← Адаб

Адаб · id 73348

مجلة البيان للبرقوقي

البرقوقي

Полный текст (3 596 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

خطتنا الجديدة أرسلنا منذ أيام إلى جميع قرائنا صحيفة شرحنا فيها خطة البيان الجديدة. وإن ما كتبناه هناك يتلخص في هذه الكلمات سيظهر البيان من الآن مرتين في كل شهر وسنفرد عدد صفحات من كل عدد لتاريخ الحرب تكون بأرقام منفصلة عن أرقام صفحات البيان الأخرى انظر تاريخ الحرب الكبرى وسنعنى علاوة على ذلك بنشر أطيب ما كتبه ويكتبه فطاحل كتاب الغرب حول هذه الحرب من مذكرات سرية غريبة وروايات خطيرة وشذرات شائقة لذيذة وليس من عزمنا أن نغفل الموضوعات الأدبية والعلمية الأخرى التي لا صلة لها بالحرب بيد أننا سنضر صفحاً عن الموضوعات الطويلة التي كانت تنشر في البيان تباعاً مثل أميل وحضارة العرب في الأندلس ودون جوان وتقوم من حين إلى حين بطبعها على حدة في أجزاء مستقلة ونرسلها إلى قرائنا الحقيقيين الذين بادروا ويبادرون بدفع المطلوب منهم للبيان. ومن هنا انتفى الجور وصرنا غير مقصرين مع قراء البيان الأصليين بل على العكس صاروا هم الفائزين وبذلك سيكون البيان من الآن كأنه عمل مستأنف جديد لا ترتبط موضوعاته بالموضوعات التي نشرت في الأعداد والسنين الماضية ومن ثم يسوغ لكل قارئ أن يشترك في البيان من ابتداء هذه الأعداد وقد جعلنا قيمة الاشتراك عن كل ثلاثة أشهر عشرة قروش صحيحة. وللأساتذة وطلبة العلم وتلاميذ المدارس ومتوسطي الحال من الموظفين خمسة قروش عن كل شهرين ومتى رأينا رواجاً لهذا العمل وإقبالاً من قراء العربية محموداً أظهرنا البيان في هذا الطراز نفسه كل أسبوع لا كل أسبوعين وإذ من المعلوم الذي لا خفاء به أن مباحث البيان وغير البيان إما أن تكون علمية وإما أن تكون أدبية، لذلك ولأن مباحث الحرب أصبحت في نظر البيان ذات بال حتى كأنها فن آخر رأينا أن نجعل موضوعات كل عدد منطوية في هذه الأبواب الثلاث - عالم الأدب - عالم العلم - عالم الحرب - والله الموفق والمعين.

стр. 1437

عالم الأدب ننشر في هذا الباب أطيب الرسائل والمقالات المنوعة في الأدب والأخلاق والاجتماع والتربية والفلسفة وحياة العظماء والقطع المختارة من الروايات النافعة المفيدة والشذرات الجميلة من شتى المنظوم والمنثور والنوادر المختلفة والفكاهات والملح. ونذيل ذلك كله بنقد الكتب العربية التي تظهر في الأسبوعين. شذرات من فلسفة الشاعر موسية الملاحدة رأى هؤلاء الملاحدة الفقير ينزل على جور الغني، والضعيف يرضى بظلم القوي رأوه يقول لنفسه في نجواه ليعسفني الأغنياء في هذه الأرض، وليرهقني الأقوياء فإني لواقف يوم القيامة على باب الجنة، أحول بينهم وبين عرائشها ومقاصيرها شاكياً إلى الله سوء ما لقيت، رافعاً إليه الظلامات التي عانيت ثم رأوا المسكين وا أسفاه يعتصم من هذه المسلاة بالصبر، ويعدل من هذه المناجاة إلى الراحة والسكون، عند ذلك يهيبون به وما بالك تخلد إلى الصبر حتى يوم العدل، وليس هناك من عدل، وترتقب الأبدية لتأخذ بثارك وتظفر بترتك، وليس من أبدية، إنك لتجمع قطرات الدمع التي فاضت بها عينك، وتدخر لآلئ العبرات التي ذرفها أطفالك وسكبتها زوجتك، وتختزن صيحات أفراخك، وعولات صبيانك، وأنات امرأتك، لتحملها يوم الحساب إلى ربك، وليس ثمة من رب. فلو سمع الفقير ذلك زجر دمعه، وكفكف غرب عبرته، وحظر على امرأته الشكاة ومنعها الأنين، وعمد إلى بنيه فصحبهم إلى العقل خفيف الروح مرير القوى، شديد المراس. إنه ليصرخ إذ ذاك في وجه الغنى أنت يا من كنت تظلمني وتعسف، لست إلا رجلاً مثلي، وإنه ليصيح بالقسيس أنت يا من كنت توجرني السلوى، وتجرعني العزاء، لقد كنت تكذبني. هذا ما يريد الملاحدة، هذا ما يطلب أعداء المؤمنين، ولعلهم يعتقدون أنهم بهذا يريدون السعادة للناس، بتحريضهم الفقراء على الحرب للحرية. ولكن أربعوا على أنفسكم أيها الملاحدة، إنه لو تعلم الفقير يوماً أن القساوسة تخدعه، وإن الأغنياء تنهبه وتجيعه، وإن الناس جميعاً في الحقوق سواء. وإن الخير كله في هذا العالم،

стр. 1438

ولو ركن إلى نفسه وحدها وإلى قوة ذراعيه، فلعله قائل يوماً الحرب الحرب على الأغنياء! لي مثلهم نعمى هذه الأرض وبهجتها، إذ ليس هناك غيرها. لي الأرض! إذ كانت السماء خلوا فضاء، لي بل وللجميع، إذ كان الجميع في الحق سواء، فليت شعري أيها العقلاء المنطقيون الأعلام، ماذا تراكم قائلين له إذا عاد من هذه الحرب بالهزيمة، ورجع من الملحمة بخيبة المسعي؟. أنتم ولاشك قوم أخيار محسنون وأنتم على حق في تدبير مستقبلكم، وسيأتي اليوم الذي فيه تسعدون، أما اليوم فنحن لا نستطيع أن نسعدكم ولا نستطيع أن نرضيكم الآن يقول الظالم لي الأرض!. . فيرد عليه المظلوم ولي السماء! ولكن بماذا هو مجيب إذا انكفأ من الحرب على الظالم مذموماً مدحوراً؟. عبادة الملحدين نعم - ولسوء الحظ - إن في الاجتراء على الله والتسخط عليه ترويحاً عظيماً للقلب المفعم المترع إن الملحد الذي يخرج ساعته من جيبه فيفرد بضع دقائق الله يتمرد فيها عليه ويثور ويلعن ويشتم، برى في هذه الدقائق القليلة كأنه استرجع لذة شقية شريرة، بل إنها لنوبة عصبية من نوبات اليأس، إنها لاستصراخة في الحقيقة بكل قوى السماء، إنها مخلوق شقي ضعيف يئن تحت القدم التي تسحقه، هي صيحة يأس عظيمة - ولكن من يعلم؟ لعلها في عين الذي يرى كل شيء نوع من أنواع الصلاة، وضرب من ضروب التسبيح. عباس حلفظ فردريك نيتشه الفيلسوف الألماني ليست الفلاسفة جميعاً باجاً واحداً، بل هم ضربان مختلفان، وفريقان متباينان، فمنهم من نسميهم بالفلاسفة الأكاديميين أو النظريين، وهم أصحاب النظريات والطوبويات والمذاهب المتباينة المتعددة، وأولئك أمثال لوك وهوبز وهملتون وكونت وكانت وستوارت مل وسبنسر وغيرهم، ومنهم من ندعوهم بالإصلاحيين العمليين، مثل لوثر وروسو وفولتير وشوبنهور، أما الأولون فيفيدون الفكر الإنساني أكثر مما يخدمون الإنسانية نفسها، هم يعملون على توسيع نطاق العقل وتجديد ضروب المنطق والتخريج والتدليل، على نحو ما ترى من أصحاب الفرق والنحل في الإسلام، وأما الآخرون فهم الذين في حرب شديدة مع

стр. 1439

أبناء أجيالهم، هم الهادموا القديم البانوا الجديد، هم خدام الإنسانية العمليون، ومصلحوها الحقيقيون، وفي رأس هؤلاء يقف فردريك نيتشه الفيلسوف المتوقد المستعر العظيم. ونحن مقدمون إلى القراء شذرات غريبة من حياة هذا الرجل الغريب المجنون في نظر أعدائه وكارهيه. وأعقل العقلاء في أعين شيعته ومريديه ومنصفيه، ومنه يتبين القراء كيف تعيش العظمة، وكيف يكون العبقري خارجاً على طبائع الناس شاذاً متمرداً على أخلاق الطبيعة، متوثباً متهجماً على شرائع العالم، وإننا مازلنا نري صاحب العبقرية عرضة لأن يموت في مستشفى أو سجن أو مثقلاً بالدين أو موصوفاً بلوثة أو سبة. من أبدع ما وقع من الاتفاق إن هذا الرجل الذي كان أعدى أعداء الديمقراطية وأشد الأرستقراطيين كبراً وشمماً وزهواً وأرستقراطية، وأشدهم بغضاً لكل ما هو حقير - يحمل اسم نيتشة ومعناها في اللغة البولندية الرجل الحقير!. بل أغرب من ذلك وأعجب أن نيتشة الخارج على المسيحية الواقع في تعاليمها الشائم لمبادئها، كان وهو غلام يتمنى على الله أن يصبح قسيساً كوالده، وكان يلقب في المدرسة القس نيتشه! ثم لم يكد يجوز الربيع العشرين وهو في الجامعة، حتى بدأ هذا القس الغلام يخلع عنه الرداء المسيحي الذي خلعه عليه آباؤه وأجداده، بل تصور لنفسك مقدار دهشة أمه ابنة القسيس واستنكارها لولدها إذ رفض الفتى نيتشة يوم شم النسيم سنة ١٨٦٥ أن يأتي كما هي العادة إلى العشاء الرباني وقد كتب يوماً وهو في المدرسة إلى أته وكانت تغار عليه من الريح إذا كنت تطلبين اطمئنان الروح وسعادة القلب فاعتقدي، وأما إذا كنت تريدين أن تكوني من خدام الحق ففكري ونقبي!. وقد تعرف وهو شاب بواجنر أكبر الموسيقيين في العالم كله وكانت دار الموسيقى غير بعيدة عن داره، فلم يلبث أن أصبح الشاب نيتشه من المتحمسين لمذهب واجنر في الموسيقى الغاضبين له الناضجين عنه، وكان لواجنر في ذلك العهد أعداء كثر، فكم يوم مشرق جميل بهيج قضاه نيتشه في دار واجنر، وكم من لقاء حلو دار وحديث لذا طورح، ومضت أيام فأصبح نيتشه أعز عزيز في البيت وأحب زائر وأخلب جليس وكانت كوزما زوجة واجنر تميل إليه وتحب قربه، وتصبو إلى سمره، حتى لقد كانت توصيه بشراء

