← Адаб

Адаб · id 73348

مجلة البيان للبرقوقي

البرقوقي

Полный текст (3 596 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

عالم الأدب ننشر في هذا الباب أطيب الرسائل والمقالات المنوعة في الأدب والأخلاق والاجتماع والتربية والفلسفة وحياة العظماء والقطع المختارة من الروايات النافعة المفيدة والشذرات الجميلة من شتى المنظوم والمنثور والنوادر المختلفة والفكاهات والملح. ونذيل ذلك كله بنقد الكتب العربية التي تظهر في الأسبوعين. تعدد الزوجات رأي الدكتور جوستاف لوبون ليس هناك كاتب وفي المباحث الشرقية والحضارة الإسلامية حقها من رصانة الرأي، وعدل الحكومة، وسداد الاستنتاج، والبعد عن التحيز، مثل البحاثة المحقق الدكتور جوستاف لوبون صاحب كتاب حضارة العرب وقد عثرنا حديثاً بين فصول هذا الكتاب البديع بكلمة ممتعة في ضرورة تعدد الزوجات عند الشرقيين والعوامل الجوية والفسيولوجية والأدبية التي دعت إليه، وبيان خطأ الفرنج في الحكم عليه، فرأينا أن نبسط للقراء رأي هذا الأستاذ المحقق العادل، ونطرفهم بخلاصة هذه الكلمة الشائقة. إن جوستاف لوبون يعيب على الغربيين هذه الصورة الممسوخة التي يصورون بها تعدد الزوجات، وينعى على كتابهم ومؤرخيهم أحكامهم الطائشة وآراءهم المتسرعة لأنه يرى أنك لا تستطيع أن تفهم روح شرع من الشرائع في أمة غير أمتك إلا إذا وضعت نفسك موضعها، وتجردت عند البحث من جنسيتك، ونسيت التيار الفكري الذي يجري في الوسط الذي تعيش فيه والآراء التي تحيط بك. إن نظام تعدد الزوجات عند الدكتور لوبون على النقيض مما يفهم الأوروبيون هو نظام بديع يرفع المستوى الأخلاقي في الأمة التي تعمل به، ويقوى فيها أواصر الأسرة ويشد روابط البيت ويجعل المرأة أشد احتراماً وأسعد حالاً من أختها في الغرب. وإن تعدد الزوجات هو في الحقيقة نظام مستقل منفصل عن مبادئ الإسلام، وجد قبل النبي بين شعوب الشرق وأممه، كان مسنوناً بين اليهود مشروعاً بين الفرس، سارياً بين العرب، فلم تكتسب الأمم التي دخلت في دين القرآن شيئاً من هذا النظام القديم، ولم يكن في مقدرة أي دين من الأديان، وأن أوتي أكبر المقدرة على تغيير الآداب والأنظمة والأخلاق، أن

стр. 1472

يلغي نظاماً مثل هذا أو يعمل على أبطاله، لأنه النتيجة الضرورية للجو، والغاية المحتمة لمزاج الشرقي ونوع الحياة التي يعيشها. أما عن تأثير الجو فلا حاجة للبسط فيه والشرح، حسبك أن فسيولوجية المرأة ومطالب الأمومة والولادة والأوجاع والأمراض وغيرها تضطر المرأة إلى أن تظل أغلب دهرها بعيدة عن زوجها، وهذه العزوبة الوقتية للرجل مستحيلة تحت جو كجو الشرق ومزاج كمزاج الشرقي، وهذا هو الذي جعل تعدد الزوجات من أوجب الصرورات. أما في الغرب، وإن كان الجو أهدأ تأثيراً والطبائع أخف حرارة إلا أنك مع ذلك قل ما تلتقي بفردية الزوجية إلا في القوانين، وأما في العادات والآداب فما أقل العناية بها وما أندر. يتساءل الدكتور لا أعرف لماذا يعتبر هذا التعدد الشرعي للزوجات عند الشرقيين أحط منزلة من هذا التعدد الكاذب الفاحش عند الغربيين، وإن كنت أعلم جد العلم بالأسباب التي تجعل الأول أسمى مكاناً وأربع قدراً من الآخر؟؟!. أما وقد وفهمنا الأسباب الفسيولوجية التي عملت على اشتراع هذا التعدد في الشرق فليس من الصعب علينا أن نفهم السبب الذي حمل الدين على الإقرار عليه والاعتراف به، إن رغبة الشرقيين في الإكثار من النسل، وذوقهم المعترف به في عيشة الأسرة وعواطف العدل التي تتنازعهم ولا تسمح لهم بهجر المرأة التي لم تعد تعجبهم، هي الأسباب التي جعلت الدين يقر على هذا النظام الناشئ عن الآداب والطبائع. يقول جوستاف لوبون وإذا اعترفنا بأن القوانين تنتهي دائماً بموافقة العادات فحق علينا أن نعترف كذلك بأن هذا التعدد المتطرف المجاوز الحد عند الغربيين سينتهي يوماً بأن تقر عليه قوانينهم!. الأديب المصري من كلمة للأستاذ عباس محمود العقاد الكاتب المشهور: . . . . وما علمت في تاريخ الآداب حالاً أعجب ولا مسلكاً أوعر من مسلك الأديب العصري في مصر - عجب حاله وتوعر مسلكه لأن في مصر الأدباء العصريين وليس فيها القراء العصريون. أوهنا القراء العصريون ولكن الصلة بينهم وبين الأديب العصري

стр. 1473

مقطوعة. وما القراء في مصر إلا واحد من ثلاثة: قارئ الأقاصيص والنوادر، وقارئ الأدب العربي، وقاري، الأدب الإفرنجي. فأما قراء الأقاصيص والنوادر فأعنى من أن يقرأوا أدباً قديماً كان أو حديثاً. وأجهل إن قراؤه من أن يميزوا بين زهيدة وثمينه، وبغية هؤلاء من الكتب إنما هي تمرين ألسنتهم على الهجاء أو تبديد الوقت في البطالة والفراغ. وأما قارئ الأدب العربي فإن كان ممن يقرأ فلا يروئ في المطالعة بصره ولا يصير من تلاوة الشيء إلى الحكم عليه فما أشبهه بقراء الأقاصيص!! وإن كان يقرأ ويحكم فهو إنما يحكم بطراز ألفه وشب عليه فلا معدل له عنه. ولا مقياس للأدب العصري إلا أدب الأمم التي سبقتنا في أدوار الحياة والفنون فهو - أي قارئ الأدب العربي - معزول أتم العزل عن آداب تلك الأمم. لا يستطيع نقدها وتقديرها إلا إذا استطاع إماطة الحجاب عن الغيب لأن حكم الرجل على ما ليس يعرف وتوهمه في نفسه القدرة على نقد أدب لا يلحن لغاته ولا يقرأ كتبه ولا يلم يسير أدبائه وأخلاقهم أو بمحاضراتهم ومساجلاتهم أو يحيط بآراء النقاد فيهم وأقوال بعضهم في بعض ويعارض بين عصورهم ومذاهبهم ثم لا يعلم الميزان الذي يزنون به إجادتهم ملاومهم - ذلك بمنزلة حذر الغيب. ولا يحسن هؤلاء الأدباء المقارنة بين الأدبين إلا من جهات المشاركة وهي أخس ما في الأدب العصري وأنأى ما فيه عن جوهره وزبدته. وكائن ترى منهم من يقارن بين أديب محدث وأديب قديم فيرجح هذا على ذاك أنه أرجح من قبل المشاركة وبصفح عما سوى ذلك من الحسنات التي استدق سرها عليه بل يتعجل فيقضى للأدب إلى آخر بخطراته حتى لا يحرم قراء العربية حسنات هذا الكاتب الذي أبت نفسه عليه أن يلابس هذا العالم المنكوس: عالم أشبهوا القرود ولكن ... خالفوها في خفة الأرواح فاختار أن يقيم بعيداً عن المدينة وما فيها من الكذب والنفاق وسقوط الهمم ونستغفر الله القديم جملة على الأدب المصري جملة. وهو إن كان له عذر من الجهل بفضائل الآداب الأجنبية فلا عذر له من الحكم على ما يجهل.

стр. 1474

وربما عجبك من بعضهم أن يأنق للفصل الأنيق أو يستجيد قصيداً جيداً. فإذا سألته عما راقه أضحكك أنه ينتخب ما لم يخطر للكاتب أو الشاعر على بال ويسهو عما عمل له وتحراه كأنه ليس في الفصل أو القصيد. هذا محك أولئك الأدباء على ما علمت من الزلل والانحراف. وكما رأيتهم ليسوا بأخبر من قراء الأقاصيص بغرر هذا الأدب وعرره. وأما قراء الأدب الإفرنجي فيختارون أن يقتبسوه من أمهاته. ويرتادون في لغاته وأكثرهم لا ذوق لهم ولا بصر باللغة العربية، فما هم بأفهم للمعاني المودعة فيها من سواهم. كانت حياة الأدب بالقبيلة ثم صارت حياته بالرؤساء في القرون الوسطى وليست مصر في حال من هذين. ثم صارت حياته اليوم بالقراء، وهم في مصر كما عهدت، فهل بقي للأديب العصري إلا أن يجاهد لنفسه وهل لقارئ حق عليه؟؟. وصف بخيل بقلم الشاعر الكاتب مصطفى صادق الرافعي كتبها خصيصاً للبيان أما فلان فرجل بخيل لو مسخ حجراً لكفرت من سخطها الأحجار، ولو كان حديداً لما لأن الحديد في النار، ولو صوره الله طيناً أجوف لما طن في يد أحد على نقر، ولو خلقه مرة أخرى من تراب لما جمع هذا التراب إلا من ثياب أهل الفقر. غنى مقتصد ملء برده مال، وملء جلده آمال، يستغل الصفر فيخرج منه ألفين، ويرى من إجلال الدينار أنه كما كتب اسم الله بلامين يكتب الدينار بألفين، وكم تمنى أن يكون كإبليس في أنه لا يموت إلا متى هرم الدهر، ولا يذهب من الأرض إلا حين لا يبقى في تاريخ الأرض عام ولا شهر، وإذا خوفته الموت والحساب قال دع عنك، وإذا علم أنه سيعطي كتاب أعماله قال يا ليته من ورق البنك. على أن درهمه في أيدي الناس هم، واسمه في أفواههم سم، وكم لدراهمه من قتيل فمن (استلف)، فقد ذهب في التلف، ومن اقترض، فقد انقرض، وكم من بئيس قشعت غمامته، ثم غالت هامته، وقضت دينه، ثم أبكت عينه، فو الذي نفسي بيده إن دراهمه للصوص، وأنه للئيم (على الخصوص)، يرسل الدرهم في يد المسكين فيذهب فيه ديناره، ويقدح فكره الخبيث فلا تقع إلا في بيوت الفقراء ناره، ولو كان مخلوقاً يوم عرض الله الأمانة على

стр. 1475

السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها لحمل وحده الأمانة، وإذا كان مبلغ القول في وصف كل غنى كريم أنه صراف في خزانة الله فجهد القول في مثل هذا اللئيم أنه لص الخزانة. وهو على غناه كأنه في الناس من همه بؤس القمار، وكأنه لحقارته ذيل الحمار، إن طلع عليهم فطالع زحل، وإن غاب عنهم فوباء رحل، ومتى ذكروه، فكأنهم أنكروه، وإذا قضى عليهم أن يسموه، فكأنما شتموه، وإذا وصفوه قالوا وجع الأظفار، وذنب بلا استغفار، وإذا عدوا الفئران سبب الطاعون عدوه سبب العدوى بين الطاعون والفار. وأنه لآية فما رآه الصالحون إلا قالوا اللهم غفرا، ولا رآه الجاحدون إلا زادوا عتواً وكفراً، أما وجهه فلو أنزل الله مرآة من السماء فنظر فيها لصدئت من قبح خياله، كصدأ، ذلك المخزون من ماله، وأما روعته فلو خرج على الحسان لابتلاهن بما يفجأ الظباء من رؤية الفهد، وامتلكهن بما تشعر به المرضع إذا كشفت عن طفلها فأبصرت الثعبان في المهد، وأما جهامته فلو نظر إليه البدر لغرب، ولو أطلع عليه الفجر لهرب، وأما روحه فلو بعثت في خلق آخر لما كانت إلا بقة صيف، في رقبة ضيف، أو بعوضة تلسع العاشق المهجور فتوقظه وقد ظفر بالطيف، وحياته كالبلاء المحتوم، وغناه كالطلسم المحتوم، وأما هو فكالقبر الكتوم. وأحسب لو رسمه أمهر المصورين فأبدع في خطوطه وألوانه، وأنطقه من عينه وعنوانه، وجعله آية فنه وافتنانه، وترك من يراه لا يحسب إلا أن المصور قد سرقه، أو أن الله تعالى مسخه على ورقه، لبقي مع ذلك في رسمه مغمز لا يصلحه إلا الشيطان الرجيم، ولا تلونه إلا شعلة من نار الجحيم، ومن للمصور بشرارتين من الصاعقة ينزلهما في الرسم لتظهر بهما عيناه، ومن له برقبتي البخل والرذيلة يطبق عليهما يسراه ويمناه، ومن له بلونين من غضب الله ونقمته يظهر بهما في الصورة معنى فقره وغناه؟. ولست أطيل في القول فما أنا ببالغ من الفول بعض صفاته، وهيهات أن يصفه إلا من يعلم لغة الملائكة فينقل إلى لغة الناس كتاب سيئاته. بشار بن برد في طليعة شعراء العرب، وأحد شعراء الدنيا الذين لا ينتطح عنزان في أسبقيتهم في حلبة

