسكوته.
ذلك هو المجرم الذي يطلبه صالح الجمعية البشرية. وتريده القوانين الإنسانية شعاره لا أخضع في عظيم الأمور وحقيرها إلا إلى القانون الذي وضعته أنا بيدي.
والمترجم به كذلك في طليعة المصريين الحربيين. كما شهدت له بذلك صحيفة الغازات الفرنسية منذ ثمان سنين أيضاً. يرى أن المحافظة لا تلائم سنن التطور، ولا تسير بالجماعات في طريق الرقي، وإنما تقف بها في مكان واحد على حين أن الحياة تجري كل يوم إلى طور جديد، ولا ترى عقيدة المحافظة على القديم إلا ضعيفة الحجة، حقيرة الرأي،
стр. 1355
لأنها تقبض بيدها على حقيقة واحدة. ولا تريد أن تفتح عينها لترى حقيقة أخرى خيراً منها وأفضل أثراً. ولذلك تجد عقيدة المحافظة أبداً معتذرة. محتجة بالظروف والضرورات. وعندها أن التغيير معناه الإفساد. وإن التجديد مرادفه التبديد. ولكنك ترى مذهب الحرية أبداً على الحق. منتصراً فائزاً. يقاتل وهو موقن بالنصر والفوز. ومذهب المحافظة يستند إلى أن للإنسان حدوداً مقررة. ويحج مذهب التجديد إلى أن ليس هناك أثر لحدود الإنسان. والمذهب الأول يقوم على الظروف ولكنك تجد المذهب الثاني يقوم على القوة. ذاك يطلب الراحة والسكون وهذا لا يريد إلا العمل والحركة. ذاك سلبي وهذا إيجابي. والمذهب الأول يعتمد في جميع حياته على ذاكرته وماضيه. وأما المذهب الثاني فيركن إلى عقله وحاضره.
وإليك ما قالته عن صاحب الترجمة جريدة النيمس الكبرى في عام ١٩٠٦ هو من شيعة المرحوم محمد عبد الذين امتازوا بالارتقاء والتهذيب وهم الذين سمام اللورد كرومر فريق الجيروند في النهضة الوطنية المصرية وهو مصري عريق في وطنيته. أجمع الناس على إكرامه والإعجاب به. لما اشتهر عنه من الاستقامة والاستقلال.
ونحن نقول إن شيعة المرحوم الأستاذ محمد عبده ما نبغت من الأزهر، وذكت في ربوعه. إلا لأنها كانت من أصحاب العقول القوية بفطرتها. والأرواح الخصيبة بطبيعتها. ولا تجد من طلاب الأزهر نابغة ولا عبقرياً. إلا وكان أول أمره ذا عقل قابل. وذكاء فطري. وروح وثابة ناهضة. لأن الأنبات الإنسانية الضعيفة. والعقول المظلمة. والأدمغة المعتمة. لا تدكو ولا تطيب في تلك التربة الأزهرية القوية. ولا تتفق مع جوها. ولا تنمو تحت قبها. بل إنها لتزداد كلما بقيت ضعفاً وتأوداً. وكلما سقيت من سقى ذلك المعهد. ورويت من ريه، أسرعت إلى لاذبول والاضمحلال. أما الذين يعيشون في جو الأزهر من الأقوياء طبائع وأذهاناً وأرواحاً. فلا ينون في ذلك المعهد يزدادون قوة على قوتهم. وذكاء على ذكاءهم. لأن الأزهر يخدم النبوغ وإن لم يكن فيه من هذا النبوغ مادته. وينضج الذكاء الفطري. حتى يكون منه العقل الجبار. والذهن العبقري. وإن لم يكن يعمل إيجاد هذا الذكاء والأزهر لا يفيد إلا أهل الاستعداد. ولا يصلح إلا للقابلين للنبوغ والرقي.
فلا عجب بعد ذلك أن ترى الأزهر مقلاً من إخراج الثمار الطيبة الصالحة: على كثرة عديد
стр. 1356
طلابه: وألوف الدارسين فيه. وإذا ما أخرج الأزهر يوماً عبقرياً واحداً: فلا تظن أن المدارس كلها مستطيعة أن تخرج آخر على شكله وغراره. وهل كانت مدارسنا وغير مدارسنا قادرة على أن تخرج رجلاً على نحو الأستاذ الإمام ومثاله. وأنت إذا رجعت إلى الأزهر وأطلعت إلى إحصائيات طلابه لألقيت عدد ما يذبل بين جدرانه. ويذوي بين حيطانه يربي على الفئات. ويسمو على الألوف. ثم إذا أنت نظرت إلى عدد النوابغ من خريجيه والعبقريين من طلبته: لما وجدتهم إلا نفراً قليلاً.
هذا ولا غرو أن يسمى اللورد كرومر شيعة الأستاذ الإمام بفريق الجير وندفي النهضة المصرية إذ كان الجير وندهم حزب طلاب الإصلاح في إبان الثورة الفرنسية. وهم المعتدلون الذين كانوا يريدون إصلاحاً لا يلطخه دم: ولا يشوبه قتل ولا جرم، وهم العقلاء من دعاة الملكية الدستورية. لم يطلبوا أن يطاح برأس ذلك الملك المخلص الضعيف: ولا أن تدق عنق تلك الملكة الغر الطائشة. وإنما يريدون حق كل فرد عند الحكومة. دون أن يستغدوا عليها قوة ذلك الفرد. ولولا الجبليون المتطرفون، ولولا المجازر التي أقاموها: والدماء التي سفحوها. والنفوس التي أسالوها: لما كان للثورة الفرنسية ذلك الاسم المرعب: والتاريخ المخوف الرهيب. ولا تجد الثورة إلا لتشبه الداعي إليها في كل أطواره وحالاته. فليست الثورة الفرنسية إلا لتحكي جان جاك روسو في كل أحواله الطبيعية. ومزاجه الثوري: وعواطفه الحارة المضطرمة: والداعون إلى الثورة يبدأون بطلب حق مهضوم. وينتهون بأن يصبحوا لحقوق غير حقهم هاضمين. وهل ترى روبسبير ومورات ودانتون كانوا يقتلون ويذبحون إلا لأنهم يريدون أن يستخلصوا حق الشعب من الأرسقتراطية والكهنوت. لا ليردوه للشعب ويعيدوه. بل ليستفردوا هم به وحدهم، ولعل الشعب في الثورة وتحت الجمهورية الأولى. كان أسوأ حالاً منه تحت الملكية. فلما جن روبسبير بالسلطان. وأذهلت لبه مشاهد الدماء. وذهبت بعقله روعة الجلوتين أراد الشعب على دين جديد ينسخ به الدين القديم. وأسمى دينه ذاك عبادة المخلوق الأعلى وما كان المخلوق الأعلى في هذه العبادة إلا روبسبير نفسه، فهل كان هذا من حقوق الشعب المهضومة؟.