стр. 1440

اللعبات لأطفالها. ولما ظهر كتابه (منشأ التراجيديا) وهو باكورة كتبه لم يصادف من الجمهور إلا الاشمئزاز والتأفف والإعراض، بل أنه لم يجد في أول الأمر من أصحاب المطابع من يرضى بطبعه، وكان هذا الكتاب تحية من نيتشه لواجنر، ودفاعاً عنه وإعلاء لذكره وتشييداً بمكانه، وليس من ريب في أن الموسيقي وزوجته قابلاً الكتاب بالهتاف والتصفيق والترحاب على الرغم من اشمئزاز الجمهور وتأففه، وأما الأساتذة رصفاء نيتشه فهزوا له أكتافهم، بل قال أستاذ منهم لتلاميذه (إن الكتاب سخافة بحتة لا معنى لها) وحتى أصبح الناس ينصحون للشبان بأن لا يذهبوا لتلقي علم اللغة في جامعة بال. ولا تسل عن حزن نيتشه وابتئاسه، أضف إلى ذلك أن وجنر ترك منزله في لوزون، فحرم نيتشه كذلك لقاء كوزما وسمرها وحديثها الرطب الجميل وكان هذا الرحيل ممهداً للجفاء بين الفيلسوف والموسيقار ومدعاة للقطيعة والعداء، نعم إن نيتشه عمل كل ما في سعته بقلمه وحبيبه لإنجاح واجنر والصعود به ذروة الشهرة الخالدة ولكن كان نيتشه في الوقت نفسه يخشى أن يعد واجنر يا ليس إلا وأن لا يحترم لقيمته الشخصية، وكان الجفاء ينمو بينهما ويكبر ويزداد وإن لم يصارح أحدهما به الآخر نعم إن واجنر ولا ريب كان ينظر بعض الأحيان إلى نيتشه كآلة من آلات شهرته ولكن أي رجل يلقى في طريقه عبقرية كهذه ولا يستخدمها لصالحه؟ على أن واجنر كان رفيقاً بصاحبه حدباً عليه مكرماً له، وكان يهتم بشأنه ويعني بحاله. ولو كان نيتشه اتبع نصيحة واجنر له وهي (تزوج يا صاح ثم سح) فمن يدري لعلنا كنا مبصرين من نيتشه أعظم من هذا وأسمى؟. ومرض نيتشه مرضاً شديداً فانتقل إلى إيطاليا طلباً للصحة واسترجاعاً للعافية وكان وهو في مدينة جنوه يعيش أخشن العيش، ويحيا حياة البؤساء، بل كان يجهز طعامه التافه بيده على السبرتو وكان إذا انتابه الصداع - وكثيراً كان ينتابه - يلقي بنفسه بعد العشاء متبطي على المتكأ غير مستصبح بمصباح، وكان يتشاور الجيران في أمره قائلين بعضهم لبعض إنه لفقير، لا يستطيع أن يوقد ولو شمعة واحدة ولذلك جاؤوه يوماً بمصباح، فكان يشكرهم نيتشه ويشرح لهم أوجاعه وعذابه ولكنهم كانوا لا يقولون عنه إلا (جارنا القديس). ولما كان في نابولي مع صديق له تعرف بآنسة تدعى (مايسنباج) سيدة حلوة المحضر

стр. 1441

جذابة الحديث، لها في الأدب قسط، ومن القلم نصيب، ولقد فرح بها نيتشه فرحاً عظيماً، فكتبت له يوماً وهو في وحدته في جنوه تدعوه لزيارة روما فأذعن، وكانت ترأمه كما ترأم الأم وليدها، وكانت تعطف عليه وتهتم له، وكانت تريد أن تجد له زوجة تكون برداً على روحه الحزينة الوحيدة وسلاماً، بل أن نيتشه نفسه كتب إليها يوماً لا أكذبك حاجتي، أنا لا أريد إلا امرأة فوجدت من توسمت فيها الخير لهذا الفيلسوف الجوالة الهائم الحزين، وهي الآنسة سالومية، فتاة حسناء. فاتنة لم تكن جازت العشرين، فما وقع بصر نيتشه عليها حتى نزلت في حبة فؤاده، وما لبث أن راح في جمالها صبا مدلها، ومضي دهر فسألها الزواج ولكنها قابلت ذلك بالرفض فظل مع ذلك في قربها شهرين آخرين. ولكن لم يلبث أن تقاطعا وتهاجرا بغتة واحدة، ولا يعرف أحد من الناس ماذا كان يجري وراء الستار، لأن سالومية نفسها وأخت نيتشه قد سكتا عن ذلك حتى اليوم ولا يريدان أن يشرحا لنا أسرار هذه المأساة الكوميدية، ولم يخسر نيتشه فقط هذه الرفيقة الجميلة الحسناء - هذه المرأة الفاتنة التي أراد أن يظفر منها بالزوجة المخلصة الحنون العطوف، بل خسر من أجلها صداقة عزيز لديه وصاحب من أكرم صحبه عليه وهو صديقه (ري) لأنه اتهمه بالخيانة، وارتاب في سلوكه مع سالومية. وكان نيتشه يميل إلى النكتة القارصة، قالت له يوماً سيدة إنكليزية مهزولة البدن غير موفورة الصحة نحيلة اللحم (أنا عالمة يا مستر نيتشه بأنك تاتب، فلهذا أريد أن أقرأ كتبك) فما كان منه إلا أن أجاب (كلا، إني لا أريدك أن تقرأي كتبي، فإنه إذا كان ما كتبته حقاً فإن امرأة ضعيفة مثلك لا يجب أن تعيش!). وبدأ يعاني بعد ذلك آلام الأرق فكان يتحصن منه بالعقاقير، وأخذ مخه يضطرب رويداً في بطء، فقد كتب في سنة ١٨٨٨ إلى الآنسة ما ينسباج (لقد أخرجت للعالم أعمق كتاب، أنا أكبر رجل في أوروبا، أنا الكاتب الوحيد في ألمانيا). ووضع في تلك السنة وهو على هذه الحال من اضطراب الذهن كتاباً ساماً مراً مقذعاً في صديقه ومعبوده القديم واجنر يقول فيه، إن واجنر إن هو إلا ممثل وليس من الموسيقار في شيء، هو عارض من عوارض الحياة المنحطة الضئيلة المسكينة الفقيرة، هو أفعى سامة ذات ضوضاء وصليل، هو مثال الانحطاط التام الكامل، إن موسيقاه ليست إلا موسيقى

стр. 1442

مسيحية. وكان آخر كتاب كتبه هو () أي (أناهو) فكان ختاماً حلواً لموته الذهني، كتبه في أسابيع قليلة، هو رسالة لذيذة ولكنها محزنة، بقلة ناضرة، ولكن سامة، تطرف فيها وأبعد وبلغ بها أقصى حدود الرضى عن نفسه وأبعد تخوم الهو بها، وترى أسلوبه في هذه الاعترافات وثاباً طافراً قافزاً، وإليك عناوين الفصول الشائقة في الكتاب - لماذا أنا عاقل إلى هذا الحد - لماذا أنا نشيط إلى هذه الدرجة - لماذا أكتب هذه الكتب الحلوة الجميلة - أنا وهايني أعظم كتاب الألمانية في الأرض - لقد قمت بأعمال هائلة، أعمال لا يقدر عليها أي رجل في هذه الأيام، إن قراءة كتاب من كتبي لأعظم شرف يمكن للإنسان أن يظفر به، لم يكن هناك بسيكولوجيا قبلي. ووقع المصاب الأكبر في أوائل يناير سنة ١٨٨٩. جن نيتشه جنوناً متوحشاً مفترساً كطبقاً - كان كلامه صريخاً وحديثه شجاراً عنيفاً، كان يشتري أتفه السلع ويدفع في مقابلها الجنيه والجنيهين، كان يصور له الجنون أنه قاتل مشهور وأنه ملك إيطاليا وأنه. . . . الله. وكان يصيح في شوارع المدينة ويصرخ في السابلة تعالوا إلى السعادة!. . إني مجنوناً عشر سنوات طوال، وقضى نحبه في الخامس والعشرين من أغسطس عام ١٩٠٠ ملتهب الرئتين. هذا هو الرجل الذي قتلته الوحدة. وخنقه إهمال العصر، وذهب بلبه جهل الجيل. تناسخ الأرواح بقلم الأستاذ إبراهيم عبد القادر المازني كان لي صديق عريض الدعوى يزعم أنه عميد أهل العلم، وأمام أولى العرفان، وقبلة المحققين والمجتهدين، صاحبته دهراً فما عرضت لنا مسألة إلا ادعى أنه توفر حظه منها وأحاط بأصولها وفروعها، ووقف على جلائلها ودقائقها، ومن أقواله المأثورة التي يرويها عنه كل من أمتع به إن كل شيء أفعله له لو علمتم سبب يدفعني إليه فمن ذلك أن عنده قرداً صغيراً قد كلف به الكلف الشديد فسألته في ذلك مرة فقال: إنكم معشر الماديين لا تعرفون من الحقائق إلا ما يلمس باليد ولا تؤمنون إلا بما يناله الحس وتتطلع عليه المدارك

стр. 1443

على نقصها وعجزها أما ما وراء ذلك فلا قبل لكن به وكيف وأنتم لا تنظرون إلى أبعد من أنوفكم ولا تنضون رواحل أذهانكم إلا إلى ما ليس وراءه طائل من الأمور المادية فإذا سمعتم شيئاً عن الروح قلتم سخف وهراء. فإذا جادلنا كم قلتم هاتوا دليلا علمياً، أفحسبتم أن الروح مما يوضع في موازينكم الحساسة ويطحن في هاوونكم العلمي ويغلى ويحلل على نار (بنسن)؟ كلا! يا سيدي آمنوا بالروح فإنها حقيقة ثابتة لا مرية فيها، قلت ومن أنبأك إني لا أؤمن بها. قال ما كنت أحسبك إلا كغيرك ممن سدت المعامل في وجوههم منافذ النظر والتفكير. ثم اندفع يحدثني عن الروح وأنا أنظر إليه كمن غبى عنه معني ما يسمع ويقول إن الأرواح بعد الموت لا تفني ولا يتقاضاها ما يتقاضى الجسم من البلى بل تلبس أجساماً أخرى وكلما بلى بدن خلعته وإكتست غيره وكثيراً ما حدث أني أبصرت عصفوراً يعذبه أصحابه فابتعته منهم وأطلقته إذ ما يدريني لعل في جسم هذا العصفور وروح قريب لي أو عزيز علي ومن أجل هذا تراني أكرم هذا القرد وأبالغ في توفير أسباب الراحة له ثم أطرق وجعل ينكت الأرض بعصاه وقال بصوت خافت كأنما يحدث نفسه إلا من لي أن يرحم الناس هذا الروح التي بين جنبي إذا انتقلت إلى جثمان غير جثماني! ثم ودعته وانصرفت وأنفق لي بعد ذلك أن زرته فأبطأ على وكان في المكان قلم ودواة وورق فتناولتها وكتبت له هذه الرسالة على لسان القرد وتركتها تحت عينه: سيدي ومالك رقي لقد حرمتني المقادير نعمة النطق بما سلبتني من الإنسانية ووهبتني من الحيوية فلم يكن في مقدوري وهذه حالي من العجمة إن أفصح لسيدي عن شكري لصنائعه وأياديه وأكشف له عن حقيقة أمري حتى قيض الله لي هذه الأدوات فأحببت أن أقفه على ما يجهل من أمري جزاء ما قلدني من النعم وطوقني من المنن فليعلم سيدي إني كنت في أول حياتي وبدء نشأتي كبير البراهمة وعميدهم في الهند يرجعون إلى في الشدائد ويستصبحون برأيي في كل معضل من الأمور وعويصة من المسائل ولم أزل بينهم مسموع الكلمة محترم الرأي ملحوظ المنزلة حتى وافاني القدر المحتوم فنفضت عني رمتي وانتقلت إلى جسم آخر فلم أزل صاعداً في مدارج الشرف ومراتب الجاه حتى صرت وزيراً لبعض الملوك ولكن طبيعة الإمارة والحكم أفسدت من خلقي ولوثت طهارة البرهمي لما تدعو إليه من الظلم

