← Адаб

Адаб · id 73348

مجلة البيان للبرقوقي

البرقوقي

Полный текст (3 596 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

رجال الحرب الفرد فون تيربتز منشئ البحرية الألمانية إذا أراد المؤرخ أن يضع تاريخاً صادقاً دقيقاً لتطور البحرية الألمانية وارتقائها، وتقدمها ونمائها، فلن تجد اسماً يضعه على رأس هذا التاريخ إلا اسم رجل واحد هو فون تيربتز. فإن لهذا الرجل الصلب العود المتشعب اللحية، السياسي الملاح، التيوتوني المعارف والسمت، الفضل الأكبر في نهضة ألمانيا إلى مصاف دول البحار. فهو وحده موجد أساطيل الإمبراطور. وهم يسمونه في برلين (تيربتز الخالد) ذلك لأنه قد مضى عليه وهو في دفة الوزارة نحو من خمسة عشر عاماً، لم ينزل في خلالها عن مقعده ولم يعتزل أو يعزل عن منصبه، وليس في الوزارة الذين تقلدوا مناصب الوزارة من لم تزعزعه عن مكانه عواصف السياسة وأزماتها هذا الدهر الطويل اللهم إلا هو وبسمارك، فقد تقلد كثيرون من المستشارين مقاليد الاستشارة ثم تحملوا. وجاء كثيرون إلى وزارة الحربية ثم ذهبوا وتعاقب العديدون على كراسي الوزارة الأخرى ثم نزلوا، هذا وتيربتز لا يزال متربعاً في دسته منذ عام ١٨٩٨ سائراً في سبيله البحري وخططه. وليس تيربتز من أصل عريق، ولا هو من الذين يمتون إلى محتد شريف، بل على النقيض من ذلك نشأ من عامة الناس، لإسناد له الأهمية عظيمة، لا تعرف النصب ولا رأس مال له إلا قوة الإرادة وعلو المطمح، وكانت هي وحدها كافية لأن تنقله من بحار بسيط إلى إدارة قوى البحر كلها، فهو الرجل الأوحد في وزارة البحرية الذي يجمع بين أثوابه المهارة البحرية والنبوغ العملي والحذق في السياسة، حتى أن الصحف الألمانية والتقارير الحكومية تقرن اسم تيربتز ابداً باسم المستشار، وذلك لأن ألمانيا فقيرة بمستشاريها. وتيربتز هو الذي جعل ميزانية البحرية الألمانية تتدرج من ستة ملايين من الجنيهات عام ١٨٩٨ إلى ثلاثة وعشرين مليوناً عام ١٩١٣ وكانت سياسته وقوة شخصيته هي التي لعبت بعواطف الأمة، وسحرت رجال الرشتاغ، فرضوان بهذه الزيادة، وأقروا بتوسيع

стр. 1542

نطاق التقدم البحري، والإكثار من حشد الأساطيل. ولد بعيداً عن البحر وشواطئه من أبوين فقيرين خاملين، فلم يكن في منشئه ولا في مظهره ما ينبئ عن أمير للبحرية وزعيم في السياسة، فلما كان في السادسة عشرة بعد الفراغ من المدرسة وتعليمها دخل تلميذاً متطوعاً في البحرية البروسية، وكانت يومذاك لا تتألف إلا من عدة سفائن صغيرة فلم يلبث غير أربعة أعوام حتى نال رتبة الملازم، ولما ناهز الخامسة والعشرين ظفر برتبة القائد البسيط، وفي هذا الموطن الصغير كان أول ما ظهر من مقدرة تيربتز المدهشة على الابتكار، وبوادر ما تجلى من عبقريته في سيطرة آرائه ومبادئه على آراء من فوقه ومن دونه، وفي هذا الموطن بدأ ذلك النبوغ العملي الذي كان الحجر الأساسي لحياته المقبلة ومنذ ذلك اليوم وهو قد اعتاد أن يمعن في التفكير والابتكار وسبق زملائه في البحرية وغير البحرية بسديد الآراء. وناضج الفكر، فكان يكتسب بذلك قلوب أشياع كثيرين، ويسحر الباب عصبة ليست بالقليلة، حتى لكأنما قد خلق هذا الرجل بطبيعته قائداً ومبتكراً، ولعل السبب الأكبر الذي جعل أزكى الرجال وأخصب الأذهان تلتف حوله وتقبل عليه يرجع إلى تمرده على الآداب البروسية القديمة، والتقاليد الحربية العتيقة، ونعني بها احترام السن وتبجيل الكبار، وكانا يريدان أن يسودا بين رجال البحرية وموظفيها، ولذلك سن قانوناً جديداً، هو أن الجدارة والأهلية هما الخليقان دون غيرهما بالاحترام والإكبار. وجاءت سنة ١٨٩١ فخطا تيربتز بكفاءته إلى رئاسة محطة كيبل البحرية، وكانت كيبل مريض الأساطيل الألمانية ومثواها. وهناك سنحت له الفرص لإظهار براعته وقوة ابتداعه، فاهتم أول أمره بإنشاء النسافات وتحسينها والتمشي بها نحو الكمال، وإن قوة ألمانيا المعترف بها في هذا الفرع من البحرية هي نتاج دأب تيربتز ومهارته. ولم يكن صعود الرجل من سطح السفينة إلى مقعد الوزارة لينجيه من مطاعن المنافسين والحاقدين، ولم يكن ليجعله بندوة من نقد الناقدين وشتم الشاتمين، ولكن فون تيرينز كان فوق الشتائم وفوق المطاعن فلم تنل منه شيئاً، بل كان يلقب بين رجال البحرية بالسيد. وكان فون تيربتز لا يبرح ينظر إلى المستقبل بتلك العين الذكية الوقادة، فما كاد ينتهي من ذلك العمل الشاق العظيم، وهو تنظيم إدارة البحرية، واختيار الأذكياء والنوابغ لها، حتى

стр. 1543

توفر على إيجاد أسطول ألماني ضخم، يكون خليقاً بهذا الاسم، وكان التقدم الصناعي الألماني قد بلغ أشده، وانتهى إلى الغاية البعيدة، وكانت سفنها التجارية في البحر قد اتسع نطاقها وازداد، فوجد تيربتز أن الفرصة سانحة لنشر الروح الجديدة التي يريدها، وهو العمل على التأهب ببحرية كبرى، ووقع في سنة ١٨٩٩ ما أعانه على مطلبه، ذلك أن سفينة بريدية من سفن الألمان وقعت في أسر سفينة حربية للإنكليز، وهنا وثب هذا الرجل فاستخدم هذه الحادثة بكل ما أوتي من قوة وبيان، وأبدى للأمة وريشتاغها أن هذه الحادثة تمثل الخطر الدائم الذي لم يبرح يحدق بالعلم الألماني الخفاق فوق سفن التجارة، ما لم ينشأ لحمايتها أسطول عظيم، وكان القانون البحري الذي سنته ألمانيا في سنة ١٩٠٠ وليد ذهن تيربتز وقريحته، وكان من إقرار الريشتاغ عليه أن أعطى لقب النبل المتوارث، وهو كلمة فون كما ترى وأنزل إلى البحر أول سفينة حربية عظيمة تحمل ثلاثة عشر ألف طن، في سنة ١٩٠٢ فرفع إذ ذاك إلى لقب أمير البحرية العام، وتوصل بإيقاد عواطف الشعب وإرسال الحمية في نفوس سواد النواب إلى سن المذكرة البحرية الإضافة القائلة بوجوب إنشاء الدريد نوط بين أربعة وستة في العام، فانعم عليه الإمبراطور بأسمى وسام في الإمبراطورية ذلك هو وسام النسر الأسود. هذا وتيربتز من محبي إنجلترا والإنكليز، ومن عشاق كل ما هو إنكليزي، بل قد تعلم كل أولاده في إنجلترا. والعزيمة الحديدية هي أكبر مزايا هذا الرجل، بل هي التي أنشأت البحرية الألمانية بل أنشأته، وهو الوزير الأوحد الذي لم يعتد الخضوع لذلك السيد الفرد، ولم يعرف الاعتصام بالاستكانة له والسكون، بل إن له لإرادة قاسية، وهو يعرف كيف ينفذها. وهو اليوم في الرابعة والستين، لا تزال تجري في عروقه حرارة الشباب وفضيلة النشاط، وهو رب أسرة، ووطني كبير الذهن يغلي بالوطنية، فلا غرو بعد ذلك إذا عد في طليعة منشئ ألمانيا الحديثة. فون درعو لتز باشا من بين نوابغ العالم الذين يحملون السيف في يد، والقلم البليغ في أخرى، وطبقت شهرتهم الخافقين في الدولتين، فون درعولتز باشا، فإن هذا الفيلد مارشال الشيخ كان يكون نابها

стр. 1544

بأدبه ومؤلفاته وإن لم يكن جندياً يخططه الحربية وتنظيماته، بدأت مقدرته الأدبية وهو فتى حدث، في ريعان العمر، وكان أول فرع في الأدب أحبه هو الروائيات، وضع في شبابه روايات غرامية، كان يبيعها ليعول بثمنها أماً أرمل فقيرة ثم أخذ يبدي براعته شيئاً فشيئاً، ويتنقل من الغراميات إلى الحربيات، حتى وضع بعد ذلك كتاب ليون غمبتا وجيوشه فعلاً بالكتاب صيته، ونبه ذكره، وكان هذا المؤلف الحربي يجور حول إنقاص مدة الخدمة الحربية في ألمانيا من ثلاث سنين إلى سنتين، وهذه الفكرة هي التي كان الحزب الاشتراكي في الريشتاغ يدعو إليها بعد ذلك. ويشتد في طلب العمل بها، واتهم جولتز أثر ذلك بأنه من أشياع الحريين وهي تهمة لا تليق بضابط يلبس أردية الحكومة، فعوقب من أجلها بإنزاله إلى رتبة دون رتبته، وانتشر الكتاب في سنة ١٨٧٧ فأثار هزة كبرى بين أفراد الأمة، على أن الكتاب مهد الطريق إلى تحقيق هذه الفكرة فحققت بعده بستة عشر عاماً. ولعل أحسن مؤلفات جولتز وأعظمها في العالم أثراً كتابه (أمة في السلاح) نشره عام ١٨٨٣، وكان يومذاك في الأربعين، وهو كتاب رشيق حماسي متين الحجة، يرمي إلى وجوب الخدمة العسكرية الإجبارية، وقد ترجم الكتاب إلى بضع عشرة لغة، ووعته كلا حكومة في الغرب ودرسته، ثم اتبعه بمؤلفات أخرى اشتهرت شهرة الأولى، منها (حروب فردريك الأكبر) و (فن قيادة الجيوش) و (التاريخ الحربي لألمانيا في القرن التاسع عشر) وقد تجلى في هذا الكتاب الأخير من أكبر دعاة النظرية القائلة بأن الحرب هي المنشأ الوحيد لتقدم ألمانيا. وقد اشتهرت أسلوب غولتز بالرشاقة والخفة والوضوح والمائية، حتى عد بذلك من أساطين رجال الأدب. ودعي غولتز عام ١٨٨٣ إلى تنظيم حربية السلطان عبد الحميد السابق وإصلاح فاسدها، وكذلك ظل حتى عام ١٨٩٥، وجد الجنود العثمانية جمعاً مشتتاً مبعثراً، لا يحتوي غير رجال غفل، لا يعرفون أساليب القتال ولا شهدوا نظاماً. ولو سمعت ما كان يجري حول هذا القائد منذ يوم وصوله الآستانة إلى يوم رحيله عنها، من المكايد والفتن والدسائس في عهد السلطان المخلوع، إذن لعجبت كيف استطاع فون

