Полный текст (3 596 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.
стр. 1576
يا سادة أن أدلي إليكم بنصيحة، إذا قدر لأحدكم أن يعاني ما عانيت ذلك المساء فليثق من تغطية مرايا الحجرة التي هو بها وليغطها كما تغطى إذا مات في البيت ميت نعم احجبوها وأجيدوا الحجاب!.
ولا أذكر بعد ذلك شيئاً حتى وصول الشرط، وسألت كم الوقت فإنما نحن في التاسعة، فكدت لا أصدق بأنه لم يمض على قتل الكسيز إلا ثلاث ساعات فقط وإن كنت أتذكر فلا أذكر إلا شيئاً واحداً، هو خاطري، هو الصوت (إن الدكتور كرجنتزف ظن أنه قد تظاهر بالجنون وما كان في الحقيقة إلا مجنوناً).
وعند ذلك جسست نبضي فإذا هو مائة وثمانون، نعم، إن مجرد ذكرى ذلك الصوت كان كافياً لأن يثير دقات نبضي إلى هذا الحد.
ـ ٦ ـ
والآن يا أساطين العلم وأرباب البحث إن منكم أطلب الجواب، هل أنا مجنون أم غير مجنون؟ إنكم ولا ريب ستنقسمون في أحكامكم، سيقول البعض رأياً، ويقول البعض الآخر نقيضه، ولكني أعدكم يا سادتي أن أصدقكم جميعاً، فأعطوني فقط آراءكم وها أنا أقص عليكم كذلك تافهة أخرى، ولكنها حادثة هامة قد نعين أذهانكم المنيرة وعقولكم الخصبة اليانعة.
في ذات مساء هادئ ساذج، بين هذه الجدران البيضاء لاحظت أن الممرضة ما كانت تنظر نظرات خائفة مذعورة مضطربة كأنما انزعجت من شيء مخيف، وتركت الحجرة فظللت وحيداً جالساً فوق الفراش وهنا جعلت أفكر وبدا لي أنني أريد أن أعمل أعمالاً غريبة - نعم، أنا الدكتور كرجنتزف أردت أن أنبح، نعم، لا أصرخ بل أنبح، كما يفعل الآخرون، أردت أن أمزق ثيابي وأجرح وجهي وأخدش، أردت أن آخذ بتلابيب القميص وأشقه شقتين حتى الحاشية، وأنا، أنا الدكتور كرجنتزف، أردت أن أنزل على راحتي وركبتي وأزحف! وكان السكون حولي سائداً، وقطع البرد تلمع فوق زجاج النوافذ، وعن كثب مني كانت ما تصلى لله في صمت، فلبثت مدة أعرض على ذهني أي عمل من هذه الأعمال، أن نبحث أثرت ضوضاء وضحكاً وسخرية، وإذا مزقت قميصي عرفت في اليوم التالي، وبكل تعقل وتدبير أردت أن أحقق الرغبة الثالثة، وهي أن أزحف، نعم لن يسمعني أحد وإذا جاء
стр. 1577
إنسان ورآني، أقول إنني كنت أفتقد زراراً سقط.
وهنا فكرت (ولكن لماذا أريد أن أزحف، هل أنا حقاً مجنون؟).
وتولاني الرعب، ثم تولتني رغبة شديدة في أن أقوم بالثلاثة معاً، أنبح وأزحف وأجرح نفسي، فأخذني الغضب.
وسألت نفسي (أتريد أن تزحف؟) فلم أسمع جواباً، فأعدت السؤال (أتريد أن تزحف؟) فلم يكن جواب.
قلت (إذن فلنزحف!) وشمرت عن ساعدي ونزلت على أربع وانطلقت أزحف وما بلغت وسط الحجرة حتى تبينت حماقتي فجلست على الأرض في فكاني ورحت أضحك، أضحك، نعم أضحك.
ولما كنت لا أبرح على اعتقادي أن المرء يستطيع بالبحث أن يهتدي إلى شيء من الحقيقة والمعرفة، قد أخذت على عاتقي أن أهتدي إلى مصدر هذه الرغبات المجنونة التي خطرت لي، أجل هي ولا ريب وليدة خاطري، وإن فكرة التظاهر بالجنون هي التي استدعت مني هذه الرغبات، فلما حققتها لم أعد مجنوناً ولكن يا سادة زحفت، زحفت، أي رجل أنا، أمجنون يعتذر عن نفسه أم عاقل ذو لب يمشي في دوره إلى الجنون. تعالوا إذن يا سادة إلى نجدتي، اجعلوا رجاحة ألبابكم تعلو أو تهبط بإحدى الكفتين، حلوا لأجلي هذا السؤال القاسي، آه ما أقلقني في انتظار حكمكم، هل أنا مجنون؟. (تمت).
стр. 1578
مطبوعات جديدة
[١] رسائل غرام بين شهيرات ورجال عظام هي رسائل مختارة حلوة الأسلوب كان قد نشرها الأديب الكاتب سليم عبد الأحد في مجلة الزهور والآن وقد جمعها وطبعها على حدة طبعاً نظيفاً متقناً على ورق جميل يخلق بمحبي الإطلاع أن يقتنوها ويقبلوا على قراءتها وهي تطلب من إدارة البيان وثمنها خمسة قروش عدا أجرة البريد.
[٢و٣] تربية الطفل - التمريض المنزلي - كتابان نافعان يدل عنواناهما على ما ضمناه. وضعهما الأستاذ البحاثة المجتهد الدكتور محمد عبد الحميد بك طبيب مستشفى قليوب صاحب المؤلفات النفيسة المنوعة في الطب الدالة على إخلاصه واجتهاده وطول باعه في هذا العلم عرفنا الله أقدار أمثال الدكتور ولا حرم الناطقين بالضاد آثاره النافعة. وأنا نحث كل قارئ وكل قارئة على أن يقتنوا هذين الكتابين فليس لأحد غنى عنهما وثمن الأول أربعة قروش والثاني عشرة عدا أجرة البريد وهو يطلب من إدارة البيان وأكثر المكاتب.
[٤] ديوان الراشد - أهدى إلينا الأديب محمود راشد الجزء الأول من مجموعة أشعاره المسماة ديوان الراشد وثمنه خمسة قروش.
[٥] الخصائص - أهدت إلينا دار الكتب الخديوية المجلد الأول من كتاب الخصائص للإمام أبي الفتح عثمان بن جنى. وهو كتاب جليل في فلسفة اللغة العربية وخصائصها وقدما كنا نود ظهور هذا الكتاب في عالم المطبوعات وقد حقق الله الآمال بهمة القائمين بأمر المكتبة فنحث جميع عشاق العربية على اقتناء هذا الكتاب النادر حتى يفيدوا منه لغة وأدباً وعلماً وأسلوب كتابته أسلوب متحيز فصيح يعد من أرقى الأساليب العربية وبودنا أن نفي الكتاب حقه من القول وننقل منه شذرات مختلفة ولكن البيان للأسف لا يتسع لمثل ذلك. وثمن الكتاب ١٥ قرشاً وأجرة البريد ثلاثة قروش وهو يطلب من إدارة البيان وأجرة تجيلده لمن أحب ذلك خمسة قروش.
[٦] الاعتصام - وكذلك أهدت إلينا كتاباً من أنفس الكتب الإسلامية وهو كتاب الاعتصام للإمام الشاطبي في البدع وهو يقع في ثلاثة أجزاء تم منها جزآن والثالث تحت الطبع وثمن الجزأين ٢٠ قرشاً وأجرة البريد ثلاثة قروش وهو يطلب من إدارة البيان.
[٧] الأحكام في أصول الأحكام للإمام الآمدي الفقيه - وأهدت إلينا دار الكتب الخديوية أيضاً هذا الكتاب الجليل وهو في أصول الفقه لكن لا على طريقة المتأخرين بل الطريقة
стр. 1579
التي يكتب بها الأئمة الأولون إيضاحاً وانتظاماً وحسن تنسيق وهو يقع في أربعة أجزاء كبار وإنه لجدير بعلماء الدين والقانون وطلابهما أن يحصلوا على هذا الكتاب النفيس الذي لم يظفروا بمثله وثمنه ٤٨ قرشاً وأجرة البريد أربعة قروش وهو يطلب من إدارة البيان.
стр. 1580
العدد ٢٥ - بتاريخ: ١ - ٣ - ١٩١٥
стр. 1581
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وكفى بالله ولياً وكفى بالله نصيراً
أما بعد فأنّا نستأنف اليوم العدد الرابع لهذه المجلة باسم الله عز اسمه وبعونه جلّت قدرته. ولعلنا فرغنا بما كتبناه لفواتح السنين المواضي من القول في شرح ما نستهدف له من عذاب واصب وجهد ناصب وما تقدم عليه من خطر أليم وهم مقعد مقيم ثم ما نشكوه لا ما نشكره وما تقرّبه الأمة من صبرنا ولا تنكره ثم ما لا نهاية له من هذا الباب الذي يفتح من صاحب المجلة على خراب ومن أكثر القراء في مصر على قيعة وسراب فاللهمّ عونك على المصيبتين المصريتين: الأدب والعلم لا يكثر قراؤهما والقراء على هذه القلة ولاسيما الأغنياء همو همو. . .
على أننا لا نزال نقول إن قراء البيان هم خاصة القوم وأدبائهم وأهل العلم فيهم وذوا النعرة الصحيحة منهم ونرى حقاً علينا أن نزلف لهم الشكر محضاً وأن نخصهم بالثنء كله فقد آذرونا وشدوا منا وحملوا عنا أكثر المؤنة في هذه الصناعة ولولا ذلك منهم لما بقى البيان حيث هو ولا قريباً مما هو ولا استطعنا في هذه الضيقة أن نتسع فيه على حين أن كثيراً من المجلات الراقية إن شرقية وإن غربية قد دفنت من جراء الحرب في غلافها أو انتقضت من أطرافها أو اقتصرت على كفافها - فأننا على ذلك قد أخرجنا وسنخرج البيان مرتين في الشهر وجعلنا وسنجعل كل عدد ٦٤ صفحة متقنة فتلك مائة وثمانة وعشرون صفحة نجهد لها بين الهلالين وما هي في أثرها علينا بالشيء القليل ولا بالخطر الهين وإنها لتستنفذ الوسع في هذا الضيق وتستفرغ جهد الطاقة في هذا العسر من المطيق ولكن البيان بقرائه الفضلاء وهم والحمد لله وله المنة بين كافٍ ووافٍ ومن ذي عهد وذمة إلى ذي كرم وهمة وكلهم كما عرفنا ضنين بالبيان حريص أن يصل إليه مبسوط الراحة له مقبوض اليد عليه. غير أن منشأ البلية أن ينصرف سواد القارئين من أغنيائنا وأولاد أغنيائنا - وهم المادة والعدّة - على السخف والسفه وإلى ما لا خير فيه ولا خير منه لأحد ولا لأنفسهم ثم يجمدوا على ذلك جموداً لقصط لا يترك فيه قطرة من الحياء تندى فلا يبالون أن ترى وجوههم أقفاء في كل ما يسوق إلى غير الفسوق ولا يأنفون أن يجروا مع الرغاء في مضمار لا يقال السابق السابق في الجواد ولكن السابق السابق فيه الأعيار. . ولا عليهم بعد ذلك من الأدب إن نفق أوكد وصحّ أو فسد وهبّ أو ركد ولا من العلم إن دار
стр. 1582
أو بار وظهر أو غار وكأنهم عفا الله عنهم لا يجدون الشرف الصاعد إلاّ في تلك المقاعد ولا يحتاجون من أمتهم لغير خدمتهم ولا يخشون على أنفسهم التلف إلا متى قلّ العلف. . . فإذا كانت النهضة لأهوائهم طاروا وإن كانت لآدابهم تبلدوا وحاروا وإذا قيل الهزل والطرب أقبلوا إقبالاً شديداً وإذا قيل العلم والأدب وقفوا منها بعيداً. على أنهم ويا أسفا من الأمة هامات وفي الأمة قامات وفي عدد الأمة رقاب وفي تاريخ الأمة نعوت وألقاب. فواهاً لك أيتها الأمة المصرية ويا لهف الأنفس المشفقة عليك.
