← Адаб

Адаб · id 73348

مجلة البيان للبرقوقي

البرقوقي

Полный текст (3 596 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

والشرف إلى الطليعة تلعب دورها. عرف فردريك الكبير هذا التأثير النبيل العظيم الذي تحدثه الحرب فقال: إن الحرب تفتح الميدان الخصيب، الشاسع العريض للفضائل كلها، لأن في كل لحظة من أيام الحرب يتجلى الثبات والعطف والعظمة والبطولة والرحمة والإحسان وكل لحظة من أوقات الحرب تقدم الفرصة السانحة لإظهار فضيلة من هذه الفضائل. يقول تريتشكي يجب أن يتلاشى حب الذات وتتوارى الحزازات وتختفي الأحن والعداوات، إذا جاءت الساعة التي تصيح فيها الجمعية أن حياتها في خطر، يجب أن ينسى الفرد إذ ذاك ذاتيته، ويشعر بأنه شلو من جسم الأمة، ينبغي أن يعرف أن حياته ليست شيئاً مذكوراً بجانب حياة الجمعية، إن الحرب مهذبة رافعة سامية، لأن الفرد يختفي فيها حيال فكرة الأمة الكبرى، وإن إخلاص أفراد الجمعية بعضهم لبعض لا يتجلى أسمى جلاله إلا في الحرب. . . أية آداب فاسدة تريد أن تمحو البطولة من صدور الرجال؟. . بل قد يكون حتى في الهزيمة نفسها ثمرات غالية سامية، فهي وإن ساقت غالباً الضعف والبؤس والشقاء، مؤدية كذلك أحياناً أخرى إلى إحياء جديد وانتعاش قوي لا سمة للفتور أو العلة فيه وهي كذلك واضعة أساس أنظمة حيوية جديدة، يقول ويلهام همبولدت إني لأرى في تأثير الحرب على الخلق الأهلي عنصراً من أسمى العناصر في تكوين الجنس البشري وصوغه وتهذيبه. وهل هناك عمل أسمى للفرد من أن يبذل حياته لفكرته، ويضحي وجوده للمبدأ الذي يجاهد له، وكذلك الأمم والحكومات لا تستطيع أن تؤدي واجباً أربع مكاناً من بذلها كل قوتها في سبيل الاحتفاظ باستقلالها وشرفها وسمعتها وذكرها. وهذه الوجدانات والمشاعر لا تجد لها عملاً إلا في الحرب، ولذلك كان توقع الحرب ضرورياً لإيقاظ الخلق الأهلي وتنبيهه، ولا تستطيع الأمم أن تقوم للمدنية بأصدق الواجبات إلا بترقية الخلق الأهلي بين قومها ومن ثم كانت المجهودات التي تبذل في استتباب السلم هي من أكبر العوامل على قتل الصحة الأهلية، وناهيك إذا أصبحت فرعاً من فروع سياستها، والحكومات المتلببة لصرف هذه المجهودات إنما تمتص عصارة قوتها بنفسها، إليك مثلاً الولايات المتحدة فقد قامت لغرض من أغراضها في يونيه عام ١٩١١ تدعو إلى

стр. 1507

السلام العام وتدافع عنه وتنضح، وذلك لا لشيء سوى أن تترك آمنة هادئة لا تعني بغير الإثراء وجمع المال والتنعم بالغنى والوفر والثروة، ولتمسك عليها الثلاثمائة مليون من الريالات التي تنفقها على جيشها وبحريتها، فهي من ثم تعرض بنفسها لخطر عظيم ليس مقصوراًَ على احتمال نشوب حرب بينها وبين إنجلترا أو اليابان بل لأنها تحاول أن تمنع كل فرصة تسنح لحرب بينها وبين أقرانها ولداتها في القوة والبأس، وبذلك تقطع عليها تيار الوجدانات الأهلية السياسية الكبرى التي لا يكون هناك تطور أدبي في الخلق الأهلي إلا بها، وإن جرت في تلك الطريق أشواطاً أخر فهي ولا ريب دافعة عن هذه السياسية ثمناً غالياً. مؤتمرات السلام وجملة القول إن المجهودات المصروفة إلى إزهاق روح الحرب لا ينبغي أن توصف فقط بأنها مجهودات نزقة طائشة حمقاء بل مفسدة كذلك للآداب الإنسانية مناقضة، ينبغي أن تنعت بأنها نقيصه لا تحسن بالجنس البشري ولا تليق، لأنها تريد أن تحرم الناس حق تضحية النشب والمادة والحياة فدى للمبادئ الكمالية السامية وتحقيقاً لأسمي ضروب الانكارية الأدبية إنها تريد أن تمنع المشاحنات الكبرى بين الأمم بمؤتمرات السلام، أي بالمفاوضات والتوسطات والترضيات، أي تريد أن تقيم قانوناً سخيفاً باطلاً صورياً مكان أحكام التاريخ وأقضيته، تريد أن تعطي الأمة الضعيفة حق البقاء والحياة مثل الأمة القوية المنتعشة الفارعة، فهي لا تمثل إلا اعتداء متطرفاً باطلاً على النواميس الطبيعية للتطور، ولا يكون من ذلك إلا أشد النتائج وخامة وويلاًَ على الإنسانية جمعاء، فهي بتعطيلها التنافس الحر المسرح المباح الذي لا يعتمد إلا على القوة والسلاح والقتال، ستعمل على تعطيل التقدم الحق والارتقاء الحي الصادق، يتبع ذلك الركود الأخلاقي والجمود الفكري، ويجرى في آثار هذين الانحطاط والتدهور والانقراض، يقول تريتشكي: يرعى الله الحرب ويجعلها أبداً لا تجيء إلا لتكون للإنسانية دواء ناجعاً قوياً. ومن ثم يجب أن نستعدى كل الوسائل على القضاء على هذه المذاهب الخيالية الواهمة ويجب أن نشهرها أمام الناس ونفضح أمرها ونعلن حقيقتها وهي أنها فكرة خيالية ضعيفة عليلة طائشة، بل ثوب من أثواب الرياء السياسي وحجاب من حجبه، ينبغي أن يعلم قومنا

стр. 1508

إن بقاء السلم لن يكون غرض سياستنا، بل يجب أن نكرر ونسهب في فضيلة الحرب ونعماها ووجوب وقوعها ولمثل الأعلى الذي تنطوي عليه، ينبغي أن نلقي إلى رسل فكرة السلم ودعاتها بيت شاعرنا جوت. أأحلام بالسلام وعهوده، ألا فليحلم به من يشاء، وأما نحن فليكن صراخنا الحرب. . الحرب وهلموا إلى النصر!. الفصل الثالث روح الغرور عند الألمان تتطور الأمم بالأكاذيب تطورها بالحقائق، وقد يكون للفكرة الطائشة من الأثر في أخلاق الأمة ما تعجز عنه الفكرة الصالحة، وما كان تطور الأمم ليقاس بصواب العوامل ورجاحة البواعث وصحة الأسباب، وإنما بمبلغ التأثير الذي تجدثه هذه العوامل ومقدار الغاية التي تنتهي عندها. ظل الألمان هذه السنين يعيشون على الزهو، ويغتذون من مادته، ويتطورون تحت تأثيره، فكان الزهو عندهم ولا ريب عاملاً من عوامل التقدم، وسبباً من أسباب الحياة والنهوض، إذ كان كتابهم وشعراؤهم، وفلاسفتهم وصحفيوهم، وسياسيوهم وحربيوهم يلقون إليهم أن الألمان هم خلاصة الجنس البشري كله وصفوة الإنسانية جمعاء، وإن العنصر الألماني هو العنصر الفذ الذي سيسود فوق العالم بأسره، وإن الشعب الألماني لم يعد شعب الجعة والمراقص والمواخير، لا بل شعب الشعراء والكتَّاب والمفكرين، وإن كلمة ألمانيا لا يراد بها اليوم الأمة النازلة بين نهري الرين والفستولا، بل يدب أن يفهم الآن منها ذلك الأوقيانوس العظيم من الشعوب المتكلمة باللغات التيوتونية، أو من الشعوب التي لا تتكلم اليوم بها، وهي أحق بأن تتخذها لسانها وبها أوجب وأخلق، يدخل في الأولى السويديون والنرويجيون والدانمركيون والهولنديون، وينطوي تحت الأخرى البلجيكيون والسويسريون والنمسويون وبعض قبائل الروس والمجر، بل تجاوزوا إلى أبعد من ذلك فقالوا إن الصقالبة من روس وبولونيين وبوهيميين وصربيين وكرواتيين ليسوا في الحقيقة إلا فروعاً من العنصر الألماني، ولذلك ترى مئات من علمائهم وكتابهم وألوفاً من خطبائهم وصحفييهم يلقون في أسماع الشعب أن هذه الأمم جميعاً جرمانية ولذلك يجب أن تدخل

стр. 1509

أفواجاً في أمة ألمانية فذة كبرى. كان رسول هذه الفكرة التيوتونية المتطرفة المزهوة هاوستون ستوارت تشمبرلن (إن هاوستون تشمبرلن هذا من الإنكليز ولكنه أثار بكتابه أساس القرن التاسع عشر، أما الشعب الإنكليزي وإخراجه من جنسيتهم حتى أن كتابهم لا يذكرون إنكليزيته في كتبهم بل يقولون أن القدر إلى أن يكون له اسم الإنكليز. الكاتب الألماني بكتابه: أساس القرن التاسع عشر فلقد كان لهذا لكتاب في ألمانيا ثورة فكرية هائلة، وعاطفة متحمسة عظيمة، إذ أقبل على قراءته جميع طبقات الأمة من أصغر صغير في الشعب إلى أكبر كبير، وقد عدوه كتاباً ممتعاً بعيد الغور سديد الرأي متماسك الحجة، حتى أن أغنياءهم ومتموليهم جعلوا يبتاعون الآلاف من نسخه يفرقونها دون أجر على حجرات المطالعة العمومية في كل بلد أو نجع أو قرية لكي يقرأ الكتاب دهماء الشعب وعوامهم، وقد أطراه الإمبراطور ونوه به وتقبله بقبول حسن وأصبح الكتاب الرحى التي يدور عليها قطب الأدب الألماني الحديث، فمن مؤلف في مديحه، ومن سفر في تنقيحه، ومن آخر في الرد عليه، ومن كتاب في المحاجة له، وكان من ذلك أن أصبح تشمبرلن اليوم في رأس كتَّاب ألمانيا الخالدين. وليس نجاح الرجل بكتابه هذا بالسر المستعصي البحث المستغلق الاستقصاء البعيد لاكتشاف، حسبك أن الرجل لبس لبوس العلماء وتظاهر في بحثه بأسلوبهم، وانتحى في تخريجه مناحيهم، وراح يثبت للألمان أن تاريخ الإنسانية لم يكن إلا ألمانيا وإن كل تطورات العالم في المستقبل وكل ضروب ارتقائه المقبل، ستوسم بهذه الماركة المسجلة صنعت في ألمانيا وإن الألمان هم العنصر الصالح للأرض. هذا هو الإنجيل الألماني الجديد الذي جاء بن تشمبرلن فلم يبق في الأرض ألماني إلا دان له وتغنى به واستظهره، وإليك قطعة من هذه الأنشودة الألمانية الحادة المتعجرفة. يقول تشمبرلن: لا أعنى بالألمان إلا كل أمم أوروبا الشمالية التي ظهرت في التاريخ باسم القلت والجرمان والصقالبة، والتي منها نبغت شعوب أوروبا الحديثة، إن الحق الذي لا شائبة للريب فيه هو أن هذه الشعوب جميعاً خرجت من أسرة واحدة ولكن الألماني استطاع أن يظل بين أفراد هذه الأسرة سامي المكانة رفيع القدر عالي الرأس قوياً في ذهنه وآدابه وطبيعة جثمانه، حتى ليسوغ لنا أن نطلق اسمه على الأسرة كلها. . . إن الألماني هو روح