стр. 1476

الشعر، بشار بن برد الأعمى شيخ المحدثين، وأحد مخضرمي شعراء الدولتين فإن هذا الشاعر يأبى إلا أن يكون شاعراً من أي الجهات نظرت إليه، فهو هو في الشعر ومحله فيه وتقدمه في طبقات المحدثين بإجماع الرواة ورآسته عليهم من غير اختلاف في ذلك محله وتقدمه ورآسته. وإذا نظرت إليه في أسلوب معيشته وجدته شاعراً، وتراه في مجونه ونوادره وغرائب أطواره شاعراً، نعم وتراه فتظنه الشعر مجسماً، ولا جرم فإنه ينمي إلى أصل آري وقد درج في مهد العربية وغذى بلبان البداوة وأخرج في خير العصور وأحفلها بالشعر والشعراء ونحن ذاكرون نهنا نتفا من شؤون هذا الشاعر العبقري تفكهة لقراء البيان. (أصله ومنشأه) أسلفنا أن بشاراً ينمي إلى أصل آري وذلك أن أباه برداً من فرس طخارستان (ولاية واسعة كبيرة من نواحي خراسان تشتمل على عدة بلدان) أصابه المهلب بن أبي صفرة (أحد أمراء الجيوش أزمان الدولة الأموية) في سبي فكان من نصيب زوجة المهلب فأقام برد في ضيعة لها بالبصرة مع عبيدها وإمائها ثم زوجته وأهدته لامرأة من بني عقيل كانت متصلة بها فولدت له امرأته وهو في ملكها بشاراً فأعتقته العقيلية فنشأ بشار عتيقاً لهم وربى في منازلهم ومنازل بني سدوس وصار يختلف إلى الإعراب الضاربين ببادية البصرة. (خُلقه وخلقه) كان بشاراً أكمه إذ ولد أعمى - قال الأصمعي كان بشار ضخماً عظيم الخلق والوجه مجدوراً آدم طويلاً جاحظ العينين قد تغشاهما لحم أحمر فكان أقبح الناس عمى وأفظعه منظراًَ - وكان إذا أراد أن ينشد صفق بيديه وتنحنح وبصق من عن يمينه وشماله ثم ينشد فيأتي بالعجب. قال الأصمعي: وكان بشار من أشد الناس تبرماً بالناس وكان يقول الحمد لله الذي ذهب ببصري فقيل له ولم يا أبا معاذ فقال لئلا أرى ما أبغض. وكذلك العبقريون يبرمون بالناس ويبرم بهم الناس كما أبان عن ذلك صاحب كتاب حديث المائدة في كلمته النبوغ والعبقرية. (سر آخر من أسرار عبقريته)

стр. 1477

قال الأصمعي: ولد بشار أعمى فما نظر إلى الدنيا قط وكان يشبه الأشياء بعضها ببعض في شعره فيأنى بما لا يقدر البصراء أن يأتوا بمثله فقيل له يوماً وقد أنشد قوله: كأن مثار النقع فوق رؤسنا ... وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه ما قال أحد أحسن من هذا التشبيه فمن أين لك هذا ولم تر الدنيا قط ولا شيئاً فيها؟ فقال: إن عدم النظر يقوي ذكاء القلب ويقطع عنه الشغل بما ينظر إليه من الأشياء فيتوفر حسه وتذكو قريحته ثم أنشد قوله: عميت جنينا والذكاء من العمى ... فجئت عجيب الظن للعلم موثلا وغاض ضياء العين للعلم رافدا ... بقلب إذا ما ضيع الناس حصلا وشعر كنور الأرض لامعت بينه ... بقول إذا ما أحزن الشعر أسهلا (آراء نقدة العرب فيه) قال الجاحظ: كان بشار خطيباً صاحب منثور ومزدوج وسجع ورسائل وهو من المطبوعين أصحاب الإبداع والاختراع المتفننين في الشعر القائلين في أكثر أجناسه وضروبه. وقال الأصمعي: قال بشار العشر وله عشر سنين فما بلغ الحلم إلا وهو مخشى معرة اللسان بالبصرة. قال: وكان بشار يقول: هجوت جريراً فاستغرني وأعرض عني ولو أجابني لكنت أشعر أهل زماني. وسئل الأصمعي عن بشار ومروان بن أبي حفصة أيهما أشعر فقال: بشار. فسئل عن سبب ذلك فقال لأن مروان سلك طريقاً كثر من يسلكه فلم يلحق بمن تقدمه وشكره فيه من كان في عصره. وبشار سلك طريقاًَ لم يسلك وأحسن فيه وتفرد به وهو أكثر تصرفاً وفنون شعر وأغزر وأوسع بديعاً، ومروان لم يتجاوز مذهب الأوائل وسمع الأصمعي مرة وقد عاد إلى البصرة من بغداد فسأله رجل عن مروان فقال وجدت أهل بغداد قد ختموا به الشعراء وبشار أحق أن يختموهم به من مروان. فقيل له ولم فقال: وكيف لا يكون ذلك وما كان مروان في حياة بشار يقول شعراً حتى يصلحه له بشار ويقومه وهذا سلم الخاسر أحد كبار الشعراء وهو تلميذ بشار، من طبقة مروان يزاحمه بين أيدي الخلفاء بالشعر (والخلفاء في ذلك الوقت هم هم علماً وأدباً وبصراً بمواضع النقد) ويساويه في الجوائز وسلم معترف

стр. 1478

بأنه تبع لبشار - هذا رأي الأصمعي وقد طابقه على ذلك أكثر النقاد. (عقيدته ومذهبه) قال السيد المرتضى صاحب كتاب الأمالي أخو الشريف الرضى الشاعر وكما أنه في الجاهلية وقبل الإسلام وفي ابتدائه قوم يقولون بالدهر وينفون الصانع، وآخرون مشركون يعبدون غير خالقهم، ويستنزلون الرزق من غير رازقهم أخبر الله عنهم في كتابه وضرب لهم الأمثال وكرر عليهم البينات والأعلام، فقد نشأ بعد هؤلاء جماعة مم يتستر بإظهار الإسلام ويحقن بإظهار شعائره والدخول في جملة أهله زنادقة ملحدون وكفار مشركون، فمنعهم عز الإسلام عن المظاهرة، وألجأهم خوف القتل إلى المآثرة وبلية هؤلاء على الإسلام وأهله أعظم وأغلظ لأنهم يدغلون في الدين ويموهون على المستضعفين بجأش رابط ورأى جامع، فعل من قد آمن الوحشة، ووثق بالآنسة بما يظهره من لباس الدين الذي هو منه على الحقيقة عار، وبأثوابه غير متوار. كما حكى أن عبد الكريم بن أبي العوجاء قال: لما قبض عليه محمد بن سليمان وهو وإلى الكوفة من قبل المنصور وأحضره للقتل وأيقن بمفارقة الحياة - لئن قتلتموني لقد وضعت في أحاديثكم أربعة آلاف حديث مكذوبة مصنوعة - والمشهورون من هؤلاء الوليد ابن يزيد بن عبد الملك، والحمادون (حماد الراوية، وحماد بن الزربرقان، وحماد عجرد) وعبد الله بن المقفع. وعبد الكريم بن أبي العوجاء. ومطيع بن إياس، ويحيى بن زياد الحارثي. وصالح بن عبد القدوس الأزدي (الشاعر) وعلي بن خليل الشيباني وبشار بن برد وغير هؤلاء ممن لم نذكره. . . الخ. ثم بنين مذهب كل من هؤلاء إلى أن قال: فأما بشار بن برد فروى المازني قال: قال رجل لبشار أتاكل اللحم وهو مباين لديانتك (يذهب إلى أنه ثنوى) فقال بشار إن هذا اللحم يدفع عني شر هذه الظلمة. . . قال المبرد ويروي أن بشاراً كان يتعصب للنار على الأرض ويصوب رأي إبليس في الامتناع عن السجود وروى له: النار مشرقة والأرض مظلمة ... والنار معبودة مذ كانت النار وروى بعض أصحابه قال: كنت أكلم بشاراً وأرد عليه سوء مذهبه بميله إلى الإلحاد فكان يقول لا أعرف إلا ما عاينت أو عاينه معاين. فكان الكلام يطول بيننا. فقال: ما أظن الأمر يا أبا مخلد إلا كما يقال إنه خذلان ولذلك أقول:

стр. 1479

طبعت على نما في غير مخير ... هواي ولو خيرت كنت المهذبا أريد فلا أعطي وأعطي فلم أرد ... وغيب عني أن أنال المغيبا وأصرف عن قصدي وعلمي مبصر ... وأمسى وما أعقبت إلا التعجبا وقال الجاحظ في البيان والتبيين. وكان بشار يدين بالرجعة ويكفر جميع الأمة بعد النبي ﷺ قال: وكان صديقاً لواصل بن عطاء الغزال قبل أن يظهر مذاهبه المكروهة فلما أظهرها هتف به واصل فقام بذكره وتكفيره وقعد فقال بشار يهجوه: مالي أشايع غزالاً له عنق ... كنقنق الدو إن ولي وإن مثلا عنق الزرافة ما بالي وبالكم ... تكفرون رجالاً أكفر وأرجلا فلما تتابع على واصل ما يشهد بالحاده قال عند ذلك: أما لهذا الأعمى الملحد، أما لهذا المشنف المكنى بأبي معاذ من يقتله، أما والله لولا أن الغيلة سجية من سجايا الغالية لدست إليه من يبعج بطنه في جوف منزله على مضجعه أو في يوم حفلة ثم كان لا يتولى ذلك إلا عقيلي أو سدوسي - وكان واصل الثغ على الراء فكان يجتنبها في كلامه ألا ترى أنه عدل في هذه الكلمة من الضرير إلى الأعمى ومن الكافر إلى الملحد ومن المرعث إلى المشنف ومن بشار إلى أبي معاذ ومن الفراش إلى المضجع - قال السيد المرتضى وزاد قوم فقالوا ومن أرسلت إلى دست ومن يبقر إلى بيعج ومن داره إلى منزله ومن المغيرية إلى الغالية، والأول أشبه بأن يكون مقصوداً، وما ذكر ثانياً فقد يتفق استعماله من غير عدول عن استعمال الراء - وأنا أقول: وكذلك الأعمى والملحد قد يتفق استعمالها من غير عدول عن استعمال الراء، فأما قول واصل لا يتولى ذلك إلا عقيلي فلأن بشاراً كان مولى لهم كما علمت - وذكره بني سدوس لأن بشاراً كان ينزل فيهم، فأما بشار بالمرعث فقد قيل في ذلك ثلاثة أقوال أحدها أنه لقب بذلك لبيت قاله وهو: قال ريم مرعث ... ساحر الطرف والنظر لست والله نائلي ... قلت أو يغلب القدر أنت إن رمت وصلنا ... فانج هل تدرك القمر وقيل إنه كان لبؤشار ثوب له جيبان وارتان أي فتحتان أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله فكان إذا أراد لبسه يضمه عليه ضماً من غير أن يدخل رأسه فيه فشبه استرسال