ولذلك لا تجد طلاب الثورة في أكثر الأحايين إلا طلاب المآرب وإذا لم يكونوا بادئ بدء طلاب مآرب. فإن الثورة جادلتهم. ولا ريب كذلك.
стр. 1357
والمترجم به في صف أولئك العبقريين كبار النفوس المنضوين تحت ذلك اللواء الذي حمله في طليعتهم جون ملتون. الشاعر الإنجليزي الخالد. وهو أعطني حرية القول. وحرية التفكير. وحرية الضمير. ولا تعطني قبل ذلك شيئاً وإنك لتسمع من كل فم. وتلقي علي كل شفة. اسم صاحب الترجمة مقروناً بتلك الصفة العظمى. والسجية الكبرى ونعني بها حرية الرأي. وصراحة القول والمبدأ. يرى الطبيعة التي فطره الله عليها شرعاً إلهياً مقدساً ينبغي أن لا يغير فيه الناس ويبدلوا. ولا يمحوا فيه ويثبتوا. وما كان الرجل العظيم إلا ليدلي برأيه أمام العالم كله: وإن اجتمعت أمته وأمم الأرض جميعاً على مخالفته في ذلك الرأي. وأنت فلا تسمع لأولئك الذين يقولون إن صوت الشعب هو من صوت الله فعله في أكثر الأحايين من صوت الشيطان وضرورة الحكومة الخارجية للإنسان لا تكون إلا على نقيض نسبة القوة التي يستعين بها الإنسان على حكومة نفسه فإذا استكملت الثانية واستجمعت، قلت الحاجة إلى الأولى ونقصت. ونمن ثم كلما ازدادت الفضيلة بضروبها وفروعها. ازدادت الحرية وعمت. والرجل الذي يقذف بأغراض الناس وآرائهم ويعمل بإرادته لا بإراداتهم. ويفكر بذهنه لا بأذهانهم. ليس إلا رجلاً تنزلت الآلهة على قلبه وصفت مشاعره من شوائب الحيوانية، وتنزهت عواطفه عن نقائص البشرية، وترى الرجل العظيم يجهر عالي الصوت برأيه في يومه، فإذا جاء عليه الغد، أعلن رأى غده في مثل جهارة صوته، ورفعة روحه، حتى وإن نقض رأى الغد رأي أخيه الأمس. لا يحفل بأن لا يفهم الناس من أمره شيئاً، وهل فهمت الإنسانية كلها في جميع أجيالها فيثاغورس وسقراط ولوثر، وغاليليه ونيوتون، وكل من على شاكلتهم من كل ذي روح نقية حكيمة ركبها الله في جسم ودم. والعظمة أخلق بأن لا تطلب الوضوح للناس. وأحرى بأن تدق على أنظار صغار الناس. وتغيب عن إفهام عاديي الرجال.
وكل ما ترى من عظمة العظماء. ونبل أرواحهم. وصراحة أفكارهم. وحرية ضمائرهم. ربيب العزلة. ووليد الابتعاد عن غمار الجماعات. إذ كان المجتمع في كل مكان يعمل على قتل رجولة كل فرد من أفراده. وما المجتمع إلا شركة مساهمة يدفع لها كل عضو من أعضائها حريته وفكره ثمناً لسهمه. ولا ينال من أرباح هذا السهم إلا خبزه وطعامه وأمانه. ولذلك كان عظماء العالم ومفكروه وقادته وعبقريوه هم الذين نشؤوا بعيدين عن المجتمع.
стр. 1358
خارجين على قوانين هذه الشركة الغابنة رافضين أرباحها وسهامها. عاملين على إفلاسها. وإصلاح موادها وبنودها. وإن أكبر مزايا المفكرين والعظماء. أمثال سقراط وأفلاطون وسبنسر، إنهم لم يعتدوا بالجماهير ولا أكثر الآراء الناس. ولا بالعادات والقوانين التي يعيش عليها الجماعات. وإنما جاؤوا بآرائهم على نقيضها. وأتوا بأفكارهم هادمة لأفكارها. (للكلام بقية).
أحمد محمود باشا
عضو الجمعية التشريعية عن دائرة شبرا خيت
نأخذ الآن في عرض ترجمة رجل ذكي الفؤاد، شديد العارضة. كان لفعل الوراثة في تكوين ذكائه. وتغذية نبوغه. أكبر الأثر وأعظم الأسباب فهو يحيا بيننا بتلك الفطرة القوية. التي انطبعت فوق أديم روحه من اثر فطرة أبيه. فتجلت في صورته المصغرة كل محاسن الصورة المكبرة. وكل دلائلهما وكل تقاطيعهما وما كان الذكاء الموروث إلا أشد في طبيعته من الذكاء البكر وأقوى في نوعه من الذكاء المحدث والمكتسب. لأنه يزداد قوة من جراء التلقيح. ويسمو في حسنه، ويصفو في جوهره، ويشتد في نضوجه، من فعل الانتقال. والذكاء الفطري الموروث هو أكبر أنواع الثروة، وأصلح ضروب المواريث، لأنه الأساس المتين المتماسك، الذي ينهض عليه نبوغ صاحبه، وتفوقه، وشخصيته.