стр. 1545

جرجولتز، حتى في مدى الأثنى عشر عاماً التي لبثها، أن ينجز شيئاً من الإصلاح، فقد حاطه عبد الحميد بعدة من الجواسيس والعيون، يحولون بينه وبين كل سبيل، ويعرقلون له كل سعى، وحدث مرة أن جولتز نجح في استخلاص الأذن من السلطان بإقامة استعراض يمثل القتال، وما كاد يبدأ بذلك الاستعراض، حتى جاءه الأمر بالامتناع عن إتمامه، لأن عيون السلطان ألقت في أذنه أن السبب الوحيد في عمل هذا الاستعراض هو القيام بمؤامرة حربية عليه، ولم يسمح ذلك السلطان العصبي المستبد يوماً للقائد جولتز أن يترك جنوده في أيام التمرين يستعملون رصاصات الخرطوش، وما استطاع يوماً أن يجعل مدفعيته تستعمل في أوقات التجربة شيئاً من البارود، واشتريت بنادق موزر من ألمانيا لأجل الجنود العثمانية، ولكنها ظلت مكدسة في غرائرها مربوطة في أكياسها زهاء ست سنين في مخازن الآستانة، وهذه هي التأثيرات التي كان يعمل تحتها القائد جولتز. ولكن قوة الرجل ودأبه العظيم وصبره الطويل، كل ذلك ساعده على أن لا يرحل عن تركيا إلا وقد أسس لها جيشاً وإدارة حربية ومدرسة عسكرية ومصلحة طبوغرافية، ووضع كذلك لها الخطط الحربية لقتال جيرانها والدفاع عن بيضتها حيال دول البلقان. فلما كان عام ١٩٠٩، وقد وضعت تركيا الفتاة السلطان عبد الحميد عن العرش، وأعلنت الدستور، دعى جولتز بعد فراق أربعة عشر عاماً إلى الرجوع إلى تركيا وتنظيم الجيش الجديد، ولكنه اعتذر، على أنه قضى في العام التالي زهاء شهرين في الآستانة بين تلاميذه وأصدقائه القدماء، وقفل إلى ألمانيا راجعاً وهو يتوسم الخير في العصر الجديد. ولما انهزمت تركيا في حرب البلقان الأخيرة، جعل بعض القوم في برلين وألمانيا يرمون جولتز باشا بالنقص، وينسبون إليه جريرة هذه الهزيمة. هذا الجندي الشيخ، قد أوفى على السبعين، وكان في حرب سنة ١٨٦٦ ملازماً ثانياً وقد تفتت عظم كتفه اليسرى في تلك الحرب من إحدى القنابل، ثم جعل يرتقي من مرتبة إلى مرتبة حتى فاز بلقب الفيلد مارشال وبوسام النسر الأسود، وهو يرجع نسبه إلى أسرة جولتز وقد نبغ له جد ارتقي إلى رتبة المارشال في عهد لويس الرابع عشر، وهو رقيق المظهر مشرق الطلعة، على حين أن له قلباً من الصخر وإرادة من الحديد، لا تحفل بشيء ولا تكترث، وأكثر مزايا شخصيته الإعراض عمن فوقه من الناس والتعطف والتودد لمن

стр. 1546

هم دونه، ووظيفته الحربية تستلزم حضورة إلى البلاط في (التشريفات الرسمية) ومن امتيازاته فيها أن يحمل سيف الإمبراطور. خوف الإمبراطور من الأمراض بينا يسير الإمبراطور في ساقة الجيش اليوم، لا تراه يتخلى عن أطباء بلاطه لحظة واحدة، فهو يخاف اغتيال المرض له، خوف قيصر الروس من غيلة سكين الفوضوي فإذا ما أصاب الإمبراطور ولو يسيراً من برد، لم يلبث أن يأوى إلى فراشه ويدعو إليه أطباءه، تاركاً العناية بكل شيء سوى صحته، وإذا كان في رجال حاشيته من يتألمون من إصابة البرد رأيتهم يحذرون جد الحذر من أن تظهر عوارض السعال عليهم وهم في حضرته، ولو عجز أحدهم مرة عن إمساك سعاله، وهو بين يدي الإمبراطور أذن لما كان نصيبه إلا الطرد من لدنه، وعليهم أن يستعملوا مناديلهم وراحهم، ويتحصنوا من السعال وراء أكفهم، حتى لا يبدو هذا العارض أمام الإمبراطور. وقد اعتاد في برلين أن لا يخرج للرياضة إلا في رداء كثيف، يسخن على النار قبل أن يشتمل فيه، فإذا كان في حلقة الكرة، راح يلعب مع رجال بلاطه وأصدقائه وهو في ردائه هذا المحمي بينا ترى اللاعبين في لباس اللعب، والعرق يتصبب من عوارضهم وأكسيتهم.

стр. 1547

الطيارون الحربية الفخمة الأثاث يعجب القارئ إذا سمع بالأثاث الفاخر الذي تحتويه الطيارات الحربية اليوم، فهي أشبه بالحجر الأنيقة في البيوت منها بمجالس بسيطة في آلات تطير في الأجواء، إذ ترى أمام السائق دولاباً فخماً وعدة من الأدراج تحتوي أشياء كثيرة، منها زجاجة لمعرفة درجة الحرارة. وأنابيب من الشكولاتا، مغطاة بالصفيح لحفظها من الرطوبة، وقنينة من خمرة الكونياك، كأسعاف وقتي للطيار إذا أغمي عليه، أو أحس بدوار، واسفنجة مشربة بالغاز ليمسح بها الآلات، ومسدس موضوع في رف مخصوص له ودرج للرسائل والكتب، وبجانبة عدة من أقلام الرصاص مختلفة الألوان، لكي يجيد الطيار رسم مواقع العدو ومرابطه وأمامه لوحة من ألواح الطباشير وعدة من المصورات الجغرافية، وفضلاً عن ذلك ترى مدخنة الآلة تمر على أديم الطيارة تحت قدمي الطيار، لكن تبقى في دفء طيب، ولكي يتحصن الطيار بالحرارة من تأثير برد الجو ورطوبته، وأعجب من ذلك أن يجلس الطيار في مقعد فخم أنيق، ذي مسند كبير، كمقاعد القضاة والوزراء وأهل الثراء!.

стр. 1548

النقود بدل الرصاص وكان الثوار الهنود في الثورة الهندية يحشون بنادقهم بقطع من النقود الفضية، فلما نفدت هذه كذلك، جعلوا يقذفون على العدو من أفواه البنادق والمدافع أحجاراً خالصة من العقيق، وبلغ من جنود سراج الدولة الهندي الثائر، في الثورة الهندية، أن عمدوا إلى حشو قذائفهم بقطع من الموازين، كانوا يجمعونها من الحوانيت، فيسوون طرافها حتى تكون على شكل القنابل، لكي يسهل عليهم إطلاقها من الفوهات.

стр. 1549

كيف تتخاطب السفن الحربية في عرض البحار لكل سفينة حربية في البحر معدات التلغراف اللاسلكي، وهذه توضع في مكان خصيص منفرد، يسهل على ربانها أن ينفذ إشارته ورسائله إلى السفن الأخرى الماخرة عباب البحر، أو إلى السواحل القريبة منه أو إلى محطات التلغراف اللاسلكي التي تكون على كثب من السواحل والثغور، ولكل أسطول من أساطيل الدول سفينة كبرى، هي التي تخاطب إدارة أمير البحرية رأساً، وتأخذ منها أوامرها وتعليماتها ونواياها، فتبلغها إلى المراكب الراسية عند السفن، وهذه تنشرها في سفن الأسطول كلها، وترى كل سفينة تتبع إرشاد محطة معينة على الساحل أو نقطة مخصوصة تختلف إليها الغواصات والنسافات، وأما عن التخاطب بين السفن عن مواضع العدو والاحتراز من مباغتاته وغيلاته، فإن التلغراف اللاسلكي لا يفيد فتيلاً، بل تراهم ينفذون بعض الغواصات لاستكشاف مواقع سفن العدو وممارحها والحركات التي تجمع أمرها على عملها، فترسل بذلك تقريرها إلى السفينة التي تكون في أثرها، وهذه تبلغ التقرير بواسطة مصباح مورس إلى أمير الأسطول الرابض، وقد تستعين الغواصات أحياناً ببعض النسافات، فإذا فرضنا أن ثلاثين من هذه السفن أنفذت إلى اكتشاف العدو، فإنها تكون في أغلب الأحيان هدفاً للظهور على أعين العدو، ومن ثم يستحيل على الأسطول أن يمر في خفية، دون أن يشعر به أو يحس.

стр. 1550

حقوق الفيلد مارشال رتبة الفيلد مارشال هي أسمى رتبة في الجيوش الغربية، ومن حقوق صاحبها أنه لا يعتزل عن خدمته في الجيش ولا يفارق وظيفته فيها، حتى آخر لحظة من حياته، وقد يعطي في بعض الأحيان نصف مرتبه، ولكن هذا لا يعفيه من الخدمة، ولا يعد اعتزالاً أو معاشاً، بل لا يزال اسمه في قائمة رجال الحربية، الذين لا يزالون في خدمة الحكومة، ومن القوانين الحربية الإنكليزية أن لا يزيد عدد حملة هذه الرتبة في المملكة كلها عن ثمانية لا يدخل في ذلك من أعطى رتبة الفيلد مارشال لقب شرف، أمثال الملوك والأمراء والإمبراطورة، ومن بين هؤلاء الثمانية يجب أن ينتخب لهذا اللقب الفخم العظيم اثنان من رجال الجيش الهندي، وعطاء الفيلد مارشال في البحر الأبيض هو خمسة آلاف جنية في العام، ولعل أقل عطاء يناله الفيلد مارشال العادي هو ثلاثة آلاف، وهذا يزيد على عطاء أمير البحرية ورتبته تعادل كلمة فيلد مارشال بحري وهو لا يتقاضى أكثر من ألفين وخمسمائة.

стр. 1551

عالم الأدب شاعر يتمرد هذه قصيدة متمردة صارخة باكية، أرسلها الشاعر لامارتين، قلب الدنيا وصوت الطبيعة، في ساعة حزن قاتل، ويأس ثائر، وعاصفة إحساسية شديدة، هي ضمير رجل متمرد ساخط ضاقت نفسه من شرور العالم وآلامه، وأظلمت صفحة روحه أثر عارض من عوارض الهم، ونكبة من نكبات الإحساس، حتى حسب الأرض والسماء وعناصر الكون في مناحة مثله. تئن أنينه وتنتحب. أيتها القوة الإلهية، هذا هو الشر قد ساد في مملكتك، هذا هو السوء صعد ذروة دولتك، خلق كل ذي فكر، وكل ذي نفس، لأن يلتهمه الألم. ويظفر به العذاب، بل إن الأرض والسماء، والروح والمادة، كل يتألم ويتنهد، هذا صوت الطبيعة لا يخرج إلا نفساً صاعداً متراجعاً مستطيلاً، إذن فأرفعوا أبصاركم إلى اقطار السماء، ودوروا بأعينكم في آفاق الزرقاء، والتمسوا الله في صنعه، واستصرخوا من آلامكم وأوجاعكم ذلك المعزي العظيم. بأي اسم نسميك، أيتها القوة الأبدية، وبأي لقب نلقبك، أنت التي نسميك القدر والطبيعة والعناية والقانون البعيد عن متناول الذهن، العظيم على ملمس العقل، أنت التي ترتجف في يدك، ونرتعد في قبضتك، أنت التي ننشق عليك ونتمرد، مخافك خاضعين وتائرين، ونحبك راضين وغير راضين. أنت أبداً أمامنا. وأنت أبداً أنت!. أية جريمة ارتكبنا حتى استحقنا الحياة. واستوجبنا الوجود. هل طلب العدم الظهور، أم هل رضي بالخروج، إذن فابعثوا صوب السماء ببخورها الذي تحب وانفذوا إلى عرش الله العطر الذي يستطيب، بتنهداتكم، وعولاتكم، وأناتكم وعبراتكم، وسخطاتكم، والحاداتكم، وأنت أيتها الأصوات المهتدجة المحتبسة الدامية، وأنت أصوات الموتى، وأجراس الهلكى، وصرخات المرضى، ورنات الثكلى، أصعدي فأطرقي تلك الأبواب المقفلة، ودقي منافذ قصر الأقدار، ومغاليق مداخل العزيز الجبار. ألا فارفعي أيتها الأرض صراخك، وأنت يا سماء رددي، ويا أيتها الهاويات الدامسة، أيها الإقليم الأسود المظلم، حيث يركم الموت فرائه، لا تخرجي من أعماقك إلا أنه واحدة، شكاة أبدية، تكون شهيداً على تهمة الطبيعة، وظلم الأقدار، بل إن الحزن ليجعل الخليقة تبث

стр. 1552

الطبيعة صوتاً منتحباً مجهشاً. انظروا، هذه هي المادة قد استكانت لشرور الخليقة ومفاسدها، وذلت لفوضى السيئة وتمردها، والهفاه، إن البدن يتلوى ويتعذب، واحسرتاه، إن الحياة غير من العدم. إن العناصر لتتقاتل في جوف الدنيا وتتحارب، إنها لتتطاحن في أحشاء الكون وتتضارب، وإن الزمن ليذبل وردة الحياة، ويذبل غلائل الخليقة، متربعاً فوق الأطلال التي ركمها، متهادياً بين الرسوم العافية التي كدسها، واقفاً على رأس الكائنات المتحولة يريد ابتلاعها، مقيماً على مرصد من الأحياء يرتقب التهامها، وهذا أخوه الموت يختطف أصول الإنسانية من حجور الأمهات، ويخنق الجذور البشرية في أحضان الوالدات. لقد استنامت الفضيلة للقحة، وسادت الخسة على الشرف، وطرد الصدق، ونفي الحق، وراحت الحرية هائمة، تعرض قرباناً لآلهة العالم، وأرباب الإنسانية، ومضت القوة الظالمة الجائرة، تسحب الأذيال متملكة، سادلة الثوب متسيطرة، ووقع الثراء لأهل الجرائم، وأصبحت كبائر الإثم حلالاً وشرعاً، وورث الآباء جريرة الأبناء؟ وقص الجيل المخف الذاهب همومه وآلامه للجيل المقبل القادم. أيتها القوة الإلهية، رويدك رويدك. . . حسبك هذه العذابات والمثلات، كفاك هذه الأدعية والابتهالات، هذه الضحايا والفريسات، وأنت أيتها الشمس، الشهيد القديم على شقاء الأرض، هلا ولدت يوماً واحداً، لا يشعل أوجاع الموجعين، ولا يوقدهم المكروبين المحزونين. أي وراث الأحزان، وحملة الأشجان، وفرائس الحياة، لن تبرحوا على الهم غادين ورائحين، حتى يقبل الموت، فاتحاً أبواب معبده، قاذفاً في جوف الأبد الساكن حزن الأبد!.