стр. 1480

الجيبين وتدليهما بالرعاث وهي القرطة فقيل المرعث، وقال أبو عبيدة إنما سمي المرعث لأنه كان يلبس في صباه رعاثاً. (ملحه ونوادره) دخل يزيد بن منصور الحميري على المهدي الخليفة العباسي وبشار بين يديه ينشده قصيدة امتدحه بها فلما فرغ منها أقبل عليه يزيد - وكان فيه غفلة - فقال له يا شيخ ما صناعتك فقال أثقب اللؤلؤ فضحك المهدي ثم قال لبشار ويلك أتتنادر على خالي فقال له وما أصنع به؟ يرى شيخاً أعمى ينشد الخليفة شعراً ويسأله عن صناعته، وكان بشار جالساً في دار المهدي والناس ينتظرون الأذن فقال بعض موالي المهدي إن حضر ما عندكم في قول الله - وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتاً ومن الشجر - فقال بشار النحل التي يعرفها الناس قال هيهات يا أبا معاذ النحل هم بنو هاشم وقوله يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس يعني العلم فقال له بشار أراني الله طعامك وشرابك وشفاءك فيما يخرج من بطون بني هاشم فقد أوسعتنا غثاثة فغضب وشتم بشاراً وبلغ المهدي الخبر فدعاهما فسألهما عن القصة فحدثه بشار به فضحك حتى أمسك على بطنه ثم قال للرجل أجل فجعل الله طعامك وشرابك مما يخرج من بطون بني هاشم فإنك بارد غث. ومر بشار بقاص في المدينة فسمعه يقول في قصصه من صام رجباً وشعبان ورمضان بني الله له قصراً في الجنة صحنه ألف فرسخ في مثلها وعلوه ألف فرسخ وكل باب من أبواب بيوته ومقاصره عشرة فراسخ في مثلها - فالتفت بشار إلى قائده فقال بئست والله الدار هذه في كانون الثاني (أي شهر طوبه أحد شهور الشتاء). ومر بشار برجل قد رمحته بغلة (ضربت به الأرض) وهو يقول الحمد لله شكراً فقال له بشار استزده يزدك - وم به قوم يحملون جنازة وهم يسرعون المشي بها فقال ما لهم مسرعين أتراهم سرقوه فهم يخافون أن يلحقوا فيؤخذ منهم - ورفع غلامه إليه في حساب نفقته جلاء مرآة عشرة دراهم فصاح به بشار وقال والله ما في الدنيا أعجب من جلاء مرآة أعمي بشعرة دراهم، والله لو صدئت عين الشمس حتى يبقى العالم في ظلمة ما بلغت أجرة من يجلوها عشرة دراهم - وحضر مرة باب محمد بن سليمان فقال له الحاجب اصبر فقال إن الصبر لا يكون إلا على بلية فقال له الحاجب إني أظن أن وراء قولك هذا شراً ولن

стр. 1481

أتعرض له فقم وادخل - وقال له هلال بن عطية وكان له صديقاً يمازحه: إن الله لم يذهب بصر أحد غلا عوضه بشيء فما عوضك قال الطويل العريض قال وما هذا قال أن لا أراك ولا أمثالك من الثقلاء ثم قال له يا هلال أتطيعني في نصيحة أخصك بها قال نعم إنك كنت تسرق الحمير زماناً ثم نبت وصرت رافضياً فعد إلى سرقة الحمير فهي والله خير لك من الرفض. حكى أبو دهمان الغلال قال: مررت ببشار يوماً وهو جالس على بابه وحده وليس معه خلق وبيده مخصرة يلعب بها وقدامه طبق في تفاح وأترج فلما رأيته وليس عند أحد تاقت نفسي إلى أن أسرق ما بين يديه فجئت قليلاً قليلاً وهو كاف حتى مددت يدي لأتناول منه فرفع القضيب فضرب به يدي ضربة كاد يكسرها فقلت قطع الله يدك يا ابن الفاعلة أنت الآن أعمى؟ فقال يا أحمق فأين الحس. ذاك ما وسعه هذا العدد وسنأتي في العدد القادم على كثير من نوادره وأحوالهن مع صواحبه وكيف كان يعيش وقطع من شعره إن شاء الله.

стр. 1482

عالم العلم الإنسانية الأولى بينما يزهى الإنسان المتحضر الحديث بآدابه وفلسفته وعلومه، وبينا هو يظن أن الأرض قد تبدلت بقوة ابتكاره وابتداعه غير الأرض، وأن الإنسانية قد دانت الكمال الاجتماعي، وبينا نحن نهرف بقوة المثل الأعلى، ونفخر بأننا ذللنا قوى الطبيعة وسخرنا لإرادتنا عناصر الكون، بينا كل هذا يجري في بقعة من الأرض، إذ بأقطار بعيدة المرامي والأنحاء لا تزال تعيش وتنمو في الظلام، ولا تزال تجري مع غرائزها الحيوانية المخيفة الرهيبة، تطلع عليهم الشمس اليوم وتغرب كما كانت تطلع عليهم وتغرب منذ أبعد عهود النشوء، وأنأى أدوار التكوين، كل ذلك ونحن لا نستطيع أن نحرمهم من مشاركتنا في لفظة الإنسانية ولا نخجل بعد ذلك من الإغراق في الزهو والعجب والخيلاء. حدث أحد قباطنة الإنكليز بعد سفرة طويلة إلى جزر الملانزيا الواقعة بين جزيرة غينيا الجديدة وبين جزر فيجي، غرب القارة الإسترالية، عما شاهد من غرائب الإنسانية المتوحشة، قال: إن أهل هذه الجزر يأكلون الآدميين، ويقطعون جماجمهم، ولا يزال الرجل منهم يعتقد أن من أوجب الواجبات عليه أن يأكل شخصاً عظيم الشأن، قوي الأسر حتى يكتسب من أكله القوة، ويجتني من التهامه الشدة والعظمة. وإذا اقتتلت طائفتان منهم، اجتهدت كل واحدة منها لتقتل زعيم القبيلة الأخرى فإذا ظفروا بجثته أقاموا عليها وليمة شائقة يقتسمون فيها لحمه بينهم، في فرح شديد كما لو كانوا يقتسمون بينهم ديكاً أو حملاً، وهم يعتقدون أنهم يأكل رجل قوي كهذا يكتسبون قوته وشدة مراسه، وهذه العقيدة الجائعة تجعل مقام الرجل الأبيض محفوفاً بأشد المكاره لأنهم يرون في البيض أقصى حدود الشجاعة والشدة والقوة. والفخر عندهم كل الفخر أن يعلق الرجل منهم على رأس كوخه العدد الأكبر من الجماجم الآدمية والهامز والحروب بين قبائلهم لا انقطاع لها، وهي نهاية في الوحشية والهول، حتى اعتاد بعض القبائل أن يبنى جزراً صناعية فوق الصخور في وسط النهار والبحيرات يأوى إليها خلق كثير من نسائهم وأطفالهم وشيوخهم، خلاصاً بهم من شر القبائل الأخرى المعادية لهم.

стр. 1483

والخرافات شائعة بينهم، حتى لقد بلغ من تأثيرها عندهم أن الرجل قد يلقى في روعه أنه سيموت، فلا ينثني عن مكانه رافضاً الطعام والشراب، طالباً الموت حتى يدركه. ومنهم قبائل كثيرة تعتقد أن كل أسرة منهم يجب أن تظفر في العام برأس آدمي وإلا حاق بها الويل، ونزل بها العذاب، من مرض أو جراح أو جدب أو قحط أو موت، فإذا اصطاد أحدهم جمجمة رجل دفنها تحت أرض الكوخ الذي يقيم فيه، ووضع فوق مكان الحفرة ألواحاً يضع فيها نذراً للشياطين والأرواح الشريرة، فإذا فرغ من ذلك هجر الكوخ، منتظراً الفرج والتيسير، مرتقباً الخلاص من الأمراض والأخطار مؤملاً النجاح في صيده، والتوفيق في أمور معاشه. وهم يعدون الرجل الذي يفقد في هذا السعي جمجمته أنه قد جاء بعار لا يمحى، ووصمة لشرف الأسرة لا تزول، فلا يدفنونه بينهم، بل يقذفونه على رابية أو جبل بعيد عن القرية وأهلها، ثم يحفرون له حفرة في الأرض ويضعون رمحه فوق الحفرة إشارة إلى أنه قتل محارباً، ولا يحملونه إلى الحفرة على نعش بل فوق درغه يشدون بينها وبين عمود من الخشب بالحبال. والقبيلة التي يظفر أحد رجالها بالجمجمة تقيم حفلة عظيمة بينها، فيسيرون بالجمجمة صارخين فرحين مهللين، ثم يعدو كل إلى داره فيجيء بقطعة نظيفة من لحاء الشجر فيغمسها في دماء الجمجمة والعنق فإذا فرغ من ذلك أسرع إلى البيت فعلقها على باب داره، لأنهم يعتقدون أن ذلك يمنع الأمراض، ويحمي أهل الدار من انتقام أصحاب القتيل المقطوعة عنقه.

стр. 1484

غرائب الأديان لا تزال الهند مكثرة من كل شيء حتى من أديانها وعقائد سكانها ونحل أهليها، ومن أغرب ما أطلعنا عليه في كتب الأنتروبولوجيين من هذه الديانات ديانة أهل التودا ونحن هنا واصفون عجائب هذا الدين وغرائبه. إن التودا كما وصفهم الدكتور ريفرس أحد العلماء الأثريين المشهورين، هم قبيل صغير لا يزيد أفراده عن أفف نفس قد اعتزلوا ضوضاء العالم وصخبه، وانتبذوا لهم مكاناً قصيا في جبال النلجيري جنوب الهند حيث يعيشون عيشة السكون والهدوء والأمان على ضفاف جدول هناك من الجداول النابعة في تلك الجبال، وهم لا يعبدون الآلهة، ولا يعرفون لهم رباً من الأرباب، وإنما كل دينهم يدور حول عبادة الجاموس ولذلك يحرمون ألبانها على أنفسهم ويعتقدون أن أقسى أنواع الويل وأغلظ ضروب العذاب والدمار تنزل ولا ريب بالرجل الذي يجرأ على ارتكاب هذا الإثم العظيم، وليس لهم ثمة معبد سوى مربط الجاموس وقسيسهم اللبان الذي يحتلها، وينقسم هذا المربط إلى حجرتين، إحداهما مقدسة حرام والأخرى محللة مباحة، وفي الأولى يضعون الأواني غير المقدسة يعدونها لوضع ألبان الجاموس بعد احتلاب أخلافها ولتحويلها إلى الزبدة والجبن، وفي الحجرة الأخرى يضعون الأواني غير المقدسة وهي التي يعدونها لوضع هذه الزبدة والجبن بعد نقلها من الأواني المقدسة وتراهم يراعون الدقة المتناهية في نقلها، ويفردون لذلك آنية مخصوصة في الدهليز الموصل بين الحجرتين. وتراهم ينقلونها بين إشاراتهم ورموزهم وأدعيتهم، وتهليلاتهم وتكبيراتهم، فإذا فرغوا من أداء هذه الشعائر، أصبحت الزبدة والجبن حلالاً طيباً للآكلين!!.

стр. 1485

عالم الحرب مذكرات سرية عن الإمبراطور غليوم وصيفة من وصائف الشرف لبثت زهاء عشرة أعوام في بلاط برلين تحدث العالم عما رأته من غرائب أخلاق غليوم وشواذ نوادره، وأسرار حياته، وبدائع عبقريته، وعجائب أموره - وهي حقائق ثابتة لا يشوبها شائبة من الكذب أو التلفيق أو الاختلاق، ولا يمازجها أثر من التخيل أو التوسع أو الأطناب. معاملة الإمبراطور لوزرائه - اعتباره إياهم كخدمته - حادثة المستشار الشيخ - إكراهه الوزراء على الحضور بلباسهم الرسمي قبيل الصبح - قراءة التقارير عليه - رأي خدم القصر في الوزارء - متاعب المستشار - إكراهه الوزراء على صنع ولائم له هو وحاشيته وأصدقائه. إن معاملة غليوم الثاني لوزرائه لمن أغرب ما ظهر من نفسية الملوك وأخلاق الإمبراطورة، فإن سواد الحكوميين الذين تقلدوا عنده مناصب الوزارة لم يلبثوا أن تركوها كما يترك الخادم بيوت مخدوميهم لاضطهاد سادتهم لهم وسوء معاملتهم إياهم، وذلك لأن الإمبراطور ينظر إليهم نظر السيد العظيم إلى خدمته الإغفال بل لا يقول عن خدمتهم جميعاً من المستشار إلى أصغر رجل في الوزارة إلا المساعدة غير المحنكة. حدث مرة أن الإمبراطور أمر مستشارة البرنس هوهنلوه أن يجيء إليه بتقاريره في الساعة السابعة صبحاً لكي يتلوها عليه في القطار، وكان غليوم مزمعاً سفراً غير بعيد، وكان ذلك في صميم الشتاء وزمهرير البرد، وكان البرنس شيخاً في الثامنة والسبعين، على أن ذلك لم يكن ليحول بين الإمبراطور وبين لذته، وكانت لذته أن يجلس في القطار إلى مائدة الفطور، مصغياً إلى قريبه الشيخ وهو يلقي عليه تقاريره عن مهام الإمبراطورية. فلما كان الإمبراطور في قاعة الانتظار في المحطة عند الموعد المضروب جاءه رئيس حرسه يقول إن الأميرة هوهنلوه قد حضرت إلى المحطة تريد رؤية الإمبراطور فلم يكن من غليوم إلا أن أسرع إلى لقائها، قائلاً وهو يمد إليها يده مصافحاً وعليه إمارات العجب ومظاهر الدهشة، الأميرة هوهنلوه!. . أترى مستشاري مريضاً!. فأجابت الأميرة وهي تبتسم، وكانت كذلك عجوزاً في السادسة والستين، لا. . بل نائماً!. .

