Полный текст (3 596 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.
стр. 1366
الذين كتبت لهم السلامة. وتلك التي ألقاها القبطان (أندرسن) ربان قارب ستورستاد. يختلف بعضها عن بعضصثر جد الخلاف. ولكن التحيق وحده كفيل بمعرفة أيهما الجاني الأثيم.
وقد جر غرق هذه السفينة العظيمة على شركة سفن الكانديان سايفيك خسارة فادحة. إذ كان يبلغ طولها ١٦٥ متراً. تحمل ١٤١٩١ طناً. جمعت إلى حسن الرواء. وفخامة الأثاث. سرعة المسير. وصلابة التركيب. وكانت تقطع المسافة بين ليفربول وبين كويبك في ستة أيام.
وقد قدرت الشركة قيمتها بنحو عشرة ملايين من الفرنكات. وكانت فوق ذلك تحمل خمسة ملايين من الجنيهات.
ولكثرة هذه المآسي منذ كارثة التيتانك عرضت على شركات السفن وغرف التجارة مئات من الاقتراحات والابتكارات وكلها تدور حول العمل على إنقاص أخطار البحار وأهواله. ولعل أحسن هذه الاختراعات. اختراع يتألف من حزام الحياة. وسترة من الخيش الذي لا ينفذ منه الماء. تعم البدن كله. ولهذه السترة أكما تنتهي بقفازتين. وفي رأسها فرجة تقفل إذا كان الجو رديئاً مربداً. فإذا أقفلت نفذ الهواء من أنبوبة فوق الرأس صنعت بحيث لا يستطيع الماء أن ينفذ إليها.
وقد يستطيع المسافران يسبح في البحر أياماً ويأخذ معه زاده. حتى تلتقطه إحدى السفن السيارة. ويستطيع أن يحمل من الطعام والشراب ما يكفيه أسبوعاً.
وكيفية الاشتمال في هذه السترة أن يقف الغريق في شكل دلو هو بمثابة قاع للسترة. وهذا الدلو يأخذ مقداراً من الماء حتى يستطيع الغريق في سترته أن يحفظ توازن. للسترة كذلك مصباح متحرك. يدعو على نوره السفن إلى نجدته. ليلاً ونهاراً. ويتصل بالسترة عدة حال. ليعوم عليه رجلان أو ثلاثة رجال. إن لم يقدر لهم أن يظفروا بالسترة.
وهذه السترة من اختراع رجل ألماني يدعى جسناف هنريك وهو يعلن للملأ اختراعه وأنه سيمنع كل أهوال الغرق وأخطاره.
مقتل ولي عهد النمسا
راع العالم نبأ فاجعة كبرى. رمى بها الغدر شيخاً مرزواً كريماً،. جد ملوك أوروبا بأسرها
стр. 1367
وعميدهم. فرانسوا جوزيف. إمبراطور النمسا. وملك المجر. إذ أصيب في ولي عهجه ووارثه الأرشيدوق فرانسو فرديناند. بن أخيه الأرشيدوق شارل لويس. وحفيد الملك فرديناند الثاني من والدته. وقد سلبه الموت من قبل ولي عهده الأول. الأرشيدوق رودلف. وذلك عام ١٨٨٩. وكان هذا شهوانياً يميل إلى ملذاته. ويجنح إلى مسارته امتصت الشهوات عصاة قوته حتى لم تكن تصدق الأمة النمساوية أنه سيلبث حياً حتى يخلف والده على عرش الإمبراطورية.
والإمبراطور فرانسوا جوزيف اليوم في الحول الرابع والثمانين. ولد في اليوم الثامن عشر من شهر أغسطس. عام ١٨٣٠. قضي هذا العمر الطويل في نصب ورهق. وفواجع وأشجان. جلس على عرش الإمبراطورية النمسوية. منذ اعتزله الإمبراطور فرديناند الثاني في ديسمبر عام ١٨٤٨. وكذلك مضى على تبوئه أريكة العرش ست وستون سنة.
وكان قبل هذه الفاجعة مريضاً. وكانت أوربا تضرع إلى الله أن يتم عليه نعمة الشفاء. أصيب بنزلات صدرية مزمنة. وكان في مرضه أغرب المرضى حالاً. وأعجبهم أمراً. لم يرض أن يلزم فراشه إلا أياماً معدودات. لم يشأ أن يهجر جلساته. أو يترك إلى حين عمله. وقد كان جوابه مازحاً مبتسماً لابنته الأرشيدوقة ماري فاليري. وكانت نصحت له أن يتخلى عن حضور جلساته.
(لئن كنت أجش الضوت أبحه. فلست بالأصم)
ولم يحدث مرضه أدنى تغيير في شهوته للطعام. ولا في تودده للناس وتلطفه. والمطلع على التقارير التي تجيء من ويانة منبئة عن النظام الذي يتبعه الشيخ المريض في تقضية ساعات نهاره. يري أن الإمبراطورة يأوى عادة إلى فراشه الساعة الثامنة من المساء وينهض منه الساعة الرابعة صبحاً. فإذا استيقظ استحم بماء فاتر. ثم تزين. وحلق لحيته. حتى إذا أقبلت الساعة الخامسة جلس إلى مكتب عمله. وفي الساعة السادسة يتناول فطوره الأول. حساء وقطعة من الشواء البارد. فمقداراً من اللبن أو الكاكاو. وقد استبدل اللبن والكاكاو منذ مرضه بالشاي الروسي. وإذا جاءت الساعة السابعة استقبل طبيبه الخصيص به. وفي خلال ضحوة النهار يتناول لبناً مغلياً. مع شيء من الخبز الأسود. وفي منتصف الساعة الثانية عشرة يجلس إلى طعام الغداء. وهو يتألف من الحساء واللحم والخضر. ثم
стр. 1368
يستريح بعد الظهيرة. وفي الساعة السادسة من المساء يقدم له طعام خفيف. مقدار من السمك. مع مقدار من النقل.
وتفصيل الفاجعة الكبرى هو أن الأرشيدوق كان يرأس بعض الاستعراضات العسكرية في ضواحي (الديزيه) من بلاد البوسنة بصفته من كبار القواد والمفتش العام للجيش النمسوي. وكان في رفقته في تلك الرحلة زوجته الدوقة هو هنبرج. وقد انتهت الاستعراضات يوم الأحد الثامن والعشرين من شهر يونيو الماضي. فأراد الأمير أن يختم رحلته في البوسنة والهرسك بزيارة سراجيفو عاصمة الأولى في ذلك اليوم.
وأنه وزوجته في طريقهما إلى دار المحافظة في سراجيفو إذ اعترض السيارة التي نقلهما عامل من صفافي الحروف يدعى كابرينوفتش. وقذف عليهما قنبلة من الديناميت. أنفاها ولي العهد بأحد ذراعيه فسقطت على الأرض. وانفجرت فأصابت شظاياها السيارة التي كانت في أثر سيارة الأرشيدوق فأصيب الكولونيل موريزي ياور المحافز بجراح غير بالغة. وأصيب كذلك ستة من السابلة.
وواصلت مركبة الأرشيدوق وزوجه مسيرها إلى دار المحافظة حيث استقبلا بالحفاوة والإجلال. وقد حاولوا عبثاً أن ينصحوا للأرشيدوق بتغيير الطريق في عودته. وكان قد أجمع أمره على الذهاب إلى زيارة المستشفى الحربي. لعيادة الجرحى الذين أصابتهم القنبلة. وكذلك كانت تدفعه الأقدار المحتومة إلى موضع الكارثة.
فلما دنت السيارة التي تقله وزوجه من ملتقي شارع فرانسوا جوزف بشارع رودلف. على مسافة غير بعيدة من دار المحافظة. انبرى من أول صف من صفوف الجمهور لمحتشد. فتى ناشئ يكاد يظن غلاماً صغيراً. وتقدم إلى الأمام فصوب نحو الأمير وقرينته. رصاصتين من مسدس (برونيتج) فأصابت الأولى بطن الأرشيدوقة. من ناحية جنبها الأيمن. وأصابت الثانية الأرشيدوق في عنقه فقطعت وريده، فأسرعت السيارة بها إلى دار المحافظ. وحاولوا إسعافهما فلم يجد الإسعاف نفعاً. بل لم يلبثا أن لفظا أنفاسهما الأخيرة.
والقاتل مثل الأثيم الأول كابرينوفتش من الصرب يدعى جاريللو برنزيب أحد طلبة المدارس. لا تتجاوز سنة الحول التاسع عشر.
وقد أثارت هذه الحادثة على الصربيين - إذ كان الأثيمان منهم - حنقاً شدايداً. ومظاهرة
стр. 1369
أشد. وقامت الفلاقل. وارتفعت الهزاهز والفتن. في كثير من القرى الصربية في بوسنة والهرسك وقتل من الصرب وجرح خلق كثير في سراجيفو وموسطار وغيرهما وسطا المتظاهرون على الحوانيت التي يملكها التجار الصربيون على أن الحكومة الصربية نفسها احتجت احتجاجاً رسمياً على هذه المظاهرات وأعلنت استياءها وانكارها لجناية كابرينوفتش وجريمة برنزيب.
والذي يزيد الأسى على الأرشيدوق القتيل هو أنه مات في الحول الخمسين من عمره دون أن يتولى العرش. ويعتلي الأريكة. وقد نضج في العشر السنين الأخيرة. وتجلت مواهبه وظهرت كفاءته وذكاءه. ونحن. وإن كنا لا نستطيع أن نعرف ماذا كانت تكون خططه. لو كان وثب إلى العرش. نتابع آراء أهل السياسة والنظر ونرى فيه كما رأوا رجلاً ذا شخصية قوية وإرادة. وفكرة عالية في حكم إمبراطوريته. ولم يكن يعرف أحد من الناس خطة الأرشيدوق السياسية. إذا كان الأرشيدوق سراً مغلقاً ولغزاً معمي كان يفكر في صمت ويعيش في سكون ويمضي في خفاء. وكان ذهنه يسير إلى الرقي والتطور. سيراً حثيثاً في كل يوم.
ولما نعي النعاة للإمبراطور فرانسوا جوزيف ولي عهده. وهو في أحد بلاد الريف يصطاف معتزلاً ضوضاء العاصمة وجوها المعتكر كعادته في صيف كل عام. وقع منه النعي كما تقع الصاعقة واندفع في بكاه ودموعه. وهو يصيح: يا للهول. يا للهول. لم يتركوا لي شيئاً بعد في هذا العالم!.
وغادر الإمبراطور المحزون. مصطافه في صباح اليوم التالي عائداً إلى العاصمة. وكان ينتظره في المحطة فتاه ولي العهد الجديد. وكا هذا موجعاً لوفاة الأرشيدوق حزيناً لمصاب الإمبراطور يري الناظر إلى وجهه ساعة استقبال الإمبراطور. بقية دمع في محجريه فلما نزل من القطار. اعتد على ذراع الفتى. ومشى حتى بلغ المركبة. وكانت الجماهير تهتف له في الطريق وتضج بالتحية وإظهار عواطفهم نحوه وإخلاصهم إليه.
وأعجب ما في أمر هذا الشيخ. أنه ينعم الآن. وكان من قبل على حافة القبر. بصحة جيدة وحال طيبة. وتلك لعمري من معجزات القدر. وعجائبها القضاء.
قيمة الإعلانات
стр. 1370
منذ تقدمت الصحافة في ممالك العالم المتحضر. ارتفع قدر الإعلانات. واستمدت من الصحافة منها كذلك قوام أمرها. ومصدر ثروتها. وقد تمت قيمتها اليوم نمواً عظيماً وعلت أجورها في الغرب علواً كبيراً. حتى لنكاد نظنها نحو الشرقيين باهظة فادحة ونحن موردون للقرء. ما يتقاضاه بعض صحف الغرب ومجلاته الكبرى. من الأجور حتى يعلموا إلى أي حد ارتقى الغرب. وإل أي حد نحن في الرقي نمت إليهم.
ذلك أن أجرة نشرة واحدة للإعلان الذي يستغرق صحيفة واحدة من الصحف والمجلات الآتية أسماؤها هي كما يأتي بحساب الجنيهات الإنكليزية.
٣٥٠ في صحيفة الديلي ميل وبين ٧٥ و١٠٠ في صحيفة البانش الهزلية و٤٠ في مجلة ستراند و١٥ في مجلة المجلات الأسبوعية الذائعة في أمريكا تصدران من فيلادلفيا. وعدد النسخ التي تطبع منهما مليونان في كل أسبوع و١٠٠ في مجلة ما نساي الأمريكية و٥٠ في مجلة المجلات الأميركية و٨ شلنات ونصف شلن للسطر الواحد في البتي بارزيان و١٥٠ في مجلة الاستراسيون الفرنسية الأسبوعية.