стр. 1553

شذرات من فلسفة نيتشه ائتلاف الشعور للتوصل إلى معرفة وجدان الجار أو العشير أو بعبارة أخرى لكي تولد في نفوسنا تلك الإحساسات التي تملأ نفسه ترانا غالباً نبحث عن بواعث إحساساته وأسبابها كأن نسائل أنفسنا ما سبب حزنه أو سروره حتى إذا عرفناه أدخلنا على قلوبنا من الترح أو من الفرح مثل ما به غير أنا كثيراً ما نهمل أن نفعل ذلك أعني أن نبحث عن أسباب اغتمام الرجل مثلاً فنعرفها بل كل ما نفعل هو أننا نولد في أنفسنا إحساس جليسنا بتقليدنا حركات جسمه الدالة على هذا الإحساس كحطايتنا لحظ عينيه ونغمة صوته ومشيته ووقفته (أو حكايتنا صور هذه الحركات والهيئات كما يصورها لنا الكلام أو النقش أو الموسيقى) وتقليدنا حركة عضلات الرجل وجهازه العصبي. وبمجرد تقليدنا هذه الحركات يتولد في نفوسنا الشعور الذي في فؤاد جليسنا بمقتضى القانون النفساني - قانون اصطحاب الإحساسات ودلائلها الظاهرة. وبيانه أن لكل إحساس نفسي علامة ظاهرة في الجسم متى نبع الإحساس في النفس قام عليه الدليل في الجسم فإحساس الحزن مثلاً مصحوب بالدلالة الظاهرة - ظلمة الوجه. فإذا حزن القلب أظلم الوجه في الحال وهذا القانون عكسي أعني إذا كان رجل مشرق الوجه من السرور والارتياح فقابل آخر مظلم الوجه من الحزن فإن الرجل الأول لا يتمالك أن تكسو وجهه ظلمة طبقاً لقانون التقليد. وإذا كانت هذه الظلمة الظاهرة والحزن الدخيل هما كما قلنا متلازمين لا يكون أحدهما بدون الآخر فإنه متى غشيت هذه الظلمة الوجه تولد الحزن في القلب اضطراراً لا اختياراً وإن لم يكن هنالك أدنى باعث نفسي على الحزن. وهذا التقليد للحركات الظاهرة قد نمت ملكته في الإنسان فصار فيه من أسرع الملكات وأنشطها فانظر إلى وجه أية امرأة تصادفك وتأمل فيه سرعة حركة الحياة وفرط اضطرابها وانظر ما به من الاهتزازات والتموجات التي هي نتيجة دوام تقليدها وتصويرها لما يحيط بها من الحركات والسكنات. وبعد فإنه ليس كالموسيقى شيء أدل على ما ركب في طبائعنا من القدرة على سرعة إدراك الإحساسات والعواطف والتأثر بها. فالموسيقى وإن لم تكن إلا تقليداً لتقليد العواطف والإحساسات فإنها رغماً عما فيها من الإبهام والبعد من الأصل أسرع الأشياء إلى إشعار

стр. 1554

أفئدتنا ما تعبر عنه من تلك الإحساسات فنستشعرها بغتة حتى ترانا نحزن أشد الحزن مثلاً بلا أدنى باعث هنالك على الأسى. اللهم إلا سماعنا بضعة أصوات وألحان تذكرنا - لا ندري كيف - بحركات المحزونين وهيئاتهم، فلقد وري عن بعض ملوك الدانمارك أنه جلس مرة يسمع لحناً حماسياً فبلغ من شدة تأثره واهتياجه أنه وثب إلى قدميه فانتضى حسامه فذبح خمسة من أتباعه الحاضرين. مع أنه لا حرباً يشهد ولا عدواً يشاهد بل السلم ينشر فوقه أجنحته والأحباب حوله جالسون، وكم أفاضت الموسيقى من سجال العبرات على خدود الملاح في الأعراس، وكم هاجت الحنين وأوقدت نار الذكرى في قلوب الأحبة الناعمين تحت ظلال الوصل الذين قد نظم عقدهم وأليف شملهم سلك الاجتماع بعد الفرقة، وبرد أحشاءهم فرح اللقاء بعد الحرقة. والعلة في وجود هذه الملكة - ملكة تقليد إحساسات الغير في الإنسان - هي أنه لما كان الآدمي أجبن المخلوقات وكان منذ أقدم الأزمان يوئس الخطر في كل ما ليس له بعد ألفة من الخلائق فقد أصبح إذا لقي واحداً من هذه الكائنات شرع يقلد حركات وجهه وجسده ليستدل بذلك على ما عساه يكون إحساس هذا المخلوق الغريب وعاطفته وما يحتمل أن يكون الشر الذي يضمره له. بل إن الإنسان لم يكفه أن يضع ذلك بالحيوان حتى صنعه بالجماد فكان يديم النظر إلى الكائنات الطبيعية يحاول أن يترجم حركاتها وظواهرها ومميزات خواصها ويستدل بهذه على ما تكن وتستر من نواياها ومقاصدها وكان يغريه بذلك اعتقاده الكاذب أنه ليس في الكون شيء جامد بلا روح. ويقيني أن هذا هو أصل ما يسميه المفكرون الآن عشق الإنسان للطبيعة والتداذه بمناظرها والفرح الذي يخامر القلب عند رؤية السماء الزرقاء الصافية. واللجنة المتدفقة الطامية. والصخور الشماء. والحدائق اللقاء. والرياح العواصف. والرعود القواصف، والزوابع. والنجوم اللوامع والشقاء المطير، والصيف النضير. وما إلى ذلك من شتى صور الطبيعة. وأشكالها. ولا ريب عندي أنه لولا ما سبق لنا من عادة الهيبة والخوف وحملها إيانا على الارتياب بالكائنات الطبيعية والظن أنها تضمر من المعاني خلاف ما تظهر وإنها تستر وراءها سراً مجهولاً لما كنا واجدين في رؤية الطبيعة من الجذل والابتهاج ما تجده الآن. كما أنا ما كنا لنرتاح ونطرب ونسر برؤية بني الإنسان والحيوان لولا ما سبق ذلك من ارتيابنا وخوفنا أفراد هاتين القبيلتين

стр. 1555

وجموعهما ولا غرو فالفرح والتعجب والضحك هي صغرى بنات العاطفة التي هي عنوان هذه المقالة أعني عاطفة (ائتلاف الشعور) أما الابنة الكبرى فهذه هي عاطفة (الخوف) وملكة سرعة الإدراك التي هي مبنية على عاطفة (حب التقليد)، (وهذه الثانية هي كما ابنا آنفاً نتيجة الهيبة والارتياب والخوف) - أقول وملكة سرعة الإدراك تضعف في ذوي القوة والجبروت والبطش إذ كانوا أشد جرأة وأقل هيبة. وعلى العكس من ذلك ترى في ذوي الخور والجبن من هم مفعموا الأوعية من ملكة سرعة الإدراك وبراعة التقليد وشدة الذكاء وفيهم موطن الفنون التقليدية ومظنة البديهة وسرعة الخاطر.

стр. 1556

النوم والفضيلة سمع الحكيم زارثوسترا بفيلسوف جليل يجيد الكلام على الفضيلة والنوم ويفسر أسرارهما وإن هذا الفيلسوف يأتيه طلاب العلم من كل فج عميق فيلتفون حوله ويشنف هو آذانهم بلالئ الحكمة، فوفد (زارثوسترا) على هذا الفيلسوف في الوافدين وانتظم في سلك حلقته حتى إذا التف المحفل واحتشد القوم انبرى الفيلسوف يقول: إن للنوم لجلالاً وروعة وإن له لموقعاً عظيماً في صدور من يبصرون آيته، وهيبة وإكباراً في نفوس من يقفون في حضرته. ألا ترى اللص نفسه يرهقه الخشوع إذا صار في جوار النوم؟ ألا تراه يدب بالليل في خفية ويسير في الظلام الهوينا؟ وإن كان الخفير - أخزاه الله وآذاه - لا يرعي للنوم هذه الحرمة فتراه يصيح جوف الليل كالبعير. ليس النوم مطلباً سهلاً وعملاً هيناً ودليل ذلك أنك لا تستطيع استدراجه إلا بإمضائك النهار الطويل مستيقظاً. ولكي تضمن نيل النوم ليلاً يجب عليك أن تغلب شهوتك وتقهر نفسك عشر مرات بالنهار. فإن محاربتك النفس وقهرها يحدث في قواك وهنا مستلذا وتعباً مريحاً وهو بمثابة مخدر للروح ومنوم. ولكي يأتيك النوم عفواً ينبغي لك بعد محاربتك النفس وقهرها أن ترجع إليها مسالماً ملا ينا فتصالحها لأن قهر النفس أليم. وخصيم نفسه خليق أن يبيت خصيم نومه وأيضاً ينبغي لك أن تحصل أثناء النهار عشر حقائق وإلا اضطررت إلى التماس الحقيقة أثناء الليل فحرمت طيب الوسن. وبت بروح جائعة. وكذلك يجب عليك أن تضحك في خلال النهار عشر مرات وتبش وتنشرح وإلا لم تأمن أن تثور عليك بالليل المعدة - أم الشرور والمضار. وقرارة المحن والأكدار. وعلى من طلب النوم المطمئن أن يشعر قلبه الفضائل كافة. فإنه لا نوم لمن حضرت فراشه هاجسات الرذائل والخباثث توسوس له فيطفق يناجي نفسه بمثل هذه الكلمات أأشهد الزور؟ أأقترف السفاح؟ أأغوي فتاة جاري؟؟. أأخون صاحبي؟ هذه الوساوس وأمثالها لا تجرئ مع النوم في طريق واحد. ولا يكفيك استحضارك الفضائل حتى ثنيم هذه الفضائل في الوقت المناسب فإنك أن أبقيتها ياقظة ناقشتك الحساب وخاصمتك وحاجتك وما هذا مما يجلب النوم.