стр. 1444

وتحمل عليه من الجو والتعسف وأخذ الناس بالقسوة والعنف في بعض المواطن وحمل الرعية على الطاعة والاحتفاظ بما في اليد من قوة ونفوذ والحرص على السيادة لاسيما في تلك الأعصر الأولى فزينت لي نفسي أن أستأثر بالأمر دون الملك وسولت لي أن أنزله عن سريره فدبرت لذلك مكيدة وتآمرت مع الساقي على أن يدس السم في كأس الملك ولكنه لسوء حظي أخطأ فناولني الكأس المسمومة فمت لساعتي بين يدي الملك ونجا الساقي اللعين بحياته غذ زعم عند الملك أنه تواطأ معي ليوقعني في شر أعمالي. وكأن الأقدار أرادت أن تسلط على بأس انتقامها وتجزيني بإساءتي الماضية فألبستني جلدة مصري فتزوجت امرأة جعلتني عبرة في الغابرين ومثلاً وأحدوثة في المتأخرين ولقيت من ذل العيش وثقل الدين وسوء العشرة ما جعلني أمضى سابقاً أجلي. وكانت هجرتي الثانية إلى قاض شرعي فذكرت ما كنت فيه من الدين والحاجة والفقر فقبضت يدي كل القبض وعشت عيالاً على الناس وحميلة على أهل البر حتى صرت بغيضاً إلى الناس مشنوءاً من صغارهم وكبارهم على السواء فعزلت لسوء سيرتي وشناعتها وقضيت بقية أيامي في بؤس وخصاصة. ثم صرت بعد ١لك نملة فسمكة ولو شئت أن أقص عليك كل أدوار حياتي وكيف تقلبت بي الأحوال. وتنقلت بي الظروف من مدرس إلى جرذ إلى عصفور لأحتجت إلى السنين الطوال لشرحها وتبيانها ولكن أذكرك يا سيدي بتلك الفتاة التي ملك عناتها حبك وخلب لبها فضلك وحسنك والتي كانت تطالعك مع الشمس من نافذتها كل صباح وتسهر لك الليل كل مساء حتى أصابها البرد وماتت، لترى يا سيدي أنا صديقان من قديم وإن ليست هذه أول مرة طوقتني فيها سلاسلك. فعسى أن تدوم لي نفحات برك لتقرن بين قديم النعم وحديثها وتجمع بين تالدها وطريفها. عبدك العاني - القرد فلما نزل صاحبنا ورأى القرد ينظر إلى الورقة ثم إليه تناولها وقرأها وما زال إلى اليوم في ليل من الشك مظلم لا يعلم أكتبتها له أم كتبها القرد.

стр. 1445

الكتب الكتب كالناس، منهم السيد الوقور، ومنهم الكيس الظريف، ومنهم الجميل الرائع، ومنهم الساذج الصادق، والأريب المخطئ، ومنهم الخائن والجاهل، والوضيع والخليع، والدنيا تتسع لكل هؤلاء، ولن تكون المكتبة كاملة إلا إذا كانت مثلاً كاملاً للدنيا. يقول المرشدون اقرأ ما ينفعك، ولكني أقول بل انتفع مما تقرأ - إذ كيف تعرف ما ينفعك من الكتب قبل قراءته؟؟. إن القارئ الذي لا يقرأ إلا الكتب المنتقاة كالمريض الذي لا يأكل إلا الأطعمة المنتقاة يدل ذلك على ضعف المعدة أكثر مما يدل على جودة الشهية. واعلم أن من الكتب الغث والسمين، وإن من الكتب الغث والسمين، وأن السمين يفد المعدة الضعيفة، وما من طعام غث إلا والمعدة القوية مستخرجة منه مادة غذاء ودم حياة وفتاء، فإن كنت ضعيف المعدة فتحام السمين كما تتحامى الغث، وإن كنت من ذوي المعدات القوية فاعلم أن لك من كل طعام غذاء صالحاً. وإن من نظر أنت تراه فلا تود أن تراه بعدها، أو صوت تسمعه ثم لا تحب أن تسمعه آخر العمر، فلا أدري من أين داخل عامة القراء إن الكتاب إنما يقرأ قراءة واحدة، مع أن الكتاب أخفى رموزاً وأكثر مناحي نظر من المنظر والصوت، وأنت تنمو بعقلك أكثر من نموك بحواسك، فأنت أحرى أن تعاود النظر فيما يمتحن به نمو الفكر، وعندي أن من كان يفهم أن قراءة الكتاب شيء غير الإتيان على كلماته، وأن درسه غير استظهار صفحاته، عليه أن يكرر قراءته كلما استطاع، وأن كتاباً تعيد قراءاته مرتين لأغني وأكثر من كتابين تقرأ كلاً منهما مرة واحدة. ثم اعلم أنه ليس بأنفس الكتب ولا بأجلها الكتاب الذي تتوق إلى إعادته بعد قراءته. وليس بأفرغ الكتب ولا بأقلها الكتاب الذي تقنع بتركه بعد الفراغ منه. فإنك ربما صادفك الكتاب الأجوف المغلق فأعجبتك رنته فجعلت تقلبه على كل جنب لعلك أن تخلص إلى لبابه ولا لباب له. وربما صادفك الكتاب القيم الشافي فانتهيت إلى آخره مرتاحاً مصدقاً فقنعت بذلك منه. وقد عهدنا الناس يمنعهم البخيل فيراجعونه ويلحون عليه، ويعطيهم المنعم الكريم فيهجرونه ويعرضون عنه، وتلك ضرائبهم في مصاحبة الكتب، فلا تكن في المطالعة من هؤلاء.

стр. 1446

وطريقتي في القراءة أن لا أذهب مع الطرف في الصحيفة إلا ريثما أذهب مع الفكر في نفسي، فقد أتناول الكتاب أبدأ فيه حيث أبدأ إذا كان من غير الكتب التي يلتزم فيها الترتيب والتعقيب، فيستوقفني رأي أو عبارة تفتح لي باباً من البحث والروية فأمضى معها وأطوي الكتاب فلا أنظر فيه بقية ذلك اليوم أو انتقل منه إلى كتاب آخر، وأجد هذا التوجيه في أنفس الكتب كما أجده في أردئها فلا أميز بينها في الابتداء، ولا يكاد يستدرجني إلى المضاء في المطالعة إلا موضوع يستوعب ذهني ويأخذ على المؤلف باب الانفراد بالفكر دونه. عباس محمود العقاد

стр. 1447

عالم العلم الكلب الكاتب المفكر - السمك المتوحش - إنقاذ اللقطاء في فرنسا - الأكاذيب المقررة في التاريخ - فندق الباستيل - كلاب البحر الفيلية - عقيدة العلامة هيكل. الكلب الكاتب المفكر في مدينة مانهايم من أعمال ألمانيا كلب حير الألباب وأذهل الناس واسترعى دهشتهم، وكتبت عنه عدة من المجلات الغربية، وهو لسيدة تدعى مدام ميكل. وقد جاء الدكتور ماكنزي إلى مانهايم خصيصاً لامتحان هذا الكلب. بدأ الدكتور يسأله عدة أسئلة في الحساب من جمع وطرح وضرب وقسمة فكان يجيب عليها ويؤدي مقدار العدد المطلوب بتحريكات من ظلفه الأيسر، ثم بعد ذلك كتب بعض حروف الهجاء وكان يرمز لكل منها عدداً مخصوصاً، وكان يتهجى الكلمات تهجية صوتية ويستعمل في ردوده عامية لغة المدينة، وكانت تتجلى في أجوبته قوة مفكرة مدهشة يمازجها ضرب من الذكاء المزاجي. ونحن مقتطفون الكلمة الآتية من مقال الدكتور الممتحن عن الكلب: قال بعثت خادماً ليشتري نسخة من إحدى الصحف وأمرت أن لا يرى النسخة أحد غيري وغير الكلب، فلما جيء بالصحيفة اخترت نهراً من أنهارها قد كتب في رأسه الكلمات الآتية () ثم دفعتها إلى الكلب وسألته أن يرددها فقرأها الكلب على هذه الصورة () فكان هذا ولا ريب مدهشاً مذهلاً معجباً، ذلك لأن الكلب لم يكرر الألفاظ حرفاً حرفاً كما يكون من الفوتوغراف بل إنه كما ترى أرجعها إلى تهجيته الصوتية الشخصية، مما يدل على أنه قد حدث في ترديد هذه الألفاظ شيء من التفكير والتروي والتعقل. ثم أمرت الكلب بعد ذلك أن يغادر الحجرة ليشرب شيئاً من اللبن فلما اختليت بالسيدة ميكل سألتها عما إذا كانت تظن أن الكلب يستطيع أن يجيب على أسئلة معنوية كأن يطالب مثلاً بتفسير معني () أي الخريف فكان رأي مدام ميكل أنها تعتقد أنه يستطيع ذلك وربما أجاب عن ذلك بما هو في معناه أي ربما يقول مثلاً هو فصل فلما عاد الكلب وألقيت عليه السؤال لم يكن جوابه إلا أن قال () ومعنى هذا الوقت الذي يكون في التفاح!!. فلما رحل ماكنزي استوحش الكلب غيبته فكتب إليه في صبيحة اليوم التالي لرحيله خطاباً

стр. 1448

تاماً صحيحاً وإن كان موجزاً - وخير الكلام ما قل ودل - وإليك نص رسالة الكلب عزيزي الدكتور - ارجع سريعاً، لا تذهب بعيداً - أعطني صوراً وكذلك صورتك - تحيات كثيرة - خادمك!. وهذه القوى التفكيرية في هذا الحيوان تكاد تكون من غرابتها بعيدة التصديق ولاسيما أن الكلب يفعل ذلك دون أية مساعدة من أحد. السمك المتوحش كتب الدكتور روزفلت رئيس الولايات المتحدة الأمريكية الأسبق بعد رحلة طويلة في غابات البرازيل ومجاهلها كتاباً مستطيلاً في وصف ما شاهد. ونحن نقتطف منه النبذة الآتية في وصف نوع غريب من السمك. قال روزفلت: . . . ثم وجدنا بركة عميقة واسعة قد غشيها عدة من صغري التماسيح والخنازير البرازيلية المائية، وكان لا يقل حجم الخنزير عن النعجة أو الشاة. فلما ضربنا خنزيراً منها غطس في الماء وإذا بأسماك متوحشة مفترسة قد انقضت عليه ولم تكد تمضي دقائق حتى كانت قد التهمت نصفه، بل أعجب من ذلك وأغرب إننا أصبنا تمساحاً يبلغ طوله خمسة أقدام فما كان من هذه الأسماك المتوحشة إلا أن انقضت على التمساح فمزقته وجعلت تجره إلى البر تريد قتالنا ومواجهتنا - وذلك أنه لما هوت على التمساح الجريح ورأت الدماء تسيل منه اهتاجت اهتياجاً عظيماً حتى جعلت تهوى بأسنانها الهائلة فوق جثة التمساح وجعلت من شدة الغضب تمزقه إرباً إربا. ومن ذلك اتضح لنا أنها لا تمس الخنازير أو التماسيح بسوء إذا كانت هذه غير مجروحة بجراح، لأن منظر الدماء هو الذي يهتاجها ويحدث لها نوعاً مخيفاً من الجنون، والعجيب من غريزة هذه الأسماك المفترسة أنها لا تتعرض أبداً للسائحين من الناس في البركة بأي سوء، ولكن الجريح منهم أو من الحيوانات يكون من شرها غرضاً للافتراس والموت. إنقاذ اللقطاء في فرنسا كتب أحد كبار الكتاب في فرنسا يقول إن من الضروري اتخاذ الحيطات الكثيرة لمنع الهبوط المطرد في نسبة سكان فرنسان، وقد اقترح في مقاله أن توضع في جميع مستشفيات اللقطاء صناديق تلصق بجدران الحجر ويوضع كل لقيط في صندوق منها