وهذا الاختلاف في قيمة الأجور يتبع الاختلاف في مقدار ذيوع هذه الصحف. وشيوع هذه المجلات. ومقدار السرعة التي تصل بها نسخها إلى مختلف أنواع الأرض.
وقد عرضت إحدى المجلات الإنكليزية المشهورة على جماعة من كبار السياسيين والاقتصاديين والدينيين والفلاسفة والمفكرين والصحفيين والحكوميين هذه الأسئلة الثلاثة الآتية:
[١] ما هو أهم عيوب الطريقة المتبعة في نشر الإعلانات؟.
[٢] هل لديكم أي اقتراح لتحسينها.
[٣] ما رأيكم العام في قيمة الإعلانات؟.
فرد عليها جمع عظيم منهم فكان أحسن جواب على هذه الأسئلة مارد به ماكس نوردو وقد شهدت بذلك المجلة نفسها واضعة الأسئلة. قال ذلك الفيلسوف الناضج:
إنه ليدهشنا الذين يستطيعون إخراج الاستنتاجات المنطقية من بين ثنايا الحقائق البينة الجلية قليلون جداً.
كلنا يسلم بأن تطور المدنية يفضي بنا إلى الديمقراطية وفي كل مكان تحد الحكم للجماهير.
стр. 1371
وفي كل مكان ترجح الجماهير بالطبقات. فكيف لا تصدم كل فرد من تلك الحقيقة التي تدل على أن الإعلان وليد الديمقراطية. ونتيجتها المحتمة. وعاقبتها الإجبارية؟.
وأنت لا تحتاج في المجتمع الأوتوقراطي. أو الشعب الأرستقراطي إلا إلى أن تلقت إليك أنظار الفرد أو تلك الفئة القليلة التي ينبسط سلطانها. وتجري قوانينها على المجتمع كله. كما قال ذلك الفرنسي المتملق إن عين لويس الرابع عشر. هي التي أخرجت كل حسنات الصناعة. وبدائع الفنون وفي مجتمع كهذا. لا يغني الإعلان ولا يفيد. بل حسبه أن يسر الملك ويرضيه. ورعاية الملك لكل شيء تذهب برعاية الشعب ولكنك في المجتمع الديمقراطي. لا تستمد من رعاية أي فرد. مهما كان عظيماً. ولا من أي بيئة من البيئات. إلا الفائدة النزرة التافهة. ومن ثم وجب عليك أن تسترعي أنظار الملايين ولا سبيل إلى ذلك إلا الإعلان.
ولاشك في أن أولئك الذين يذهبون إلى نظرية السبرمان. تلك النظرية الطائشة الحمقاء يرون الإعلان من أخلاق العامة وشؤون الغوغاء والسوقة. ولكن أخلق بهم أن يكونوا في النقد عادلين ثابتين. ليعيبوا إذن على الكنائس صخب أجراسها. وضوضاء نواقيسها. لأنها إعلان عن الفرائض الدينية. ولينكروا قاعات المتاحف الباريسية ومعارض الفنون الجميلة لأنها إعلان عن أهل الفنون. وبدائع أعمالهم. وقد يكون أدل على الأرستقراطية وأتم على النبل أن لا تدق للكنائس والبيع أجراس. بل ينتظروا حتى يجيء المؤمنون المتقون إلى الكنيسة من أنفسهم. وإن لا تعرض حسنات العبقرية على الجمهور. بل تترك في حجرة المصور حتى يجيء فيشهدها نقادة جهبذ. ولكن من ذا الذي يجرأ على أن يمتدح هذه الطريقة المبتكرة اليوم؟.
من المستطاع أن تنشر الإعلانات بطريقة ثقيلة. منحطة. سوقية، ومن الهين أن تكتب بأسلوب جميل صادق مهذب، تستطيع الإعلانات أن تسترعي الغرائز السافلة، وتستدعي الغش والمين، كما تستطيع أن تلفت الذهن، والعقل، والعواطف.
وللإعلان بالطريقة الصائبة الجميلة يجب أن تكون ملماً بروح الفرد. وروح الجماعات ينبغي أن تكون رجلاً مهذباً أميناً. طيباً. صادقاً. ويجب أن تكون على شيء من الفن فهل يتيسر هذا كله!.
стр. 1372
وصفوة القول. إن كل من يرضي بالديمقراطية يجب أن يرضي بالإعلان. ولا يسأل إلا أن يراعي في الإعلانات الطريقة المحمودة.
وإليك جواب برناردشو. الفيلسوف الإنجليزي العظيم على هذه الأسئلة:
[١] إن الإعلان يطالب برخصة للكذب. لا نبررها اللياقة. ولا تتشفع لها الأخلاق.
[٢] استئصال شأفة النظام التجاري الحاضرة بجملة أصوله وفروعه.
[٣] الإعلانات هي كل ما في التجارة.
شراب الجعة في ميونيخ
ميونيخ هي أكبر مركز في العالم لصناعة الجعة. منها يستمد شراب الجعة في كل أنحاء الدنيا وأطراف الأرض. من الجعة حاجاتهم. وفي شهر مايو من كل عام يظهر في ميونيخ نوع جديد من الجعة يسمونه جعة البوك وهي ألذ مطعماً من النوع العادي. وأعذب مساغاً. فإذا أقبل شهر مايو الجميل. أقبل أهل ميونيخ على هذه الجعة مسرعين مخفين. وقد قرأنا في إحدى الإحصائيات أن عدد الذين زاروا حدائق الجعة. وهي من أعظم حدائق العالم العربي في شهر مايو الماضي على ١٢٠٠٠ زائر في اليوم.
وقد تناولوا ما يزيد عن ٦٦٠٠ جالون من الجعة. نصف هذا المقدار من جعة البوك والنصف الباقي من الجعة السوداء. أما معدل المأكولات التي تتناول على الجعة كل يوم في تلك الحدائق. فعشرون عجلاً. وأربعة خنازير. و٣٦٠٠٠ قطعة من قطع اللحم البقري. وكثير من القول التي تقدم مع الجعة - ولما كانت هذه الحدائق واحدة من بين كثيرات أمثالها في ميونيخ. فمن المحتمل أن يكون معدل الجعة في ميونيخ كلها. عشرين ألف طن كل يوم.
ومن أعجب العجب بعد هذا أن يقال أن البفاريين والمونيخيين قد أقلوا من شراب الجعة. في صيف هذا العام.
معيشة المقاصير والحرم في تركيا
كتب القائد عزت فؤاد باشا في إحدى المجلات الألمانية مقالاً في حياة الحريم. جاء فيها بملحوظات قيمة عن أسباب عدول أغنياء الأتراك وأكابرهم عن المعيشة التي كانوا عليها منذ عدة سنين. وهي تعدد الحرم. وهي تلك المقاصير التي يفرد فيها التركي زوجاته.
стр. 1373
وسرياته. وجواريه. فقال إن الحريم لم يعد بعد موجوداً. وإن تعدد الزوجات في تناقص وهبوط. وإن كان الشرع يبيح من الزوجات رباع. ومن الجواري والسريات ما شاء الرجل. وشاءت ثروته. ذلك لأن اتخاذ هذه الحرم يستلزم تكاليف كثيرة. ويتطلب نفقات كبيرة. وفي كثير من الأحوال يضيع دخل الرجل كله في مصاريف حريمه.
وقد جاء الكاتب بمثال لذلك استخلصه من حال حميه. وكان له أربع أزواج. وخمسمائة من الجواري والحظيات في حريمه. فقال إنه عند وفاته. في سن الأربعين لم يترك شيئاً. وقد كان ورث ثروة لا تقل عن مليونين من الجنيهات. ومنشأ كل هذه التكاليف أن كل زوجة وكل حظية لابد لها من خدم وخول. ومنذ انقطع الاتجار بالرقيق في تركيا قل معه اتخاذ الحظيات والزوجات المتعددات. وقد كانت حياة المقاصير. ومعيشة الحرم. أحد الأسباب التي عطلت رقي تركيا. لأنها كانت تمتص جزءاً كبيراً من المال. كان أحق به أن يصرف في سبيل رقي التجارة. التي تركت لليونانيين والأرمن والسوريين.
عبادة الديكة
الديكة من معبودات اليابانيين. وقد كان من تقديسهم لها أن احتفظوا بتأريخ نوعها منذ ألف عام قبل مولد المسيح. ويزين الديكة في اليابان أذناب وريش نهاية في الطول. حتى ليظن من يقع عليها أنها إحدى الشواذ. فقد يبلغ طول الريش نحواً من عشرة أقدام. وفي متحف طوكيو ثلاثة أنواع من الريش تتراوح في طولها بين ثلاثة عشر وخمسة عشر قدماً.
стр. 1374
العدد ٢٠ - بتاريخ: ٣١ - ٨ - ١٩١٤
стр. 1375
صفحة من التاريخ
النساء في الأندلس
إن الناظر في تاريخ المسلمين في الأندلس ليقضي عجباً إذ يرى ضروب الحضارة جمعاء من علم وأدب وصناعة وتجارة وفلسفة وطب وزراعة واختراع وجيش بري وبحري وأسطول ودولة وما إلى ذلك قد أربت على الغاية حتى ليصح للناظر أن يقول إن مدينة الأندلس كانت بحيث لا يتعلق بأذيالها مدينة أمة أخرى في هاتيك الأزمان، بل يرفع عقيرته قائلاً إن هذه المدينة جاءت سابقة أوانها، لا بل كانت حلماً في الكرى أو خلسة المختلس.
ولسنا نقصد بهذه الرسالة إلى التعرض لجميع أنواع الحضارة العربية في الأندلس فإن ذلك قد أتينا عليه مفصلاً في كتابنا حضارة العرب في الأندلس الذي نسأل الله أن يعين على تمامه وإنما النية بهذه الرسالة أن تذكر طرفاً مما كان عليه نساء الأندلس من علم وأدب عسى أن يكون لنا من ذلك عبرة إن شاء الله.
فأول ذلك أن كان في أحد أرباض (ضواحي) قرطبة أيام عبد الرحمن الناصر مائة وسبعون امرأة يكتبن المصاحف بالخط الكوفي: وكان لبعض قضاة لوشة إحدى مدائن الأندلس زوجة بزت العلماء في معرفة الأحكام والنوازل وكان قبل أن يتزوجها وصفت له فتزوجها فكان يجلس في منصة القضاء فترفع إليه الخصومات وتنزل النوازل فيلجأ إليها فتشير عليه بما يحكم به: وقد كتب إليه بعض أصحابه يداعبه.
بلوشة قاض له زوجة ... وأحكامها في الورى قاضية
فيا ليته لم يكن قاضياً ... ويا ليتها كانت القاضية
فأطلع زوجته على هذه المداعبة فقالت ناولني القلم فناولها فكتبت بديهة:
هو شيخ سوء مزدري ... له شيوب عاصية
كلا لئن لم ينته ... لتسفعاً بالناصية
ومن مشهورات نساء الأندلس حمدة ويقال حمدونة بنت زياد المؤدب الوادي آشي من وادي آش إحدى مدائن الأندلس واحتها زينب.
قال المقري وحمدونة هي خنساء المغرب وشاعرة الأندلس وممن روى عنها أبو القاسم بن
стр. 1376
البراق ومن قولها:
ولما أبى الواشون ألا فراقنا ... وما لهم عندي وعندك من ثار
وشنوا على أسماعنا كل غارة ... وقل حماتي عند ذاك وأنصاري
غزوتهم من مقلتيك وأدمعي ... ومن نفسي بالسيف والسيل والنار
وقالت وقد خرجت مع نسائها إلى واد نهره منقسم الجداول بين الرياض فنضون ثيابهن وسبحن في الماء وتلاعبن.
