Полный текст (3 596 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.
стр. 1401
قد رجعت إليك.
على أن جارك لا يزال على مضه وألمه، لا يجد شيئاً يعزيه من تصريحك بأنك كنت مخطئاً ومسيئا، بل على النقيض، يتذكر المظهر المؤلم الذي ظهرت به يوم جئت إليه تنتقص نفسك في حضرته، فيحس أنه قد طعن طعنة أخرى، ولكنه مع ذلك لا يفكر في الانتقام لنفسه، ولا يستطيع أن يتصور أي ميزان عادل يعدل بين كفتك وكفته، والحقيقة أنك ما ركبت ذلك المركب، ومثلت ذلك الدور، إلا لنفسك وأمام نفسك، وإنما دعوت للحضور شاهداً لا لصالحه بل لصالحك - فلا تخدع نفسك!.
المجرمون والمرضى - لم نكد نبدأ درس طبائع المجرمين حتى انتهينا إلى استنتاج نتيجة لا نحول عنها ولا نرتد، وهي أن ليس بين المجرمين والمجانين فارق ذوبال، وذلكم الرأي هو أشد الآراء رسوخاً في الأذهان.
ولذلك لا ننزوي عن استنتاج نتيجة أخرى نبنيها على تلك. وهي أن نعامل المجرم معاملتنا للمجنون، لا بالإشفاق المتكبر عليه، ولا بالرحمة المتعجرفة المزهوة، وإنما بحذق الأطباء، ومهارة الإساة، وحسن النية - لعل المجرم بحاجة إلى تغيير الهواء، أو تغيير الوسط والبيئة، وما يدرينا لعله بحاجة إلى التغيب عن نفسه حيناً من الدهر، أم لعله يحتاج إلى العزلة، أو الاشتغال بحرفات أخر، بل قل لعله يحس أنه أجدى له أن يظل تحت المراقبة ردحاً من الزمان، حتى يحتمي من نفسه، ومن تأثير داخلي مرهق ثائر مستبد.
يجب علينا أن نبين له احتمال شفائه، ونوضح له وسائل علاجه، (وذلك بالقضاء على هذه المؤثرات الداخلية أو تغييرها أو تطهيرها) وفي الحالات الشديدة أن نفهمه عضل دائه، واستعصاء شفائه، ويجب أن نقدم إلى المجرم المعضل الذي أصبح حملاً ثقيلاً على نفسه، الفرصة السانحة للانتحار، ونبقي هذه الوسيلة آخر سهم في كنانتنا، ويجب أن ننتهز كل سانحة لنرد عليه شهامته وحرية روحه، ونطهر نفسه من كل ندامة أو تقريع وجدان، كأنما نطهرها من أكبر الأقذار والأدران، ونريه قدرته على أن يكفر عن مأثمة أساء بها إلى إنسان، بصنع جميل إلى غيره، أو إلى المجتمع كله، حتى ترجح موازين حسناته، بموازين سيئاته الماضية.
كل هذا يجب أن يؤدي أحسن الأداء، ويقضي بأشد الملاينة والدقة والحذق، وعلى المجرم
стр. 1402
أن يظل باسمه، أو يبحث له عن اسم مستعار، وأن يغير مقامه في كل حين، حتى لا تتأثر سمعته في حياته المستقبلة.
نعم إن المعتدي عليه في زماننا لا يقنع من المجرم بأن يرد عليه ما فسد من أمره، بل يريد كذلك الانتقام، فيعمد إلى المحاكم يستعديها عليه لينال ترته، وهذا هو السبب الذي جعل قوانين العقوبات نافذة المفعول حتى اليوم كأنما في يد القضاء كفتان، يوازن بهما بين الجرم والعقاب، ولكن مالنا لا نخطو خطوة أخرى إلى الأمام؟ أفلا يكون من أحسن الخلاص، لعاطفة الحياة، أن نتخلص من اعتقادنا في الجرم، فنتخلص به من ميلنا القديم للانتقام، وبذلك ندرج إلى الاعتقاد بأن من الحكمة المصفاة المهذبة، أن يغفر السعداء لأعدائهم، ويحسنوا إلى الألى أساؤوهم، طبقاً لروح التعليم المسيحي. إلا تعالوا ننقذ العالم من فكرة الجرم، ونقذف معها فكرة العقاب، فليت أن هذه الآراء المسيخة المخيفة تعيش في نجوة عن مساكن الإنسان ومنازله، إذا كان من اللازم وجودها، أو إذا لم تكن تريد أن تفنى وتموت من احتقارها وسأمها من نفسها.
ولا يجب أن ننسى كذلك أن الضرر الذي يعود على المجتمع والفرد من المجرمين هو من نوع الضرر الذي يصيبها من المرضى، لأن المرضى ينشرون في المجتمع الأسى والهموم، والمرضى هم اللا مثمرون، يستغلون أثمار الغير ويأكلون منتوجاتهم، ويطلبون مع ذلك عنايتهم ومواساتهم، أطباءهم وممرضيهم، ويعيشون في الحقيقة على وقت الأصحاء وقوتهم، كل هذا ونحن نسم بالوحشية ذلك الذي يريد أن ينزل الانتقام بالمرضى، ويثير عليهم الويل والعذاب، والحال أن ذلك كان يحدث في العصور الخالية والأحقاب الغابرة، وفي المجتمعات والأوساط التي لا تزال على الفطرة، حتى بين المتوحشين في عصرنا هذا، يعامل المريض كمجرم وخطر على المجموع وويل، ويعتقدون أنه مهبط مخلوقات جنية شيطانية نفذت إلى بدنه من جريمة ارتكبها، هؤلاء الشعوب يرون أن المرضى هم المجرمون!.
أما نحن! ألسنا بعد أكفاء إلى القول بعكس هذا الرأي؟ ألا يباح لنا أن نقول المجرمون هم المرضى كلا. إن الوقت لم يحن بعد، نحن لا نزال نفتقد أولئك الأطباء الذين أحرزوا قسطاً من الآداب العملية، فأدخلوه في صناعة الطب، وعلم العلاج.
стр. 1403
ولأنه ليس في رجال الكنائس من وكل إليهم العناية بصحتنا، ولأن دراسة الجسم وأجزائه، والأغذية وصنوفها، ليست حتى الآن من المواد الإجبارية التي تعلم في مدارسنا الابتدائية والتجهيزية، وليس هناك حتى اليوم جمعيات اتفق أعضاؤها بينهم على الاستغناء عن المحاكم وأقضيتها. وإنكار العقاب والانتقام الواقعين اليوم على الذين أساؤوا إلى المجتمع، ولأنه لم يجسر إلى اليوم مفكر فيقيس صحة المجتمع، والأفراد الذين يؤلفونه، بعدد الطفيليات الإنسانية الممكن للمجتمع احتماله.
الرزانة والجفاء - أولئك الذين يعجزون عن إظهار الود للناس ونبيل الألفة، وصادق الخلطة، يحاولون أن يجعلوا نبل أرواحهم يتجلى في رزانتهم وجفوتهم وجدهم، ويظهر في احتقارهم الألفة، وسخريتهم منها، فكأنما تخجل حاجتهم إلى الألفة من إظهار نفسها.
الرهبنة - أشد الناس شهوانية أولئك الذين يجدون من الضروري لهم اجتناب النساء، وتعذيب أجسامهم.
الابتهاج بالحقائق - ميلنا الحاضر إلى الابتهاج بالحقائق - إذ نكاد جميعاً نشعر بهذا الميل - لا يفسر إلا بأننا ابتهجنا بالأكاذيب دهراً طويلاً حتى سئمنا ومللنا، ولكن هذا الميل في شكله الحاضر دون تخير أو تهذيب، لا يخلو من الخطر. وأقل أخطاره حاجته إلى التذوق.
стр. 1404
الفوضوية والفوضويون
لعل أشد أنواع الجنون الشباب، إذ كان يغتذي من حرارته، ويستمد غلواءه من غلوائه، ويأخذ ضرامه من مضطرم عواطفه، ولا تجد شباباً خلواً من رائحة الجنون، إذ كان الشباب شعبة منه، وإنما على قدر حرارة النفس، وتسلط الآراء المجنونة على الذهن، يكون مقدار الحزن من الشدة والهول، وأنت لا ترى الشباب إلا أسرع تأثراً من الكهول، وأقل نظراً، وأخف أحلاماً من الرجال والشيوخ، لأن الجنون لا يعرف التردد، ولا يريد التفكير، ولا يعبأ بالنتائج، لأنه يخشى أن يكون في التردد ذهابه، وفي التفكير تلاشيه، إذ كان التردد من خصائص العقلاء، وليس من شأن المجانين، وإذا ما رأيت الجنون يتردد هنيهة واحدة، فاعلم أنه قد بدأ يدخل في حدود العقل.
وإذا كان ذلك كذلك، فلا تعجب أن تسمع أن جميع المجرمين السياسيين إلى هذا اليوم لم يكونوا إلا شباباً وفتياناً، تتراوح أعمارهم بين العشرين والثلاثين، وفيهم صبية إنشاء لم يفوتوا بعد التاسعة عشر، لأن تعاليم الفوضى لا تتفق مع العقل، وإنما تمشي مع الجنون، ولا تستعين ببرودة الشيخوخة، وإنما تريد حرارة الشبيبة، وأشد مخاوفها الأحجام، وأشد معطلاتها التروي. فهي لذلك تخشى العقلاء ولا تطمئن للرزانة، ولا تسكن للمجادلة والمحاجة، يجب أن يكون خدامها عمياً حتى لا يبصروا، ومجانين حتى لا يحجموا، ويائسين حتى لا يخافوا ولا يفرقوا، فهي لذلك لا تقع إلا على حيواني كره الإنسانية، فأراد أن يطعنها في رؤوسها وتيجانها، ويضع من صوالجها وعروشها، أو خامل يريد بقتل العظماء نباهة الذكر، أو مغمور يرجو بزكى الدماء رفعة القدر، أو مفلوك يطلب بالاشتراكية الإجبارية الغنى بعد الفقر، أو معتوه ممرور يريد ما يراد منه، وكذلك تضم إليها زعانف الإنسانية ونفاياتها، وتجمع إليها أدنياءها ورذالاتها، وبذلك تعوض عليها بالكمية ما تفقده من المزية.
حسبك من خطر هذا الجنون، ما وقع في خلال الشهر المنصرم، فطار نبأه بين المشرق والمغرب، ورددت صداه أنحاء العالم، خطبان جللان، أحدثهما غلامان مفتونان، يسند أولهما إلى التاسعة عشر، وجاز الثاني الحول العشرين - ونعني بهما قاتل الأرشيدوق فرانسوا فرديناند ولي عهد النمسا في البوسنة، والمعتدى على سمو أميرنا المفدى، ومليكنا المحبوب، في الآستانة.
стр. 1405
كان من فعلة الأول أن ولدت حرباً عواناً طاحنة، تتضارب فيها دنيات العالم الحديث وحضاراته، وتتنازع البقاء دولة وأماراته، وأخرجت من بين أثناء الإنسانية المهذبة، حيوانية الإنسانية الأولى، بعد ان كانت مختفية وراء أستار العلوم، وحجب المدينة، وأغشية الفلسفة، وأطباق التربية، فرجعت تحمل كما كانت في الأعصر الحجرية، آلات التدمير والتخريب، وأسلحة النسف والحصد، وبذلك آثرت على حسنات العلم سيئاته. وقذفت أحكام فلاسفتها ومفكريها، وتعاليم سلمييها واشتراكييها، ثم عمدت إلى خرائطها ومصوراتها، تعدو على حدودها المقررة، وترفع تخومها الموضوعة، ونزعت عنها تلك الأثواب الجميلة التي خلعها عليها الفلاسفة والمفكرون، لتشتمل في تلك الأثواب العسكرية التي حاكمها السياسيون والحربيون.
وما كان من تلك الجريمة الأخرى التي اندفع إليها ذلك الشاب المجنون المرور إلا أن كدر صفاء أمة هادئة وأساء إلى شعب وديع، لا يستمد حياته إلا من حياة أميره، ولا ينال نشاطه وتطوره إلا من حسن ملكة مليكه، ولا ينهض إلا برعاية سموه وجميل عطفه وعنايته، وكأن ذلك المفتون، إذ صوب مسدسه إلى الأمير، ما صوبه إلا إلى أمته، وما أراد من غيلته إلا اغتيال رعيته، وهل كانت حياة الأمير إلا عماد هذه الأمة وقوامها، وهل كان في سلامته إلا سلامتها وسلامها، وكذلك أبى القدر أن يقضي على شعب من لوثة فرد، فرد تلك الرصاصات الخائنة طائشة، وجعل جراح الأمير المفدى غير بالغة، وأنقذ الأمة المصرية من نكبة قاتلة، يعلم الله ما تكون عقباها، وما يكون من مآلها، وقد عجل الله لأميرنا الشفاء، وأتم عليه العافية، وحفظ حياته لحياة الرعية، ينهض بها أعلى أونج العلم والرقي.
تلك آثار المجانين بمبادئ الفوضوية، وهذه سيئات إصلاحهم المزعوم، فقد وهموا أن النظام الاجتماعي الحاضر يقوم على ضروب من المفاسد شتى، وما علموا أن فوضويتهم أشد إفساداً للمجتمع من هذه المفاسد نفسها، بل أن وجودهم في الجمعيات البشرية هو الفساد الفذ الذي سيجري بالمجتمع في سبل عدة من التدهور والفناء.