وعلم الله لو أن عشرة من هؤلاء الأغنياء أو واحد منهم أو ابن واحد منهم كان رقيق الإحساس شريف النزعة صحيح الغيرة وافر الإخلاص يعرف من حق الأمة عليه ويستيقن ما يعرفه فينظر إلى المجلات النافعة في مضر ويعينها بعض العون على ما تعالج ويثبت بذلك أن في أغنيائنا من يكون لأمته بعمة بين المصائب وإن الكنانة مهما خلت لا تخلوا من سهم صائب.
إذن لأهدينا من البيان محاسن الأدب مجموعة وجعلناه من الطلاب كفاكهة الجنة لا مقطوعة ولا ممنوعة فوهبنا الكثير منه معونة للطلبة الفقراء ووسعنا من فوائده على القراء وأطلعناه في الكمال مطلع البدر ونشرناه كما يعم الشرق نور الفجر ولا والله ما تنقصنا الرغبة ولا تعوزنا المادة ولا يضيق بنا الإخلاص ولا يحوجنا شيء من ذلك إلى عذر نتعلل به أو نتعلق عليه ولكنا نقبل وأكثر الناس معرضون ونبسط يدنا في مالنا وهم يقبضون.
على أننا لا ندري لم لا تعتبنا حكومتنا السنية أيّدها الله وهي منا بمكان الوصي من القصر وهي دائبة على تعليم الأمة وإرشادها وهي تعرف ما تؤديه مجلة مثل البيان وما لها من الأثر الظاهر في تقوية النهضة الأدبية وما توسع على الأمة في آدابها وثروتها العقلية - لم لا تعتبنا أعزها الله وتعتب الأمة فتنظر كذلك للمجلات المصرية الصالحة وهي لا تبلغ أصابع اليد الواحدة فتحيط أصحابها بشيء من العناية وتقدر عملهم للأمة وحاجة الأمة إليهم وتعمل على أنهم فئة كهؤلاء الممثلين والموسيقيين الذين يقذفهم برد أوربا كل شتاء فتدفعهم بذهبها. فإن لم يبلغوا أن يكونوا كذلك في الاعتبار وكان بينا وبينهم ما بين الشرق والغرب فلا أقل مما يكون أصحاب المجلات المصرية الكبرى في رأي الحكومة كأصحاب الكتاتيب. . .
стр. 1583
على أن هناك نظارة المعارف ومدارسها ومجالس المديريات ومعالمها ونظارة الأوقاف ومعاهدها وحسبنا مدار في تلك المدارس ومجال في تلك المجالس وما نسأل حكومتنا إلا ما هو أشكل بها في ترقية الأمة وأشمل لمذهبها في التعليم واقرب إلى أغراضها السامية فيما إلى ذلك.
وبعد فهذا هذا ونحن فأنا نعد مصر والمصريين وسائر قراء العربية في سائر الأقطار أنا لا نألو جهداً ولا نذخر وسعاً في الاحتفاظ بالبيان والمضيّ في سبيلنا مهما كانت العوائق معوّلين في هذا الأمر عليّ الله جل شأنه ثم علي ما تفضل علينا من قوة المبدأ وقوة الإرادة وقوة الثبات وعلى ما تفرد به قراؤنا الأفاضل من الغيرة الصحيحة والأخلاق النبيلة الصريحة وحسبنا الله ونعم الوكيل.
عبد الرحمن البرقوقي
стр. 1584
حضارة العرب في الأندلس
الرسالة الخامسة
تاريخ الأندلس
منذ فتحها المسلمون إلى وقتنا هذا وهو سنة أربع وتسعين وثلاثمائة من هجرة المصطفى ﷺ
سألتني أمتعك الله بالأدب وأذاقك حلاوة المعرفة أن أردف رسائلي التي وضعتها قديماً في طراءة العمر وريعان الصبى أثر وفودي على الأندلس برسالة أبسط لك فيها تاريخ ذلك القطر العجيب الذي كأنه قطعة انخزلت من الفردوس وسربت من السماء إلى الأرض وقرت عيناً بهذا المكان فاستقرت وكانت لاهليه روحاً وريحاناً وجنة نعيم
إن للجنة في بالأندلس ... مجتلى حسن وريا نفس
فسنا صبحتها من شنب ... ودجى ليلتها من لعس
وإذا ما هبت الريح صبا ... صحت وأشوقي إلى الأندلس
وإنها عمرك الله وملاك بها لخليقة ... بقول من قال وقد طبق المفصل
أي المعاهد منك اندب طيبة ... ممساك بالآصال أم مغداك
أم برد ظلك ذي الغصون وذي الجنى ... أم أرضك الميثاء أم ريك
وكأنما سعطت مجامر عنبر ... أوفت فار المسك فوق ثراك
وكأنما حصباء أرضك جوهر ... وكأن ماء الورد دمع نداك
وكأنما أيدي الربيع ضحية ... نشرت ثياب الوشي فوق رباك
وكان درعاً مفرغاً من فضة ... ماء الغدير جرت عليه صباك
ومن هنا أصاب سؤالك عن نفسي مواقع الماء من ذي الغلة على الرغم من تقدم السن وضعف الشيخوخة وأكلى على الستين. وسنفتتح لك هذه الرسالة التي سألت بالقول على الأندلس وتقويمه ووصف ما أجملته هنا من خصبه واستبحار العمران فيه وذكر البلدان والأنهار والمعادن والأجبال وسائر الخصائص التي احتوى. والله سبحانه هو الموفق لإتمام هذه الرسالة على ما تحب وتهوى. ولما فيه رضي الله والراسخين في العلم إن شاء سبحانه.
стр. 1585
وصف الأندلس
جزيرة الأندلس - ويسميها العجم اشبانية - وهي قطر كبير متصل ببلاد أفرنسة من الأرض الكبيرة التي هي بلاد أفرنجة العظمى إلى جنوبيها الغربي وهي على مثال الشكل المثلث إذ هي تعتمد على ثلاثة أركان فركنها الواحد فيما بين الجنوب والغرب بمقربة من جبل الأغن كثب صنم قادس إذ يتلاقى البحر المتوسط الشامي والمحيط المعروف ببحر أقيانس والذي يسميه أهل الأندلس بحر الظلمة وبحر الأنقليشيين الأنجليز والأقيانوس الاطلانطي أو الأطلانطيقي وركنها الثاني بشرقيها بين مدينة أربونة إحدى مدن أفرنسة نربون ومدينة برديل إحدى مدائن أفرنسة كذلك حيث يقترب البحر المحيط من البحر الشامي فيكادان يجتمعان فتصير الأندلس جزيرة بينهما لولا جبل البرت الذي قام ثمت وفصل الأندلس من بلاد أفرنسة والركن الثالث هو في بلاد جليقية حيث الجبل الموفى على البحر المقابل جزيرة برطانية أنكلترة بالقرب من مدينة شانت ياقب
ومن هنا تعلم أن الأندلس ليست بجزيرة على الحقيقة لاتصال أرضها ببلاد أفرنسة كما تتحقق ذلك إذا أنت نظرت إلى المصور الجغرافي الذي صورنا لك فيه هذه الجزيرة. وأن حدها الجنوبي هو الخليج الرومي بوغاز جبل طارق الخارج من البحر المتوسط مما يقابل طنجة في موضع يعرف بالزقاق - وسعة هذا الخليج اثنا عشر ميلاً - وحدها الشمالي البحر المتوسط وجبل البرت أو البرتات. والبرت بلسان الإشبانيين الباب إذ فيه أربعة أبواب أحدها ناحية برشلونة ويسمى برت جاقة والثاني يسمى برت أشمرة والثالث يسمى برت شازر ورابعها برت بيونة ويتصل بكل برت منها مدينة في الجهتين وقد زعم بطليموس أن قَلَوْبطره (كليوباطره) وهي امرأة كانت آخر ملوك اليونان أول من فتح هذه الأبواب بالحديد والخل والنار - وهذا وهم من بطليموس فإن قلوبطره كانت ملكة على مصر ولست أدري ولا المنجم يدري.
أيها المنكح الثريا سهيلاً ... عمرك الله كيف يلتقيان
أما أن العرب سموا هذه البلاد الأندلس فذلك لما سيمر بك أن قوماً يعرفون بالأندلوش سكنوا قديماً شطرها الجنوبي فسماه من بعدهم من أعجام رومة الرومانيين والقوط أندلوشيا فلما فتح العرب هذه الجزيرة سموها كلها الأندلس تسمية للكل باسم البعض كما تسمى
стр. 1586
الأرض الكبيرة بلاد أفرنجة وفيها أفرنجة وغير أفرنجة - أما تسمية العرب إياها اشبانية فلم نعلم لذلك سبباً على التحقيق.
ويلتحق بجزيرة الأندلس جزائر أخرى منثورة في البحر المحيط والبحر الشامي المتوسط وهي جزيرة قادس من أعمال أشبيلية وهي في البحر المحيط. وهذا البحر المحيط فيه جزائر أخرى كثيرة كبيرة وصغيرة ففيه الجزائر الخالدات وهي غربي مدينة سلا تلوح للناظر في اليوم الصاحي الخالي الجو من الأبخرة الغليظة وفيه بجهة الشمال جزيرة برطانية أنكلترة وفيها من المدن والقرى ما لا يحصى. أما البحر الرومي ففيه من الجزائر التي تلتحق بالأندلس جزائر ميورقة ومنورقة ويابسة وقد مضى وصفها في الرسالة الأولى من كتابنا حضارة العرب في الأندلس.
стр. 1587
الإسلام والآداب
في رأي الدكتور جوستاف لوبون
لا نظن أحداً من القراء لا يعرف من هو الدكتور جوستاف لوبون صاحب كتاب سر تطور الأمم وروح الاجتماع وكثير من المؤلفات الفلسفية الجليلة. وهذا الفصل منقول من كتابه حضارة العرب وهو كتاب قيم جليل يهم الشرقيين عموماً والمسلمين خصوصاً أن يقفوا على آرائه فيه ومن ثم أخذنا على أنفسنا أن ننقل في البيان تباعاً أطيب ما في هذا الكتاب وسننشر كلمة اليوم دون تعليق عليها اتكالاً على فطنة القراء.
يقول الدكتور جوستاف لوبون إن التعاليم الأخلاقية التي جاء بها القرآن هي صفوة الآداب العالية وخلاصة المبادئ الخلقية الكريمة فقد حض على الصدق والإحسان والكرم والعفة والاعتدال ودعا إلى الاستمساك بالميثاق والوعد والوفاء بالذمة والعهد وأمر بحب الجار وصلة الرحم وإيتاء ذي القربى ورعي الأرامل والقيام على اليتامى ووصى في عدة مواضع من آية أن تقابل السيئة بالحسنة. . . تلك هي الآداب السامية التي دعا إليها القرآن وهي لا تكاد تختلف وآداب الإنجيل في شيء.
ولكن البحث في الآداب التي يحض عليها كتاب من الكتب ليس من الأهمية من المكان الكبير فأنك لا تكاد تقع من الأديان الإنسانية على دين لم تكن المبادئ الأخلاقية التي جاء بها سامية عالية وإنما الحقيق بالأهمية الكبرى من البحث في حال شغب من الشعوب هي الآداب العملية التي يسير عليها لا الآداب التعليمية المدونة في الكتب المحفوظة في الأذهان إذ قد دلت المشاهدات والاستقراآت إن ثمة فرق بينا بين إلا أن الآداب العملية والآداب التعليمية في جميع النحل والشعوب.