стр. 1449

ويترك للنساء الحرية في دخول الدار متى أردن، حتى لا يمنع الخجل من الفضيحة أو الخوف من العار أو أية أسباب أخرى، تلك الأمهات اللاتي نبذن أولادهن يوم الولادة في مظلم الأزقة وساكن الطرق، من الذهاب في كل يوم لتفقد أطفالهن في المستشفيات وإرضاعهم وتغذيتهن آمنات من شر الفضيحة مطمئنات، بل إن هذه الصناديق المحجوبة ستعمل كثيراًَ على تخفيف وفيات الأطفال في فرنسا وتقليل عدد الجرائم التي ترتكبها النساء في سبيل الخوف من الافتضاح. الأكاذيب المقررة في التاريخ وضع أحد كبار العلماء المؤرخين منذ أشهر رسالة في إحدى المجلات الكبرى تدور حول الأكاذيب المقررة في التاريخ كأنها حقائق تاريخية صادقة لا أثر فيها للخرافة وقد جاء بقائمة طويلة من هذه نقتطف منها ما يأتي: حرق جريجوري الأكبر مكتبة القياصرة - حرق عمر بن الخطاب مكتبة الإسكندرية - قولهم إن أوروبا في القرون الوسطى كانت تعتقد أن العالم سينتهي في عام ١٠٠٠ ميلادية - قصة أسر قلب الأسد - قولهم إن خطب بطرس الناسك هي التي أثارت أوروبا إلى الحرب الصليبية الأولى - رواية ويليم تل. خرافة الباستيل لا نظن إن في القراء من لا تتأفف نفسه وتتأثر مشاعره وترتعد فرائصه إذا ذكرت أمامه مظالم الباستيل وفظائعه! أو قرأ شيئاً عنها في رواية، أو وقع على وصف لهوله في كتاب، ذلك لأن المؤرخين والكتاب والروائيين قد أكثروا من وصف هذا السجن العتيق بكل نكراء حتى أصبح راسخاً في أذهان العالم كله أن الباستيل كان أفظع السجون التي شهدها التاريخ. ولكن يظهر أن هذه خرافة أخرى من الخرافات التي يحملها التاريخ في بطونه ودفاتره، كما يتبين لك من الكلمة الآتية التي كتبها عنه العالم المتقدم الذكر في رسالته. لقد كانت العناية بالمساجين في سجن الباستيل نهاية في الكرم وغاية في الجود، وكان كل سجين يكرم على قدر مكانة في الهيئة الاجتماعية، فمثلاً كانت الحكومة تصرف يومياً لحاكم الباستيل خمسة فرنكات لطعام المسجون المتوسط الحال، وخمسة عشر فرنكاً لطعام

стр. 1450

العضو في البرلمان وأربعة وعشرين فرنكاً للقائد وستة وثلاثين للمارشال ولما ألقي الكاردينال روهان في الباستيل من جراء عقد الملكة، كان يصرف عليه الحاكم في اليوم مائة وعشرين فرنكاً، وكذلك كان يتفق على المساجين من الفقراء والإغمار بقدر ما يناسب حالهم، فكان الباستيل أهنأ سجن في العالم بأسره بل إن ريتفيل في طعنه على حالة فرنسا قبل الثورة الفرنسية قد اعترف بأن كان يشرب وهو في الباستيل سجين خمرة الشمبانيا وخمرة البورغوينا ويأكل الفراخ والأرانب والسمك بل كان رئيس الطهاة في الباستيل يعرض على المساجين كل صباح قائمة الأصناف للتصديق عليها، بل كان الملك يأمر بكساء من يفتقر منهم إلى الملابس، وكان المساجين في السجن بأثوابهم الجميلة وأرديتهم ومعاطفهم وأوشحتهم وأقبيتهم، ولم يكن يلبس منهم أحد ملابس السجن وكانت الحكومة تقدم السجائر والدخان إلى من يحتاج إليها منهم وكانوا في بعض الأحايين يقيمون بينهم حفلات موسيقية أو فصولاً تمثيلية، وإذا مرض أحدهم عالجوه دون مابل وإن شاء أن يفصحه طبيبه الخصوصي جاؤوه به!!!. . ولعل القراء يتساءلون بعد ذلك لقد كان هذا الباستيل أشبه بالفندق منهن بالسجن!. . كلاب البحر الفيلية قدم الدوق بدفورد رئيس جمعية الحيوانات في لندن إلى حديقة الحيوانات بها زوجين من كلاب البحر الفيلية، وهما اللذان ترى في الصورة الماضية، ويبلغ طول الواحد منهما نحواً من ستة أقدام ويقولون إن هذه الكلاب تنمو وتطول حتى تصير عشرين قدماً، والسبب في تسميتها بهذا الاسم هو أن منخار الذكور منها ينتهي بما هو أشبه بخرطوم الفيلة، بينا تجد إناثها أصغر خراطم من أزواجها، ولا يظهر هذا الخرطوم في الصغار، لأن رأس هذا الحيوان أشبه برأس الكلب وله عينان واسعتان مستديرتان، وهو من الحيوانات البرية البحرية. عقيدة العلامة هيكل أرنست هيكل من أكبر العلماء الطبيعيين في هذا العصر، وهو رسول الحرب المستطيلة القائمة اليوم بين مذاهب النشوء ولاسيما المذهب الذي جاء به هذا الشيخ وهو المونيزم أي وحدانية الكائنات، وبين أساطين رجال المذاهب الكاثوليكية الرومانية، وهو اليوم قد جاوز

стр. 1451

العقد السابع من عمره وقد وفدت عليه يوم عيد ميلاده الثمانين التهاني، والرسائل والأماديح من كل قواد الفكر الإنساني في نواحي العالم كله. وهذه العقيدة الجديدة تتلخص في كلمة واحدة، هي إن الذهن والمادة شيء واحد، وإنهما مظهران لكائن واحد مطلق، وإن كل شيء في العوالم جزء من القوة الإلهية أو مظهر من مظاهرها.

стр. 1452

عالم الحرب مذكرات سرية عن الإمبراطور غليوم وصيفة من وصائف الشرف لبثت زهاء عشرة أعوام في بلاط برلين تحدث العالم عما رأته من غرائب أخلاق غليوم وشواذ نوادره وأسرار حياته وبدائع جنونه وعجائب أموره - وهي حقائق ثابتة لا يشوبها شائبة من الكذب أو التلفيق أو الاختلاق ولا يمازجها أثر من التخيل أو الزيادة أو التوسع أو الأطناب. والكاتبة الوصيفة من الكونتسات، أعنى من السيدات النبيلات - تقول في مقدمتها ليس لي مأرب شخصي من هذه المذاكرات ولا أسباب عندي في وصف ما رأيت من العيشة البلاطية وشاهدت فإذا كانت قد احتوت جملة من الغرائب واشتملت طائفة من المضحكات، وهدمت كثيراً من الآراء الثابتة عند القراء وكشفت عن أسرار عجيب هي على النقيض مما أصبح تاريخاً مقرراً مشهوراً، إذن فليذكر القارئ أن الحقيقة قد تكون أغرب من الخيال وأن التاريخ ليس إلا كذبة مزخرفة - ولست ذاكرة إلا الحوادث التي وقعت تحت عياني، أو التي استقيت من شهود ثقات، وأما الحوادث التي وقعت قبل تتويج الإمبراطور فسأضطر إلى نقلها من أحاديث أهل البلاط ورواياتهم. فكاهات كثيرة من جنون الإمبراطور بنفسه - تغزله في النساء أمام زوجته وأمام الحضور حتى ولو كان بينهم رجالهن - غيرة الإمبراطورة وأمثلة مضحكة عن ذلك، تحدث غليوم عن نفسه واعتباره كل شيء في ألمانيا ملكه - إعلانه عن نفسه - غرامة بأيدي النساء حتى العجائز والدميمات - واقعة حال بينه وبين سيدة. علمتني الأعوام الطوال التي عرفت فيها الإمبراطور وعشتها على مقربة منه إن اعتقد أن الإمبراطور لا يجب أن يسأل عن كثير من أمور إدعائه وزهوه وقسوته وتقطيبه، لأنه لا يستطيع أن يتمالك نفسه من إتيانها، فهو لا يهتم بأحد إلا نفسه ويعد الناس والجماعة شيئاً لا يعني به ولا يحفل حتى لكأنه لا يشعر بوجود إنسان ما بجانبه. فإذا خرج يوماً وزوجته في نزهة طيبة على متون الجياد، ثم حدث للإمبراطورة في الطريق حادث عاقها عن اللحاق به، لم يكن من غليوم إلا أن يتابع سبيله إلى الوجهة التي يريدها هو ورفقته وحرسه وراضة جواده، غير مكترث أبداً ولا مهتم ولا حافل ولا مخفف

стр. 1453

من سرعته حتى يمكن الإمبراطورة من مداناته، يكفي أن لدونا (اسم زوجته) وصفاءها ونساءها وحاشيتها، فليهتموا لها هم وليعتنوا. وقد يلتقي الإمبراطور بامرأة لعلها زوجة أحد الضباط الجدد في محفل أو مأدبة فيعجب بجمالها ويشغف بحسنها، إذ ذاك لا يتأخر دقيقة واحدة عن التصريح بذلك أمام الحضور، مسترسلاً في مديح تقاطيعها، مكثراً من التنويه بوجوه حسنها، إن كانت رخصة اليد ناعمتها، أو كاعبة النهد بارزته، فإذا عمدت الإمبراطورة - وعلى رضاها يتوقف مركز كل امرأة في البلاط - إلى اسم السيدة التي نالت إعجاب الإمبراطور فمحته من قائمة زوار القصر، لم يظهر كذلك أقل اهتمام، فكأنما يرى الإمبراطور أن الشرف قد يعود فينبت ثانياً كما ينبت الشعر. هذه مدام بوكن مثلاً، كانت عند الإمبراطور في مقياس الجمال آية الآيات ولذلك كم أكثر من الكلام عن يديها وقدميها، وكم أسهب في التشبيب بساعديها وكتفيها. بل كم زين حجرة مكتبه (بفتوغرافياتها) وزوق غرفة نومه وحجرة استقباله بعدة من صورها، ولكن السيدة نفسه لم تجز يوماً عتبة القصر، على الرغم من أن رئيس البلاط يضع اسمها في رأس القائمة سنين عدة عند كل حفلة تقام أو مأدبة تؤدب والسبب في ذلك أن الإمبراطورة وضعت يدها في القائمة فخابت مدام بوكان في كل شيء. وهذه حادثة (فيلما بارلاغي) المصورة لا تكاد تفترق عن الحادثة المذكورة، فإن الإمبراطور أعلن عنها أكبر إعلان ونوه بها أعظم تنويه، وجعل يغدق عليها الأوسمة الذهبية و (المداليات) على الرغم من احتجاج جمعية الفنون الجميلة وعلى كره من مجمع برلين، وقد دعاها آخر الأمر لترسم بريشتها صورته فجاءت إلى القصر ولكن لشد ما أضحكني ذلك المنظر فقد أبت الإمبراطورة إلا أن لا تفارق زوجها لحظة واحدة وجعلت تجلس إلى جانبه في كل جلسة يريد تصويره عليها، وطفقت تمعن في وجه الرسامة الحسناء لكي تخجلها ولا تمكنها من إجادة عملها وإظهار براعتها فكنت أضحك في نفسي كما رأيت حيرة المصورة وأنا أتقدم أمام جلالتيهما إلى حجرة التصوير. وأما عن تحدث الإمبراطور بنفسه واعتباره موارد الحكومة وأملاكها وثروتها كملكه الشخصي فحدث ولا حرج، كل شيء ملكه، (جيشي) و (بحريتي) و (ثغوري) و