هذا لأن المترجم به غصن من أغصان تلك الدوحة الفينانة اليانعة، التي أخرجت لهذا البلد أحسن ثماره وأنتجت للقطر أذكى بنيه، وأنبغ أهليه، فهو ابن المرحوم أحمد محمود الكبير، رجل كان كله ذكاء يتوقد، وبديهة تستعل وروحاً عظيمة تحترق، لا تستعين بذخيرة العلوم، ووفرة الفنون على إطفاء جذوتها، وإخماد نارها.
ولا يزال عارفو ذلك الرجل الكبير من الأحياء يشهدون بقوة ذكائه، وفي الموتى ألوف يعترفون بحدة عارضته، وناهيكم بشهادة الأستاذ المرحوم محمد عبده فقد قال يوماً، وكنا نعوده، بعد أن ذكر أحمد محمود وأسف لوفاته (لقد كان أذكى رجل مصري رأيته من غير الدارسين).
والمترجم به يستمد كل طبائعه ومزاياه، من تلك العصارة القوية، التي اغتذى منها سعد وفتحي، والتي لا تخرج من فروع تلك الدوحة المباركة، إلا الذكي والألمعي والقوي ذهناً
стр. 1359
وروحاً، إذ كانت والدة أحمد محمود الكبير، أخت والدة سعد باشا وأخيه الفقيد العظيم، وللاختان ثلاث أخوات كلهن منجبات، يتخلل دماءهن عنصر ذلك الذكاء الفطري الخالص، الذي لم تشبه أدني شائبة من الضعف الشائع في نسل أهل المدن، ذاك لأن الذكاء القروي هو ذكاء الطبيعة النقي، يعيش في أحضانها، ويدرج في حجرها، ومن ثم ترى له جلالها، وتشهد فيه قوتها، يأخذ من نقاء هوائها نقاءها ومن رقة نسائمها رقته.
ولد صاحب الترجمة عام ١٨٧٠ في الرحمانية وتوفي والده المرحوم أحمد محمود عام ١٩٠٤ وهو ابن علي محمود بن الحاج علي محمود الملقب بسلطان ترك. أعطاه هذا اللقب نابوليون الأول، يوم جاء إلى مصر بخيله ورجله، وتنتمي هذه الأسرة العظيمة إلى قبيلة اللحامدة، المقيمة في صفرة والجديدة.
فلما شب المترجم به عن الطوق، دفع إلى مكتب البلد فلبث فيه أياماً. يقرأ القرآن. ويتعلم مبادئ الكتابة والقراءة. ثم دخل مدرسة للفرير. برمل الإسكندرية. فقضى بها أربع سنين. انتقل بعدها إلى مدرسة الفرير الأخرى. وكانت في نفس الإسكندرية. وجاء القاهرة بعد ذلك فالتق بمدرسة المعلمين التوفيقية. ومكث يتلقى العلم بها حتى السنة الثالثة التجهيزية. وبذلك أخذ قسطاً غير صغير من برامج المدارس. ونال حظاً غير قليل من مختلف العلوم. إذا اجتمع إلى ذكائه القوي بطبيعته. كان منه ثروة كبرى للذهن. لأن الذكاء يستطيع أن يجعل من مبادئ العلوم كل أجزائها وأصولها وفروعها، ولا تجد العلم يستطيع. وأن زادا أو كبر - أن يخلق من الذكاء شيئاً.
ولم يلبث أن خرج إلى الحياة العملية، وذلك شأن الأذكياء منذ نشأتهم، فاختير في حياة والده، عضواً في مجلس المديرية تسع سنين، ثم انتخب عضواً كذلك في لجان الشياخات وتأديب العمد تسع سنين مثلها، ثم جعل عمدة على بلده، ولما كانت سنة ١٩٠١ أنعم عليه سمو الجناب العالي بالرتبة الثالثة مع لقب بك، ثم أنعم عليه بعد سنتين بالرتبة الثانية، وفي سنة ١٩٠٤ برتبة المتمايز، وقد نال في العام المنصرم من سمو أمير البلاد رتبة المير ميران، وظفر في الانتخاب لعضوية الجمعية التشريعية عن دائرة شبرا خيت.
والمترجم به فوق ذلك من نوابغ الزراعيين، فقد زاد ثروة أبيه الطائلة نيفاً وسبعمائة فدان، وتلك لعمري أسوة حسنة، يجب أن يضعها المصريون قبالة أعينهم، لأن للزراعة في هذا
стр. 1360
البلد الخصيب أكبر قسط من حياتنا، تقوم عليها كل مصادر الثروة، ويتوقف عليها مجموع كيان الأمة، ولذلك كان العامل على تنميتها وتحسينها، وحمايتها من أيدي الأجانب، أفرادهم وشركاتهم هو العامل على بقائنا، وتقوية مكانتنا وتحسين أحوالنا.
هذا وإن الزراعة مهنة طبيعية، نشأت مع الإنسان الأول، وتطورت بتطوره، وتقدمت بتقدمه، بدأت قبل الصناعة والتجارة، والسياسة والفلسفة والكتابة والعلوم والآداب، بل إن هذه جميعاً تنهض فوق الزراعة وعليها تعتمد، ومنها تغتذي، وبها تستقيم.