إن من بين العوامل المختلفة التي تعمل على تكوين الآداب ونشوئها هي المصلحة المشتركة وتأثير الوسط والرأي العام والطبقات العلية في الأمة والشرائع القانونية والتربية وعقلية الأمة وغير ذلك من العوامل وليس للأديان في تكوين آداب الأمم إلا أثر ثانوي ضعيف.
وقد شهدنا أن الأديان القديمة كأديان المصريين الأقدمين والآشوريين والكلدانيين والإغريق والرومان لم تسن شيئاً من الآداب ولم تتعرض للأخلاق ولا تجد فرائض وتعاليم من
стр. 1588
الآداب إلا في نحل الهند وفي الأديان التي جاء بها موسى وعيسى ومحمد على أن هذه الأديان الأخيرة لم تضع آداباً جديدة ولا اشترعت حدوداً من الأخلاق حديثة وإنما عمدت إلى عدة من الآداب الموجودة في الأمة فأمدتها بشيء من القوة وكفلت لها شيئاً من الضمانات وجملة هذه الضمانات أمل الثواب وخشية العقاب في حياة أخرى آجلة ولكنها في الوقت نفسه سهلت الظفر بالمغفرة فرفعت عن الخوف من العقاب ذلك الأثر الذي كانت ستحدثه في قلوب السواد الأعظم من الناس.
وفضلاً عن ذلك أن الباحث لا يعوذه إلا أن يضرب في الأرض ويدرس الناس على حقائقهم خارجين عن دائرة كتبهم وتعاليمهم حتى يعرف أن الدين مستقل عن الآداب كل الاستقلال إذ لو صح أن بينهما أسباباً وتلازماً حقيقياً لكان أكبر الأمم تمسكاً بالدين أكبرها حظاً من الآداب. ولكن ذلك في الحقيقة خلاف ما هو واقع فإن أسبانيا والروسيا وهما أشد ممالك الغرب استمساكاً بشعائر الدين لا تزال آدابها في مستوى منحط ضعيف ومن ذلك يتقرر أن الباحث في حالة الآداب عند أمة من الأمم لا يصح أن يتلمسها في دين الأمة أو يتوخى أسبابها من نحلتها على أنني أكرر القول أن الأديان جميعاً تحتوي مبادئ من الآداب عالية وأنها لو اتبعت لرجع إلى الأرض عصرها الذهبي لكن طريقة إتباع هذه المبادئ تختلف باختلاف الوسط والزمن والجنس وغيرها ولذلك نرى لكل أمة من الأمم المشتركة في دين واحد آداباً تختلف عن آداب شريكتها اختلافاً كبيراً وهذا ينطبق على الأديان جميعها ومن بينها الإسلام فإن آداب القرآن سامية عالية ولكن كان فعلها مختلفاً جسد الاختلاف تبعاً للشعوب والأوساط والعصور والأجيال فقد كانت آداب العرب في صدر الإسلام وأوائل عصوره أسمى كثيراً من آداب الأمم المعاصرة لها وفي طليعتها الشعوب المسيحية وقد كان عدلهم واعتدالهم وإحسانهم وسماحتهم في معاملة الأمم المهزومة واحترامهم لشعائرها وطقوسها وتلك الشخصية الفروسية التي طبعوا عليها كل ذلك كان حقيقياً بالإعجاب خليقاً بالدهشة والإجلال بل كانت على نقيض آداب الأمم الأخرى ولاسيما الشعوب الغربية في عصر الحروب الصليبية.
على أننا إذا جارينا الناس فنسبنا للدين من التأثير ما ينسبون له عادة لوجب علينا أن نقول إن آداب القرآن كانت أسمى بكثير من آداب الإنجيل. إذ كانت الأمم الإسلامية على آداب
стр. 1589
أرقى كثيراً من آداب المسيحيين ولكن ما قررناه من استقلال الآداب عن الأديان يثبت فساد استنتاج كهذا فلئن كانت هذه الآداب سامية في بعض العصور فقد انحطط انحطاطاً كبيراً في غيرها فإن سيادة الأتراك المتراخية والمتسلطة والنظام السياسي الذي بسطه فوق الممالك التي تحتها وضعاً كثيراً من آداب الشرقيين فإن مملكة تكون فيها أهواء الوالي وجنده وصنائعه وهي القانون الفذ والشرع الذي لا حول عنه ولا مرد حيث يكون كل فرد هدفاً لعسف ألف طاغية صغير لا هم لهم ولا مطمع إلا في الغنى والثراء حيث لا عدل يبتغى ولا نصفى ترتجى وحيث لا تستطيع أن تظفر بشيء إلا بقوة الذهب وسلطان المال نعم أن مملكة تعيش في جو كهذا يروح الفساد فيها عاماً شاملاً وعند ذلك لا تستطيع أن تقع فيها على أثر من الآداب أو شبه أثر ومن ثم أصبحت آداب الشرقيين بحكم الضرورة والقهر في مستوى منخفض منحط وإن كان القرآن بريئاً من هذا الانحطاط كما أن الإنجيل بريء من الانحطاط الأخلاقي المشهود بين الشعوب المسيحية التي تعيش تحت هذا النظام.
وما تقدم يكفي لإظهار ضعف أساس ذلك الرأي السائد اليوم في الغرب وهو أن الدين الإسلامي هو الذي أفضى ببعض شعوب الشرق إلى حد بعيد من الانحطاط الأخلاقي الذائع اليوم بينها وهذا الرأي يقوم على سلسلة من الأغلاط والأكاذيب هي أن القرآن هو الذي سن تعدد الزوجات وإن مذهب القضاء والقدر الذي يزعمون أن القرآن بثه هو الذي أدى بالناس إلى البلادة والخمول وإن محمداً لم يفرض على شيعته إلا شعائر بسيطة يسهل الاستمساك بها والقارئ المتتبع لما كتبنا يعرف إلى أي حد من الخطأ والفساد تجري هذه الآراء فقد أثبتنا أن تعدد الزوجات وجد في الشرق كله قبل أن يخرج محمد إلى العالم بعدة من القرون وإن القرآن لم يكن أشد قدرية من أي كتاب ديني آخر ولئن كان العرب قدريين بطبائعهم فإن عقيدة القضاء والقدر لم تؤد بهم كما يزعمون إلى البلادة والخمول وهم قد أسسوا بنياناً من الدولة شامخاً وأثبتنا كذلك أن المبادئ الأخلاقية التي جاء بها القرآن تعادل في سموها وكمالها ما جاءت به الكتب الأخرى ولو صح أن القرآن هو الذي حط من المسلمين لارتقبنا من أولئك الشرقيين الذين لم يكونوا بطبائعهم قدريين ولم يأخذوا بتعدد الزوجات أمثال مسيحيي الشرق أن يكونوا بنجوة من هذا الانحطاط ولكني لا أعرف من البحائين الذين درسوا الشرق من لم يجد نفسه مضطراً للاعتراف بأن آداب هؤلاء
стр. 1590
المسيحيين الشرقيين في مستوى أقل بكثير من مستوى آداب المسلمين.
ونقول في ختام هذا البحث أن آداب القرآن في سموها ورقيها كآداب أي دين آخر وأن الأمم التي دانت له أظهرت الأمم التي تعيش تحت شرائع المسيح مستوى من الآداب متحولاً متغيراً وذلك تبعاً للعصور والأجناس وتبعاً للعوامل الأولية في نشوء الآداب.
ولكن النتيجة الكبرى التي يمكن أن نستخرجها من كل ما قلنا هو التأثير العظيم الذي أحدثه القرآن في الشعوب التي خضعت لشريعته فقلما ترى من الأديان ديناً أحدث شبيه ذلك السلطان الذي بسطه الإسلام على النفوس والدولة التي شادها فوق الأرواح بل ليس في الأديان جميعاً ما ثبت سلطانه واستقام كالإسلام فإن القرآن لا يزال إلى اليوم قطب الحياة في الشرق وملاك أمرها وإنا لنجد تأثيره في أتفه فروع الحياة وأقلها ولئن كانت دولة العرب لم تعد ترى إلا في كتب التاريخ فإن الدين مؤسس تلك الدولة لا يزال حياً ممتداً منتشراً ولا يزال ظل النبي من أعماق قبره يسود متملكاً على تلك الملايين العديدة الساكنة أفريقية وآسية والمترامية بين مراكش والصين والمنثورة بين البحر الأبيض وخط الاستواء.
стр. 1591
من قول ابن الرومي
عدوك من صديقك مستفاد ... فلا تستكثرن من الصحاب
فإن الداء أكثر ما تراه ... يكون من الطعام والشراب
стр. 1592
الخلود
قصيدة نظمها الشاعر لامارتين يرثي بها حبيبته الفير وكانت قد قضت نحبها في ريعان الشباب وكان لامارتين نفسه مريضاً يظن أنه قد شفا الموت وقد جمعت القصيدة معاني شتى من الفلسفة والحب والجمال والموت والخلود حتى عدت أحر زفرات الشاعر وابلغ نفثاته.
هذه شمس أيامنا أصفرت وهي في مطلعها أنها لا ترسل الآن على جباهنا الذابلة ووجوهنا المنهوكة المتعبة إلا أشعة متحدرة مضطربة واجفة تغالب مطالع الظلام وتناصب هواجمه هذا الظل يمتد وهذا النهار يموت كل شيء يزول يفر ويطير.
لشد ما يرتجف المرء لهذا المنظر الرهيب ويرتعش لشد ما يراجع الخطى عند حدود الهاوية وينكب بل لشد ما يخفق الفؤاد إذ يستمع عن كثب على تلك الأنشودة الحزينة المظلمة أنشودة الموتى تتردد في أعماق صدره منتشرة في أنحاء نفسه إن تلك الأنات المخنوقة والأنفاس المتحشرجة آهات الحبيب وزفرات الخليل وانتحابات الولي وهي تتراجع وتضطرب حول فراش الموت أن هذه الأصوات المضيعة المبددة تعلن الأحياء أن منكوداً منهم قد خف ومكدوداً قد رحل.
تحيتي إليك أيها الموت وسلامي أيها المنقذ السماوي الكريم ما عدت بعد اليوم تطالعني في ذلك المنظر المرعب المشؤوم برهبتك وخشيتك ولا عادت يمينك تشارفني بمرهف سيفك لست أيها الموت بالمتجهم الوجه ولست بالخائن العين أنت الذي تروح إلى الله الرحيم بأحزاننا وفجعاتنا ونستدعي رحمته على نكباتنا وويلاتنا أنت لا تعدم بل تنقذ أنت لا تقتل بل ترحم إن يدك يا رسول السماء تحمل إلى مشكاة الهية يوم تحرم عيني المتعبة الحسيرة مشرق الضياء ومطلع النور أنك تجيئني لتمطر الجفن وتبلل العين هناك يطفر الأمل إلى قربك يظلله الإيمان وتشده التقوى ويفتح أمام عيني عالماً أجمل أروع حلو المتقبل لذ المتفكه والمتنعم.
ألا تعال أيها الموت وأقبل تعال فاقطع عني أغلال اللحم وبدد عني قيود البدن تعال أكسر باب سجني وافتح مغالق محبسي أعرني أجنحتك الهفهافة وقوادمك ماذا يحبسك عني ويمسكك ماذا يعيق عن زورتي ويؤخرك ألا أطلع عليّ وأشرف أريد أن أطفر إلى ذلك الكائن العظيم اشهد عنده مبدئي ومختمي.