أباح الدمع أسراري بوادي ... له للحسن آثار بواد
فمن نهر يطوف بكل روض ... ومن روض يرف بكل واد
ومن بين الظباء مهاة أنس ... سبت لبي وقد ملكت فؤادي
لها لحظ ترقده لأمر ... وذاك الأمر يمنعني رقادي
إذا سدلت ذوائبها عليها ... رأيت البدر في أفق السواد
كأن الصبح مات له شقيق ... فمن حزن تسربل بالحداد
وقد أجمع مؤرخو الأندلس على أن حمدونة هذه هي صاحبة الأبيات المشهورة المنسوبة إلى المنازي الشاعر:
وقانا لفحة الرمضاء واد ... سقاه مضاعف الغيث العميم
نزلنا دوخة فحنا علينا ... حنو المرضعات على الفطيم
وأرشفنا على ظملأ زلالا ... ألذ من المدامة للنديم
يصد الشمس إني واجهتنا ... فيحجبها ويأذن للنسيم
يروع حصاه حالية العذارى ... فتلمس جانب العقد النظيم
قال الرعيني وهو ممن وفد من الأندلس إلى المشرق ونزلت بحلب وكانت حمدونة من ذوي الألباب. وفحول أهل الآداب. حتى أن بعض المنتحلين تعلق بهذه الأهداب. وادعى نظم هذه الأبيات: يعني ولما أبي الواشون إلى آخره: لما فيها من المعاني والألفاظ العذاب. وما غره في ذلك إلا بعد دارها. وخلو هذه البلاد المشرقية من أخبارها. وقد تلبس بعضهم بشعارها. وادعى غير هذا من أشعارها. وهو قوله وقانا لفحة الرمضاء واد الخ وإن هذه الأبيات نسبها أهل البلاد للمنازي من شعرائهم. وركبوا التعصب في جادة ادعائهم. وهي
стр. 1377
أبيات لم يجلبها غير لسانها. ولا رقم برذيها غير إحسانها ولقد رأيت المؤرخين من أهل بلادنا وهي الأندلس أثبتوها لها قبل أن يخرج المنازي من العدم إلى الوجود، ويتصف بلفظة الموجود.
ومن أديبات الأندلس نزهون الغرناطية من أهل المائة الخامسة وصفها صاحب المسهب بخفة الروح والانطباع الزائد والحلاوة وحفظ الشعر والمعرفة بضرب الامثال مع الجمال الفائق والحسن الرائق حكى أنها كانت تقرأ علي أبن بكر المخزومي الأعمى فدخل عليهما أبو بكر الكتندي فقال يخاطب المخزومي.
لو كنت تبصر من تجالسه
فأفحم وأطال الفطر فما وجد شيئاً فقالت نزهون:
لندوت أخرس من خلاخله:
البدر يطلع من أزرته ... والغصن يمرح في غلائله
ومن شعرها:
لله در الليالي ما أحيسنها ... وما احيسن منها ليلة الأحد
لو كنت حاضرنا فيها وقد غفلت ... عين الرقيب فلم تنظر إلى أحد
أبصرت شمس الضحى في ساعدي قمر ... بل ريم خازمة في ساعدي أسد
ولها نوادر مع كثير من أدباء الأندلس لا يتسع لها هذا المقال.
ومنهن عائشة بنت أحمد القرطبية، قال ابن حيان: لم يكن في زمانها من حرائر الأندلس من يعد لها علماً وفهماً وأدباً وشعراً وفصاحة تمدح ملوك الأندلس وتخاطبهم بما يعرض لها من حاج وكانت حسنة الخط تكتب المصاحف، وماتت عذراء لم يمسها أحد سنة أربعمائة: وقال ابن سعيد في المغرب إنها من عجائب زمانها، وغرائب أوانها، وأبو عبد الله الطبيب عمها ولو قيل أنها أشعر منه لجاز، دخلت على المظفر بن المنصور بن أبي عامر وبين يديه ولد فارتجلت:
أراك الله فيه ما تريد ... ولا برحت معاليه تزيد
فقد دلت مخايله على ما ... تؤمله وطالعه السعيد
تشوقت الجياد له وهز الحس ... ام هوى وأشرفت البنود
стр. 1378
وكيف يخيب شبل قد نمته ... إلى العليا ضراغمة أسود
فسوف تراه بدراً في سماء ... من العليا كواكبه الجنود
فأنتم آل عامر خير آل ... زكا الأنباء عنكم والجدود
وليدكم لدي رأي كشيخ ... وشيخكم لدى حرب وليد
ومنهن الرميكية جارية المعتمدين عباد أحد ملوك الطوائف وأم أولاده وقال في المغرب ركب المعتمد في النهر ومعه ابن عمار ووزيره وقد زردت الريح النهر فقال ابن عباد لابن عمار أجز. صنع الريح من الماء زرد.
فأطال ابن عمار الفكرة فقالت امرأة من الغسالات. . . أي درع لقتال لو جمد.
فتعجب ابن عباد من حسن ما أتت به مع عجز ابن غمار ونظر إليها فإذا هي من أجمل ما خلق الله فأعجبته فسألها أذات زوج هي فقالت لا فتزوجها وولدت له أولاده واشتهرت بالرميكية واسمها اعتماد.
ومن غريب الأمر أن ذلك لم يقف عند المسلمات بل جاوزهن إلى اليهوديات فكان منهن أديبات كما كان من اليهود أدباء فحول وبحسب اليهود في الأندلس إبراهيم بن سهل الإسرائيلي الشاعر الغزل صاحب الموشحة التي عارضها لسان الدين بن الخطيب بموشحته المشهورة ولا بأس أن نورد هنا موشحة الإسرائيلي ونعقبها بموشحة ابن الخطيب والشيء يذكر بالشيء والحديث شجون قال إبراهيم بن سهل:
هل دري ظبي الحمي أن قد حمي ... قلب صب حله عن مكنس
فهو في حر وخفق مثل ما ... لعبت ريح الصبا بالقبس
يا بدورا أطلعت يوم النوى ... غررا تسلك في نهج الغرر
ما لقلبي في الهوى ذنب سوى ... منكم الحسن ومن عيني النظر
أجتني اللذات مكلوم الجوي ... والتذاذي من حبيبي بالفكر
كلما أشكوه وجدا بسما ... كالربى بالعارض المنبجس
إذ يقيم القطر فيها مأتما ... وهي من بهجتها في عرس
غالب لي غالب بالتؤده ... بأبي أفديه من جاف رقيق
ما رأينا مثل ثغر نضدة ... أقحوانا عمرت منه رحيق
стр. 1379
أخذت عيناه منه العربدة ... وفؤادي سكره ما أن يفيق
فاحم الجمة معسول اللمى ... أكحل اللحظ شهي اللمس
وجهه يبتلو الضحى مبتسماً ... وهو من أعراضه في عبس
أيها السائل عن ذلي لديه ... لي يجني الذنب وهو المذنب
أخذت شمس الضحى من وجنتيه ... مشرقاً للصب فيه مغرب
ذهبت أدمع أجفاني عليه ... وله خد بلحظي مذهب
يطلع البدر عليه كلما ... لاحظته مقلتي في الخلس
ليت شعري أي شيء حرما ... ذلك الورد على المفترس
كلما أشكو إليه حرقي ... غادرتني مقلتاه دنفا
تركت الحاظة من رمقي ... أثر النمل على صم الصفا
وأنا أشكره. فيما بقى ... لست الحاه على ما أتلفا
فهو عندي عادل إن ظلما ... وعذولي نطقه كالخرس
ليس لي في الحب حكم بعدما ... حل من نفسي محل النفس
منه للنار بأحشائي اضطرام ... يلتظى في كل حين ما يشا
وهي في خديه برد وسلام ... وهي ضر وحريق في الحشا
اتقى منه على حكم الغرام ... أسد الغاب وأهواه رشا
قلت لما أن تبدي معلما ... وهو من الحاظه في حرس
أيها الآخذ قلبي مغنما ... اجعل الوصل مكان الخمس
وهذه موشحة لسان الدين بن الخطيب:
جادك الغيت إذا الغيث هما ... يا زمان الوصل بالأندلس
لم يكن وصلك إلا حلما ... في الكرى أو خلسة المختلس
إذ يقود الدهر أشتات المنى ... ينقل الخطو على ما يرسم
زمراً بين فرادة وثنا ... مثل ما يدعو الوفود الموسم
والحيا قد جلل الروض سنى ... فثغور الزهر منه تبسم
وروى النعمان عن ماء السما ... كيف يروي مالك عن أنس
стр. 1380
فكساه الحسن ثوباً معلما ... يزدهي منه بأبهى ملبس
في ليال كتمت سر الهوى ... بالدجى لولا شموس الغرر
مال نجم الكاس فيها وهوى ... مستقيم السير سعد الأثر
وطر ما فيه من عيب سوى ... انه مر كلمح بالبصر
حين لذ النوم منا أو كما ... هجم الصبح هجوم الحرس
غارت الشهب بناء أو ربما ... أثرت فينا عيون النرجس
أي شيء لامرئ قد خلصا ... فيكون الروض قد مكن فيه
تنهب الأزهار منه الفرصا ... أمنت من مكره ما تنقيه
فإذا الماء تناجي والحصا ... وخلا كل خليل بأخيه
تبصر الورد غيوراً برما ... يكتسي من غيظه ما يكتسي
وترى الآس لبيباً فهما ... يسرق السمع بادني فرس
يا اهيل الحي من وادي الغضى ... وبقلبي سكن أنتم به
ضاق عن وجدي بكم رحب الفضا ... لا أبالي شرقه من غربه
فأعيدوا عهد أنس قد مضى ... تعتقوا عانيكم من كربه
واتقوا الله وأحيوا مغرماً ... يتلاشى نفساً في نفس
حبس القلب عليكم كرماً ... أفترضون عفاء الحبس
وبقلبي منكم مقترب ... بأحاديث المنى وهو بعيد
قمر أطلع منه المغرب ... شقوة المغرى به وهو سعيد
قد تساوى محسن أو مذنب ... في هواه بين وعد ووعيد
ساحر المقلة معسول اللمي ... جال في النفس مجال النفس
سدد السهم وسمي ورمي ... بفؤادي نهبة المفترس
إن يكن جار وخاب الأمل ... وفؤاد الصب بالشوق يذوب
فهو للنفس حبيب أول ... ليس في الحب لمحبوب ذنوب
أمره معتمل ممتثل ... في ضلوع قد براها وقلوب
حكم اللحظ بها فاحتكما ... لم يراقب في ضعاف الأنفس
стр. 1381
ينصف المظلوم ممن ظلما ... ويجازي البر منها والمسي
ما لقلبي كلما هبت صبا ... عادة عيد من الشوق جديد
كان في اللوح له مكتتباً ... قوله إن عذابي لشديد
جلب الهم له والوصبا ... فهو للأشجان في جهد جهيد
لاعج في أضلعي قد أضرما ... فهي نار في هشيم اليبس
لم يدع في مهجتي إلا الذما ... كبقاء الصبح بعد الغلس
سلمى يا نفس في حكم القضا ... واعمري الوقت برجعي ومتاب
دعك من ذكرى زمان قد مضى ... بين عتبي قد نقضت وعتاب
وأصر في القول إلى المولى الرضا ... ملهم التوفيق في أم الكتاب
الكريم المنتهي والمنتمي ... أسد السرج وبدر المجلس
ينزل النصر عليه مثل ما ... ينزل الوحي بروح القدس
نرجع الآن إلى ما نحن بصدده، قلنا إن الأدب العربي لم يكن قاصراً في الأندلس على المسلمات بل كان كذلك من اليهود أديبات. وذاك لعمري دليل آخر على استبحار الحضارة العربية وخاصة الأدب في تلك العصر حتى غمرت جميع الأندلسيين مسلميهم ومسيحيهم واليهود، رجالاتهم والنساء، فمن أديبات اليهود في الأندلس قسمونة بنت إسماعيل اليهودي وكان أبوها شاعراً وعنى بتأديبها. قال المقري وربما صنع من الموشحة قسماً فأتمتها هي بقسم آخر قال لها أبوها يوماً أجيزي:
لي صاحب ذو بهجة قد قابلت ... منها يظهر واستحلت جرمها
ففكرت غير كثير وقالت:
كالشمس منها البدر يقبس نوره ... أبداً ويكسف بعد ذلك جرمها
فقام كالمختبل وضمها إليه وجعل يقبل رأسها ويقول أنت والعشر كلمات أشعر مني ونظرت في المرآة فرأت جمالها وقد بلغت أوان التزوج ولم تتزوج فقالت:
أرى روضة قد حان منها قطافها ... ولست أري جان يمد لها يدا
فواسفا يمصى الشباب مضيعاً ... ويبقي الذي ما أن اسميه مفردا
ومن قولها في ظبية كانت عندها:
стр. 1382