стр. 1486

قال الإمبراطور في لهجة المغضب أينام وقد أمره إمبراطوره أن يكون الساعة بجانبه. . إذ ذاك فارقت الأميرة تلك الابتسامة التي ظهرت على محياها ثم قالت عجباً يا بن الأخ! أنسيت الشرط التي أخذناها عليك في خدمته لك، إن أول هذه الشروط أن يحسب لسنه ومقامه حساب، إن أمراً كهذا يدعوه وهو رجل في الثامنة والسبعين إلى الحضور إلى المحطة، لفي مثل هذا الوقت المبكر الصعب، وفي هذا القر القاتل، والبرد المهلك، ليس ولا ريب من تلك الشروط في شيء، ولذلك لا غرو إذا تبادر إلى أن جلالتك تعني بذلك أن يكون التقرير لديك في القطار، ولذلك جئتك الآن به، فهل تراني أخطأت؟. وماذا ترى الإمبراطور كان يصنع في هذه الحال إلا أن يتظاهر بالرضا والموافقة ولذلك أجاب إني عالم أنك يا عمتي رقيقة القلب، ولكن هذه الأمور كما ترين خارجة عن العادة المتبعة، ولا بد من النظام كما تعلمين. . . وفي صميم الشتاء يجب أن يكون الوزراء جميعاً بين يديه أو على مقربة منه من الساعة السادسة صباحاً حتى منتصف الليل، وفي الصيف يدعوهم إلى الحضور في منتصف الخامسة من الفجر، ولذلك يضطر الوزير إلى أن يستيقظ من نومه قبل أن ينبثق الصبح، إن كان محتماً عليه أن يكون في لباسه الرسمي وردائه المذهب المحلى بأوسمته وشرائطه الحريرية وأن ينتعل حذاءه الدقيق ويشد إلى نطاقه سيفه وحمائله، والتجمل بهذه كلها يستغرق ولا ريب وقتاً ليس بالقصير. وإذا لم يطلبهم في هذا الموعد كان ذلك أسوأ عليهم وأشد قسوة، لأنهم لا يأمنون أن يبغتوا ليلاً أو نهاراً باستدعاء منه وهم في حلقة الأسرة بين أزواجهم وأبنائهم وصحبهم وندمانهم وهم لا يستطيعون أن يدعوا ملكية ساعة واحدة من ساعات النهار، لأنهم يعلمون أن التقارير الدائرة حول أمهات المسائل السياسية ليست عند غليوم إلا كأطباق الحلوى، يجب أن تلتهم بين فترات اللذة وفسحات اللهو والمراح، ومن ثم يبعث في طلب رجاله في أية ساعة كانت، كما شاءت لذته وشاء سروره، حتى أن نصف تقارير الوزراء يتلى عليه في حجرات القطارات أو في قاعات الانتظار في المحطات، وأما النصف الآخر فيقرأ عليه في مركبته أو سيارته. وترى خدم القصر يقولون إن الوزير الراغب في عمله ينبغي أن لا تفارق إذنه مسمعة

стр. 1487

التليفون ولا تثني عينه عن ساعة الحائط، ولا ترتد عينه الأخرى عن كتاب الدليل. وقد يحدث في أغلب الأحيان أن يذهب الوزراء كلهم أو بعضهم إلى القصر على إثر دعوة من الإمبراطور، بصحبهم وكلاؤهم أو كتابهم بمحافظهم وأوراقهم وتقاريرهم فيخبرهم رئيس القصر أن الإمبراطور قد غير نيته، وخرج يطلب الصيد، ولعله لا يعود بعد ساعات، ومن ثم لا يجد الوزراء في وسعهم إلا أن يعودوا أدراجهم إلى بيوتهم، وربما بعث الإمبراطور في طلبهم بعد ذلك وما كادوا يستقرون في منازلهم. على أن أشد ما ينال المستشار أو الوزير أن يكون في دار التمثيل مع الإمبراطور فيدعوه، والليل كاد ينتصف، أن يصحبه إلى القطار ليقرأ عليه تقريراً أو يلقي عليه اقتراحاً أو يدلي إليه برأي، وفي مثل هذه الحال ترى المستشار يأخذ لفي القول ويمعن في الحديث، هذا والإمبراطور يتثاءب في رفق، بين فترات الوقت، وقد أخذ الكرى عينيه. فإذا وقف القطار بالمحطة التي يريدها أفاق الإمبراطور من نعاسه فمسح عينيه وهو يقول إني مقتنع باقتراحك هذا، فعليك أن تنفذه كما ترى وقد يقول إذا كان ضيق الصدر اترك تقريرك لدى الكاتب حتى أفحصه. . . عم مساء. .!. يقول ذلك وهو يخطو مسرعاً نحو المركبة، بينا يعود الوزير إلى قاعة الانتظار، وقد يمكث ساعة أو ساعتين حتى يقله القطار الأخير إلى وجهته. وقد يتفق كثيراً أن يدعو الإمبراطور نفسه إلى العشاء على مائدة أحد الوزراء تاركاً للوزير متاعب الاستعداد للقائه، وآلام التجهز للاحتفاء به، بل قد يقول له إنه قد أمر فلاناً وفلاناً من أصدقائه ورجاله إلى مصاحبته إلى هذه الوليمة الإجبارية. اقرأ في العدد القادم قطعاً أخرى مختارة من هذه المذكرات

стр. 1488

الميت الحي سارة برنار وفرانسوا جوزيف سارة برنار هي الممثلة الذائعة الصيت في كل نواحي الدنيا وأطرافها، قل ما تدانيها ممثلة في براعة التمثيل وحذقه وإتقان حركاته، بلغ من ولعها بصناعتها أن مكثت نحواً من عامين في أحد مستشفيات السل لكي تدرس طبائع المسلولين وأخلاقهم وعوارض علتهم، حتى تقوم بدور المسلولة في إحدى الروايات التمثيلية، وقد أملى عليها الحقد الوطني والغيرة الفرنسوية بضعة كلمات في فرانسوا جوزيف إمبراطور النمسا عدت من أبدع ما جاء من الأدب الفرنسي في هذه الأيام، وقد رأينا أن نقتطع منها قطعة صغيرة لنفاسة أسلوبها وغرابة موضوعها: سارة برنار لما قتلت زوجة الميت الحي في جنيف، ذلك البلد السويسري الجميل، لم ينزعج الشيخ، ولا راع المصاب فؤاده، بل أسرع رجال حاشيته فاحتلوا حجراتها في المنزل الذي قتلت فيه، وجعلوا هم وصحبهم ونداماهم يتعاطون الشراب، ويعاقرون الكؤوس، وقد امتلأت بهم الدار واختنق النزل وهم يصرخون ويطربون ماجنين مازحين. وكنت نازلة بحجرة فوق حجرات الإمبراطورة، فلما سمعت صراخهم وضحكاتهم نزلت درج السلم أريد أن أكلم وصيفة من وصيفاتها، فلم ألبث غير قليل حتى أقبلت على أحداهن في بكاء ودموع. قلت أليس فيكم رجل رشيد يبعث بالنبأ إلى الإمبراطور بوجوه أن يطلب إلى صاحب الفندق أن يطرد هؤلاء السكارى الماجنين على أن يجيزه جائزة طيبة، إن هذا المجون، وهذا الضحك، وتلك الدعامات لهي استخفف منكر لا أكاد أمسك على دموي من فظاعته. فمدت إلى يدها ثم قالت وصوتها يتهدج من أثر النحيب أنت على حق في الذي تجدين، إن أحد ضباط الإمبراطورة قد طير النبأ إلى الإمبراطورة، ونحن للرد مرتقبون. على أن فرنسوا الغني المتمول، المزهو العظيم، إمبراطور النمسا وملك المجر، رأى بعد طول ابحث أن عملاً كهذا قليل الجدوى طفيف الفائدة، وأنه كذلك كثير النفقات، عظيم الثمن، وكذلك ظلت جثة زوجته الناعمة الحسناء في صندوقها، عند النزل، تنتظر مقدم

стр. 1489

مركبة الموتى الإمبراطورية!!.

стр. 1490

الرقص الحربي في روسيا اشتهر روسيا بأنها أخرجت في السنين الأخيرة أبدع الروائيين وأبدع الممثلات وأبدع المغنيات وأبدع الراقصات، فلا عجب في هذه الأوقات العصيبة، والظروف الحرجة أن تنتقل الروح الحربية عندهم إلى المسرح، ولا غرو أن يكون الرقص وهو أكثر الفنون إظهاراً للعواطف والوجدانات، أول فن يظهر لنا روح هذه الحرب الكبرى. وقد أقيم هذه الأيام معرض للرقص الرمزي في بلاد الروس فأظهر اثنان من أشهر أساطين الرقص من الروس كيف يستطيعان أن يعرضا على أذهان الجمهور صوراً مؤثرة مما يحدث في ساحة الحرب وميدانها. ونعني بالراقصين مسيو فوكين والمادموازل فوكينا، فهما بما يعرضان من صور الهازمين والمهزومين، والقتلى والجرحى، يقومان مقام أكبر المجلات التصويرية عن الحرب، ومن بين ضروب الصور الحربية التي يصورانها برقصهما الجديد، دنو العدو والنضال المستميت بين الجند، وإنقاذ الجرحى، وأسر الأسرى، وهزيمة المهزوم، ولكي لا يتبادر لذهن القراء أن رقصاً تصويرياًَ كهذا لحرب هائلة مخوفة كهذه قد يظهر مظهراً بارداً، لا سمة للحرارة والاضطراب والاهتياج فيه: نقول إن الخفة المتوحشة والجنون في الحركات، والبراعة في التصوير، التي يضعها الراقصان في أثناء رقصهما المحدث يترك المشاهد مضطرب المشاعر حار الفؤاد ثائر الوجدان، وليس هناك منظر أروع ولا مشهد أهول من منظر الهدوء الذي يبديه فوكين وهو يصور مشي الجندي القوي لأسر إلى قتال الجندي الهشيم الضعيف، وهو الذي تقوم بتصويره مدموازيل فوكينا ولذلك يقبض على رأسها بين يديه ويرميها على ظهرها ثم لا يزال يلوى نصفها الأعلى ويبسطه، تصويراً للقتال العنيف المهلك بين القوي والضعيف، كما ترى من الصورة الأولى، وأما الصورة الثانية فتمثل الفتاة الراقصة وهي تصور إسعاف الجرحى وإعانة القتلى، مستعينة في رقصها بإبريق من الماء تحمله في إحدى يديها، وبطاس تحمله في الأخرى. ثم ترى في الحركة الثالثة كيف يسقط المهزوم السقطة الأخيرة التي لا نهضة له منها وأما عن روعة هذا الرقص التصويري وهوله والجنون الذي يبدو في حركات الراقصين فيعجز عن وصفه قلم الواصف. وقد عد أهل الفن في الغرب هذا الابتكار في الرقص معجزة لا تباري، وأخذوا في

стр. 1491

الإسهاب في مديح الراقصين.