ونحن نقدم إلى القراء لمعة في تاريخ هذه النظرية، والأطوار التي تعاقبت عليها وعلى الذين استهدفوا لشرها وويلاتها.
الفوضوية نظرية يقصد بها أن يعيش المجتمع بلا حكومة فوقه، لا يربط هذا المجتمع ولا
стр. 1406
يشده الخضوع للقانون، ولا الطاعة للسلطات، ولكن يستعاض عن ذلك باتفاق حربين الطبقات المتعددة. والبيئات المختلفة التي يتألف منها المجموع، وقد وجدت مبادئ هذه النظرية في كل عصر من عصور الإنسانية، تقوم كفة الحكومة، فتسقط كفة الفوضى، وتعلو هذه فتسقط تلك.
قال الأستاذ أدلر الألماني إن ارسيتباس المتوفى عام ٤٣٠ قبل المسيح، وهو أحد مؤسسي المدرسة السريانية قال في إحدى كلماته أن على العقلاء أن لا يعطوا الحكومة حريتهم، وقد أجاب يوماً عن سؤال ألقاه إليه سقراط، إنه لا يرضى أن ينتسب لا إلى الحاكمين، ولا إلى المحكومين. .
ولعل أحسن من وضح نظرية الفوضى الفيلسوف زينون المتوفى عام ٢٧٠ قبل المسيح، وهو مؤسس الفلسفة الرواقية، عارض بمذهبه القائل بمجتمع حر دون حكومة تعلوه، نظرية أفلاطون في جمهورية وطوبوية الحكومة، فنقض قوة الحكومة، ودعى إلى قوة القانون الأخلاقي الذي يسنه الفرد لنفسه، قائلاً إنه بينا غريزة حفظ الذات تدفع الإنسان إلى الأنانية إذ بالطبيعة قد جعلت لهذه الغريزة مهذباً ومخففاً، فركبت في المرء عاطفة أخرى، تلك نهي غريزة الاجتماع، فإذا رجحت عقول الناس حتى يستطيعوا أن يتبعوا غرائزهم الطبيعية، فلا تعود بهم حاجة إلى المحاكم ولا إلى الشرط والمعابد والأديان، ولا إلى استعمال السكة والنقود، وإنما يستعيضون عن الأخيرة بتبادل العوارف والأعطية.
على أن كتابات زينون لم تبلغ إلينا إلا شتيتا من كلم، ومتفرقاً من حكم، ولكن مذهبه هذا هو نفس مذهب الفوضويين العصريين فكأنما كان زينون لسان حالهم.
وقد جاء رابليه وفنيلون في طوبوياتهما بهذه الآراء عينها، وكانت شائعة في القرن الثامن عشر بين الأنسيكلو بيذيين الفرنسيين، ترى منثورات منها في كتلب روسو ومؤلفات ديدرو، حتى لقد وجدت أشدها في الثورة الفرنسية.
وكان جدوين في بحثه الذي عقده في العدل السياسي أول من نظم آراء الفوضوية السياسية والاقتصادية وإن لم يعطها هذا الاسم - قال ليست القوانين نتاج الحكمة من أجدادنا، وإنما هي وليدة عواطفهم وجبنهم وعصبياتهم وأطماعهم، وإن العلاج الذي نستمده من القوانين، لهو شر من الداء الذي تدعى هذه القوانين إشفاءنا منه، فإذا أبطلت هذه القوانين، وأقفلت
стр. 1407
هذه المحاكم، وترك القضاء في الخصومات للمراجيح من الناس نشأ من ذلك العدل الحقيقي.
وإليك ما كتب أيضاً يستطيع المجتمع بكل سهولة أن يعيش دون الحكومة، بل حسب المجامع ان تكون صغيرة متضامنة.
وكان برودون أول من استعمل عام ١٨٤٠ لفظة فوضوية للتعبير عن حال المجتمع بلا حكومة، وهو أول من نقض مذهب الاشتراك في مال الجمهور، وكذلك كل وسائل الاشتراكية الحكومية التي ذهب إليها لويس بلانك، قال عن الامتلاك في كتابه الأول الامتلاك هو السرقة والاختلاس ولم تصب آراء برودون الفوضوية في فرنسا إلا صوتاً خافتاً. إذ كانت الكفة العليا لآراء الاشتراكية المسيحية التي جاء بها لامينية وأتباع فورييه، وآراء الاشتراكية الحكومية للويس بلانك وشيعة سان سيمون، ولكنها وجدت بعض التشجيع في ألمانيا من فريق اتباع هيجل. وقد صرح بالفوضوية هس عام ١٨٤٤، وكارل جرين عام ١٨٤٥.
وبدأت هذه الأفكار الفوضوية تشيع حتى انتهت إلى روسيا في خلال حكم القيصر اسكندر الثاني عام ١٨٥٢ واتخذت لها اسماً غير الفوضوية ونعني به العدمية وهي لفظة كثر ما يراد بها النوع الثوري من الاشتراكية الروسية، وأول من استعمل هذه الكلمة تور جنيف الكاتب الروائي الروسي الأكبر، في روايته المشهورة الآباء والأبناء التي طبعت في عام ١٨٦٢، وذلك أن تور جنيف لاحظ بين طلاب الجامعات والمدارس الصناعية العالية منظراً جديداً مدهشاً، وهو أن فتياناً نشأ، وفتيات شواب بدأوا يسخرون من الاعتقادات العامة والتقاليد المصطلحة والعادات المحترمة في الحياة الاجتماعية، وشرعوا يتباحثون في تهذيب المجتمع وتأسيسه على قواعد علمية بحتة. وكان من ذلك أنهم قلبوا النظام القديم المتبع حتى في أتفه الأمور وسفاسفها، فأما الذكران منهم فأعفوا شعورهم. وأما الإناث فقصصن فروعهن. فكانت ظواهرهم وأزياؤهم وأحاديثهم عرضة لسخرية الناس وهزئهم، ولكنهم كانوا يهزأون بذلك ولا يكترثون إذ كانوا قد رفعوا أنفسهم عن مستوى ما يسمونه بالرأي العام واحتقروا الرسوم والطقوس وكانوا لا يعترفون من المذاهب القديمة في التربية إلا بمذهب العمل لصالح الجماعات، وكانوا يصرحون بأن الإسكاف أو صانع الأحذية
стр. 1408
المتفوق في صناعة المفتن فيها هو خير من شكسبير أو جيت وأعظم قدراً، لأن الإنسانية أحوج إلى الأحذية منها إلى الشعر ولها أطلب ولذلك كان تور جنيف هو الذي جعل الناس في محاوراتهم وأحاديثهم يطلقون على هؤلاء الخوارج لفظة أي العدميين وإن كانوا هم ما يبرحون يحتجون على هذا الاسم ويعدونه كنية فاحشة سيئة، لأنهم يقولون إنهم لا يرون في أنفسهم إلا طلاب إصلاحات معقولة سديدة، وليسوا طلاب مزاح ومجون، وإن الفروق والغرائب التي ظهروا بها في خططهم ومناحيهم لم تنشأ إلا من إهمال الناس لمصالحهم الحقيقية، ومنافعهم الصادقة.
ظلت روسيا من وجهة التقدم المادي والأخلاقي المصلية في ميدان استباق الأمم الغربية فشعر الشبان المتعلمون بعد تلك الخيبة التي لاقتها روسيا في حرب القرم إن العهد القديم والنظام العتيق يجب أن يستبدلا بإصلاح متهور شديد، فدفعتهم حرارة الشباب، وجنون الفتوة، وبعثتهم السذاجة والبساطة وعدم الحنكة والعطل من التجربة والروية، في وجهتهم هذه بأشد من قبل تهوراً وحمية، ولما كانوا قد تعلموا مبادئ الفلسفة الإيجابية، وأخذوا بسبب منها، فقد رأوا أن روسيا ظلت باقية على حالها بعد أن تقدم الإنسانية كلها في الأطوار الدينية والأدوار الخيالية (فيما وراء الطبيعة) ولذلك فهي اليوم في أنظارهم على أبواب عصر جديد من عصور الفلسفة الإيجابية، ومن ثم ينبغي لها أن تقذف جانباً جميع الآراء الدينية والخيالية، وتنظم حياتها العملية والاجتماعية والسياسية، وتسير على هدى العلوم الطبيعية.
فكان من بين الأنظمة القديمة التي رأى هؤلاء الشبان الإغفال هدمها إذ عدوها معطلات للتقدم الحقيقي، الدين والحياة الزوجية، والامتلاك والحكومة المركزية، أما الدين فيجب عندهم أن يقوم على أنقاضه العلوم العصرية، وأما الحياة الزوجية فيجب أن تستبدل بالزواج الحر، وأما الامتلاك فبالاشتراكية، وأما الحكومة المركزية فبمجموع ولايات مستقلة.
وأمثال هذه الآراء والمذاهب لا يباح لأصحابها أن يعلنوها أو يخطبوا الناس بها، تحت حكومة مركزية يريدون نقضها، ولما كانت الصحافة الغربية قد تشبعت اليوم بروح الحريين السارية، كان من المستطاع أن تدس هذه الآراء الثورية تحت ستار الأدب
стр. 1409
والروايات، ولعل هذه الآراء لم تجد تأثيراً قوياً في روسيا إلا برواية. (أي ماذا نحن صانعون؟) وضعها منذ سنين الروائي تشرتسفسكي أحد قادة هذه الحركة الثورية، وقد طبعت بعد تصديق أولى الشأن عليها!.
وكانت روسيا منذ عهد بطرس الأكبر عرضة لجملة تطورات إدارية اجتماعية شديدة، وقد تنبأ الكثيرون بأن تطوراً كبيراً قد يحدث برضى من القوة المطلقة وتعاون منها، ولذلك ما كادت تبدأ هذه الآراء تخرج من أفواه دعاتها، حتى انتشرت بسرعة مدهشة، فقد كتب في شتاء عام ١٨٦٢ موظف روسي كبير إلى صديق له كان غائباً عن روسيا شهراً إنك لو رجعت الآن لعجبت للتقدم الذي ظفر به الحزب المعارض، وإن شئت فقل الحزب الثور أن الأفكار الثورية قد استحوذت على جميع الطبقات والأعمار والصناعات والمهن، تعلن جهاراً في الطرق. وتلقي علانية في الثكنات، وتقال في إدارات الحكومة ومصالحها، بل إني لأعتقد أن الشرطة أنفسهم يغضبون لها ويثورون.
كان برنامج الحكومة سهلاً عدلاً واسعاً، وفيه اليسير من الحرية، ولكن كان هؤلاء العدميون طائشين خفاف العقول، فأبوا إلا أن يريدوا انقلاباً سريعاً، وهدماً عاجلاً وأجمعوا يبعثهم نزق الشباب، وقوة الصبا، وبساطة الحياة، وقلق الحداثة، على أن ينهضوا هم بأعباء هذا المذهب المجنون، نافضين أيديهم من أيدي الحكومة خارجين عليها، معارضين لأمرها، ولما لم يكن بأيديهم القوة الكافية للقضاء على الحكومة المركزية، فقد رأوا أن يحببوا الشعب إليهم، ويضموه إلى جانبهم، فمن ثم بدأوا يؤلفون منهم فرقاً وجمادات، لنشر آرائهم، وبسط مذاهبهم، بين طبقات العمال في المدن، والفلاحين في القرى، وأقاموا منهم مروجين ودعاة، يجمعونهم من طلبة الجامعات ومن المدارس الصناعية، ومن مدارس الطب، ومن الفتيات المشتغلات بالتمريض والجراحة والتطبيب، وسكان البلدة الواحدة منهم يتعاونون، ويتسارون، ويتشاورون، ولكنهم لم يحاولوا أن ينشئوا منها نظاماً تاماً، أو زعامة مرتبة منظمة، وكان لكل فرد الحرية التامة في انتخاب الوسائل التي يستطيع بها نشر مذهبهم، فمنهم من تزيا بزي العمال ليدخلوا في دينهم الطبقات الجاهلة من العمال، وفيهم من أقام في القرى مستغلاً بالتدريس، يحاول ويجد ليثير البغض والكراهية للحكومة في نفوس الفلاحين السذج الأغفال، ويسروا لهم في آذانهم أن من الواجب التخلص من موظفي الحكومة،
стр. 1410
وملاك الأرض، ويطمعوهم في أنهم سيقبضون بعض ذلك على الأراضي الشاسعة، والغابات البعيدة الأرجاء، والأملاك المترامية الأنحاء، ويتخلصون ثم من دفع الضرائب، وكان هؤلاء الدعاة يريدون أن يثبتوا لبعض المتعلمين من العمال أن الحالة الاقتصادية الحاضرة على أشد الفساد وأنكر الفوضى، وإن وجب كل فرد وطني صادق الرجولة أن يعينهم على الخروج من هذه الملمة، وإن أول خطوة لبلوغ ذلك، هو أن يبدأوا بهدم السلطة الحاكمة.
وجملة القول أن المحرضين لم يصيبوا رائد النجح، ولم يعودوا مما طلبوا إلا بالخيبة، ووقع كثيرون منهم في أيدي الشرطة، ومن هؤلاء المجرمين من اكتشف الشرطة أسماؤهم من نفس الذين كانوا يريدون أن يعملوا على مصلحتهم المزعومة، ولكن سوادهم كان صلب المكسر، ثابت الجنان، رابط الجأش، متأهباً لاحتمال أية تضحية في سبيل فكرته، ولذلك لم يحجم الباقون عن متابعة عملهم، وقد نظر القضاء بين عامي ١٨٦١ و١٨٦٤ عشرين قضية سياسية، وحكم على أكثر المتهمين فيها بالسجن أو البقاء تحت المراقبة.