يا ظبية ترعي بروض دائماً ... إني حكيتك في التوحش والحور
أمسى كلانا مفرداً عن صاحب ... فلنصطبر أبداً على حكم القدر
ومن أديبات الأندلس اللواتي ملأن الدنيا أدباً وفضلاً ولادة بنت المستكفي بالله محمد بن عبد الرحمن بن عبيد الله بن عبد الرحمن الناصر قال ابن بشكوال صاحب كتاب الصلة كانت ولادة أديبة شاعرة جزلة القول حسنة الشعر وكانت تناضل الشعراء وتساجل الأدباء وعمرت عمراً طويلاً ولم تتزوج قط. ماتت لليلتين خلتا من صفر سنة ثمانية وأربعمائة وكان أبوها المستكفي قد بايعه أهل قرطبة لما خلعوا المستظهر وكان خاملاً ساقطاً وخرجت هي في نهاية من الأدب والظرف حضور شاهد، وحرارة أوابد، وحسن منظر ومخبر، وحلاوة مورد ومصدر، وكان مجلسها بقرطبة منتدى لأحرار المصر، وفناؤها ملعباً لجياد النظم والنثر. يعشو أهل الأدب إلى ضوء غرتها، ويتهالك أفراد الشعراء والكتَّاب على حلاوة عشرتها، وعلى سهولة حجابها، وكثرة منتابها، تخلط ذلك بعلو نصاب وكرم أنساب، وطهارة أثواب. مرت يوماً بالوزير ابن أبي عامر بن عبدوس وأمام داره بركة تتولد عن كثرة الأمطار وربما استمدت بشيء مما هنالك من الأقذار وقد نشر أبو عامر كمية، ونظر في عطفيه، وحشر أعوانه إليه، فقالت له:
أنت الخصيب وهذه مصر ... فتدفقا فكلا كما بحر
فتركته لا يحير حرفاً، ولا يرد طرفاً. وقال ابن سعيد في المغرب بعد أن ذكر أنها بالمغرب كعلية في المشرق. إلا أن هذه تزيد بمزية الحسن الفائق، وأما الأدب والشعر والنادرة وخفة الروح فلم تكن تقصر عنها، وكان لها صنعة في الغناء، وكان لها مجلس يغشاه أدباء قرطبة وظرفاؤها. فيمر فيه من النادر وإنشاد الشعر كثير لما اقتضاه عصرها من مثل ذلك. قال المقري: وفيها خلع ابن زيدون عذاره وقال فيها القصائد الطنانة والمقطعات وفيها يقول:
بنتم وبنا فما ابتلت جوانحنا ... شوقاً إليكم وما جفت مآقينا
نكاد حين تناجيكم ضمائرنا ... يقضي علينا الأسى لولا تأسينا
إلى آخر القصيدة وهي مشهورة متداولة. وبسببها خاطب ابن عبدوس برسالته المشهورة، ومن قوله يخاطب ابن عبدوس:
أثرت هزبر الثري إذ ربض ... ونبهته إذ هدا فاغتمض
стр. 1383
وما زلت نبسط مسترسلاً ... إليه يد البغى لما انقبض
حذار حذار فإن الكريم ... إذا سيم خسفا أبي فامتعض
وإن سكون الشجاع النهو ... ش ليس يمانعه أن يعض
عمدت لشعري ولم تتئد ... تعارض جوهره بالعرض
اضاقت أساليب هذا القري ... ض أم قد عفى رسمه فانقرض
لعمري فوقت سهم النضال ... وأرسلته لو أصبحت الغرض
إلى أن قال:
وغرك من عهد ولادة ... سراب ترآءى وبرق ومض
هي الما يعز على قابض ... ويمنع زبدته من مخض
وقالت وقد زارت ابن زيدون فأرادت الانصراف وودعته بهذه الأبيات:
ودع الصبر محب ودعك ... ذائع من سره ما استودعك
يقرع السن على إن لم يكن ... زاد في تلك الخطى إذ شيعك
يا أخا البدر سناء وسنى ... حفظ الله زمانا أطلعك
أن يطل بعدك ليلى فلكم ... بت أشكو قصر الليل معك
وأرسل إليها ابن زيدون مرة هذه الأبيات:
ألا هل لنا بعد هذا التفرق ... سبيل فيشكو كل صب بما لقى
وقد كنت أوقات التزاور في الشتا ... أبيت على جمر من الشوق محرق
فكيف وقد أمسيت في حال قطعه ... لقد عجل المقدور ما كنت أتقي
تمر الليالي فلا البين ينقضي ... ولا الصبر من رق التشوق معتقي
سقي الله أرضاً قد غدت لك منزلاً ... بكل سكوب هاطل الوبل مغدق
فأجابته بقولها:
لحى الله يوماً لست فيه بملتقي ... محياك من أجل النوى والتفرق
وكيف يطيب العيش دون مسرة ... وأي سرور للكئيب المؤرق
وكتبت أثناء الكلام بعد البيتين: وكنت ربما حثتني على أن أنبهك على ما أجدك فيه عليك نقداً وإني انتقدت عليك قولك:
стр. 1384
سقي الله أرضاً قد غدت لك منزلاً
فإن ذا الرمة قد انتقد عليه قوله مع تقديم الدعاء بالسلامة:
ألا يا سلمى يا دار مي على البلى ... ولا زال منهلاً بجرعائك القطر
إذ هو أشبه بالدعاء على المحبوب من الدعاء له وأما المستحسن فقول الآخر:
فسقى ديارك غير مفسدها ... صوب الربيع وديمة تهمي
وأخبار ولادة كثيرة رحمها الله - وبعد فإن أدبيات الأندلس يخطئهن العد والإحصاء، فنجتزئ الآن بمن ذكرنا وفيهن إن شاء الله الغناء.
стр. 1385
النجاح
ماكس نوردو اسم عرفه قراء هذه المجلة بما نشرته لهم ملخصاً عن كتابه الأكاذيب المقررة في المدينة الحاضرة ولهذه النقادة غير كتاب الأكاذيب كتب عدة نبحث في موضوعات شتى، فمنها كتاب الانحطاط والاضمحلال ومنها كتاب الفنون وأهل الفنون ومنها كتاب الغرائب وهو الذي نلخص عنه هذا الفصل في موضوع النجاح.
والنجاح على كونه طلبة العامل والعاطل، ومنية الكبير والصغير، فقليلاً ما كتب فيه الكاتبون، وقل في هذا القليل من أصاب وأفاد، لأن للنجاح صناعة يموت أكثر الناجحين على سرها. أو يبوحون ببعض السر ويكتمون بعضه خجلاً أو استئثاراً. إلا أن نورد وسلك في هذا الفصل مسلك التعريض بأسباب النجاح في عصرنا هذا، فجر وسائله ولم يأت في جده وهزله بكلمة لا يؤيدها الواقع أو يقوم عليها الشاهد من العيان. ولكنها حقائق لا يقبلها ولا يثق بها إلا رجل أفلح أو رجل أخفق. فأما المفلح فيعلم بم نجح، وأما المخفق فيعلم لمَ لمْ ينجح، وأما الذين هموا بالنجاح ولم يمارسوه، وعشوا إلى ضوء ناره ولم يواقعوه، وحلموا بإدراكه ولم يحققوه، فأولئك يثقون بأحلامهم وأمانيهم أكثر من ثقتهم بهذه الحقائق المؤيدة وإن كانت غير شريفة، والتجارب الصعبة على كونها أسهل من الشرف في إحراز النجاح.
وقد أفرغه في قالب الدعابة والسخر ولكن فيه من روح التذمر والنقمة ما يحسده عليه شوبنهور أمام الساخطين. مع أنه استهل هذا الكتاب بفصل مسهب في التيمن والتطير، فكان زبدة كلامه أن التيمن أعمق في الطباع من التطير، وأن النفوس أسكن إلى حسن الظن بالناس والحياة منها إلى سوء الظن بهم.
ولما ظهر هذا الفصل حسبه بعض الجهلاء جادوا في قوله، وفهموا أنه يجيز استخدام هذه الوسائل ولم يفهموا أنه ينكرها ويشهر بها، فقرعوه أقبح التقريع وسبوه في أخلاقه ومبادئه، فذيل الفصل في الكتاب بكلمة قال فيها إنه كان يود لو أتيح له نشر صور هؤلاء الكتاب لأنهم ولا ريب من عجائب المخلوقات في هذا القرن العشرين.
وكأنهم استغربوا من الرجل مجاهزته بأن النجاح يغتنم أحياناً بالخداع والتلبيس - استغربوا منه ذلك جرياً على مذهب المتشددين في تربية الناس وهم أحوج الناس إلى من يتشدد في تربيتهم، والقائلين بتجاهل مثالب المجتمع وهم من حسور النظر بحيث لا يعلمون مثالب المجتمع أو محامده، وطالما سمعناهم يحتمون على الكاتب إذا كتب في النجاح أن ينبه
стр. 1386
القراء إلى التعويل على أنفسهم وإلى تمحل أسباب النجاح وابتغاء الوسائل إليه. قلنا إن كان هذا واجباً فأوجب منه أن ننبه الأمة إلى أن المعول في نجاح تلك الوسائل إنما هو عليها. فإن زمناً من الأزمان لم يخل من وسائل للنجاح كائنة ما كانت. وإنما على الأمة أن تحذر لئلا تكون تلك الوسائل مما لا يحذقه إلا أرزالها، ومن لو نجحوا الأضر نجاحهم بها، وكان تقدمهم وبالاً عليها، ولئن كان من واجب الفرد أن يسعى ليستحق النجاح فلا نزاع في أن واجب الأمة أن تسعى لينال النجاح من يستحقه، إذ ليس كل من ينال النجاح ويستحقه، ولا كل من يستحق النجاح يناله.
ولو كان العامل وحده هو المؤثر في عمله للزمته وحده تبعة النجاح أو الخيبة، ولكن للنجاح أركاناً هي العمل والعامل ووقت العمل ومكانه. فربما كان العامل واحداً في البلدين فينجح هنا ويحبط هناك وربما كان العامل بعينه والبلد بعينه ولكنه ينجح في وقت ويحبط في وقت آخر. وقد تكون البيئة واحدة والعمل هو هو فيقدم عليه اثنان يظفر أحدهما ويفشل الآخر. فلا يجوز أن يتجه اللوم كله إلى العامل. فربما كان الفشل في بعض البيئات أشرف للرجل وأصون لمروءته وأدل على قدرته الصحيحة من نجاحه. وهؤلاء النشوئيون واضعو قاعدة بقاء الأنسب لا يتخذون النجاح معياراً للأفضلية، ولا يقولون أن بقاء الأنسب معناه بقاء الأرقى والأحسن. بل قد يكون الأمر على نقيض ذلك. قال سبنسر: ليس المراد بقانون بقاء الأحسن أو الأقوى هذا المعنى الذي تنطوي عليه حروف هذه الكلمات في عرفنا. ولكن المراد به بقاء أولئك الذين هم أصلح بتركيب أجسامهم للحياة في البيئة والأحوال التي وضعوا فيها. وكثيراً ما يتفق أن ما هو أحط وأصغر في التقدير الإنساني يسبب البقاء.
ونحن بادئون بتلخيص ذلك الفصل. سأل نوردو: ـ
أي غاية نتوخاها من هذا التعليم المدرسي ومن عامة أصول التربية والتهذيب؟؟ قال لا لبس في جواب هذا السؤال. إذ لا ينبغي أن تكون الغاية القصوى من ذلك إلا أن نجعل الحياة أوفق لنا بتعميقها، ومضاعفة خيراتها، وتزيين ظاهرها وباطنها. وإذا التمسنا الإيجار فأن تزيدنا وتزيد المجتمع الذي نحن فيه رغداً ورفاهة. وليس لهذه الحقيقة إلا وجه واحد فأما من يخالف في ذلك من علماء التربية فهم يقعون دون المرمى. وربما قال أحدهم أن
стр. 1387
غاية المدرسة هي تكوين الشخصية. فلعمري ما معنى هذا الكلام إذا نحن أنعمنا في تحليله؟؟ ما كانت الشخصية لتصب في قالبها لجمال محياها أو لتروق نظر الناظرين إليها كما يصب التمثال. ولكنها خلق يرام به شيء من النفع. وما المثابرة على الغرض، والثبات في الأعمال، والإصرار على الرأي والصدق في الرغبة، والإقدام إذا أعوز الأمر إلى الخصام، إلا درع يستلئمها الرجل وسلاح يتقلده في كفاح الحياة وتنازع البقاء. وهم يسلمون بأنها أخلاق تمهد لصاحبها الغلب على أعدائه ومنافسيه. يقولون وإذا شاء الله مرة أن يظهر الذي هو أدنى على الذي هو أعلى ففي هذه الأخلاق سلوة وشفاء لا لم الفشل وعون على الرضى عن النفس، بل وعلى المباهاة بتلك الخصال التي نجم عنها اندحار المهزوم وخيبته.