стр. 1492

رجال الحرب اللورد روبرتس قضى في خلال الشهر المنصرم رجل من أساطين الحربيين عند الإنكليز، وهو شيخ في الثانية والثمانين، وقد أبت الأقدار إلا أن يقضي نحبه في زمان الحرب، وأيام القتال، بعد أن عاش هذا الدهر الأطول بين المعارك والملاحم، وقطع هذا العمر المتقادم بين السيوف واللهاذم، فكأنما قد مات كما يريد. ولد في الهند، ونال شهرته الخالدة من ثوراتها وحروبها، كان أول خروجه إلى نور العالم في مدينة كوبنهور في شهر سبتمبر عام ١٨٣٢، فلم يكد يبلغ الحول الأول حتى بعثوا به إلى إنكلترا موطنه، فلما شب عن الكوق دفعوا به إلى كلية إيتون يتلقى فيها العلم. ونشبت الثورة الهندية عام ١٨٥٧، فكان روبرتس في الهند برتبة الملازم وهناك كان أول مرة خرج فيها من بين مخالب الموت حياً، وذلك انه في حصار مدينة دلهي أصيب برصاصة في سلسلة ظهره الفقارية ولكن هذه الرصاصة اصطدمت بكيس كثيف من الجلد كان معلقاً فوق ظهره فنجا، وتلقاه هناك أحد الثوار وهو فوق صهوة جواده برصاصة من مسدسه، فنكص الجواد واثباً طافراً، فلم تصبه الرصاصة بل نفذت إلى رأس جواده، وصوبوا إليه يوماً فوهة مسدس، فلم تخرج القذيفة وفسد المسدس!. وقد امتاز في قيادة الجيوش بسرعة الزحف، حتى أنه سار بجيشه في الحرب مع الأفغان ثلاثمائة وعشرين ميلاً في إحدى وعشرين ساعة. وكان أول ما رفع إلى مراتب النبل عام ١٨٨٢، إذ أعطي لقب البارون، وكان إذ ذاك حاكم ناتال ورئيس القواد في جنوب أفريقيا. وقد رزئ عام ١٨٩٩ بوفاة ابنه الوحيد، قتل وهو يحاول إنقاذ المدافع في موقعة كولنسو. وقد كان هذا الرجل حتى أخريات أيامه مثال الخفة والنشاط، ينهض من نومه الساعة السادسة، فيروض نفسه بعض الترويض قبل أن يتناول طعام فطوره، فإذا كان منتصف العاشرة جلس إلى مكتبه يراسل أصدقاءه ويرد على الرسائل التي وردت إليه مع البريد، ويظل كذلك حتى الظهر، ويقضي الأصيل أما ماشياً أو راكباً أو متنزهاً في سيارته، ويتناول عشاءه في منتصف التاسعة، فإذا جاءت العاشرة كان في سريره.

стр. 1493

ولم يذق اللورد روبرتس في حياته الخمر، ولا شرب التبغ، وكان يرأس في بعض الأحيان مجتمعات منع المسكرات في الجيش، ولكن أكبر دليل على رجاحة عقل هذا الشيخ وحسن تبصره أنه لم يحاول يوماً أن يقهر الجند على أن يمتنعوا عن الشراب جملة واحدة. وكان يحب الأطفال ويبتهج بمداعبتهم، ويسر برؤيتهم، وقد حدث ذات مرة، يوم كان في الهند، إن رأى طفلة في الحول الثاني من عمرها في أحد حوانيت المدينة وكان في زورة إلى أحد الأسواق العمومية، فما كان منه إلا أن حملها وجعل يلاطفها ويناغيها، ثم مشى بها متظاهراً بأنه سيأخذها معه، فلم يكن من أم الطفلة إلا أن عدت نحوه فانفضت عليه انقضاض النمرة المغضبة، والتقطت الطفلة منه، وجعلت توسعه سبا وتقريعاً وانتهاراً باللغة الهندية، وطردت هذا البطل المغوار من حانوتها، ولذلك كان يقول اللورد كلما قص القصة على الناس وكانت هذه هي الهزيمة الوحيدة التي لقيتها في الهند!. فون بتمان هولوج المستشار الفيلسوف تعاقب على ألمانيا الإمبراطورية خمسة مستشارون - هم بسمارك الأوحد الفرد وكان سياسياً، وكبريفي وكان جندياً، وهو هنلوه وكان بلاطياً وبيلوف وكان مفوضاً دولياً، وبتمان هولوج، مستشار اليوم، وهو مثال الفيلسوف!. صعد هذا الأستاذ ذروة المستشارية منذ عام ١٩٠٩ فلم يخلع عنه ثوب الفلسفة ليرتدي ثوب السياسة، ولم يجر لقب المستشار في أخلاقه على لقب الفيلسوف، ولكن ذلك لم ينزل الأستاذ عن مقعده ولم يحرمه من دسته، لأن غليوم الثاني، كما قال بسمارك في مذكراته: إن هذا الفتى الشاب سيكون مستشار نفسه ولأن القوانين الأساسية لا تجعل المستشارين مسئولين أمام البرلمان وإنما أمام الإمبراطور، وكفى أن الإمبراطور راض بالمستشار الفيلسوف، مغتبط بقربه، مبتهج بآرائه الفلسفية أكثر من ابتهاجه بآرائه السياسية، وقد خسرت ألمانيا عالماً عظيماً وأستاذاً كبيراً من يوم انتقل بتمان هولوج إلى حلبة السياسة. وكان يقولون عنه قبل المنصب أنه مثال الفلسفة النظرية السديدة فلما رفع إلى مقعد المستشارية هتفوا له صائحين هذا هو رجل الإمبراطور - يريدون أنه الرجل الفذ الذي سيسر غليوم - إذ كان تلميذين معافى فرقة واحدة في جامعة بون وإن الروابط القلبية التي

стр. 1494

يحفظها الإمبراطور لزملائه في المدرسة جعلت بتمام ابدا عند ذاكرته قريباً من خاطره، وكان قبل ذلك وكيل المستشار السابق البرنس فون بيلوف ولذلك كان مرشحاً بحق للمنصب مهيئاً له. وقد قطع هذا المستشار الأستاذ حياة حكومية طيبة، خطاب استحقاق خطواته إلى الرئاسة ودلف إليها عن جدارة وإن لم يكن قد أظهر في السياسة شخصية قوية. وكذلك شأن الفيلسوف إذا أريد على عمل ليس منه ولا هو منه. وهو مثال الرجل العملي الصامت المتواضع، لا يعرض نفسه أمام أنظار الجمهور ولا يظهر نفسه للشعب ولا عمله، اشتهر في الوظائف التي تقلدها بأداء واجباته والتوفر على عمله في سكون وهدوء ولم تشتهر خطبه في الريشستاغ ومجلس الأشراف بشيء غير الصراحة والصدق والبيان، وما عهد عليه يوماً أنه يريد إثارة الشعب أو اهتياج الرأي العام، بل عرفت الحكومة فيه الأمانة والمحافظة والإخلاص وهذه الصفات كانت خير عوض للأمة الألمانية عن البرنس فون بيلوف سلفه. وليس لبثمان هولوج مكان يذكر في السياسة الخارجية والمفاوضات الدولية حتى اضطر الإمبراطور في السنة الأولى من تعيينه إلى تفويض زمام المسائل الخارجية إلى رجل غيره، وكل مهارته تدور حول المسائل الداخلية، حتى لا يدانيه فيها رجل في ألمانيا طولها وعرضها. ولد المستشار في مقاطعة براندنبرج، عند قرية هناك لا تبعد عن برلين بأكثر من بضعة أميال، وقد ظفرت أسرته عام ١٨٤٠ بلقب الشرف، وهي عشيرة كبيرة اشتهرت منذ نشأتها بالتجارة والاشتغال بالثروة والمال، حتى نبه اسمها وعظم صيتها قبل هذا العهد الروتشيلدي، وكانت منذ أول أمرها تتألف من فرعين بتمام وهولوج فاتحدت على ممر السنين بالتلاقح والزواج. وهو اليوم في السابعة والخمسين، دخل وظائف الحكومة منذ عام ١٨٨٥ وهي السنة التي ترك فيها الجامعة، وأتم البحث والدرس، بدأ عمله في الحكومة نائب قاض ولكن الذكرى الحلوة التي يحملها الإمبراطور لصديقه في المدرسة، وقرينه في الجامعة، جعلت الإمبراطور يرفعه في سنة ١٨٩٩ إلى منصب سني وهو رئيس حكومة (بومبرج) على أنه

стр. 1495

لم يلبث فيه غير ثلاثة أشهر حتى صعد إلى منصب رئيس حكومة مقاطعة برادنبرج كلها، وجعل داره في بوتسدام، حيث عاد الأستاذ إلى التنعم بقرب صديقه الإمبراطور والتمتع بحلاوة صحبة زميله القديم وخذنه الجليل، وليست رياسة حكومة براندنبرج في ألمانيا إلا الخطوة الأخيرة إلى مقاعد الوزارة البروسية، ولذلك ما كادت تأتي سنة ١٩٠٥ حتى انتقل فون بتمان إلى مقعد وزير الداخلية البروسية، ومضى عامان فأصبح وزير الداخلية الإمبراطورية كلها، وأضاف على هذا المنصب لقب وكيل المستشار الإمبراطوري. وقد حمل هذا الحكومي الفيلسوف إلى جميع هذه المناصب التي تنقل بينها، مزايا الفيلسوف، وخصال الأديب المفكر، ونهي الغيرة الحادة، والاجتهاد المستمر، والتواضع الفلسفي الجميل. وهو عدو الاشتراكية الألمانية اللدود، يصارحها بالعداوة ويكاشفها بالاضطهاد ولم تكن الاشتراكية إلا العدو الأزرق للحكومات الألمانية كلها، وهو من أشد المحافظين الراضين بالأنظمة السياسية الحاضرة في ألمانيا وعدو الدعاة إلى حكومة نيابية تامة وأنظمة ديمقراطية بحته كاملة حتى ليقولون أنه لن تقام هذه الحكومة المرجوة إلا إذا أصبحت طرق برلين أنهاراً قانية تجري بدماء العمال والصناع والفقراء والعامة وفي تلك الساعة الرهيبة، يقف التاريخ فيحكم حكمه الأخير في المستشار الفيلسوف.

стр. 1496

جواسيس الألمان كان نصف أعمال الألمان قبل وقوع هذه الحرب يقوم على التجسس، وينهض على استراق أسرار الأقران والأعداء، وقد بثوا عيونهم وأرصادهم في كل نواحي الدنيا وبلادها، فما تركوا بلداً يظنونه سيثور في وجوههم إذا وقعت الواقعة إلا ملؤوه بعيونهم. وقد قام المستر ويليم لوكيه، وهو رجل من كبار كتَّاب الإنكليز وعلم من أعلام روائييهم، فوضع في خلال هذه الحرب كتاباً ممتعاً في أسلوب قصصي، أسماه جواسيس الإمبراطور وهو مجموعة فصول شائقة مدهشة، تنطوي كلها على حقائق غريبة ثابتة، لا يشوبها للريب شائبة، تدل على صحتها تقارير هائلة ضبطها الكاتب في تجسسه على الجاسوسية الألمانية، ومصورات يدوية عن المواقع والأماكن والحصون والبلاد والشواطئ الإنكليزية التي كان الجواسيس يدأبون هذه السنين على تصويرها وأنباء ديوان الحرب في ألمانيا عن دقائقها وعظائمها، وقد دفع بهذه التقارير وتلك المصورات والأسرار إلى نظارة الحربية الإنجليزية ليرى رأيها ويقف على نيتها، فردت إليه أوراقه دون تعليق، عالمه بصدقها، موقنة بخطورتها، ثم طلبت إليه أن يضعها في أسلوب روائي حتى تكون ألطف أثراً، وأبدع سرداً. وقد وضع الكتاب على لسان صديقين من الإنكليز أخذا على عاتقيهما كشف أعمال الجواسيس الألمان في البلاد الإنكليزية ونحن ناقلون هنا فصلاً بديعاً عن محاولتهم سرقة أسرار المدافع الجديدة. سرقة المدافع الجديدة كنت أنا وصديقي راي في مدينة نيوكاسل على نهر التاين وقد حرضتنا بعض أبحاث قمنا بها على الاعتقاد بأن الجواسيس الألمان قد نزلوا بهذه المدينة يسعون سعياً متواصلاً في سرقة أسرار نوع جديد من المدافع، عظيم القوة، ضخم الحجم، كان يصنع إذ ذاك في معامل الأسلحة ببلدة السويك. وقد كنا نازلين بفندق المحطة، فبدأنا منذ يوم مقدمنا نقوم ببعض التحريات والاكتشافات، ومن بين الأمور التي وقعنا عليها وجود ناد سري يقيمه الألمان هناك فجعلنا منذ ذلك الحين نرصده عن كثب ونسهر على مراقبة أفراده.