بل للزراع أن يفخر على التاجر، ويطول على الصانع، والعامل والمخترع، لأنه يأخذ من تقسيم العمل أكبر الأقسام، إذ هو المثمر والناس بعد مستغلون، وإن من عمل يده، وجهد قواه، تنال الإنسانية طعامها، وكساءها، وكنها، والناس وإن كانوا لا يحبون الشاق من الأعمال، ويكرهون منها المرهق المعنت، إلا أنهم يشعرون من صميم أفئدتهم باحترام الحرث والغرس. وحب الزرع والحصيد. ويعدونها المهنة الطبيعية والحرفة الفطرية لنوعهم. ويعتقدون أن الذين لا يشتغلون منهم بالزراعة، إنما أعفتهم الظروف منها: فجعلتهم ينيبون عنهم في القيام بسهمهم منها أيدي غيرهم. وقوى طبقة منهم.
وحسب الفلاح إن الجيولوجيا منذ شباب العالم، في خدمته، وإن الكيمياء الطبيعية، منذ أول الخليقة في معونته، خدامه النهر والجدول. والحشرات النافعة تأكل الحشرات القاتلة. ومواليه الجو وتغيراته. والسماء وأمطارها. والأرض وأسمادها. والتربة وأملاحها.
والفلاح محسن خالد، يحفر على الطريق بئراً، ويشيد بجانبه سقفاً، ويزرع الشجر وارفة ظلاله، ويقيم عرشاًَ من ورق الأعناب، ومظلات ناضرة من الريحان واللبلاب، فإن لم يستطع، وضع على الثنية حجراً، يعتقده الضال، ويجلس عنده المتعب والكال، ينشئ بذلك ثروة كبرى، يذهب وهي باقية، جليلة النفع نقريته. عظيمة الفائدة لبني بلدته.
ولأخلاق الفلاح وآدابه، بساطة مظهره وثيابه، تنبوبه باحات القصور، ولا تنبوبه باحات الطبيعة، والفلاح أروع أيكون في ساحة حقله، دائباً وراء محراثه، مقتلعاً ضعيف أعواده. والطبيعة لا تميل إلى الزخارف، ولا تعرف الزينات، ولذلك تشرق في كوخ الفلاح، وتتزاور عن قصر الأمير، لأنها لاتجد في الثاني إلا تقاليد لعملها، وقوالب صناعية على مثال قوالبها، ولا ترى في الأول إلا مصنوعاتها، كيوم خرجت من يدها.
стр. 1361
والمترجم به روح رقراقة شفافة، تبدو رقته في حديثه إذا حدث، وفوق معارفه إذا تبسم وفي تضاعيف تحيته إذا حيا، كل شيء في آدابه، وأخلاقه يجري مع طبيعته، يضع في كل أفعاله وحركاته وأقواله قطعة من روحه، ولذلك تجد فيها تلك الحرارة النفسية، التي تشعل روح مخاطبه وتبعثها، تجري على لسانه، وفي قوله، وإذا جلست إليه، لم تلبث أن تترك كل الآداب المصطنعة. والتكاليف المحلولة، لأنك تشعر بأنك غير مستطيع بها أن تظهر على الرقة الطبيعية، والوداعة الخالصة السحرية التي يهجم عليك بهما.
وصاحب الترجمة مفراح يلقاك بوجه مستبشر، وابتسامة لطيفة. ودعابة جميلة. يتخلل أحاديثه مزحة حلوة. وفكاهة عذبة. يحوطها بلمعة من ذكائه. والدعابة الجميلة هي أبداً من خصائص الأذكياء. لأنهم لا يستطيعون أن يلقوا القول خلوا من آثارهم توقدهم. ويريدونك على أن لا تسمع منهم إلا صوت ذكائهم.
стр. 1362
كشكول البيان
السفور في الآستانة
بينما نحن نتجادل اليوم ونتشائم في مسالة الحجاب والسفور. وبينما يشتد فريق الأحرار من كتابنا في نقد الحجاب وتسفيه آراء أنصاره. وبينما يرد فريق المحافظين على الأولين تسفيههم. ويرمونهم بالمروق. ويقرفونهم بفقدان النخوة والرجولة. حتى أصبحت مسألة الحجاب والسفور مسألة كلامية، سبابية، ولا يراد بها الاهتداء إلى الصواب - نقول بينما كل ذلك يجري في هذه البلاد. ويقع في أنهار صحفها: ومجلاتها. إذ بنا نشهد الآستانة. دار الخلافة الإسلامية، قد بدأت تنفذ مبادئ السفور وتعمل على تحقيقها. وإذ بنا نرى أنصاره يتكاثرون في كل يوم ويزدادون. ونسمع أن السيدات التركيات والفتيات شرعن يرفعن الحجاب. ويسفرن للرجال. ويشتغلن بالأعمال العمومية. وقد كان من همة وزراء الدولة الإنشاء المتعلمين. وخلوص نفوسهم من قيود الجمود الشرقي. وسلاسل البقاء على القديم. إن بدأت تركيا تظهر في مظهر تطور اجتماعي جديد. وإصلاح داخلي طريف. فالمصطافون اليوم النازلون بالآستانة يرونها في شكل لم يعهد من قبل. يرون النظافة سائدة في الطرق. ويبصرون خطوط الترام تخترقها. من طرف إلى طرف. ويشيدون المدينة بعد الغروب مضاءة بالمصابيح الكهربائية.
وقد مدوا حديثاً أسلاك التليفون واشتغلت جماعة الفتيات والسيدات التركيات بإدارته. سافرات غير منتقبات. وعاملات التليفون اللاتي انتخبن يعرفن ثلاث لغات ضرورية. التركية والفرنسية واليونانية. وترأسهن سيدة إنكليزية.
وقد رأست منذ أيام السيدة الفضلى زوجة جمال باشا وزير البحرية. معرضاً للشفقة في الآستانة. قامت به بعض السيدات التركيات. ودهون لمشاهدته جمعاً من الأتراك والأوروبيين وهذه هي المرة الأولى التي وقع فيها حادث مثل هذا في تركيا.
وإليك ما كتب المسيو جورج ريمون وهو كاتب صحفي مشهور يراسل مجلة (اللاستراسيون) الفرنسية من الآستانة. وكان بين الذين دعوا لمشاهدة معرض الشفقة.