وربما قالوا أيضاً أن الغرض من المدرسة إنماء العقل، وتقوية العزيمة، وتهذيب المشاعر لتحس الطيب والجميل من الأشياء. فقل لي ما هو فحوى كلامهم هذا؟؟ إن العقل ينمو ليتفهم به الرجل أسرار الطبيعة وأمزجة الناس، فيتمتع بما في معرفة طبائع الأشياء وعناصرها من اللذة والغبطة - ذلك إلى حد تنتهي عنده لذة المعرفة وغبطتها. ثم يتذرع بها إلى ذود الضرر عنه وجلب المنفعة إليه، وأما العزيمة أو الإرادة فإنما يستحب أن تقوى ليدرأ بها ما يؤذيه ويثبطه، ولا يقصد بتهذيب الأذواق وإعدادها للإحساس بالجمال والخير إلا أن تكون باباً يلج منه إلى النفس مشاعر لاذة لها، سارة لوجداناتها، فهل لهذا الكلام فحوى إلا أن تصير الحياة أوفق للإنسان؟؟.
قال نوردو فإذا نظرنا إلى مدرسة اليوم بأساليبها وبرامجها أترانا نجدها كافلة بهذه الغاية، مفضية إلى هذه الجهة؟؟ قال كلا فإنها لا تخرج إلا تلاميذ يطرحون سلاحهم للصدمة الأولى، وكأن الذين سنوا طرائق التربية طغمة من دهاة الساسة أرادوا أن يستحوذوا على عروض الحياة ويحرموا منها الناس أجمعهم، فاجتمعموا على ابتكار هذه الطرائق يعلمون الناس كيف يعجزون عن تحصيل تلك العروض، وكيف يقنعون من الغنيمة بالإياب. ثم تطرق من هذا إلى دعابة مفعمة بالجسد والحقيقة الدنيوية، قال: بين النظام المدرسي الآن فجوة لا يحسن أن تظل بعد اليوم فارغة. ولقد لهوت حيناً بأحلام كنت أرددها وكنت أمني النفس بإنشاء مدرسة تعلن للملأ جهرة أنها لا تنوي أن تشتغل بغير آلات النجاح وتجهيز
стр. 1388
تلاميذها له، ولا تأبه للخيالات المجردة أو تعيرها جانباً من همها. وكنت أعلم أن أناساً من عصريينا صعدوا سلم النجاح واقتعدوا كاهله، وما حضروا في مدرسة النجاح درساً ولا فتحوا بين يدي أساتذتها كتاباً، ولكن هذا لا يقدح في سداد الفكرة فقدما نشأ في أزمان الهمجية، وفي أصقاع لا أثر لمعاهد العلم فيها، رجال بذوا قرناءهم بالحذق والمعرفة، معرفة حصلوها بفطنتهم وجمعوها بطول الجد والمراقبة، ولكنها طريقة في التعليم ما أشقها على الرجل المستقل بأبحاثه ودروسه. قال ولو التفت العصامي الذي اخترق في الزحام سمته إلى النجاح بسائق لدنى من نفسه لآسفه أن ينظر إلى ذلك السمت فيرى كم زاوية فيه سلكها ثم تنكبها، وكم عقبة تسنمها ثم انحدر عنها، وفيفاء مرحلة جاس خلالها وكانت له ندحة عنها لو وفق إلى دليل خبير، أو وقف على مداخل تلك الأنحاء ومخارجها.
قال ولكني أحجب النساء عن باب مدرستي لأنهن غوان عن نصائحها إذ ليس نجاح المرأة إلا أن تكون حظية في عين الرجل والنساء مدلولات بالفطرة على ما يحبب فيهن الرجال. وما ظلمهن إلا من يعلمهن الرسم والتاريخ وذبح اللغات الغريبة باللحن في نطفها وما شاكل ذلك مما يرعب الرجال منهن. قال: وأن المشارقة بما هدتهم إليه البديهة الموروثة، والحكمة الأصيلة قد تعودوا النظر إلى المسائل بعين أسد وقريحة أصوب من أهل الغرب، فما رأيناهم يعلمون البنت إلا الغناء والرقص والبراعة في الضرب على أداة من أدوات الطرب، ويعلموهن قص القصص، وخضب الأنامل بالحناء، وكحل الدفون بالأئمد، وما يلحق بهذه الصناعة التي تتصبى إليهن الرجال وترغبهم فيهن بما تزخرف من محاسنهن وتزين لشركائهن في الحياة فيتعلقون بهن. هذا وبناتنا المسكينات يعوقهن التعليم المدرسي عن مجاراة غرائز المرأة وإن كانت مجاراة هذه الغرائز أنفع لهن وأجدى من جميع ما يلقنه أولئك الأساتذة سيان من يلبس النظارات منهم ومن لا يلبسها. وسرعان ما تستدير إحداهن المدرسة بمصاعبها وتكاليفها حتى تنطلق مع أميالها وتربي نفسها التربية التي خلقت لها ثم تتعلم بوحي من غرائزها كيف تنقش وجهها بالطلاء الأحمر وتدممه بدقيق الأرز ولا تبالي أن تلبس أوقح الحلل وأبعدها عن الحشمة وأن تمشي وتقوم وتجلس على هيئة تكشف لك سر ما أسخطك لأول وهلة من تفصيل ملابسها، وإن تقلب مروحتها برشاقة ذات معان وألغاز، وتعرف كيف تسبل أهدابها وتشيع أجفانها بغمزات تستهوي
стр. 1389
النفوس إليها، وتغري الأهواء بها. وكيف تتخذ لوجهها أملح الحركات وألطف الإشارات، وتتصنع سذاجة الطفولة في نبرات صوتها، وعبث الشبيبة في غراراتها، إلى أن قال: وماذا يعنيها من نقد الناقدين؟؟. فأما أترابها من النساء فهي لا تؤمل عندهن عطفاً ولا مودة، وهبهن قد عطفن عليها وأزلفن إليها بالمودة فأي ربح لها في ذلك؟؟ وأما الرجال فماذا عليها من أن يعرض عنها أحد العلماء أعراض الإنكار والاستياء إذا كان فتيان النوادي وظرفاء الشبان يرصدونها بمجاهرهم ويلحظونها بعين الإعجاب والاستحسان.
وكما استثنى نورد النساء من مدرسته كذلك استثنى منها أشباههن من الرجال أصحاب القامة المديدة، والسبال المفتولة، والطلعة الوسيمة، والهياكل الجسيمة، وهم شبيهون بالنساء في أن نجاحهم عند غير جنسهم. فكما أن المرأة لا تعول على رأي النساء فيها كذلك لا حاجة لخلب النساء إلى التفاهم مع أبناء جنسه أو التعويل على رأيهم فيه. نجاح تلك الوسائل إنما هو عليها. وإلى تمحل أسباب النجاح وابتغاء الوسائ
وكذلك استثنى من مدرسته رجال العبقرية لأنهم شواذ الناس وإنما تشاد المعاهد للأوساط والأنداد. وإن رجلاً - كما يقول - مثل بيتهوفن كان يبلغ ما بلغه في فن الألحان حضر مدرسة الموسيقى أو لم يحضر. فأما الذين حرموا من المزايا ولم يحرموا نفساً تواقة إلى الامتياز على الناس بطنطنة الأبهة وفخامة الألقاب فأولئك الذين أفتح لهم أبواب مدرستي وأوصى رئيسها أن يقول لمن يضع ابنه في كفالته: تعال يا صاح! ألا تفصح لي عن باطن نيتك وما أنت مختارة لولدك؟ - فإن كان قصدك أن يقضي ولدك حياته في عالم وهمي، يلبس فيه أكاليل الفلج ذوو الكفاءة وأولو المقدرة، ويبحث فيه الناس عن الفضيلة العاكفة في خدرها فيجزونها، وعن البلادة والغرور والخسة فلا يجدونها، وينقبون فلا يرون فيه محلاً لغير الخير والجمال، ولا موضعاً لسوى الحق والكمال - أو كنت تختار لولدك أن يتمسك باحترام نفسه ويؤثره على إطراء الناس له. يصغي إلى ما يمليه عليه ضميره ويعرض عما يتمدح به الكافة من السوقة والغوغاء، ويغتبط بقضاء واجبه ومحاسبة ذمته أكثر من اغتباطه برضى الناس عنه، فاعلم أن لا محل له في مدرستي، وأولى لك أن تأخذ بيده إلى المدارس العتيقة فيرتل هناك ما يشاء من قصائد الشعراء الأقدمين والمحدثين، ويتلهى بما يشاء من العلوم والمعارف، ويسلم بما يفرغه في أذنيه معلموه وأساتذته، وأما أن تختار
стр. 1390
لولدك أن يكون رجلاً من أولئك الرجال الذين يحييهم الناس في الطرقات، الذين يسافرون في المركبات المحجوزة، وينزلون في أفخر النزلات، ويصيبون من العقدة والجاه ما يسول لهم استحقار العظمة المغمورة، والزراية على الفضيلة المجهولة، فهاته إلى فأنا الزعيم له بذلك - فأما أنه يذكر بين سير فلو طرخس فذلك مالا أضمنه لك، ولكني أضمن لك أن يدون اسمه يوماً ما بين أعظم الأسماء في سجل الحكومة.
ثم قال أنه سيرتب مدرسته درجات حسب درجات حسب درجات المدارس المعهودة لأن أكثر الناس لا يتطلعون من التعليم المدرسي إلى الانتظام في سلك الجامعات، أو يطمعون في درجة الأستاذية. وطلاب النجاح منهم من يقنع بما دون الوزارة في السياسة، ودون الملايين في الغنى والثروة، فلا حاجة لهؤلاء بما هو أعلى من المبادئ الأولية في علم النجاح. فلهذا أعددت في المدرسة قسماً عاماً لمن لا يبتغون أكثر من النجاح في الحرف الصغيرة والمكاسب الوضيعة ونصيحتي إلى هؤلاء الصدق والأمانة - قال وقد يظهر أن في هذه النصيحة شيئاً من خبث ماكيافللي ولكن الواقع والمشاهد أن الصدق نافع لطلاب القسم الأول من علم النجاح - لأن الناس كلهم على بصيرة بتمييز الجيد والردئ من صنعتهم - إذا أتقن الإسكاف صنع حذائه وباع البدال السكر نقياً ولم يبعه على الناس رملاً. فكلاهما على ثقة من نفاق بضاعته، والبركة في رزقه، وإن أجهل الناس يشعر بضيق الرداء أو سعته ويتعذر عليه أن يلحظ عيب السرير إذا كان معيباً، فاعلم أنه لا ينفع هؤلاء الصناع إلا تجويد الصنعة، والصدق في المعاملة.
فأما الطامحون إلى عظيم المراتب، المغامرون في جليل المطالب، الراغبون فيما هو أسمى وأسمق من معقول الناس فنصيحته إليهم أن يتجنبوا الحياء ما استطاعوا. فقد يكون الرجل على قدم راسخة في العلم. وعلى قسط وافر من التفوق في الفكر، مليئاً بإنجاز العظائم، مضطلعاً بكبريات العزائم فإذا كان مع هذا حيياً وقوراً فأنذره بسوء العقبى وأيئسه من الإقرار بفضله والاعتراف بحسناته، إلى أن قال: ولا يغرنك قول من قال: لا تتكلم عن نفسك فهذا هذر وهذيان. ولكن ليكن كلامك كله عن نفسك أولاً لأن الكلام عنها يطربك، وثانياً لأنك تصرف المجلس عن التحدث بغيرك - وقد يكون من أندادك - ما دام المجلس يصغي إليك. وثالثاً لأن إثارة من كلامك ستبقى في ذاكرة أشد مبغضيك. وليكن لك من
стр. 1391
الحزم ما يفهمك بالبداهة أن لا تذكر نفسك إلا بخير. ولا تقف في هذا عند حد بل عظم نفسك وترنم بالثناء عليها وسرد مناقبها ومآثرها واستعمل لذلك جهدك في الفصاحة والخلابة، وأضف إلى نفسك أفخم الصفات وأربع أعمالك إلى السماء السابعة وقل إنها أحسن مستخرجات العصر وأعجب محدثاته. وأكد لسامعيك أن العالم بأسره يعجب بها ولا تنس إذا لزم الأمر أن تنقل بعض أقوال المعجبين بك والمقرظين لك، فإذا لم يكن قد تناهي إليك منها ما تنقله فاختلقها للتو والساعة. وسترى أن نجاح نصيب إذا انتصحت بنصيحتي نعم إن من العقلاء من يسخر منك أو يستوقحك ولكن أين هم العقلاء؟؟ إن هم إلا فئة صغيرة وليست هذه الفئة هي التي تقتسم بين الناس جوائز الحياة. . فإذا دعيت يوماً إلى وليمة قالت ربة الدار هذا رجل صاحب دعاوى عريضة لا يقنع بالقليل من الحفاوة ولا يرضى إلا بأن أجلسه إلى يميني وأخصه بالمحل الأول على المائدة وإلا فقد يسوءه أن يتقدم عليه سواه ويبرح الدار محنقاً وقد يكون بين المدعوين رجل من أولى الكفاءة الصحيحة فلا تزيد ربة الدار على أن تقول له لا أخالك تمانع في إيثاره بذلك المكان؟ إنك ولا شك أرفع من هذه السفاسف ثم ينتهي الأمر بأن تحفظ لنفسك المكان الأول في كل وليمة، ويألف الناس تقديمك والترحيب بك حتى لا يخالج صدورهم تردد في ذلك قال ولا تنبذ الحياء كل النبذ ولكن أدخره لتعود إليه متى وجدت من المادحين ما يغنيك عن مدح نفسك.