стр. 1557

ومن مطالب النوم أيضاً طاعتك العمياء للحكومة وتحبيذها وتقديسها سواء أكانت قويمة أم عوجاء، صحيحة أم عرجاء، وماذا يجدي سهرك وطول تفكيرك إذا آثرت السلطة أن تسعى على رجلين عوجاوين، وقدمين عرجاوين؟. وعندي أن الذي يسوق النوم إلى المرعي الأخضر الخصيب هو أكيس الرعاة وأحزمهم، على أن هذا من مستلزمات النوم. لست أطلب الثراء الطائل ولا المجد المؤثل فإنهما من مهجيات الخاطر، غير أني أكره أن أعير جنبي الفراش وأنا بعد مجرد من طيب السمعة صفر من المال. لا أحب خلو الدار من الضيوف، وللقليل من هؤلاء أحب إلى من كثرتهم، واشتراطي - بعد - أن يكون قدومهم وذهابهم في الأوان الموافق وإلا نغصوا على نومي. هذا وضعاف الأحلام من هؤلاء الجلساء أشهى إلى من أولى الألباب ووقدة الذكاء إذ كانوا أجلب للنوم، بارك الله فيهم إنهم المسكنون لثائرة الذهن المنيمون هياج الأعصاب ولا سيما حين يتلقي أحدنا كلامهم بالموافقة، ويستقبل قولهم بالمطابقة. ط كذلك يمر نهار الأخيار، ويختم يوم الأبرار، فإذا جن الليل تراني أحاذر أن أدعو النوم، لأن من خصال النوم أنه لا يحب أن يدعى. ولكني أعرض على ضمير سجل يومي وأجيل نظري في صحيفة نهاري لا نظر ما أخذت وأعطيت وما صنعت وتركت، وما نفذت وفكرت. ثم أسرد تلك الأعمال والأفكار على مقلة النقد والتبصر كما تجتر البهيمة ما استودعته أمعاءها من الغذاء أثناء رعيها فأسائل نفسي: ماذا كانت عشر غزواتك لنفسك؟ وماذا كانت عشر مسالماتك لها؟ وماذا كانت العشر الحقائق التي استنبطت؟ وماذا كانت العشر الضحكات التي سليت بها نفسك. فبينما أنا وسط هذه الخواطر الأربعين تديرني وتقلبني إذا بالنوم يدهمني بغتة غير مدعو ولا منتظر. ثم ماذا يصنع؟ ينقر على جفني خفيفاً فيثقل جفني ثم يلمس فمي فأبقي فاغراً فمي. أجل يمشي النوم إلى الضراء. ويسري إلى في خفاء. يدب إلى هذا اللص المعشوق والسارق المحبوب فينهب أفكاري ويستلب لبي. فإذا أنا مفقود الحركة أشد تبلداً من الجماد. (انتهى كلام الفيلسوف).

стр. 1558

فلما وعي زار ثوسترا مقالة الحكيم ضحك خفية فكنت تراه يسرق الضحك من شدة الحياء في جيبه وقال في نفسه: إني لأضحك من هذا الفيلسوف الأبلة إذ أتخيله محفوفاً بأفكاره الأربعين ولكني أحسده على نعمة النوم العميق وأشهد له بالسبق في هذا المضمار وإحراز تلك الغاية - أعني النوم المطمئن الهني. فطوبى لمن رزقه الحظ جوار هذا الحكيم وبشره بطول الرقاد. وقلة قلق الوساد. لأنه ليس فيما أعلم شيء هو أعدي من النوم حتى ولو حال دون العدوى جدار من اسمك الجدران. بل إني لأحسب في أعواد منبره الذي منه يخطب طلابه لسحراً منيما - أعني بياناً يفيض في أذهانهم ينبهها كيما يكون تيقظها هذا أدعي إلى النوم العميق ليلاً. ولعمري إذا كانت الحياة كما يزعمون خلواً من الحكمة فلم أجد بداً من استماع الهذيان إذن فهذيان هذا الرجل أحب إلى وأشهى إلى أذني من كل لغو غيره والسلام.

стр. 1559

ترجمة سعد زغلول باشا الرجل البرلماني الكبير ـ ٤ ـ كلمة في الوزارة - أهمية انتقال المترجم به إلى وزارة المعارف - الأسباب التي دعت إلى ذلك - الحالة التي كانت عليها المعارف قبل تعيينه. ننقل الآن من ترجمة القاضي إلى حياة الوزير، ونترك منصة القضاء إلى مسند الوزارة، وليس في أعمال الجمعية البشرية عمل هو أخط من عملها، وليس بعد الصحافة كما يقول اللورد روز بري من وظيفة هي أشق ولا أكبر مكاناً منها، وما كان في أبهة هذا المنصب وعظمته وضخم أعطيته ما يغني عن متاعبه ومشاقه وأخطاره، وأنت لا ترى الوزارة تجعل من الرجل عظيماً، ولا تخلق منه نابغة، بل هي تحبوه ليس غير بالعطاء الكبير واللقب العظيم والمركب السني، وهو الذي يعلو بالوزارة ويهبط وينحرف بدقتها ويستقيم إذ كانت الوزارات مقاييس حرارة لرجالها، وموازين دقيقة لكفاءات أربابها، هي التي تربك مقدار الجزء الإنساني من الوزير، ونشعرك بمبلغ الشعور الأهلي في الحكومي، وتفهمك مقدار علمه بالنفسية الأمية، والوجدانات القومية، إذ كان حقاً على الوزير أن يكون عليماً بسيكولوجية الشعب وشعوره، ومطالبه، ومراميه، وطبائعه ومزاجه، وهل كان جراي ودلكاسيه وأشباههما إلا من أكبر علماء النفس، وأعظم الملمين بروح الاجتماع وأسراره، ذلك لأن الوجدانات الأهلية أشبه بالوجدانات الطفولية، سريعة التحول، متناقضة المبادئ ضعيفة الاستنتاج، قابلة للتأثير خوارة أمام الشخصية الحكومية الكبيرة، ولذلك كان من الوزير الكبير أن يحتال لعوارضها ويتحصن من تقلباتها، ويعمل على مصانعتها وإظهار شخصيته عليها، ولذلك كانت الوزارات قصيرة الأعمار سريعة السقوط، مستمرة التجديد، إذ على قدر معرفة الوزارة بنفسية شعبها والعمل على مطاوعة هذه النفسية وموافاتها يكون عمر الوزارة من القصر أو الطول ومكانها من الاحترام في التاريخ. وبعد فقد كان انتقال صاحب الترجمة من محكمة الاستئناف إلى وزارة المعارف من أكبر العوامل في حياته فقد أخذت شخصيته القوية من ساحة القضاء لتعرض في ساحة الأمة، ولم تعد تلك الفضائل الإنسانية العظيمة التي تنطوي عليها روحه تبدو فقط للمجرمين

стр. 1560

والمتهمين وأرباب الظلامات، وذوي الحقوق المضيعة والشكايات، بل هنا جعلت تتجلى للجميع، وهنا بدأت حرارتها تزداد، ونطاقها يتسع، وأثرها يعظم ويطول، لأنها تريد أن تشمل كل فرد في الأمة وتعم المجتمع المصري بجملته، ولقد كانت وثبته من مرتبة القاضي إلى كرسي الوزير دليلاً بينا على علو شأنه، ورفعة روحه، لأن الامتياز باستقلال الرأي واحترام الذات والبعد عن الزلفى والملق لأصحاب السلطات، كان كفيلاً بأن يأخذ بيده إلى منصب سام لم يكن يومذاك يفكر فيه أو يطلبه، بل أعجب ما في ذلك أن المترجم به حتى يوم تعيينه في الوزارة كان أبعد الناس عن فكرة مفارقة وظيفته التي ألفها واطمأنت نفسه إليها وحبس آماله وكفاءاته عليها، وأنه لما ذكر نباً تعيينه حبسية مزاح مازح ودعاية مداعب، ذلك لأنه كان قليل الاختلاط بالقابضين على أزمة الأمور، في معزل عن أولى السلطة والنفوذ. مخلد إلى وظيفته يخلص إليها ويتوفر على إظهار نبوغه فيها، وليست هذه الحادثة إلا أمثولة طيبة، جديرة بالعظة، خليفة بالاعتبار، هي مقياس لنتائج الخلق الكريم، والذهنية العظيمة، والروح العالية، فقد كانت سنة الرقي من وظيفته التي كان بها أن يدرج منها إلى وكيل للمحكمة فرئيس خلقاء برتبهم وألقابهم ومناصبهم بأن يظفروا بالمنصب دونه، ولكن المزايا الذهنية والروحانية التي نبغت في سعد زغلول بك كانت بحيث تحتاج إليها الوزارة أكثر من المحكمة، وكانت باعثة على هذه الطفرة السريعة، وسترون مما سننشره من أعمال المترجم به في وزارة المعارف أن ذلك الانقلاب في سنة الرقي الحكومي، جاء بالخير العظيم للأمة والإصلاح العلمي الكبير، وكثيراً ما يكون الانقلاب السريع خيراً وأفعل أثراً من التطور الهادئ البطئ. وقد كان دخول سعد زغلول بك الوزارة عنصراً حيوياً جديداً في الحكومة إذ كانت الوزارة الفهمية قد ظلت إحدى عشرة سنة وأشهراً وهيئتها على حالها، لا تغيير ولا تعديل، وكانت وزارة المعارف تحت المرحوم حسين فخري باشا يشرف عليها وهو في وزارة الأشغال، كعمل هين إضافي، فكانت وزارة المعارف بحاجة إلى قائد يبث فيها روحاً حارة، وذهناً كبيراً نشيطاً، ويسير بها في طريق الإصلاح السديد، فلم تجد الحكومة لها أكفأ من المترجم به فعينته.

стр. 1561

هل كان مجنوناً تقدم إلى القراء في هذا العدد رواية بسيكولوجية، غريبة الموضوع، مدهشة الوقائع، مخيفة المغزى، بلغ من أهميتها وغرابة حوادثها، إن عقد مجمع الأخصائيين في الأمراض العقلية بمدينة سان بطرسبرج مجلساً خصيصاً بها، وأخذوا يتباحثون في أمرها، ويحللون دقائقها تحليلاً طبياً نفسياً لكي يخرجوا منها بنتيجة كبرى في علم النفس وفن الطب، وقد كانت مثاراً لتضارب آراء المفكرين والباحثين، وانقسام الأطباء والسيكولوجيين، واشتهرت في الغرب وعظم شأنها، هذا وواضعها ليونيداس أندريف كاتب من أبدع كتاب الروس، وروائي من خيرة روائيهم، وناهيك بما للأدب الروسي الآن من السلطان الفكري في أوروبا، بل لقد بذ الآداب الفرنسية والإنكليزية والألمانية والطليانية، وسما عليها جميعاً في الروائيات والنفسيات، حسبه أنه أخرج للعالم تولستوي، ومكسيم غوركي، وتورجنيف، ودستوفسكي وأندريف، وجوجل، وبوشكن، وكوربوتكين، مهذبي الفكر الحديث، وهادمي الآداب البالية العتيقة. وقد بدأ هذا الروائي الكبير حياته فقيراً جائعاً مشرداً، ولم يصب أول أمره النجح في حرفته، ولا وجد ما يسد إرماقه بقلمه، حتى بلغ به يأسه من بهجة الحياة وفرحتها إن أجمع أمره على الانتحار، قال عن نفسه أطلقت على رأسي رصاصة من المسدس، ولكنني لم أنجح حتى في قتل نفسي، لقد عرفت الخصاصة في أخبث حدودها، وبلوت الفقر في أقسى غاياته، كنت أجوع أكثر أيامي، كنت لا أجد ما أمسك به ظمأ حياتي اليوم واليومين. ومضى على سوء حاله أينما طوالاً، حتى كتب هذه الرواية التي نقدمها للقارئ اليوم، فكأنما لم نخرج من قلمه، بل من قلم الأقدار، ومداد الوحي، فكانت آخر عهده بالجوع، وأول عهده بالشبع، وارتفعت به الرواية إلى أوج الشهرة وذروة المجد، وأخذت المجلات والصحف تتناقل روايته، وتنوه بعبقريته، وعدت من أرقى ما خرج من الروايات في العصر الحديث. في اليوم الحادي عشر من شهر ديسمبر سنة ١٩٠٠، ارتكب الدكتور أنتوني كرجنتزف أحد الأطباء جريمة القتل، وبدا من الظروف التي وقعت فيها الجريمة والحوادث التي سبقتها، ما يشير إلى اضطراب في ذهنية القاتل، فسيق الطبيب إلى مستشفى الأمراض النفسية لفحصه، وهناك عرض على أمهر الأطباء والأخصائيين ولكن ما كاد الشهر يتولى بعد دخوله المستشفى حتى قدم الدكتور كرجنتزف إلى أطبائه مذكرة له بسط فيها ما وقع