стр. 1593
أموت ولا أعرف ما الوجود واذهب ولا أعلم ما البقاء أنت أيتها الروح المبهمة أيها الطائف الغامض المجهول سدى أسألك وعبثاً أستطلعك أية سماء بحقك تسكنين وفي أية دار ترى تعيشين أية قوة دفعتك إلى عالمنا المتحطم الضعيف الهشيم أية يد حبستك في محبس فخارك واعتقلت في قالب طينك لأي سبب عجيب وبأي سر غريب يرتبط بك البدن وبه ترتبطين لأية سفرة جديدة سترحلين عن الأرض وتتحملين أتراك نسيت كل شيء أم هل تذكرين أتعودين إلى حياة أشبه وعالم أمثل وأحكى أم في حجر الله مخرجك ومربعك وموطنك ستنعمين مناعم الأبدية وتلعبين ملاعب الخلود؟!
نعم تلك علالتي يا نصف الحياة وتلك طماحتى تلك هي الأمنية التي كانت عزاء نفسي السجينة المغلولة يوم شهدت غلائل حسنك تزبل والربيع في صميمه ومزدهره هي اليوم مناي والحزن يفتك بي والأسى يقتل وأنا أجود اليوم بالنفس وأسلم أموت فينان الغصن رطب العود ولكن ها أنا ذا أبتسم!
سيصبح قطيع أبيقور وجماعته أمل خلب كاذب! وذلك العالم الذي يفحص بيده عناصر الطبيعة ويدرس في زاوية صغيرة يسمونها العقل سيقطع دهره للمادة ويعيش في عالم المادة ويغفل عن الروح سيقولون جميعاً أيها الأحمق أنظر حولك ودر بعينك كل إلى فناء وكل إلى غاية وكل يولد لكي يموت أنظر ألا ترى الزهرة في الحقل تتعب فتضمحل فتموت ألا تشهد السدرة العظيمة في جوف الأجمة الكثيفة تفرع شامخة الرأس متطاولة الذؤابة ثم تسقط تحت ثقل الدهر ممتدة على العشب منتشرة فوق بطحاء الأرض أنت ترى البحار تنضب في قيعانها وتجف أنت ترى السماء نفسها تزوي وتصفر هذه الشمس تجري مثلنا إلى الفناء والانقراض هذه الطبيعة كلها تركم القرون والأجيال تراباً فوق تراب إن الزمن يقبر في جوف حوادثه ويرمس ولكن يا لا عظم حماقة الإنسان ويا لا سخفه لا يفتأ يوقن وهو في غيابات القبر إنه سيظفر بعد الحياة بالحياة ويحلم بالأبدية وهو في زوبعة العدم!
ولكن هوناً أي عقلاء هذه الأرض لعل أحدنا سيقول لكم أتركوني أيها العقلاء إلى ضلتي وإني أحب وعليّ أن أتمنى وأتعلل إن عقلنا الضعيف يتحير ويضطرب بل إن عقلنا أمام حجتكم يسكت ولكن غريزتنا ترد عليكم وتجيب.
стр. 1594
وأما أنا فيوم أرى الكواكب في السموات العلى تنحرف عن سبيلها المسنونة ومنازلها المقررة وأشهد في حقول الأثير النجم يهجم على النجم والكوكب ينطك الكوكب وأسمع الأرض تتنهد منشقة الجوف وتتأوه وأرى كرتها مائدة هائمة تضطرب عن كثب من السموات وتمور تبكي إنسانها الفاني وابنها الدفين مترامية في أحضان الأبدية فانية وأدور حولي فأجدني الشاهد الوحيد والحاضر الفرد يحف بي الموت وتحوطني الظلمات عند ذاك سأنهض واثباً لا خوف ولا رعب أفكر فيك يا نصف الحياة وأحلم موقنا برجعة فجر الأبد وعود عالم الخلد أرقب لقائك وأرجو زورتك.
أتذكرين الرحلة الهانئة والسفرة الراغدة يوم نشأ حبنا الخالد وبدأ غرامنا المقيم حينا فوق ذوائب الصخور القديمة الوحيدة وحينا على ضفاف البحيرة الساكنة الحزينة على جناح النعيم بنجوة من هذا العالم يوم خضنا معاً متصاعد الظلال ومنتشر الأفياء نهبط الربى وننزل الجبال نصغي إلى غناء النجوم وصدحها موسيقى حلوة لا صخب فيها ولا ضوضاء كنت تقولين الله محجوب وهذه الطبيعة معبده هذه الدنيا صورة كماله وماويته إن النهار نظرته وهذا الجمال ابتسامته أيها الأبدي اللانهائي القدير الجليل إن القلب في كل مكان يعبدك إن الروح تهفو مشوقة إليك إنها تريد أن تطفر نحوك وتثب تشعر أن الحب ختام حياتها فهي تحترق إلى معرفتك شوقاً وتلتهب
كذلك كنت تقولين وبهذه النفثات كنت تناجين وكان قلبانا يجمعان تنهداتنا ويمزجان أناتنا وزفراتنا يبعثان بها صوب ذلك الكائن العظيم الذي يدل عليه هوانا ويشهد به غرامنا يحمل إليه الليل تخشعاتنا وضراعاتنا ويرفع إليه الفجر تذللاتنا وابتهالاتنا والعين سكرى تتلدد بين الأرض منفانا والسماء مسكنه.
أواه. . . أللعدم خلقت أرواحنا أللفناء كانت حياتنا أيجري على الروح في ظلمة القبر حظ البدن أياتهمها جوف اللحد كما يلتهم اللحم ويدق العظم أتعود مثلها تراباً وتستحيل هباء أتراها تطير وتحلق أم تراها تتبدد كأجزاء الصوت المتردد.
بعد حسرة ضائعة وزفرة راجعة وتوديعة لمن أحبك باكية أيغني المحب ويبيد المغرم أواه. . إن أمام هذا السر العظيم لإنجاحك أيها العقل ولكن نسألك أيتها الغريزة أي ألفير إن محبك يسوق بنفسه فهل من رد. . هل من جواب!.
стр. 1595
الكبراء
إن المتوحش الهمجي السفاك ينحني أمام معبودات من الخشب والصخور والأحجار ولكن الإنسان المتحضر العصري يسجد لمعبودات من الدم واللحم إذ كان بين عاديي الناس وأوساطهم وبين أغنيائهم وكبرائهم ضرب من العبودية المنظمة عبودية ملونة بخليط من أصباغ العظمة المظهرية التي لا تعتمد في هيبتها وجلالها الأعلى العمي اللوني المتفشي في الطبقات الصغيرة من الجمعيات البشرية وليست هذه العظمة المظهرية إلا قوالب مجوفة من الضؤولة نفختها أنفاس المال أو أبهة المنصب أو حقوق الدم والناس جميعاً إلا أقلهم يرون من المال والمنصب أكبر مقياس للقوة وفي الظافر بالطائل منهما أكبر قوى فهم يقدسون هذه القوة القياسية لأنهم يشعرون من نحوها بالضعف كما يكون من المريض برئتيه أن يحسب السعداء هم الصحاح الرئات السليمة اللهى ومن ثم فمركبة الكبير بالقياس إلى قدمي الفقير هي قطعة من القوة ولذلك فهي قطعة من الاحترام.
وعلى هذا فقد أصبح للكبراء من وراء هذه العبودية المنظمة مجموعة من الآداب خاصة بهم هي آداب السادة وغيرها آداب العبيد فالكبر مثلاً من آداب الكبراء السائدين فإن فكر الرجل العادي أن يتأدب به عد عند العاديين هارباً خارجاً واعتبر عبد السادة متهجماً متوقحاً فالزهو والكبر والصلف والبذخ من آداب السائدين والقناعة والتواضع والخنوع والحياء من آداب المسودين.
عاش لابروبير وكان من عامة الشعب في ظل الكبراء وجناب النبلاء واختلط بالسادة والمتمولين ثم جعل يشرح نفسياتهم تشريحاً دقيقاً ويحلل آدابهم تحليلاً بديعاً وكان لابرويير من أبدع كتاب العصر وأحرهم لهجة وأسلوباً كان مرير التهكم قاسي الوصف جريء اللب وكان في بلاغته أبلغ من روسو وأسحر.
والآن فاسمع ما يقوله في وصف أخلاق الكبراء: أيها الكبراء! إني أترك لكم مآكلكم ومناعمكم وفرشكم وكلابكم وأفراسكم وقردتكم ومجانكم وملاقكم ومداحكم ولا أحسدكم على شيء إلا أن في حاشيتكم خدماً يساوونكم قلوباً ويضارعونكم أرواحاً بل قد يفوقونكم أنفساً ويفضلونكم شعوراً ووجداناً
أنكم تزهون علينا بأنكم تستطيعون أن تقطعوا في جوف الأكمة الكثيفة المختنقة طريقاً معبداً أو تشيدوا فوق بطحاء الأرض عالي الجدران وشامخ الأبنية أو تذهبوا سقوفاً
стр. 1596
وتجملوا قباباً وأعراشاً وتزرعوا الحدائق وتنشئوا البساتين ولكن أن تردوا قلباً واحداً إلى البهجة أو تدخلوا على روح محزونة الفرح أو المسرة أو تسدوا حاجة المحتاج أو تأسوا جراح المكدود فأنتم العاجزون والمتأففون.
أنا لنتسائل إذ نرى الفروق البينة بين الأنصبة بين آلام الفقراء ومباهج الأغنياء هل ترانا نتبين ضرباً من التعويض يتساوون به جميعاً ويتكافؤون فلا يكون نصيب الفقراء أقل احتراماً ورغبة من نصيب السراة والمتمولين هذا هو السؤال الذي لا يحكم فيه إلا الفقير.
إن للفقر وللغنى لسحراً جذاباً فتاناً إن الكبراء يبتهجون من اللذات بالتطرف وأما الصغار فيحبون الاعتدال الكبراء ينعمون بالأمر والنهي والأصاغر يبتهجون بالخدمة والطاعة الكبراء يحرسون ويحيون ويبجلون والأصاغر يحرسون ويكفرون وينحنون ويسجدون والكل مبتهج بأمره فرح مغتبط.
ليس بالأمر العظيم عند الكبراء أن يعطوك المواعيد ثم لا يتقيدوا بقيودها والحزم الحزم عندهم أن يخرجوا عن المواعيد وينحرفوا عن المواثيق وكلمات الشرف.
أنت تقول في لهجة باردة وصوت محتقر ممتهن إن هذا الخادم يضرب بسهام في الاجتهاد ونشاط الروح والطاعة وأداء الواجب والإخلاص والزافي إلى سيده ولكن قل ما يكترث لهذه فيه ويحفل إنه لا يحترم إنه لا يحب هذا ولكني أسألك أهذا الخادم تقرف أم السيد تنهم؟
قد تكون في أغلب الأحيان خيراً أن نفر من حظائر الكبراء من أن نشكو إليهم ونسترحم.
إن الكبراء يحتقرون ذوي الأرواح لأن هؤلاء لا يملكون غير الروح وذوي الأرواح يزرون على الكبراء لأنهم لا يملكون غير الأبهة وذو الخير يرثون للجميع لأنهم لا يملكون إلا الروح وإلا الأبهة خلوا من الخير صفراً من الفضيلة
إن فلاناً يؤثر أن يقطع حياته صنيعة للكبراء على أن يضطر إلى العيش الناعم بين لذاته ونظرائه
إن تجهيمة أو تقطيبه تأتي إلينا ممن هم فوقنا تكرهنا فيهم وتبغض وتحية منهم أو ابتسامة توددنا إليهم وتحبب
إن الاحتقار الذي يشعر به الكبراء نحو العامة هو الذي يجعلهم لا يأبهون بأماليقهم
стр. 1597
وأماديحهم لأنها تخفف من حدة زهوهم وهي تطفئ من جذوة كبرهم أنظر إلى الأمراء أنهم يروحون بمديح الأكابر أشد زهواً وأكثر عجباً لأنهم لا يحتقرونهم بل يقدرونهم ويعظمون.