стр. 1454

(حصوني) و (أموالي) و (وزيري) و (مستشاري) تلك عبارات نسمعها من فمه كثيراً بمثل اللهجة التي يقول بها (جوادي) و (أولادي) و (خطبي). وإعلانه عن نفسه قد يلبس لباس المروءة والكرم فقد كان وجهه مشرقاً بضياء الفرح والزهو يوم أنبأ البلاط في حادثة حريق معرض باريس بأنه بعث صكاً بعشرة آلاف فرنك إلى لجنة مساعدة منكوبي الحريق فكأنما كانت تقول عيناه إن العالم بأسره سيتحدث ولا ريب عنها، أفي وسع رجل أن يعمل أكثر من ذلك لعدو أهلي؟. وفي مساء ذلك اليوم، حتى قبل أن تعلم الصحف بأمر الاكتتاب جاء الإمبراطور رسالة برقية من سفيره في باريس تقول سيحملون جلالتك على باريس سنة ١٩٠٠ في موكب فخم عظيم. ولكن لم يكد يمضي شهر حتى عم السيل مقاطعة ورتمبرج وخرب منها ما خرب فلم يجد الإمبراطور مالاً عنده أو كلمة عزاء يدفها إلى المنكوبين والمحزونين!. واللاتي وقع غليوم في حبهم اشتهرن بنعومة أيديه ورخصها وبضاضتها وتناسب أجزائها وحسن منظرها، وترى الإمبراطور لا يريد أن يحفل بأية غادة يتلقي في المحفل، اللهم إلا إذا كانت ناعمة اليد حلوتها، حتى ولو كان لها مع ذلك منقار النسر أو ثدي الدجاجة أو حدبة الأحدب، وإنه ليجاذبها إذ ذاك أطراف الحديث ويأخذ في التشيب بجمال يدها، فإذا قامت لتنصرف قبل يدها تقبيلة واحدة إذا رأى من الحضور أعيناً راقبة، وعشر تقبيلات إذا لم يكن ثم رقيب. ثم لا عجب أن يكون لبس القفازات في القصر أمراً إجبارياً على نسائه ووصيفاته فإن الإمبراطورة، ولم ينعم الله عليها بجمال اليد ونعومة الكف، تحظر على نسائها ترك القفاز أو نسيانه، ولكن ترى الإمبراطور في بعض جلسات العشاء بعد مرقص أقيم أو غناء صدح يسأل دائماً بعض سيدات البلاط والزائرات أن يخلعن عنهن قفازاتهن. وقد قال يوماً على المائدة (إني لا تأفف من اليد والزند المختفيين، وراء القفاز تأففي من السيدة في ردنجوت تتبرقع!). واعلم أن الإمبراطور وإن كانت تهفو نفسه في أثر اليد الناعمة والكف الحلوة إلا أنه ليجن غراماً إذا زانها زند بديع ومعصم جميل. وهو على أنه ليس بالرجل الجواد الكريم تراه

стр. 1455

السريع البذل الأريحي في انتخاب الهدايا والتحف لمن يرى من النساء الناعمات الأيدي الجميلة المعاصم، ثم هو لا يشترك في حفلات توزيع مشابك الصدر والقلائد والعقود على سيدات القصر وغانياته وإنما يخف إلى توزيع الخواتيم والأساور ويخلعها عليهن بيده. وقد وصفت سيدة من ذوات الألقاب في القصر واقعة حال في هذا الشأن بينها وبين الإمبراطور قالت: (أمرني يوماً جلالة الإمبراطور أن أحضر إلى قصر برلين وكان أهل البلاط جميعاً متغيبين في قصر بوتسدام وأن أجيء منتقبة حتى لا يعرفني أحد. فلما دخلت حجرته الخصوصية إذا به في بهرتها ولم يكن وجهه شاحباً كعادته فقال لي: (اخلعي عنك خمارك وسترتك) وكانت تبدو عليه علائم القلق، وكنت يومذاك في قميص رفيع ذي كمين حتى المرفق يزينهما حاشية طويلة من الدنتلا. قال الإمبراطور وأنا أخلع القفاز يا الله، إنه لشيء جميل! ثم عمد إلى سجف هناك فانتخب من بين عدة من صناديق المجوهرات صندوقاً كبير الحجم فأخرج منه سواراً على شكل الأفعى فمده إلى آخر نطاقه وقلده ذراعي فامتد فوق المرفق، وعند ذلك شكرت للإمبراطور هديته فجعل يقبل ساعدي مرة بعد مرة بين حلقات السوار وتعرجاته ثم ختمت السيدة اعترافها في ابتسامة ساذجة طاهرة (والذي أدهشني أن جلالته كان يلعب بأصابعي ويعبث طول الوقت!). لله سذاجة تلك الغانية: لقد ظننت ولا تزال إلى اليوم تظن أنها أول سيدة ظفرت بلعب هذه الكوميديا الجميلة، وما درت أن هناك في برلين وبوتسدام وكييل وبرسلو وكونجسبرج عشرات أمثالها من النساء والعذارى والفتيات لا يزلن يحتفظن بطرائف مثل طرفتها نلته من كف الإمبراطور، ولكنهن لسن جميعاً ثرثارات مثلها ولا ينسى الإمبراطور أبداً يد قبلها يوماً وإن بعد بها العهد، وهذه الذاكرة القوية مما يحدث في نفس الإمبراطورة زوابع من الغيرة المرة المؤلمة، وقد يكونان معاً في المركبة إلى نزهة جميلة وإذا بالإمبراطور قد قطع على زوجته الحديث يقول انظري يا (دونا) إلى يد هذه المرأة، أليست هي السيدة التي رأيناها في مكان. . . إنها لمليئة بريشة المصور!. وللقارئ أن يتصور لنفسه مقدار غيرة الإمبراطور ومبلغ غيظها وحنقها. (اقرأ في العدد القادم قطعاً أخرى مختارة من هذه المذكرات)

стр. 1456

رجال الحرب الكونت فون زبلن هذا اسم مشهور معروف، له شهرة الشمس والقمر، فهو أمير الهواء، وفاتح أقطار السماء، رأى الأرض توشك أن تضيق دون جنود الإنسانية، وإن صعيدها لا يكفي ميداناً للحيوانية الإنسانية، وإن سوحها لا تتسع لهذا التنازع الرهيب على البقاء ففتح لها الجو وذلل لها الريح تجري مسخرة رخاء. ومن ترى يدري ماذا كنا آخذين عن هذا الذهن العظيم غير الطيارات لو لم يصنعها، ومن ذا يعلم ماذا كنا واجدين منه لو كان وجه هذا العقل الكبير إلى حسنات العلم وثماره الصالحة؟. لقد كان في حياة زبلن أكبر الأمثال على قوة الدأب، ومتانة الصبر، وشدة المراس، وهول الثبات، وعظمة المثابرة، وهو اليوم شيخ قديم العهد بالحياة، دخل منذ أوائل الحرب في حدود السابعة والسبعين، فقد داءه المجد متأخراً متثاقلاً متباطئاً كأنما كان على كره منه، ولم يعط نصيبه منه إلا منذ ستة أعوام لا غير، إذ أقبلت عليه الشهرة وهو في السبعين ووضعت يدها في يده قائلة له لقد أحسنت!. وليس في تراجم المخترعين من الوقائع الغريبة والصعوبات العظيمة والآمال المخفقة والحيل الضائعة والحوائل المنيعة ما في حياة هذا البطل، ولم يظهر رجل على متن المصاعب ولم يتسلق القحم إلى العظمة، بأشد ثباتاً ومراساً من هذا الرجل، فإن الضربات الصاعقة القائلة التي هوت فوق رأسه من يد القدر لم تستطع أن تقتله، بل كانت كل ضربة لا تقتله تخدمه، فلا بدع إذا أصبح اليوم معبوداً لي بني قومه مقدساً. ولد في سويسرا، على ضفاف كونستانس، تلك البحيرة الجميلة الزاهية، وكان أبوه من ضباط البلاط في برلين، وقد صرف زبلن شبابه جندياً باسلاً مغواراً تطوع أول مرة في حرب الثورة الأمريكية فأبلى أعظم البلاء. وكانت خدمته في الجيش الأمريكي هي التي قدمت إليه الفرصة الأولى لولعه بفن الطيران، إذ كان في الجيش بالون أسير للاستكشاف فكأنما أراد القدر أن لا يولد مستقبل ألمانيا الهوائي إلا في العالم الجديد!.

стр. 1457

فلما كانت سنة ١٨٩٢ انقطع زبلن لدراسة الطيران، وأعلن قومه بأنه صانع لهم مركباً هوائياً عظيماً، يجول في الجو المسافات البعيدة، ويكتشف لهم أجنبي المواقع والسواحل والبلدان - وإذا بصيحة ضحك عالية من الجمهور وضجة عبث وسخرية واستهزاء وقهقهة عالية يمازجها نوع من الرثا، فقد ظن القوم أن الرجل قد عرته جنة أو أصابه مس أو انتابه دخل. كان أصدقاؤه إذا نظروه يقولون إن زبلن قد أشرف على طفولة الشيخوخة وأما أعداؤه فكانوا أخف رحمة وأقل ضحكاً، كانوا يصيحون إن زبلن مخترع مغرور ممرور. ولما لم ير في بني جنسه رجاءه المطلوب، قصد رجلاً من أصحاب الملايين في أمريكا ليرهنه مستقبله على قرض يقرضه وهو خمسة آلاف جنيه فما كان من هذا المتمول الكبير إلا أن نهره قائلاً: أن لا أحفل أبداً بأمثال هذه السخافات التي يحلم بها السفهاء!. ولكن زبلن لم يكن ليرجع عن أمله بل ما فتئ يجاهد غير محتفل بمجون الناس ولا مكترث لمزاحهم واستهزائهم وإهمالهم، فأضاع ثروته وثروة زوجته، إذ كان ينشئ المئات من النماذج والتجارب، ثم يعود فينسخها ويحاول غيرها، يضع النموذج فإذا أتمه وطبق عليه كل قواعد العلم وقوانينه، عمد إلى تجربته، فإذا هو لسوء الخيبة لا يطير!. وما لبث الناس حتى المعجبون به أن تناسوه بتة واحدة ولكنه جعل يكتب في الصحف ويستصرخ ويحث ويحض ويقول إنه في طريق الحق وإنه في أثر النجاح وأنه وأنه، ولكن عبثاً كان يطلب وباطلاً يريد، ولكن هذا لم يقض على قوة الثبات فيه، بل عاد فادخر بعض المال وعمد إلى مواصلة البحث والاجتهاد، ولشد ما كان عجب الحكومة والشعب والعالم كله يوم رأوا الرجل الذي كانوا بالأمس يسخرون منه ويتضاحكون من سخافته كما كانوا يدعونها، يوم رأوا هذا الرجل يطير ست جولات ناجحة لابثاً في الأخيرة منها محلقاً ثماني ساعات أو تزيد، قاطعاً في خلالها مائتي ميل أوتربو - وكان ذلك في خريف عام ١٩٠٧. إذ ذاك توارى الشاتمون المتضاحكون في أجحارهم وشقوقهم، خزياً وخجلاً وندماً، واشترت حكومته منه منطاده هذا، بل وأعطته فوق ذلك خمسة وعشرين ألفاً من الجنيهات يستعين بها على تجاريبه.