لقد صادف معرض الشفقة إعجاب الكثيرين من رجال تركيا وارتياحهم. وأصاب سخط الأكثرين ونعرتهم. ولكنه على أية حال خطوة جديدة في سبيبل المستقبل. وقد أصبح في
стр. 1363
تركيا الآن فريقان. كل منهما أحر من الآخر استمساكاً برأيه وأشد منه تعصباًَ لمذهبه. ففريق يدعو إلى وجوب إحداث تغيير تام في حال المجتمع التركي. ولاسيما في مسألة الحجاب. والفريق الثاني هو فريق المستمسكين الجامدين على الآداب القديمة. وهم رجال العهد القديم.
وإذا كانت أمثال هذه المسألة لا تجد إلا قليل أهمية في نظر الفرنسيين. فإن لها لأهمية كبرى في تركيا. لأن الحجاب لم تسنه العادة وحدها بل الدين معها. وللدين قوة هائلة في تلك البلاد. بل الدين هو وحدة الذي تقوم عليه في تركيا القوة الاجتماعية. وإن التغييرات التي أدخلها أنور باشا في تراقيه على لباس الجنود والسماح للسيدات التركيات بالظهور سافرات. أهم كثيراً في حياة الشعب التركي من كل الحوادث السياسية الكبرى.
وليس ثم أمة قوية أو على الأقل قابلة للحياة. دون أن يكون لها حياة اجتماعية. ولا تتفق الحياة الاجتماعية لبلد يعيش نساؤه محتجبات مختمرات. وإن الآراء التي يراها الأتراك في مركز المرأة عندهم قد جعلتهم في معزل عن بقية العالم. وكانت هي السبب الأكبر في تلك الظنون والأحكام المتسرعة التي يحكم بها الغربيون على الأتراك. والتي لا يزال الأتراك أنفسهم يشكون منها ويتألمون. ولكن بدأ بعض أهل النظر الثاقب يفهمون سر سوء التفاهم الواقع بين التركي والغربي. وهو حالة المجتمع التركي. لأن المجتمع وحالة المرأة والأخلاق والآراء العامة. قبل السياسة والجرائد والتجارة وغيرها. عليها تنهض المخالفات. وتشتد الروابط والصلات. وبها يزول سوء التفاهم. على أن الحجاب في تركيا مقصور على النساء في المدن.
أما في بلاد الريف وفي القرى فلا تحتجب المسلمات عن الرجال. إلا قليلاً أو لا تحتجب بنة. وقد رأيت بعيني النساء المسلمات يحاربن جنباً لجنب مع أزواجهن وأخواتهن ورجال قبيلتهن يحملن الماء على خط النار يشجعن الجند. ويسقين المقاتلين. وهن ممتشقات السيف. متنكبات البندقية. غير خاشيات ظهور وجوههن. ولا يزال أنصار الحجاب يحتجون بالأخطار التي تهدد الأخلاق من جراء رفع الحجاب. وتسئ إلى عاطفة قوية. تعتمد في مظاهرها على أنانية الذكر. وغيرته على حق امتلاكه. ورغبته في أن لا يعدو أحد على هذا الحق.
стр. 1364
كل ذلك لا ريب فيه. ولكن كل تقدم لا يشتري إلا بثمن مجهودات كبار. ويعوزه شيء من التضحية. حتى تجتني منه الفائدة المطلوبة. وليس يكفي تركيا البحارة المهرة. والجند الأنجاد الشجعان. بل يجب أن يكون لها كذلك. مجتمع يستطيع أن يسير في نهج واحد مع مجتمعات الأمم الأخرى، وبدون ذلك لا تستطيع تركيا آخر الدهر. أن ترفع ذلك الحاجز الذي يحول بينها وبين أمم الغرب.
ولنعد إلى معرض الشفقة. فقد كانت سيداته على جمال رائع وتودد جذاب. وقد قال لي يوماً القائد عزيز بك بهاته النساء يعرف الإنسان الأمة. وبهن يستطيع الحكم عليها ونحن برؤيتنا النساء التركيات. لا نستطيع إلا أن نقدر تركيا حق قدرها - انتهى تعليق الكاتب.
مأساة أخرى في البحر
غرق إمبراطورة أيرلندا
لا تزال قصيدة الشارع بيرون في روعة الأوقيانوس وعظمته وأخطاره. حقيقة إلى يومنا هذا. وإن كثرت المخترعات وتعددت المبتدعات. وأنشئت السفن الضخمة. وجاءت التيتانك وتولت. واهتمت غرف التجارة في إنجلترا وغيرها بحوادث الغرق. واخترعت أحزمة الحياة. وأنطقة النجاة. وسنت البنود الشديدة لمعاقبة قواد السفن الغريقة وملاحيها. وأدخلت المواعد الصارمة على قوانين الملاحة ومعاهداتها. فلا يزال للأوقيانوس. كما يقول بيرون سلطانه، وإذا اصطلحت أمواجه. وأجيال ثلوجه على سفينة وإن كبرت. فلا عاصم لها منه ولا نجاة لها من شره.
ذهبت التيتانك. وهي في أول عهدها بالبحر. فراغ العالم غرقها. واستشهد فيها خلق كثير من ملوك المال. وملكات الجمال. وأرباب القلم. وغيرهم من مختلف الطبقات. فضاعت في اليم ثروة عظيمة. وغرقت أرواح كثيرة. ثم قامت على أثر تلك الكارثة العظمى ضجة كبرى يراد بها تحذير القوم بناء السفن العظيمة. ولكن لم يجد التحذير نفعاً. فإن هناك اليوم آلات سفن أضخم من تلك وأعظم. حمولة كل منها خمسون ألف طن. ولا يزالون ينشئون غيرها وهم يؤملون الآن أن تحسب غرفة التجارة حساباً للصعوبات التي لاقتها سفينة الإمبراطور والمشقات التي عانتها سفينة فوترلاند حتى كادت تروح مطعماً للحيتان في طريقها إلى نيويورك وعودها منها. وهما من السفن الثلاث الكبرى الموجودة اليوم. وهم
стр. 1365
ينصحون بالإمساك عن تشييد غيرهما من ضخم السفائن. لأن راحة المسافرين لا تزداد بالسفر على ظهورها ولا يجد المسافرون في ركوبها إلا قسطاً من الرفاهية لا حاجة بهم إليه. ولا يرونه من الضرورة في شيء بينا الخطر يتفاقم كلما كبر حجم السفينة وازداد.