стр. 1510

المدنية الأوروبية، إن أوروبا اليوم المنتشرة على مدى الكرة الأرضية لهي النتيجة الباهرة لتشعب أفراد هذه الأسرة، والرابطة الوحيدة التي تصل اليوم بيننا هي الدم الألماني. . . لا يجلس على عروش الغرب إلا الألمان، إن التاريخ الحق سيبتدئ من اليوم الذي يقبض فيه الألماني بكفه العظيمة على تراث آبائه وأجداده. وكذلك جعل تشمبرلن يبعد في القول ويمعن ويدلل لبني قومه ويثبت لهم أن في الألمان عنصراً حيوياً غريباً، هو الذي أعان كل من تجري في أعراقه الدماء الألمانية على إنجاز العظائم والقيام بالجسائم والمدهشات، وإن كل عظماء الأعصر الماضية إذا دققت البصر إليهم وحققت النظر فيهم لم يكونوا إلا ألمانيين نشأة ودماً وروحاً، هذا دانتي مثلاً الطلياني لم يكن - كما يقول تشمبرلن - إلا ألمانياً، بل انظر إلى وجهه ترله كل ملامح الوجوه الألمانية وتقاطيعها ومعارفها، وهذا باسكال كذلك وإن عده بعض الحمقى الأغفال من عظماء فرنسا ونادرة رجالها!!. وبلغ من إلحاح تشمبرلن هذا على البحث وتشبثه بأهداب (تيوتونيته) وتماديه في التغني بألمانيته، إن عمد إلى البحث في جنسية المسيح، فجعل يثبت أن المسيح لم ينشأ في بني إسرائيل ولا سكن في ديارهم، وإليك ما يقول في ذلك بتلك السذاجة العلمية المتفشية في نواحي كتابه المتجلية في كل سطوره وسلاسله. كل من يدعي أن المسيح كان إسرائيلياً إما أن يكون جاهلاً وإما خائناً أرميه بالجهل لأنه يخلط بين الدين والجنس، وأقرفه بالخيانة لأنه يعرف تاريخ غاليليه. . . ليس ثمة ريب في أن المسيح لم يكن إسرائيلياً ولا جرت في عروقه قطرة واحدة من الدم الإسرائيلي الخالص العبيط - فإلى أي شعب ترى المسيح يمت. .؟ ليس من جواب على هذا. . وطفق تشمبرلن بعد هذا يتيه فيب شعاب الظن ويمرح في أودية الحدس فيقول لعل المسيح كان رحالة من الآشوريين، حتى إذا لم يقتنع بنتيجته هذه ولي وجهة شطر المغرب فقال أم لعله من الإغريق، وإنك لتعجب للرجل كيف تراه عمي عن ملمس الحق وعشى بصره أمام وضح الصدق فخرج من كتابه الضخم ولم يهتد إلى غاية ولم يقف عند نتيجة ترضيه. على أن ألمانيا كانت أعظم من تشمبرلن وأصبر منه على التخريج وأطول منه نفساً في البحث، فما لبثت أن أخرجت من كشف لها المجاهل التي عجز عنها تشمبرلن وحسر

стр. 1511

بصره عن الاهتداء إليها، وحقق لها المظان التي عثر بها الأول ثم أعرض عنها، ذلك أنه لم يلبث أن أخرج ريمر أحد علماء ألمانيا المعروفين كتاباً آخر ذكر فيه مسألة نشأة المسيح وجنسيته فلم يكن من كل بحثه إلا كلمة واحدة هي إن لم يكن المسيح ألمانياًَ فهو ولا شك حديث خرافة أماً وليس في الناس من يعده كذلك فهو قد نشأ ثمة نشأة ألمانية، بل ألم يكون المسيح وردى البشرة زرقاوي العينين أصفر الفروع زاهيها، وتلك هي الملامح الألمانية بعينها، فإذا لم يرض بعض القوم هذا الدليل فليس على المنكر المتردد إلا أن يعمد إلى التحليل لفظتي عيسي و (جرماني) وهما في الإفرنجية وفإن المقطع الأول في اللفظة الأولى وهو مقلوب عن في الثانية إذ كانوا يعتبرون حرف متحركاً ولذلك أسقطوه جملة واحدة واستعاضوا عنه حرف أما المقطع الثاني من اللفظة الأولى وهو فعلامة المذكر في اللاتينية وهي التي يقابلها في الإنكليزية والألمانية لفظة الموجودة في المقطع الثاني من اللفظة الثانية. . . فهل ثم أوضح من هذا برهاناً وأجلى مما ترى دليلاً؟!!. ولم يقف زهو الألمان عند هذه الغاية المضحكة بل تجاوزوها فقالوا إن القرن العشرين لنا نحن الألمان، كما كان القرن السادس عشر للأسبان، وكما كان السابع عشر للفرنسيين والثامن عشر للإنكليز، بل لم يقنعوا بإدعاء ملكية القرن العشرين بل أرادوا أن يظهروا للعالم أن القرون الماضية كانت لهم جميعاً. إن الألمان يعيشون اليوم عيشة تاريخية، كما يقول نيتشه، يعنون بالماضي كأكبر عنايتهم بالحاضر، قد أضافوا على حواسهم الخمس حاسة سادسة هي الحاسة التاريخية فترى كل غلام في المدرسة يعلم أن دانتي وروفائيل وأنجلو وماكيافللي لم يكونوا كما يشهد التاريخ من الطليان بل من الألمان، وكذلك كان نوابغ الفرنسيين أمثال العالم رابيليه والفيلسوف مونتان وباسكال وديكارت، يمنون إلى الألمانيين بدمائهم الألمانية، وليسوا من الفرنسيين في شيء كما يدعي العالم ويكذب التاريخ، فإذا سمع الصبي تلك من فم معلمه لم يلبث أن تتكون في أعماق روحه عاطفة الزهو بجنسيته فلا يستطيع أن يتمالك نفسه من الاعتقاد بأنه الدماء الألمانية والفلسفة الألمانية والآداب الألمانية والعالم الألماني وصفوة القول كل ما هو ألماني في كل فروع الحياة وأصولها أسمى مكاناً من غير الألماني وأعظم قدر!. ونحن شارحون هنا للقراء مؤلفاً حديثاً للكاتب الألماني لدويج ولمان يثبت فيه بأدلته

стр. 1512

الألمانية أن أكثر نوابغ الطليان والفرنسيس في النهضة العلمية من الشعراء والنحاتين والمصورين والكتَّاب والمفكرين وثبوا جميعاً من أصل ألماني، ولسنا نريد أن نفند للقراء هذه المزاعم العريضة والحجج العاثرة بل حسبنا أن نقول إن الكتاب وإن كان مضحك التخريج، واهن الاستقراء إلا أنه قد قوبل في ألمانيا بالتهليل والتكبير، وتناولته المجلات التاريخية والأثرية بالأبحاث الرزينة، والتعليقات الجدية، والمقالات الممتعة الفلسفية، وكان له أعظم الأثر في نفوس الألمان. يدور محور هذا الكتاب على إثبات أن جميع أساطين القرنين الخامس عشر والسادس عشر أو جلهم من الطليان والفرنسيين نبغوا جميعاً من الدم الألماني، وقد انتحى وولتمان في تقسيم أوروبا منحى لم يزغ فيه عن منحى العلماء الأنثرولوبوجين إذ قسمها إلى أجناس وشعوب، وأشهر هذه الأجناس الجنس الشمالي أو الألماني، وهو الذي يمتاز عن غيره بالرأس المستطيل والشعر الخفيف والأعين الزرقاء، ثم يلي ذلك الجنس الجنوبي النازل بسواحل البحر المتوسط. وهذا يعرف بالرأس القصير المستدير والمعارف والتقاطيع السمراء، فإذا وقع وولتمان في بحثه على طلياني عرف عنه أنه كان مستطيل الرأس أزهر المعارف زرقاوي العينين لم يخالجه الشك هنيهة واحدة في أن الدم الألماني كان يجري ولا ريب في عروق الرجل. وترى كتاب ألمانيا وأهل الرأي فيها لا يريدون أن يقتنعوا بهذا المقدار من العجب والزهو بل ما فتئوا يعلمون قومهم أن الألمان هم الذين أنقذوا العالم من ذلك الانحطاط المظلم الذي كان يهم بأن يغشي الإنسانية على أيدي الرومان في أخريات أيامهم وزمان ترفهم وضعفهم، وهم الذين رفعوها من تلك الهاوية السحيقة القرار التي تهاوت فيها المدينة الرومانية وإن البرابرة الألمان الذين تدافعوا من حدود الشمال وتخوم الجليد على روما وأهلها ودولتها واجتاحوا شاسع أقطارها ووضعوا من صولتها لم يكونوا أقل بأساً من الرومان أو أصغر أو أحط مدينة. إليك ما يقول تشمبرلن عن هؤلاء البرابرة الألمان: إن هذا الهمجي الذي كان يؤثر أن يندفع إلى ساحة الحرب عاري البدن، هذا المتوحش الذي وثب على غرة من العالم من بين قرائر الأحراش وصمائم الأدغال فصب على الإنسانية المتحضرة المتهذبة ويلات ذلك

стр. 1513

الفتح الرهيب العظيم - هو الوارث الشرعي للروماني وأخيه اليوناني - دمه من دمائهما، وروحه على غرار روحهما. لقد كان العالم الروماني على أبواب الموت وفي طريق الفناء، كان عبيد آسيا وأفريقيا قد اختلسوا الخطى حتى اعتلوا عرش الدولة الرومانية، بينا كل الشآمي قد وضع في يده مقاليد التشريع، وكان الإسرائيلي غائراً بين أسفار مكتبة الإسكندرية يريد أن يوفق بين الفلسفة اليونانية والشرائع الموسوية، ثم لم يلبث أن أقبل المغولي يريد أن يسحق تحت قدمه المتوحشة الملطخة بالدماء ثمار تلك الحياة الرومانية الزاهرة، كان الشعر الهندي سائداً وكانت الفلسفة الهندية سارية فاشية، وكانت الفنون الرفيعة قد أسلمت الروح، لم يكن للأغنياء من إلا الرسوم والآداب والإصطلاحات، ولا شاغل للفقراء إلا المصارعات والمسابقات، ولم يعد يومذاك في العالم، كما يقول شيلر، أناس بل مخلوقات. . . . إذ ذاك حان الزمن لظهور المنقذ، ونضج الوقت لوثوب المصلح المهذب. . . نحن لا نندم على شيء ندمنا على أن الألماني لم يبعد يومذاك في التطهير والاستئصال والإفناء. يزيد تشمبرلن أن يحتكر في قومه الصراحة والتسامح والحرية. يقول إن الغوط كانوا أنبل أرواحاً من الرومان، وأجمل منهم سماحة في الدين، إنهم جاءوا الدولة الرومانية فإذا التعصب الديني ضارب بجرانه، باسط على الأرض جناحيه، فزجروا هذه العاطفة المرذولة، وقضوا على هذه النزعة المنكرة وأقاموا على آثارها عاطفة التسامح الحلوة الطاهرة، أبقوا على الآثار، وأمسكوا على العاديات، واحتفظوا بحسنات الفنون. هذا بينا ترى الكتَّاب الألمان يقولون: نحن أحسن الاستعماريين وأبدع الملاحين وأعظم التجار. . . نحن أزكى أمة أخرجت للناس. . . بل أرقى شعب في العلم وأبدع أمة في الفن. . ثم نحن رأس الشعوب في الحرب غير مدافعين!!.