يعتقد الكبراء أن وحدهم المستبدون بالكمال المتفردون بالمحاسن لا يحتملون أن يروا في الناس نبل الروح ولا فضيلة النشاط ولا رقة الحاشية وهم يدعون ملكية كل شيء جميل كحقوق وجبت لهم بطيب مولدهم وكرم دمائهم ومن أكبر الخطأ أنهم يعيشون على هذا الخطأ هم يرون أن الأرض لم تخرج أثقف عقولاً منهم ولا أبلغ قولاً ولا أرق تأليفاً ولا أبدع إنشاء بل ولا أرق بصراً ولا أنعمى خلقاً بل أنهم ليذهبون إلى أن هذه لم تنبت إلا فيهم ومنهم لكم الله أيها الأكابر نعم إن لكم أرضاً واسعة وملكاً كبيراً وسلسلة من الأجداد متراخية مترامية من ذا الذي ينكر عليكم هذا ومن ذا يجحد!
أيها الأكابر أتريدون أن أعتقد أن لكم نبل الروح وروعة العظمة وجمال الذوق والحكمة وبعد النظر أتريدون أن أصدق الأماديح المتغنية بأوصافكم غني لا أومن بها إني أتميز غيظاً ن كذبها إني ألفظها إني أزدريها أتريدون أن تخدعوني بمظهر العظمة الذي تلبسونه وسمت السمو والعلاء الذي تضعونه في كل كلمة تقولون وكل أمر تحدثون وكل لفظ تكتبون إني لا أومن إلا بأن لكم الجاه والأبهة ومناعم الغنى وأطايب الثروة. . . بأية وسيلة نستطيع تعريفك أيها الكبير الخشن الصوت الفظ الجرس إنا لا نقترب منك إلا كما نقترب من النار الموقدة إنا لا نكلمك إلا عن كثب ولا ندانيك إلا عن رهب يجب أن نخلع عنك حجابك ونلمس حقيقتك ونواجهك بنظراتك ونصدمك بأقرانك حتى نخرج منك بحكم فيك سديد رشيد.
стр. 1598
مستقبل الإنسانية
كيف يسود السلام العام
أيمكن أن يسود السلام في العالم وكيف يسود ومن ذا يكفله؟. . . . تلك هي الأسئلة العظيمة الشأن اليوم المقلقة لأذهان المصلحين والفلاسفة والسلميين المزعجة لكل قلب يحس فوق هذه الأرض بعد أن أصبح المقتنعون بفظاعة الحرب ونكرها وأهوالها وويلاتها المتلهفون على إزهاق روح الحروب وقتل سيطرتها الراغبون في تنظيم أمور الحياة على وجه لا يعود بعده على مسرح العالم ما يجري اليوم من الشدائد والأهوال والعذاب والآلام والقتل والفتك والتخريب والتدمير - نعم بعد أن أصبح هؤلاء جمهوراً عظيماً لم تشهد الإنسانية ضريبه في جميع ماضيها الحربي المخيف ولئن كان هذا الجمهور العظيم وهو يكاد يكون السواد الأعظم من أمم العالم كلها يريد أن يستتب السلام في الأرض آخر الدهر ويستقيم إلا أن الرغبة شيء وتحقيق الرغبة شيء آخر ولكن تحقيقاً لهذا لرغبة كهذه يتطلب إرادة عامة تشمل كل إنسان في العالم وتعم إذا كان يراد أن يسود السلام في الإنسانية إلى الأبد إذ لو كان الراغبون في السلم تسعة وتسعين من المائة فاعلم أن الرجل الواحد الخارج عن هذه الرغبة سيتابع ولا ريب تسليحه واستعداده فيشعل بعد ذلك يوماً جذوة الحرب ويثير سعيرها وأنتم تعلمون أن النكبة الرهيبة الحاضرة كانت نتاج تسليح عام مستمر لبث يجري مطرداً على نظام دقيق ممهد عجيب ومهارة عظيمة ودأب كبير طويل أربعين حولاً أو تزيد ومن ثم فلا يمكن أن نرتقب سلاماً عاماً إلا بإضراب عن التسليح يكون أشد من ذلك التسليح مهارة ودأباً ودقة ونظاماً فما هي إذن الوسائل التي تمكننا من نشر السلام العام في ربوع الأرض وإغلاق سجل الحرب إلى الأبد؟؟
وقبل أن نجيب عن هذا السؤال يجب أن نشرح للقراء العوامل النفسية الغريبة التي تثير الحرب عادة والعوامل النفسية التي تجنح بالناس إلى السلم والرغبة في تسويدها.
يقول الأستاذ ويلز وهو من أكبر كتاب الإنكليز اليوم وأعمقهم تفكيراً وأصفاهم ذهناً من أكبر الاشتراكيين العصريين إن في كل إنسان منا روحاً من الاحتجاج والاستنكار للحرب وأكثرنا على وجه من الإجمال يريد السلم ويطلب إبطال الحروب ولكن ليس فينا فرد واحد قد خلا من نزعة حربية مختفية من تضاعيف نفسه محتجبة في أعماق وجدانه - نزعة
стр. 1599
حربية غريبة تثب لصرخات الحرب وتجيش لأصوات القنبلة وزمجرة المدفع إذ لا ريب في أن كل منا يحس بأثر من الإعجاب والإجلال إذ يقرأ في الصحف نبأ موقعة حربية أو إغراق طرادة أو نسف باخرة لأن هناك مظهراً جميلاً من العظمة ومعنى حلواً من الجلال في كثير من خشونات الحرب ورهيبة أحداثها ووقائعها يثير في قلب كل فرد نوعاً من الحمية وضرب من السمو والقوة نعم إن في أثناء جوانحنا هذه النزعة التدميرية المخربة فلا داعي إلى إنكارها لأن أول وسيلة يمكن أن نستعين بها على نشر السلام هو أن نعمل على ضبط هذه النزعة وقهرها ولا سبيل إلى ضبطها إلا بتذكير الإنسانية جمعاء بالوجه الآخر المخوف من حقائق الحرب وأمورها على أن الذين يسفهون الحرب ويكرهونها ويرمونها بكل نكراء من القول هم الذين يريدون أن ينهوا عصرها ويختموا عهدها ولكن هناك كثيرين كبرت عندهم هذه النزعة وأشتد أثرها وهم وحدهم هم الذين يقفون في طريقنا إلى السلام العام على أننا يجب أن نتذكر أن القوى التي تعمل لصالح أمر من الأمور هي دائماً أشد تماسكاً وارتباطاً وتأثيراً من القوى التي تعمل على مقاومته وهذا ينطبق على حالنا نحن رسل السلام ومقاومتنا لرسل الحرب ودعاتها وأبواقها وطبولها فنحن القائمين في وجه الحرب الراغبين في قتل روحها لم نقم في وجهها إلا لعدة من الأسباب والأدلة والبراهين وذلك أن هناك فروعاً من الحياة غير الحرب نؤثر ووجوهاً من العيش نحب وهذه الحرب تقتل رغائبنا وتعيق أميالنا وأمانينا منا من يريد أن يتوفر على الفن - الشعر والموسيقى والتصوير والنقش والفلسفة الكتابة والتأليف ومنا من يريد أن يخلد إلى حرفته في المصنع وصناعته في المعمل ومنا من يريد أن ينزوي إلى التفكير العلمي والاختراع والابتداع ومنا من يريد اللهو والمرح والبهجة ومنا ومنا ولذلك قد اجتمعنا كلنا على أن نفكر في غير الحرب وننكمش إلى مطالبنا ووجوه عيشنا غافلين عن الحرب منشغلين وبيننا نحن كذلك إذ هناك فئة قد آثرت أن تخلد إلى العمل للحرب كما آثر بعضنا الإخلاد إلى الشعر ومن ذلك أصبح نشوب الحروب من جراء إهمالنا مسائل الحرب محتملاً ممكناً لأن هذه الفئة لا تفتأ تعد الأهبة وتمهد السبل وتضع الخطط لإضرام نيران الحروب كما لا يفتأ أرباب الفنون ما يتقنون فنونهم وينقحون في أساليبها ويهذبون وجوهها وإذا بنا على غرة قد تنبهنا إلى أن الحرب قد قامت على قدم وساق وعلى هذا لن تنتهي
стр. 1600
الحروب ما لم نفكر نحن طلاب السلام في تأسيس نظام تام نستطيع به مراقبة مثيري الحروب وخالقيها وما لم نكن منهم بمثابة الشرطة من المجرمين واللصوص والجانين.
وقد شهدنا أن طلاب الحرب في كل أمة قليلون وإن كان أكثر الناس في بعض الأحيان يطلبون الحرب وذلك لأن العدوى قد سرت إليهم من هؤلاء القليلين وهم الذين أصبحت النزعة الحربية المختفية في أعماق عواطفنا جميعاً باعثاً نفسياً مسيطراً على كل شيء فيهم متغلباً حتى لا يمكن أن تقهر فيهم كما تقهر في وفيك بتذكر فظاعة التدمير والتقتيل ولا بإحساس الشفقة والرحمة ولا بتخيل الهول والويل لأن هؤلاء عشاق الحرب مخلوقات لا تحاكينا في التركيب ولا في العواطف ولا في الوجدانات وأنك لتسمع منهم دائماً إذا جلست وإياهم إلى حديث كلمة واحدة وهي إن الحرب تنبل وهم لا يريدون بكلمة تنبل إلا أنها تبيد آلاف المناعم التي لا يتنعمون بها ولا يتذوقونها ولا يفهمون لها معنى مناعم يجهلونها ولذلك يشعرون من نحوها بالغيرة والحقد مناعم سلمية هي الجمال والرقة والعطف والهدوء والسكون والبهجة وهم يصفون كل ما ليس خشناً في الحياة فظاً قاسياً بالانحطاط والاضمحلال وهذه الحجة التي يعمد إليها الحربيون وهي أن الحرب تنبل إن هي إلا عارض من عوارض ناموس حفظ الذات فيهم ضد مناعم السلم التي لا يعرفونها ولا يقدرون لها قدرا.
وليس طلاب الحرب قاصرين على القواد وغيرهم ممن يلبس تلك الأردية الملونة المذهبة العسكرية بل تعداهم إلى الأساتذة في الجامعات وقواد الفكر وكبار الكتاب ومنشأ ذلك إن الدأب على البحث والتنقيب وإنهاك الأعصاب في التدريس والتعليم هما اللذان يجعلان هؤلاء القوم يشعرون بالسآمة والضجر ويحسون عوارض السوداء والفتور والحزن والغم ويزداد فيهم ذلك حتى يتخذ مظهراً موحشاً يؤدي بهم إلى تلك الأفكار الوحشية الرهيبة فلو أنهم يعمدون إلى استحمام يومي طيب دافئ وانقطاع عن شراب النبيذ والجعة وغيرهما وإضراب عن التدخين وقضاء ساعات في الرياضة بعد المقيل لتحسنت صحة هؤلاء الأساتذة المحمومين المستعري الأعصاب ألمضطربي الأذهان.
على أن ليس العائق الوحيد دون استتباب السلام في العالم هم عشاق الحرب بل أولئك الجماهير العظيمة التي تعينهم على عملهن فلئن كانت الجماهير لا تحب الحرب ولا تريدها
стр. 1601
إلا أنها تقدم لعشاق الحرب الفرص السانحة لنشوبها لأنها لا تضع لهم حدوداً يقفون عندها ومثل هذه الجماهير كمثل قوم يخشون تفشي الحمى الصفراء في بلادهم ولكنهم يعارضون في وضع مقادير من البترول في البرك في الجداول والمستنقعات وهي الوسيلة الوحيدة لقتل جراثيمها بحجة أن البترول يضر بالأزهار.