وانتقل نوردو من ذلك إلى معاملة الأنداد والقرناء فقال: إياك والإصاخة إلي نصح الناصحين لك بتجميل رأي أمثالك فيك، فإنها خرافة فاشية بين الأغمار وما أمثالك إلا مزاحموك - كلهم من أربة النجاح الذي هو من أربك، فكلما اتسع حيزك ضاق حيزهم، وانتقص قدرك من أقدارهم فلا تنتظر منهم إنصافاً ولا ترج من لدنهم إخلاصاً وإنهم ليجسمون أغلاطك ولا يأتلون سعياً في طمس مزاياك فاقصر همك على فريقين الفريق إلا على الذين بيدهم رفعتك ونباهتك والفريق الأدنى الذين هم تحتك من الدهماء والعامة واحرص على أن تبدوا للأولين صغيراً جداً وللآخرين كبير جداً كأن الفريقين ينظران إليك من طرفي مجهر. وليس هذا بالعلم السهل ولكنك حرى أن تتمكن منه بالمزاولة والتجربة.
قال: فإذا بلغت المدى وخلفت أندادك وراءك وتبوأت المكانة التي يرجى خيرها ويخشى
стр. 1392
شرها هنالك تشعر بالسرور الذي يداخلك من سرعة انتقال المذمة الشائعة إلى محمدة رائعة، والجفوة إلى المحبة، والأغضاء إلى الإعجاب والثناء ثم قال وإنك أشد ما تكون فقراً أحوج ما تكون إلى تجميل بزتك والظهور بمظهر أصحاب الضياع والكور. وربما أعوزك ذلك إلى المال وقد لا يتيسر لديك الكفاية منه. فماذا أنت صانع؟؟ إذن فافترض يا بني. اقترض ولا يكرثك أمر الوفاء - إنك إن عشت عيشة الأوفياء فسكنت السطوح وأكلت الخبز القفار لا تأمن بعد قليل أن تنبحك الكلاب وتتجه إليك شبه الشحنة ويوصد الكبراء أبوابهم دونك ولا يعبأ بك حتى البدال الذي تشتري منه ميرتك الساعة التي تسدد فيها دينه عليك. أما إذا أفرطت في الاقتراض وأسرفت في الاستعارة فإنك تعيش عيش المترفين ويكلأوك الدائنون كما يكلأ والد ولده. رغبة في بقائك وإشفاقاً على أموالهم المرهونة بحياتك، ثم يتمنون لك الغنى ويسعون لك في اليسار.
وكان ختام المقالة هذه النصيحة الجامعة: لا تحتفل غاية الاحتفال بعمل ولا تبهظ نفسك في تجويده معتمداً على أن عملك يعلن عن نفسه فإن صوت الأعمال خافت يغطي عليه صلق الأوساط الحاسدين. ولغة الأعمال غريبة لا يسمعها الزعانف ولا يفقهون معانيها، وقل أن يعرفك أو يقدر عملك إلا النخبة المعدودون، والخاصة المنصفون. على أنهم مع عرفانهم قدرك وتقديرهم عملك لا يخفون إلى مسعدتك من قبل أنفسهم ما لم تعترض أعينهم غصباً. فما بالك يا بني تبدد عمرك في الأمانة والاجتهاد إنما عليك أن تدرس أطوار الجمهور وتتعرف مواطن غفلته فتستخدمها فيما يفيدك واعلم أن الناس لا طاقة لهم بالتمييز والحكم فاحكم لهم أنت، وليس لهم فكر ممحص أو نظر بعيد فإياك وما يكدر أذهانهم، ويعضل على أدمغتهم، وأن الناس بلداء الإحساس، ثقال السمع فليكن ظهورك بينهم بجلبة يسمعها الأصم ويبصرها الأعمى، وإن الناس لا يفهمون التورية والمزاح، ولا يتأولون الحروف والألفاظ فكن لهم واضحاً في مخاطبتك، سهلاً في عبارتك، وعدد لهم بلهجة ظاهرة يفهمونها ولا يرتابون فيها، كل ما هو بشين في أعدائك وكل ما هو حسن فيك، وأن الناس ضعاف الذاكرة فاهتبل هذه الغرة فيهم ولا تحجم عن طريق تؤديك إلى غرضك فإنك متى أدركته لم يذكر أحد كيف وصلت إليه فبهذه المبادئ الأساسية تصبح غنياً وعظيماً وتستتب لك الأمور في هذه الدنيا. بتلخيص وتصرف.
стр. 1393
عباس محمود العقاد
стр. 1394
ابن الرومي
(تابع الكلام على طيرته وتعليلها)
بقلم الأستاذ إبراهيم عبد القادر المازني
(وبعد) فإن ما أوردناه من أخبار ابن الرومي على قلتها، وما سقناه من شعره على نزارته، خليق أن يرى القارئ أنه هنا بإزاء رجل غريب ليس كالناس، وإلا فلو أن ابن الرومي كان غير شاذ، وكانت حاله مألوفة، وأمره غير خارج عما عهد أهل عصره، لما أنكروا من أموره شيئاً، ولما وجدوا من أحواله داعياً إلى العجب، ولا باعثاً على التضاحك واللعب، وإذا كان هذا هكذا فنحن خلقاء أن نتلمس أسباب هذا الشذوذ لعلنا أن نهتدي إلى بعض السر إذا لم نوفق إليه كله، نقول بعض السر لأن النفس الإنسانية أعمق من أن يسبر غورها نظر الناظر، وأغمض من أن يحسر عنها ظلال الإبهام فكر مفكر، تلك دعوى يقصر عنها باعنا ولا يسعها طوقنا، لأن للحقائق المادية حداً تقف عنده، وغاية تنتهي إليها، وإنما يقول أحدنا بالأغلب في الظن إذا قال وبالأرجح في الرأي إذا نظر، فإذا أصاب فموفق مجدود وإن أخطأ فمشكور ومحمود، وليس يعيب أحداً أنه سعى فخاب وإنما يعيبه أنه قصر وفرط، لأن دواعي الخطأ أكثر من دواعي الإصابة إذ كانت الوسائل قليلة محدودة والغايات لا أخر لها ولا نهاية.
على أنه مهما يكن من الأمر فإن من الحقائق التي صححها القياس وأيدتها كل الدلائل في هذا العصر، أن العبقرية والجنون صنوان، وأنهما جميعاً مظهران لشر واحد هو اختلال التوازن في الجهاز العصبي وقديماً أدرك الناس ذلك فقال العرب ذكاء المرء محسوب عليه وفطن أرسطا طاليس إلى ما ينتاب العظماء من المرض ويظهر عليهم من آيات اضطراب الذهن واعتلاله، وفرق أفلاطون بين نوعين من الجنون - الجنون العقيم المعتاد والجنون الذي ينتج الشعراء ويخرج الأنبياء والعظماء وهذا ليس في رأيه داء أو شراً بل هبة من الآلهة. وأدرك سنيكا ودريدن ما بين الذكاء والجنون من الصلات، وسمى لامارتين النبوغ الجنون المفرط أخو الذكاء المفرط لأن حالات العقل متشابهة في العبقري والمجنون وذلك إن ذهن العبقري يفيض بالخواطر ويجيش بمختلف الذكر ويرى من الصلات بين الحقائق والأصوات والألوان ما يعجز الرجل العادي عنه، والمجنون في كل ذلك قرينه وضريعه،
стр. 1395
كلاهما يرجع السبب في أساليب تفكيره وعمله إلى فرط نشاط أو شدة اهتياج أو فتور أو نحو ذلك في بعض نواحي الذهن، وليس الفرق في درجة حدة الإحساس، وقد يكون السبب في الحالين وصول مقدار جم من الدم الفاسد إلى موضع في الذهن، وقد تكون خلايا هذا الموضع العصبية ووشائجه بطبعها مفرطة الحس، وكثيراً ما تصير العبقرية جنوناً أو ينقلب الجنون عبقرية وليس بنا إلى شرح ذلك للقارئ حاجة لئلا نخرج عما قصدنا إليه وإنما نقول إن الذي غلط النسا فيما مضى من الزمن وورطهم فيما تورطوا فيه من الجهالات وأداهم إلى التعلق بالمحالات هو حسبانهم أن العقل البشري شيء غير محسوس وأنه جوهر روحاني متصل بالجسم ولكنه غير خاضع لقوانين المادة، وقد أبان العلم الحديث خطأ هذا الظن وفساد ذلك الزعم فليرجع القارئ إلى مصنفات العلماء في هذا المعنى إذا أراد التحقيق.
وبعد فإنه لم ينته إلينا شيء عن أبوي ابن الرومي وذلك ما نأسف له لأن للوراثة أثراً كبيراً وفعلاً لا يستهان به وما يدرينا لعل بعض الخفاء كان يبرح لو عرفنا عنهما شيئاً ولكن أحرى بمن قصر في حق ابن الرومي أن يقصر في حق أبويه! ومن ذا الذي يتوقع من مؤرخي العرب أن يعنوا بغامضين خاملين وقد ناموا عن نبيه مذكور! غير أن مما يعزينا أن شعر ابن الرومي كاف في الدلالة على مرضه وإثبات اعتلاله.
فأول ما يلفت النظر من ذلك رثاؤه لأبنائه الذي رزئهم واحداً بعد واحد وكان له ثلاثة كما هو ظاهر من قصيدته التي يقول فيها:
بكاؤ كما يشفى وإن كان لا يجدي ... فجودا فقد أودي نظير كما عندي
ألا قاتل الله المنايا ورميها ... من القوم حبات القلوب على عم
توخى حمام الموت أوسط صببتي ... فلله كيف اختار واسطة العقد
على حين شمت الخير من لمحاته ... وأنست من أفعاله آية الرشد
طواه الردى عني فأضحى مزاره ... بعيداً على قرب قريباً على بعد
لقد قل بين المهد واللحد لبثه ... فلم ينس عهد المهد إذ ضم في اللحد
ألح عليه السقم حتى أحاله ... إلى صفرة الجادي عن حمرة الورد
وظل على الأيدي تساقط نفسه ... ويذوي كما يذوي القضيب من الرند
стр. 1396
عجبت لقلبي كيف لم ينفطر له ... ولو أنه أقسى من الحجر الصلد
وما سرني أن بعته بثوابه ... ولو أنه التخليد في جنة الخلد
وإني وإن متعت بابني بعده ... لذاكرة ما حنت النيب في نجد
وأولادنا مثل الجوارح أيها ... فقدناه كان الفاجع البين الفقد
لكل مكان لابد اختلاله ... مكان أخيه من جزوع ولا جلد
هل العين بعد السمع تكفي مكانه ... أم السمع بعد العين يهدي كما تهدي
لعمري لقد حالت بي الحال بعده ... فيا ليت شعري كيف حالت به بعدي
ثكلت سروري كله إذ ثكلته ... وأصبحت في لذات عيشي أخازهد
أريحانة العينين والأنف والحشى ... ألا ليت شعري هل تغيرت عن عهدي
كأني ما استمتعت منك بضمة ... ولا شمة في ملعب لك أو مهد
محمد ماشئ توهم سلوة ... لقلبي إلا زاد قلبي من الوجد
أرى أخويك الباقيين كليهما ... يكونان للأحزان أوري من الزند
إذا لعبا في ملعب لك لذعا ... فؤادي بمثل النار عن غير ما قصد
فما فيهما لي سلوة بل حرارة ... يهيجانها دوني وأشقي بها وحدي
وأنت وإن أفردت في دار وحشة ... فإني بجار الأنس في وحشة الفرد
عليك سلام الله مني تحية ... ومن كل غيث صادق البرق والرعد
وهذه القصيدة صريحة في أن أبناءه كانوا ثلاثة وأن محمداً ابنه هذا كان أوسطهم وأسبقهم إلى القبر في حداثة السن وطراءة العمر ولسنا ندري أي داء أصابه فمضى سابقاً أجله إذ ليس في القصيدة ما يشير إلى شيء من ذلك وإن كان فيها وصف ذبوله ولكنه وصف شعري لا يصح التعويل عليه في تعيين المرض.