стр. 1514

العدد ٢٣ - بتاريخ: ١ - ١٢ - ١٩١٤

стр. 1515

عالم الأدب المرأة في رأي برنارد شو برنارد شو هو الفيلسوف الإنكليزي الأوحد في هذا العصر، امتاز بآرائه الحرة الناضجة وفلسفته الإصلاحية السديدة، يضرب في كل مؤلفاته على نغمة الإصلاحيين الحربين، ويذهب مذهب الهادمين البانين، فهو خليف فردريك نيشته في حنقه على المجتمع وسخطه على انحطاط الإنسانية في كل وجوه الحياة وأساليبها، على أنه يطول على نيتشه بأنه أصفى ذهناً منه وأهدأ جأشاً، وأسكن نفساً، وأحلى أسلوباً، وهو يجنح في كتابته إلى العبقرية المزاجية فيجيء بالأعجب الأغرب، وليس كنيتشه في مرارة اللهجة، وقساوة التعبير، وفظاعة النقد، يضع فلسفته في روايات تمثيلية ليست في فن الروايات شيئاً مذكوراً بجانب روعة الآراء، وجلال الموضوع ونفاسة المغزى، وهو من أعظم أنصار الاشتراكية من الإنكليز وأكبر الدعاة إليها ونحن ناقلون له هنا رأيه في المرأة. إن الوجهة الشيطانية من فتنة المرأة ومكرها، أنها تريدنا على أن نرضى بهذه الفتنة وذاك المبكر وليست غاية المرأة هي لذتها أو لذتنا، لا بل لذة الطبيعة، وإن في المرأة الحيوية عمياء مجنونة ثائرة طائشة، تضطرها إلى تضحية نفسها، فهل تظن أنها تنزوي هنيهة واحدة عن تضحيتك أنت؟. إن للنساء غرضاً هو غرض الطبيعة نفسها، وليس الرجل عندهن غير الوسيلة إلى هذا الغرض، إنهن ليرعيننا ويحدبن علينا، ولكن كما يرعى الجندي سلاحه ولأمته، وكما يحدب الموسيقار على عوده وقيثارته، وهل تراهن يجزن لنا غرضاً نعمل له، أو حرية ننعم بها، أتراهن يرضين أن يتقارضنا بينهن، أيستطيع أقوى الرجال أن يفر من قبضتهن إذا احتبلنه مرة أو أوقعنه في شراكهن، إنهن ليرتعدن، ويرتجفن إذا حاق بنا حائق أو نزلن بنا نازلة، وإنهن ليرسلن أعينهن ويبعثن دموعهن في آثارنا إذا اختطفنا من بينهن الموت، ولكن هذه الدموع المستفيضة والعبرات المهراقة ليست من أجلنا بل لوالد قضي أو طفل تيتم، وتراهن يتهمننا بأننا لا نعدهن إلا وسائل للذتنا وشهواتنا، ولكن كيف تستطيع حماقة ضعيفة مسرعة متحولة مثل لذة الرجل أن تستعبد المرأة وفيها اجتمع غرض الطبيعة كلها؟.

стр. 1516

عسيت تقول وماذا يضيرني استعباد المرأة إياي إذا كان في هذا الاستعباد رغدي ونعيمي؟. بلى لا ضير عليك أيها السائل ولا شر، إذا لم يكن لك أنت غرض كغرض الطبيعة وكنت كسواد الناس لا هم لك إلا السعي وراء الرزق والخبز. إن رب الفن العبقري ليهون عليه أن تجوع زوجته، ويعرى بنوه، وتسغب والدته، ولا يرضى لنفسه أن يشتغل بغير فنه، ولذلك كان عند النساء مكروهاً مبغوضاً، إنه لا يدنو منهن إلا ليدرسهن، لكي ينزع عنهن بشرة الكذب، وجلدة الخداع، وأديم الرياء، ولكي يكشف دفائن أسرارهن، ويخرج خبايا ضمائرهن. لا يقترب منهن إلا لأنه يعرف فيهن القوة التي تثير فيه أعمق خواطره وأسمى ابتكاراته، وتنقذه من برودة القريحة، وتنجيه من خمود التفكير، وترسله يمرح في مراتع الحلم ومسارح الخيال وتلهمه الوحي كما يقول!. فهو يحض النساء على أن يعملن العمل لغرضهن، بينا هو في الحقيقة يريدهن على أن يعملونه لغرضه، ويدعي أنه ينقذها من آلام الحمل ويغني عنها أوجاع الوضع لكي يظفر هو لنفسه بالرقة والحنان والعطف الواجبة لأولادها وأصبيتها، بل منذ كان الزواج والنساء يعددن رب الفن زوجاً سيئاً شريراً. لينقرض الجنس، أو لتذبل ألف امرأة، أو لتذو غلائل ألف غانية، فما بضائره أو محزنه، إذا استطاع أن يظفر من ذلك بما يعينه على أن يمثل دور هملت أحسن من دوره أو يصور صوراً أفخم من صوره، أو ينظم قصيدة أعمق من قصيده، أو يخرج فلسفة أبدع من فلسفته. واعلم أن رب الفن يرينا أنفسنا على حقيقتها، وما كانت أذهاننا إلا معرفتنا لأنفسنا، ولذلك كان كل من يضيف إلى هذه المعرفة ولو النزر اليسير إنما يخلق ذهناً جديداً، كما تخلق أية امرأة رجالاً جديدي، وليس رب الفن في هذا التكوين أقل قسوة وهولاً من المرأة، هو شديد الخطر عليها وهي شديدة الخطر عليه، وليس في الحروب الإنسانية كلها حرب هي أشد هولاً وخدعة ونكراً من الحرب القائمة بين الرجل العبقري وبين المرأة الوالدة!. كل مطلب هذه الحرب هو أيهما الذي سينهك الآخر ويبتلع؟. البحيرة

стр. 1517

هي بحيرة بورجيه، في مقاطعة سافوي، جنوب فرنسا الجميلة، والشاعر هو لا مارتين، شاعر الحب والجمال، هو الرجل الذي اجتمع في قلبه قلب الطبيعة كلها هو الجزء الملائكي في وجدان الإنسانية وعواطفها، وضع قصيدة البحيرة عام ١٨١٧، بعد أن جاء إلى (بروجيه) على موعد من (الغير) حبيبته، ولكنها وا أسفاه لم توافه إلى الموضع، بل قضت نحبها بعد ذلك بثلاثة أشهر، دون أن يقدر للشاعر أن يظفر بلقائها قبل الموت. وهذه القصيدة تعد من أبدع منظومة، وأرق خواطره، هي كلمة حادة حزينة، صادرة من أعماق قلب خفاق كبير، غذي بلبان الحب، وعاش وقضى في أحضانه. نحن بني الإنسان ما أن نزال نساق في الحياة من ضفاف إلى ضفاف، ونقذف من ساحل إلى ساحل، وننقل من عدوة إلى عدوة مقتربين من ليل الأبدية، محمولين إلى ظلمة الخلود، فهل مكن وقفة لسفيننا فوق أوقيانوس الزمن وهل من مستقر. أيتها البحيرة، هذا العام قد دار دورته أو كاد، هذه أمواجك المحبوبة كم كانت تعاودها، وهذا آذيك الجميل كم كانت تشارفه، ولكن انظري. . . هذا أنا جئت وحيداً أجلس على صخرتك، وأقبلت فريداً أقتعد ثنيتك، حيث كانت تجلس، وحيث كنت تشهدين. كنت تصخبين على هذه الصخور العميقة، وكنت تئنين، كنت تتكسرين على جوانبها الممزقة وكنت تتدافعين، وكانت الريح ترمي بزبد أمواهك عند قدميها المعبودتين. . ففي ذات ليلة - وهل تذكرين - ليلة كنا فوق صدرك نجذف في سكون، ويدري بنا الزورق في صمت، لا حس فوق اللج ولا صوت تحت السماء، غير ضوضاء المجاذيف وصحبتها، وهي تضرب صفحة أمواجك الحلوة المنسجمة، وتسقط على أديم إمدادك المطردة المنسقة. . وإذا بصوت لا تعرفه الدنيا، وتجهله الأرض جرس حلو في أذني، ناعم الموقع في مسمعي، تردد صداه فوق ضفتك الجميلة الفاتنة، هذا وقد أصغى الموج وسكن خرير الماء، وهو يساقط هذه الكلمات: أيها الزمن. قف عن طيرانك، وامتنع عن جريانك، وأنت أيتها الساعات الحنون الرفيقة، هلا سكت عن دورانك، دعنا أيها الزمن نستطيب عذوبة ألذ أيامنا وحلاوة أبدع ساعات عيشنا، كم من مكدودين منحوسين في الأرض يضرعون إليك ويبتهلون، فخفف لهم أيها الزمن من عدوك، وهون لهم من غلوائك، وارفع عنهم الهموم التي تلتهمهم، وانس السعداء،

стр. 1518

وتجاف يوماً عن المجدودين. ولكن عبثاً أبتهل، وباطلاً أضرع، فقد أبى الزمن إلا الفرار والطيران، إني لأقول لهذا الليل أبطئ ولا تعجل ولكن الفجر يأتي عادياً فيطرد الليل ويبدد. إذن فلنحب ولنحب، ولنعجل بهذه الساعة الهاربة الطائرة، ولنتمتع بالهوى ولننعم، ليس للإنسان من شاطئ يستقر عنده ولا ساحل، وليس للزمن من جانب يقف عنده ولا ضفاف، بل أن الزمن ليمر، ونحن في الأثر. أيها الزمن الغيور الحقود، ما بال سويعات النشوة والطرب، حيث يرسل الحب نبعة السعادة. وعين الهناء! تطير عنا في سرعة أيام البؤس وزمان الشقاء!. كيف. . . ألا تستطيع أن نقتفي آثار أيامنا الحلوة ورسومها، وطيف، أتمضي إلى الأبد، لأرجع ولأعود، هل فقدنا كل شيء، وحرمنا كل بهجة، أم الزمان الذي حبانا بها، ثم جاء فنزعها، لن يعود؟. أيتها الأبدية، أي عالم العدم، بل أيها الماضي الراحل المتحمل، أيتها الهاوية السحيقة، الغاشية المظلمة! ماذا تصنعين بالأيام التي تلتهمين وماذا تفعلين بالساعات التي تبتلعين. . . تكلمي - ألا تردين علينا اللذائذ التي استلبت، والفرحات التي استرقت. أيتها البحيرة! أيتها الصخور الصامتة الخرساء، أيتها الكهوف المظلمة، أيتها الغابة الكثيفة المعتمة، أنت وحدك التي يغفل عنك الزمن، بل أنت الذي يرد عليك الصبا والشباب. أيتها البحيرة، الجميلة في صمتك وسكونك، وزمجرتك وحنينك، وعصفك ورنينك، في رابيتك الزاهرة وكثيبك، في هذه الصفصافات السوداء، في هذه الصخور الموحشة، القائمة فوق أمواجك، المشرفة على لججك وأه واهك. سواء في الريح تئن ثم تمر، في خرير مدك المتدافع، أم في الكوكب الفضي وهو يشرق فوق أديمك بأشعته اللينة الناعمة، بل أن الريح وهي تنتحب، والجدول وهو يئن وعبق نسيمك وهو يتضوع. . . كل شيء نرى، وكل شيء نسمع، يقول لقد كنا عاشقين!. الرحمة بين اليقظة والمنام جلت في المدينة جولة ليليلة فرأيت السقيم المأوف، والعديم المهلوف، والكليم المشغوف،

стр. 1519

ورأيت الخليع الماسي الذي لا يرحم نفسه، والعتل القاسي الذي لا يرحم الناس، وسمعت من أخبار الشعوب، وأوضار الحروب، ما يغري بشق الجيوب. فقفلت إلى بيتي مثقل الرأس، مترع القلب، ونمت وأنا أقول أما في الأرض رحمة؟؟. وما استغرقت في النوم حتى كأنني أصعدت إلى السماء وكأن ملكاً أخذ بيمناي وذهب يعرض على أسرار حجابها، ويفتح لي مغاليق أبوابها، حتى انتهينا إلى موضع فقال الملك ارفع بصرك واقرأ - فرفعت بصري فنظرت سطراً من نور رقمت حروفه بالكواكب والأقمار وإذا هو: خزائن السماء. ثم تقدم على باب مكتوب عليه خزانة الرحمة ففتحها فإذا بها خاوية وحارسها نائم، وتقدم إلى باب آخر مكتوب عليه خزانة المال ففتحها فإذا هي خاوية كذلك. قلت ما هذا؟؟ قال: لقد سمعناك العشية تشكو قلة الرحمة في الأرض، فاعلم إننا نسمع الناس من عهد أبيكم آدم يطلبون الرحمة والمال فوهبناهم منهما حتى فرغت خزائن الرحمة والمال، وشرعنا في أن نملأها بجانب من كنوز السماء التي ضاقت بها الخزائن والناس لا يطلبوها وها هي خزائن الحكمة والعلم والذكاء والأخلاق موصدة لا تفتح أبوابها إلا ساعة أو ساعتين في كل حقبة. قلت: ولكنكم أسديتم الرحمة لمن لا يفيد بها ولا يستفيد. قال: بل أعطيناها لمن سألها - سمعنا الحكماء والشعراء والمرضى والتعساء يصيحون الرحمة الرحمة فقلنا هاكم الرحمة، ولم نسمع أحداً غيرهم يطلبها فحبسناها عمن سواهم. قلت هذا سبب الخطأ قال: بل الصواب هذا. قلت وكيف ذلك؟؟. قال: أو كان يجعل عندك أن نبذل الرحمة لمن هو في غنية عنها. أم كان يعجبك أن تمسكها عمن هو في حاجة إليها وكيف لعمري يأخذ الرحمة إلا من هو أولى بها من الناس كافة؟؟. قلت: أنا لا أفهم معنى للرحمة إلا إذا أسعفت من بلاء. فإن كنتم تبذلونها لأهل البلاء ففيم