стр. 1562

من أمره، وها نحن ننشر للناس بعض شذرات من الرسالة وقد وجه الخطاب فيها إلى أطباء المستشفى. ـ ١ ـ حتى هذه الساعة، وأنا أكتم عنكم يا سادتي الحق وأخفيه، ولكني أشعر الآن بقوة تدفعني على إظهاره، وستفهمون من معرفته أن حادثتي ليست من السهولة كما يبدو للنظر السطحي المتسرع البسيط، ليست حادثتي من تلك الجرائم العادية التي تقود إلى السلاسل والأغلال، وتسوق الجاني إلى الاشتمال في أكسية المجرم، وسترة القاتل، بل أن في جريمتي عنصراً رهيباً، بل أرهب مما تظنون، عنصراً غريباً موحشاً، ستنتفعون منه وتستفيدون. إن الرجل الذي قتلته، اليكسين سافيلوف، كان رفيقي في المدرسة، ثم قريتي في الجامعة، وإن كانت وجهة درسي غير وجهته، وأنتم تعلمون أنني طبيب، وكان هو محامياً، ومحال أن يقال عني أنني كنت أبغضه، كنت أجده أبداً رقيق القلب، وثاب الشعور، فوار الإحساس، ولم أصادق دهري أحداً آخر من صداقتي له، ولكن لم يكن اليكسين، على الرغم من رقته ووجدانيته ذا شخصية كبيرة تلهمني الاحترام له، وتوحي إلى عاطفة التبجيل، وإن حلاوة طبيعته وتواضعه المدهش الغريب، وإن تقلبه في آرائه وعواطفه ومشاعره، أن تطرفه الشديد في أفكاره المتحولة المتغيرة، كل هذه كانت تضطرني إلى أن أعتبره طفلاً، بل أعده امرأة، وكان أصحابه وأهل وده أبداً هدفاً لثورة هذا الإحساس، وبركان هذا المزاج، ولكن ما أبعد الطبائع البشرية عن المنطق! إذ كانوا في الوقت نفسه يحبونه أعظم الحب، وكانوا يجتهدون أن يجدوا شفيعاً لهناته وهفواته، واقتفيت في ذلك أثرهم، فشاركتهم في الرأي، وجعلت أغضي لا لكين عن هفواته الصغيرة، نعم أقول الصغيرة وأصر على القول، لأن الكين كان عاجزاً عن أي شيء كبير، حتى في الهفوات، وإذا أردتم أيها السادة دليلاً على ما أقول فليس علي إلا أن أعد عليكم آثاره الأدبية. كلها سخيف حقير. وإن اثنى بعض النقدة الحمقى خيراً عليها. نعم هي لا شيئيات جميلة كما أن مؤلفها لا شيئية حسناً. كان الكسيز يوم مقتله في الواحدة والثلاثين. كان أصغر مني بربيع ونصف، وكان الكسيز متزوجاً، وإذا كنتم أيها السادة قد رأيتم زوجته وهي محزونة أرمل. فما أنتم بقادرين على أن تعلموا كيف كانت قبل المقتل، إنها فقدت كثيراً، هذه وجنتها قد ذبلت، وهذا خدها الأثيل

стр. 1563

قد أظلم، هذه بشرتها الناعمة قد ظهر فيها التخدد والغضون، كانت تحب زوجها أعز الحب، هذه عينها لا تشرق ولا تلمع كما كانت بالأمس، ولم تعد تضحك وكانت أبداً مومضة ضاحكة، وقد رأيتها عرضاً في فناء دار الشرطة، فكدت أصعق للتغير الذي طرأ عليها، إنها لم تستطع أن ترمقني بلحظة ساخطة متوحشة مفترسة، واهاً للمسكينة!. كان هناك ثلاثة فقط، الكسيز وتاتيانا وأنا، هم الذين يعلمون وحدهم إنني منذ خمسة أعوام قبل زواج الكسيز بعامين كنت سألت تاتيانا يدها فرفضت الطلب وأعرضت. ولكن من الحماقة أن أقول لم يكن هناك إلا ثلاثة فقط، لا ريب أن لتاتيانا حلقة من الأصحاب والأحباب. والصواحب والحبائب. وكلهم قد علم - ولا شك - بأن الدكتور كرجنتزف طلب يوماً إليها الزواج. فكان نصيبه حرارة الرفض. إني لأتساءل أتراها تتذكر أنها ضحكت في ذلك اليوم، نعم إنها كم ضحكت في الدهر مراراً وكم ابتسمت، ولكن ذكروها أيها السادة بأنها في الخامس من شهر سبتمبر ضحكت فإذا أنكرت وهي لاشك منكرة، فذكرها أنها حقاً ضحكت، وأنا الرجل القوي العتيد، الذي لم يسكب عبرة واحدة، ولا ذرف يوماً دمعة منحدرة، ولم يعرف الرعب ولا الخوف، وقفت يومذاك أمامها مرتجفاً مرتعداً، رأيتني مرتجفاً ورأيتها تعض شفتها، ففتحت لها ذراعي لأضمها، فرفعت عينيها، ورأيت تينكم العينين تضحك، هنا تراخت ذراعاي، وراحت هي تضحك، وضحكت كثيراً، كما شاءت ولكنها عادت بعد ضحكاتها فاعتذرت. قالت، وعيناها لا تزالان تضحكان (أتوسل إليك أن تصفح) فابتسمت أنا كذلك، ولو استطعت الآن أأصفح عن ضحكها، فما أنا بمستطيع أن أصفح لنفي عن تلك الابتسامة!. حدث ذلك في الخامس من سبتمبر، الساعة السادسة من المساء على حساب سان بطرسبرج. أقول على حساب سان بطرسبرج لأننا كنا في تلك الساعة على أفريز المحطة، وها أنا لا أزال الآن أنظر إلى ساعة المحطة وأتبين موقع عقربيها، أحدهما في رأس الساعة والآخر في أسفلها، وفوق ذلك فإن الكسيز قتل في الساعة السادسة تماماً، وهذا لعمري اتفاق غريب، اتفاق ذو معان كبيرة عند الرجل اليقظ البصير. قلتم يا سادتي إن أحد الأسباب التي صاقتني إلى هذا المستشفى هو أنكم لم تجدوا أي باعث على ارتكاب الجريمة، فهل تجدون اليوم باعثاً، قد تقولون الغيرة، ولكنكم على ضلالكم

стр. 1564

القديم، إن الغيرة من شأن الطبيعة الحادة، والمزاج المستعر الناري، وليست من شأن رجل هادئ المزاج رصين العقل بارد الروح كشأني، إذن فهل يكون الانتقام؟ نعم هذا أقرب إلى الحق وإن كانت إلا كلمة قديمة لإحساس جديد وشعور غريب مجهول. هنا لابد لي من أن أقول أن تاتيانا خيبت ظني مرة أخرى، كنت أعتقد أنها بزواجها الكسيز وأنابه خبير لن تجد الهناء يوماً واحداً، وأنها ستندم على رفضها مطلبي ولهذا السبب اجتهدت في تعجيل زواجهما. وكان الكسيز قد راح بها صبا. قال لي قبل فاجعة مقتله بشهر (إنني مدين لك بهذه السعادة) ثم التفت إلى زوجته يسألها (أوليس كذلك يا زوجتي؟). فنظرت إلي ثم تمتمت (نعم) وضحكت عيناها فضحكت، وضحكنا جميعاً والكسيز يضمها إلى صدره، وكانا لا يستحييان من شيء أمامي. قال الكسيز (نعم، إنك يا صديقي قد خسرت الصيد). هذه النكتة الباردة المؤلمة الثقيلة هي التي قصرت من حياته أسبوعاً كاملاً، لأنني كنت قد أجمعت أول الأمر أن لا أقتله حتى اليوم الثامن عشر من ديسمبر. أجل، كانت الحياة قد طابت للزوجين، ولاسيما تاتيانا فقد كانت سعيدة السعادة كلها وأما الكسيز فلم يكن حبه لها في أعشار قلبه، لأنه يعجز عن أي حب عميق، وكان الأدب ملهاته يؤثره على مناعم البيت ومباهج الزواج، ولكن هي! هي لم تكن تحب إلا هو، وكانت لا تحيا إلا له هو، وكان أبداً متوعك الصحة، ينتابه الصداع، وينهكه الأرق، وكانت تاتيانا ترى في تمريضه والعناية برغباته أعظم السعادة، وأكبر النعمة، والمرأة يوم تحب، تفقد كل شخصيتها. كذلك كنت أرى كل يوم وجهها المبتسم ومحياها الباهر المشرق الناعم فكنت أقول لنفسي وأتساءل (أنا سبب كل هذا، أردت أن أرسفها في غل زوج مغفل لكي ترى بنفسها مبلغ خسارتها يوم رفضتني فإذا بي أراني قد جئت إليها بالرجل الذي أحبت!) وأنتم يا سادة ترون غرابة موقفي، كانت أخصب ذهناً من زوجها كانت تحب حديثي وتطارحنيه، فإذا انتهينا من الحديث تركتني في رفق مبتهجة إلى ذراعي زوجها!. ولا أستطيع أن أتذكر متى كان أول تفكيري في قتل الكسيز، وكل ما أعلم أنني ألفت هذه

стр. 1565

الفكرة حتى لكانها ولدت معي وأعرف أنني كنت أريد أن أنزل بتاتيانا العذاب والألم، أعرف إنني فكرت في وسائل أخرى لإنجاز غرضي، وسائل أقل خطراً على الكسيز، وويلاً، لأنني كنت دهري عدواً للقسوة كارهاً لها، وكنت أعرف ما هو القتل، واعلم أنه جريمة يشتد القانون في العقاب عليها، ولكن أليست كل أعمالنا جرائم مختلفة الضروب والأنواع. كنت لا أشعر بخوف من نفسي، وهذا كل شيء عند المجرم، أن أخوف ما يخافه القاتل والمجرم ليست الشرطة ولا القاضي ولا العقاب، وإنما نفسه التي يخاف، هي أعصابه وإراداته وضميره، وجعلت أفكر في هذا الموضوع وأروئ فيه البصر، جعلت أدرسه وأعيه وأفحصه، ولا أقول إنني وثقت الوثوق المطلق من هدوء أعصابي وثبات إرادتي، فإن وثوقاً كهذا لا يصدر إلا عن رجل مفكر عاقل يعتد بكل الاحتمالات والممكنات، ولكني بعد أن وزنت إرادتي، وصلابة أعصابي واحتقاري التام للقيمة الأدبية، شعرت أنني أستطيع أن أعتمد كثيراً على نجاح خطتي. والآن وقد تحققت خطتي عساكم تسألون ترى أيحزني الآن ضميري، وهل أشعر بندم أو أسف؟ وأجيبكم. كلا، ولا ذرة من ندم. أشعر بألم، نعم، بألم شديد هائل، ما أظن أحداً غيري في العالم عاناه، إن شعر رأسي الأسود يستحيل الآن إلى البياض، ولكن هذا شيء آخر، نعم شيء آخر. شيء مخيف مفزع خارق غريب، لا يمكن أن يصدق مع بساطته الفظيعة الهائلة. ـ ٢ ـ وكذلك أجمعت على أن أقتل الكسيز، ولكني أردت أن تعلم تاتيانا أنني أنا الذي قتلت زوجها، ولكنني كنت أريد مع ذلك أن أتجنب عقوبة القانون، وإن كان عقابي لن يغني تاتيانا عن نكبتها شيئاً، لأنني كنت كأكثر الناس أكره السجن وأحب الحياة، أحب أن أرى الخمرة مشرقة في الكأس، وأن أمد ذراعي وساقي على فراش ممهد وثير، وأحب أن أملأ سحري بنسمات الربيع، وأشهد الشموس الزاهية في مطالعها ومغاربها، وأقرأ الكتب، وأنعم بالمطالعة، أحب نفسي، قوة عضلاتي، وصفاء ذهني، ورجاحة لبي. ولم أفهم يوماً ما يريد الناس بقولهم (متاعب الحياة).