وفي رثاء أحد الباقيين يقول:
حماه الكرى هم سرى فتأوبا ... فبات يراعى النجم حتى تصوبا
أعيني جوداً لي فقد جدت للثرى ... بأكثر مما تمنعاني وأطيبا
فإن تمنعاني الدمع أرجع إلى أسى ... إذا فترت عنه الدموع تلبها
وفي ثالث بنيه هبة الله يقول:
стр. 1397
أبني إنك والعزاء معاً ... بالأمس لف عليكما كفن
تا الله لا تنفك لي شجناً ... يمضي الزمان وأنت لي شجن
ما أصبحت دنياي لي وطناً ... بل حيث دارك عندي الوطن
ما في النهار وقد فقدتك من ... أنس ولا في الليل لي سكن
ولقد تلي القلب ذكرته ... أنيى بأن ألقاك مرتهن
أولادنا أنتم لنا فتن ... وتفارقون فأنتم محن
وليس يخفي أن فقدان أولاده جميعاً في حدثاتهم لا يدع مساغاً للشك في اعتلاله واضطرابه وإنه لم يكن صحيحاً معافى في بدنه.
ومما هو جدير بالنظر والتأمل في شعر ابن الرومي لدلالته فحش أهاجيه وإكثاره فيها من ذكر أعضاء التناسل ذكراً لا نظنه ضرباً من التكلف لمجرد الذم والقدم ولا نحسبه شيئاً لا يستند إلى أصل. لأنه إذا كان هذا كذلك فكيف نؤول اتهام الناس له بالعنة تارة وبالتخنث أخرى. وكيف نفسر موت أولاده على هذه الصورة؟ أليس البرهان من ذلك كله لائحاً معرضاً لكل من أراد العلم به وطلب الوصول إليه، والحجة فيه وبه ظاهرة لمن أرادها والعلم بها ممكناً لمن التمسه؟ وانظر أي باطل نتكلف إذا نحن زهدنا في هذه الدلائل على وضوحها وجلائها واي جهل يركبنا إذا أثرنا الجهل على العلم وعدم الاستبانة على وجودها وتعجبني كلمة للعقاد في شعور ابن الرومي بالعلاقة بين تبرج الأزهار وتبرج النساء وإحساسه بالصلة بين محاسن الطبيعة ومحاسن المرأة قال وربما كان علة هذا الشعور الغامض اضطراب في جهاز التناسل أهاج جميع أجزائه فهز خيوطها ونبه وشائجها القديمة المختلفة ومنها الإحساس بذلك التبرج كما هو في قلب الطبيعة وهذا صحيح لأنه لابد لذلك من سبب يحور إليه ولو وقف الأمر عند بيت لقلنا معنى عن له ولكنه لا يزال يكرره في حيثما سنحت له الفرصة فكأنه يريد أن يلفتنا إليه: تأمل قوله:
ورياض تخايل الأرض فيها ... خيلاء الفتاة في الأبراد
وقوله في موضع آخر يصف الرياض:
تبرجت بعد حياء وخفر ... تبرج الأنثى تصدت للذكر
وقوله من قصيدة في وصف العنب:
стр. 1398
لو أنه يبقى على الدهور ... قرط آذان الحسان الحور
وقوله:
لمن تستجد الأرض بعدك زينة ... فتصبح في أثوابها تتبرج
وقوله:
(وظلت عيون النور تخضل بالندى ... كما أغرورقت عين الشجي لتدمعا)
(براعينها صوراً إليها روانياً ... ويلحظن ألحاظاً من الشجو خشعا)
وبين أغضاء الفراق عليهما=كأنهما خلا صفاء تودعا
هذا وليس أقطع في الدلالة على ضيق خلق ابن الرومي ونزق طبعه وقصر أناته من أهاجيه هذه والظاهر منها أنه كان يندفع في الشتم والذم وبسط اللسان في الناس لأهون سبب ومن أجل أشياء لا تهيج الرجل السليم الرشيد كأن يعيبه واحد بمشيته أو ينعي عليه صلعه فيفور فائره ويمتلئ غيظاً على عائبه ويتناوله بكل قبيح ويلصق به كل سوءة شنعاء ومعرة دهماء. وفي ضيق الخلق وتوعره برهان على الاضطراب واختلال توازن الأعصاب.
ولا ريب أن الناس كانوا يتحككون به ويهيجونه لما يعلمون من ضيق حظيرته وسرعة غضبه لأن الناس في العادة لا يستثيرون بالدعابة إلا الطياش لعلمهم أن الحليم الراسخ الوطأة لا تقلقله المجانة والمفاكهة أولست تري الأطفال والصبيان في الطرقات هل يستفزون إلا المرهق ومن يعلمون عنه الخفة والحدة والحدة وسرعة البادرة ولقد كان أهل زمانه يعيبون شعره على إقرارهم بمزيته وحسنه وإنشادهم له في المجالس وإملائه على طلاب الأدب في حلقات الدروس فهل تحسب أنهم كانوا يفعلون ذلك إلا ليستثيروه ويضحكوا منه؟ ولقد روينا لك فيما أوردناه من اخبار ابن الرومي أن بعضهم قال: كان ابن الرومي إذا فاجأه الناظر رأي منه منظراً يدل على تغير حال فهل بعد هذا شك في مرض ابن الرومي واختلال أعصابه؟.
بقي علينا أن ننظر في طيرة الرجل وأسبابه. (البقية في العدد الآتي)
стр. 1399
شذرات من فلسفة نيتشه
خداع النفس - من بعد نظر الحاسدين وحدة بصرهم، أنهم يجتهدون أن لا يمعنو في التعرف لمحسوديهم، حتى يشعروا أنفسهم أنهم أعلى منهم قدراً، وأرفع شأناً.
كرم الضيافة - الغرض من كرم الضيافة تعطيل عاطفة العداء من نفس الغريب، فإذا لم تعد تنظر إلى الغرباء كالأعداء، قل لديك كرم الضيافة لهم، ويقوي هذا الكرم وينتعش ويزداد، ما دام توجس الشرفي نفسك باقياً.
صيد الحقائق - هذا يسعى في صيد الحقائق المقبولة، وذاك في صيد الحقائق المكروهة، ومع ذلك ترى الأول يجد في نفس الصيد لذة أكبر من لذة الغنيمة.
الفضائل الخطرة - لا ينسى شيئاً ويعفو عن كل شيء - لذلك سيكون كرهنا إياه مضاعفاً، لأنه يسبب لنا عاراً مزدوجاً بذاكرته وعظمة روحه.
الغرور - هو الخوف من الظهور بحقيقتك، ومن ثم هو العطل من الآباء، وليس ضرورياً أن يكون العطل من الشخصية.
الرحمة - تصوروا أن العناية بالغير والشعور بهمومهم كان لهما ضعف قوتهما الآن، إذن لما احتمل العيش على الأرض أحد، حسبكم أن تنظروا كم من حماقات يجنيها كل فرد منا يوماً فيوماً وساعة فساعة، لا يبعثه عليها إلا إرضاؤه نفسه وإخلاصه لها، وكيف ترونه لهذا مكروهاً لا يحتمل، فماذا لعمركم يحدث لو كنا نصبح للناس موضوع البلاهات والوقاحات التي عذبوا بها أنفسهم وأساؤوها، ألا ينبغي لنا ساعتئذ أن نطلق سوقنا للريح إذا لمحنا أحد الجيران مقبلاً علينا؟ ألا يكون من الضروري وقتئذ أن نجلل هذه الشفقة بالاستهانة التي ندخرها اليوم للأنانية؟.
منشأ العزلة - في العصور المتوحشة، كان للأفكار السوداء الشريرة أكبر سلطان على الناس، فكان الفرد منهم، وهو يشعر بقوته، يجتهد دائماً أن يجعل أعماله تلائم هذه الأفكار السوداء. وتمشي معها، أعني أنه كان يضع هذه الأفكار في أفعاله، فيتخذ الصيد والسرقة والسطو والغيلة والوحشية والقتل، يدخل مع هذه ضروب ضعيفة من أعماله، كانت مباحة في البيئة التي يعيش فيها، فإذا اضمحلت قوته، وشعر أنه قد أصبح متعباً مريضاً سوداوياً ملولاً، وبذلك أمسى خلواً من الرغائب والشهوات، صار أحسن من قبل حالاً، أو بعبارة أخرى أقل خطراً، ولم تعد أفكاره السوداء تنطلق إلا في ألفاظه وكلماته عن أصدقائه مثلاً
стр. 1400
أو حياته أو زوجته أو آلهته، أي أن أفكاره فقط أمست تأملات سوداء سيئة، وكذلك يرتقي ويتطور، حتى يكون منه مفكرو كاهن، فيضيف كل يوم إلى خرافاته، أو يخترع ملاحظات جديدة وشواهد، أو يهزأ بأعدائه وخصومه، فكل ابتكاراته، وكل ثمار قريحته، صورة منعكسة من ذهنه، نعني أنها تدل على ازدياد الخوف، وكثرة النصب والتعب، واحتقاره للعمل، واستهانته بالتلذذ والتمتع، ولذلك تجد مادة هذه الأفكار مستمدة من حالاته الشعرية التفكيرية الرهبانية، أي أن الحكم المظلم فيها متفش ذائغ.
أما في العصور المتأخرة، فإن أولئك الذين يفعلون كما كان يفعل ذلك الرجل في تلك الظروف المخصوصة، يلقون إلينا آراء وهمية شريرة، ويعيشون عيشة سوداوية حزينة، ولا يؤدون عملاً كبيراًَ، فقد سموا شعراء ومفكرين، وقسيسين، وعزامين وقد كان الناس بأسرهم يريدون أن لا يعبؤوا بهم ولا يحفلوا، واق يطردوهم من المجتمع ويلفظوهم خارجه، لأنهم لم يجدوا لهم عملاً كافياً، ولكنهم رأوا في هذا نوعاً من المجازفة فأمسكوا، وإذ كان هؤلاء اللا عاملون قد اكتشفوا آثار الخرافة وضروب الخزعبلات فاتبعوها، لذلك لم يشك فرد أن لديهم وسائل قوة مجهولة يستطيعون استعمالها.
هذه هي القيمة التي قدرت بها بقايا الجنس القديم من أهل الطبائع المفكرة - محقورين بمقدار ما كانوا من قبل غير مرهوبين، وفي هذه الصورة المحجوبة، وفي هذا المنظر المبهم الغامض، بقلب شرير، ورأس مضطرب في الغالب متعب، كان أول ظهور حياة التفكير في هذه الأرض - ضعفاء وهائلون في وقت واحد، محتقرون في السر، مجللون بكل ضروب التقديس الخرافي جهرة وعلانية.
أعداء النساء - المرأة عدوتنا - إن من يقول ذلك من الرجال إنما يظهر للناس لذة مطلقة لا تكره نفسها فقط بل ووسائلها.
الخداع بالتذلل - بحماقتك أسأت إلى جارك، وهدمت صرح سعادته، فلن ينهض أبداً بعدها - والآن بعد أن تغلبت على غرورك، جئت تذل من نفسك أمامه، وتسلم حماقتك إلى احتقاره، وتتوهم أنك بعد هذا الموقف الخشن الموجع لك المؤلم، قد أصلحت ما أفسدت، وبنيت ما قوضت، وإن فقدك الاختياري للشرف يعوض على جارك الأذى الذي نلت به سعادته، كذلك تشعر إذ تتصرف من حضرته ناعم البال، هادئ النفس، معتقداً أن فضيلتك
стр. 1401
قد رجعت إليك.
على أن جارك لا يزال على مضه وألمه، لا يجد شيئاً يعزيه من تصريحك بأنك كنت مخطئاً ومسيئا، بل على النقيض، يتذكر المظهر المؤلم الذي ظهرت به يوم جئت إليه تنتقص نفسك في حضرته، فيحس أنه قد طعن طعنة أخرى، ولكنه مع ذلك لا يفكر في الانتقام لنفسه، ولا يستطيع أن يتصور أي ميزان عادل يعدل بين كفتك وكفته، والحقيقة أنك ما ركبت ذلك المركب، ومثلت ذلك الدور، إلا لنفسك وأمام نفسك، وإنما دعوت للحضور شاهداً لا لصالحه بل لصالحك - فلا تخدع نفسك!.
المجرمون والمرضى - لم نكد نبدأ درس طبائع المجرمين حتى انتهينا إلى استنتاج نتيجة لا نحول عنها ولا نرتد، وهي أن ليس بين المجرمين والمجانين فارق ذوبال، وذلكم الرأي هو أشد الآراء رسوخاً في الأذهان.