على أن شدة الشرط ودأبهم وتحريهم زادت سخط العدميين على الحكومة وكراهيتهم لها. فقد حاول في سنة ١٨٦٦ أحد العدميين وهو يدعى كراكوزف اغتيال القيصر، ولكن خابت طلبته، فأمر بزيادة التحري والمراقبة. وفي عام ١٨٦٩ ألف رجل منهم يدعى نتيشيف جمعية سرية باسم جمعية تحرير الشعب ولما ارتاب نتشيف في أحد أعضائها قتله فجر، قتله إلى القبض على بعض أفراد هذه العصابة الثورية وارتبط كثيرون من العدميين بالاشتراكيين في البلاد الأوروبية ولاسيما أتباع باكونين رأس الفوضويين وشيعته.
وكانت الحكومة القيصرية لا ترى جواباً لهؤلاء الخوارج إلا بالقبض على رؤوسهم وزعمائهم. فلما كان شتاء ١٨٧٨ قبض على ١٩٣ محرضاً وحوكموا علانية في سان بطرسبرج (بطرغراد) وحكم على أكثرهم بالسجن أو النفي.
على أنه لم تكثر جرائمهم ولم يزدد توثبهم إلا في عام ١٨٨٠ فقد قتل أحد العدميين الجنرال تريبوف محافظ بطرسبرج وهو يتظاهر بأن يقدم إليه عريضة استرحام وقتل مفتش الشرطة في رابعة النهار ثم أؤتمر على قتل خليفته. وقتل حاكم ولاية كراكوف البرنس كورباتكين، لاشتراعه نظاماً صارماً لمعاقبة المجرمين السياسيين، وهوجم القيصر
стр. 1411
في قصر الشتاء، وحوول مرات كثيرة نسف القطار المقل أسرة القيصر وهو في طريقه إلى العاصمة، ووضعت مفرقعات من الديناميت في القصر فقتل عشرة من خدمه ولم يصب أحد من الأسرة بسوء لأنهم تأخروا يومذاك عن حضور المائدة، دع غير ذلك من الحوادث التي عجز الجواسيس عن الاهتداء إلى الفاعلين.
ولما رأى الإسكندر الثاني عجز شرطته وضع نظاماً جديداً ودفع به إلى الكونت لوريس ميليكوف فكاد يذهب في جريرته قتيلاً ولم يكن من ذلك إلا أن تمخض عن مؤامرة جديدة لإهلاك القيصر، وذلك أنه في مارس عام ١٨٨١ والإسكندر في مركبته إذ رمى بقنبلة مدمرة كانت فيها منونه، فلم تكد المركبة تبلغ القصر حتى فاضت روح صاحبه.
وكان من هذه الوقائع المتتابعة أن ظهر فساد ذلك الرأي القائل بقتل الفوضى بالعطف والملاينة والمسالمة، ولذلك صرح اسكندر الثالث بأنه لا يريد أن يضع حداً لسلطة حكومته، فعادا يتآمرون على قتله وهو في مركبته، ولكن قبض على الجانين قبل محاولتهم فعلتهم، ولكن رجعت نهضتهم إلى الانتعاش إذ وقع في سنة ١٩٠١ اضطراب كبير بين طلبة الجامعات الروسية ثم بين الفلاحين في أشهر بلدان الإمبراطورية.
ولم تخف حدة الفوضويين ولم تهدأ ثائرتهم إلا بدخول مبادئ الحكومة البرلمانية في روسيا.
على أن ليس كل المجرمين السياسيين فوضويين في صميم أرواحهم، ولا عدميين في قرائر نفوسهم، بل فيهم العدد العديد من الذين اندسوا في أهل المذهب وهم لا يشعرون له بشيء من التقدير أو الاستحسان أو الإخلاص، من كل مسموم العاطفة يحقد على الملك لنكبة نكبته لم تقع من يد الملك، وإنما سقطت من يد القدر، وآخر لظلامه ظن أن حقاً له قد هضمته الحكومة، وما هضمته إلا معدة الطبيعة، أو مغمور أولع بالنباهة وأولعت بهجره. فتثور في أنحاء روحه عاصفة هوجاء تزعزع عروش الحكام وتتزاور عن مواطن المحكومين، كالزوبعة القاصفة الهزجة تهشم أعالي السرح، وتعجز عما دونها، هؤلاء يسيئون إلى المذهب أكثر مما يسيئون إلى المجتمع، لأن للجمعيات البشرية مدخراً واسعاً من الملوك والأمراء، ينفد هؤلاء الممرورون قبل أن ينفذ جمعهم.
منذ بدأ القرن العشرين أي منذ عام ١٩٠١ هل تعلم كم ضحايا هذه الفوضى الكاذبة؟ ثمانية عشر من الملوك والحكام وكبار رجال الأمم، نذكر من هؤلاء الملك همبرت والد ملك
стр. 1412
إيطاليا الحالي، فقد قتله إيطالي يدعى بوسكي جاء من أمريكا لقتلنه خاصة، إذ أطلق عليه رصاصات من مسدسه، ثم الرئيس ماكنلى قتل في مدينة بافللو من أعمال الولايات المتحدة، إذ جاء إليها في شهر سبتمبر عام ١٩٠١ لحضور معرض الاتحاد الأمريكي، وفي غضون المدة التي لبثها بالمدينة دنا منه يوماً أحد البولانديين المتجنسين بالجنسية الأمريكية وقد خبأ المسدس تحت ضمادات كاذبة موضوعة على يده اليمن بحيث يظن الناظر إليها أن اليد مكسورة أو مقطوعة فعطف عليه الرئيس رائياً لحالهن غير عالم بخافية أمره، ماداًَ يده لمصافحته فلم يكن من البولاندي إلا أن مد له يده اليسرى وأطلق عليه من المسدس المختفي بين ضمادات يده اليمنى فقتله، أما مقتل الملكة دراجا والملك اسكندر الثاني ملك صربيا فقد كان أنكر من كل ذلك وأشد هولاً، ذلك أنه في عام ١٩٠٣ دخل إلى القصر ثمانون ضابطاً من الثائرين الكائدين والمسدسات بأيديهم ولما بلغوا منامة الملك والملكة كسروا بابها ودخلوا عليهما فوجدوهما في أثواب النوم فأطلقوا عليهما عدة رصاصات سقطا منها صريعين وقد وجد في جثمان الملك ثلاثون رصاصة أما زوجته دراجا الحسناء فقد مزقها الرصاص كل ممزق.
ولعل القراء لم ينسوا بعد مقتل جورج الأول ملك اليونان فقد وقع في التاسع عشر من شهر عام ١٩١٣ وكان يتمشى في أسواق سلانيك وقد احتلها اليونان في الحرب البلقانية الأولى فهاجمه يوناني مجنون وأطلق عليه الرصاص فنفذ من ظهره ومات لساعته.
هذا وأما الفوضوية في الإسلام فسنفرد لها مقالاً آخر إن شاء الله.
стр. 1413
جرجي زيدان ك
بقلم الأستاذ إبراهيم عبد القادر المازني
مات في الشهر المنصرم (يوليه) جرجي بك زيدان منشئ مجلة الهلال ومؤلف تاريخ آداب اللغة العربية وتاريخ التمدن الإسلامي وسلسلة الروايات التاريخية وغير ذلك من المصنفات والرسائل، وقد كان بودنا أن لا نكتب عنه الآن ولما يمض على وفاته إلا بعض شهر لأن عهدنا به مازال حديثاً فقد لا نخلو من تحيز شديد له أو عليه، وقد لا نستطيع أن نجله الإجلال الذي ربما كان أهله، أو نستصغره الاستصغار الذي قد يستحقه، ولسنا على يقين من أن الناس سيذكرونه بعد عام أو عشرة، لأن مر الأيام يجرد المرء مما ليس له، ويعريه مما ألبسته الشهرة وكساه الوهم، فليت شعري ماذا يسلب الزمن هذا الرجل بعد دورة أو دورتين، هذا ما أتمنى أن أعرفه لو كان إليه سبيل، فقد أريت نفراً من الأدباء كان الناس يتفخمونهم ويكبرونهم ويكاد بعضهم يجن بهم جنوناً، قد طويت اليوم صحائفهم وشغل الناس بسواهم من الناشئين غير أن هذا ليس خليقاً أن يمنعنا من تقدير عمله تقديراً لا ندعي أنه في الصميم من حبة الصواب ولكنه غاية ما يسعه الطوق ويبلغه الجهد، وليعذرنا القارئ إذا رآنا أصرح مما يتوقع ولا يستعجل باتهامنا ورمينا بسوء القصد بيد أنا عاذروه إذا حك في صدره شيء من ذلك لأنه لم يسبق له بنقد سير الرجال عهد.
لم يكن زيدان عظيماً ولا فحلاً من فحولة الكتَّاب ولا من أصحاب المبادئ ولا من ذوي البسطة في العلم والرسوخ فيه، وإنما غاية ما نستطيع أن نقوله عنه أنه كان من أرباب الاجتهاد مطبوعاً على العمل كثير الدؤوب عليه، هذا فضله وتلك مزيته في رأينا، على أنه فضل يشاركه فيه سواد عظيم من الناس، وإنما ظهر زيدان دون غيره ممن يماثلونه في هذه الصفة - وهم عديد الرمل في كل قطر - لأنه جعل الكتابة حرفة ومرتزقة ولولا ذلك في تقديرنا لعاش ولم يكترث له أحد ومات ولم ينعه أحد إلا آصرته وعارفوه، ويخيل إلينا أن زيدان لو ضاع منه مفتاح مكتبته لما عرف كيف يملأ صحائف هلاله!.
وليست مؤلفاته من الإبداع والحسن بحيث تصبح عندنا في مرتبة آبائنا وأحبابنا وتجاربنا لما يتجلى فيها من سعة الروح التي تكاد تلتهم الدنيا وتساوي العالم الذي تصوره! كلا! ليست كتب زيدان من هذا الصنف وليس زيدان في الحق إلا رجلاً من الأوساط لم يرفعه
стр. 1414
الذكاء وقوة الذهن وسعة الروح إلى مرتبة العظماء والفحول، ولم يهبط به الغباء والبلادة إلى درجة العوام والغوغاء. ولكنه وإن لم يكن من عامة الناس فإنه من عامة الكتاب عبارة ومن سوقتهم لفظاً.
وهذا يدعونا إلى الكلام عن الأسلوب فقد كان المرحوم زيدان وغيره من الكتَّاب الأحياء يرون في ذلك رأياً لا يخلو من اعتساف ولا يبرأ من مباينة لوجه الصواب، ذلك أنهم يقولون حسب الكاتب أن يفضي بمعاينة إلى القارئ، فإذا أشرت إلى سوء اختيار اللفظ المراد به العبارة عن المعنى وتعقيد التركيب وركاكة الكلام سخروا منك وقالوا قد كان لك أن تنعى علينا ذلك وتعيينا به لو أدعينا الأدب ولكننا قوم علماء نشرح مسائل العلم ونجلى غوامض الفلسفة، وليس علينا أن تتجلى الفصاحة في كل لفظة من منطوقنا وتتمثل البلاغة في كل فقرة من فقرنا، تلك صناعة الأدباء وذلك ديدن الشعراء وأين نحن منهم وأين هم منا وما كنا لنشوش تآليفنا ونعميها بتكلف الرشاقة والتأنق ونحن أهل شرح وتبين.
هذه خلاصة رأي زيدان يرحمه الله وأنصاره في الكتابة والأسلوب ولو أنهم كانوا أعمق نظراً وأدق فكراً لتبرؤا مثلنا من هذه السخافات الفاضحة والحماقات الشديدة التي اكتظت بها مؤلفات الكتاب لهذا العهد. ذلك أنهم حسبوا الأسلوب ثوباً للمعني وزينة لا جسماً حياً له ارتباطه به كارتباط الزوج بالجسم يضعف بضعفه ويقوي بقوته وظنوه خلاعة ورقة لا أحكاماً ودقة ونسوا أن العبارة إذا اختلت وأخذ الضعف والعي والركاكة والاستبهام بمخنقها نبا عنها الفهم وسئمتها الطباع وأعرضت عنها القلوب لأنه لا معنى من غير لفظ ولا يسلم إلا بسلامة اللفظ وغلا فسدوا ختل وضاع في تضاعيف التقيد وأتعب الغائص عليه الطالب له.