стр. 1566

ومع ذلك كان من الهين على أن أنجو بنفسي من العقاب إذ هناك ألف وسيلة يستطيع بها الإنسان أن يقتل في خفية إنساناً آخر، ولاسيما إذا كان مثلي طبيباً، ومن بين الخطط التي فكرت فيها ثم أعرضت عنها، خطة واحدة تدبرتها طويلاً وفحصتها، ذلك أني فكرت في أن أدبر له مرضاً عضالاً قاتلاً، ولكن الصعوبات التي تعتور هذه الخطة مما يتبين لكن أيها السادة، على حين أن ألن الضحية المستطيل المستمر سيكون خشناً فظاً قاسياً، وفوق ذلك فإن تاتيانا ستتنعم بشيء من السعادة حتى في مرض زوجها وأصعب ما في خطتي أنني كنت أريد أن تعلم أية يد أوقعت برجلها، وما كان مثلي لتخفيفه العوائق، إذ العوائق لا تخيف إلا الجبناء. وسنحت لي الفرصة والفرصة حليفة العقلاء، وهنا استرعى أبصاركم أيها السادة، إلى نقطة هامة، أقول لكم إنها الفرصة وحدها لا إرادتي التي خدمتني، هي وحدها التي كانت أساساً للجريمة، وهي التي خلقت الحوادث التي جرت بعد ذلك. أقول لكم يا سادتي إني قرأت في إحدى الصحف، ولعل نسخة الصحيفة لا تزال في بيتي، إذا لم تكن قد وقعت في أيدي القضاء، إن رجلاً ادعى أنه أصيب بنوبة عصبية جنونية، فقد في خلالها المال الذي أؤتمن عليه، وكان في الحقيقة قد اختلسه، على أن الرجل كان هيابة جباناً، فاعترف بذنبه، وبلغ به جبنه أن دل القضاة على المخبأ الذي وضع فيه ما سرق، ولكن الفكرة نفسها لم تكن سيئة ولا صعبة الإنجاز (نعم) إن التظاهر بالجنون، وقتل الكسيز في نوبة جنونية ثم الرجوع إلى الرشد، هذه هي الخطة التي وثبت إلى رأسي. عندما كنت أقرأ قصة ذلك الرجل. وكنت كالداني الأطباء أعرف شيئاً من علم النفس وجعلت أصرف أكثر وقتي في قراءة أسفار هذا العلم والمؤلفات الموضوعة في دقائقه. حتى تبينت أن الخطة لابد موفقة ناجحة. وأول شيء يجب أن يسترعي أذهان علماء السيكولوجيا هو تأثير الوراثة. ولشد ما كان ابتهاجي إذ وجدت التأثير الوراثي موافقاً لغرضي، كان أبي مدمناً تعلى الشراب ملحاً على الكحول. وقضى أحد عمومتي في مستشفى المجانين، وتوفيت أختي الوحيدة. وكانت عرضة للتشنج العصبي. وبدالي أن من الهين على أن ألعب دور المجانين، فعمدت إلى قراءة ما يدور حول طبائع

стр. 1567

المجانين في الكتب، وأضفت من عندي بعض الاختراعات الجنونبية، كما يكون من الممثل الصنع الحاذق الأريب. وخطر لي، وأنا أقوم بمبادئ خطتي خاطر غريب. لا أظنه يقع يوماً لمجنون، ذلك ني فكرت في الخطر المفزع المخيف الذي تجره تجاريبي المجنونة الممرورة. وأنت يا سادتي تفهمون ما أريد، إن الجنون ليس إلا ناراً محرقة تلهب من يلعب بها، بل لو كنتم في كهف مظلم مملوء بالبارود، فأرسلتم النار في جوانبه، لكان آمن عليكم وأقل خطراً من أن ينساب إلى عقل أحدكم أقل خوف من الجنون. كنت أعرف ذلك، وكنت أحسه، ولكن أي خطر يستطيع أن يرد الرجل الشهم الجريء. ـ ٣ ـ ولعلكم الآن تفهمون مبلغ تلك النوبة الجنونية المخيفة التي اعترتني في وليمة آل كارجوانوف. كانت هذه النوبة أول تجاريبي، وقد نجحت أكثر مما كنت أتوقع، أقول لكم يا سادة إن المدعوين جميعاً رأوا عوارض تلك النوبة قبل أن تبتدئ، وبدا لهم أنها حادثة عادية قد تقع يوماً للأصحاء الأقوياء، فلم يظهر على أحد منهم أدنى أمارات الدهشة أو الاستغراب. ألم ينبؤكم أنني كنت ساعتذاك شاحب اللون، مخيفاً مرعباً، وإن جبيني كان غارقاً في لجة من العرق البارد، ألم ينته إليكم أن شعلة الجنون كانت تطل من عيني ولما أنبؤوني بعد ذلك بكل ما رأوا مني في المأدبة اتخذت هيئة محزنة مظلمة متعبة، ولكنني كنت في أعماق ضميري مزهواً بنجاحي فرحاً مغتبطاً. ولم تكن تاتيانيا ولا زوجها حاضري المأدبة، ولا أعرف يا سادتي إذا كنتم لاحظتم هذه النقطة، نعم، لم يكن تغيبهما عن الوليمة فرصة من الفرص، ولكني اخترت أن أقوم بالنوبة في غيابهما، كنت أشفق من إرعاب تاتيانا، بل مما هو شر من ذلك، من إثارة شكوكها، وذلك لأنه إذا كان في العالم إنسان واحد يستطيع أن يكتشف أمري، فذلكم الإنسان لا يكون ولا ريب إلا هي، هي وحدها. واخترت ساعة العشاء لنوبتي، إذ يكون المدعوون منتدين جلوساً في المقاعد. وإذ تكون الخمر قد اهتاجت أعصابهم. ولعبت الشمول بالرؤوس. وأخذت مجلسي عند طرف المائدة

стр. 1568

بعيداً عن الشموع الموقدة. لأنني لم أكن أريد أن أثير حريقاً في الدار أو ألهب أنفي وأطرافي. وسألت أحد المدعوين وهو بافل بتروفتش أن يكون جنيبي. لأني كنت منذ زمن بعيد أميل إلى مغاضبة هذا المخلوق المرذول المبطان البدين. وهو إذا أكل اشتد ثقل روح وازداد برودة دم. ولقد حسبت يوم رأيت هذا الثقيل يأكل إن الأكل لابد من أن يكون رذيلة الرذائل ومشت خطتي في هينة ورفق، وكان كل شيء في صالحي، حتى لم يستطع أحد منهم أن يلحظ أن الصفحة التي حطمتها بقبضة يدي كانت مغطاة بالمنشفة، لكي أتجنب تجريح يدي. وكانت الرواية المضحكة التي قمت بتمثيلها حمقاء طائشة، ولكن ذلك ما كنت أبتغي وأريد، ذلك لأنني لو عمدت إلى حركة أهدأ وأعقل وأتقن لراحت عند القوم غامضة مبهمة، بدأت ألوح بذراعي في الهواء وأصيح في وجه بتروفتش أرعن مغيظاً، وجعل هو في دهشة وذهول يحملق إلي ببصره، ويدير عينيه في مبهوتاً، وإذ ذاك عدت إلى هدوء هامد مظلم حزين. قالت أيرين بافيلوفونا في ابتسامة صغيرة، ماذا بك يا أنتوني، وعلام هذا الانقباض؟. حتى إذا شخصت الأبصار جميعاً إلى، تضاحكت ضحكة محزنة مريضة قالوا أجمعين ما بالك، ألست في صحتك؟. قلتأحس بدوار، إن رأسي يضطرب، ولكن أرجوكم يا سادة أن لا تنزعجوا فإنها عمل قليل تمر. وعادت ربة الدار إلى طمأنيتها، ولكن بتروفتش جعل يلحظني بعين متهمة غير مصدقة وما كادت تمضي لحظة أخرى، حتى رأيته يرفع كأسه إلى شفتيه فوثبت إليه فحطمت الكأس قريباً من أنفه، وألقيت بقوة وعنف قبضتي على الصفحة التي أمامي فطارت شظاياها في كل مكان، أما بتروفيتش فجعل يتسخط ويلعن ويشتم وهو يدور حولي، وولولت السيدات وارتفع الصريخ، وضج الصياح، وصرفت بأسناني ثم جررت غطاء المائدة وما فوقها، صدقوني يا سادة، لقد كانت رواية طائشة مضحكة. أجل، لقد كانت دعابة جميلة، وإذا بهم جميعاً قد التفوا حولي وتزاحموا، فأمسكوا بذراعي،

стр. 1569

ومنهم من جاءني بالماء يمسح به وجهي، ثم أجلسوني في مقعد كبير، وأنا أزأر زئير النمر قد احتبس وأنا أدور بعيني في الجميع بنظرات مفترسة متوحشة، وكان كل شيء مضحكاً، وكان الجمع الملتف حولي أحمق مغفلاً، حتى هممت بأن أنتهز فرصتي فانهال عليهم بالضرب وألطمهم فوق أنوفهم ولكنني تجلدت فأمسكت عن ذلك وسكت. وبدأت أتوب نمت إلى رشدي،، ومضيت أرسل أنفاساً عميقة صاعدة متراجعة وأخلق عوارض إغماء متعددة. وأصرف بأسناني، وأعض على شفتي، وأفقت أخيراً وأنا أسأل أسئلة كهذه أين أنا؟ وماذا حدث؟. ووقع هذا السؤال البارد موقعه المعتاد، فتكلف ثلاثة من أولئك الحمقى الرد عليه، فقالوا إنك عند آل كارجوانوف ثم في صوت رفيق مداعب أتعرف يا دكتور من هي إيرين كارجوانوف؟. حقاً إنهم لا يصلحون لحضور روايتي المضحكة الحسناء. . . ووقعت النوبة الثانية بعد شهر من الأولى، وكانت هذه أقل حذقاً واتقاناً من تلك، ولم أكن أريد أن أحدث ضجة أخرى كالضجة التي أحدثت، ولكنني لما رأيت الظروف موافقة صالحة وجدت من الحماقة أن لا انتفع بها، وأنا لا زال يا سادة أذكر كل ما حدث، كنت مرة أخرى في حفل عند صديق لي، وكنا جلوساً في حجرة الاستقبال، آخذين في حديث طويل، وإذا بي قد شعرت بإحساس عميق حزين، ورأيت بكل وضوح وبيان موقفي، وجدتني غريباً بين القوم غير معروف، رأيتني وحيداً في هذا العالم، سجيناً آخر الدهر في محبس التظاهر بالجنون، وتولاني بعد ذلك أحساس آخر، هو احتقار كل من حولي والكراهية لهم، وهنا تميزت يا سادة من الغيظ، وعلا حنقي وتوحشي وشرعت أضرب بقبضتي الفضاء، وأصيح صيحات نكراء وأشتم شتائم شنيعة، وأقول كلمات عور مذمومة، وما كان أبهجني إذ رأيت وجوه الجمع تصفر من خوف ورعب!. وانطلقت أصيح في القوم أيها الأوغاد، أيها السفلة الأنذال، أيتها المخلوقات القذرة المنتنة، أيها الأرواح الحقيرة الملطخة، إني ألعنكم، إني أبغضكم وجعلت في توحشي هذا وجدي أتلاكم أول الأمر مع خدم الدار وأتضارب، ثم هرع إلى سائقو مركبات الحضور فانطلقت فيهم ضرباً وصراعاً ولكماً ورفساً. والآن أعترف أمامكم في سذاجة وبساطة. إنني كنت