стр. 1497

ولا ريب في أن ليس هناك عامل إنجليزي يرضى عن طيب خاطر أن يخرج عن سر من أسرار مصنعه إلى حكومة أجنبية، ولذلك لم يخالجنا الريب ولم يحك في صدورنا أن يكون بين عمال مصانع الأسلحة بالسويك من يقرف بالخيانة ويتهم بالغدر، وكان بين أعضاء هذا النادي الألماني - وإن كان بينهم كثيرون من السويسريين والبلجيكيين - رجل متوسط السن، يدعى بينهم جون باركر ولكننا استخلصنا بعد البحث أنه إما أن يكون ألمانياً وإما سويدياً، ثم علمنا أنه يشتغل كاتباً في إدارة شركة كبرى من شركات السفن في نيوكاسل، وكان التصوير ملهاته الوحيدة، يلتف حولنه جمع من الأصدقاء والأصحاب، بينهم عامل من رؤساء عمال المصنع، يدعى شارلز روسر، عرف بالإخلاص في العمل، والدؤوب عليه. فجعلنا نراقب الرجلين عن كثب، وقد قامت الريبة في خاطرنا. وكان روسر يقضي الليل مع صديقه باركر في دور التمثيل أو في المراقص وحلقات الموسيقى، وظهر لنا أن باركر كان يدفع عن صاحبه ثمن كل شيء، ويذهب إليه في بيته، ويصرف المساء مع زوجته وأسرته. وكنا نتناوب على المراقبة، ففي ذات ليلة دخل على صديقي راي، وأنا في النزل وكان عائداً من أثر الرجل، فقال إن باركر يجض صديقه على شراء بيت جديد، يبلغ ثمنه ثلاثمائة وخمسين جنيهاً، وهو بيت أنيق جميل، حديث العهد بالبنائين. قلت (ثم ماذا؟). قال (لقد تسمعت الليلة عليهم فأخذ سمعي بعض الحديث سمعت باركر يعرض على صديقه أن يقرضه نصف هذا المبلغ). فصحت قائلاً (تحت شروط، أليس كذلك؟). فأجابني (لم تذكر الشروط، ولكن لا ريب في أن باركر يريد أن يوقع المسكين في الأحبولة. لكي يضطره إلى أن يبض له ببعض الأسرار والمعلومات، حتى ينقذه وأسرته من شر الفاقة وويل الحاجة، اذكر أن الجواسيس الألمان لا يترددون عن شيء ولا يحجمون). قلت، نعم ذلك أمر واضح، علينا أن نحمي روسر المسكين من شراك الرجل، وهل ثمة

стр. 1498

شك في أنه يحتال على هذا الساذج ويظهر له بمظهر المخلص ذي المروءة الكريم، إن روسر لا يعلم أن صديقه الجواد الندي الكف ليس إلا جاسوساً). فتبعته يوماً بعد الأصيل إلى فم التاين حيث كانت ملهاته تصوير السفن الداخلة فم النهر والخارجة منه، وقد قضى جزءاً من ذلك الأصيل وجل اليوم التالي في استعراض حول (خزان المياه) ثم عاد بعد ذلك إلى فم التاين فرسم الحصن الواقع هناك عدة صور من عدة جهات، وكذلك الخط الحديدي والنفق، والسفن الماخرة والميناء، والأفاريز والمرساة، وكان يبدو عليه أنه يصور أدق الصور الفتوغرافية للبلد كله، وكان يحمل معه مذكرة يكتب فيها ملاحظاته، يفعل كل ذلك جهرة على مشهد من السابلة، وعلى مرأى من الشرطة، إذ من ذا الذي يفكر في وجود الجواسيس الألمان في هذه البلدة النائية؟. فلما كان المساء عرج على فندق المحطة، فخلع عنه معطفه وعلقه في البهو ثم ذهب إلى حجرة القهوة ليأمر بإعداد الشاي له. وكنت قد تبعته إلى الفندق، ولكنني لم أعج على حجرة القهوة مثله، بل ذهبت إلى حجرة التدخين، وهناك طلبت شراباً حتى إذا جرعته عدت إلى الموضع الذي علق عنده معطفه. هناك دسست يدي في خفية ورفق إلي جيب صدره، فوقعت على بعض أوراق وفي أقل من لحظة واحدة قبضت عليها فنقلتها على حبيبي، ثم دخلت في معطفي في هدوء وابتهاج، ورحت أمشي الهوينا إلى المحطة. ولحسن الحظ كان القطار يهم بالرحيل إلى نيوكاسل فما ونيت إن وثبت إليه، فلما بعد بنا عن البلدة أخرجت الأوراق في لهفة وشوق أريد أن أفحصها، فوجدت من بينها صورة بسيطة عن خزان المياه في البلد وكيف يمكن حبس هذه المياه عنها، وخطاباً خصوصياً من رجل من رجال العمل: وهو من الأهمية بمكان وإليك نصه: عزيزي جون - مع هذا الكتاب الفائدة أقدمها لك سلفاً - أربع ورقات من قيمة الخمسة جنيهات، فخذ في عملك كما كنت، واستعلم عن الأوامر كل ما أمكنك. إنه ليسرني أن أقول أن العمل لا ينقصه الآن إلا القليل، ونؤمل أن يكون نصيبك من الأرباح في السنة القادمة مضاعفاً، وأنت واثق من هذا ولا ريب - اكتب لنا كثيراً، وأخبرنا عن أعمالك، فإننا أبداً مهتمون بصالحك، ليس من الحكمة منك أن ترتاب في

стр. 1499

شارلزني طالما رأيت منه رجلاً يستطيع الإنسان أن يضع عنده كل ثقته، وهو على ما أظن يسكن داراً في قرية فم التاين. كلهم اليوم في خير، ولكن الربيع في لندن مرهق معنت، على أننا مرتقبون جواً أدفأ - زوجتي وأولادي لاسيما الصغير شارلز وفردريك وشارلوت يرسلون إليك تحياتهم - ابن عمك الودود - هنري لويس. هذا الخطاب وإن كان بسيطاً في مظهره إلا أنه يحوي بعض تعليمات هامة للجاسوس وفوق ذلك مرتبه الشهري وهو عشرون جنيهاً. وإذا قرئ بالتعليمات الحرفية والإشارات المعروفة بين الجواسيس الألمان كان نصه كما يأتي: أرسل لك مرتبك الشهري - إن المعلومات التي بعثتها في خلال الشهر الماضي كانت سارة كافية - إن عملك على العموم يبعث على الرضى وإذا استمر كذلك زدنا في مرتبك - كف عن هرفك بشارلز - اهتم بنقط الدفاع في قرية فم التاين - أنت تعرف أن الرئيس (هو الذي يقابل الربيع في الرسالة) من الصعب إرضاؤه، لأنه في تفتيشه الأخير زاد في عملنا - ابق على محاولاتك ومفاوضاتك مع الثلاثة - (يريد العامل روسر) وشارلوت وفردريك (من العمال أيضاً) حتى تأتيك أوامرنا - لك أن تعرض عليهم مالاً إذا دعت الحال. فترى من ذلك أن أي إنسان يقع في يديه هذه الرسالة الآتية من هنري لويس لا يستطيع أن يتبين لنفسه معانيها الحقيقية. إن هذا الاسم المصطنع أي لويس كما علمنا بعد ذلك واكتشفنا، يقيم في مكتب صغير بأحد شوارع لندن، تحت اسم وكيل أشغال ولكنه في الحقيقة زعيم الجواسيس التي تشتغل بين نهري الهامبر والتاين. وهؤلاء الزعماء يزورون عمالهم - وهم الذين يقومون وحدهم بصناعة الجاسوسية - تحت ستار سياح تجار إذا كان العميل رب حانوت، فإذا لم يكن كذلك قدموا أنفسهم كوكلاء شركات التأمين أو من رجال المزاد أو من سماسرة البيوت. فلما رجعت عرضت على صديقي راي الكنز الذي اكتشفت، فما وقع بصره عليه حتى اضطرب وصاح قائلاً: إن الرجل جاسوس مقيم هنا في نيوكاسل ولا ريب فعلينا أن نبعد

стр. 1500

في مراقبته. وكذلك فعلنا. كان الجاسوس روسر لا يفترقان لحظة ولا ينفصلان، يلتقيان كل مساء، وكثيراً ما كانت أسرة روسر تذهب إلى مشاهدة التمثيل أو الرقص على نفقة باركر، وكان لا يجعل للمسكين سبيلاً إلى إنفاق شيء. وقد ظهر لنا بعد استعلامات دقيقة أن روسر هذا من أمهر عمال المصنع وأحذقهم وأعلمنهم بصناعة المدافع، وقد بلغ من ثقتهم به أن ألقوا إليه مقاليد إتمام المدفع الجديد الذي سيكون فخر البحرية الإنكليزية، لا تدانيه منسوجات كروب، ولا يضارعه أحدث ما خرج من المدافع إلى ميدان الحرب. حدث ذات ليلة إن كان الرجلان في أحد القهوات العمومية بالمدينة، وقد استرقت السمع إليهما فعلمت من مجرى الحديث أن باركر قد أقرض صديقه مائة وخمسة وسبعين جنيها، وإن عقد شراء البيت الجديد سيكتب في اليوم التالي، وكان روسر تلك الليلة مطنباً في شكر باركر مسهباً في الثناء عليه، وظهر لي كذلك أن نصف المبلغ الآخر سيدفع مؤخراً وسيلقى على باركر نفسه. وكان الرجلان يتقارعان الكؤوس، وكان واضحاً من أمر روسر أنه لا يعلم شيئاً من أمر الهوة السحيقة الفاغرة فاها تريد أن تبتلعه، وفي الناس كثيرون لا يعرفون الريب ولا يخطر لهم الاتهام، ولا تقع لهم الاسترابة، ولعل العامل الإنكليزي أول هؤلاء. فلما عرضت ما سمعت على راي وتشاورنا بيننا عما نحن صانعون، قر رأينا على أن الوقت قد حان للاقتراب من روسر وإظهار سر صديقه الجواد له. وتبين لنا أن باركر قد يريد الرجل بسلطان كرمه وبقوة تأثيره على أن يستخلص له رسماً للمدفع الحديث أو شيئاً عن أوصافه ومزاياه وأسرار صناعته، ويفهمه أنه إذا لم يفعل، نزل به الدمار، وتولاه الفقر والخراب، وتحققنا أن روسر وإن كان عاملاً أميناً يعيش من أجوره الأسبوعية، وليس له ما يقيم أود زوجته وأولاده ويرفعهم من وهدة الخصاصة، وأنت تعلم أن الوجدانات الوطنية ليست من الصعب نسيانها أو التغلب عليها إذا رأى الرجل زوجته وأسرته في خطر من الجوع.

стр. 1501

فلما كان مساء اليوم التالي تبعنا روسر بعد خروجه من المصنع فطرقنا باب بيته النظيف الحقير. فلم يكن منه بادئ الأمر إلا أن انتهر فضولنا وغضب أشد الغضب إذ قلنا له إنه على وشك أن يكون آلة في أيدي جواسيس الإمبراطور، ولكنه لم رأى الخطاب الذي شرحناه آنفاً وصورة خزان المياه، بدأ يفكر ويتذكر. سألته: ألم يسألك مرة عن المدفع الجديد الذي تصنعونه اليوم في السويك؟ فقال بعد تردد نعم. . . إنني أتذكر الآن، نعم إنه سألني أكثر من مرة فقلت: لقد أراد إما أن يشقيك وإما أن يضطرك إلى أن تكون خائناً. قال ذلك الرجل الشهم في لهجة المغضب ولن يستطيع، والله لو كان ما تقولونه حقاً إذن لدققت عنقه. قلت كلا. لا تفعل إنه دفع لك نصف ثمن البيت الجديد، أليس كذلك، قال بلى. قلت: إذن فاتركه لنا، إننا سنضطره إلى دفع ما بقي عليه من الثمن، وسيكون انتقامك بيتاً جديداً على حساب الحكومة الألمانية. فضحك وضحكنا. وفي الليلة الثانية هجمنا على الرجل في حجره وخبرناه بين إشهار أمره وإبلاغ الشرطة بسره، وإما أن يرد البيت الجديد دون شرط ولا قيد لروسر فلم يسعه إلا الانصياع لما طلبنا وهو يتهدد ويتوعد أشد التهديد والوعيد، ولكننا طالما سمعنا أمثال هذا الوعيد وأشباه هذا التهديد، ولذلك ما عتمنا أن ضحكنا منه ومن وعيده. واكتفينا من عقابه بإشهار أمره عند الشركة التي كان خادماً عندها وكنا حاضرين ساعة ترك حجره وربط متاعه وترك البلد وأهله يريد لندن وكأننا به ليشاور زعيمه (هنري لويس). اقرأ ألذ فصول هذه الرواية في العدد القادم

стр. 1502

تاريخ سعد زغلول باشا إن كتابة تراجم النوابغ والعظماء لا نصادف في الشرق تلك الغاية الكبرى التي تجدها في الغرب. فهي عند الغربيين ركن كبير من أركان الأدب لا مندرجة عنه، لا يكاد ينبغ فيهم نابغة حتى ترى المؤلفات تترى في تحليل نبوغه والبحث في أخلاقه وشخصيته وأعماله ونفسيته، والعوامل التي ساعدت على إظهار نبوغه وعظمته، وهم لا يمسكون عن كتابة ذلك، لأن النابغة لا يزال حياً بينهم، أنهم يعلمون أن من السهل لديهم أن ينسخ الكتاب الكتاب، ويهذب التاريخ التاريخ، وتنقح الترجمة الترجمة، فإذا خرج في ترجمة النابغة الواحد قبل مماته مائة كتاب، فما أهون عليهم أن يخرج بعد مماته مائة مثلها، وهذا الفرع من الأدب هو عامل من أكبر العوامل التي عملت على تقدم الغرب ونشاطه وقوته، أما نحن بني الشرق فلم نهتم إلى اليوم بأمر عظمائنا ونوابغنا تركناهم يعيشون بيننا دون أن يقوم قلم واحد فيخرج لنا صورة واحدة من حياتهم ولذلك ترانا قل ما نفهم العظمة أو نعيها، لأننا لم نشهد منها إلا مظهرها وألوانها. نقول ذلك لنقود فننبه القراء إلى أننا كنا قد أخذنا في الأعداد الماضية نعقد أبحاثاً مستفيضة في تاريخ سعد زغلول باشا الرجل البرلماني الكبير، حتى بلغ ما كتبناه ثلاثين صفحة أو يزيد، وكنا نجرى في ترجمته مجرى الكتَّاب الغربيين المترجمين، نقف بكل نقطة من حياة الرجل فنعمد إلى تحليلها وتشريحها وبحث دقائقها وما يكون بنحو منها من الموضوعات الفلسفية والبيولوجية والأخلاقية وما إليها، وتحتوي الترجمة معلومات كثيرة ليست معروفة عند الجمهور. وقد رأينا اليوم أن عالم الأدب في نظامنا الجديد تنقصه هذه الأبحاث الممتعة. في هذا الموضوع الجليل، فعزمنا أن نسترسل منذ العدد القادم في ترجمة هذا الرجل الكبير، فنلفت إليها الأنظار.