ولسنا نريد أن يكتب الفيلسوف والعالم والمؤرخ والأخلاق كما يكتب الأديب والشاعر والروائي ولا أن يذهبوا إلى فخامة الكلام وجزلته على مذهب العرب القدماء ولا أن يستعملوا ألفاظاً بأعيانها وعبارات معلومة لا ينبغي أن يعدوها أو يستعلموا سواها ولا أن يتركوا المألوف إلى الدارس ولا السهل إلى المتوعر ولا إن يرجعوا إلى عنجهية البادية وخشونة الأعراب ولا أن يتظرفوا بألفاظ مختارة لينة المكاسر حسنة المنطوق والمسموع، ولا أن يحوكوا الألفاظ على حسب الأماني ويخيطوا الكلام على قدود الخيال، ولا أن يأتوا
стр. 1415
للأشياء من بعد ويطلبوها بكلفة ويأخذوها بقوة لتملتئ الأسماع وتخلوا الطباع، وإنما نريد أن تكون ألفاظهم مهذبة وأساليبهم واضحة وديباجتهم مشرقة وأن يعبروا عن معانيهم بأجلى العبارات ويفصحوا عن أغراضهم بأبين الألفاظ وأن لا يخرجوا عن أصول اللغة وقوانينها حتى لا يتكلف القراء شططا ولا يقاسوا عنتا، فإن فساد التعابير مضيع للمعاني كخشونة الألفاظ وجفوتها - وليست البلاغة بمنافية للسهولة ولا العمل على جودة الألفاظ وسلاسة الكلام وصحة التأليف بمستدع للتقعر بمعنى الكلام والتلمظ بحوشى اللغة. فأما أن يطلبوا صحة المعنى ولا يبالون حيث وقع من هجنة اللفظ وقبحه وشناعته فذلك ما نأخذهم به وننعيه عليهم، وعلى أنى لا أدري كيف يستقيم المعنى وألفاظه مرتبكة ومبانيه مضطربة، هذا ولغة الكتابة في كل أمة غير لغة العامة وغير لسان التحادث والخطاب ولكنها لغة تناسب رفعتها رفعة المعاني وشرف العقل ولا تكون كذلك حتى ينفى الكاتب عنه هذه الألفاظ الوضيعة المضحكة والعبارات القذرة السخيفة. وأحر بمن يكتب تاريخ أدب اللغة ان لا تعلق بعبارته ركاكة ولا يرتمي عليها للابتذال ظل ما.
وليست مؤلفات زيدان إلا فهارس لا تنقع غلة ولا تبل أواما ولا تفيد المطلع عليها إلا كما تفيده الأخصاآت، وليتها بعد ذلك سلمت من معرة الخطأ وخلت من الغلط الفاحش الذي يرجع إلى الإهمال والعجلة. فلا هي جامعة فيرجع إليها عند الحاجة ولا صحيحة فيعتمد عليها ويوثق بها وكذلك ليست رواياته بأرفع مرتبة من سائر تصانيفه وتواليفه فكثيراً ما تجد القصة فيها مشوشة مضطربة لأنه لم يتولها بروية ولم يتعهدها بنظر ولا تدبر وذلك شأنه في كل شيء ولو كان زيدان ذا تؤدة وأناة لما استطاع أن يخرج لقرائه هذا العدد الكبير من الكتب والروايات. على أن ولترسكوت كان سريعاً وكانت كتابة بعض رواياته لا تستغرق أكثر من أسبوعين ولكنه كان ذا سليقة وزيدان ليس له طبع يحور إليه ولا سيلقة تخدمه ولذلك تراه لا يحال أخلاق أبطاله ولا يشرح لك شخصيتهم فعل كبار الروائيين ومجيديهم. ولست أرى فرقاً بين كثير من أبطاله لأنه لم يعن بتمييزهم كما لم يعن بالقصة وكما لم يمن باللغة.
على أنا لا نجحد الرجل فضله ولا ننكر اجتهاده وكده ولكننا آثرنا قول ما نعتقد أنه الحق في تقدير أعماله وقد مضى الرجل لسبيلخ فرحمة الله عليه وألهم آله الصبر والسلوان.
стр. 1416
(البيان) هذا رأي الأستاذ إبراهيم عبد القادر المازني في المأسوف عليه جرجي زيدان بك ونحن فلا نستجيز لأنفسنا اليوم بأية حال أن نصدع برأينا على أننا لا نرى ثمة فائدة في ذلك وقد مات الميت فليحيى الحي وكل ما في مكنتنا أن نقوله الآن إنا نتأول في رصيفنا الفاضل أميل زيدان خيراً كثيراً ونرى فخراً لمجلاتنا العربية أن يشتغل فيها شاب دارس متعلم مثل أميل زيدان وقد شاهدنا آثار فضله ودلائل علمه وأدبه في العدد الأخير الذي ظهر من مجلة الهلال ونود لذلك الود كله أن يقبل قراء العربية على الهلال ويعلموا أنهم سيطالعون منه موضوعات هي نتاج الدرس وثمار العقول وأن الهلال اليوم إن لم يفضل نفسه بالأمس فليس بدونه.
أما المأسوف عليه جرجي زيدان بك فقد كان بجده ونشاطه قدوة يحتذى ويحسبه أن قد سود نفسه بنفسه وإن الأيام لا تنجب من أمثاله كثيراً صنع الله له وحقق آماله في خليفته وآمال عشاق العربية.
стр. 1417
في عالم الحرب
كلمة تمهيدية
الآن تسخر الطبيعة من الإنسانية المهذبة وتهزأ، والآن تتقهقر مدينة العقل أمام وحشية الغريزة، هنا يتوارى قانون التضامن الإنساني إزاء قانون حفظ الذات، واليوم تختفي الصفحة البيضاء من تاريخ العقل الإنساني وحسناته، حيال الصفحة السوداء من ويلات مخترعاته ومبتكراته، واليوم تتجلى سيئات الكيمياء والميكانيكا وجرائم البخار والكهرباء.
كم من عقول كبيرة انصرفت عن خدمة الإنسانية العامة إلى خدمة السياسة وأفانين الحرب من يوم أن صنع شوارتز أول بارودة في التاريخ.
لقد كانت هذه البارودة الأولى هي أول أبواق السياسيين والحربيين، هي المزية الفذة التي يتسامون بها في الجمعية البشرية على الفلاسفة والكتاب والمفكرين، هي التت جعلت صوت المفكرون صوت السياسي، إذ كان الأول يستمد سلطانه من صرير قلمه، وكان الثاني يستمد صوته من صوت المدفع!.
لقد كانت هذه الحرب الرهيبة النتيجة المتوقعة من قانون التسليح، ذلك القانون الذي امتص أكبر قسط من ثروة الغرب، وعطل أكبر جزء من أذهانه، هو الذي جعل الأمم الغربية تبدد أذهان الملايين من أفرادها، لتربي فيهم على نفقتها حيوانية حفظ الذات، وتنمى فيهم الروح الحربية التي تريدها!.
جدت الرب فاستطار بلاؤها إلى كل بقاع العالم وأقطاره، واستحصد شرها في كل مدائنه وبلدانه، إذ كانت الرابطة الوحيدة التي تربط ممالك العالم وأممه هي التي التجارة. والنازلة التجارية التي تنزل بلندن أو برلين لا تلبث أن ترى آثارها في القاهرة وكلكتا.
وبعد فليس من وراء هذه النكبات الكبرى التي لحقت بالعالم الإنساني من هذه الحرب الخطيرة إلا كلمة واحدة لا تزال تضطرب في جوف المستقبل - هي أما أن يقضي على قانون التسليح وبذلك تتخلص الإنسانية آخر الدهر من كوارث الحرب وأما أن يحيا ثانية فيعود أشد مما كان همة ونشاطاًَ وهكذا كلما خطت الإنسانية بفضل فلاسفتها ومفكريها في طريق الكمال الاجتماعي خطوة واحدة عاد السياسيون والحربيون فتقهقروا بها خطوات.
مخاوف الكتَّاب قبل الحرب
стр. 1418
كان كتَّاب الغرب من السلميين والاشتراكيين يرون الاستعدادات الحربية الهائلة التي تعدها الدول الأوروبية، والمنافسات المستمرة في جندياتها، والتحسينات العديدة في بحرياتها، والاختراعات السرية والجهرية في مراكبها الهوائية ومدافعها ومفرقعاتها - كانوا يرون كل هذا فترجف قلوبهم من الصدمة الهائلة التي ستصطدم بها أوروبا من جراء هذا التسليح الدائم، وكانوا يلمحون أشباح الحرب المخيفة ماثلة أمام أعينهم تنذرهم بالويل المقبل. ولذلك جعل كثيرون من أكابر كتَّاب الغرب ينصحون أوروبا بترك التسليح، والتخفيف من الاستعداد الحربي أو إلغائه جملة واحدة، والعيش في ظلال السلم وأفياء الوئام، ولكن أخفقوا هؤلاء جميعاً في إرشاد المغرب إلى الاتفاق يداً واحدة على إطراح التسليح، لأن هذه إرادة العسكريين من دعاة العظمة التوتونية وإرادتهم فوق كل شيء.
ومن بين الكتَّاب الأعلام الذين كانوا يتوقعون هذه الحرب الطاحنة الكاتب الإنجليزي المشهور مستر فردريك هارسون، فقد كتب في فاتحة العام الماضي مقالاً شائقاً في المجلة الإنكليزية - وهي من أرقى مجلات الإنكليز - عن ألمانيا نقتطف منها النبذة الآتية:
قال فردريك هارسون: كلنا يعلم أن السلم منذ سنين هو الحالة التي يجري عليها التقدم الألماني، سواء من الوجهة الحربية أم من الوجهة التجارية، ولاسيما في البحرية، وكلنا يعتبر ذلك قضية مسلماً بها لا جدل فيها ولا مراء فإن تسعين في المائة من الشعب الألماني يريد أن يعيش في ظل السلم ما ظلت المصالح الألمانية غير معرضة لسوء وكذلك تعمل الحكومة الألمانية على بقاء السلم في الحالة الحاضرة هذا والإمبراطور يدأب مخلصاً في إزالة مخاوف جيرانه ووساوسهم حتى تضطره الشدائد إلى الكلام على أن العشرة الباقية من مجموع الأمة هم الذين يدفعون بألمانيا إلى سبيل صعبة لا نتيجة لها إلا الحرب المحتمة.
ثم انتقل الكاتب إلى بحث الأسباب التي تجعل طمع الألمان في التوسع أمراً لازماً لا مرد لألمانيا عنه إلا الهزيمة، وإليك ما قال:
هذه مشكلة دولية قامت من عهد بسمارك أي منذ خمسين عاماً على التقريب - إن كل سياسة أوروبا الآن تدور حول الارتقاء العظيم الذي تخلقه ألمانيا في الحرب والصناعة والعلم - وحول انحصار ألمانيا بين سبع ممالك مختلفة - ونصيبها الضعيف من الشواطئ
стр. 1419
البحرية - وتكاثر عدد سكانها المطرد - وملاصقتها من كل الجهات يجيران معادين لها أو مرتابين في سلوكها - وفوق كل ذلك تطرفها في الزهو بنفسها ومغالاتها في طمعها وظمئها للتوسع في التملك.
إن أمة كبيرة كهذه تتألف من ٦٥ مليوناً من النفوس، وتملك مثل هذه المصادر العظيمة في السلم وفي الحرب: وتشعر بمثل هذا الزهو المتطرف، وتحس من قوتها بهذا العجب المتعجرف، تجد نفسها محصورة في مضطرب. ضيق لا يتسع لارتقائها واطراد عدد سكانها، ولا يكفي لرغباتها وآمالها، في حدود ساعد على خلقها التاريخ والجغرافية والظروف، في حدود تحرسها مخاوف جاراتها التي دونها في البأس ولا تحرسها عداواتهم.
هذا هو البركان المتغلغل الثائر المصطخب الذي ترتكز عليه سياسة أوروبا.
وختم المستر هارسون نبوءته بالكلمة الآتية: إن أوروبا والمدنية في خطر واقع من حب التوسع الألماني - إن أمامنا أزمة هائلة، وإن الذين يعمون عنها أو يتعلمون سيتحملون جريرة نكبة من أفظع نكبات التاريخ.
وكذلك كل ما حذر.
الأسباب الحقيية للحرب الألمانية الأوروبية
كتب أحد كبار ساسة الإنجليز مقالاً هاماً في هذا الصدد آثرنا تعريبه لما حوى من دقة البحث وهدوء البحث وهدوء الاستنتاج وحصافة الرأي والتفكير، والغوص على الحقائق، إذ كان الكاتب من الذين قضوا السنين العديدة مجاوراً لوزارات الخارجية في جميع عواصم الغرب الكبرى، والمطلعين على خفايا السياسات ودقائقها: قال
إن الحجة الواهية التي تذرعت بها النمسا لإضرام نار هذه الحرب - وهي أن صربيا لم تصلح ما أفسدت بمقتل الأرشيدوق فرانسيس فرديناند وزوجته، لابد من أن تطرح جانباً إذا أردنا أن نبحث عن الأسباب الحقيقية الصادقة.
أي شأن كبير لصربيا، حتى تخاطر النمسا وألمانيا بكل شيء حتى بكيانهما للفتك بها؟ وما هي الفائدة الجلى التي تنتظرها روسيا من صربيا حتى يسارع القيصر إلى لم شعث جيشه واستدعاء جنده من أطراف قيصريته، ولم تكن أطلقت بعد بارودة واحدة؟.
تلك هي الأسباب التي يجب أن نسألها إذا أردنا أن نفهم العوامل التي ولدت هذه الحرب،
стр. 1420
وإليك الجواب عليها.
إن صربيا وإن كانت مملكة صغيرة إلا أنها مملكة ذات بأس ومنعة. وهي الحائل الذي بين النمسا وبين بلوغها بحر إيجه إذ كانت سلانيك وهي أكبر ثغور البحر الأبيض المتوسط تبعد بنحو ثلاثمائة ميل عن بلغراد عاصمة الصرب الواقعة على حدود الإمبراطورية النمسوية، ومن ذلك يتبين أن أية دولة عظيمة ذات مصالح في بحر إيجة أو في البلقان بجملته وفي آسيا الصغرى يجب أن تقبض بيدها على هذا الثغر وإن الطريق إليه يجب أن تكون موطأة ممهدة.