إذن فهذه الجماهير التي تكره الحرب ولا تطلبها ومع ذلك تجيزها هي التي يجب أن نبحث في أمرها إذا كنا نريد أن يخفق علم السلام على الأرض أبد الدهر.
(١) وأول وسائل الواجبة لسيادة السلم: هي ضرورة إنشاء سلطة رقابية عامة إذا كنا نريد أن تلغي الحروب وتحترم المعاهدات ولكن ما دامت هناك حكومات متعددة كل منها حرة اليد في عمل ما تحب تسلح إن شاءت شعبها وتلغي المعاهدات كما تريد فلن يتحقق أملنا في سلام مضمون بل لن نستطيع أن نقيم سلاماً عاماً في العالم إلا إذا نسجنا نسيجاً من المعاهدات ترتبط به الأمم كلها وأقمنا شباكاً من التضامن تدخل فيه الحكومات جمعاء ولا يكون هناك اتحادات فرعية ولا اتفاقات ثلاثية ولا رباعية.
ولقد كان مؤتمر الهاي الخيط الأول من خيوط هذا النسيج الدولي العام ولكنه كان خيطاً ضعيفاً واهياً ولذلك لم يحدث أثراً ما ولكنا نريد أن يقام هناك مؤتمر عام يمثل وزارات الخارجية في جميع الأمم سواء الأمم المحاربة اليوم وغير المحاربة الصغيرة منها والكبيرة وأن لا يحل هذا المؤتمر بحال من الأحوال بل يجب أن يكون له مقام مستمر وموظفون دائمون وكتاب وإداريون ومالية مخصوصة ينعقد ويتناقش جهاراً وينشر المعاهدات والارتباطات التي تؤلف بين الدول أعضائه ويكون له الحق في الاستعانة على تنفيذ قراراته ببحريات الدول وحربياتها وأما عن الاحتفاظ بالكلمة العليا للدول العظمى فيمكن أن يكفل بعدد من الأصوات على نسبة عدد سكانها وكل دولة تبعث ممثليها بواسطة وزارة خارجيتها أو يمكن أن ينتخب هؤلاء النائبون كما ينتخب نواب البرلمانات والندوات التشريعية ولا تكون سلطة هذا المؤتمر مقصورة على سن المعاهدات وإبرامها وتنفيذها بل يعطي الحق في إنشاء ما يراه صالحاً من الأنظمة والطرائق والمشروعات المتعلقة بالتجارة والمصلحة العامة والصحة والملاحة والرقابة البحرية وما إلى ذلك ومن ثم يكون في الحقيقة برلماناً عاماً محترم الكلمة مسموع الأمر والنهى وهذه الفكرة العملية من السهل
стр. 1602
إخراجها اليوم إلى حيز التحقيق إذا استطعنا أن نتغلب فقط على تلك الفكرة الخالية التي يتشبث بها اليوم جمع كبير من السياسيين والحكوميين وهي أن كل كل دولة تستطيع أن تحتفظ بالسلم مع كونها غير مسؤولة أمام غيرها ولا مرتبطة بأدنى رباط مع بقية الدول الأخرى
ولكن لعل وزارات الخارجية وزراءها وكبار المفوضين والسياسيين سيثيرون اعتراضا حارا على هذه الفكرة لأنها ستجهز على عصر الأسرار وتختم عهد الدسائس. وستطهر العالم من تلك الاتفاقات السرية والمكائد المعقودة في الظلام التي كانت الأساس الأكبر الذي قامت عليه معاهدات الماضي ومفاوضاته واتحاداته ولكن صالح الإنسانية فوق كل شيء وذلك لأن المتتبع للمفاوضات التي ساقت العالم إلى هذه الحرب لا يشك في أن اكبر أسباب هذه المجزرة الهائلة أن جري السياسيون على التكتم والائتمار والخلفي ولو أنهم تكاشفوا وتصارحوا لما قذفوا بالعالم في هذه الهوة السحيقة من التدمير والتخريب
(٢) والوسيلة الثانية هي أن تلغى السفارات لأن السفارة في المملكة عين عليها واشية خائنة نمامة وهل كانت السفارات الاجاسوسيات منظمة تحت ستار خدعة؟ وليس تمت من خطر على علاقات الدول ومصالحها المشتركة مادام القناصل هم القضاة المدنيين الذين يعملون على الاحتفاظ بحقوق رعاياهم.
حتى إذا تم النجاح لهذه الفكرة فأنشئ هذا البرلمان الدولي العام فأن أول مسألة خليقة بالبحث جديرة بالتدبير والتفكير هي إلغاء التسليح فإن المراقب لشئون السياسة في نصف القرن الأخير لا يستطيع أن ينكر أن ذلك الدأب العظيم على التسليح والاختراع المدمر ولابتكار المميت هو الذي جر إلى فظائع التقتيل الواقعة اليوم وحصد الجسوم وتفتيت الأبدان وتقطيع الأوصال والأشلاء فإن ملايين القتلى في هذه الحرب لم تقتلهم إلا تلك المخترعات الجهنمية الشيطانية وليدة العبقريات الشريرة ونتاج العلم المدمر.
وهناك وجه آخر من سيئات هذه المخترعات وفظائع هذا التسليح حقيق كذلك بالبحث والتفكير وذلك أن الدول العظمى تمد الممالك الصغرى والشعوب الهمجي المتبربرة والأمم التي لم تعد بعد طور التكوين الاجتماعي بتلك الأسلحة والمخترعات عينها فتسلح جنوب إفريقيا مثلاً وجمهوريات بيرو والبرازيل والمكسيك بل ترى الصين وإفريقيا حافلة بالآلات
стр. 1603
الجهنمية الأوروبية والأسلحة الفتاكة الأمريكية ومنشأ هذا هو التنافس التجاري والغيرة المتبادلة بين بعض الدول وبعضها وقد وجب الآن بعد ما رأينا من هذه الحرب أن يلغى ذلك التسليح الجنوني للجمعيات البشرية المتأخرة المتقهقرة.
ولا سبيل إلى ذلك إلا أن لا تعود صناعة المواد الحربية بعد اليوم صناعة حرة فردية وأن لا تكون كما كانت إلى اليوم مصدراً للإثراء ووسائل لبعض الأفراد للإكثار من الربح والمكسب وأن لا توجه القوى المخترعة والعبقريات المبتكرة إلى ابتداع ما يحصد النفوس ويفتت الأبدان.
стр. 1604
عالم العلم
آداب الطيور
لسنا وحدنا نحن بني الإنسان المخلوقات الوحيدة التي تتنعم بالحب والعشق وتحنو إلى المغازلة والتشبيب وتقيم الخطب والأعراس فإن في عالم الطير من ذلك المدهش لغريب إذ ما يكاد يدخل الربيع بنضارته وريعانه حتى تنطلق الطيور تبحث عن الأزواج والذكر منها هو الذي يلعب عادة دور المغازل الخاطب وإن كان بعض الذكران قد أصاب من الحياء والتعفف ما يصيب أمثالها من ذكران الناس فتضطر المتهتكات من الإناث إلى مغازلتها بنفسها وإيقاعها في مصائد الزواج وقد دلت ملاحظات العلماء على أن هناك أنواعاً من الطير لا تعد مسألة الزواج إلا أمراً عادياً لا محل فيه للحب ولا مدعاة إلى المغازلة وأمثال هؤلاء من الناس كثير ومن ثم تهجم على إناثها بالخطبة وتبغتها دفعة واحدة بطلب القران وإن هناك ضروباً غيرها تعاني المشقة المنهكة في ابتغاء قرنائها في الحياة وشركائها وأخرى لا تظفر بالأنثى إلا بعد صراع طويل بينها وبين مزاحمتها حتى إذا صرع أحدها الآخر وفر بالأنثى ظافراً وليس تعدد الزوجات معروفاً عند الطير بل لكل ذكر زوجة واحدة ومن الطير أصناف كثيرة تمكث في صحبة الزوجة آخر حياتها ومنها ما يقضي من العام في ظل الزواج فصلين أو ثلاثة ومنها ما يعد نفسه حراً من مواثيق الزواج وعهوده إذا انفرط عمر الفصل الواحد.
وللألوان الأثر الأكبر في نجاح الخطبة بين الذكور والإناث وترى لريش الذكور عادة - إلا في بعض الأحوال النادرة - ألواناً أبهج وأزهى من ألوان الإناث ولذلك تستخدم الذكران بهجة ألوان أذنابها وأعرافها وأجنحتها في المزاحمة على عشيقاتها وإذ ذاك تقع المشاحنات ويستطير القتال بين الذكور والمتزاحمة على الأنثى الواحدة وفي مثل هذه الأحوال ترى الأنثى ترضى بالصارع وإن كانت قبل الصراع تحنو إلى الصريع وتلك طبيعة الأنثى في ضعفها وإيثارها من الأزواج القوى على الضعيف حتى إذا عرض لها يوماً ذكر أقوى أسراً من زوجها وأجمل مظهراً عمدت إلى تحريض الزوج على قتاله لكي تظفر بعده به ولا يكون من ذلك إلا أن أقوياء الذكور من الطير وأصحائها وحسانها هي التي تستطيع وحدها الفوز بالزوجات وكذلك تعمل الطبيعة على بقاء الأصلح.
стр. 1605
وللذكور في التظاهر أمام الإناث بجمال ريشها وحسن مظهرها عادات غريبة بل تكاد تكون مضحكة فهي تحاول أن تظهر كل قطعة من جسومها وكل زخرفة في ألوانها ومن ثم تتخذ حالات من الغرابة بمكان فترى الديك الرومي مثلاً يعمد إلى الانتفاخ مزهواً متكبراً وتشهد الطاووس يرسل ذنبه إلى آخره لكي يظهر كل بدائع ألوانه على أن من الطير ما يكره أمثال هذه المظاهر فيقف إزاء الإناث لا يأتي بحركة ما مرتقباً حكمها الأخير فيه وكل ما تسمع من أغنيات الطير في الربيع ليس إلا أناشيد يخطب بها الذكور الإناث.
فإذا تمت الخطبة عمد الزوجان إلى بناء وكر الزفاف وعلى الزوج أن يقوم بالعمل الأشق منه حتى إذا وضعت الأنثى بيضها رأيت من الطير الذكر أن ما يعمد عند ذاك إلى هجر زوجه وإغفال شأنها طائراً عن الوكر أبقاً من العش ومنها أزواج أوفياء تلزم البيض وتحرسه بل تأخذ على نفسها كذلك نقفه وفقسه وإخراج صغاره
стр. 1606
عالم الحرب
مصلحة البريد الجوية
فكرت الولايات المتحدة في استخدام ألفي طيار لنقل الأشياء الهامة المرسلة في البريد وذلك اتقاء ضياعها في البحار بعد أن رأت الأقيانوس محفوفاً بأخطار الحرب وغيلاتها وقد أجمعت على تحقيق فكرتها إذا بدأت منذ سنتين تصدر طوابع جديدة برسم الطرود مرسوماً عليها صور طيارات البريد.
الأوسمة الحربية للكلاب
اعتادت الجيوش أن تحشد مع رجالها عدداً غير قليل من الكلاب وقد جرى الجند على اصطحاب كلابهم إلى ميادين الحرب وقد لعبت الكلاب في هذه الحرب دوراً عظيماً لم تلعبه من قبل الحروب الماضية فقد استخدم البلجيكيون الكلاب في جر الأحمال والمدافع الصغيرة والذخائر الخفيفة وقد كان منها أن جعلت تمضي الأيام العديدة مشدودة إلى عجلاتها ومركباتها لا تذوق الراحة إلا كأسيادها الجند خلال الهنيات القليلة والكلاب في الجيش الفرنسي يقومون في الآرجون مقام الحراس على الخنادق والمرابط. وقد كان من ذكاء هذه الكلاب أنها إذا رأت أو أحست باقتراب العدو أو جواسيسه لا تعمد إلى النباح كعادتها عند إحساسها بمقدم غريب أو عدو أو طارئ بل استعاضت عن النباح بضرب خافت من العواء حتى لا يتمكن العدو أو الجاسوس من الفرار إذ هي نبحت وناهيك بما تؤديه الكلاب إلى جمعيات الصليب الأحمر من الخدمات والأعمال.