стр. 1520

بذلتموها؟؟. قال: وفيم نبذلها لغير المبتلين وليس يعرف البلوى إلا أهلها. أفتدعونا إلى أن نخص طائفة من الناس بأنعم السماء كلها ومعها الرحمة والبلاء ويبقي الآخرون بلا رحمة ولا نعمة ولا بلاء - ذلك مالا ينتظم به أمر العالم الأرضي. إنكم يا بني آدم تجتدون النعم وتلحفون في أجتدائها فإن أعطيتموها لم تحسنوا تصريفها فتلوموا القدر ولأنتم أحق باللائمة - تطلبون الرحمة فنرسلها إليكم فتقولون هلا بعثتم بها إلى الأغنياء. وإن سألناكم ولمه؟؟ أجبتم ليجودوا بالمال!! فكأنكم إنما تطلبون المال ولا تطلبون الرحمة. وكأن الذي أردتموه رحمة تحملها أكياسكم لا قلوبكم وتطلبون المال فإذا بعثنا به إليكم ترمونه في الدور والضياع ثم لا نلقيكم قانعين. ولا والله ما أردتم المال ولا الدور والضياع ولنكم أردتم ما في احتوائها من اللذة، وليت شعري إن كانت اللذة هي مبتغاكم فما أحجاكم أن تعلموا أنه قد تكون لذة ولا مال وقد يكون مال ولا لذة وإن ليس في الغني من اللذة أكثر مما في الفقر، لأنها إحساس في النفوس، والذهب متاع في الصناديق. فعرفت أن أرسطو قد خدع أهل الأرض حين زعم أنه جاءهم بالمنطق بفصه. وأحببت أن لا أسترسل معه في الحوار فقلت فما بال الناس أشقياء بما عندهم من رحمة وحتام يظلون في شقوتهم هذه؟؟. قال حتى ينتقل ما في هذه الخزائن إلى الأرض - فعلم الناس أن يطلبوا غير الرحمة فإن في أرضهم منها فوق كفايتها وهي لا تعوزهم وإنما تعوزهم نهاتي الكنوز المهجورة، وأنبئهم أنه ما دامت هي بعيدة عنهم فالأرض أرض والسماء سماء. وإني لأفتح الباب لأنظر وراءه نظرة، فاندفع فكر على عقبه ورن له في السماء صرير نبه الحارس النائم فصحوت. وأنا أقول أليس في السماء رحمة؟؟. عباس محمود العقاد

стр. 1521

نصائح للشبان العناية بالأزياء إياكم أيها الشبان والإسراف في الاحتفال بزيكم، والعناية المتجاوزة بثيابكم فإن تبديد المال في تزيين البدن وتطريته ليس له من منشأ غير الغرور، وإن أردتم الحق فمن أحط أنواع الغرور وأخبثها، إذ يظن بعض الشباب أن الناس سينظرون إليهم إذا مشوا في الطريق ويتبعونهم بأبصارهم، ويرسلون أعينهم في أثرهم وإنهم سيحسنون الحكم فيهم ويجملون الرأي إذا شهدوهم في أثواب جميلة زاهية، وأردية أنيقة مهفهة. ولكن ما أسخف ما أحمق، وما أكذب، فإن العقلاء من السابلة ليمرون بهم معرضين غير آبهين لجمال بزتهم وحسن شارتهم، وأما الذين يشاركونهم في هذا الغرور فسيعرفون أنهم مثلهم يحاولون التدليس على الناس والتمويه على المارة، فيهزأون بهم لذلك ويسخرون، وأما الأغنياء فلا يحتفلون بهم ولا يعتدون ولا يكون نصيبهم من المغرورين أمثالهم الذين يرغبون في التأنق ولا يجدون سبيلاً إليه إلا الكره والحقد والحسد. ومن ثم ينبغي أن يكون لباسك ملائماً مكانك في المجتمع ومرتبتك، فإن من الخطأ البين أن تظن أنك ستستفيد من جمال سمعتك وحسن مظهرك، لأن أقدار الرجال تقاس بكفاءتهم لنفع الناس وطواعيتهم ونشاطهم للعمل لهم، وأما عن النساء وغرورهن فلئن كانت الثياب الأنيقة الناعمة تسترعي ميل بعضهن، فإن السواد الأعظم من النساء حديدات البصر، نافذات النظر، حتى ليعرفن مخابر الرجال من مظاهرهم، وإنهن لينظرن إلى الرجال نظرات عميقة بعيدة الغور، لكي يخرجن لهن مقاييس أخرى غير الثياب يقسن بها الرجال ويزن، واعلم أن النساء وإن كن يملن أنفسهن إلى الغرور، إلا أنهن يكرهنه في الرجال. إذن فليكن لباسك رخيصاً لا فاحش الثمن، ونظيفاً غير حقير المظهر، وليكن اهتمامك بلون قميصك أكثر من اهتمامك بنفاسة قماش سترتك، وكن نظيفاً ما أمكنتك مرتبتك، دون إرهاق أو اعتساف، وحذار أن تعتقد يوماً أن هناك رجلاً فيه مسكة من العقل، سيجلك فوق مكانك، ويرفعك فوق منزلتك، لنفاسة ثوبك، وأناقة بزتك، ولعل أخبث نقائص هذا العصر، أن كل إنسان في نظر نفسه يرفعها فوق مكانتها الحقيقية في الحياة!.

стр. 1522

ترجمة سعد زغلول باشا الرجل البرلماني الكبير ـ ٣ ـ نعود فنسترسل في ترجمة هذا الرجل العظيم الذهن. الكبير الروح، المتوثب الوجدان، ونعود فنأخذ في دروسنا الجليلة التي نستمدها من الحياة العظيمة، والشخصية الكبيرة، وما كانت حياة العظيم إلا الجزء الأكبر من حياة الإنسانية نفسها، ولو أردت أن تستخلص تاريخاً حياً حاراً لأمة من الأمم، فالتمسه في تراجم عظمائها وقائمة أبطالها، ولو أنت تجاوزت ذلك إلى حياة عامة أفرادها، وعادي رجالها، لما كان تاريخك إلا مذكرات يومية بطعام الأمة وشرابها، وشبعها وريها، وحيوانيتها وعجماواتها، وليست تراجم كبار الرجال إلا برامج سامية للجنس، وخططاً عاليه للنوع، هي أشد أثراً في تطور الإنسانية من الفلسفة والعلم، وابتكارات الذهن، ومخترعات العبقرية، لأن هذه لا تهذب نفوس الناس، ولا تطهر من أخلاقهم، ولا توقد من وجداناتهم، بل إن الفلسفة والعلم والآداب والمبتكرات في كل يوم تقتل نفسها، ويمحو اليوم منها ما يثبت الأمس، وأما حياة العظيم، فلا تني تخلق عظيماً مثلها أو أشد عظمة، وهي بعد مطهرة لدهماء الناس، مهذبة لأخلاقهم ووجوه الحياة عندهم، وما كانت حياة نابوليون إلا نسخة أخرى من حياة هنيبال أو الاسكندر، بل كم خلقت ترجمة نابوليون من نابوليون صغير، له روح نابليون العظيم ومشاعره، وليست له قوته، وليس له حظه. تكلمنا فيما مضى عن نواح شتى من شخصية سعد زغلول باشا ومزايا عظمته ونحن اليوم ذاكرون شيئاً من قوة عزيمته، وقوة دأبه وإرادته، فمن ذلك أن المترجم به تعلم اللغة الفرنسية، وهو يكاد يجاوز الأربعين من سنه، ولم يلبث غير قليل حتى حذقها، وأتقن معرفتها، وبلغ من إلمامه بها، أن أدى الامتحان بها في علم الحقوق وهو قاض في الاستئناف، ونال بذلك شهادة الليسانسييه. وأنت ترى من ذلك أن هذا الرجل الكبير كان ينزل عن منصة القاضي ليجلس مجلس التلميذ، وذلك لأن العظمة لا تخجل من أن تستخدم ما تحتها في سبيل كماليتها، وإن الشاعر العبقري لا يضيره أن يجالس البغي لكي يستعين بتحليل نفسها على الإبداع في قصيده

стр. 1523

وخواطره، والفيلسوف لا تسمو نفسه عن أن يماشي السكير لكي يدرس طبائعه وعوارضه، والبحاثة العالم لا يترفع عن أن يصحب السوقة ليكون مادة له في بحثه وتفكيره، والناس كلهم طلاب معرفة، وأشدهم في طلب المعرفة نوابغهم، لأن المعرفة، في التعريف الفلسفي، هي ضرب من القوة. هذا ولقد كانت الإرادة القوية عاملاً من أكبر العوامل في تطور العالم وارتقائه، وازدياد وسائل المدنية وأساليبها ومستلزماتها، فهي التي رفعت الإنسانية من ظلمة الخمول وحمأة الانحطاط، هي كشفت العالم الجديد، وفتحت مجاهل العالم القديم، وظهرت على متن العالم الجليد هي ذللت الكيمياء الحديثة وأحماضها، وهي أخرجت مكتشفات الطب الجديد وجراثيمه وأدويته ومضاداته، وهي اخترعت عجائب الطيران ومدهشاته. ولا أحسب الرجل الذي يحاول اختراق الطريق مسرعاً فتدهمه العجلات وكان يعجز عن بلوغ الجانب الآخر، لو لم تتعطل فيه قوة إرادته، فعطلت فيه قوة ساقيه، ألا ترى اللص الهادئ، يعدو والشرطي في أثره، وإذا به قد وقف بغتة عن عدوه، وكان سابقاً الشرطي بالمسافة البعيدة، ذلك لأن قوة الإرادة فيه قد اضطربت، فاضطرب لها مجموع جسمه. إن أمام الإرادة القوية الوثابة لا تتطاول صعاب الأمور وعسيراتها ولا تستكبر عظائم الخطوب وجليلاتها، بل أن اجتياز نابوليون هضاب الألب وجباله، وثلوجه وشعابه، هو الذي علمه أن يقول أن كلمة مستحيل ليست في اللغة!.