هناك دولتان عظيمتان وإن شئت فقل دولة عظيمة وأخرى تتألف من مجموع دولتين عظيمتين - كل منهما ذات مصالح عظيمة في آسيا الصغرى وبحر إيجة، أولاهما روسيا والأخرى ألمانيا والنمسا مجتمعتين، وقد ظلت هذه الدول عاجزة عن بلوغ أمنياتها من تركيا حتى عام ١٩٠٨ تجاهر برغائبها ولا تقدم خطواتها، ومنذ خلع عبد الحميد بدأت خريطة البلقان تتغير وتتبدل، وطفقت الفتن والهزاهز تعمل أبداًَ على تغييرها.
ولقد كانت تركي من قبل الانقلاب الدستوري نهباً مقسماً بين الماليين الغربيين وجلهم من الألمان، وقد جعل الألمان يأخذون الامتياز اثر الامتياز ويظفرون بالاتفاق بعد الاتفاق وأهم هذه الامتيازات سكة حديد بغداد، يراد بها أن تجري من القسطنطينية إلى بغداد فثم إلى الخليج الفارسي فتداني الأملاك الإنكليزية في المحيط الهندي، وكان من وراء شركة هذه السكة الكبرى المصرف الألماني، وهو من أعظم بيوتات المال في الغرب أجمع، وقد أخذ على عاتقه أن يسعف المشروعات الألمانية فيما وراء البحار كل جهده.
الأسباب المالية
كان مؤسس هذا المصرف الكبير جورج فون سيمنس وهو الذي ظفر بعقد الاتفاق على مد سكة حديد بغداد، ومديره الحالي هو أرثر فون جوينر هو الذي وكل إليه إتمام هذا المشروع، وقد أتوا حتى الآن على تشييد نصف الطريق أو كادوا، وقد أنفق إلى الآن عليه من الأموال الألمانية بين ستة عشر مليوناً وثمانية عشر من الجنيهات.
ليتدبر هذه المسألة أولئك الذين يتوهمون أن ألمانيا والنمسا اندفعا إلى الحرب يسوقهما الثأر لدم الأرشيدوق؟ إن المصرف الألماني يملك كل سكك حديد برلين وكل مستخرجات الزيت
стр. 1421
في رومانيا، ويدير شركة الاستصباح الكهربائي الألمانية في بلاد الأرجنتين وشيلي وأراجواي، وقد شرع فون جوينر منذ أشهر في اتخاذ التدابير لاحتكار الواردات من البترول لألمانيا حتى يقضي بذلك على جزء من ثروة الشركة الإنجليزية التي كانت تقوم بتوريده، وتقدر جملة الودائع في المصرف الألماني بنحو ٨٥ مليوناً عدا الفوائد الذي يجتنيها من مصادر أخر.
وهرفون جوينر هذا من أصدق بطانة الإمبراطور وأكرمهم عنده وأعظمهم في أهل مشورته، يقول الكلمة فتصبح قانوناً نافذاً في كل المسائل المالية التي تتعلق بالحركة الاقتصادية في ألمانيا ولو قال مثلاً للإمبراطور أن سكة حديدية يجب أن تجري إلى بحر إيجة تحت رقابة الحكومة الألمانية النمسوية من أجل سلامة المصالح الألمانية في آسيا الصغرى، لاندفعت حكومتا ألمانيا والنمسا (ومركزهما معاً في برلين) إلى اقتحام كل عقبة تقوم في سبيل هذا الرأي وإزالة كل حائل دون هذه السكة التيوتونية.
وإني لأقول عن معرفة شخصية أن أرثر فون جوينر قد قال هذه الكلمة فأمن عليها الآخرون.
ويجب أن لا ننسى أن لألمانيا في آسيا الصغرى غير السكة الحديدية مصالح أخرى وإني أقدم للقراء خلاصة شروط الاتفاق الذي عقد في مارس سنة ١٩١١ بين الشركة والحكومة العثمانية، ولم يكن نشر قط حتى الآن.
تتكفل الشركة بحفر الفرضات وإيجاد المعدات اللازمة لرسو السفن في الأفاريز وشحن البضائع وإنزالها. . . ويجوز للشركة كذلك أن تجري سفنها في الدجلة والفرات وللشركة أن تنتفع بما تعثر به من مناجم الفحم أو النحاس أو غيرهما على شريطة أن لا يعدو عن بقعة من الأرض قطرها عشرون كيلو متراً حول الخط الحديدي، ولها كذلك أن تتخذ ما يحسن لديها من قطع الأشجار من الغابات المجاورة، ويباح للشركة (على شريطة أن تدفع إلى الحكومة العثمانية ٢٥ في المائة من أرباحها) أن تشيد في الأراضي المباحة لها مخازن للسكة الحديدة ومصانع لتشغيل العمال، وأن تبني مخازن لادخار القوة وسيكون لها الحق في احتكار الآجر والبرانج التي تبنيها في الأرض المباحة لها، وأن تشيد مصارف وجداول وتصل بين بحيرتي بيشيتير وقرافيرون وبين سهول قونية وقرمان. .
стр. 1422
وكانت حكومة ألمانيا قد بعثت سنة ١٩٠٣ جماعة من مهرة المهندسين لاستجلاء الأراضي التي ستمتد فوقها السكة الحديدية وعند عودتهم أرسلت اثنين منهم إلى الولايات المتحدة وكندا للإطلاع على الطرق الاستعمارية التي تتبعها هناك شركات الخطوط الحديدية.
يتبين لك من ذلك أن سكة حديد بغداد والمشروعات الكبيرة الملحقة بها لإيراد بها القضبان الحديدية ليس غير، بل هي تتضمن القضبان والقاطرات والقناطر والمعابر والقوارب البخارية النهرية والآلات البخارية العديدة الأشكال والآلات الكهربائية المختلفة الألوان وكل هذه تجلب من برلين وفي مقابلها سينتفع الألمان بمناجم النحاس والفحم، وشاسع الغاب ومترامي الأجم وبترقية التجارة في تلك البلاد الواسعة.
العوامل الصناعية
لا يكون من خيبة مشروع سكة حديد بغداد إلا ارتباط التجارة الألمانية كلها، ولسنا نعني بخيبتها إلا معاكسة روسيا لها وقد تجلى ذلك في العام الماضي ولذلك اختطت الخطط لزيادة ٠٠٠ر٣٠٠ جندي على الجيش، حتى تكون قوة هذه الإدارة الحربية الهائلة ثمانمائة ألف في السلم فكلف ألمانيا ذلك خمسين مليوناً من الجنيهات، ولكن كان إنفاقها أمراً محتماً، لأن المصالح تطلب ذلك وحسب، ولما أظهرت روسيا انتباهها هذا الاتفاق، عدت إنجلترا عدوة لها، فكان من ذلك أن أصبحت ألمانيا ولأسطولها المكان الثاني في العالم.
ولننتقل إلى العوامل الصناعية، من ذا الذي سمع باسم أوغست ثيسن؟ هو المعروف في أرضه بكارنجي الألماني أو الملك ثيسن، له في مناجم الفحم والحديد الخام ثلاثمائة وعشرين في المائة مما كان قبل وازداد منتوجها من الفحم ضعفه، وليس من وراء هذه المقادير العظيمة إلا أوغست ثيسن هذا. إذ يملك في ألمانيا مناجم الفحم والطواحين والمين والأفاريز، وفي فرنسا عدة من مناجم الحديد، وفي روسيا المصانع العديدة، وله فروع في كل مملكة من البرازيل إلى الأرجنتين إلى الهند، أنشأ النقابة أثر النقابة، وبذل من جهده ما لم يبذله ألماني غيره في استعمال طريقة الاحتكار الأميركية، والتوسع الألماني في آسيا الصغرى هو كل أمنيته، وقد صرح ثيسن بأن المصالح الألمانية في آسيا الصغرى يجب أن تكون آمنة من كل سوء مهما يتكبدون من ذلك ما يتكبدون.
ومن روءا ثيسن عصبة كبرى من الماليين الألمان، هاك مثلاً أميل فون راتينو مؤسس
стр. 1423
شركة الكهرباء العمومية وصاحبها، وهي تقوم بمائتي مليون من الجنيهات، وراتينو وئيسن وجوينر هم في الصف الأول من ملاك الألمان ويدب أن نضيف إليهم رابعاً هو الفرد بالن صاحب شركة همبرج أمريكا الملاحية، وهناك غيرهم من سادة المال يعدلون هؤلاء في القوة والسلطان وإن ليس في الاسم والشهرة، وهم وإن كانوا لا يعرفون في بلاط برلين، لأنهم ليسوا بعد إلا تجاراً وليسوا من الأشراف، إلا أنهم المتسيطرون على الإمبراطورية الألمانية وهذه ولا ريب المتيسطرة على حكومة فينا.
وفي سنة ١٩١٠ عادت روسيا إلى المناقشة في أمر آسيا الصغرى، فكان ذلك داعياً إلى تلك المقابلة التي دارت بين القيصر والإمبراطور وظهر أن روسيا مقتنعة بتأكيدات حكومة ألمانيا لها من أنه مصالح تجارها في آسيا الصغرى محترمة، ولكن لم يكن كل منهما في قلبه راضياً عن سير الآخر وكل من له علاقة بخارجيتي برلين وبطرسبرج كان يرى أن الحرب لاشك واقعة بين الدولتين أن عاجلاً وإن آجلاً، إذ أصبحت تلك الأراضي الزراعية ميدان مصالح صناعية مختلفة للروس لفتت إليها أنظار الحكومة الروسية فشرعت تحمي هذه المصالح، وانتهت الفتن التي أثارتها دويلات البلقان بإعلان الحرب في خريف ١٩١٢ وضاعت في أثرها البقية الباقية لتركيا في أوروبا، وكانت روسيا ولاشك هيب المثيرة لهذه الفتن.
وكانت ألمانيا مزمعة الحرب في العام الآتي ولكن جاءت حادثة الأرشيدوق فعجلت بنشوبها.
هذه كلمة مجملة عن الأسباب الصناعية والمالية التي جعلت ألمانيا تقذف بنفسها في مضطرب هذه الحرب ورهجها، ولا ريب في أن هذه العوامل ليست كل شيء في أسرار هذه الحرب الكبرى وإنما نظر الكاتب إليها من جهة واحدة لا تقل عن الوجوه الأخرى من جنسية وسياسية وفلسفية وتاريخية وجغرافية.
(وبعد) فمن أراد التوسع في معرفة أسرار هذه الحرب وخافياتها فليقرأ ما سنكتبه عن تاريخ الحرب في صحيفتنا الأسبوعية عالم الحرب التي ستصدر بعد بضعة أيام حافلة بأبدع ما يحفظ عن الحرب من الشذرات اللذيذة والطرف والمعلومات الغريبة والأسرار الدقيقة والمذكرات الخصوصية والروايات الخطيرة والصور المختلفة من وقائع وخرائط
стр. 1424
مدائن واختراعات وصور أعاظم الرجال الذين يشتركون في هذه الحرب، وأما عن تاريخ الحرب فسنفرد له قسماً من الصحيفة كبيراً سيكون كتاباً جامعاً يتناول حركة المدنية الأوروبية في نصف القرن الأخير من أدب وفلسفة وتربية وسياسة وتسليح واختراع فنلفت إليه الأنظار.
راجات الهنود
يقاتل الآن سبعون ألفاً من زهرة جيوش الهند وأبسل شجعانهم جنباً لجنب مع الإنكليز وعلى رأسهم ستة من عظماء المهراجات يمشي في مقدمتهم السير برتاب سنج مهراجا جودبور، وقد كان تطوع هذا الشيخ خليقاً بالفخر والإعجاب فقد أبى إلا أن يمشي في رفقة الجيش ويركب الأوقاينوس ويمتشق السيف ويلبس لباس الجندي وإن كان شيخاً مسناً قد جاز السبعين أو كاد وقد اصطحب حفيده وهو فتى لم يفت بعد حدود السادسة عشر، والسر برتاب من أشهر حكام الهند وأوسعهم ذكراً وأعرضهم جاهاً كان صديقاً حميماً للملكة فيكتوريا كريما عليها يكاتبها الحين بعد الحين ويبدي لها سديد آرائه في مهام الإمبراطورية الهندية وشؤونها.
وقد اكتتب مهراجا ولاية برودا بجنوده وكنوزه وأمواله، وهو من أقوى أمراء الهند وأوسعهم ثراء. حارب أجداده الإنكليز في الثورة الهندية وهو يفخر بأنه اليوم ينصرهم، يحكم ولاية أكبر من مقاطعة غال ويقدر دخله الخاص بما يربو على مليونين في العام.
ومن مشهوري المهراجات مهراجا ميسور اكتتب للحرب بخمسة ملايين روبية أي بنحو من ٠٠٠ر٣٣٠ من الجنيهات لتنفق في سبيل البعثة الهندية. وتحتوي ولايته ستة ملايين من الهندوس ومنهم تخرج زهرة الجيش الهندي وصفوته.
وقد اقترح مهراجا جواليور وكذلك أميرة بهوبال إنشاء مستشفي بحري لإسعاف الجرحى وتكفل بجزء كبير من نفقاته. ولم تكتف حميته بذلك، بل تكفل بالمقادير الكبيرة من المال لمساعدة الحكومة الإنكليزية وبتقديم الخيول للجيش. وقديماً أظهر هذا الأمير الدلائل الكثيرة على كرمه وولائه وسماحتهن فهو الذي دفع إلى الملك جورج في حفلة التتويج ثمانية آلاف من الجنيهات لتصرف في سبل الخير تخليداً لذكرى ذلك اليوم، وهو الذي رافق الجيش الإنكليزي إلى الصين منذ إحدى عشرة سنة وأنشأ يومذاك مستشفى بحرياً لتضميد الجرحى
стр. 1425
وإبراء المرضى وهو من أشد حكام الهند نشاطاً وإطلاعاً وعلماً.