وقد حدث في الأوقيانوس الأطلانطي مأساة أخرى. هي في هولها وجلالها لا تقل عن كارثة التيتانك ولا فولترنو أو غيرهما. وكيف وقد ذهبت فيها نفوس لا تقل عددها عن عدد غرقى التيتانيك. وذلك أنه في ليلة الثامن والعشرين من مايو المنصرم. عند قم نهر سانت لورانس. أعظم أنهار كندا. خرجت سفينة من أجمل سفن شركة الكنديان باسبيك وهي تلك المسماة إمبراطورة أيرلندا. من ثغر كويبك من الثغور الشرقية لكندا. تريد العودة إلى إنجلترا. فأراد القدر إلا أن تصدم بقارب فحم من قوارب النرويج يسمى (ستورستاد) وذلك حوال الساعة الثانية إلا ربعاً بعد منتصف الليل. وعلى أثر اصطدامها هوت إلى قاع البحر بأصحابها. فغرق منهم أكثر من ألف نسمة.
وقعت هذه المأساة على مسافة قريبة من الشاطئ على بعد خمسة أميال أو ستة. إزاء قرية هناك تدعى (رموسكي) لا يزيد عدد سكانها عن ٣٩٠٠ نفس. واقعة على الشاطئ الجنوبي لمدخل نهر سانت لورانس. فلما بلغ نبأ كارثتها السفن المجاورة. هرعت سفينتان إلى نجدتها فلم تجد للإمبراطورة أثراً. وإذا بأمبراطورة أيرلندا الجميلة قد ابتلعها الأقيانوس في بضع دقائق فهوت إلى أعماقه بأكثر أهلها. ولم تستطيع السفينتان أن تنقذ في أثناء ذاك الموقف الجليل. إلا أولئك الذين قدر لهم أن يسرعوا إلى النزول في قوارب وزوارق كانت في رفقة الإمبراطورة. وأولئك الذين سبحوا فوق أديم الماء. وكان البحر لحسن حظهم هادئاًَ ساعتئذ ساكناً. ولكن كان الماء صقيعاً متجمداً. فكان مجموع من أنقذتا ثلاثة وأربعمائة شخص. كلهم في حال رهيبة مخزنة. قد فقدوا متاعهم وسلبوا كل شيء كان في حوزتهم فيهم الجريح والمرضوض. والمخلوط من الرعب والممرور.
أما ستورسناد القارب النرويجي المشؤوم فبعد أن بقر بمقدمة بطين الإمبراطورة استطاع النجاة والفرار من الغرق. فأنزل إلى اليمن زوارقه فنجى من نجى من غرقى الإمبراطورة ومن ثم نفذ في البحر سرباً يريد ثغر مونتريال.
وأن تفاصيل الكارثة التي قصها القبطان (كاندال) ربان إمبراطورة أيرلندا. وقد كان بين
стр. 1366
الذين كتبت لهم السلامة. وتلك التي ألقاها القبطان (أندرسن) ربان قارب ستورستاد. يختلف بعضها عن بعضصثر جد الخلاف. ولكن التحيق وحده كفيل بمعرفة أيهما الجاني الأثيم.
وقد جر غرق هذه السفينة العظيمة على شركة سفن الكانديان سايفيك خسارة فادحة. إذ كان يبلغ طولها ١٦٥ متراً. تحمل ١٤١٩١ طناً. جمعت إلى حسن الرواء. وفخامة الأثاث. سرعة المسير. وصلابة التركيب. وكانت تقطع المسافة بين ليفربول وبين كويبك في ستة أيام.
وقد قدرت الشركة قيمتها بنحو عشرة ملايين من الفرنكات. وكانت فوق ذلك تحمل خمسة ملايين من الجنيهات.
ولكثرة هذه المآسي منذ كارثة التيتانك عرضت على شركات السفن وغرف التجارة مئات من الاقتراحات والابتكارات وكلها تدور حول العمل على إنقاص أخطار البحار وأهواله. ولعل أحسن هذه الاختراعات. اختراع يتألف من حزام الحياة. وسترة من الخيش الذي لا ينفذ منه الماء. تعم البدن كله. ولهذه السترة أكما تنتهي بقفازتين. وفي رأسها فرجة تقفل إذا كان الجو رديئاً مربداً. فإذا أقفلت نفذ الهواء من أنبوبة فوق الرأس صنعت بحيث لا يستطيع الماء أن ينفذ إليها.
وقد يستطيع المسافران يسبح في البحر أياماً ويأخذ معه زاده. حتى تلتقطه إحدى السفن السيارة. ويستطيع أن يحمل من الطعام والشراب ما يكفيه أسبوعاً.
وكيفية الاشتمال في هذه السترة أن يقف الغريق في شكل دلو هو بمثابة قاع للسترة. وهذا الدلو يأخذ مقداراً من الماء حتى يستطيع الغريق في سترته أن يحفظ توازن. للسترة كذلك مصباح متحرك. يدعو على نوره السفن إلى نجدته. ليلاً ونهاراً. ويتصل بالسترة عدة حال. ليعوم عليه رجلان أو ثلاثة رجال. إن لم يقدر لهم أن يظفروا بالسترة.
وهذه السترة من اختراع رجل ألماني يدعى جسناف هنريك وهو يعلن للملأ اختراعه وأنه سيمنع كل أهوال الغرق وأخطاره.