ولذلك لا ننزوي عن استنتاج نتيجة أخرى نبنيها على تلك. وهي أن نعامل المجرم معاملتنا للمجنون، لا بالإشفاق المتكبر عليه، ولا بالرحمة المتعجرفة المزهوة، وإنما بحذق الأطباء، ومهارة الإساة، وحسن النية - لعل المجرم بحاجة إلى تغيير الهواء، أو تغيير الوسط والبيئة، وما يدرينا لعله بحاجة إلى التغيب عن نفسه حيناً من الدهر، أم لعله يحتاج إلى العزلة، أو الاشتغال بحرفات أخر، بل قل لعله يحس أنه أجدى له أن يظل تحت المراقبة ردحاً من الزمان، حتى يحتمي من نفسه، ومن تأثير داخلي مرهق ثائر مستبد.
يجب علينا أن نبين له احتمال شفائه، ونوضح له وسائل علاجه، (وذلك بالقضاء على هذه المؤثرات الداخلية أو تغييرها أو تطهيرها) وفي الحالات الشديدة أن نفهمه عضل دائه، واستعصاء شفائه، ويجب أن نقدم إلى المجرم المعضل الذي أصبح حملاً ثقيلاً على نفسه، الفرصة السانحة للانتحار، ونبقي هذه الوسيلة آخر سهم في كنانتنا، ويجب أن ننتهز كل سانحة لنرد عليه شهامته وحرية روحه، ونطهر نفسه من كل ندامة أو تقريع وجدان، كأنما نطهرها من أكبر الأقذار والأدران، ونريه قدرته على أن يكفر عن مأثمة أساء بها إلى إنسان، بصنع جميل إلى غيره، أو إلى المجتمع كله، حتى ترجح موازين حسناته، بموازين سيئاته الماضية.
كل هذا يجب أن يؤدي أحسن الأداء، ويقضي بأشد الملاينة والدقة والحذق، وعلى المجرم
стр. 1402
أن يظل باسمه، أو يبحث له عن اسم مستعار، وأن يغير مقامه في كل حين، حتى لا تتأثر سمعته في حياته المستقبلة.
نعم إن المعتدي عليه في زماننا لا يقنع من المجرم بأن يرد عليه ما فسد من أمره، بل يريد كذلك الانتقام، فيعمد إلى المحاكم يستعديها عليه لينال ترته، وهذا هو السبب الذي جعل قوانين العقوبات نافذة المفعول حتى اليوم كأنما في يد القضاء كفتان، يوازن بهما بين الجرم والعقاب، ولكن مالنا لا نخطو خطوة أخرى إلى الأمام؟ أفلا يكون من أحسن الخلاص، لعاطفة الحياة، أن نتخلص من اعتقادنا في الجرم، فنتخلص به من ميلنا القديم للانتقام، وبذلك ندرج إلى الاعتقاد بأن من الحكمة المصفاة المهذبة، أن يغفر السعداء لأعدائهم، ويحسنوا إلى الألى أساؤوهم، طبقاً لروح التعليم المسيحي. إلا تعالوا ننقذ العالم من فكرة الجرم، ونقذف معها فكرة العقاب، فليت أن هذه الآراء المسيخة المخيفة تعيش في نجوة عن مساكن الإنسان ومنازله، إذا كان من اللازم وجودها، أو إذا لم تكن تريد أن تفنى وتموت من احتقارها وسأمها من نفسها.
ولا يجب أن ننسى كذلك أن الضرر الذي يعود على المجتمع والفرد من المجرمين هو من نوع الضرر الذي يصيبها من المرضى، لأن المرضى ينشرون في المجتمع الأسى والهموم، والمرضى هم اللا مثمرون، يستغلون أثمار الغير ويأكلون منتوجاتهم، ويطلبون مع ذلك عنايتهم ومواساتهم، أطباءهم وممرضيهم، ويعيشون في الحقيقة على وقت الأصحاء وقوتهم، كل هذا ونحن نسم بالوحشية ذلك الذي يريد أن ينزل الانتقام بالمرضى، ويثير عليهم الويل والعذاب، والحال أن ذلك كان يحدث في العصور الخالية والأحقاب الغابرة، وفي المجتمعات والأوساط التي لا تزال على الفطرة، حتى بين المتوحشين في عصرنا هذا، يعامل المريض كمجرم وخطر على المجموع وويل، ويعتقدون أنه مهبط مخلوقات جنية شيطانية نفذت إلى بدنه من جريمة ارتكبها، هؤلاء الشعوب يرون أن المرضى هم المجرمون!.
أما نحن! ألسنا بعد أكفاء إلى القول بعكس هذا الرأي؟ ألا يباح لنا أن نقول المجرمون هم المرضى كلا. إن الوقت لم يحن بعد، نحن لا نزال نفتقد أولئك الأطباء الذين أحرزوا قسطاً من الآداب العملية، فأدخلوه في صناعة الطب، وعلم العلاج.
стр. 1403
ولأنه ليس في رجال الكنائس من وكل إليهم العناية بصحتنا، ولأن دراسة الجسم وأجزائه، والأغذية وصنوفها، ليست حتى الآن من المواد الإجبارية التي تعلم في مدارسنا الابتدائية والتجهيزية، وليس هناك حتى اليوم جمعيات اتفق أعضاؤها بينهم على الاستغناء عن المحاكم وأقضيتها. وإنكار العقاب والانتقام الواقعين اليوم على الذين أساؤوا إلى المجتمع، ولأنه لم يجسر إلى اليوم مفكر فيقيس صحة المجتمع، والأفراد الذين يؤلفونه، بعدد الطفيليات الإنسانية الممكن للمجتمع احتماله.
الرزانة والجفاء - أولئك الذين يعجزون عن إظهار الود للناس ونبيل الألفة، وصادق الخلطة، يحاولون أن يجعلوا نبل أرواحهم يتجلى في رزانتهم وجفوتهم وجدهم، ويظهر في احتقارهم الألفة، وسخريتهم منها، فكأنما تخجل حاجتهم إلى الألفة من إظهار نفسها.
الرهبنة - أشد الناس شهوانية أولئك الذين يجدون من الضروري لهم اجتناب النساء، وتعذيب أجسامهم.
الابتهاج بالحقائق - ميلنا الحاضر إلى الابتهاج بالحقائق - إذ نكاد جميعاً نشعر بهذا الميل - لا يفسر إلا بأننا ابتهجنا بالأكاذيب دهراً طويلاً حتى سئمنا ومللنا، ولكن هذا الميل في شكله الحاضر دون تخير أو تهذيب، لا يخلو من الخطر. وأقل أخطاره حاجته إلى التذوق.
стр. 1404
الفوضوية والفوضويون
لعل أشد أنواع الجنون الشباب، إذ كان يغتذي من حرارته، ويستمد غلواءه من غلوائه، ويأخذ ضرامه من مضطرم عواطفه، ولا تجد شباباً خلواً من رائحة الجنون، إذ كان الشباب شعبة منه، وإنما على قدر حرارة النفس، وتسلط الآراء المجنونة على الذهن، يكون مقدار الحزن من الشدة والهول، وأنت لا ترى الشباب إلا أسرع تأثراً من الكهول، وأقل نظراً، وأخف أحلاماً من الرجال والشيوخ، لأن الجنون لا يعرف التردد، ولا يريد التفكير، ولا يعبأ بالنتائج، لأنه يخشى أن يكون في التردد ذهابه، وفي التفكير تلاشيه، إذ كان التردد من خصائص العقلاء، وليس من شأن المجانين، وإذا ما رأيت الجنون يتردد هنيهة واحدة، فاعلم أنه قد بدأ يدخل في حدود العقل.
وإذا كان ذلك كذلك، فلا تعجب أن تسمع أن جميع المجرمين السياسيين إلى هذا اليوم لم يكونوا إلا شباباً وفتياناً، تتراوح أعمارهم بين العشرين والثلاثين، وفيهم صبية إنشاء لم يفوتوا بعد التاسعة عشر، لأن تعاليم الفوضى لا تتفق مع العقل، وإنما تمشي مع الجنون، ولا تستعين ببرودة الشيخوخة، وإنما تريد حرارة الشبيبة، وأشد مخاوفها الأحجام، وأشد معطلاتها التروي. فهي لذلك تخشى العقلاء ولا تطمئن للرزانة، ولا تسكن للمجادلة والمحاجة، يجب أن يكون خدامها عمياً حتى لا يبصروا، ومجانين حتى لا يحجموا، ويائسين حتى لا يخافوا ولا يفرقوا، فهي لذلك لا تقع إلا على حيواني كره الإنسانية، فأراد أن يطعنها في رؤوسها وتيجانها، ويضع من صوالجها وعروشها، أو خامل يريد بقتل العظماء نباهة الذكر، أو مغمور يرجو بزكى الدماء رفعة القدر، أو مفلوك يطلب بالاشتراكية الإجبارية الغنى بعد الفقر، أو معتوه ممرور يريد ما يراد منه، وكذلك تضم إليها زعانف الإنسانية ونفاياتها، وتجمع إليها أدنياءها ورذالاتها، وبذلك تعوض عليها بالكمية ما تفقده من المزية.
حسبك من خطر هذا الجنون، ما وقع في خلال الشهر المنصرم، فطار نبأه بين المشرق والمغرب، ورددت صداه أنحاء العالم، خطبان جللان، أحدثهما غلامان مفتونان، يسند أولهما إلى التاسعة عشر، وجاز الثاني الحول العشرين - ونعني بهما قاتل الأرشيدوق فرانسوا فرديناند ولي عهد النمسا في البوسنة، والمعتدى على سمو أميرنا المفدى، ومليكنا المحبوب، في الآستانة.
стр. 1405
كان من فعلة الأول أن ولدت حرباً عواناً طاحنة، تتضارب فيها دنيات العالم الحديث وحضاراته، وتتنازع البقاء دولة وأماراته، وأخرجت من بين أثناء الإنسانية المهذبة، حيوانية الإنسانية الأولى، بعد ان كانت مختفية وراء أستار العلوم، وحجب المدينة، وأغشية الفلسفة، وأطباق التربية، فرجعت تحمل كما كانت في الأعصر الحجرية، آلات التدمير والتخريب، وأسلحة النسف والحصد، وبذلك آثرت على حسنات العلم سيئاته. وقذفت أحكام فلاسفتها ومفكريها، وتعاليم سلمييها واشتراكييها، ثم عمدت إلى خرائطها ومصوراتها، تعدو على حدودها المقررة، وترفع تخومها الموضوعة، ونزعت عنها تلك الأثواب الجميلة التي خلعها عليها الفلاسفة والمفكرون، لتشتمل في تلك الأثواب العسكرية التي حاكمها السياسيون والحربيون.
وما كان من تلك الجريمة الأخرى التي اندفع إليها ذلك الشاب المجنون المرور إلا أن كدر صفاء أمة هادئة وأساء إلى شعب وديع، لا يستمد حياته إلا من حياة أميره، ولا ينال نشاطه وتطوره إلا من حسن ملكة مليكه، ولا ينهض إلا برعاية سموه وجميل عطفه وعنايته، وكأن ذلك المفتون، إذ صوب مسدسه إلى الأمير، ما صوبه إلا إلى أمته، وما أراد من غيلته إلا اغتيال رعيته، وهل كانت حياة الأمير إلا عماد هذه الأمة وقوامها، وهل كان في سلامته إلا سلامتها وسلامها، وكذلك أبى القدر أن يقضي على شعب من لوثة فرد، فرد تلك الرصاصات الخائنة طائشة، وجعل جراح الأمير المفدى غير بالغة، وأنقذ الأمة المصرية من نكبة قاتلة، يعلم الله ما تكون عقباها، وما يكون من مآلها، وقد عجل الله لأميرنا الشفاء، وأتم عليه العافية، وحفظ حياته لحياة الرعية، ينهض بها أعلى أونج العلم والرقي.
تلك آثار المجانين بمبادئ الفوضوية، وهذه سيئات إصلاحهم المزعوم، فقد وهموا أن النظام الاجتماعي الحاضر يقوم على ضروب من المفاسد شتى، وما علموا أن فوضويتهم أشد إفساداً للمجتمع من هذه المفاسد نفسها، بل أن وجودهم في الجمعيات البشرية هو الفساد الفذ الذي سيجري بالمجتمع في سبل عدة من التدهور والفناء.
ونحن نقدم إلى القراء لمعة في تاريخ هذه النظرية، والأطوار التي تعاقبت عليها وعلى الذين استهدفوا لشرها وويلاتها.
الفوضوية نظرية يقصد بها أن يعيش المجتمع بلا حكومة فوقه، لا يربط هذا المجتمع ولا
следующие страницы →