فلا عجب بعد ذلك إذا كانت الجيوش الأخيرة تنعم على كلابها عند البلاء الحسن بضروب من الأوسمة لا تختلف عن أوسمة الشجعان من الجند وقد أعطيت بعض الكلاب وسام صليب فكتوريا وهو من الأوسمة الكبرى في المملكة البريطانية وقد أبلى أحد الكلاب الإنكليزية في حرب الأفغان عام ١٨٧٩ أحسن البلاء فطوقته الملكة فكتوريا نفسها الوسام الأفغاني بيديها.
كيف تتخاطب الغواصات
يندهش القارئ إذ يسمع أن الغواصات استطاعت أن تبعث بأنباء أعمالها إلى عاصمة الدولة التي تنتسب إليها والوسيلة الوحيدة إلى هذا التخاطب أن الغواصات متجهزة بجهاز
стр. 1607
لا سلكي بخلاف الأجهزة المعروفة وهذا الجهاز يتركب من عامود قصير ينتهي طرفه الأعلى ببالون أسير مشدود فإذا أريد إرسال خبر من الأخبار جعلوا البالون يفلت في الهواء ثم يطلقون من الآلة الكهربائية الباعثة سلكاً يجري إلى العامود فإذا تركت الآلة إلى العمود انتقلت إلى البالون الأسير بواسطة آلة مغناطيسية وهذه تنفذها إلى أحد مراكز التلغراف اللاسلكي الشبيهة بها في البلاد المطلوبة ويقال أنها تستطيع إرسال أنبائها على مسافة خمسمائة ميل أو ستمائة.
تأثير التبغ في الحروب
دلت الرسائل التي يكتبها الجند في ميادين القتال إلى ذوي قرباهم وأصدقائهم في البلاد إن التبغ للجندي في مرتبة الطعام والشراب وأن له أكبر الأثر في نجاح الحروب وخيبتها وانتصار الوقائع وفشلها وإن الجيش الأقل نصيباً من التبغ أقل نصيباً من النصر وقد تجلى هذا التأثير العظيم في الحرب السبعينية فقد أكد الإحصائيون الحربيون أن هزيمة الفرنسيين العظيمة كانت ترجع إلى قلة المناعم ولا سيما التبغ بين الجنود بينما كان الألمان لا يألون جهداً في إمداد جندهم بالمقادير الكبيرة منه وتأليف الجمعيات المتعددة لإرسال ملايين اللفائف إلى ساحة الحرب وقد أثبت التاريخ أن الضابط منهم كان يعدو في الساحة فوق جواده واللفافة في فمه وإن الجند كانوا صافين وذوائب الدخان تخرج من غلاينهم بل إن بسمارك نفسه كان قدوة للجنود فلم يكن ليرى دون لفافته وقد كان من عادته بعد انتهاء الموقعة أن يمر بين الجرحى وهم بين سررهم في المستشفيات فيفرق عليهم لفائف التبغ ويشعلها لهم بل إن مولتسكي الكبير أعترف في بعض تقاريره بأن التبغ من أوجب الضرورات له إذا أجمع على تدبير موقعة من المواقع.
هل تبطل المدافع ببطلان الحرب
الناس في أوقات الحرب عرضة لأن ينسوا أن للمدافع بقطع النظر عن التقتيل والتفتيت عدة من الفوائد لا تنكر وإن المدافع لن تبطل وإن بطلت الحرب إلى الأبد. فمن فوائد المدافع الخارجة عن حدود الحروب أن السفن لا تستطيع إعلان بلوغها الساحل إلا بإطلاق مدفع يؤذن بذلك وليس من الهين أن يستعاض عن ذلك بوسيلة أخرى تغنى غناء المدفع ومدفع الظهر هو أكبر الوسائل الممكنة لإعلان البلاد وإرباضها بصحة الوقت ثم لا تنس
стр. 1608
المدافع التي تطلق حداداً على الكبراء والملوك والوزراء وتلك التي تطلق احتفالاً بالأعياد الكبرى وجلوس الملوك ومواليدهم.
وهذا والمدفع تنقذ الأرواح كما تخطفها فإن في البلاد المقفرة الصحراوية حيث يصعب جمع المياه من رطوبة الرمال يستعمل الجند مدافعهم في إنقاذ حياة الهالكين من الظمأ وذلك بأن يطمروها في الرمال فتلتقط رطوبتها ومن ثم يتيسر للناس الشرب
стр. 1609
العدد ٢٦ - بتاريخ: ٣٠ - ٤ - ١٩١٥
стр. 1610
المتشائمون
مقال جميل جليل متفائل - خليق بجماعة الساخطين على السكون والحياة وبكل من يهمه أن يعيش في هذه الدنيا عيشة راضية أن يقرؤه وينعموا فيه النظر ويعتبروا بما جاء فيه - لخصناه من مبحث ضاف طوال للفيلسوف الألماني ماكس نوردو
من كان يحسب أهرام مصر وحدائق سميراميس وبرج بابل وتمثال رودس من عجائب الدنيا فإن ثمت ما هو أعجب من هذه وأغرب أعني بذلك مذهب التشاؤم مذهب الساخطين على السكون والإنسانية والحياة عامة سخط المهموم الكاسف البال الذي قد أصبح من الوجوم والانقباض بمنزلة من لج في الشراب علا على نهل حتى نزح أربعاً وعشرين كأساً.
والتشاؤم نوعان طبيعة وتكلف والأول ضربان نظري وفعلي فخطة النظري لإغراق في نقد كافة مظاهر الوجود ذاهباً إلى أن السكون بناء سيء الصنعة لا يفضل أدنى مجهود من يد جافية خرقاء وأنه لا غاية لاستمرار الوجود ولا قصد وصاحب هذا الرأي يقف أمام هذه الآلة (أي الكون) الضخمة المعقدة حائراً يهز رأسه عجباً ويحاول عبثاً أن يتبين لحركتها الطائشة وسيرها المجنون أدنى أثر في نظام أو حكمة ثم هو يرى أن اليد المدبرة للكون ولأعظم ما يهمنا في الكون أعني الحياة البشرية إنما هي الصدفة وأنه ليس هناك قوة منظمة كقانون الواجب توجه مجرى الحوادث صغيرها وكبيرها فالفضيلة في كساد والرذيلة في رواج والبر خائب والفجور فائز.
والعقل محروم يرى ما يرى ... كما ترى الوارث عين المريض
فلماذا تستمر الحياة ولماذا يدوم الكون؟ أليس الأصوب أن يهدم هذا البنيان ويرجع إلى العدم الذي منه خرج ونشأ؟
غرور وغفلة ومذهب باطل ورأي فائل! وذلك أنه بني على الخطأ وقام على الكذب إذ جعلت مقدمته التي ابتدئت بها القضية هي تقديس العقل البشري وافتراض أنه أشرف الخليقة وأنفس نتائج الطبيعة وانه قادر على فهم كل ما هو كائن وأنه لولاه ما كان شيء وأن ونواميسه لا بد أن تكون أيضاً نواميس الكون اجمعه.
والحقيقة أنه لو كانت نواميس الكون هي عين نواميس العقل البشري أعني أن الذي يسير الكون ويدبره هو عقل مماثل في ماهيته وتركيبه لعقل الإنسان - إذن لصح لابن آدم أن
стр. 1611
يطعن في هذا الوجود ويمزق بلسان الذم أديمه ويرميه بكل عيب ومنقصة لأنه يكون إذ ذاك أهلاً للقذف والقذع وتكون أفعاله في الواقع خبيثة منكرة ويكون بحق ذلك الأرعن الأخرق المجنون آناً مسرفاً وآناً شحيحاً وفي جميع أحواله اعمى عن العواقب راكباً سبل الغواية طارقاً أبواب الفساد حتى لقد آن أن يضرب على يده فيجعل تحت رقابة أستاذ مؤدب وحكيم مهذب من حائزي أرقى شهادات الفلسفة من أكبر جامعات أوربا فالكون إذن مجرد من العقل والفضيلة وعليه إما أن يعتدل فيستقيم أو يتوارى فيخفى.
هذا لو كانت القوانين المدبرة للكون هي عين المدبرة للعقل الإنساني ولكن أيها الأحمق الضعيف إني لك الحكم بأن هذا هو الواقع وبأي حق تطبق على الكون وأحواله خطة النظر والاستدلال الخاصة بك؟ أليس من المحتمل بل من المرجح أن عجز الذهن البشري عن تفسير المظاهر الكونية وربما كان أشد من عجز مفتاح ساعتك عن فتح القفل المحكم من خزانة حديثة الطراز ومع ذلك فالقوي المتصرفة في إدارة كيان الإنسان قد تكون هي عين القوى المتصرفة في إدارة السكون كما إن القواعد الميكانيكية التي يقوم عليها تركيب قفل الخزانة المذكورة هي عين التي يقوم عليها تركيب ساعتك وإنما الأمر هو فرق بين شيئين أحدهما صغير جداً والثاني مفرط العظمة لا حد له ولا نهاية - أحدهما بسيط بالقياس والثاني متناهي التركيب والتعقيد ونحعن فلا نجد أمامنا بعد ما ينفي قول من يزعم أن للكون عقلاً شاملاً عاماً يعجز دماغ آدمي وأضيفت إليها القوى في هيئة حركة عصبية تولد عن ذلك جسمه والتي أهمها الأوكسجين والإيدروجين والآزوت والكربون والحديد والفسفور الكبريت والكالسيوم والصوديوم والبوتاسيوم والكلور توجد ايضاً بكثرة مفرطة خارج الجسم لبشري الحي وكذلك القوى التي بها تؤدي الأعضاء وظائفها الحيوية وأعني بهذه لقوى القوانين الكيماوية والميكانيكية كالكهرباء وغيرها من ضروب الحركة هذه أيضاً فعالة خارج جسد الإنسان فمن ذا الذي يجرأ بعد ذلك على القول بأن هذه العناصر لا يتولد عنها عقل إلا إذا تألفت على شكل واحد خاص - شكل الدماغ الإنساني والجهاز العصبي، أليس من المعقول بل من المحتمل أن شكل الجهاز العصبي هو شيء جاء من طريق الصدفة والاتفاق وأن الجزء الجوهري والركن الأساسي إنما هو العناصر المؤلفة للجهاز المذكور والقوى الفعالة في طيه وأن هذه العناصر والقوى قد تنتج أيضاً نوعاً ما من العقل
стр. 1612
إذا هي تفاعلت بكيفية مخالفة للخطة التي يدور على محورها نظام الكائنات الحية الواقعة تحت حواسنا.