стр. 1524

مطبوعات جديدة [١] المنهج الصحي: وضع الأستاذان يس أبو النور ومحمد زايد وكلاهما من خريجي مدرسة المعلمين الناصرية كتاباً سمياه المنهج الصحي وراعيا في تنسيقه والأغراض التي أودعاها بين دفتيه ما قررته نظارة المعارف المصرية في علم تدبير الصحة وهو يقع في ٨٢ صفحة من القطع الصغير وثمنه قرشان وهو يطلب من مكتبة البيان. [٢] غاية الطالب في علم التاريخ: ألف الأستاذ عبد المقصود دغيدي أحد خريجي مدرسة المعلمين الناصرية كتيباً في التاريخ وافياً بما قررته نظارة المعارف في هذا العلم على تلاميذ السنة الثالثة وتبلغ صفحاته ٧٤ صفحة وثمنه قرشان ويطلب من مكتبة البيان. [٣] كنوز سليمان: سفر يقع في ١٦٠ صفحة وضعه ريدرهاجرد الكاتب الإنكليزي صاحب ألن كواترمين ونقله إلى العربية أمين خيرت الغندور والكتاب نفيس ذو قيمة يبد أنا نأخذ على جناب المترجم ولوعه بالغريب من المفردات والتراكيب وننصح له أن لا يعود مرة أخرى إذ هو ألف أو ترجم إلى مثل هذه الطريقة التي ينكرها جميع علماء البلاغة وليست البلاغة أن يعمد الكاتب إلى معاجم اللغة فيصيد غريبها وموحشها ويثبتها كيف كانت وإنما البلاغة لعمري في الأسلوب كما كرر ذلك حتى أوفى على الغاية الإمام عبد القاهر الجرجاني في كتابيه أسرار البلاغة ودلائل الإعجاز. ليست البلاغة كما قال المأسوف عليه الشيخ محمد عبده إلا ملكة البيان وقوة النفس على حسن التعبير عما تريد من المعني لتبلغ من مخاطبها ما تريد من أثر في وجدانه يميل به إلى الرغبة فيما رغب عنه. أو النفرة مما كان يميل إليه أو تمكين ميل إلى مرغوب أو تقرير نفرة من مكروه أو تحويل في اعتقاد أو تغيير لعادة أو ما يشبه ذلك مما يقصد بالخطاب، وذوق النفس كذلك لنحاسن ما نسمعه أو وجوه النقد فيما يلقى إليها. (وبعد) فإن مجال القول لا يتسع لأكثر من ذلك الآن. نجوي الضمائر: وهي طائفة من الرسائل الودادية التي دبجها يراع شاعر الإنجليز النابه روبرت بيرنز وبعث بها إلى السيدة م. ليهوز. كلارندا نقلها إلى العربية الفاضل عز العرب على ضابط المدرسة المحمدية الأميرية - وهو في ٧٢ صفحة وثمنه قرشان - وعز العرب أفندي من أدباء مصر المعروفين غير أنا نلاحظ عليه هو الآخر استهتاره بالألفاظ حتى ليخيل إلى قارئه أنهه يحفظ ألفاظاً بعينها من كتاب بعينه ثم صار يجر إليها

стр. 1525

المعنى جراً ويلزقه بها إلزاقاً حتى كأن الله تعالى لم يخلق لذلك المعنى ألفاظاً غيرها ومنعه الإفصاح عنه إلا بها - وتلك وا أسفاه آفة المتأدبين. النجاة: للشيخ الرئيس أبي على بن سينا فيلسوف الإسلام كتاب جليل كبير اسمه الشفاه في المنطق والفلسفة الطبيعية والإلهية ثم اختصر الرئيس نفسه هذا الكتاب في كتاب آخر سماه النجاة. كتاب يبلغ ١٠٢٤ صفحة وقد وفق الله الأستاذ الشيخ محي الدين صبري الكردي صاحب المكتبة العراقية بجوار الأزهر الشريف إلى طبع هذا الكتاب وقد جعل ثمنه عشرة قروش. صبح الأعشى للقلقشندي: أهدت إلينا المكتبة الخديوية الجزأين الثالث والرابع من كتاب الأعشى للإمام القلقشندي المصري كما أهدت إلينا الأول والثاني - والكتاب ليس بحاجة إلى التقريظ وكل ما نقوله عن هذا الكتاب إنه موسوعات عربية تمثل ما يحتاجه الأديب في تلك الأعصر من المعارف المنوعة ثم الإلمام بكثير من تلك المعارف والكتاب يباع الجزء منه بخمسة عشر قرشاً وهو يطلب من المكتبة الخديوية ومن مكتبة البيان وأجرة البريد عن كل جزء قرشان. الحياة القومية: سفر ينطوي على مباحث شتى في الأخلاق والاجتماع للفاضل أمين أفندي حمدي وقد ظهر منه جزأن وهو يطلب من مكتبة البيان وثمن الجزء قرشان. ربة الدار: وضعت السيدة الفاضلة ملكة سعد صاحبة مجلة الجنس اللطيف سفراً جامعاً أسمته ربة الدار حشدت فيه كل ما يجمل بالسيدات معرفته من علم تدبير المنزل وعلم الصحة وما إليهما وقد نظرنا هذا الكتاب فألفيناه خليقاً بالاقتناء وإنا نحت كل الزوجات وكل الأمهات وبالحرى كل صاحبة منزل أن تقتني هذا الكتاب حتى تصدر في أعمالها ومملكتها الصغرى عن علم وبصيرة، وثمن هذا الكتاب عشرة قروش وهو يطلب من مكتبة البيان ومن سائر المكاتب.

стр. 1526

عالم الحرب كلمات الإمبراطور مختارات شتى من خطب غليوم ورسائله ومحاضراته وبرقياته، ومنها يخرج القارئ بتحليل واف لشخصية الإمبراطور ونفسيته، وأخلاقه وإرادته وتعاليمه وآدابه. كلمات عن الجيش لا ينبغي أن يكون للجندي إرادة، بل ينبغي أن يكون للجنود أجمعين إرادة واحدة. . . تلك هي إرادتي. إذا كنتم جنوداً أخياراً فيجب أن تكونوا كذلك مسيحيين تقاة، وأبراراً متدينين. إن الجيش وحده، لا البرلمانات ولا الأصوات ولا الأكثريات، هو الذي شاد بناء الإمبراطورية، ولذلك إني أضع ثقتي كلها في الجيش. عقيدته وآراؤه الدينية إن الملك يستمد سلطته من الله، وهو مسؤول أمام الله وحده، والملك هو الذي يختار طريقه بنفسه، وليس من مهيمن على أفعاله غير الاله. لا يمضي صبح ولا يمر مساء دون أن أصلي لأجل شعبي. أحب قراءة الإنجيل، وأقرؤه كل يوم، ولا يفارق لحظة واحدة فراشي، مهما يضمر المستقبل من البلاء لهذا الوطن، فنحن الألمان سنعرف كيف نتخلص من مخالبه معتصمين بهذا القانون السديد نحن الألمان نخاف الله ولا نخشى أحداً غيره في هذا العالم. إن من لا يضع حياته على أساس من الدين يخسر كل شيء. تعليمه السياسية ليس في هذه المملكة إلا سيد واحد. . . هو أنا - ولن أسمح لنفسي بوجود سيد آخر. ليس في ألمانيا إلا قانون واحد. . . هو قانوني، هو القانون الذي وضعتة بنفسي. لا أريد أن أرى قوماً متشائمين في هذا البلد، فمن كان بيننا لا يريد أن يعمل عملنا، فليهجر المملكة وليبحث له عن موطن آخر. إن سلام العالم يتوقف على العلاقات الودية بين إنجلترا وألمانيا.

стр. 1527

لن أنسى روح تلك الكلمة التي قالها فردريك الكبير إن الملك في بروسيا هو أول خادم في المملكة. إن بابي مفتوح أبداً في وجه شعبي. حياتي وعملي معاً لأمتي وأنبل واجبي هو العمل لرقيها. ذهب أسلافنا وبقينا، ولا واجب الآن أمامنا غير الاحتفاظ بما ورثنا. إن الدولة الذائعة السلطان في الأرض لا تبني في يوم واحد. أنتم تلبسون ملابس الحكومة، ولهذا تنعمون بحق الأفضلية على غيركم. إن أشرف واجبات الحكومة هو أن تحمي الضعفاء ضد الأقوياء. آراؤه في البحرية الألمانية إن مستقبلنا على الماء. لا غنى لعظمة ألمانيا عن الأوقيانوس، إن الأوقيانوس هو الذي سيثبت للعالم أن فوق أمواجه وعلى متن بحاره لا يمكن أن يتم شيء دون رأي ألمانيا وإمبراطور الألمان. لن أستريح حتى أسمو ببحريتي إلى المكان الأرفع الذي ناله جيشي. انظر إلى نهضة اليابان، ثم فكر في حالة الصين، ويعد ذلك أحكم على قوة المحيط الهادي، إن الدول العظيمة البحرية هي وحدها التي سيصغي إليها بإجلال واحترام، ولهذا السبب وحده يجب أن يكون لألمانيا أسطول ضخم عظيم. إن بحريتنا ولا ريب لا تزال صغيرة بجانب بحريات أعدائنا، ولكن سر قوة بحريتنا وسلطانها في روح النظام، في طاعة جنود البحرية لقائدهم العظيم ولضباطهم النجباء. رأيه في الاشتراكية إن الاشتراكية سحابة صيف عما قليل تنقشع إن لفظة اشتراكي لهي عندي مرادفة للفظة عدو للحكومة والوطن. إن هذا الحزب الذي يجرأ على مهاجمة أنظمة الحكومة وآساسها والخروج على الدين، والانشقاق على العقيدة، وتبلغ منه الجرأة أن يتجاسر حتى على شخص الملك، يجب أن يسحق، يجب أن يبيد، إني لأبتهج أن أرى يد كل فرد في يدي سواء أكان عاملاً أم مالكاً أم أميراً، ما دام يبايعني على هذه الحرب.

стр. 1528

إن بيتنا لن يبرح يهتم بأمر الصناع والعمال. إن صالح العمال لفي ناحية من قلبي.

стр. 1529

رجال الحرب ولي عهد ألمانيا ليس ولي عهد ألمانيا في عظمة النفوذ وقوة الأثر في الأمة، وامتداد السلطان في الشعب، أقل من أبيه غليوم، ولا أصغر نصيباً، وهو اليوم رأس من رؤوس هذه الحرب وكبير من أكابرها، وليس هو كلداته ولاة العهد في سكونهم وانزوائهم قبل أن يحين حين تتويجهم، ولا هو كمية مهملة حيال سلطة الإمبراطور والده، بل ما فتئ منذ سنين يظهر لأمته شخصيته واستقلاله ومخالفته لأخلاق آبائه ملوك هو هنزلرن وتقاليدهم وآدابهم ورسومهم، حتى نال من قلب الشعب مكاناً رحباً عظيماً. وكان أول ما ظهرت حرية تفكيره وخروجه عن التقاليد الهوهنزلرنية العتيقة، في مسألة زواجه، ذلك أنه لما عزم على الخطبة، بت في نفسه أن لا يطيع إلا أمر فؤاده لا وحي أبيه، وأن لا ينصاع إلا لأميالهن لا لأميال السياسة، وأن لا يتزوج إلا للحب والجمال، ولم يعرف في تاريخ زوجيات الملوك والأمراء حادثة غرام كانت أحر ولا أطهر ولا أسمى روحاً من الحادثة التي انتهت بتزوج إمبراطور الألمان المقبل بالآنسة سيسيلي دوقة ملنبرج شويرين، صيف عام ١٩٠٥، فإن هذه الأميرة السمراء الملامح، الفرنسية الآداب، الروسية الإصطلاحات، كانت يوم دخولها برلين، العاصمة الإمبراطورية كأنما تهاجمها هجوماً، وتدخلها قسراً واغتصاباً، وذلك لأن الزواج كان على كره من غليوم ورغم من الوالد، ولكنها قد أصبحت راسخة العرق في الأسرة الهوهنزلرنية، لأنها قد ولدت لولي العهد أربعة أولاد، كلهم قوي الأسر مملوء حياة، وذلك في مدة ثمانية أعوام. وفي صيف عام ١٩٠٧ بدأ هذا الشاب الكبير لشعبه في مظهر جديد من الشخصية الوثابة المطلقة، وذلك أن مكسميليان هاردن، وهو من أكبر الصحفيين في ألمانيا وأعظمهم فيها سلطاناً، وآخر كتابها أسلوباً، جمل يملأ أعمدة جريدته المسماة () مغامز وفضائح ومثالب عن بعض حاشية الإمبراطور وبطانته، هذا ومعلوم أن الإمبراطور لا يستقى معلوماته إلا من قطع تختار له وشذرات تجيء في الصحف فتقتطع لأجله وكانت حملات مكسيميليان وقوارس كلمة موجهة إلى البرنس يولنبرج صديق غليوم المخلص الودود، وإلى القائد الكونت كونوفون مولتكي حرسي الإمبراطور ولكنها لم تبلغ مسمعي الإمبراطور، ولم تقدم