مقتل ولي عهد النمسا
راع العالم نبأ فاجعة كبرى. رمى بها الغدر شيخاً مرزواً كريماً،. جد ملوك أوروبا بأسرها
стр. 1367
وعميدهم. فرانسوا جوزيف. إمبراطور النمسا. وملك المجر. إذ أصيب في ولي عهجه ووارثه الأرشيدوق فرانسو فرديناند. بن أخيه الأرشيدوق شارل لويس. وحفيد الملك فرديناند الثاني من والدته. وقد سلبه الموت من قبل ولي عهده الأول. الأرشيدوق رودلف. وذلك عام ١٨٨٩. وكان هذا شهوانياً يميل إلى ملذاته. ويجنح إلى مسارته امتصت الشهوات عصاة قوته حتى لم تكن تصدق الأمة النمساوية أنه سيلبث حياً حتى يخلف والده على عرش الإمبراطورية.
والإمبراطور فرانسوا جوزيف اليوم في الحول الرابع والثمانين. ولد في اليوم الثامن عشر من شهر أغسطس. عام ١٨٣٠. قضي هذا العمر الطويل في نصب ورهق. وفواجع وأشجان. جلس على عرش الإمبراطورية النمسوية. منذ اعتزله الإمبراطور فرديناند الثاني في ديسمبر عام ١٨٤٨. وكذلك مضى على تبوئه أريكة العرش ست وستون سنة.
وكان قبل هذه الفاجعة مريضاً. وكانت أوربا تضرع إلى الله أن يتم عليه نعمة الشفاء. أصيب بنزلات صدرية مزمنة. وكان في مرضه أغرب المرضى حالاً. وأعجبهم أمراً. لم يرض أن يلزم فراشه إلا أياماً معدودات. لم يشأ أن يهجر جلساته. أو يترك إلى حين عمله. وقد كان جوابه مازحاً مبتسماً لابنته الأرشيدوقة ماري فاليري. وكانت نصحت له أن يتخلى عن حضور جلساته.
(لئن كنت أجش الضوت أبحه. فلست بالأصم)
ولم يحدث مرضه أدنى تغيير في شهوته للطعام. ولا في تودده للناس وتلطفه. والمطلع على التقارير التي تجيء من ويانة منبئة عن النظام الذي يتبعه الشيخ المريض في تقضية ساعات نهاره. يري أن الإمبراطورة يأوى عادة إلى فراشه الساعة الثامنة من المساء وينهض منه الساعة الرابعة صبحاً. فإذا استيقظ استحم بماء فاتر. ثم تزين. وحلق لحيته. حتى إذا أقبلت الساعة الخامسة جلس إلى مكتب عمله. وفي الساعة السادسة يتناول فطوره الأول. حساء وقطعة من الشواء البارد. فمقداراً من اللبن أو الكاكاو. وقد استبدل اللبن والكاكاو منذ مرضه بالشاي الروسي. وإذا جاءت الساعة السابعة استقبل طبيبه الخصيص به. وفي خلال ضحوة النهار يتناول لبناً مغلياً. مع شيء من الخبز الأسود. وفي منتصف الساعة الثانية عشرة يجلس إلى طعام الغداء. وهو يتألف من الحساء واللحم والخضر. ثم
стр. 1368
يستريح بعد الظهيرة. وفي الساعة السادسة من المساء يقدم له طعام خفيف. مقدار من السمك. مع مقدار من النقل.
وتفصيل الفاجعة الكبرى هو أن الأرشيدوق كان يرأس بعض الاستعراضات العسكرية في ضواحي (الديزيه) من بلاد البوسنة بصفته من كبار القواد والمفتش العام للجيش النمسوي. وكان في رفقته في تلك الرحلة زوجته الدوقة هو هنبرج. وقد انتهت الاستعراضات يوم الأحد الثامن والعشرين من شهر يونيو الماضي. فأراد الأمير أن يختم رحلته في البوسنة والهرسك بزيارة سراجيفو عاصمة الأولى في ذلك اليوم.
وأنه وزوجته في طريقهما إلى دار المحافظة في سراجيفو إذ اعترض السيارة التي نقلهما عامل من صفافي الحروف يدعى كابرينوفتش. وقذف عليهما قنبلة من الديناميت. أنفاها ولي العهد بأحد ذراعيه فسقطت على الأرض. وانفجرت فأصابت شظاياها السيارة التي كانت في أثر سيارة الأرشيدوق فأصيب الكولونيل موريزي ياور المحافز بجراح غير بالغة. وأصيب كذلك ستة من السابلة.
وواصلت مركبة الأرشيدوق وزوجه مسيرها إلى دار المحافظة حيث استقبلا بالحفاوة والإجلال. وقد حاولوا عبثاً أن ينصحوا للأرشيدوق بتغيير الطريق في عودته. وكان قد أجمع أمره على الذهاب إلى زيارة المستشفى الحربي. لعيادة الجرحى الذين أصابتهم القنبلة. وكذلك كانت تدفعه الأقدار المحتومة إلى موضع الكارثة.
فلما دنت السيارة التي تقله وزوجه من ملتقي شارع فرانسوا جوزف بشارع رودلف. على مسافة غير بعيدة من دار المحافظة. انبرى من أول صف من صفوف الجمهور لمحتشد. فتى ناشئ يكاد يظن غلاماً صغيراً. وتقدم إلى الأمام فصوب نحو الأمير وقرينته. رصاصتين من مسدس (برونيتج) فأصابت الأولى بطن الأرشيدوقة. من ناحية جنبها الأيمن. وأصابت الثانية الأرشيدوق في عنقه فقطعت وريده، فأسرعت السيارة بها إلى دار المحافظ. وحاولوا إسعافهما فلم يجد الإسعاف نفعاً. بل لم يلبثا أن لفظا أنفاسهما الأخيرة.