وعلى ذكر أميرة بهوبال نقول إنها التي زارت إنجلترا منذ عامين أو أكثر وقابلت الملك جورج والملكة ماري زوجته، وهي تحكم ولاية تبلغ مساحتها سبعة آلاف ميل مربع يسكنها مليون من النفوس ويعدها الإنكليز من أكمل النساء خلقاً وأرجحهن لباً ولها مكانة سامية في قلوب رعيتها.
ومن عظماء الأمراء كذلك مهراجا كشمير وقد رأس منذ أيام حفلاً حافلاً لا يقل عن عشرين ألفاً في مدينة سرنجار عاصمة ملكه فخطبهم خطبة بليغة مؤثرة انتهت باكتتابهم بآلاف من الجنيهات، وولاية كشمير من أكبر ولايات الهند وأحسنها حالاً وأكبرها صناعة وتجارة.
ولا ننسى كذلك مهراجا باتيالا وهو من المتطوعين للحرب، ولولاية باتيالا أثر من الإخلاص للإنكليز لا تمحوه الأيام. ذلك أنه في سنة ١٨٧٧ لما انقضت الهند كلها على الإنكليز وثارت عليهم جنود السلك لم يكن من أمير تلك الولاية إلا أن امتطى صهوة جواده فركب إلى معسكر الإنكليز ووضع في ذمتهم لأجندة وحدهم ورجاله بل نزل كذلك عن كنوزه وأمواله.
وتختلف جيوش هؤلاء الراجات في البسالة والقوة والبأس. ولكن أكثرها يضم بين صفوفه أمهر الخيالة في العالم كله ويبلغ عدد هذه الإمارات سبعمائة إمارة تبتدئ في كثرة السكان بحيدر أباد إذ تحتوي ثلاثة عشر مليوناً من النفوس وتنتهي بإمارات صغيرة لا تزيد عن بضعة قرى حقيرة.
وتتألف البعثة الهندية في هذه الحرب من جنود الجركا وهم قوم شجعان بواسل، لا يصلحون لشيء غير الجندية والقتال، وهم من الجبليين سكان سفح الهملايا - وقد وصفهم ولي عهد ألمانيا يوماً بأنهم أبسل الجنود التي في حوزة بريطانيا يشبهون اليابانيين في ملامحهم وقصر قاماتهم.
مجاعة الباريسيين في الحرب السبعينية
كان الباريسيون المترفون يأكلون الفيران والقطط والكلاب - أنهيالهم على أكل لحوم الحيوانات المفترسة مثل الذئاب والحمر والوحشية والفيلة - غلاء الأسعار - ربح الجزارين.
стр. 1426
في حصار باريس الذي انتهت على أثره الحرب السبعينية اشتدت المجاعة بالباريسين المترفين وبلغت منهم شرة الجوع وقرم اللحم مبلغاً عظيماً حتى لم يبقوا ولم يذروا حيواناً مستأنساً ولا طيراً أليفاً إلا انهالوا على أكله بشره لا حد له - فأنشئت المذابح للكلاب والمجازر للقطط والفيران ومن لحوم الفيران كانوا يصنعون الفطائر، ولم يكن النوع السائد من هذه الجرذان إلا فيران المراحيض وكانت نهاية في السمن والضخامة وكانوا يقبلون عليها الإقبال كله ويقدرونها تقديراً كبيراً وإن كان بعض الباريسيين من المتغالين في الرقة والتأنق والظرف يتأففون من رائحتها الكريهة وكانوا يلتذون من لحم القطط المسلوق فلم تمض أيام حتى انتقلت كل قطة في باريز من الأسطحة إلى المقلاة.
وكانت الأسعار فاحشة. كان يتراوح ثمن الفأر بين خمسة غروش مصرية وعشرة والقطة السمينة البدينة الصغيرة تشرى بستين غرشاً مصرياً والكلب المصغر السمين يتراوح بين خمسين غرشاً ومائة وخمسين غرشاً تبعاً لحجمه وجودة نوعه.
وبلغت الحاجة إلى اللحم أشدها حتى أصبحوا يشترون إجراء الذئاب من حديقة الحيوانات التي في المدينة فكان يباع الرطل من لحمها بخمسين غرشاً ثم عمدوا بعد ذلك إلى أكل أكثر الحيوانات التي في الحديقة فكان أصحاب المطاعم يقدمون في قوائم أطعمتهم - في باب اللحوم - لحوم الإبل والياك وحمار الوحش والفيلة.
وكان في الحديقة فيلان عظيمان اشتراهما رجل إنكليزي - وكان جزاراً مشهوراً - دفع فيهما ألفاً وثمانين جنيهاً وجعل يبيع الرطل من لحمهما من جنيه إلى جنيه ونصف وكان يبيع القطع من خرطوميهما وسوقهما بأفحش الأثمان.
وعرض كذلك للبيع وعلان من الأوعال الهندية كانا في الحديقة فاشتراهما بأربعين جنيهاً وزوجان من غزلان أميركا الشمالية دفع فيهما مائة جنيه وغير ذلك من الحمر الوحشية والجواميس والدببة والذئاب فكان يدفع في شرائها المبالغ الباهظة ويربح في بيعها الأرباح الطائلة.
ومن أكبر صفقاته حمل صغير يزن نحواً من خمسة وعشرين رطلاً غنمه جندي فرنسي من الألمان فاشتراه بعشرين جنيهاً ولم يلبث أن باعه بأضعاف ذلك.
مذكرات سرية عن الإمبراطور غليوم
стр. 1427
وصيفة من وصائف الشرف لبثت زهاء عشرة أعوام في بلاط برلين، تحدث العالم عما رأته من غرائب أخلاق غليوم وشواذ نوادره، وأسرار حياته، وبدائع جنونه وعجائب أموره - وهي حقائق ثابتة لا يشوبها شائبة من الكذب أو التلفيق أو الاختلاق، ولا يمازجها أثر من التخيل أو الزيادة أو التوسع أو الأطناب.
والكاتبة الوصيفة من الكونتسات، أعني من السيدات النبيلات - تقول في مقدمها ليس لي مأرب شخصي من هذه المذكرات ولا أسباب عندي في وصف ما رأيت من العيشة البلاطية وشهدت، فإذا كانت قد احتوت جملة من الغرائب واشتملت طائفة من المضحكات، وهدمت كثيراً من الآراء الثابتة عند القراء، وكشفت عن أسرار عجيبة هي على النقيض مما أصبح تاريخاً مقرراً مشهوراً، إذن فليذكر القارئ أن الحقيقة قد تكون أغرب من الخيال وإن التاريخ ليس إلا كذبة مزخرفة - ولست ذاكرة إلا الحوادث التي وقعت تحت عياني، أو التي استقيت من شهود ثقاة، وأما الحوادث التي وقعت قبل تتويج الإمبراطور فسأضطر إلى نقلها من أحاديث أهل البلاط ورواياتهم.
مولد الإمبراطور - ضعفه الشديد عند ولادته - الإمبراطور أعرج أكتع أصم - وكيف يخفى عن الناس هذه العيوب ـ.
هل هو طفل جميل؟.
فتكوريا
في الخامس عشر من شهر يونيه سنة ١٨٨٨ عند الظهيرة، ولم تكد تمضي ساعة واحدة على وفاة الإمبراطور فردريك بدأ الملك الجديد يبحث في أوراق أبيه وأدراج مكتبته ولم يكن معه إلا رجل واحد هو فون نورمان، رئيس الحرس الإمبراطوري فلم يلبث أن أخرج من بين الأوراق الرسالة المتقدمة الذكر.
فلما كانت جنازة الإمبراطور الراحل سألت نورمان وماذا قال جلالته عندما اكتشف رسالة فيكتوريا؟.
أجاب. لم ينبس ببنت شفة. ولكنه أصفر قليلاً وقد أمسك بيده اليسرى مقبض سيفه وقد بدا عليه الاضطراب.
وكانت رسالة الملكة فيكتوريا مؤرخة (٢٨ يونيه سنة ١٨٥٩) أي بعد أن خرج إلى نور
стр. 1428
العالم أكبر أبناء الإمبراطور فردريك غليوم وزوجته بأربع وعشرين ساعة فقط.
ولد غليوم كما يولد أولاد أهل البسطة في الثراء لا كأولاد الملوك والأمراء، وروعيت في وضعه وجوه التوفير وأساليب الاقتصاد، تلقته قابلة واحدة وطبيب واحد من أطباء القصر بإشراف الأخصائي المشهور في ذلك العهد، المرحوم الدكتور مارتن وكان واقفاً كعادته مقطباً عابساً لأنه يجب أن تعلم أن الطبيب في ألمانيا يرى نفسه أرفع من أن يتلقى الوليد ساعة الولادة. ولا يأتي أبداً إلا في الأحوال الشديدة الخطر.
وكانت القابلة التي تولدت الأميرة فردريك غليوم هي مدام ستاهل وقد أصبحت اليوم عجوزاً ولكنها لا تزال تزور القصر إلى الآن ولذلك كنت أنتهز الفرص فأسألها عن أهم الحوادث في حياتها.
قالت (ما كادت الإمبراطورة تضع وليدها حتى جعلت تئن أنيناً مخيفاً وجعل الطبيبان يتهامسان وهما يفحصان جسمها الملقى على السرير مبهوتين (إن الإمبراطورة ستموت، إنها ستضحي التضحية الكبرى من أجل ولدها) وكنت ولا شك مضطرة إلى ترك الطفل هنيهة لكي أعينهما في فحصها، فلما أفاقت الإمبراطورة بعد قليل عدت فجثوت إزاء مهد الوريث ولكن لشد ما كان رعبي، رأيته ولم يفه بصرخة واحدة، ولا حرك يداً ولا رجلاً فجعلت أقول في نفسي (يا الله! أمولود صامت؟) ثم أشرت إلى الطبيب فجاء إلى وجعلنا نفحص المولود الجديد ولا أعلم كم لبثنا وطفقنا نستعين بكل ما في كتب الطب والولادة من الوسائل لإعادة الطفل إلى الحياة.
(ثم استرسلت القابلة تقول) فلما فرقنا من عمل قصارى جهدنا أخذت الصغير تحت ذراعي اليسرى وتناولت منشفة فبللتها. بالماء وطفقت أدلكه بها وأمرس بدنه في رفق وهدوء، غير حافلة بتألم الطبيبين من عملي هذا ولا آبهة لرعب من حولي، قلت في نفسي في سبيل الشيطان كل ما يطلبون من رسوم وتقاليد وآداب، هذه مسألة حياة أو موت وكذلك انطلقت في تدليكي آونة بيد ناعمة وأخرى بيد ضاغطة، حتى إذا كادت المدافع المعلنة مولد الطفل تفرغ من نصف المائة مدفع ومدفع - وإذا بصوت خافت ضعيف صدر من بين شفتى الطفل الصفراوين.
(لقد عادت إليه الحياة! وكذلك أنقذته من الرمس المقدر له) فسألتها (ولكن ماذا تعلمين عن
стр. 1429
يده وذراعه المشوهتين؟).
فأجابت ستاهل (لم نهتد إلى ذلك إلا في اليوم الثالث أو الرابع من ولادته فقد قلت الآن إننا كنا بادئ بدء في شغل برد الحياة إلى الأمير عن كل شيء، ولذلك لم يفكر أحد منا في فحص أطرافه وأجزاء جسمه حتى أن الأمير في اليوم التالي لما قدم طفله إلى ذوي قرباه وأصحابه وأصدقائه وأهل الأسرة المجتمعين في القصر، لم يلحظ أحد منهم أن بالطفل سوءاً ولكنا تبينا في اليوم الثالث أن الطفل لا يستطيع تحريك ذراعه اليسرى فعرض على الجراحين فاهتدوا بعد فحصه إلى أن مفصل المرفق كان ناتئاً عن موضعه، وأنت تعلمين أن ليس ذلك بالأمر الخطير في الطفل القوي المنتعش ولكن حالة الأمير غليوم كانت غير ذلك فإن الجزء الناعم حول المرفق كان مجروحاً جرحاً بليغاً وكانت العضلات ناتئة بارزة حتى لم يجرأ أحد محاولة جبر هذا العضو الناتئ كما هو المعتاد في مثل هذه الأحوال).
وكانت كثيراً ما تعيد على مدام ستاهل هذا القول وكانت تختم حديثها دائماً بهذه العبارات (ولقد كان رأيي أبداً أن ساعد الطفل لم يخرج صحيحاً من يد الطبيعة وكذلك كان جانبه الأيسر ضعيفاً، ولا يزال إلى اليوم على ضعفه. وفوق ذلك فكل من في القصر يعلم أنه وإن كان جلالته يمشي اليوم مشية النشاط والقوة، ويخطر خطرة ذي الشطاط والفتوة، فإنه يستعين على ذلك بيقظته واجتهاده وحيلته وانتباهه، ولو اتفق أن نسي جلالته التفكير في أمره إذن لرأيته يجر ساقه جراً، وكل آلامه وأوجاعه تجتمع في شقته اليسرى، ولو كان الأمير ولد قوياً تام الصحة منتعش البدن لقد كنا لا نلبث أن نهتدي إلى مرفقه وإذ ذاك لما كان يحول يومذاك حائل دون جبره.