стр. 1570

أشعر بالسرور والابتهاج من ضربهم وشتمهم في وجوههم، وإذن هل من يعترف بالحق يكون مجنوناً، إنني أؤكد لكم، أيها السادة، إنني كنت أعي كل شيء، كنت أحس تحت يدي بأجسام حية تتألم من لكماتي وضربي. وفي تلك الليلة بعينها، إذ ضمتني جدران مخدعي، رجعت أضحك من نفسي وأقول يا لي من ممثل بارع، وأويت بعد ذلك إلى الفراش، وقرأت في تلك الليلة وأنا مضطجع كتاباً بل إني أستطيع أن أقول لكم يا سادة عن اسم المؤلف. . هوحي ده موباسان، إذ كنت أبداً من المعجبين به، وبعد أن أتممت الرواية تولاني النعاس فنمت ليلتي نوماً هانئاً عميقاً كالأطفال، وأنا أسألكم الآن يا سادة، هل يقرأ المجانين كتباً، هل يجدون في قراءتها لذة ويحسون سروراً، وهل ينامون بعد القراءة نوماً طفولياً عميقاً؟. إن المجانين لا يذوقون طعم النوم، إنهم يتألمون، إن اضطرابهم كله في أذهانهم هم يريدون أبداً أن يصرخوا ويمزقوا ويعضوا، هم يحبون أن يزحفوا على أيديهم وأرجلهم، زحفاً رفيقاً، هادئاً ثم يهبوا وقوفاً صارخين ضاحكين ها. . ها. . . نعم، نعم، ولكنني نمت كالأطفال، وهل ينام المجانين نوم الأطفال؟. ـ ٤ ـ وبدأ الناس بعد النوبة الثانية يخافون مني وامتنعوا عن دعوتي إلى بيوتهم وإذا لقيت عرضاً في الطريق بعض معارفي، قطبوا وجوههم وابتسموا ابتسامة مريضة سقيمة وهم يقولون يا صديقنا كيف أنت؟ وما كان أسهل على عند ذاك أن أمد إليهم يدي بالأذى، ولا ألام عليه ولا أعاتب، ولكنني تمهلت وأردت أن أنتظر حتى أفوز بتصريح طبي فعلي يكون كأذن لما سيقع من يدي وعزمت على أن أنتظر كذلك الظروف التي تجعل استشارة الأطباء في حالتي تبدو كحادث عرضي غير مقصود وإن كانت حيطتي هذه تهذيباً في خطتي لا حاجة إليه، وكذلك حدث أن تاتيانا نفسها وزوجها هما اللذان أخذاني إلى الطبيب، وكان هذا في رأيي نقطة بارعة متقنة مؤثرة قالت تاتيانا (أتوسل إليك أن تذهب إلى الطبيب يا عزيزي أنتوني؟) لقد كانت المرة الأولى التي نادتني في حياتي بلفظة (يا عزيزي) وهكذا كان يجب أن أجن لكي أفوز منها بتلك الكلمة!. فأجبتها في استكانة وخضوع (سمعاً يا عزيزتي تاتيانا سأذهب) وكنا ثلاثتنا في الحجرة

стр. 1571

التي قدر لها أن تكون مكان الجريمة، فقال الكسيز في لهجة السيطرة والنفوذ (نعم يا أنتوني يجب أن نذهب دون تردد إلى الطبيب، وألا يعلم الله أي حادث أنت محدث؟!) فقلت في صوت ضعيف متخاذل جبان مرتعد محاولاً أن أخلي نفسه من التبعة في عيني صديقي القاسي الشديد ولكن ماذا أستطيع أنا أن أحدث؟ قال ومن يعلم. . . قد تفلق جممة إنسان. وكنت أقلب بين يدي ثقالة ورق ضخمة من البرونز، فنظرت إلى الكسيز ثم إلى الثقالة وأنا أقول جمجمة إنسان؟ أتقول الجمجمة؟ فقال ولماذا، نعم أقول الجمجمة، قد تأخذ أداة كهذه فينتهي كل شيء!. هذه يا سادتي مسألة لذيذة هامة. . لقد كانت هي الجمجمة التي عزمت على فدغها وهي هي الأداة التي أجمعت أمري على استعمالها والآن ترون أن هذه الجمجمة هي قد تخيلت الجريمة بحذافيرها قبل وقوعها، ولكن صاحب الجمجمة فاه بكلمته في ابتسامة غير مكترثة، ومع ذلك تجد هناك قوماً يعتقدون بوجود إحساسات هاجسة متنبشة. . أي حمق وأية سخافة!. قلت لا يكاد الإنسان يستطيع أن يحدث بهذه ضراً، إنها خفيفة فأجابني الكسيز مندهشاً متعجباً ماذا تقول؟ خفيفة؟ وأخذ الثقالة من يدي فأمسكها من يدها وجعل يهزها مرات متوالية ثم دفعها إلي ثانية وهو يقول زنها في يدك قلت إني أعرف مقدار ثقلها ولكنه قال كلا، خذها في يدك وبعد ذلك احكم، فتناولت الأداة منه في ابتسامة ضعيفة، وهنا تداخلت تاتيانا بيننا، شاحبة اللون مرتجفة الشفتين، وهي تقول كيف يا الكسيز عن هذا، كف عن هذا فالتفت إليها مندهشاً ثم سألها ولماذا، ما بالك يا تاتيانا؟ فرددت القول امتنع عن هذا، أنت تعرف إنني أكره أمثال هذا المزاح وهنا ضحكنا جميعاً: ووضعت الثقالة على الخوان. وكانت زورتي للطبيب ت. . . مثل ما كنت أتوقع، فقد كان الرجل محترساً مدققاً، واتخذ سيمياء الجد والاهتمام، وسألني أسئلة عديدة، عما إذا كان لي أقارب يعنون بأمري، ونصح لي أن لا أفارق بيني وأن أسكن إلى الراحة والهدوء وبحق مهنتي جعلت أناقشه وأحاجه وإذا كان قبل محاجتي له في ريب من حالتي، فقد تبددت جميعها بمخالفتي لآرائه في تشخيص مرضى وتشريحه، ومنذ تلك اللحظة وأنا في نظر ذلك الطبيب مجنون. نعم مجنون والجنون الذي بي جنون موحش مؤيس مطبق ولكني أؤمل أيها السادة أن لا تضعوا

стр. 1572

كبير أهمية لتلك المزحة الصغيرة التي موهتها على رجل من أهل صنعتكم. . . إن الأستاذ ت. . العالم البحاثة ليستحق ولا ريب كل احترام. ومنذ اليوم الذي أصبحت حياة الكسيز في يدي وأنا أهتم كل اهتمامي بصحته ولم يكن الكسيز قوياً شديد الأسر. ومع هذا كان مهملاً نفسه غير مكترث بصحته لا يريد أن يلبس قميصاً أو يتدثر بصدار، يخرج في اليوم البارد المقرور دون خفية. وكانت تاتيانا تكلف نفسها صعود سلم داري لتحمل إلي أنباء زوجها المتوعك المريض وجاءت مرة لتقول لي إن الكسيز نام ليلة الأمس في هدأة ورفق - وكان هذا أمراً غير عادي عند الكسيز فأظهرت لهذا الخبر ابتهاجاً وغبطة وطلبت إلى تاتيانا أن تحمل إلى زوجها كتاباً مني وكان هذا الكتاب نادر الوجود وكان مشوقاً هو إلى قراءته. ولعل إتحافه بهذه الطريقة كان غلطة مني إذ قد يتهمونني بأني كنت أريد بهديتي أن أعمي القوم عن التماس الحقيقية، ولكن رغبتي في إدخال السرور على قلب الكسيز كانت شديدة حارة حتى أجمعت نيتي على أن أجازف هذه المجازفة الصغيرة، وسلكت في هذا اللقاء مع تاتيانا مسلكاً رفيقاً محبوباً جميلاً فرأيتني أكتسب بذلك شيئاً من انفعالها وتأثر مشاعرها ووجداناتها وهي وزوجها لم يشهداني في نوبتي الماضيتين، حتى لقد صعبا عليهما أن يفهما أنني حقاً مجنون. قالت تاتيانا وهي تستأذن في الانصراف هلا جئت لزيارتنا فقلت مبتسماً لا أستطيع، إن الطبيب قد أمرني أن لا أبرح مكاني فقالت أية سخافة وأي هراء! أنت تستطيع أن تأتي إلينا، إذ تكون لدينا كأنك في بيتك، وإن الكسيز لتهفو نفسه شوقاً إلى رؤيتك. وكذلك وعدتها الذهاب، وما وعدت في حياتي وعداً كهذا وكنت في إنجازه أوثق مني ذلك اليوم. وكانت الثقالة البرونزية في موضعها اليوم الحادي عشر من شهر ديسمبر الساعة الخامسة من المساء، وأنا أدخل مخدع السكين، وكان ذلك قبل تناول العشاء، وعشاؤهما في الساعة السابعة، وكانا ساعتذاك في بهجة ومرح، وإزدار مراحهما برؤيتي قال الكسيز وهو يشد بيده يدي (أشكر لك يا صديقي الكتاب الذي أهديت كان ينبغي أن أذهب أنا لزيارتك، لولا أن تاتيانا أكدت لي أنك قد أبللت كل الابلال. وستذهب الليلة إلى دار التمثيل. فهل تصحبنا؟.

стр. 1573

ومضينا نخوض في حديث عادي طويل، وكنت أتكلم بدقة وإيجاز ووضوح وجعلت عيني طول الوقت تستقر على عقرب الساعة، وقد عزمت على أني إذ تدق السادسة يجب أن أكون قاتلاً!. حتى إذا بقيت على الميعاد سبع دقائق نهض الكسيز عن المتكأ متثاقلاً متبلداً وغادر الحجرة وهو يقول (سأعود بعد هنيهة). وأردت أن أتجنب عيني تاتيانا ونظراتها فخطرت إلى النافذة ففرقت الأستار ووقفت هناك كأنني أنظر وأتأمل، وإذا بي أشعر بتاتيانا دون أن أراها تخطر في الحجرة متوجهة نحوي، وجاءت فوقفت بجانبي، وكنت أسمع تنفسها الصاعد المتراجع، وعرفت أنها كانت تنظر إلي لا إلى النافذة، فاعتصمت بالسكوت. قالت تاتيانا (ما أشد وميض الجلد!) فلم أحر جواباً، وعادت تناديني وهي مترددة (أنتوني!) ولكنني كذلك لم أجب، فكررت النداء في صوت متهدج مرتجف فنظرت إليها. وهنا أخذت تاتيانا ترتعش وتتمايل حتى أوشكت أن تقع، كأنما صعقتها تلك القوة المتوحشة المفترسة المرعبة التي كانت تطل من عيني، ثم وثبت إلى جانب زوجها، وكان في تلك الآونة قد رجع، وتمتمت الكسيز!. . السكيز. . . إنه. . . . فقال (ماذا تريدين؟). قلت دون ابتسام بل في صوت خشن مخيف (إنها تعتقد أنني أريد أأقتلك بهذه الأداة) هذا ورحت أرفع في سكون وخفة وصمت الثقالة وتقدمت رويداً نحو الكسيز، فشخص في بصره مصفراً مذهولاً مبهوتاً، وهو يكرر هذه الكلمات هي تعتقد. . . قلت (نعم هي تعتقد!) ورفعت ذراعي في رفق وأنا أشير بالأداة وألوح، وبدأ الكسيز في مثل رفقي يرفع هو الآخر ذراعه، وعيناه لم تغادرا وجهي، فصحت به في خشونة وغلظة أن (قف!) وعند ذاك تراخت ذراعاه، وبقيت عيناه مستقرة على، وبدت على شفتيه ابتسامة ضعيفة ذابلة متهمة، وصرخت تاتانيا صراخاً مرعباً مزعجاً، ولكن كان الوقت قد أزف!. نعم بحد تلك الثقالة أهويت على الكسيز أضربه فوق جبهته، وقد أنبأني القضاة يا سادة إنني ضربته عدة ضربات، إذ رأوا جمجمة القتيل مفتتة مبددة، ولكن هذا أيها السادة مخالف للحقيقة، أنا ضربت الكسيز ثلاث ضربات لا غير، واحدة وكان واقفاً واثنان وهو مطروح

стр. 1574

على أرض الحجرة. نعم، الحق أقول أن الضربات كانت شديدة قاسية، ولكنها ثلاث ضربات ولا تزيد، إنني أذكر جد الذكري، نعم، ثلاث ضربات!. ـ ٥ ـ أرجوكم يا سادتي أن لا تتبعوا أنفسكم في تحليل هذه الكلمات التي كتبتها في ختام الفصل الرابع، ولا تلقوا كثير أهمية على شطبى بعض الكلمات وحذفاتي، لا تعدوها دلائل على عقل مضطرب مجنون، فإن موقفي الغريب الآن يدعوني إلى أن أكون دقيقاً موفياً كل صغيرة، أريد أن أكون أمامكم صريحاً حراً ساذجاً، فافهموا ذلك عني واحفظوه. وتعلمون أنتم أن لظلام الليل تأثيراً شديداً على الأعصاب المتعبة المنهوكة، ولذلك ترون أن الأفكار المزعجة والخواطر السوداء المخيفة لا تجيئنا إلا مع الظلمة ولا تغشى رؤسنا إلا مع الليل، ولذلك كانت أعصابي في الساعات المظلمة التي أعقبت الجريمة غرضاً لاضطراب مدهش غريب، نعم ما أشد حاجة من كان في مكاني إلى قوة كبرى على ضبط مشاعره، إن قتل رجل ليس مزاحاً!. فلما كان وقت تناول الشاي، بعد أن نظمت بزتي، وقلمت أظفاري، وغيرت أثوابي، دعوت طاهيتي ماريا فازيليفنا إلى الجلوس بجانبي، وكانت هذه المرأة الحمقاء هي التي ضربتني الضربة الأولى. قلت لها تعالي فقبليني. . فضحكت ضحكة بلهاء وظلت جامدة في مكانها، قلت (تعالي) فارتجفت، ثم أحمر وجهها، وبدت في عينيها إمارات الرعب، وأقبلت نحوي فاتكأت على الخوان في مظهر الذليل الخاضع المتوسل فقالت (يا صديقي أنتوني اضرع إليك إلا ما ذهبت إلى الطبيب) فقلت وأنا مندهش مغضب (ماذا، أأذهب إليه ثانية؟) فصاحت المرأة (ويلاه، لا نصح هذا الصياح، إنك تخيفني، إنني مرتاعة منك يا صديقي). كل ذلك وهي لم تكن تعلم شيئاً عن نوباتي حتى تلك الساعة ولا عن المقتل، بل كنت أبدو أمام تلك المرأة هادئاً وديعاً حدباً حنوناً. عند ذلك تولاني خاطر غريب. قلت (إذن إن بي شيئاً ليس بالناس، شيئاً يخيف القوم