والقاتل مثل الأثيم الأول كابرينوفتش من الصرب يدعى جاريللو برنزيب أحد طلبة المدارس. لا تتجاوز سنة الحول التاسع عشر.
وقد أثارت هذه الحادثة على الصربيين - إذ كان الأثيمان منهم - حنقاً شدايداً. ومظاهرة
стр. 1369
أشد. وقامت الفلاقل. وارتفعت الهزاهز والفتن. في كثير من القرى الصربية في بوسنة والهرسك وقتل من الصرب وجرح خلق كثير في سراجيفو وموسطار وغيرهما وسطا المتظاهرون على الحوانيت التي يملكها التجار الصربيون على أن الحكومة الصربية نفسها احتجت احتجاجاً رسمياً على هذه المظاهرات وأعلنت استياءها وانكارها لجناية كابرينوفتش وجريمة برنزيب.
والذي يزيد الأسى على الأرشيدوق القتيل هو أنه مات في الحول الخمسين من عمره دون أن يتولى العرش. ويعتلي الأريكة. وقد نضج في العشر السنين الأخيرة. وتجلت مواهبه وظهرت كفاءته وذكاءه. ونحن. وإن كنا لا نستطيع أن نعرف ماذا كانت تكون خططه. لو كان وثب إلى العرش. نتابع آراء أهل السياسة والنظر ونرى فيه كما رأوا رجلاً ذا شخصية قوية وإرادة. وفكرة عالية في حكم إمبراطوريته. ولم يكن يعرف أحد من الناس خطة الأرشيدوق السياسية. إذا كان الأرشيدوق سراً مغلقاً ولغزاً معمي كان يفكر في صمت ويعيش في سكون ويمضي في خفاء. وكان ذهنه يسير إلى الرقي والتطور. سيراً حثيثاً في كل يوم.
ولما نعي النعاة للإمبراطور فرانسوا جوزيف ولي عهده. وهو في أحد بلاد الريف يصطاف معتزلاً ضوضاء العاصمة وجوها المعتكر كعادته في صيف كل عام. وقع منه النعي كما تقع الصاعقة واندفع في بكاه ودموعه. وهو يصيح: يا للهول. يا للهول. لم يتركوا لي شيئاً بعد في هذا العالم!.
وغادر الإمبراطور المحزون. مصطافه في صباح اليوم التالي عائداً إلى العاصمة. وكان ينتظره في المحطة فتاه ولي العهد الجديد. وكا هذا موجعاً لوفاة الأرشيدوق حزيناً لمصاب الإمبراطور يري الناظر إلى وجهه ساعة استقبال الإمبراطور. بقية دمع في محجريه فلما نزل من القطار. اعتد على ذراع الفتى. ومشى حتى بلغ المركبة. وكانت الجماهير تهتف له في الطريق وتضج بالتحية وإظهار عواطفهم نحوه وإخلاصهم إليه.
وأعجب ما في أمر هذا الشيخ. أنه ينعم الآن. وكان من قبل على حافة القبر. بصحة جيدة وحال طيبة. وتلك لعمري من معجزات القدر. وعجائبها القضاء.
قيمة الإعلانات
стр. 1370
منذ تقدمت الصحافة في ممالك العالم المتحضر. ارتفع قدر الإعلانات. واستمدت من الصحافة منها كذلك قوام أمرها. ومصدر ثروتها. وقد تمت قيمتها اليوم نمواً عظيماً وعلت أجورها في الغرب علواً كبيراً. حتى لنكاد نظنها نحو الشرقيين باهظة فادحة ونحن موردون للقرء. ما يتقاضاه بعض صحف الغرب ومجلاته الكبرى. من الأجور حتى يعلموا إلى أي حد ارتقى الغرب. وإل أي حد نحن في الرقي نمت إليهم.
ذلك أن أجرة نشرة واحدة للإعلان الذي يستغرق صحيفة واحدة من الصحف والمجلات الآتية أسماؤها هي كما يأتي بحساب الجنيهات الإنكليزية.
٣٥٠ في صحيفة الديلي ميل وبين ٧٥ و١٠٠ في صحيفة البانش الهزلية و٤٠ في مجلة ستراند و١٥ في مجلة المجلات الأسبوعية الذائعة في أمريكا تصدران من فيلادلفيا. وعدد النسخ التي تطبع منهما مليونان في كل أسبوع و١٠٠ في مجلة ما نساي الأمريكية و٥٠ في مجلة المجلات الأميركية و٨ شلنات ونصف شلن للسطر الواحد في البتي بارزيان و١٥٠ في مجلة الاستراسيون الفرنسية الأسبوعية.
وهذا الاختلاف في قيمة الأجور يتبع الاختلاف في مقدار ذيوع هذه الصحف. وشيوع هذه المجلات. ومقدار السرعة التي تصل بها نسخها إلى مختلف أنواع الأرض.
وقد عرضت إحدى المجلات الإنكليزية المشهورة على جماعة من كبار السياسيين والاقتصاديين والدينيين والفلاسفة والمفكرين والصحفيين والحكوميين هذه الأسئلة الثلاثة الآتية:
[١] ما هو أهم عيوب الطريقة المتبعة في نشر الإعلانات؟.
[٢] هل لديكم أي اقتراح لتحسينها.
[٣] ما رأيكم العام في قيمة الإعلانات؟.
فرد عليها جمع عظيم منهم فكان أحسن جواب على هذه الأسئلة مارد به ماكس نوردو وقد شهدت بذلك المجلة نفسها واضعة الأسئلة. قال ذلك الفيلسوف الناضج:
إنه ليدهشنا الذين يستطيعون إخراج الاستنتاجات المنطقية من بين ثنايا الحقائق البينة الجلية قليلون جداً.
كلنا يسلم بأن تطور المدنية يفضي بنا إلى الديمقراطية وفي كل مكان تحد الحكم للجماهير.
следующие страницы →