стр. 1530

إليه وتناقلت طبقات الأمة هذه الحملات ولم يبق في ألمانيا كلها من يجهل أمرها غير رجل واحد، هو غليوم. فرأى ولي العهد أن وطنيته الحارة وإخلاصه البنوي يحتمان عليه أن ينهي إلى أبيه هذه الحقائق المرة وإن كانت سيئة الموقع ويقضيان عليه أن يسترعي إليها أنظار الأمبراطور وإن كانت ستغضبه وتثير حتفه، وكان من إخلاص هذا الشاب أن حكم على البرنس يولبرج والكونت فون مولتكي ووقع الرأي العام في هذين البلاطيين الكبيرين، ولم يكن فعل ولي العهد ليؤمنه من سخط الشعب وموجدته عليه، ولكن لم يحدث شيء من ذلك، بل حمل له الناس في قلوبهم يداً كبيرة، وصنيعاً مشكوراً. ولم يلبث غليوم أن أشرك ابنه في أمره، وأعطاه للمرة الأولى حق إمضاء أوراق الحكومة وتقاريرها، بالنيابة عنه. ثم جاءت مسألة أغادير والأزمة المراكشية عام ١٩١١، فتجلت كذلك شخصية ولي العهد في أسمى جلالها، وظهرت روح استقلاله بأبدع مظاهرها، هذا وقد انعقد مجلس الريشتاغ وأخذ الندي يتباحثون ويتمارون في الخطة الضعيفة التي سارت الحكومة عليها في تلك الأزمة فقام زعيم المحافظين وخطيب الحربيين، فون هايد براند، وجعل يسلق الدكتور بتمان هولوج المستشار الإمبراطوري بألسنة حداد ويعيب عليه سلوكه في مسألة مراكش ويهجم عليه بالنقد المر والاحتجاج القارس الشديد وكان ولي العهد حاضراً المجلس في حجرته الخصيصة به، وكان يسمع خطبة الخطيب ويصغي إلى نقده، وقد وقع كلامه في قلبه موزقع الإعجاب، وجعل يصفق على أعين الجمع المزدحم وأسماعه لكل كلمة حادة يقولها ذلك الرجل العظيم الملقب بملك بروسيا اللامتوج فكان عمل ولي العهد هذا خروجاً صريحاً على سياسة أبيه وتمرداً بحتاً على حكومته، ولم يكن من المستشار بعد سكوت هايد براند عن القول إلا أن اكتفى بالرد عليه بكلمة واحدة وهي أن هايد براند جندي يحمل سيفه في فمه، فكأنما بتمان كان يريد بذلك وريث العرش، ولكن ولي العهد لم يستطع أن يمسك عليه عواطف الوطنية الحارة الجائشة في حنايا أضلعه الفوارة في أعماق صدره، وترك الريشستاغ وله في جوانح الأمة أكبر الأثر. وقد أظهر الشاب في كل أدوار حياته هذا المزاج الحاد والذهن المبتكر والشجاعة المتناهية،

стр. 1531

وهو اليوم مشهور في الجيش بأنه فارس مجيد ومن أكبر المخاطرين في ركوب صهوات الخيل، ويذكرون عنه أنه قاد كتيبة من الكتائب الخيالة وارتقى بهم درج سلم القصر في بوتسدام حتى قمته، وصعد مرة في طيارة من طيارات زبلن، دون أن يصطحب أحداً أو يخبر والده، ولما كان في جزيرة سيلان ثم في الهند شتاء عام ١٩١٠ أبدى من المهارة والشد والبأس في صيده في الغاب والأحراش ما دل على انه من مهرة الصيادين والقانصين. وهو فوق ذلك جندي مغوار، أقام سنتين في حامية من حاميات دانتزيج، بعيداً عن برلين وبلاطها، وكان الناس يهمسون أنه كان في دانتزيج مقصياً منفياً، لأن الإمبراطور بدأ يغار من شهرة ابنه، وينفس عليه كبير شأنه ويقولون أن خياله الجيش الألماني لم تر قائداً يحكيه أو يضارعه. ولعل النقيصة التي فيها إكثاره من طلب الإجازات وإفراطه في التغيب عن وظيفته في الجيش ومرتبته، مرخياً العنان للهوه ومغازلة الحسان، حيناً تراه في سان مورتز في لعبة (المزالق) وحيناً في كييل، إذا أقبل الصيف الناعم الجميل، في يخته، ويغشى دور التمثيل في برلين، على أنه وإن أحب اللهو يحترم جنديته ويكبر من شأنها، وقد تنقل بين أدوار الجندي حتى بلغ رتبة القائد بقوة رأيه وجدارته، وليس حبه للألعاب الرياضية يعد تبديداً لوقته وإسرافاً في شخصيته، لأن ألمانيا كانت قبله بحاجة إلى من يرقى فيها الرياضيات ويرفع اسمها في حلبتها، وقد وجدته في ولي عهدها. وليس لمظهر ولي العهد ما يدل على مخبره، وليست فيه من المعارف والملامح ما ينبئك عن هوهنزلرنيسه، فهو طويل النجاد أهيف القوام، مهزوله غير عريض الصدر ولا ضخم الكراديس، ولا يخبرك ذهنه عن نصيب كبير من العبقرية أو النبوغ، وعبثاً تطلب مقدرته الحربية وكفاءته الأدبية من ثنايا فسيولوجيته، بل ترى ولي العهد على نقيض والده في تحبهم معارفه ومفتول شاربيه، بساماً مشرق صفحة الوجه، لا تفارق محياه ابتسامة صبيانية طاهرة، وهذا دليل من دلائل وقته. وهو من عشاق الموسيقى، ويجد التوقيع على القيثار، وهو مجبول على الحياء والتواضع ديمقراطي الآداب، حتى بلغ من حبه للشعب أن اشترك في حفلة زفاف إسكاف حقير في

стр. 1532

بوتسدام، وقد قال يوماً (سيأتي اليوم الذي يجيء فيه الاشتراكيون إلى البلاط) وهو وإن كان يحب أن يطلق لسيارته كل سرعتها المقررة - وتعادل قوتها قوة تسعين حصاناً - إلا أنه قد عرف أنه كم من مرة أوقف السيارة ليرفع فلاحاً أو مسكيناً سقط في الطريق وليحمله إلى المستشفى. وترى ولي العهد لا يعبد بعد زوجته وأولاده إلا شخص نابوليون العظيم، حتى لقد ملأ حجرة مكتبه في القصر بعدة من صور هذا الفاتح وتماثيله، ودمياته وتذكاراته، على الرغم من أن بونابرت اجتاح منذ قرن مضى بلاد آبائه، وقسم إقليمها ولايات فرنسية ومقاطعات. وهو معبود الجيش الألماني، ويعدونه أعظم من غليوم أبيه، وأمهر في الحرب منه. ألبرت ملك البلجيك بين أساطين هذه الحرب وأبطالها الذين سيكتب لهم التاريخ صحيفة حلوة خالدة، يقف ألبرت ملك البلجيك، الصحفي والكاتب والمهندس والديمقراطي والحربي العظيم. ولعل المصريين كغيرهم من الأمم لم يسمعوا باسم هذا الرجل الشهم قبل ذلك اليوم الذي أرسل فيه لجنوده المحشودة عند لييج يقول لهم: أثبتوا أمام جيش الألمان وكان من ثباتهم ما عرفوه. ولقد كانت تضحيته وإنكارية ذاته وشجاعته النادرة المدهشة واستماتته في الدفاع عن شرف مملكته مثاراً لإعجاب سواد العالم، وقد حدث أنه كان يمشي بين الخنادق البلجيكية، والقنابل تتناثر وتتساقط حوله، وهو يقول لجنود (لو لم أكن قائداً في الجيش البلجيكي لوددت أن أفخر بأن أكون بينكم جندياً). وليست كراهة هذا الملك للآداب الرسمية والاصطلاحات بأقل جلالاً من شجاعته وروعته، وبلغ من ذلك أنه في بدء الحرب وهو يخطر بين صفوف جنوده مستفسراً منهم عن حالهم وبلائهم، جعل كل جندي يخاطبه بلقب الجلالة، فكان يمتعض منها ويقول لهم (لا تقولوا جلالتك، ولا تخاطبوني كمخاطبتكم للملك، بل نادوني بألبرت!). وكذلك عاش الملك ألبرت متحبباً لشعبه مختلطاً برعيته، ديمقراطي الروح، عالي الذهن، ومن الحوادث التي برهنت على ذلك أنه جاء إلى أحد ثغور بلجيكا الصغيرة في نزهة جميلة ساكنة. ولم يلبث أن صادق أهل هذا الثغر وصيادي الأسماك هناك وأصبح واحداً

стр. 1533

منهم، وبلغ من حسن عشرته بهم أنه أسهم معهم بشيء من ماله في تجارة السمك بالقرية. وترى في ناديه العلماء والأساتذة والمهندسين والكتَّاب والتجار وكل من يتوسم فيه الخير لأمته. وقد حاز شهادة الهندسة بعد دراستها ثلاث سنين، ثم توفر على هذا العلم ودأب على إتقانه وهو الذي وضع الخطط لمد سكة حديد كهربائية بين مدينتي بروكسل وأنفرس وأبى في التجاريب التي أقيمت بعد الفراغ من مد تلك السكة لا أن يسوق أول قطار بنفسه. وقد وجدت السياسة والأدب فيه متعشقاً محباً، وقد ألف حتى اليوم أكثر من كتاب، وطالما صرح لشعبه أن المملكة لا تنتعش ولا ترتقي دون الفنون الرفيعة، وفي عام ١٩٠٩ بدأ يدرس فن السفن وصناعتها وقصد أكثر ثغور فرنسا وهولندة لهذا الغرض، وعمد بعدها إلى درس فن الطيران والحذق فيه. وقضى دهراً وهو ولي العهد صحفياً عادياً يكاتب الصحف ويعمل لها، وذلك أيام كان في أمريكا أي عام ١٨٩٨ وأقام بنيويورك وغيرها من أمهات البلاد الأميركية بضعة أشهر وألف كتاباً عن أمريكا بعد عودته منها، امتدح فيه فكرة الحكومة عند الأمريكان. والملك ألبرت أطول ملك في الغرب قامة وأوفاهم شطاطا تبلغ قامته نحواً من مترين وهو اليوم في التاسعة والثلاثين من عمره وارتقى العرش منذ خمسة أعوام بعد وفاة خاله الملك ليوبولد، وهو الابن الأصغر للكونت فلا ندرس، قتل أخوه الأكبر إثر حادثة غرام وكان هو وريث العرش، لأن أباه قد تنازل عن حقه في وراثة الملك بعد أخيه ليوبولد الشيخ المتهدم العمر لابنه الأكبر وفي سنة ١٨٩١ تنازل لألبرت بعد أخيه القتيل، فلما توفي ليوبولد خلفه على ملك البلجيك. وكان زواجخ عام ١٩٠٠ بابنة دوق بافاريا كارل تيودور، وكان هذا من أمهر أطباء العيون في الغرب كله، وقام بنحو من خمسة آلاف عملية جراحية للفقراء في مستشفاه الخاص بميونيخ دون أجر، وقد تزوجها الملك ألبرت عن هوى بينهما وحب والملكة اليصابت مثل زوجها في قوة الذهن وجلال الروح، وهي تشغل من قلوب البلجيك محلالا يقل عن زوجها.

стр. 1534

مصلحة البريد في ساحة القتال ليس للجندي في ميدان القتال من لحظة عزاء وفرح غير الوقت الذي توزع فيه الرسائل من مصلحة البريد في الميدان. وليست إدارة البريد هناك إلا خيمة واحدة وليس عمالها إلا جنوداً بريديين، ولما كانت فرق الجنود في كل حين متنقلة من مكان إلى مكان. ذاهبة من موضع إلى موضع، كان من الصعب إرسال الرسائل إلى أصحابها في الميدان، ولكنهم اختطوا خطة تريحهم من متاعب هذا التنقل المستمر، ذلك أنهم جعلوا يقيمون إدارة بريد رئيسية في إحدى القرى التي تكون في مؤخرة خطوط القتال، بعيدة عن العدو ومنال يده، وهذه الإدارة هي التي ترسل الرسائل والطرود إلى فروعها في الساحة، فلكل فرقة بريدها، يتنقل معها حيث تنقلت: فإذا عسكروا وضربوا خيامهم، كان أول ما يضربون منها خيمة البريد، وهم يقيمون الحراس حولها شاكي السلاح، بينما عمال البريد في داخلها بأسلحتهم وبنادقهم، وليست هذه الخيمة على شيء من الأثاث لا تحتوي غير مقاعد صغيرة ومكاتب ضئيلة وأكياس الرسائل وجعبات صغيرة تقوم مقام صناديق البريد وهم يستعملون السيارات في نقل الرسائل من الإدارة وإليها وبين الفرق والفرق والخطوط والخطوط. وقد يحدث أن تتساقط على السيارة القنابل، وتتناثر حولها القذائف، وقد تقع في أيدي الأعداء، وأما الرسائل التي يبعث الجنود بها إلى أهلهم وذوي قرباهم فتوضع في تلك الصناديق ومنها تؤخذ إلى الإدارة الرئيسية، حيث يرسلونها إلى أماكنها فيما وراء البحار.