стр. 1458

وكذلك أخذ هذا الرجل القوي الروح القوي المبدأ في تحسين مراكبه وتنقيح مناطيده حتى استطاع في سنة ١٩٠٩ أن يطوف في الجو طوفة لا يقل محيطها عن ألف ميل والكونت زبلن ككل العظماء الذين حاربوا الدهر وخاضوا سبيلهم المحفوف بالمكاره إلى عرش المجد فاقتعدوه، أجل، هو ككل هؤلاء في أنه التواضع مجسماً، وهو وإن كان معبود الملايين إلا أن ذلك لم يحدث أدن أثر في أخلاقه ولين عريكته يعيش في مدينة ستوتاجرت، لا يشعر به إنسان، بل ترى برلين المتناهية في عبادته المبعدة في تأليهه قل ما تراه أو تسمع بخبره!. ولم يرزق الله الشيخ العظيم بغير ابنة وحيدة هي الآن زوجة أحد الضباط، وقد أخذت عن أبيها علم الطيران وتعرف عن المناطيد شيئاً كثيراً، وقد كانت هي العزاء الوحيد للشيخ أيام خموله وزمان محنته. ولا يزال الكونت زبلن يؤمل أن لا يموت قبل أن يكتشف على متن المنطاد جميع الأقاليم القريبة من القطب!. سيرجون فرنش لم يكن هذا الاسم قبل الحرب صغيراً فكبر بنشوبها، وما كان مغموراً فنبه بوقوعها بل لقد كان معروفاً مشهوراً في كل أنحاء العالم قاصيها ودانيها، إذا ذكر في مجلة جاء عرضاً في كتاب، ذكر الناس أنه ذلك الجندي الجليل العظيم، وأنه القائد الفذ النادرة الذي يقف على رأس قواد بريطانيا العظمى بأجمعهم وأنه أبدع قواد الخيالة في الغرب، ولعل المصريين يذكرون هذا الاسم الكبير في تاريخ السودان وحصار الخرطوم. إن اسمه الكامل ولقبه هو فيلد مارشال سيرجون دنتون بنكستون فرنش. وإن كان لا يعرف بين جنوده إلا باسم جاكي فرنش وقد كانت أمواه البحر أول رغبة من رغائب صباه، وأول مركب في شبيبته، إذ كان أبوه من قباطنة الإنكليز، ولذلك لم يكن في هذا شيء من العجب، لأنه أراد أن يخرج على حذو أبيه، ومضى في البحرية قبل التحاقه بالجيش زهاء خمسة أعوام، تلميذاً يتدرب لرتبة الضابط. ومن ثم ترى جنود البحرية وجنود الحربية إذا اجتمعوا يوماً في محفل أو ثكنة أو محضر وجاء ذكر هذا الرجل، ينطلقون في الخصام متنازعية بينهم متشاجرين عليه. متقاسمين له، فيقول جنود البحرية لإخوانهم جنود الحربية إن القائد فرنش نشأ أول أمره ملاحاً بيننا فيرد

стр. 1459

عليهم الآخرون نعم إنه مكث دهراً في البحرية ليرى سوء حالكم ويشهد عيوبكم، فلم يلبث أن تأففت نفسه منها فجاءنا وكان منه ما ترون اليوم!. وكان وهو في الجندرية شاب، يقطع أكثر دهره مطالعاً سير ولنجتون ونابوليون وكلايف، ولم يلبث طويلاً حتى التحق بالفرقة التي جاءت السودان لإنقاذ الخرطوم. فأبلى هناك أعظم البلاء وأظهر أروع ضروب البسالة والإقدام، وقد كان غوردون الجندي القديس كما يسميه الإنكليزي محصوراً في الخرطوم، وكان فرنش قد رفع إذ ذاك إلى رتبة (الماجور) فأنفذه القائد ولسلى مع الحملة الهجانة لإنقاذ غوردون عن طريق الصحراء، فاندفع بفئته مخاطراً مخاطرة مستميتة وقاتل رجال المهدي قتالاً عنيفاً، حتى إذا دخلوا الخرطوم وجدوا غوردون قد قتل. ثم كانت حرب البوير فتجلت عبقرية فرنش فيها بأجلى مظاهرها، ولعل أعظم شهادة نالها في حياته - والفخر ما شهدت به الأعداء - هي التي صرح بها دي ويت الزعيم البويري المشهور، فإن هذا الرجل بينا كان يمجد شجاعة الجنود الإنكليزية وينوه ببسالتهم كان ينتقص من مهارة ضباطهم، فلما ذكر اسم هذا البطل أمامه، غير في الحال لهجته، وقال نعم إنه هو القائد البويري الوحيد في جيوش الإنكليز!. ولعل فرنش هو الرجل الفرد الذي ظفر في قتال البوير بالنجاح من الأول إلى الأخر، نزل الكاب في العاشر من شهر أكتوبر سنة ١٨٩٩ وبرحها إلى وطنه في يونيو سنة ١٩٠٢ يحمل لقب أكبر القواد الخيالة في العالم الحديث. وليس هناك من ريب في أن إنقاذ مدينة كمبرلي، أعظم بلاد الماس في جنوب أفريقيا - كان إحدى مخاطرات فرنش ونادرة فعاله، فهو الذي اندفع بجنوده عدواً على متون الجياد، منقضاً على صفوف الأعداء، هاجماً في بهرة ذلك القتال المستحر. وهو اليوم في فرنسا قائد الجيوش الإنكليزية يدافع ويناضل وهو في الثانية والستين أشد بأساً وهمة منه في الثلاثين. ولقد كان هذا الرجل الكبير في كثير من حوادث حياته الحربية عرضة للموت أو هدفاً للأسر أو القتل، فمن ذلك أنه وقع يوماً وهو في حرب البوير في خطر شديد، تحت صيب من القنابل، وهاطل من الرصاص، وجو كثيف من الدخان، ولم تقدر عليه النجاة إلا

стр. 1460

بانبطاحه على أديم مركبة من مركبات السكة الحديدية، ولذلك لا غرو إذا كان فرنش معبوداً من جنوده جميعاً وقد حدث أحد الجند الذين حضروا حرب البوير معه فقال: إنه ليبدو هادئاً ساكناً في أشد المواطن اهتياجاً واضطراباً، لا يذهل به ولا يطير جنانه فيعرض الجند إلى المذبحة، بل إنه لينظر قبل أن يطفر وإذا طفر جعلنا نحن والويريون نطفر جميعاً، وهذا ولا ريب هو سر القيادة الظافرة الناجحة وكتب يوماً إلى زوجته من ميدان القتال ما كنت أظن أنني سأخرج من هذه الموقعة حياً. وهم يدعونه بفرنش الصامت ويشبهون صمته وسكونه بسكون الماء يكون عميقاً، وقد قال يوماً لجندي من جنده قد حكم عليه بالحبس: إن فرنش العجوز لا ينبح ولكن. . . يعض!.

стр. 1461

عادات أهل التوجو وغرائبهم يذكر القراء أنه ما كادت تقع الحرب حتى ضم الإنكليز إليهم أرض التوجو إحدى مستعمرات الألمان في (القارة المظلمة) كما تسمى أفريقا عند الأمم البيض، ولما كان أهل التوجو لا يزالون على الفطرة الأولى في كل فروع حياتهم، ولا تزال حالهم كحال الإنسانية جمعاء في العصور الحجرية والطبقات الجيولوجية القديمة، ولا تزال حالهم كحال الإنسانية جمعاء في العصور الحجرية والطبقات الجيولوجية القديمة، فقد رأينا أن نجيء بوصف هؤلاء الناس وشتى عاداتهم، حتى تعرف الإنسانية المهذبة مقدار الهاوية السحيقة الغور التي وثبت من أعماقها، وإن كانت لا تزال اليوم تحمل دليلاً من دلائل الإنسانية المتوحشة، وهي العيش في ظل الحرب!. أرض توجو - أو كما يسميها الإنكليز توجولاند - إقليم مستطيل يمتد على الساحل الغربي من أفريقيا، بين مستعمرة ساحل الذهب الإنكليزية، وبين مستعمرة داهومي الفرنسية، وهو وإن كان مستعمرة من مستعمرات الألمان إلا أن سكانه من الأوروبيين لا يزيدون عن ثلاثمائة نفس، بل لم يكن فيها يوم ظفر بها الإنكليز في بدء الحرب أكثر من اثني عشر ألمانياً كلهم من الموظفين العسكريين والمدنيين بها، بينا يزيد أهلوها عن مليون نسمة. وهم كاهل البلاد المتوحشة ينقسمون إلى قبائل وشعوب، وكلها لا تزال في مبادئ النشوء الاجتماعي فأما قبائل الجنوب فعلى شيء من المدينة الابتدائية يجيدون ركوب الخيل، ويسترون جسومهم بالقماش ويدينون بالإسلام، أما أهل الشمال فيدينون بالوثنية ويعيشون عيشة أهل العصر الحجري تماماً، جل أسلحتهم القوس والنبال وهذه الأخيرة يطلونها سماً زعافاً، وليس لديهم من السكة ووسائل المعاملات غير الملح، والنساء والرجال حفاة عراة الأبدان، وفي بعض النواحي يستترون بلحاء الشجر أو أوراق الأغصان الناضرة. ولعل أرق قبائلهم قبيلة الكونوكومبوا وهم وإن كانت الروح الحربية عندهم لم تخرج عن حدود القوس والنبل إلا أنهم قوم شجعان بواسل حتى أن الألمان أنفسهم خرجوا من المستعمرة ولما يضعفوا شوكة هذه القبيلة الباسلة. وترى منظر الجندي المحارب منهم - كما هو ظاهر من الصورة التي أمامك - لا يقل في الروعة عن منظر أي جندي آخر، يلبس فوق رأسه خوذة تزينها عقود من الخرز والمحار ويعلوها قرنان مستطيلان من قرون الوعل ويشد إلى كتفه جعبة يضع فيها سهامه

стр. 1462

المسمومة وهي من جلد وحيد القرن (الخرتيت) ومحلات بالخرزات، وهو يكاد يكون عارياً لولا الخرقة التي يستر بها عورته على أن بشرته السوداء المصقولة اللامة لتبدو في أشعة الشمس كبدلة من القطيفة أو الحرير، وتراه يلبس في زنده أساور من الفضة أو النحس إذ يعتقد أن وسوسة هذه الحلي تثير الرعب في قلوب أعدائه. وأهل توجو جميعاً يعيشون في أكواخ من خشب الأشجار يبنون فوقها طبقة من الطين النيئ والذين يسكنون منهم الجبال يبنون لهم حصوناً تكاد تكون على شيء من الفن، وهم يجتهدون في زراعة الأرض ويخرجون أحياناً منتوجات طيبة من الدخن والقمح، بينا ترى أهل الجنوب والبلاد الوسطى يحاولون أن يظهروا أنهم قد انتقلوا قليلاً من الوحشية المطلقة فيزرعون القطن يصنعون منه موا يستر عوراتهم، وهم مهرة في عمل السلال ونساؤهم حاذقات في صنع الخرز. وليست أرض توجو كلها طيبة لسكنى الأوروبيين بل هناك نواح منها يغشاها مكروب الملاريا، ومن الأمراض الفاشية بينهم مرض النوم وأول ما ظهر هذا المرض القتال منذ ثمانية أعوام أو تسعةن وهو يفتك بهم فتكاً ولذلك تراهم لا يستخدمون الخيل نهاراً بل يستعملونها ليلاً، لأن ذبابة هذه المرض - المعروفة بذبابة التستسى لا تظهر في الليل وأما بالنهار فيحبسونها في أكواخ يحصنونها من هذا الذباب ويقيمون عليها الحراس.

стр. 1463

من هو روتر ؟ يرى القراء هذه اللفظة عند نهاية كل تلغرافات العالم أو جلها، فيتساءلون تري من هو روتر هذا، وكيف نشأ، وهل هو حي أم قد مات؟. ونحن محدثون القراء عن روتر وما كان منه: يوليوس روتر هو اسم مؤسس هذه الشركة الكبرى التي تنقل أنباء العالم بين جميع أأصقاعه وأقطاره ونواحيه، ولد هذا الرجل منذ ثمانية وتسعين عاماً أي عام ١٨١٦ ولولا قوة ثابتة ونشاطه واجتهاده وعزيمته، لما عرفه العالم ولا احتفل به الناس احتفالهم اليوم ولا ترددت أنباؤه في كل مملكة أو بلد ولما كانت لنكتب عنه هذه السطور. نشأ كما ينشأ كل رجال العمل أو سوداهم فقيراً فكان أول عهده بالصناعة أن أخذ يطوف بين البلاد سعياً على الأقدام أو على ظهور المطي ينقل الأخبار من بلد إلى بلد إذ لم تكن السكك الحديدية ولا الأسلاك البرقية قد جاءت إلى العالم بعد. وكذلك مضى في هذه الحرفة الشاقة المنهكة حتى إذا بلغ الثالثة والثلاثين أقام في مدينة أكس لا شابل من أعمال ألمانيا ينقل الأخبار بالتلغراف بين كثير من بلاد أوروبا وجعل يحذق هذه الصناعة ويدأب على معرفة أسرارها ومطالبها وحاجياتها وكانت لندن كعبته المقصودة ثم أخذ يجتهد حتى أنشأ بها سنة ١٨٥١ مكتباً صغيراً قصر عمله فيه على نقل تقارير الأسواق والأخبار التجارية البحتة ثم لم تلبث فروع عمله أن ازدادت حتى أصبح لذلك المكتب مكاتبون في أغلب عواصم الغرب. ثم عمد إلى الصحف، ولكن الصحف في أول الأمر لم تثق به ولم تركن إليه ولم ترض بعمله وإن كانت قد اعترفت له بأنه قد جاء بطريقة جديدة، على أن هذه الخيبة لم تضعف من عزيمة لرجل ولم تقتل جذور الأمل القوية في أعماق فؤاده بل ظل يجاهد ويعمل ويدأب حتى جاءه النجاح أخيراً. ذلك أن نابليون الثالث ألقى خطابه سياسية هامة في رأس سنة من السنين فالتقطها روتر بحذافيرها - وذلك بقوة الثبات التي لم تكن لتضعف من الصدمات وإن كبرت - وللحال بعث بها إلى الصحف فلم يكن هناك في الغرب صحيفة صغيرة أو كبيرة إلا نشرتها، وقرأها روتر في جريدة التيمس فما كان أشد فرحه بهذا النجاح وما كان أبهجه. ثم لم يقتصر هذا الرجل الدؤوب على ميدان الصحافة بل ما لبث أن دخل في ميادين