стр. 1503

تاريخ الحرب الفصل الأول إن النظام الاجتماعي الذي يكون فيه لأرباب الكفاءات الكبرى الكلمة العليا هو الذي يظهر أكبر الحيوية في هذا النزاع الداخلي الدائم. وأما النزاع الخارجي، أي الحرب، فلا تنتصر فيه إلا الأمة التي تضع في الميزان أكبر القوى الطبيعية والذهنية والأخلاقية والمادية والسياسية، وعلى ذلك تكون أحسن الأمم في الدفاع عن حوزتها والنضح عن سلامتها، والأمة التي تكون كذلك تنال من الحرب الظروف الطيبة المواتية للتوسع وامتداد السلطان ولا يكون من ذلك إلا تطور الإنسانية كلها، إذ لا يخفى أن تلك العوامل الذهنية والأخلاقية التي تتغلب في الحرب على غيرها تؤدي كذلك إلى ارتقاء المجتمع كله، وبدون الحرب لا يكون من الأمم والأجناس المنحطة الضعيفة الذابلة إلا أن توقف نماء العناصر الأخرى القوية المنتعشة المثمرة، وليس من وراء ذلك إلا الانحطاط العام في الجمعيات البشرية كلها، يقول فون سكليجل الحرب لازمة لزوم الحرب الواقعة بين عناصر الطبيعة. الحق للقوة نعم. قد تقولون قد يكون هناك منافسة سلمية بين الأمم كالمنافسة الواقعة بين أفراد الجمعية الواحدة في كل فروع الحياة الصحية - منافسة لا تستوجب دائماً نشوب الحرب، ولكن المنافسة بين الأمم لا تشبه التنازع الداخلي بين الأفراد ومن ثم لا تؤدي إلى النتائج نفسها، إن فوق منافسة الأفراد والطبقات في داخل الأمة ينهض القانون، وهو الذي يعني بمطاردة الظلم واستئصال شأفة الجور، وهو الذي ينشر العدل بين الربوع، ومن وراء القانون تقف الحكومة بقوتنها لتحمي الشعائر الأدبية والروحانية في جمعيتها ولنعمل كذلك على ترقيتها وتهذيبها. ولكن ليس هناك قوة عادلة غير متحيزة تنهض فوق منافسة الأمم لتمنع الحيف وتقتل الظلم، وتستخدم هذه المنافسة نفسها في ترقية الإنسانية والصعود بها ذروة الكمال الاجتماعي، وإنما الحائل الوحيد بين الأمم وبين الظلم هو القوة، وعلى كل أمة أن تنهض بنفسها وتأخذ مكانها من الفضيلة والمدنية وتعمل على ترقية مذاهبها ومبادئها وأغراضها فإذا حدث من ذلك أن اصطدمت هذه المبادئ وهذه المذاهب بمبادئ الأمم الأخرى ومذاهبها فعليها إما أن تخضع وتعترف بأسبقية الأمة المزاحمة وإما أن تعمد إلى القوة فتواجه بها

стр. 1504

الصدمة الكبرى وأعنى الحرب حتى تنشر مبادئها وتذيع في الخافقين آراءها وآدابها. نعم ليس هناك قوة تستطيع أن تحكم وتقضي بين الأمم وتجعل لحكمها سلطاناً مسموعاً وليس هناك غير الحرب لكي تسود عناصر النجاح الصحيحة على روح التدهور والانحطاط. إن النزاع إذن هو القانون العام في الطبيعة. خلق الإنسان محارباً وإن تضحية الذات ليست إلا التخلي عن الحياة، سواء في وجود الفرد أو حياة الأمم، لأن القانون الأولى العام هو إظهار الإنسان وجوده المستقل في هذا العالم وبالاحتفاظ بالوجود المستقل دون غيره تستطيع الحكومات أن تكفل وجوه الحياة لأهلها وأفرادها وتضمن لهم الحماية المقدسة التي يحق لكل فرد مطالبتها بها وهذا الاحتفاظ بالوجود لا يكون برد عاديات أعدائها فقط وإنما يتضمن كذلك تكفلها بوجود الحياة وسبل الارتقاء لمجموع الأمة التي تحكمها. حقوق الفتح والاستعمار إن الأمم القوية الصحيحة، الناهضة المنتعشة، تزداد أبداً عديداً ونفيراً فلا تلبث أن تطلب توسعاً مستمراً في حدودها وتخومها وأرضاً جديدة لمقام من زاد من أهليها ولما كان كل مكان من الكرة الأرضية مأهولاً معموراًَ فلا تقع لهذه الأمة المستعمرة الجديدة إلا على نفقة أصحابها - أي بالفتح والغلب - وكذلك يصبح الفتح قانوناً من قوانين الضرورة. إن العالم كله يعترف بقانون الفتح، وهو في أول مبادئه يكون سلمياً وأول خطواته أن يفيض بعض الممالك المختنقة بالسكان الغاصة بالأهلين على غيرها من الممالك والأخطار سيلاً عرماً من المهاجرة والراحلين، وهؤلاء ينزلون على قوانين البلد الجديد الذي خفوا إليه برحالهم، ثم يجتهدون بعد ذلك في الظفر بامتيازات لهم على حساب السكان الأصليين الذين يزاحمونهم ومن هذا يكون الفتح. وكذلك يعترف العالم بحق الاستعمار وحق الفتح بالقوة والكره والحرب، فقد يكون هناك أمة نامية متكاثرة لا تستطيع استعمار بلد غير متحضر ولكن حكومتها تريد أن تحفظ عليها العدد الزائد من أهلها الذي لم تستطع المملكة أن تجد له طعامه ورزقه، فليس لها من سبيل إلى ما تريد إلا بالحرب، وكذلك تؤدي غريزة حفظ الذات ولاشك إلى الحرب وفتح الأرض واستعمار الأقطار ولا يكون الحق لصاحب الأرض إذ ذاك بل للغالب القاهر - وتكون القوة هي الحق الأعلى فإن الحرب هي التي تقرر الحق تقريراً بيولوجياً.

стр. 1505

سيئات السلم وإذا ظلت السلم في الأمة دهراً لم تلبث أن تتسلط فيها المآرب الشخصية الحقيرة والأغراض الدنيئة المريضة، وتقوم الفتن والمكايد ويمحو الترف آثار الكمال الاجتماعي، ويحتكر المال قوة متطرفة غير شريفة ولا مشروعة ولا تجد الشخصية الكبيرة الاحترام اللائق بها. يقول شيلر تصوح زهرة الإنسان وتموت جذوره في زمان السلم وعهودها وتموت الشجاعة وتحتضر في ظلال الراحة وخمائل السكون. إن القانون هو ملهاة الضعيف العاجز هو الذي يجعل الناس جميعاً أنداداً وأشباهاً ولكن في الحرب تتجلى شجاعة الإنسان، والحرب تعلى الروح الوضيعة، وترفع كل منحط حقير، بل إن الجبان نفسه ليتناسى اسمه. يقول هيجل: بلى إن الحروب تخيف وترعب وتزعج، ولكنها واجبة لازمة لأنها تنقذ الأمة من كل ركود أو جمود اجتماعي. إن الحرب أشد من السلم إيقاظاً للحياة الأهلية وأشد توسيعاً لنطاق القوة الأهلية من كل وسيلة يذكرها التاريخ - نعم إنها تجر في أعقابها نكبات مادية ذهنية ولكنها في الوقت نفسه تثير أشرف الكفاءات في الطبيعة البشرية. ولاسيما في عصرنا هذا. حيث يجوز لنا أن لا نعد نشوب الحرب من عمل الملوك فقط والحكومات. بل هي لسان حال لأمة جمعاء. إذ ذاك تتوارى المآرب الذاتية الحقيرة أمام ذلك الحكم الرهيب الذي يتلجلج في صدر الحرب وإذ ذاك يجمع الخطر العام الجميع إلى سعي مشترك ونضال فذ، وما الرجل الذي ينزوي عن هذا الواجب وينقبض عن هذا النضال إلا ليستحق أن يركل بالأرجل والأقدام. وفي هذا الاتحاد العناصر الصحيحة التي تخرج للحياة الأهلية ثمار السعادة والهناء، ولسنا بحاجة إلى إثبات ذلك وهذه الحرب الألمانية الفرنسية - حرب السبعين - ونتائجها التاريخية. وأما الفظائع الوحشية الحيوانية التي تقع عادة في الحروب فيجب أن لا تذكر بل تتلاشى أمام كمالية النتيجة الكبرى وفي الحرب، ولاشك تتجلى قيمة تلك الألقاب الكاذبة والمراتب الجوفاء التي تربت في أحضان السلم ورتعت في بحبوحتها زماناً طويلاً وهناك تأخذ الشخصيات الكبيرة محلها الأرفع الأوجب وهناك تخطو القوة والإخلاص والصدق

стр. 1506

والشرف إلى الطليعة تلعب دورها. عرف فردريك الكبير هذا التأثير النبيل العظيم الذي تحدثه الحرب فقال: إن الحرب تفتح الميدان الخصيب، الشاسع العريض للفضائل كلها، لأن في كل لحظة من أيام الحرب يتجلى الثبات والعطف والعظمة والبطولة والرحمة والإحسان وكل لحظة من أوقات الحرب تقدم الفرصة السانحة لإظهار فضيلة من هذه الفضائل. يقول تريتشكي يجب أن يتلاشى حب الذات وتتوارى الحزازات وتختفي الأحن والعداوات، إذا جاءت الساعة التي تصيح فيها الجمعية أن حياتها في خطر، يجب أن ينسى الفرد إذ ذاك ذاتيته، ويشعر بأنه شلو من جسم الأمة، ينبغي أن يعرف أن حياته ليست شيئاً مذكوراً بجانب حياة الجمعية، إن الحرب مهذبة رافعة سامية، لأن الفرد يختفي فيها حيال فكرة الأمة الكبرى، وإن إخلاص أفراد الجمعية بعضهم لبعض لا يتجلى أسمى جلاله إلا في الحرب. . . أية آداب فاسدة تريد أن تمحو البطولة من صدور الرجال؟. . بل قد يكون حتى في الهزيمة نفسها ثمرات غالية سامية، فهي وإن ساقت غالباً الضعف والبؤس والشقاء، مؤدية كذلك أحياناً أخرى إلى إحياء جديد وانتعاش قوي لا سمة للفتور أو العلة فيه وهي كذلك واضعة أساس أنظمة حيوية جديدة، يقول ويلهام همبولدت إني لأرى في تأثير الحرب على الخلق الأهلي عنصراً من أسمى العناصر في تكوين الجنس البشري وصوغه وتهذيبه. وهل هناك عمل أسمى للفرد من أن يبذل حياته لفكرته، ويضحي وجوده للمبدأ الذي يجاهد له، وكذلك الأمم والحكومات لا تستطيع أن تؤدي واجباً أربع مكاناً من بذلها كل قوتها في سبيل الاحتفاظ باستقلالها وشرفها وسمعتها وذكرها. وهذه الوجدانات والمشاعر لا تجد لها عملاً إلا في الحرب، ولذلك كان توقع الحرب ضرورياً لإيقاظ الخلق الأهلي وتنبيهه، ولا تستطيع الأمم أن تقوم للمدنية بأصدق الواجبات إلا بترقية الخلق الأهلي بين قومها ومن ثم كانت المجهودات التي تبذل في استتباب السلم هي من أكبر العوامل على قتل الصحة الأهلية، وناهيك إذا أصبحت فرعاً من فروع سياستها، والحكومات المتلببة لصرف هذه المجهودات إنما تمتص عصارة قوتها بنفسها، إليك مثلاً الولايات المتحدة فقد قامت لغرض من أغراضها في يونيه عام ١٩١١ تدعو إلى