стр. 1535

أساطيل الشمع والذهب اعتاد الإنكليز أن يصنعوا لكل سفينة حربية ينشئونها نموذجاً من الشمع قبل أن يأخذوا في إنشائها. وهذه النماذج توضع في أحواض خصيصة من الشمع لكي يختبر فيها نموذج السفينة، وهذه النماذج تبلغ في طولها بين أثني عشر قدماً وأربع وعشرين، أما الحوض فيتراوح طوله حوال أربعمائة قدم، والسبب في صنعها من الشمع هو أن الشمع لا يمتص الماء ولا يتغير ثقله، وإنه كذلك سهل التشكيل والتغيير إذا أرادوا أن يغيروا قالب النموذج ونظامه. ثم هم يصنعون لكل سفين نموذجاً من الذهب لا من الشمع، يقدم للملك لا لوزارة الحربية، ومن ثم ترى الملك جورج الخامس يحفظ لديه أسطولاً كبيراً من السفن الذهبية، وكذلك جرى الألمان على منوالهم، وارتسموا رسومهم، حتى تجد الإمبراطور غليوم يملك اليوم أساطيل عديدة، ولكنها من الفضة لا من الذهب، على أن أساطيل الملك جورج تمثل تقدم البحرية الإنجليزية وتطورها منذ عهد ويليم الفاتح، حوال القرن العاشر من الميلاد، وبين هذه النماذج عدة من السفن التي تصور عظمة البحارة الإنكليز الأبطال الذين عاشوا بين القرن الرابع عشر والقرن السابع عشر.

стр. 1536

كيف يعسكر الجيش إذا أراد الجيش أن يعسكر في موضع من المواضع لزمت كل قوة من الجيش مكانها المعدود لها المقرر، فأما الفرق الراجلة فتضرب خيامها في الطليعة، حتى تكون أقرب الفرق بعداً عن الأعداء، وذلك لأن الراجلة تستطيع إذا دوهم الجيش المعسكر أن تلتقط أسلحتها وبنادقها في سرعة البرق وتتمكن من مواجهة العدو الداهم وقتاله، وأما الفرق الخيالة فهذه قليلة الجدوى إذا عسكر الجيش، نزرة الفائدة، إذ خيم، لأنها تستغرق زمناً طويلاً في إعداد خيلها وأسلحتها وامتطاء صهواتها، ولذلك تضرب خيامها وراء مضارب الراجلة، وأما المدفعية فتلزم مكاناً وسطاً، بعيداً عن حدود المعسكر وأطرافه، وذلك لأن المدافع يجب أن تحرس إذا قام الليل وتؤمن من شر المهاجمين الداهمين، وأما مورد الماء القريب من المعسكر فعليه حراس أشداء ليل نهار وكذلك خيم الأسلاك البرقية، وهي الوسيلة الوحيدة للمواصلات والمخابرات بين نقط الجيش. وليس لكل جندي في المعسكر إلا أن ينام دون شية أو وجل، لأن المعسكر تحرسه الحرس عند أطرافه وعلى كثب منه، حتى إذا انشق الفجر قامت الخيالة من نومها، حتى إذا تناولت فطورها في عجلة وسرعة انطلقت تكتشف الحركات التي قام بها العدو خلال الليل، وقد استعاضوا عن الخيالة في هذه المهمة بالطيارات، وللمعسكر شرطة يحفظون النظام بين الجند ويمنعون المشاحنات بينهم والمشاجرات.

стр. 1537

تمائم الملوك ذكرنا في العدد الأول طرفة عن تميمة الإمبراطور غليوم، وعلى ذكر ذلك نقول كلمة أخرى عن اعتقادات الملوك في التمائم وأثرها من الحظوظ والأقدار حتى يعلم القراء أن الإنسانية لا تزال ضعيفة الأعصاب، خوارة أمام الطبيعة وأن الملوك كعامة الناس وذؤبانهم وصعاليكهم لا يزالون ضعفاء النفوس صغار القلوب، وإن أوتوا من قوة السلطان، ومناعة الجانب ما أوتو. من المعروف عن أسرة هوهنزلرن المالكة أنها لا تزال تحتفظ بخاتم من الجعران تعتقد أنه سبب عظمتها ونجاحها، وتفصيل القصة أن أفراد الأسرة ومن ينتمي إليها يعتقدون أن فص هذا الخاتم سقط من جعران على فراش والد فردريك الأكبر، ولذلك كانوا يتوارثونه كابراً عن كابر. ويورثه الملك في ساعة احتضاره لوريثه وخليفته، وهو اليوم في أصبع غليوم الثاني، فإذا حضره الموت دفعه لولي عهده موضوعاً في حقه. وكذلك يعتقد قيصر الروس في خاتم يقولون عنه أنه يحتوي على قطعة صغيرة من الصليب الحقيقي الذي يظنون أن المسيح صلب فوقه، وحادثة هذا الخاتم أنه قدم إلى أحد قياصرة الروس الذاهبين من يد البابا، فلما مات ذلك القيصر دفعه إلى وريثه ثم أصبح يتوارث في الأسرة إلى يومنا. بل أغرب من ذلك أن قيصر روسيا الحالي يحتفظ إلى اليوم بمجموعة غريبة من النقود الشرقية القديمة كان أهداها أحد اليهود إلى القيصر إسكندر الثالث وزعم أنه رأى في المنام أنه سيكون لها الأثر الأكبر في عظمة الأسرة القيصرية!. ويضع الملك الفونسو ملك الأسبان إيمانه في خاتم يعد من أشهر الخواتيم في التاريخ حتى لقب بخاتم الأسبان. وكان أهدي إلى أبيه الفونسو الثاني عشر من إحدى السيدات المتدينات، فكان الفونسو السابق يعتقد أن للخاتم أثراً كبيراً في مستقبل أسبانيا وحياتها، وأمر أن يعد أبدا تميمة المملكة فحفظها عنه ابنه الفونسو الحالي. وكان الملك إدورد السابع من أشد الملوك اعتقاداً بالتمائم وأمثالها من الخرافات وكانت تميمته سواراً أهدي إليه من أحد أصدقائه في مرضه الشديد الذي أجل من أجله يوم تتويجه بعد وفاة الملكة فيكتوريا والدته، فلما أبل من مرضه اعتقد بأن للسوار يداَ كبرى في شفائه، فلما توفي أمر أن يوضع السوار في المخلفات الخصوصية التي يتركها للملك جورج، وهو لا يزال في حوزته.

стр. 1538

الإمبراطور غليوم والتاج من أغرب ما يذكر عن الإمبراطور غليوم الثاني أنه لم يتوج ولم تقم له حفلة التتويج وتفصيل الحادثة أن غليوم لما اعتلى أريكة بروسيا أخذ يعد المعدات الكبرى لحفلة تتويجه بالتاج الإمبراطوري وأمر أن يحشد للحفلة كل بديع، وكل جميل، وإن تكون أبهي مما وقع من حفلات الملوك والتيجان، ولكن للأسف لم يتم شيء ولم تتحقق الآمال وذلك أن غليوم قرر أن لا يموج باسم (الإمبراطور الألماني) ولكن باسم (إمبراطور ألمانيا) لأنه وجد في الأول لقباً أضأل من الثاني وغير جدير به، ولكن ملوك ألمانيا وأمراء مقاطعاتها وولاياتها رفضوا أن يتخذ ملك بروسيا هذا اللقب العظيم فلم يكن من غليوم إلا أن قال (إذا فلست أريد التتويج مطلقاً!) وكذلك كان.

стр. 1539

كيف يقضي كتشنر نهاره يعد اللورد كتشنر ناظر الحربية الإنكليزية اليوم من أكبر رجال النشاط والمتاعب فهو وإن كان اليوم في الربيع الواحد والستين من عمره لا يزال في نشاطه وقوته ودأبه وثباته، ولم تكد تلقى إليه في هذه الحرب مقاليد وزارة الحربية حتى أبى إلا أن يجد له منزلاً بجوار مكان الوزارة، ولحسن الحظ عثر بمنزل إحدى السيدات النبيلات على مقربة من الموضع إزاء منزل المستر بلفور، الزعيم البرلماني المشهور. فإذا كان الصبح، أقبل اللورد عند التاسعة مخفاً نشيطاً يريد نظارة الحربية، فإذا استقر به المكان أخذ يطالع الرسائل العامة الواردة إليه من ساحات القتال وغيرها فإذا انتهى من ذلك عقد مجلساً بينه وبين مستشاري الحربية ورؤساء أقسامها، أو من الوزراء، وتجد مجلسه مع الوزراء يستغرق أحياناً ساعتين من وقته وبعد ذلك يعود إلى الوزارة ليتناول فطوره، أما في المساء فلا يعرف للورد برنامج مقرر، فهو إن لم يكن في حجرته من النظارة، لابد من أن يكون في استعراض الجنود، وسواء أهذا أم ذاك لا يخفت له نشاط، ولا يعتريه كلال، فإذا جاء المساء تناول العشاء في النادي ثم يعود بعده إلى الوزارة فيمكث هناك أكثر الليل.

стр. 1540

العدد ٢٤ - بتاريخ: ١ - ١ - ١٩١٥

стр. 1541

رجال الحرب الفرد فون تيربتز منشئ البحرية الألمانية إذا أراد المؤرخ أن يضع تاريخاً صادقاً دقيقاً لتطور البحرية الألمانية وارتقائها، وتقدمها ونمائها، فلن تجد اسماً يضعه على رأس هذا التاريخ إلا اسم رجل واحد هو فون تيربتز. فإن لهذا الرجل الصلب العود المتشعب اللحية، السياسي الملاح، التيوتوني المعارف والسمت، الفضل الأكبر في نهضة ألمانيا إلى مصاف دول البحار. فهو وحده موجد أساطيل الإمبراطور. وهم يسمونه في برلين (تيربتز الخالد) ذلك لأنه قد مضى عليه وهو في دفة الوزارة نحو من خمسة عشر عاماً، لم ينزل في خلالها عن مقعده ولم يعتزل أو يعزل عن منصبه، وليس في الوزارة الذين تقلدوا مناصب الوزارة من لم تزعزعه عن مكانه عواصف السياسة وأزماتها هذا الدهر الطويل اللهم إلا هو وبسمارك، فقد تقلد كثيرون من المستشارين مقاليد الاستشارة ثم تحملوا. وجاء كثيرون إلى وزارة الحربية ثم ذهبوا وتعاقب العديدون على كراسي الوزارة الأخرى ثم نزلوا، هذا وتيربتز لا يزال متربعاً في دسته منذ عام ١٨٩٨ سائراً في سبيله البحري وخططه. وليس تيربتز من أصل عريق، ولا هو من الذين يمتون إلى محتد شريف، بل على النقيض من ذلك نشأ من عامة الناس، لإسناد له الأهمية عظيمة، لا تعرف النصب ولا رأس مال له إلا قوة الإرادة وعلو المطمح، وكانت هي وحدها كافية لأن تنقله من بحار بسيط إلى إدارة قوى البحر كلها، فهو الرجل الأوحد في وزارة البحرية الذي يجمع بين أثوابه المهارة البحرية والنبوغ العملي والحذق في السياسة، حتى أن الصحف الألمانية والتقارير الحكومية تقرن اسم تيربتز ابداً باسم المستشار، وذلك لأن ألمانيا فقيرة بمستشاريها. وتيربتز هو الذي جعل ميزانية البحرية الألمانية تتدرج من ستة ملايين من الجنيهات عام ١٨٩٨ إلى ثلاثة وعشرين مليوناً عام ١٩١٣ وكانت سياسته وقوة شخصيته هي التي لعبت بعواطف الأمة، وسحرت رجال الرشتاغ، فرضوان بهذه الزيادة، وأقروا بتوسيع