стр. 1464

أخرى جعلت الناس باسمه يتحدثون ويهرفون، ذلك أنه في سنة ١٨٥٦ اقترح أن ينشئ أسلاً كما تحت البحر بين إنجلترا وهانوفر وعقد اتفاقاً بين حكومة تلك المقاطعة وفي تلك السنة بعينها عقد اتفاقاً آخر بينه وبين فرنسا على مد أسلاك تلغرافية تحت المحيط بين الشواطئ الفرنسية وبين الولايات المتحدة. ثم طلب في سنة ١٨٧٢ إلى شاه العجم أن يعطيه الحق المطلق في إنشاء السكك الحديدية في بلاد الفرس وتشغيل المناجم والغابات وكثير من المصادر الطبيعية في تلك المملكة فرفض هذا الطلب ولكن عوض له عنه بحق إنشاء مصرف فارس. ووقع لروتر اللقب والشرف الضخم في سنة ١٨٧١ إذ أنعم عليه بلقب البارون روتر وقد كانت وفاته سنة ١٨٩٩ في مدينة نيس من أعمال جنوب فرنسا تاركاً وراءه شركة عظيمة لها أكبر الأثر في تاريخ العالم الحديث.

стр. 1465

القنابل الخانقة كأننا بالعلم يخدم الحربيين أكثر مما يخدم الإنسانية، فقد كان من قوة العلم أن اخترع الفرنسيون في هذه الأيام نوعاً قاتلاً من القنابل لم يعهد له مثيل في تاريخ تطور الأساليب الحربية، ذلك أنهم اخترعوا قنابل خانقة تقطع أنفاس الجنود إذا كانوا في بقعة غير فسيحة من الأرض، وقد وقعت في هذه الحرب حادثة رهيبة تدل على قوة هذه القنابل الفاتكة. وتفصيل ذلك أن كتيبة من الجنود الفرنسية جعلت تطلق قنابلها الخانقة على قصر كان قد احتله جماعة من الألمان، فقلما وقع القصر في أيديهم، ودخلوا يمشون في دروبه ومنها إلى البهو إذ بهم أمام جماعة من الألمان جامدين كأنهم تماثيل من المرمر، فمنهم من كانوا وقوفاً عند النافذة مصوبين بنادقهم ولا تزال أصابعهم ضاغطة على أزندة البنادق، وآخرون كانوا جلوساً يلعبون الورق ويدخنون اللفائف، وقد وقف في وسط الحجرة ضابط فاغراً فاه كأنما كان يريد أن يتكلم، وكان يبدو على الجميع كأنهم لا يزالون أحياء يتنفسون، واقفين أو قاعدين في أمكنتهم التي كانوا عليها منذ ساعة من الزمان!!.

стр. 1466

تميمة الإمبراطور لا يزال الناس وإن أدعوا أنهم قد بلغوا شأوا بعيداً في الحضارة والتهذيب يظهرون بين حين وآخر دليلاً جديداً على جهل الوحشية. هذا هو الإمبراطور غليوم يحمل دائماً في حبيب معطفه تميمة للحرب تتألف من عود من أعواد الحشيش يحتوي على أربع ورقات مجففة يابسة ذات رائحة زكية. وحكاية هذه التميمة ترجع إلى سنة ١٨٧٠ وتفصيلها أن فتاة من فتيات البلاط اقتطفت عوداً من الحشيش فأهدته إلى الملك غليوم الأول فتقبله ولما رجع من موقعة سيدان الكبرى رد العود إلى الفتاة قائلاً لها: لقد جلب إلى هذا العود حسن الطالع فخذيه الآن لعله يجيئك أنت الأخرى بالتوفيق. ومضت أعوام فأهدته الفتاة إلى ابنة الكونتس دولما فلما كانت هذه في حضرة الإمبراطورة يوماً من الأيام ذكرت لها العود واقترحت عليها أن تقدمه إلى الإمبراطور فلما قصت القصة على غليوم لم يكن منه إلا أن أسرع متلهفاً إلى تقبله مؤكداً لزوجته أن هذا العود سيعود إليه بالنصر كما عاد إلى جده منذ أربعين سنة. ولذلك لا يفارق الإمبراطور طلسمه هذا هنيهة واحدة ولا يريد أن يتنازل عن هذه الخرافة الكاذبة حتى الآن!!.

стр. 1467

تهذيب نساء برلين أراد غليوم منذ سنين أن يهذف نساء برلين فأصدر أوامره أن لا تعطي المقاعد في دار التمثيل إلا للسيدات العاريات الصدر المرتديات الأقمصة المعروفة بالدكولتيه وكانت نساء برلين لم يعتدنها من قبل، فلما حانت ساعة التمثيل، وقع منظر عجيب يعجز عنه الوصف. كانت تأتي السيدة إلى المشرف على تذاكر الدخول فتقول (ولكنني كما ترى عجوز، ولست أستطيع أن أظهر غضون عنقي ومكاسر صدري). وهذا يقول لها (هذا لا يهم يا سيدتي، إن الأوامر يجب أن تنفذ، هذا هو المقص) يقول ذلك ثم يخرج من جيبه مقصاً كبير الحجم فتصيح السيدة (هذا فظيع! أيقص (فستاني) أأظهر رقبتي، هذا يستحيل!). ثم تعلو الصيحة فالصيحة وتحاول السيدة أن تمانع ويحاول هو أن يقهرها، بينا الستار يريد أن يرتفع وبينا التمثيل يكاد يبتدئ، فلذلك تجد السيدة أنها مضطرة إلى الإذعان فيعمد الرجل إلى المقص فيقص صدر الثوب وهي بين ذلك مغطية وجهها بيدها والدموع تهمل من عينيها حتى إذا انتهى من تقوير الثوب قال لها (ما هذا يا سيدتي، ألا تنرين أنه قد صار الآن ثوباً باريسياً مفتخراً، انظري إلى نفسك يا سيدتي). فتعدل السيدة إلى المرآة. . . لله ما هذا المنظر الجديد، إن ذلك الجيد الذي ما انكشف يوماً على أجنبي قد بدأ الآن ناصعاً من وراء هذه القوارة، إذ ذاك تحس باحمرار الخجل لأنها لم تبد في هذه البزة منذ يوم عرسها، وإنها لواقفة كذلك أمام المرآة تحملق في صورتها، إذ يعمد إليها خادم آخر من خدمة دار التمثيل فيصلح من أثر القصاصة وينظم حفافي القوارة، فإذا انتهى فتح لها الباب فتدخل البهو إلى مقعدها يعلو وجهها احمرار الخجل. وكذلك اتبعت هذه العملية مع كل النساء النصف منهن والعجوز والشابة والحدثة فأما الشابات ومن في حدودهن فلم يعددن الأمر خطيراً أو صعباً إلى هذا الحد بل جعلت كل منهن تقول لأختها (انظري إلى عنقي، إنه ليس بعد كل هذا دميماً) وأخرى تقول (ماذا يقول فلان إذا رآني هكذا بارزة الصدر!). ولم تلبث رحبة الدار أن امتلأت بالأعناق العارية والنهود البارزة والظهور المنكشفة وأصبحت كدكاكين الخياطين و (ورشهم) قد احتجب بلاطها بقصاصات القماش من كل الأصناف والألوان!!.

стр. 1468

ملابس الجنود لكثير من الحيوانات المفترسة والوحوش الآبدة مقدرة كبرى في التخفي عن القانصين ومخادعة الصائدين والمهاجمين وقد بلغ من مهارة هذه الغريزة إنها تجتهد أن لا تسكن إلا البقاع التي تشبه تربتها وكل ما جاورها ألوان جلودها. وقد تنبيه الألمان إلى هذه الغريزة الحيوانية ففكروا في تغيير لون ملابسهم بلون سماوي قاتم يشبه الضباب وقد شهد كثيرون قد عادوا من ساحة القتال بأن من الصعب رؤيتها حتى من مسافات قريبة جداً، وقد قال أحد المكاتبين الحربيين من الأمريكان بعد أن حضر من ميدان الحرب لا ريب أن مخترع هذه الفكرة الشيطانية من العبقريين!.

стр. 1469

خياطة نياط القلب من غرائب الجراحة وعجائب الجراحين أن الجراح زيدلر الروسي استطاع أن يشفي ثلاثين جريحاً كانوا قد أصيبوا بطعنات نجلاء في القلب ولعل السبب في نجاح هذه العمليات الجراحية التي قام بها يرجع إلى السرعة المتناهية في تأديتها والدقة والاحتراز الشديدين. وتفصيل ذلك أن الجريح كان يؤخذ في التو واللحظة من موضع الإصابة فيعرض لتأثير الأثير ثم ينقل الجراح جزءاً من عظم الصدر ويرفع القلب من مرقده ويسرع في خياطة النياط بين النبضات، ولم يرجع بعد ذلك عظم الصدر إلى مكانه فوق القلب بل اكتفي من الغشاء بالجلد والعضل وذاك لكي يجعل للقلب مكاناً براحاً للامتداد وليمنع الخفقان من التعطيل وقد كان من ذلك أن عدة من هؤلاء الجرحى يشتغلون اليوم بالنشاط الذي كان لهم من قبل.