أما الذين يرمون الدنيا بفساد الفضيلة فقد صح رأيهم لو ساغ لنا أن نزن العالم بمعيار الفضيلة المصطلح عليه بيننا. ولكن بأي حق نفعل ذلك. إن قانون الفضيلة عندنا لا يزال رهناً بالزمان والمكان يتغير بتغيرهما فهو في انتقاله من شكل إلى شكل وتحوله عن صورة إلى صورة كالأزياء واختلاف ضروبها. ففضيلة القرن التاسع عشر هي غير فضيلة القرن الثامن عشر ومحامد العصر الحاضر هي مذام العصر الغابر بل أن قانون الفضيلة في العصر الواحد تراه متنافر الأجزاء يناقض بعضه بعضاً فهو يعد القتل جريمة إذا وقع من الفرد ومكرمة ومأثرة إذا قامت أمة مسلحة فأوقعته جملة على أمة أخرى. وهو يعد الغش والكذب رذيلتين وتراه مع ذلك يجيزهما في باب السياسة وهاك أمة عظيمة راقية - أعني الولايات المتحدة - تخص السرقة والنهب بأصرم العقوبة إذا صدر عن الفرد ولكنها تتغافل عن هذين الجرمين إذا وقعا من الجماعات والمدن والولايات بإعلانها الإفلاس الكاذب وتزويرها على أرباب الديون. وقانون الفضيلة اليوم جد مخالف لما كان عليه في سالف العصور، وأكبر ظني أنه سيكون شديد المخالفة لما سيكون عليه في مستقبل الأيام. وبالإجمال فالفضيلة إنما هي بيان لتلك الأمور التي تعتبر ضرورية من وقت لآخر طبقاً لحالة الجنس البشري وهذا البيان يوضع في أسلوب أوامر ونواه أدبية وقوانين وقواعد أخلاقية. وبتدرج الطبع الإنساني في الرقي تتغير بعض مقتضيات نجاحه وتغير هذه يستلزم تغيراً في مواد قانون الفضيلة والرذيلة أعنى يتغير رأي المجتمع في ماهية الخير والشر - المحظور والمباح - الحسن والقبيح. أفمثل هذا الميزان المزعزع والمعيار المتقلب تقاس به ظواهر الطبيعة وتختبر حركات الكون؟ وهل شي لم يسلم بصحته السلف. ولن يقر بصوابه الخلف. يجعل قانون الطبيعة الأبدي. وناموس الكائنات الأزلي؟ أما أني لا أرى الفيلسوف الذي يسخط على الكون وينسب إليه الطغيان والجور وإلى خلقه الفساد واللؤم إلا كالفتاة الغرة التي قد ساءها أن ترى الجو محالف الزرقة فهي تسوم السماء أن تلبس كل يوم لوناً يلائم صبغة حليها وحللها وبغير ذلك لا تنال السموات رضاها.
إن فلسفة أرسطاليس القائلة بتشريف الإنسان على سائر الخلائق قد ظهر بطلانها في
стр. 1613
العصور الأخيرة وقد ألغيت وعفت آثارها. فليس من معتقدات هذا العصر وتعاليمه أن الكرة الأرضية هي مركز الكون ولبابه وسره. وأن الإنسان هو أقصى غية الخلقة ومنتهى مطمح الطبيعة وأن القمر ما أشرق إلا لينير حنادس ليلنا والنجوم ما انتظمت إلا لتنتثر في دواوين شعرائنا. على أنه لا يزال بين طلاب الفلسفة من يتمسك بهذا الرأي المأفون فيرمي الطبيعة بالسفه والحمق بحجة أن ذخيرة الفحم الحجري ربما نفذت يوماً ما من المناجم وأن بركان فيزوف قد أهلك جما غفيراً من الخلق وفيهم الفتيان والفتيات في ريعان الشباب وزهرة العمر. وأن آنسة أورليان أحرقت بالنار حية وقائد الأسويج جستاف أدولف قتل في واقعة لوتزين في أوج انتصاره وأن الحسناء المليحة كثيراً ما تقضي نحبها على فراش النفاس وتترك الفرخ الضعيف لا كفيل ولا حاضن.
وإذا كان من حق الإنسان أن يعتد محنه وبلاياه دليلاً على لؤم الطبيعة وأجرامها فلماذا لا يحق للمكروب أي الجراثيم (البكتيريا) مثلاً أن تعد ما ينالها على يد الإنسان من المصائب دليلاً على لؤم الطبيعة وأجرامها أيضاً، أرأيت لو أن للجراثيم فكرة فلسفية إذن لشد ما كانت تسخط على العالم وتمقت الطبيعة! وحقاً إن الدنيا هي حسب نظرها فاجرة لئيمة تزداد على ممر الأيام جوراً وطغياناً، فالمكانس الفظة والمذاود الشديدة البطش والأكسجين الغليظ الكبد والماء الساخن الفتاك تتآمر جميعها على إزهاق أرواحها وكل ما فيه رزقه وبقاؤها يزال فيلتف، وما أن يزال هلا من حامض الكربونيك عدو يحارب الحياة في أجسادها ويترك حركات المرح والنشاط منها رجات نزع ورعدات حمام يستوي فيها من هذه الجراثيم البار والفاجر والطيب والخنيث، وترانا مع ذلك نعد هذا العمل الذي تراه البكتيريا أو ما من الكون وطغياناً من الطبيعة نعمة كبرى وعملاً صحياً جليلاً جديراً أن يفخر به ويهنأ عليه.
وإني لأكاد أتخيل ذبابة من ذلك النوع الذي يعشق النفوس المحفورة في بعض أصناف العملة وغيرها من النقوش والتصاوير (وعشق بعض الذباب للصور ولرسوم هو ما تشهد به ربات المنازل ومدبرات البيوت) - أقول كأني بإحدى هذه الذباب قد صادفت في بعض رحلاتها ذلك التمثال الجسيم. تمثال بافاريا فماذا تري يكون موقفها إزاء هذا البناء الضخم وماذا تكون حيرتها وتعجبها وماذا يكون إنكارها واستهجانها؟ لاشك سترى الذبابة في هذا
стр. 1614
التمثال كتلة لا شكل لها ولا صيغة ولا مبدأ ولا نهاية ولا أدنى آية على عقل أو حكمة أو نظام أو مبدأ - وجانب من هذه الكتلة أنعم من خدود الحسان، وفي ذلك المكان انبعاج لا يهتدى فيه إلى أصل ولا فصل، ثم إذا قيض لهذه الذبابة أن تقضى أيامها في جوف هذا التمثال لكان من المرجح أنها تضع مؤلفاً ضخماً يتناول هذا الكون الذي يحتويها بجميع أصناف الهجاء والطعن تقرر فيه الذبابة المذكورة فساد خطة دنياها واختلال ميزانها ووضوح خرقها وبلهها، وحمقها وسفهها، موردة في سبيل ذلك من الأدلة كل دامغ قاطع، ومن البراهين كل ناطق ناصع، مما لا يدع في قلوب سائر الذباب من بنات جنسها أدنى مجال للشك في صدق قولها وصحة قضيتها، حتى لا ترى فرداً من سكان هذا العالم (أعني تمثال بافاريا) إلا قد راح مقتنعاً بصواب ذلك الرأي معتنقاً لذلك المذهب على أن الذبابة لم تصل بعد إلى الحقيقة ولم توفق إلا إلى الضلال والخطأ وهذا ما يمكنها معرفته من أحقر الكتب المعنونة دليل بافاريا.
لا لا! ما أحسب فلسفة التشاؤم إلا هازلة، وما أظن فلاسفة التشاؤم إلا مازحين، وكل ما فيها من الحق هو تأفف شديد من ضعف إدراكنا وعجز أذهاننا، فترى أحدنا يود لو يقف على سر تركيب الكون ولكن هذا ما لا يكون أبداً فلا جرم أن تجدنا نغضب ونغتاظ على الكون حتى نظل بحال الهمجي المتوحش الذي يتصدى لبعض الآلات الدقيقة التركيب من مبتدعات العلم ومخترعات المدنية يحاول حل لغزها حتى إذا أعياه ذلك وباء بعد الجهد الجهيد بالخيبة اشتد حنقه على الآلة فرمى بها إلى الأرض غضبان أسفاً، وكذلك الإنسان يحسب أنه سيد الكون ولكن الأيام لا تبرح حتى تريه أن سيادته ضيقة المجال قصيرة الباع فيضيق من أجل ذلك صدره ويسوء خلقه ثم ينفث غيظه في صورة نظام فلسفي يسميه مذهب التشاؤم وإذا كان ذلك كذلك فلم لا نسمي الطفل الذي يبكيه أنه لا يستطيع تناول القمر باليد فيسلوفاً أيضاً؟ غير أن الطفل يمكن شفاؤه من داء الفلسفة برشفة من العسل أو قطعة من الحلوى.
على أن من أحسن التفكهة وأمتع التسلية أن ترى هؤلاء الفلاسفة - فلاسفة التشاؤم - يعلم كيف يهتدي إلى المضغة السائغة واللقمة الطيبة الكريمة فهو الذي يعرف من أين تؤكل الكتف وأنه بعد الغلو الفاحش في ذم الحياة والحض على إعدام الجنس الآدمي واستئصاله
стр. 1615
تراه يختم بالزواج رواية غرامية ويظهر بعد ذلك رغبة شديدة في سائر مطايب العيش ومحاسن الوجود، فالفلسفة عند هؤلاء الفئة ضرب من لباس التشريفات يلبسونه في الحفلات الرسمية ليروعوا به نفوس المشاهدين من العامة ويهولوا بمنظره الفتان قلوبهم ويبهروا أبصارهم، ومن تحت الحلة الموشاة والثوب المطرز القميص المعهود من التيل أو الكتان.
وهناك فضلاً عن هذه الفلسفة النظرية الكلامية التي تترك صاحبها يأخذ أقصى ريه وشبعه من مناعم الدنيا صنف آخر من التشاؤم أعني التشاؤم الفعلي الحقيقي وأرباب هذا النوع لا يجادلون ولا يناظرون، وليس لهم مذهب فلسفي وقوانين مشروعة ولا شروح ولا تفاسير، فهم لا يحاولون أن يذكروا أسباب فساد الكون وخطأ سننه ونواميسه، وإنما يبغضون الدنيا من حبات أفئدتهم ويكرهون جميع ما تظل السماء. وتقل الغبراء، من سويداوات ضمائرهم ويرون أن قبح العالم ولؤمه واختلاله جديرة أن تغري الإنسان بالانتحار. أقول مثل هذا النوع من التشاؤم لا يقبل المناقشة والرد وإنما كل ما يستطاع أزاءه هو أن يتناوله الإنسان بالتحليل والتشريح للوقوف على أصله وعلته، فبإجراء هذا يعلم أن هذا التشاؤم هو أحد أعراض مرض العقل في بدايته أو عند بلوغ أقصى شدته، وقد شاهد الأطباء وعلماء النفس أن الجنون كثيراً ما يظهر في ابتداء أمره بحالة الماليخوليا (أعني الاكتئاب المجهول السبب) فترى المصاب يلازم الحزن والإطراق ويعتزل الناس ويرمي كل ما في الوجود بعين البغضاء والمقت، والسر في ذلك أن في عضو التفكير العقل خاصة مرعبة مخيفة وهي أنه إذا أخذت فيه عوامل الفساد تنبأ بما سيكون من جليل خطبه وهائل مصابه وكان له القدرة على تتبع مسرى الداء فيه والعلم بأن التلف مصيره والخراب مآله وهكذا يحصر العقل نظره في أمر اضمحلاله وانحلاله وتستغرق التفاته هذه الرواية المحزنة حتى لا يبقى لسائر أمور الدنيا من هذا الالتفات والنظر إلا فضلة خسيسة لا تريه من الدنيا وأشيائها إلا أشباه الأشباح الضئيلة، فلا غرو أن كانت الدنيا تتراءى لمثل هذا العقل المصاب مثلما تتراءى للعين الرمدة أعني عالماً مملوءاً تشوشاً واختلاطاً وظلمة، فشعروا التشاؤم والتبرم قد كانوا ولا شك مراض العقول، فالمشاعر لينو مات مجنوناً، والشاعر ليوباردي كان يشتكي علة في عضو التناسل قد عرفها الأطباء من أمراض العقل، والشاعر (هاين) بدت
следующие страницы →