стр. 1542

نطاق التقدم البحري، والإكثار من حشد الأساطيل. ولد بعيداً عن البحر وشواطئه من أبوين فقيرين خاملين، فلم يكن في منشئه ولا في مظهره ما ينبئ عن أمير للبحرية وزعيم في السياسة، فلما كان في السادسة عشرة بعد الفراغ من المدرسة وتعليمها دخل تلميذاً متطوعاً في البحرية البروسية، وكانت يومذاك لا تتألف إلا من عدة سفائن صغيرة فلم يلبث غير أربعة أعوام حتى نال رتبة الملازم، ولما ناهز الخامسة والعشرين ظفر برتبة القائد البسيط، وفي هذا الموطن الصغير كان أول ما ظهر من مقدرة تيربتز المدهشة على الابتكار، وبوادر ما تجلى من عبقريته في سيطرة آرائه ومبادئه على آراء من فوقه ومن دونه، وفي هذا الموطن بدأ ذلك النبوغ العملي الذي كان الحجر الأساسي لحياته المقبلة ومنذ ذلك اليوم وهو قد اعتاد أن يمعن في التفكير والابتكار وسبق زملائه في البحرية وغير البحرية بسديد الآراء. وناضج الفكر، فكان يكتسب بذلك قلوب أشياع كثيرين، ويسحر الباب عصبة ليست بالقليلة، حتى لكأنما قد خلق هذا الرجل بطبيعته قائداً ومبتكراً، ولعل السبب الأكبر الذي جعل أزكى الرجال وأخصب الأذهان تلتف حوله وتقبل عليه يرجع إلى تمرده على الآداب البروسية القديمة، والتقاليد الحربية العتيقة، ونعني بها احترام السن وتبجيل الكبار، وكانا يريدان أن يسودا بين رجال البحرية وموظفيها، ولذلك سن قانوناً جديداً، هو أن الجدارة والأهلية هما الخليقان دون غيرهما بالاحترام والإكبار. وجاءت سنة ١٨٩١ فخطا تيربتز بكفاءته إلى رئاسة محطة كيبل البحرية، وكانت كيبل مريض الأساطيل الألمانية ومثواها. وهناك سنحت له الفرص لإظهار براعته وقوة ابتداعه، فاهتم أول أمره بإنشاء النسافات وتحسينها والتمشي بها نحو الكمال، وإن قوة ألمانيا المعترف بها في هذا الفرع من البحرية هي نتاج دأب تيربتز ومهارته. ولم يكن صعود الرجل من سطح السفينة إلى مقعد الوزارة لينجيه من مطاعن المنافسين والحاقدين، ولم يكن ليجعله بندوة من نقد الناقدين وشتم الشاتمين، ولكن فون تيرينز كان فوق الشتائم وفوق المطاعن فلم تنل منه شيئاً، بل كان يلقب بين رجال البحرية بالسيد. وكان فون تيربتز لا يبرح ينظر إلى المستقبل بتلك العين الذكية الوقادة، فما كاد ينتهي من ذلك العمل الشاق العظيم، وهو تنظيم إدارة البحرية، واختيار الأذكياء والنوابغ لها، حتى

стр. 1543

توفر على إيجاد أسطول ألماني ضخم، يكون خليقاً بهذا الاسم، وكان التقدم الصناعي الألماني قد بلغ أشده، وانتهى إلى الغاية البعيدة، وكانت سفنها التجارية في البحر قد اتسع نطاقها وازداد، فوجد تيربتز أن الفرصة سانحة لنشر الروح الجديدة التي يريدها، وهو العمل على التأهب ببحرية كبرى، ووقع في سنة ١٨٩٩ ما أعانه على مطلبه، ذلك أن سفينة بريدية من سفن الألمان وقعت في أسر سفينة حربية للإنكليز، وهنا وثب هذا الرجل فاستخدم هذه الحادثة بكل ما أوتي من قوة وبيان، وأبدى للأمة وريشتاغها أن هذه الحادثة تمثل الخطر الدائم الذي لم يبرح يحدق بالعلم الألماني الخفاق فوق سفن التجارة، ما لم ينشأ لحمايتها أسطول عظيم، وكان القانون البحري الذي سنته ألمانيا في سنة ١٩٠٠ وليد ذهن تيربتز وقريحته، وكان من إقرار الريشتاغ عليه أن أعطى لقب النبل المتوارث، وهو كلمة فون كما ترى وأنزل إلى البحر أول سفينة حربية عظيمة تحمل ثلاثة عشر ألف طن، في سنة ١٩٠٢ فرفع إذ ذاك إلى لقب أمير البحرية العام، وتوصل بإيقاد عواطف الشعب وإرسال الحمية في نفوس سواد النواب إلى سن المذكرة البحرية الإضافة القائلة بوجوب إنشاء الدريد نوط بين أربعة وستة في العام، فانعم عليه الإمبراطور بأسمى وسام في الإمبراطورية ذلك هو وسام النسر الأسود. هذا وتيربتز من محبي إنجلترا والإنكليز، ومن عشاق كل ما هو إنكليزي، بل قد تعلم كل أولاده في إنجلترا. والعزيمة الحديدية هي أكبر مزايا هذا الرجل، بل هي التي أنشأت البحرية الألمانية بل أنشأته، وهو الوزير الأوحد الذي لم يعتد الخضوع لذلك السيد الفرد، ولم يعرف الاعتصام بالاستكانة له والسكون، بل إن له لإرادة قاسية، وهو يعرف كيف ينفذها. وهو اليوم في الرابعة والستين، لا تزال تجري في عروقه حرارة الشباب وفضيلة النشاط، وهو رب أسرة، ووطني كبير الذهن يغلي بالوطنية، فلا غرو بعد ذلك إذا عد في طليعة منشئ ألمانيا الحديثة. فون درعو لتز باشا من بين نوابغ العالم الذين يحملون السيف في يد، والقلم البليغ في أخرى، وطبقت شهرتهم الخافقين في الدولتين، فون درعولتز باشا، فإن هذا الفيلد مارشال الشيخ كان يكون نابها

стр. 1544

بأدبه ومؤلفاته وإن لم يكن جندياً يخططه الحربية وتنظيماته، بدأت مقدرته الأدبية وهو فتى حدث، في ريعان العمر، وكان أول فرع في الأدب أحبه هو الروائيات، وضع في شبابه روايات غرامية، كان يبيعها ليعول بثمنها أماً أرمل فقيرة ثم أخذ يبدي براعته شيئاً فشيئاً، ويتنقل من الغراميات إلى الحربيات، حتى وضع بعد ذلك كتاب ليون غمبتا وجيوشه فعلاً بالكتاب صيته، ونبه ذكره، وكان هذا المؤلف الحربي يجور حول إنقاص مدة الخدمة الحربية في ألمانيا من ثلاث سنين إلى سنتين، وهذه الفكرة هي التي كان الحزب الاشتراكي في الريشتاغ يدعو إليها بعد ذلك. ويشتد في طلب العمل بها، واتهم جولتز أثر ذلك بأنه من أشياع الحريين وهي تهمة لا تليق بضابط يلبس أردية الحكومة، فعوقب من أجلها بإنزاله إلى رتبة دون رتبته، وانتشر الكتاب في سنة ١٨٧٧ فأثار هزة كبرى بين أفراد الأمة، على أن الكتاب مهد الطريق إلى تحقيق هذه الفكرة فحققت بعده بستة عشر عاماً. ولعل أحسن مؤلفات جولتز وأعظمها في العالم أثراً كتابه (أمة في السلاح) نشره عام ١٨٨٣، وكان يومذاك في الأربعين، وهو كتاب رشيق حماسي متين الحجة، يرمي إلى وجوب الخدمة العسكرية الإجبارية، وقد ترجم الكتاب إلى بضع عشرة لغة، ووعته كلا حكومة في الغرب ودرسته، ثم اتبعه بمؤلفات أخرى اشتهرت شهرة الأولى، منها (حروب فردريك الأكبر) و (فن قيادة الجيوش) و (التاريخ الحربي لألمانيا في القرن التاسع عشر) وقد تجلى في هذا الكتاب الأخير من أكبر دعاة النظرية القائلة بأن الحرب هي المنشأ الوحيد لتقدم ألمانيا. وقد اشتهرت أسلوب غولتز بالرشاقة والخفة والوضوح والمائية، حتى عد بذلك من أساطين رجال الأدب. ودعي غولتز عام ١٨٨٣ إلى تنظيم حربية السلطان عبد الحميد السابق وإصلاح فاسدها، وكذلك ظل حتى عام ١٨٩٥، وجد الجنود العثمانية جمعاً مشتتاً مبعثراً، لا يحتوي غير رجال غفل، لا يعرفون أساليب القتال ولا شهدوا نظاماً. ولو سمعت ما كان يجري حول هذا القائد منذ يوم وصوله الآستانة إلى يوم رحيله عنها، من المكايد والفتن والدسائس في عهد السلطان المخلوع، إذن لعجبت كيف استطاع فون

стр. 1545

جرجولتز، حتى في مدى الأثنى عشر عاماً التي لبثها، أن ينجز شيئاً من الإصلاح، فقد حاطه عبد الحميد بعدة من الجواسيس والعيون، يحولون بينه وبين كل سبيل، ويعرقلون له كل سعى، وحدث مرة أن جولتز نجح في استخلاص الأذن من السلطان بإقامة استعراض يمثل القتال، وما كاد يبدأ بذلك الاستعراض، حتى جاءه الأمر بالامتناع عن إتمامه، لأن عيون السلطان ألقت في أذنه أن السبب الوحيد في عمل هذا الاستعراض هو القيام بمؤامرة حربية عليه، ولم يسمح ذلك السلطان العصبي المستبد يوماً للقائد جولتز أن يترك جنوده في أيام التمرين يستعملون رصاصات الخرطوش، وما استطاع يوماً أن يجعل مدفعيته تستعمل في أوقات التجربة شيئاً من البارود، واشتريت بنادق موزر من ألمانيا لأجل الجنود العثمانية، ولكنها ظلت مكدسة في غرائرها مربوطة في أكياسها زهاء ست سنين في مخازن الآستانة، وهذه هي التأثيرات التي كان يعمل تحتها القائد جولتز. ولكن قوة الرجل ودأبه العظيم وصبره الطويل، كل ذلك ساعده على أن لا يرحل عن تركيا إلا وقد أسس لها جيشاً وإدارة حربية ومدرسة عسكرية ومصلحة طبوغرافية، ووضع كذلك لها الخطط الحربية لقتال جيرانها والدفاع عن بيضتها حيال دول البلقان. فلما كان عام ١٩٠٩، وقد وضعت تركيا الفتاة السلطان عبد الحميد عن العرش، وأعلنت الدستور، دعى جولتز بعد فراق أربعة عشر عاماً إلى الرجوع إلى تركيا وتنظيم الجيش الجديد، ولكنه اعتذر، على أنه قضى في العام التالي زهاء شهرين في الآستانة بين تلاميذه وأصدقائه القدماء، وقفل إلى ألمانيا راجعاً وهو يتوسم الخير في العصر الجديد. ولما انهزمت تركيا في حرب البلقان الأخيرة، جعل بعض القوم في برلين وألمانيا يرمون جولتز باشا بالنقص، وينسبون إليه جريرة هذه الهزيمة. هذا الجندي الشيخ، قد أوفى على السبعين، وكان في حرب سنة ١٨٦٦ ملازماً ثانياً وقد تفتت عظم كتفه اليسرى في تلك الحرب من إحدى القنابل، ثم جعل يرتقي من مرتبة إلى مرتبة حتى فاز بلقب الفيلد مارشال وبوسام النسر الأسود، وهو يرجع نسبه إلى أسرة جولتز وقد نبغ له جد ارتقي إلى رتبة المارشال في عهد لويس الرابع عشر، وهو رقيق المظهر مشرق الطلعة، على حين أن له قلباً من الصخر وإرادة من الحديد، لا تحفل بشيء ولا تكترث، وأكثر مزايا شخصيته الإعراض عمن فوقه من الناس والتعطف والتودد لمن
следующие страницы →