ولكن قضت الظروف أن يكون جوابهم على رسالة الملكة فيكتوريا بالإيجاب وقد سمعت الإمبراطور يوماً والإمبراطورة ينتقصان من قدر الدكتور هنزبتر وينقدانه النقد الشديد لقوله في كتابه إن الجيش البروسياني لم يقبل يوماً فتى ضعيف الجثمان لا يليق بأن يصير فارساً معلماً جريئاً مثل غليوم وكان ذلك عقب ظهور كتاب هنزبتر الإمبراطور غليوم الثاني صورة من حياته في عام ١٨٨٨ فبعد أن حذر الإمبراطور زوجته من وقوع الكتاب في أيدي أولاده استرسل يقول إن فلاسفتنا الألمان لا يعرفون لهم حدوداً سواء عليهم أجاءوا بالحقائق أم بالأكاذيب لا تخلو كتبهم من التشهير بأصدقائهم وهم لا يشعرون.
стр. 1430
ولكن يخفى الإمبراطور ذراعه الشوهاء تراه يدنيها من جسمه ويضع يده اليسرى فوق خصره أو على فخذه إن كان فوق جواده، وليست يسراه في القبح كذراعه، وإنما نهاية في اصغر أشبه بأيدي الأطفال ومن كان يتتبع الصحف الألمانية لا بد ذاكر أن الصحف الرسمية اعتادت أن تنشر بين حين وآخر مقالات عدة تريد بها أن تمتحن رأي الجمهور في إدخال الأنطقة على ملابس ضباط الجيش لأن الأنطقة ليست معروفة عند الألمان ولا تلائم الزي العام فكما أن الإمبراطورة أوجيني أعادت عهد العظامة لتخفي نحافتها وتستر نحولها فكذلك يريد غليوم أن يغير اللباس الحربي ليجد ليده وذراعه مكمناً سهلاً ومخبأً مريحاً لأن ذراعه اليسرى أقصر من اليمنى بنصف قدم ولكن وا أسفاه. إن سواد الضباط لا يرون في هذه الاقتراحات إلا نوعاً من المتاجرة لا يريد بها أصحابها إلا الريح العظيم ولذلك لا ينون يسخرون من هذه الاقتراحات ويتضاحكون، هذا وغليوم لا يستطيع أن يصرح بالسبب الحقيقي للاختراع، ويضطر إلى البقاء على مضه وألمه.
والإمبراطور يستطيع أن يحرك أصابع يده الموجعة لأنه وإن كان طرف المرفق ناتئاً عن موضعه من المفصل الذي يربط الساعد بالكتف فليس العضو بجملته مفلوجاً باطل الحركة ولذلك لا مجال للريب في قول فون نورمان رئيس حرسه إن الإمبراطور قبض بيده اليسرى على سيفه فقد كثر ما رأيتها يفعل ذلك إذا وجد أو غضب، ولكنه إذا أمسك بها شيئاً فلا يستطيع يد الدهر أن يرفعها ولو قليلاً، تراه مثلاً يأخذ بها أعنة جواده ولكنه إذا أراد أن يثنيها أو يحتث مطيته لم يستطع ذلك إلا بيمناه وركبتيه.
وترى وصفاء الإمبراطور وهم أربعة يقومون بإلباسه وتنضيته وتجميل بزته، يشكون مر الشكاة من عاهة سيدهم، وقد سمعت أحدهم وكان يفيض لفولت وصيف الإمبراطورة بمكنون ألمه، يقول ما كنا لنبرم بعملنا أو نسخط أبداً لو غير الإمبراطور ثوبه عشر مرات في اليوم بدلاً من ثلاث أو أربع، وإنما الخوف من إيلام ذراعه هو الذي يرهقنا ويجعلنا في ضيق من أمرنا، ونحن كذلك مضطرون إلى أن نكون على أتم الأهبة للاحتياط لتألم الأمير إذا ارتكز على ساقه اليسرى وهو متعجل في لبس سراويلات جديدة، فلو أنهم أدخلوا على لباس الراجلة والفرسان والمدفعية بل والبحرية بنطلوناً رسمياً واحداً لا يتغير، إذن لأراحونا من نصف همومنا ومتاعبنا، أما هذا التغير المستمر في أزياء الإمبراطور فقاتلنا
стр. 1431
وزاهق أراواحنا وأني لأخاف أن يفضي يوماً إلى حادثة مؤلمة.
وأما يمناه فكبيرة الحجم قبيحة المنظر بل لشد ما تروح قبيحة شوها، إذا شديد صديق أو حميم، وقبل أن أقدم إلى جلالته حذرني رئيس البلاط من قبضته القوية المؤلمة على أني وإن كنت اجتهدت أن أخفي ألمي وهو يشد بيده يدي فقد أوشكت ساعتها أن أصرخ. وترى الإمبراطور يحاول أيخفي عيب يمناه وقبحها ودمامتها بلبس عدة من الخواتيم والجعرانات ولكنها لا تزداد بالماسات والعقائق إلا قبحاً وخشونة وعيباً.
وأول ما ذكرت إذن الإمبراطورة ومرضها، على ما أتذكر، كان أثر وفاة هنري الحادي عشر ابن عمة الإمبراطورة إذ كانت وفاته بالحمى الحصبا. وقد قالت الإمبراطورة يومذاك يجب أن لا يعلم الإمبراطور بسبب الوفاة، لأن ذكر الحصباء أبداً يزعجه قلت (كيف، أولم يصب جلالته من قبل بها؟) فأجابت صاحبة الجلالة بعد تردد قليل (نعم ولا ريب، وبأشد أنواعها خطراً، كيف تعيشين هنا هذه السنين ولا تعلمين بخبرها؟) ولما رأيت أن الإمبراطورة لا تريد أن تسترسل في الشرح أرجأت فضولي إلى فرصة أخرى حتى التقيت بالكونت سكندروف وكان حاجب الإمبراطورة والدة غليوم كريماً عليها مقرباً منها عليماً بأسرار البلاط. قال (لما أصيبت جلالته وهو فتى بالحصباء أصرت والدته الإمبراطورة على معالجته بطريقة شائعة في بعض أنحاء إنجلترا، فكانوا يعرضون المحموم للاستحمام بالماء المثلج عدة مرات في اليوم، وكانوا يغيرون ملابسه وفراشه كل يوم، فحدث من ذلك أن أصيب الأمير ببرج حاد شديد في أذنه اليسرى، ومنذ ذلك اليوم وهذه العلة تؤلمه وتهيج أعصابه شاباً وكهلاً ورجلاً).
اقرأ في العدد الآتي (خوف الإمبراطور من العدوى - حكايات عن ذلك - وصف
стр. 1432
مطبوعات جديدة
كتاب المعاملات في الشريعة الإسلامية والقوانين المصرية
للأستاذ الشيخ أحمد أبي الفتوح
مدرس الشريعة الإسلامية بمدرسة الحقوق الخديوية
بارك الله في الأستاذين الجليلين محمد زيد الأبياني بك أستاذ الشريعة الإسلامية في مدرسة الحقوق وأحمد أبي الفتوح أستاذ الشريعة الإسلامية كذلك في مدرسة الحقوق فقد سهلا الحزن وعبدا الطريق وقربا منال الحنيفية السمحاء بوضع الأول شرحيه الصغير والكبير للأحوال الشخصية وبأن وضع توأمه الأستاذ أحمد أبو الفتوح هذا الكتاب النافع الجليل الذي نحن بصدده اليوم، كتاب يقع في جلدين يحتوي الجلد الأول منهما على ٢٢٤ صفحة ويحتوي الثاني ٤٠٠ أما الكتاب فهو الغاية في بابه وموضوعه ظاهر من عنوانه يحتاج إليه الزارع والتاجر والعالم والمتعلم والمحامي والقاضي. وقد افتتحه بمقدمات نافعة آية في الإبداع في تاريخ الشرائع وكيف تستنبط الأحكام من مصادرها وتاريخ الأئمة الأربعة وأسباب اختلاف المجتهدين وما إلى ذلك وقد جعل ثمن الكتاب خمسين قرشاً فنرجو له الذيوع الذي يستحقه.
أبطال العالم
ظهر اليوم أول بطل من سلسلة أبطال العالم سفر يقع في ١٨٠ صفحة خصيص بتاريخ اللورد بيرون شاعر الإنكليز الأكبر في القرن التاسع عشر ومختارات قصائده ورواياته بقلم محمد السباعي، يبتدئ هذا السفر بمقدمة لصاحب هذه المجلة ثم بصورة اللورد بيرون فتاريخه، وليس هذا التاريخ سجلاً كسجلاتنا التاريخية، وإنما هو تحليل للشاعر ونقد شعره وأخلاقه في أسلوب شائق لذيذ للغاية، ويتخلل ذلك مختارات قصائده المشهورة مثل أسير شيلون وقصيدته المسماة الحلم ورثائه أمة اليونان القديمة وغادة أثينا وقصة الكافر وقصيدة القبصان وقصيدة تشايلد هارولد وأبياته في الحرية والرحيل وأبياته في البحر وواقعة واترلوا ومقتل المصارع ومسرح روما ووصف الحياة ورثاء ابنته والوداع والعودة والنعيم في الأمل والأحلام وشعره في الحب والحياة ورواية عروس عبدوس. . . الخ.
وفي تضاعيف ذلك يرى القارئ الفصول الشائقة عن الشاعر وأطواره وغرائب أخلاقه
стр. 1433
وسيرته مع زوجته وحبائبه، ذلك كله إلى بلاغة الأسلوب وجزالة العبارة حتى أن قارئ هذا الكتاب يفيد منه لغة وأدباً وتاريخاً ومعاني شتى في فلسفة الحياة ومشاعر النفس الإنسانية، وقد جعلنا ثمن الكتاب على هذا كله أربعة قروش يدخلها أجرة البريد ومن أحب أن يشترك في سلسلة أبطال العالم فقيمة الاشتراط في كل خمسة أبطال عشرون قرشاً ترسل حوالة إلينا.
نقابات التعاون الزراعية
نظامها وتاريخها وثمراتها في مصر وأوروبا
تأليف الأستاذ المحامي عبد الرحمن الرافعي
قل من يجهل الأستاذ عبد الرحمن الرافعي وكفاءته واقتداره وجده وتوفره على العمل، عمل كل ما يفيد أبناء العربية. وقد وضع أخيراً كتاباً جامعاً حافلاً أسماه هذا الاسم وهو يقع في ٣٤٦ صفحة من طراز البيان مطبوع طبعاً نظيفاً على ورق جيد وثمنه عشرة قروش صاغ وليس بنا أن نشرح وجه الحاجة إلى اقتناء هذا الكتاب ولاسيما حاجة الزارعين وأرباب النقابات الزراعية.
عالم الحرب
تاريخ الحرب الكبرى
ستظهر إدارة مجلة البيان في أول الشهر القادم عملاً عظيماً جداً لم يسبق إليه. ذلك هو أسفار خصيصة بهذه الحرب الكبرى في طراز بين المجلات والصحف يحتوي كل عدد منها على ٢٠ صفحة اثنتا عشرة منها ينشر فيها أطيب ما يكتبه كتاب الغرب في تواليفهم ورواياتهم ومجلاتهم الشهيرة عن هذه الحرب من أخبار تاريخية وطرف ونوادر وروايات وغرائب مدهشة لذيذة جداً - وتصور كل ما له صلة بهذه الحرب من ملوك وأمراء وقواد وجنود ومناظر مدائن ووقائع وما إلى ذلك - وثمانية منها خصيصة بتاريخ هذه الحرب وأسبابها ونتائجها ومعداتها والأمم الملتحمة فيها في أسلوب جميل ممتع معن عن كل ما كتب ويكتب في تاريخ هذه الحرب فضلاً عن التصوير الجميل الذي سيسر الناظرين - وستكون الصحائف المفردة للتاريخ منفصلة عن القسم الأول (عالم الحرب) وإن كانا في
стр. 1434
غلاف واحد بحيث يتسنى ضمها إلى أخواتها فيكون منها بعد ذلك لدى القارئين كتاب حافل جامع في تاريخ هذه الحرب - وورق هذه الأسفار جيد جداً وطبعها نظيف للغاية. ويظهر منها في الشهر ثلاثة أعداد إلى ستة حسب الرواج وثمن العدد الواحد قرش صاغ واحد وقيمة الاشتراك عن كل شهرين ثمانية قروش ترسل حوالة على البريد باسم عبد الرحمن البرقوقي صاحب مجلة البيان وأبطال العالم بمصر - الإدارة بشارع عيط العدد نمرة / ١٨ /.
تاريخ حرب السبعين
أعاد جناب يوسف توما البستاني طبع حرب فرنسا وألمانيا، تلك الحرب المعروفة بحرب السبعين بعد أن طبعه منذ سنتين ونفدت طبعته وقد جعل ثمنه خمسة قروش.