стр. 1507

السلام العام وتدافع عنه وتنضح، وذلك لا لشيء سوى أن تترك آمنة هادئة لا تعني بغير الإثراء وجمع المال والتنعم بالغنى والوفر والثروة، ولتمسك عليها الثلاثمائة مليون من الريالات التي تنفقها على جيشها وبحريتها، فهي من ثم تعرض بنفسها لخطر عظيم ليس مقصوراًَ على احتمال نشوب حرب بينها وبين إنجلترا أو اليابان بل لأنها تحاول أن تمنع كل فرصة تسنح لحرب بينها وبين أقرانها ولداتها في القوة والبأس، وبذلك تقطع عليها تيار الوجدانات الأهلية السياسية الكبرى التي لا يكون هناك تطور أدبي في الخلق الأهلي إلا بها، وإن جرت في تلك الطريق أشواطاً أخر فهي ولا ريب دافعة عن هذه السياسية ثمناً غالياً. مؤتمرات السلام وجملة القول إن المجهودات المصروفة إلى إزهاق روح الحرب لا ينبغي أن توصف فقط بأنها مجهودات نزقة طائشة حمقاء بل مفسدة كذلك للآداب الإنسانية مناقضة، ينبغي أن تنعت بأنها نقيصه لا تحسن بالجنس البشري ولا تليق، لأنها تريد أن تحرم الناس حق تضحية النشب والمادة والحياة فدى للمبادئ الكمالية السامية وتحقيقاً لأسمي ضروب الانكارية الأدبية إنها تريد أن تمنع المشاحنات الكبرى بين الأمم بمؤتمرات السلام، أي بالمفاوضات والتوسطات والترضيات، أي تريد أن تقيم قانوناً سخيفاً باطلاً صورياً مكان أحكام التاريخ وأقضيته، تريد أن تعطي الأمة الضعيفة حق البقاء والحياة مثل الأمة القوية المنتعشة الفارعة، فهي لا تمثل إلا اعتداء متطرفاً باطلاً على النواميس الطبيعية للتطور، ولا يكون من ذلك إلا أشد النتائج وخامة وويلاًَ على الإنسانية جمعاء، فهي بتعطيلها التنافس الحر المسرح المباح الذي لا يعتمد إلا على القوة والسلاح والقتال، ستعمل على تعطيل التقدم الحق والارتقاء الحي الصادق، يتبع ذلك الركود الأخلاقي والجمود الفكري، ويجرى في آثار هذين الانحطاط والتدهور والانقراض، يقول تريتشكي: يرعى الله الحرب ويجعلها أبداً لا تجيء إلا لتكون للإنسانية دواء ناجعاً قوياً. ومن ثم يجب أن نستعدى كل الوسائل على القضاء على هذه المذاهب الخيالية الواهمة ويجب أن نشهرها أمام الناس ونفضح أمرها ونعلن حقيقتها وهي أنها فكرة خيالية ضعيفة عليلة طائشة، بل ثوب من أثواب الرياء السياسي وحجاب من حجبه، ينبغي أن يعلم قومنا

стр. 1508

إن بقاء السلم لن يكون غرض سياستنا، بل يجب أن نكرر ونسهب في فضيلة الحرب ونعماها ووجوب وقوعها ولمثل الأعلى الذي تنطوي عليه، ينبغي أن نلقي إلى رسل فكرة السلم ودعاتها بيت شاعرنا جوت. أأحلام بالسلام وعهوده، ألا فليحلم به من يشاء، وأما نحن فليكن صراخنا الحرب. . الحرب وهلموا إلى النصر!. الفصل الثالث روح الغرور عند الألمان تتطور الأمم بالأكاذيب تطورها بالحقائق، وقد يكون للفكرة الطائشة من الأثر في أخلاق الأمة ما تعجز عنه الفكرة الصالحة، وما كان تطور الأمم ليقاس بصواب العوامل ورجاحة البواعث وصحة الأسباب، وإنما بمبلغ التأثير الذي تجدثه هذه العوامل ومقدار الغاية التي تنتهي عندها. ظل الألمان هذه السنين يعيشون على الزهو، ويغتذون من مادته، ويتطورون تحت تأثيره، فكان الزهو عندهم ولا ريب عاملاً من عوامل التقدم، وسبباً من أسباب الحياة والنهوض، إذ كان كتابهم وشعراؤهم، وفلاسفتهم وصحفيوهم، وسياسيوهم وحربيوهم يلقون إليهم أن الألمان هم خلاصة الجنس البشري كله وصفوة الإنسانية جمعاء، وإن العنصر الألماني هو العنصر الفذ الذي سيسود فوق العالم بأسره، وإن الشعب الألماني لم يعد شعب الجعة والمراقص والمواخير، لا بل شعب الشعراء والكتَّاب والمفكرين، وإن كلمة ألمانيا لا يراد بها اليوم الأمة النازلة بين نهري الرين والفستولا، بل يدب أن يفهم الآن منها ذلك الأوقيانوس العظيم من الشعوب المتكلمة باللغات التيوتونية، أو من الشعوب التي لا تتكلم اليوم بها، وهي أحق بأن تتخذها لسانها وبها أوجب وأخلق، يدخل في الأولى السويديون والنرويجيون والدانمركيون والهولنديون، وينطوي تحت الأخرى البلجيكيون والسويسريون والنمسويون وبعض قبائل الروس والمجر، بل تجاوزوا إلى أبعد من ذلك فقالوا إن الصقالبة من روس وبولونيين وبوهيميين وصربيين وكرواتيين ليسوا في الحقيقة إلا فروعاً من العنصر الألماني، ولذلك ترى مئات من علمائهم وكتابهم وألوفاً من خطبائهم وصحفييهم يلقون في أسماع الشعب أن هذه الأمم جميعاً جرمانية ولذلك يجب أن تدخل

стр. 1509

أفواجاً في أمة ألمانية فذة كبرى. كان رسول هذه الفكرة التيوتونية المتطرفة المزهوة هاوستون ستوارت تشمبرلن (إن هاوستون تشمبرلن هذا من الإنكليز ولكنه أثار بكتابه أساس القرن التاسع عشر، أما الشعب الإنكليزي وإخراجه من جنسيتهم حتى أن كتابهم لا يذكرون إنكليزيته في كتبهم بل يقولون أن القدر إلى أن يكون له اسم الإنكليز. الكاتب الألماني بكتابه: أساس القرن التاسع عشر فلقد كان لهذا لكتاب في ألمانيا ثورة فكرية هائلة، وعاطفة متحمسة عظيمة، إذ أقبل على قراءته جميع طبقات الأمة من أصغر صغير في الشعب إلى أكبر كبير، وقد عدوه كتاباً ممتعاً بعيد الغور سديد الرأي متماسك الحجة، حتى أن أغنياءهم ومتموليهم جعلوا يبتاعون الآلاف من نسخه يفرقونها دون أجر على حجرات المطالعة العمومية في كل بلد أو نجع أو قرية لكي يقرأ الكتاب دهماء الشعب وعوامهم، وقد أطراه الإمبراطور ونوه به وتقبله بقبول حسن وأصبح الكتاب الرحى التي يدور عليها قطب الأدب الألماني الحديث، فمن مؤلف في مديحه، ومن سفر في تنقيحه، ومن آخر في الرد عليه، ومن كتاب في المحاجة له، وكان من ذلك أن أصبح تشمبرلن اليوم في رأس كتَّاب ألمانيا الخالدين. وليس نجاح الرجل بكتابه هذا بالسر المستعصي البحث المستغلق الاستقصاء البعيد لاكتشاف، حسبك أن الرجل لبس لبوس العلماء وتظاهر في بحثه بأسلوبهم، وانتحى في تخريجه مناحيهم، وراح يثبت للألمان أن تاريخ الإنسانية لم يكن إلا ألمانيا وإن كل تطورات العالم في المستقبل وكل ضروب ارتقائه المقبل، ستوسم بهذه الماركة المسجلة صنعت في ألمانيا وإن الألمان هم العنصر الصالح للأرض. هذا هو الإنجيل الألماني الجديد الذي جاء بن تشمبرلن فلم يبق في الأرض ألماني إلا دان له وتغنى به واستظهره، وإليك قطعة من هذه الأنشودة الألمانية الحادة المتعجرفة. يقول تشمبرلن: لا أعنى بالألمان إلا كل أمم أوروبا الشمالية التي ظهرت في التاريخ باسم القلت والجرمان والصقالبة، والتي منها نبغت شعوب أوروبا الحديثة، إن الحق الذي لا شائبة للريب فيه هو أن هذه الشعوب جميعاً خرجت من أسرة واحدة ولكن الألماني استطاع أن يظل بين أفراد هذه الأسرة سامي المكانة رفيع القدر عالي الرأس قوياً في ذهنه وآدابه وطبيعة جثمانه، حتى ليسوغ لنا أن نطلق اسمه على الأسرة كلها. . . إن الألماني هو روح

стр. 1510

المدنية الأوروبية، إن أوروبا اليوم المنتشرة على مدى الكرة الأرضية لهي النتيجة الباهرة لتشعب أفراد هذه الأسرة، والرابطة الوحيدة التي تصل اليوم بيننا هي الدم الألماني. . . لا يجلس على عروش الغرب إلا الألمان، إن التاريخ الحق سيبتدئ من اليوم الذي يقبض فيه الألماني بكفه العظيمة على تراث آبائه وأجداده. وكذلك جعل تشمبرلن يبعد في القول ويمعن ويدلل لبني قومه ويثبت لهم أن في الألمان عنصراً حيوياً غريباً، هو الذي أعان كل من تجري في أعراقه الدماء الألمانية على إنجاز العظائم والقيام بالجسائم والمدهشات، وإن كل عظماء الأعصر الماضية إذا دققت البصر إليهم وحققت النظر فيهم لم يكونوا إلا ألمانيين نشأة ودماً وروحاً، هذا دانتي مثلاً الطلياني لم يكن - كما يقول تشمبرلن - إلا ألمانياً، بل انظر إلى وجهه ترله كل ملامح الوجوه الألمانية وتقاطيعها ومعارفها، وهذا باسكال كذلك وإن عده بعض الحمقى الأغفال من عظماء فرنسا ونادرة رجالها!!. وبلغ من إلحاح تشمبرلن هذا على البحث وتشبثه بأهداب (تيوتونيته) وتماديه في التغني بألمانيته، إن عمد إلى البحث في جنسية المسيح، فجعل يثبت أن المسيح لم ينشأ في بني إسرائيل ولا سكن في ديارهم، وإليك ما يقول في ذلك بتلك السذاجة العلمية المتفشية في نواحي كتابه المتجلية في كل سطوره وسلاسله. كل من يدعي أن المسيح كان إسرائيلياً إما أن يكون جاهلاً وإما خائناً أرميه بالجهل لأنه يخلط بين الدين والجنس، وأقرفه بالخيانة لأنه يعرف تاريخ غاليليه. . . ليس ثمة ريب في أن المسيح لم يكن إسرائيلياً ولا جرت في عروقه قطرة واحدة من الدم الإسرائيلي الخالص العبيط - فإلى أي شعب ترى المسيح يمت. .؟ ليس من جواب على هذا. . وطفق تشمبرلن بعد هذا يتيه فيب شعاب الظن ويمرح في أودية الحدس فيقول لعل المسيح كان رحالة من الآشوريين، حتى إذا لم يقتنع بنتيجته هذه ولي وجهة شطر المغرب فقال أم لعله من الإغريق، وإنك لتعجب للرجل كيف تراه عمي عن ملمس الحق وعشى بصره أمام وضح الصدق فخرج من كتابه الضخم ولم يهتد إلى غاية ولم يقف عند نتيجة ترضيه. على أن ألمانيا كانت أعظم من تشمبرلن وأصبر منه على التخريج وأطول منه نفساً في البحث، فما لبثت أن أخرجت من كشف لها المجاهل التي عجز عنها تشمبرلن وحسر
следующие страницы →