стр. 1470

العدد ٢٢ - بتاريخ: ١ - ١١ - ١٩١٤

стр. 1471

عالم الأدب ننشر في هذا الباب أطيب الرسائل والمقالات المنوعة في الأدب والأخلاق والاجتماع والتربية والفلسفة وحياة العظماء والقطع المختارة من الروايات النافعة المفيدة والشذرات الجميلة من شتى المنظوم والمنثور والنوادر المختلفة والفكاهات والملح. ونذيل ذلك كله بنقد الكتب العربية التي تظهر في الأسبوعين. تعدد الزوجات رأي الدكتور جوستاف لوبون ليس هناك كاتب وفي المباحث الشرقية والحضارة الإسلامية حقها من رصانة الرأي، وعدل الحكومة، وسداد الاستنتاج، والبعد عن التحيز، مثل البحاثة المحقق الدكتور جوستاف لوبون صاحب كتاب حضارة العرب وقد عثرنا حديثاً بين فصول هذا الكتاب البديع بكلمة ممتعة في ضرورة تعدد الزوجات عند الشرقيين والعوامل الجوية والفسيولوجية والأدبية التي دعت إليه، وبيان خطأ الفرنج في الحكم عليه، فرأينا أن نبسط للقراء رأي هذا الأستاذ المحقق العادل، ونطرفهم بخلاصة هذه الكلمة الشائقة. إن جوستاف لوبون يعيب على الغربيين هذه الصورة الممسوخة التي يصورون بها تعدد الزوجات، وينعى على كتابهم ومؤرخيهم أحكامهم الطائشة وآراءهم المتسرعة لأنه يرى أنك لا تستطيع أن تفهم روح شرع من الشرائع في أمة غير أمتك إلا إذا وضعت نفسك موضعها، وتجردت عند البحث من جنسيتك، ونسيت التيار الفكري الذي يجري في الوسط الذي تعيش فيه والآراء التي تحيط بك. إن نظام تعدد الزوجات عند الدكتور لوبون على النقيض مما يفهم الأوروبيون هو نظام بديع يرفع المستوى الأخلاقي في الأمة التي تعمل به، ويقوى فيها أواصر الأسرة ويشد روابط البيت ويجعل المرأة أشد احتراماً وأسعد حالاً من أختها في الغرب. وإن تعدد الزوجات هو في الحقيقة نظام مستقل منفصل عن مبادئ الإسلام، وجد قبل النبي بين شعوب الشرق وأممه، كان مسنوناً بين اليهود مشروعاً بين الفرس، سارياً بين العرب، فلم تكتسب الأمم التي دخلت في دين القرآن شيئاً من هذا النظام القديم، ولم يكن في مقدرة أي دين من الأديان، وأن أوتي أكبر المقدرة على تغيير الآداب والأنظمة والأخلاق، أن

стр. 1472

يلغي نظاماً مثل هذا أو يعمل على أبطاله، لأنه النتيجة الضرورية للجو، والغاية المحتمة لمزاج الشرقي ونوع الحياة التي يعيشها. أما عن تأثير الجو فلا حاجة للبسط فيه والشرح، حسبك أن فسيولوجية المرأة ومطالب الأمومة والولادة والأوجاع والأمراض وغيرها تضطر المرأة إلى أن تظل أغلب دهرها بعيدة عن زوجها، وهذه العزوبة الوقتية للرجل مستحيلة تحت جو كجو الشرق ومزاج كمزاج الشرقي، وهذا هو الذي جعل تعدد الزوجات من أوجب الصرورات. أما في الغرب، وإن كان الجو أهدأ تأثيراً والطبائع أخف حرارة إلا أنك مع ذلك قل ما تلتقي بفردية الزوجية إلا في القوانين، وأما في العادات والآداب فما أقل العناية بها وما أندر. يتساءل الدكتور لا أعرف لماذا يعتبر هذا التعدد الشرعي للزوجات عند الشرقيين أحط منزلة من هذا التعدد الكاذب الفاحش عند الغربيين، وإن كنت أعلم جد العلم بالأسباب التي تجعل الأول أسمى مكاناً وأربع قدراً من الآخر؟؟!. أما وقد وفهمنا الأسباب الفسيولوجية التي عملت على اشتراع هذا التعدد في الشرق فليس من الصعب علينا أن نفهم السبب الذي حمل الدين على الإقرار عليه والاعتراف به، إن رغبة الشرقيين في الإكثار من النسل، وذوقهم المعترف به في عيشة الأسرة وعواطف العدل التي تتنازعهم ولا تسمح لهم بهجر المرأة التي لم تعد تعجبهم، هي الأسباب التي جعلت الدين يقر على هذا النظام الناشئ عن الآداب والطبائع. يقول جوستاف لوبون وإذا اعترفنا بأن القوانين تنتهي دائماً بموافقة العادات فحق علينا أن نعترف كذلك بأن هذا التعدد المتطرف المجاوز الحد عند الغربيين سينتهي يوماً بأن تقر عليه قوانينهم!. الأديب المصري من كلمة للأستاذ عباس محمود العقاد الكاتب المشهور: . . . . وما علمت في تاريخ الآداب حالاً أعجب ولا مسلكاً أوعر من مسلك الأديب العصري في مصر - عجب حاله وتوعر مسلكه لأن في مصر الأدباء العصريين وليس فيها القراء العصريون. أوهنا القراء العصريون ولكن الصلة بينهم وبين الأديب العصري

стр. 1473

مقطوعة. وما القراء في مصر إلا واحد من ثلاثة: قارئ الأقاصيص والنوادر، وقارئ الأدب العربي، وقاري، الأدب الإفرنجي. فأما قراء الأقاصيص والنوادر فأعنى من أن يقرأوا أدباً قديماً كان أو حديثاً. وأجهل إن قراؤه من أن يميزوا بين زهيدة وثمينه، وبغية هؤلاء من الكتب إنما هي تمرين ألسنتهم على الهجاء أو تبديد الوقت في البطالة والفراغ. وأما قارئ الأدب العربي فإن كان ممن يقرأ فلا يروئ في المطالعة بصره ولا يصير من تلاوة الشيء إلى الحكم عليه فما أشبهه بقراء الأقاصيص!! وإن كان يقرأ ويحكم فهو إنما يحكم بطراز ألفه وشب عليه فلا معدل له عنه. ولا مقياس للأدب العصري إلا أدب الأمم التي سبقتنا في أدوار الحياة والفنون فهو - أي قارئ الأدب العربي - معزول أتم العزل عن آداب تلك الأمم. لا يستطيع نقدها وتقديرها إلا إذا استطاع إماطة الحجاب عن الغيب لأن حكم الرجل على ما ليس يعرف وتوهمه في نفسه القدرة على نقد أدب لا يلحن لغاته ولا يقرأ كتبه ولا يلم يسير أدبائه وأخلاقهم أو بمحاضراتهم ومساجلاتهم أو يحيط بآراء النقاد فيهم وأقوال بعضهم في بعض ويعارض بين عصورهم ومذاهبهم ثم لا يعلم الميزان الذي يزنون به إجادتهم ملاومهم - ذلك بمنزلة حذر الغيب. ولا يحسن هؤلاء الأدباء المقارنة بين الأدبين إلا من جهات المشاركة وهي أخس ما في الأدب العصري وأنأى ما فيه عن جوهره وزبدته. وكائن ترى منهم من يقارن بين أديب محدث وأديب قديم فيرجح هذا على ذاك أنه أرجح من قبل المشاركة وبصفح عما سوى ذلك من الحسنات التي استدق سرها عليه بل يتعجل فيقضى للأدب إلى آخر بخطراته حتى لا يحرم قراء العربية حسنات هذا الكاتب الذي أبت نفسه عليه أن يلابس هذا العالم المنكوس: عالم أشبهوا القرود ولكن ... خالفوها في خفة الأرواح فاختار أن يقيم بعيداً عن المدينة وما فيها من الكذب والنفاق وسقوط الهمم ونستغفر الله القديم جملة على الأدب المصري جملة. وهو إن كان له عذر من الجهل بفضائل الآداب الأجنبية فلا عذر له من الحكم على ما يجهل.

стр. 1474

وربما عجبك من بعضهم أن يأنق للفصل الأنيق أو يستجيد قصيداً جيداً. فإذا سألته عما راقه أضحكك أنه ينتخب ما لم يخطر للكاتب أو الشاعر على بال ويسهو عما عمل له وتحراه كأنه ليس في الفصل أو القصيد. هذا محك أولئك الأدباء على ما علمت من الزلل والانحراف. وكما رأيتهم ليسوا بأخبر من قراء الأقاصيص بغرر هذا الأدب وعرره. وأما قراء الأدب الإفرنجي فيختارون أن يقتبسوه من أمهاته. ويرتادون في لغاته وأكثرهم لا ذوق لهم ولا بصر باللغة العربية، فما هم بأفهم للمعاني المودعة فيها من سواهم. كانت حياة الأدب بالقبيلة ثم صارت حياته بالرؤساء في القرون الوسطى وليست مصر في حال من هذين. ثم صارت حياته اليوم بالقراء، وهم في مصر كما عهدت، فهل بقي للأديب العصري إلا أن يجاهد لنفسه وهل لقارئ حق عليه؟؟. وصف بخيل بقلم الشاعر الكاتب مصطفى صادق الرافعي كتبها خصيصاً للبيان أما فلان فرجل بخيل لو مسخ حجراً لكفرت من سخطها الأحجار، ولو كان حديداً لما لأن الحديد في النار، ولو صوره الله طيناً أجوف لما طن في يد أحد على نقر، ولو خلقه مرة أخرى من تراب لما جمع هذا التراب إلا من ثياب أهل الفقر. غنى مقتصد ملء برده مال، وملء جلده آمال، يستغل الصفر فيخرج منه ألفين، ويرى من إجلال الدينار أنه كما كتب اسم الله بلامين يكتب الدينار بألفين، وكم تمنى أن يكون كإبليس في أنه لا يموت إلا متى هرم الدهر، ولا يذهب من الأرض إلا حين لا يبقى في تاريخ الأرض عام ولا شهر، وإذا خوفته الموت والحساب قال دع عنك، وإذا علم أنه سيعطي كتاب أعماله قال يا ليته من ورق البنك. على أن درهمه في أيدي الناس هم، واسمه في أفواههم سم، وكم لدراهمه من قتيل فمن (استلف)، فقد ذهب في التلف، ومن اقترض، فقد انقرض، وكم من بئيس قشعت غمامته، ثم غالت هامته، وقضت دينه، ثم أبكت عينه، فو الذي نفسي بيده إن دراهمه للصوص، وأنه للئيم (على الخصوص)، يرسل الدرهم في يد المسكين فيذهب فيه ديناره، ويقدح فكره الخبيث فلا تقع إلا في بيوت الفقراء ناره، ولو كان مخلوقاً يوم عرض الله الأمانة على

стр. 1475

السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها لحمل وحده الأمانة، وإذا كان مبلغ القول في وصف كل غنى كريم أنه صراف في خزانة الله فجهد القول في مثل هذا اللئيم أنه لص الخزانة. وهو على غناه كأنه في الناس من همه بؤس القمار، وكأنه لحقارته ذيل الحمار، إن طلع عليهم فطالع زحل، وإن غاب عنهم فوباء رحل، ومتى ذكروه، فكأنهم أنكروه، وإذا قضى عليهم أن يسموه، فكأنما شتموه، وإذا وصفوه قالوا وجع الأظفار، وذنب بلا استغفار، وإذا عدوا الفئران سبب الطاعون عدوه سبب العدوى بين الطاعون والفار. وأنه لآية فما رآه الصالحون إلا قالوا اللهم غفرا، ولا رآه الجاحدون إلا زادوا عتواً وكفراً، أما وجهه فلو أنزل الله مرآة من السماء فنظر فيها لصدئت من قبح خياله، كصدأ، ذلك المخزون من ماله، وأما روعته فلو خرج على الحسان لابتلاهن بما يفجأ الظباء من رؤية الفهد، وامتلكهن بما تشعر به المرضع إذا كشفت عن طفلها فأبصرت الثعبان في المهد، وأما جهامته فلو نظر إليه البدر لغرب، ولو أطلع عليه الفجر لهرب، وأما روحه فلو بعثت في خلق آخر لما كانت إلا بقة صيف، في رقبة ضيف، أو بعوضة تلسع العاشق المهجور فتوقظه وقد ظفر بالطيف، وحياته كالبلاء المحتوم، وغناه كالطلسم المحتوم، وأما هو فكالقبر الكتوم. وأحسب لو رسمه أمهر المصورين فأبدع في خطوطه وألوانه، وأنطقه من عينه وعنوانه، وجعله آية فنه وافتنانه، وترك من يراه لا يحسب إلا أن المصور قد سرقه، أو أن الله تعالى مسخه على ورقه، لبقي مع ذلك في رسمه مغمز لا يصلحه إلا الشيطان الرجيم، ولا تلونه إلا شعلة من نار الجحيم، ومن للمصور بشرارتين من الصاعقة ينزلهما في الرسم لتظهر بهما عيناه، ومن له برقبتي البخل والرذيلة يطبق عليهما يسراه ويمناه، ومن له بلونين من غضب الله ونقمته يظهر بهما في الصورة معنى فقره وغناه؟. ولست أطيل في القول فما أنا ببالغ من الفول بعض صفاته، وهيهات أن يصفه إلا من يعلم لغة الملائكة فينقل إلى لغة الناس كتاب سيئاته. بشار بن برد في طليعة شعراء العرب، وأحد شعراء الدنيا الذين لا ينتطح عنزان في أسبقيتهم في حلبة
следующие страницы →