стр. 1575

ويرعب) ولكني طردت هذا الخاطر في الحال، ومع ذلك غادر في إحساساً غريباً، وشعرت ببرودة في ظهري ومفاصلي، وجعلت أعلل نفسي بأن ماريا علمت ولا ريب بمرضي من أهل البلد أو من ألسنة الخدم، أو لعلها لاحظت ملابسي الممزقة التي خلعتها عني، فكان ذلك داعياً لهذا الرعب الذي أبدت، فقلت (اذهبي!). فلما تولت مددت جسمي على المقعد الطويل أمام مكتبي، ولكنني لم أشعر بميل إلى القراءة، بل أحسست بتراخ ووهن شديدين، كما يكون من الممثل بعد الإبداع في دوره. وثقل جفناي، وتراخت أهدابي وشعرت بطائف النوم وإذا بخاطر جديد قد نفذ إلى رأسي، جعل ينساب بطيئاً بليداً متكاسلاً، وكان له كل المزايا التي امتازت بها خواطري - الوضوح والإيجاز والبساطة، نعم نفذ إلى رأسي واستقر، وها أنا ألقيه إليكم أيها السادة حرفاً بحرف، في صورة الغائب، وهكذا خطر لي، وإن كنت لا أعرف السبب، وهذا هو (إن من المحتمل جداً أن الدكتور كرجنترف حقاً مجنون. هو ظن أنه قد تظاهر بالجنون ولكنه في الحقيقة مجنون. إنه في هذه اللحظة مجنون وأعاد هذا الخاطر نفسه في ذهني ثلاث مرات أو أربع، وظللت أضحك، لأنني لم أفهم (إنه ظن أنه قد تظاهر بالجنون. ولكنه في الحقيقة مجنون، إنه في هذه اللحظة مجنون). وتوهمت أول الأمر أن هذه الكلمات قالتها ماريا، إذ بد إلى أن الكلمات قد وجدت صوتاً. وإن هذا الصوت يشبه صوتها، ثم ظننت أنه صوت الكسيز، نعم صوت القتيل الكسيز، وأخيراً تبينت أنني أنا الذي رددت هذا الخاطر، وكان هذا شنيعاً مرعباً. هنا أمسكت بشعر رأسي ووثبت واقفاً في بهرة الحجرة أقول (هو ذلك. انتهى كل شيء! لقد وقع الذي خفت أن يكون، إنني اقتربت من الحدود ودانيت، والآن لا يحفظ لي المستقبل إلا شيئاً واحداً. . . هو الجنون!). فلما جاءوا للقبض على كنت كما يظهر في حالة مخيفة رهيبة، كان وجهي المتوحش الشاحب تقشعر لرؤيته الأبدان، كانت ملابسي ممزقة قطعاً وإرباً، ولكن أنشدكم الله يا سادة، أن رجلاً يقضي مثلي المساء المخيف الذي قضيت دون أن يجن عقله، ألا يدل ذلك على أن لي عقلاً قوياً جباراً صلباً؟. إنني لم أحدث شيئاً أكثر من تمزيق ثيابي وتحطيم الزجاج، وعلى ذكر الزجاج اسمحوا لي

стр. 1576

يا سادة أن أدلي إليكم بنصيحة، إذا قدر لأحدكم أن يعاني ما عانيت ذلك المساء فليثق من تغطية مرايا الحجرة التي هو بها وليغطها كما تغطى إذا مات في البيت ميت نعم احجبوها وأجيدوا الحجاب!. ولا أذكر بعد ذلك شيئاً حتى وصول الشرط، وسألت كم الوقت فإنما نحن في التاسعة، فكدت لا أصدق بأنه لم يمض على قتل الكسيز إلا ثلاث ساعات فقط وإن كنت أتذكر فلا أذكر إلا شيئاً واحداً، هو خاطري، هو الصوت (إن الدكتور كرجنتزف ظن أنه قد تظاهر بالجنون وما كان في الحقيقة إلا مجنوناً). وعند ذلك جسست نبضي فإذا هو مائة وثمانون، نعم، إن مجرد ذكرى ذلك الصوت كان كافياً لأن يثير دقات نبضي إلى هذا الحد. ـ ٦ ـ والآن يا أساطين العلم وأرباب البحث إن منكم أطلب الجواب، هل أنا مجنون أم غير مجنون؟ إنكم ولا ريب ستنقسمون في أحكامكم، سيقول البعض رأياً، ويقول البعض الآخر نقيضه، ولكني أعدكم يا سادتي أن أصدقكم جميعاً، فأعطوني فقط آراءكم وها أنا أقص عليكم كذلك تافهة أخرى، ولكنها حادثة هامة قد نعين أذهانكم المنيرة وعقولكم الخصبة اليانعة. في ذات مساء هادئ ساذج، بين هذه الجدران البيضاء لاحظت أن الممرضة ما كانت تنظر نظرات خائفة مذعورة مضطربة كأنما انزعجت من شيء مخيف، وتركت الحجرة فظللت وحيداً جالساً فوق الفراش وهنا جعلت أفكر وبدا لي أنني أريد أن أعمل أعمالاً غريبة - نعم، أنا الدكتور كرجنتزف أردت أن أنبح، نعم، لا أصرخ بل أنبح، كما يفعل الآخرون، أردت أن أمزق ثيابي وأجرح وجهي وأخدش، أردت أن آخذ بتلابيب القميص وأشقه شقتين حتى الحاشية، وأنا، أنا الدكتور كرجنتزف، أردت أن أنزل على راحتي وركبتي وأزحف! وكان السكون حولي سائداً، وقطع البرد تلمع فوق زجاج النوافذ، وعن كثب مني كانت ما تصلى لله في صمت، فلبثت مدة أعرض على ذهني أي عمل من هذه الأعمال، أن نبحث أثرت ضوضاء وضحكاً وسخرية، وإذا مزقت قميصي عرفت في اليوم التالي، وبكل تعقل وتدبير أردت أن أحقق الرغبة الثالثة، وهي أن أزحف، نعم لن يسمعني أحد وإذا جاء

стр. 1577

إنسان ورآني، أقول إنني كنت أفتقد زراراً سقط. وهنا فكرت (ولكن لماذا أريد أن أزحف، هل أنا حقاً مجنون؟). وتولاني الرعب، ثم تولتني رغبة شديدة في أن أقوم بالثلاثة معاً، أنبح وأزحف وأجرح نفسي، فأخذني الغضب. وسألت نفسي (أتريد أن تزحف؟) فلم أسمع جواباً، فأعدت السؤال (أتريد أن تزحف؟) فلم يكن جواب. قلت (إذن فلنزحف!) وشمرت عن ساعدي ونزلت على أربع وانطلقت أزحف وما بلغت وسط الحجرة حتى تبينت حماقتي فجلست على الأرض في فكاني ورحت أضحك، أضحك، نعم أضحك. ولما كنت لا أبرح على اعتقادي أن المرء يستطيع بالبحث أن يهتدي إلى شيء من الحقيقة والمعرفة، قد أخذت على عاتقي أن أهتدي إلى مصدر هذه الرغبات المجنونة التي خطرت لي، أجل هي ولا ريب وليدة خاطري، وإن فكرة التظاهر بالجنون هي التي استدعت مني هذه الرغبات، فلما حققتها لم أعد مجنوناً ولكن يا سادة زحفت، زحفت، أي رجل أنا، أمجنون يعتذر عن نفسه أم عاقل ذو لب يمشي في دوره إلى الجنون. تعالوا إذن يا سادة إلى نجدتي، اجعلوا رجاحة ألبابكم تعلو أو تهبط بإحدى الكفتين، حلوا لأجلي هذا السؤال القاسي، آه ما أقلقني في انتظار حكمكم، هل أنا مجنون؟. (تمت).

стр. 1578

مطبوعات جديدة [١] رسائل غرام بين شهيرات ورجال عظام هي رسائل مختارة حلوة الأسلوب كان قد نشرها الأديب الكاتب سليم عبد الأحد في مجلة الزهور والآن وقد جمعها وطبعها على حدة طبعاً نظيفاً متقناً على ورق جميل يخلق بمحبي الإطلاع أن يقتنوها ويقبلوا على قراءتها وهي تطلب من إدارة البيان وثمنها خمسة قروش عدا أجرة البريد. [٢و٣] تربية الطفل - التمريض المنزلي - كتابان نافعان يدل عنواناهما على ما ضمناه. وضعهما الأستاذ البحاثة المجتهد الدكتور محمد عبد الحميد بك طبيب مستشفى قليوب صاحب المؤلفات النفيسة المنوعة في الطب الدالة على إخلاصه واجتهاده وطول باعه في هذا العلم عرفنا الله أقدار أمثال الدكتور ولا حرم الناطقين بالضاد آثاره النافعة. وأنا نحث كل قارئ وكل قارئة على أن يقتنوا هذين الكتابين فليس لأحد غنى عنهما وثمن الأول أربعة قروش والثاني عشرة عدا أجرة البريد وهو يطلب من إدارة البيان وأكثر المكاتب. [٤] ديوان الراشد - أهدى إلينا الأديب محمود راشد الجزء الأول من مجموعة أشعاره المسماة ديوان الراشد وثمنه خمسة قروش. [٥] الخصائص - أهدت إلينا دار الكتب الخديوية المجلد الأول من كتاب الخصائص للإمام أبي الفتح عثمان بن جنى. وهو كتاب جليل في فلسفة اللغة العربية وخصائصها وقدما كنا نود ظهور هذا الكتاب في عالم المطبوعات وقد حقق الله الآمال بهمة القائمين بأمر المكتبة فنحث جميع عشاق العربية على اقتناء هذا الكتاب النادر حتى يفيدوا منه لغة وأدباً وعلماً وأسلوب كتابته أسلوب متحيز فصيح يعد من أرقى الأساليب العربية وبودنا أن نفي الكتاب حقه من القول وننقل منه شذرات مختلفة ولكن البيان للأسف لا يتسع لمثل ذلك. وثمن الكتاب ١٥ قرشاً وأجرة البريد ثلاثة قروش وهو يطلب من إدارة البيان وأجرة تجيلده لمن أحب ذلك خمسة قروش. [٦] الاعتصام - وكذلك أهدت إلينا كتاباً من أنفس الكتب الإسلامية وهو كتاب الاعتصام للإمام الشاطبي في البدع وهو يقع في ثلاثة أجزاء تم منها جزآن والثالث تحت الطبع وثمن الجزأين ٢٠ قرشاً وأجرة البريد ثلاثة قروش وهو يطلب من إدارة البيان. [٧] الأحكام في أصول الأحكام للإمام الآمدي الفقيه - وأهدت إلينا دار الكتب الخديوية أيضاً هذا الكتاب الجليل وهو في أصول الفقه لكن لا على طريقة المتأخرين بل الطريقة

стр. 1579

التي يكتب بها الأئمة الأولون إيضاحاً وانتظاماً وحسن تنسيق وهو يقع في أربعة أجزاء كبار وإنه لجدير بعلماء الدين والقانون وطلابهما أن يحصلوا على هذا الكتاب النفيس الذي لم يظفروا بمثله وثمنه ٤٨ قرشاً وأجرة البريد أربعة قروش وهو يطلب من إدارة البيان.

стр. 1580

العدد ٢٥ - بتاريخ: ١ - ٣ - ١٩١٥
следующие страницы →