стр. 1435
العدد ٢١ - بتاريخ: ١ - ١٠ - ١٩١٤
стр. 1436
خطتنا الجديدة
أرسلنا منذ أيام إلى جميع قرائنا صحيفة شرحنا فيها خطة البيان الجديدة. وإن ما كتبناه هناك يتلخص في هذه الكلمات سيظهر البيان من الآن مرتين في كل شهر وسنفرد عدد صفحات من كل عدد لتاريخ الحرب تكون بأرقام منفصلة عن أرقام صفحات البيان الأخرى انظر تاريخ الحرب الكبرى وسنعنى علاوة على ذلك بنشر أطيب ما كتبه ويكتبه فطاحل كتاب الغرب حول هذه الحرب من مذكرات سرية غريبة وروايات خطيرة وشذرات شائقة لذيذة وليس من عزمنا أن نغفل الموضوعات الأدبية والعلمية الأخرى التي لا صلة لها بالحرب بيد أننا سنضر صفحاً عن الموضوعات الطويلة التي كانت تنشر في البيان تباعاً مثل أميل وحضارة العرب في الأندلس ودون جوان وتقوم من حين إلى حين بطبعها على حدة في أجزاء مستقلة ونرسلها إلى قرائنا الحقيقيين الذين بادروا ويبادرون بدفع المطلوب منهم للبيان. ومن هنا انتفى الجور وصرنا غير مقصرين مع قراء البيان الأصليين بل على العكس صاروا هم الفائزين وبذلك سيكون البيان من الآن كأنه عمل مستأنف جديد لا ترتبط موضوعاته بالموضوعات التي نشرت في الأعداد والسنين الماضية ومن ثم يسوغ لكل قارئ أن يشترك في البيان من ابتداء هذه الأعداد وقد جعلنا قيمة الاشتراك عن كل ثلاثة أشهر عشرة قروش صحيحة. وللأساتذة وطلبة العلم وتلاميذ المدارس ومتوسطي الحال من الموظفين خمسة قروش عن كل شهرين ومتى رأينا رواجاً لهذا العمل وإقبالاً من قراء العربية محموداً أظهرنا البيان في هذا الطراز نفسه كل أسبوع لا كل أسبوعين وإذ من المعلوم الذي لا خفاء به أن مباحث البيان وغير البيان إما أن تكون علمية وإما أن تكون أدبية، لذلك ولأن مباحث الحرب أصبحت في نظر البيان ذات بال حتى كأنها فن آخر رأينا أن نجعل موضوعات كل عدد منطوية في هذه الأبواب الثلاث - عالم الأدب - عالم العلم - عالم الحرب - والله الموفق والمعين.
стр. 1437
عالم الأدب
ننشر في هذا الباب أطيب الرسائل والمقالات المنوعة في الأدب والأخلاق والاجتماع والتربية والفلسفة وحياة العظماء والقطع المختارة من الروايات النافعة المفيدة والشذرات الجميلة من شتى المنظوم والمنثور والنوادر المختلفة والفكاهات والملح. ونذيل ذلك كله بنقد الكتب العربية التي تظهر في الأسبوعين.
شذرات من فلسفة الشاعر موسية
الملاحدة
رأى هؤلاء الملاحدة الفقير ينزل على جور الغني، والضعيف يرضى بظلم القوي رأوه يقول لنفسه في نجواه ليعسفني الأغنياء في هذه الأرض، وليرهقني الأقوياء فإني لواقف يوم القيامة على باب الجنة، أحول بينهم وبين عرائشها ومقاصيرها شاكياً إلى الله سوء ما لقيت، رافعاً إليه الظلامات التي عانيت ثم رأوا المسكين وا أسفاه يعتصم من هذه المسلاة بالصبر، ويعدل من هذه المناجاة إلى الراحة والسكون، عند ذلك يهيبون به وما بالك تخلد إلى الصبر حتى يوم العدل، وليس هناك من عدل، وترتقب الأبدية لتأخذ بثارك وتظفر بترتك، وليس من أبدية، إنك لتجمع قطرات الدمع التي فاضت بها عينك، وتدخر لآلئ العبرات التي ذرفها أطفالك وسكبتها زوجتك، وتختزن صيحات أفراخك، وعولات صبيانك، وأنات امرأتك، لتحملها يوم الحساب إلى ربك، وليس ثمة من رب.
فلو سمع الفقير ذلك زجر دمعه، وكفكف غرب عبرته، وحظر على امرأته الشكاة ومنعها الأنين، وعمد إلى بنيه فصحبهم إلى العقل خفيف الروح مرير القوى، شديد المراس. إنه ليصرخ إذ ذاك في وجه الغنى أنت يا من كنت تظلمني وتعسف، لست إلا رجلاً مثلي، وإنه ليصيح بالقسيس أنت يا من كنت توجرني السلوى، وتجرعني العزاء، لقد كنت تكذبني.
هذا ما يريد الملاحدة، هذا ما يطلب أعداء المؤمنين، ولعلهم يعتقدون أنهم بهذا يريدون السعادة للناس، بتحريضهم الفقراء على الحرب للحرية.
ولكن أربعوا على أنفسكم أيها الملاحدة، إنه لو تعلم الفقير يوماً أن القساوسة تخدعه، وإن الأغنياء تنهبه وتجيعه، وإن الناس جميعاً في الحقوق سواء. وإن الخير كله في هذا العالم،
стр. 1438
ولو ركن إلى نفسه وحدها وإلى قوة ذراعيه، فلعله قائل يوماً الحرب الحرب على الأغنياء! لي مثلهم نعمى هذه الأرض وبهجتها، إذ ليس هناك غيرها. لي الأرض! إذ كانت السماء خلوا فضاء، لي بل وللجميع، إذ كان الجميع في الحق سواء، فليت شعري أيها العقلاء المنطقيون الأعلام، ماذا تراكم قائلين له إذا عاد من هذه الحرب بالهزيمة، ورجع من الملحمة بخيبة المسعي؟.
أنتم ولاشك قوم أخيار محسنون وأنتم على حق في تدبير مستقبلكم، وسيأتي اليوم الذي فيه تسعدون، أما اليوم فنحن لا نستطيع أن نسعدكم ولا نستطيع أن نرضيكم الآن يقول الظالم لي الأرض!. . فيرد عليه المظلوم ولي السماء! ولكن بماذا هو مجيب إذا انكفأ من الحرب على الظالم مذموماً مدحوراً؟.
عبادة الملحدين
نعم - ولسوء الحظ - إن في الاجتراء على الله والتسخط عليه ترويحاً عظيماً للقلب المفعم المترع إن الملحد الذي يخرج ساعته من جيبه فيفرد بضع دقائق الله يتمرد فيها عليه ويثور ويلعن ويشتم، برى في هذه الدقائق القليلة كأنه استرجع لذة شقية شريرة، بل إنها لنوبة عصبية من نوبات اليأس، إنها لاستصراخة في الحقيقة بكل قوى السماء، إنها مخلوق شقي ضعيف يئن تحت القدم التي تسحقه، هي صيحة يأس عظيمة - ولكن من يعلم؟ لعلها في عين الذي يرى كل شيء نوع من أنواع الصلاة، وضرب من ضروب التسبيح.
عباس حلفظ
فردريك نيتشه الفيلسوف الألماني
ليست الفلاسفة جميعاً باجاً واحداً، بل هم ضربان مختلفان، وفريقان متباينان، فمنهم من نسميهم بالفلاسفة الأكاديميين أو النظريين، وهم أصحاب النظريات والطوبويات والمذاهب المتباينة المتعددة، وأولئك أمثال لوك وهوبز وهملتون وكونت وكانت وستوارت مل وسبنسر وغيرهم، ومنهم من ندعوهم بالإصلاحيين العمليين، مثل لوثر وروسو وفولتير وشوبنهور، أما الأولون فيفيدون الفكر الإنساني أكثر مما يخدمون الإنسانية نفسها، هم يعملون على توسيع نطاق العقل وتجديد ضروب المنطق والتخريج والتدليل، على نحو ما ترى من أصحاب الفرق والنحل في الإسلام، وأما الآخرون فهم الذين في حرب شديدة مع
стр. 1439
أبناء أجيالهم، هم الهادموا القديم البانوا الجديد، هم خدام الإنسانية العمليون، ومصلحوها الحقيقيون، وفي رأس هؤلاء يقف فردريك نيتشه الفيلسوف المتوقد المستعر العظيم.
ونحن مقدمون إلى القراء شذرات غريبة من حياة هذا الرجل الغريب المجنون في نظر أعدائه وكارهيه. وأعقل العقلاء في أعين شيعته ومريديه ومنصفيه، ومنه يتبين القراء كيف تعيش العظمة، وكيف يكون العبقري خارجاً على طبائع الناس شاذاً متمرداً على أخلاق الطبيعة، متوثباً متهجماً على شرائع العالم، وإننا مازلنا نري صاحب العبقرية عرضة لأن يموت في مستشفى أو سجن أو مثقلاً بالدين أو موصوفاً بلوثة أو سبة.
من أبدع ما وقع من الاتفاق إن هذا الرجل الذي كان أعدى أعداء الديمقراطية وأشد الأرستقراطيين كبراً وشمماً وزهواً وأرستقراطية، وأشدهم بغضاً لكل ما هو حقير - يحمل اسم نيتشة ومعناها في اللغة البولندية الرجل الحقير!.
بل أغرب من ذلك وأعجب أن نيتشة الخارج على المسيحية الواقع في تعاليمها الشائم لمبادئها، كان وهو غلام يتمنى على الله أن يصبح قسيساً كوالده، وكان يلقب في المدرسة القس نيتشه!
ثم لم يكد يجوز الربيع العشرين وهو في الجامعة، حتى بدأ هذا القس الغلام يخلع عنه الرداء المسيحي الذي خلعه عليه آباؤه وأجداده، بل تصور لنفسك مقدار دهشة أمه ابنة القسيس واستنكارها لولدها إذ رفض الفتى نيتشة يوم شم النسيم سنة ١٨٦٥ أن يأتي كما هي العادة إلى العشاء الرباني وقد كتب يوماً وهو في المدرسة إلى أته وكانت تغار عليه من الريح إذا كنت تطلبين اطمئنان الروح وسعادة القلب فاعتقدي، وأما إذا كنت تريدين أن تكوني من خدام الحق ففكري ونقبي!.
وقد تعرف وهو شاب بواجنر أكبر الموسيقيين في العالم كله وكانت دار الموسيقى غير بعيدة عن داره، فلم يلبث أن أصبح الشاب نيتشه من المتحمسين لمذهب واجنر في الموسيقى الغاضبين له الناضجين عنه، وكان لواجنر في ذلك العهد أعداء كثر، فكم يوم مشرق جميل بهيج قضاه نيتشه في دار واجنر، وكم من لقاء حلو دار وحديث لذا طورح، ومضت أيام فأصبح نيتشه أعز عزيز في البيت وأحب زائر وأخلب جليس وكانت كوزما زوجة واجنر تميل إليه وتحب قربه، وتصبو إلى سمره، حتى لقد كانت توصيه بشراء
стр. 1440
اللعبات لأطفالها.
ولما ظهر كتابه (منشأ التراجيديا) وهو باكورة كتبه لم يصادف من الجمهور إلا الاشمئزاز والتأفف والإعراض، بل أنه لم يجد في أول الأمر من أصحاب المطابع من يرضى بطبعه، وكان هذا الكتاب تحية من نيتشه لواجنر، ودفاعاً عنه وإعلاء لذكره وتشييداً بمكانه، وليس من ريب في أن الموسيقي وزوجته قابلاً الكتاب بالهتاف والتصفيق والترحاب على الرغم من اشمئزاز الجمهور وتأففه، وأما الأساتذة رصفاء نيتشه فهزوا له أكتافهم، بل قال أستاذ منهم لتلاميذه (إن الكتاب سخافة بحتة لا معنى لها) وحتى أصبح الناس ينصحون للشبان بأن لا يذهبوا لتلقي علم اللغة في جامعة بال.
ولا تسل عن حزن نيتشه وابتئاسه، أضف إلى ذلك أن وجنر ترك منزله في لوزون، فحرم نيتشه كذلك لقاء كوزما وسمرها وحديثها الرطب الجميل وكان هذا الرحيل ممهداً للجفاء بين الفيلسوف والموسيقار ومدعاة للقطيعة والعداء، نعم إن نيتشه عمل كل ما في سعته بقلمه وحبيبه لإنجاح واجنر والصعود به ذروة الشهرة الخالدة ولكن كان نيتشه في الوقت نفسه يخشى أن يعد واجنر يا ليس إلا وأن لا يحترم لقيمته الشخصية، وكان الجفاء ينمو بينهما ويكبر ويزداد وإن لم يصارح أحدهما به الآخر نعم إن واجنر ولا ريب كان ينظر بعض الأحيان إلى نيتشه كآلة من آلات شهرته ولكن أي رجل يلقى في طريقه عبقرية كهذه ولا يستخدمها لصالحه؟ على أن واجنر كان رفيقاً بصاحبه حدباً عليه مكرماً له، وكان يهتم بشأنه ويعني بحاله. ولو كان نيتشه اتبع نصيحة واجنر له وهي (تزوج يا صاح ثم سح) فمن يدري لعلنا كنا مبصرين من نيتشه أعظم من هذا وأسمى؟.
ومرض نيتشه مرضاً شديداً فانتقل إلى إيطاليا طلباً للصحة واسترجاعاً للعافية وكان وهو في مدينة جنوه يعيش أخشن العيش، ويحيا حياة البؤساء، بل كان يجهز طعامه التافه بيده على السبرتو وكان إذا انتابه الصداع - وكثيراً كان ينتابه - يلقي بنفسه بعد العشاء متبطي على المتكأ غير مستصبح بمصباح، وكان يتشاور الجيران في أمره قائلين بعضهم لبعض إنه لفقير، لا يستطيع أن يوقد ولو شمعة واحدة ولذلك جاؤوه يوماً بمصباح، فكان يشكرهم نيتشه ويشرح لهم أوجاعه وعذابه ولكنهم كانوا لا يقولون عنه إلا (جارنا القديس).
ولما كان في نابولي مع صديق له تعرف بآنسة تدعى (مايسنباج) سيدة حلوة المحضر
следующие страницы →